تحميل رواية «أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجزء الخامس من أحفاد الجارحي ترويض الشرس تركت يدك مرة فواجهتني الحياة بكل ما امتلكت من قوةٍ، وكأنها تخبرني بأنني مخطئة حينما سحبت قوة أماني من بين أحضانك، فاشتقت لضمة قبضتك القوية التي تساندني حينما اتعرقل بين زقاق أوجاعي، عساك تعلم بأن تلك الفتاة البسيطة ستواجه ما سيجعلها تتوق لوجودك لجوارها، ولكن تــــــرى هل ستجدك تشدد من ضمة يدها مثلما كنت تفعل أم ستبعدها عن جحيمٍ كانت سبب في اقتداد نيرانه!!!!!
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الحادي عشر 11 - بقلم آية محمد رفعت
#أحفاد_الجارحي5...(#ترويض_الشرس!..)
#الفصل_السابع(جزء ثاني..)
إهداء الفصل للقارئات المميزات "نفين عبد السلام "،"مريم كامل" والجميلة "سمية"،"ام ميدو" ، شكرًا جزيلًا لدعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم ...قراءة ممتعة 💙)..
خطوات تردد صداها بأرجاء الغرفة، وكأن باحتكاكها رسالة بهلاكٍ وتوتر لما سيقع فوق رؤسهم، الاجواء كان يقبضها خوفًا من القادم، وأبشع ما يورد للعقول النتيجة المتوقعة لما ارتكبه احمق العائلة، ووسط تلك المشاحنات العصيبة مازال صوت الحذاء يزعج آذان جميع من بالقاعة، إلى أن قرر "رائد" قطع تلك الدعسات التي تزيد من أحمالهم:
_اهدى بقا يا أخي واقعد في جنب، خيلتني!
صفق حازم يد بالاخرى وهو يردد بخوفٍ يكاد يبتلعه حيًا:
_اهدى ازاي بعد ما بلغتم عدي باللي حصل!
والقى نظرة حادة اخترقت وجوههم جميعًا قبل أن يخرج عن طوره:
_انا مشوفتش في حياتي ناس ندلة وخسيسة زيكم.. ده جزاتي اني إستأمنتكم على سر من اسراري العسكرية، بدل ما تساعدوني وتاخدوا بيدي رايحين تسلموني للوحش وش!
تمدد جاسم جوار رائد على الاريكة الجلدية، وقال وهو يهاجم نوبات نومه العزيز:
_لما مصايبك ميبقاش ليها حل هنلجئ لمين يا سبع الرجال!
مال رائد برأسه على مسند الاريكة الخلفي بتعبٍ لحق نبرته الهادئة:
_مهو مفيش غير اختيارين يا ياسين الجارحي يا الوحش.
كظم غيظه، واستدار تجاه ياسين الذي يتابع ما يحدث بينهم بصمتٍ بارد، فحاول استدراجه لمنطقته النائية:
_أخر حاجة كنت أتوقعها انك انت اللي تبلغ عني، بقى أنت اللي تعمل فيا كده أنت!!!
هو الدنيا جرا فيها أيه يا جدعان!!
حطم أحمد جلبابه المعتم حينما صاح بانفعالٍ شرس:
_قسمًا بالله لو محطيت لسانك في بوقك واتركنت في أي زواية تلمك لحد ما نشوف مخرج من المصيبة السودة اللي وقعتنا فيها دي لاكون أنا اللي ساحب قلبك من مكانه.. عشان ارتاح من حظي الاسود اللي موقعني مع أخ غبي زيك!
ابتلع حازم ريقه برعبٍ من الحالة الغريبة التي تسيطر على أخاه، فتراجع للخلف بظهره حتى سقط جسده تلقائيًا على أحد المقاعد المنفردة للخلف، وراح يتساءل بصوتٍ ظنه غير مسموع:
_أحمد وخرج عن رزانته طب مين اللي هيحميك من شر ابليس اللي في الطريق ده!
لمعت عينيه ببريقٍ خبيث، فطرقع أصابعه وهو يخرج هاتفه بحماسٍ:
_هو مفيش غيره!
********
بالطابق الثاني من القصر وبالأخص بغرفة"حمزة"
مل وهو ينتظر بالفراش لأكثر من ساعتبن متتاليتين، حتى أن النوم قد غلبه فاهتز رأسه للأسفل بعنفٍ حينما سقط من اعلى الفراش، فامسك بالغطاء السميك باستماتةٍ حتى تفادى سقوط جسده بأكمله خلف رأسه المخمور بالنوم، فأحكم المئزر الواسع حول الشورت القصير الذي يرتديه، فنجح بإخفاء بطنه المنتفخ كالبلور، فلم يهتم يومًا بلياقته البدنية على عكس ابناء أعمامه، فلم يغزو الشيب رأسه فحسب بل سرى على جسده البطن المنتفخ التي لا تليق أبدًا بجسده الرفيع، فتح حمزة عينيه بمللٍ وهو يناديها:
_أنا بنـــام يا توتووووو لسه قدامك كتير!!
اتاه صوتها من خلف باب الحمام الموصود تخبره:
_لا خلصت وخارجة أهو يا حبيبي.
ذم شفتيه باستنكارٍ ساخرٍ:
_بقالك ساعتين بتقولي خارجة، هموت وأعرف بتعملي أيه كل ده جوه.
وعاد ليتمتم بغضبٍ:
_الستات دي ليها الف لغز، عاملة زي اللب الاسود اللي جوه البطيخة.. ومن كتر حبك فيه مضطر تاكله حتى لو اللب الرزل هيضايقك ويمغص عليك عيشتك المطينة بطين!
إشرأبت بعنقها من خلف باب الحمام، تتساءل بحدةٍ:
_بتقول حاجة يا حمزة؟
جحظت عينيه في صدمةٍ لجأت به لرسم بسمة ساذجة:
_أبدًا يام أحمد يا غالية.. ده أنا بقول هستانكي حتى لو لأخر يوم في عمري اللي بيتلهط وأنا لسه قاعد مكاني على السرير بستنى طلتك البهية!
وجذب الوسادة ثم قذفها خلفه بغضبٍ يكبته بداخله قدر المستطاع حتى لا تنتهي ليلته الوردية بخناقٍ سيودي بمشاعره، فجذب من جواره وعاء حبات الذرة الشهي، فأخذ يلتهمه بشراسةٍ تطفئ غيظه من زوجته، فانسجم قليلًا مع الفيلم المعروض على الشاشة التي تقابل فراشه، وفجأة اطبق فمه على بعض من حبات الذرة وانغلقت عينيه استسلامًا لنوبة مؤقتة من النوم، فسقط رأسه بعنفٍ على الكومود لينزع عنه الوعاء الذي تبعثر بانحاء الغرفة، نهض حمزة عن الفراش وهو يتأمل حالة الفوضي التي يشملها الفراش، فوزع نظراته بين الفراش تارة وبين باب الحمام الذي يدور مقبضه تارة اخرى، وقبل أن يتحرر بها كان يندفع بكل قوته تجاه الفراش ليخفي حبات الذرة واذ بوجهه يشتعل بحمرةٍ غريبة، جعلت تالين تتساءل بقلقٍ:
_مالك يا حمزة.. أنت كويس؟
هز رأسه ببسمة اقرب للبكاء، وبهمسٍ مؤلم قال:
_عمودي الفقري بس قافش حبتين..
واسترسل وهو يجذب الغطاء ليخفي ما يخفيه جسده من اسفله، وتمتم بسخطٍ وهو يحاول الاعتدال بفراشه:
_هي ليلة باينة من اولها..
ومع كل تلك التعقيدات مازال يرسم ابتسامة وهو يشير لها بغمزةٍ ظنها جريئة على عكس ما رأتها تالين فحدجته بنظرة ساخرة، ومن ثم اتجهت للسراحة، تلاشت معالم السعادة على وجهه وراح بتساءل بقهر:
_انتي راحة فين تاني!
جذبت المِشْطُ وأخذت تمشط خصلاتها وهي تجيبه بضيقٍ دون أن تتطلع تجاهه:
_في أيه يا حمزة.. هو أنا اجبرتك تقعد وتستناني ما تنام!!
كز على اسنانه ومن بين اصطكاكهم قال:
_عطوا الغبي كشكول وقلم وقالوله اقرأ!!
كاد بطرح سيل من الحكمة المتعارفة بقاموس حمزة الجارحي فقط، ولكن صوت هاتفه جعله يتغاضى عن معركة الجدال فيما بينهما، جذب هاتفه ليجد رسالة جعلت معالمه تتكمش تأففًا، وخاصة وهو يقرأ محتوياتها
«ابنك هيتعلم عليه في بيتك وفي وجودك يا ريس..»
ترقب حازم رؤية رد من أبيه، ولكنه على غير عادته تجاهل رسالته، فعاد ليرسل له عله يحفز خلاياه
«هو ده العشم والانصاف، هيجيلك قلب تنام وعارف ان ابنك محتاجلك!»
القى حمزة هاتفه بعيدًا عن يده بعدما جعله بوضع الصامت، وترقب لحظة جلوس زوجته لجواره بابتسامة برزت اسنانه، وسرعان ما تلاشت ابتسامته حينما وجدها تندث أسفل الفراش وتغمر جسدها بالغطاء، لتغوص بنومٍ مريحٍ، والآخر يراقبها ببلاهةٍ، اهتز هاتفه مجددًا فجذبه بغضبٍ ليقرأ رسالة حازم الاخيرة
«كده... يكش تفضل عمرك كله تستنى الليلة اللي عمرها ما هتحصل دي يا زيزو.. بقى يا راجل انا بستنجد بيك تقوم تطنشني، عموما براحتك انا كنت محضرلك صبغة وشوية كريمات مساج ترجعك صغير ولو 30سنة، بس انت مالكش في الطيب نصيب.. نام واتدفى يا حاج»
قذف حمزة هاتفه ارضًا بغيظٍ، ثم احكم اغلاق مئزره واتجه للاسفل ليرى ماذا هنالك؟
******
صوت بوق سيارة عدى المميز، جعل قلب حازم يندفع رعبًا من القادم، وفور ظهوره يقترب على باب القصر جعله يهرول للأريكة التي يقطن بها أخيه الذي يرمقه بسخطٍ، وهو من ينوي تسليمه يد بيد، وقف عدي قبالة ياسين وتساءل:
_أيه اللي حصل؟
صعد حازم فوق ساق أحمد وتعلق به كالطفل الصغير الذي يحتمي بوحشه الملائكي، عله يحمله ويرفرف بجناحته بعيدًا عن مكان وجود الوحش الاشرس، قذفه أحمد بعيدًا عنه بنفورٍ، ومع ذلك لم ينجح بابعاده عنه كليًا، همس حازم بصوت متقطع بائس:
_متقولش يا ياسين.. خليك جدع.
وكأنه تلقى دعوة صريحة بالحديث، ففور انتهائه من اوامره الحمقاء،طرد ياسين ما بجوفه:
_البيه المحترم باعت رسايل حب وغرام لزوجة "طوني فضل". والراجل قالب عليه الدنيا من شرقها لغربها وبعتله رسايل تهديد!
ظهرت يده من خلف جسد احمد وهو يشير بالنفي معللًا:
_كنت فاكراها حفيدته وعهد الله... معرفش انها مراته!!
واسترسل بضيقٍ:
_انا مش عارف الراجل ده مش بيستنضفله حتة ربع عمر ليه!
اتجهت نظرات عمر اليه، فأشار له بغضب:
_لو عايز تنجي بعمرك النهاردة بطل احكامك وافتراضاتك عشان نعرف ننقذ ما يمكن انقاذه..
ابتلع ريقه بتوترٍ، فازاح ذراع احمد وجلس ملتصقًا به ثم عاد ليفرد ذراعيه على الأريكة من جديدٍ، طال صمت عدي مما دفع رائد ليسأله باهتمامٍ:
_هنعمل ايه دلوقتي يا عدي، الصفقة اللي بيني وبين طوني لو متمتش هتحمل خساير كبيرة.. وأنت عارف اي خسارة من غير وجود عمي هيكون مردودها ازاي!
اتجهت نظراته الثاقبة تجاه حازم، وصاح بعصبيةْ خطيرة:
_لو عمل كده هيبقى معاه كل الحق، انا لو مكانه قسمًا بالله كنت انتشلت قلب الحقير ده من مكانه.
وأشار باصبعه تجاهه وهو يأمره بالاقتراب، فلم يمهله أحمد فرصة التفكير بعواقب الامر، بل دفعه بكل قوته ليواجه مصيره بمفرده تلك المرة، بعدما نفذ صبره في امتداد محاولات انقاذه، وقف الاخير قبالته بنظراتٍ فزعٍ تترقب لحظة هجومه، فوقف الاخير صامدًا من أمامه ومن ثم واجهه بالحديث:
_انت مش هتبطل القذارة اللي في دمك دي، انا حقيقي مش عارف انت هتعقل أمته!
وانطلقت شرارته تصاحب صوته الرعدي:
_راعي ابنك ومراتك اللي على وشك ولادة..
واسترسل بحدة:
_أنا مش همد أيدي عليك،انت مبقتش صغير للهبل ده..دي أخر غلطة ليك يا حازم والا وقسمًا بالله أخليك تتحسر على اللي باقي من عمرك.. سامع!
_ليــه كده يا عدي يا ابني... نهيت الموضوع بدري كده ليه... امال فين لكماتك وطولة دراعك اللي ربنا من بيه عليك.. راح فين تهورك وفرد عضلاتك.. انت بطلت تروح الجيم ولا أيه يا حبيبي؟
كلمات متحسرة لفظ بها حمزة بعدما تحطمت سعادته التي زرعت بعدما علم مع من علق ابنه، فتعشم ان يعيد عدي تربيته من جديدٍ، وحينها ستبرد نيران قلبه جميعًا التي كان هذا الأحمق سببًا اساسيًا بها، قطع حمزة الدرج حتى بات بالاسفل امامهم جميعًا، فكبت معتز وجاسم ضحكاتهما بصعوبةٍ بالغة على المئزر(الروب) الذي يرتديه حمزة، اقترب منه ثم حمسه قائلًا:
_انت خايف على زعلي! ولا يهمك يا حبيبي خد راحتك وبالقوي كمان.
واتجه للمقعد الذي يتوسط القاعة وهو يشير له:
_أنا هقعد هنا اتفرج ولا كأني موجود .
دنا منه عمر ثم انحنى تجاهه وهو يسأله بحيطةٍ:
_انت كويس يا عمي؟
رفع احد حاجبيه بذهولٍ:
_باين اني تعبان ولا ايه!
كبت عمر ضحكة كادت بالانفلات منه، فربت على كتفيه وهو يخبره بحنانٍ:
_طب اطلع البس هدومك لتاخد برد!
لم ينجح حازم في كظم غيظه والبقاء هادئًا حتى لا يخرج عدي عن طور هدوئه الغريب هذا ومع ذلك اشار لوالده بحنقٍ:
_اطلع استر نفسك ليجيلك روماتيزم على القلب ولا حاجة... العضمة كبرت وكل ما تحافظ عليها كل ما تنعم بجزء من المناعة..
نهض حمزة عن مقعده بعصبيةٍ بالغة، فاندفع تجاهه بسرعة حررت المئزر ليكشف عن بطنه المتدلي، فكاد بجذبه من رقبته لولا تدخل جاسم الذي حمل حمزه وابعده من الوصول لحازم والاخير يصيح بغضب:
_انت طالعلي من انهي بلوة... ده انا لو كسبك في كيس شبسي يالا كان هيبقالك اي صلاحيات مفيدة في الحياة!
هرول به جاسم للخلف وهو يردد بتعبٍ من الحمل الذي يقع اعلى ذراعيه:
_استهدى بالله يا عمي واطلع اوضتك... سيب عدي هو هيظبط المغفل ده.
على صوت حازم وهو يجابه اباه:
_مهو ده تمامك يا حاج.. انك تكسبني في كيس شبسي اصل توتو خلاص مبقتش راضية عنك.. وطول مهي مش راضية عنك هتفضل كده بالروب طول النهار!
انفطر معتز بالضحك وترك حازم عن يده، فلكمه رائد وهو يصيح به:
_اخرس بقا... لسه بنحاول نلم مصايبك!
اشار له حمزة:
_سيبه يا رائد خليه يجيني ده انا شايل منه وناوي اخلص عليه الجديد والقديم..
أغلق جاسم مىزر حمزة وهو يربت على كتفيه، وبانفاس مختقنة من فرط المجهود قال:
_سيبك منه يا عمي... واطلع اوضتك الله يكرمك.
كاد بأن يجيبه ولكن حانت منه نظرة جانبية مندهشة لمن يتابع معركتهما ببرودٍ، فاتجه اليه وهو يردف بسخطٍ:
_أنت مش ابني ولا كسبك في كيس شبسي انت كمان؟
رفع أحمد نظراته تجاه ابيه بمللٍ، فصاح الاخير بصوت صاخب:
_قوم فز دافع عني.. أنا مش ابوك ولا انت كمان العضلات دي نفخ!!
وكأنه كان ينتظر احد يدفعه خارج قوقعته الخاصة، نهض احمد بآلية تامه عن الأريكة واتجه ببرودٍ تجاه أخاه، وباغته فجأة بلكمة اصابت أنفه فجعلت رأسه يدور كمن يحاط به الطير، ليسقط أرضًا فاقدًا للوعي تحت نظرات صدمة من الجميع، وعلى رأسهم حمزة الذي ابعده لينحني برأسه تجاه حازم الذي يحتضن الارض، فتفحصه وهو يردد بخوف:
_انت عملت ايه في الواد!!
بثباتٍ ودون أي ذرة ندم قال:
_دفعت عنك زي ما حضرتك طلبت... أي أوامر تانية ولا أطلع اوضتي.
ابتلع حمزة ريقه ببعض الخوف من تمرد العنف بأعين ابنه الهادئ فبات أشد خطورة، لذا اشار له ببسمة مصطنعة:
_لا يا حبيبي اطلع انت نام وارتاح ومتقلقش ابوك هنا..
تمتم ساخرًا وهو يصعد للاعلى:
_مهو ده اللي مطمني!
راقب حمزة انصرافه ثم عاد ليتفحص الجميع بنظرةٍ متفحصة انتهت بابنه الراقد ارضًا وعلى ما يبدو بانه بحاجة لان يحمل للاعلى أولًا ولطبيب ثانيًا، لذا اعاد اغلاق مئزره وهو يخبرهم بمهنيةٍ لا تشبهه بتاتًا:
_طب يا ولاد..ورايا شغل كتير بكره تصبحوا على خير.
وتركهم واسرع للاعلى، ولحق به رائد وعمر، انحنى معتز وجاسم اليه في محاولة لايفاقته، بينما تحرك عدي لاقرب مقعد، فجلس يراقبهما بمللٍ وهم يحاولون افاقته، انتبه عدي لنظرات ياسين وابتسامته الغريبة بمراقبته، فسأله باستغرابٍ:
_لسه في مصايب تانية ولا استكفينا النهاردة؟
تغاضى عن سؤاله وقال بنبرة هادئة:
_ياسين الجارحي نجح في اللي عايز يوصله.
تجعد جبينه بدهشةٍ من مقصده، فاسترسل ياسين حديثه الغامض:
_تصرفك الغير منطقي دلوقتي اكتسبته بفضل المكتب ووجودك جنبنا، يمكن دي مكنتش هتكون ردة فعلك لو كنت لسه ظابط شرطة..
_قصدك ايه؟
علل ما يود طرحه حينما قال بسلاسةٍ:
_قصدي انك لما بعدت عن الضغوطات وشغل الشرطة اللي كله سلاح ومطاردة ودم تفكيرك بقى رايق زي ياسين الجارحي بالظبط.. والدليل تحكمك بانفعالاتك مع الغبي ده!
واشار بابهامه على حازم الذي مازال يحتضن الارض كالصورة التي لا تسمح لملتقطها بالفرار عن ساحتها، اعتدل عدي بجلسته ثم اخبره بسخريةٍ:
_حد قالك اني كنت ماشي أقتل في خلق الله!
ابتسم وهو يجيبه بصدرٍ رحب:
_انت كنت كده فعلًا.
رفع حاجبيه بسخطٍ على صراحته المبالغ بها، ومع ذلك تغاضى عن حديثه وهو يسأله بجدية:
_ماله أحمد.. شكله مش مظبوط!
رد عليه بحيرةٍ:
_مش عارف حقيقي... ورجع من المقر بدري النهاردة على غير عادته.
جذب هاتفه وهو يهمس اليه:
_هشوف ماله؟
*******
القى معتز سطل المياه عن يده بارهاقٍ اتبع نبرته:
_خلاص يا جاسم احنا نسيبه مرمي كده لبكره الصبح.. ما باليد حيلة!
ابتعد جاسم عن حازم فسقط ارضًا، فازاح حبات العرق عن جبينه بتعبٍ:
_عندك حق انا حيلي اتهد!
ورمق التراس بحيرةٍ اتبعت سؤاله:
_بس هنسيبه كده في البرد ده؟
حك معتز ذقنه بتفكيرٍ انهاه حينما قال:
_خليك هنا انا شوية وراجع.
وعاد بعد دقيقة بما يحمله بيده، فطرح الغطاء عليه ثم قال ببسمة واسعة:
_كده فل اوي... بينا نريح ساعتين قبل الشغل.
وكادوا بالصعود للاعلى، فاوقفهم عمر الذي هم بالهبوط للاسفل:
_انتوا رايحين فين؟
اجابه معتز بغيظٍ:
_كلك نظر الصبح داخل وحابين نريح شوية.. ايه وجه الاعتراض هنا!
اضاف جاسم:
_مش فاهم حقيقي!
اشار عمر للاسف وهو يلوك حبات البندق الشهي:
_شيلوا الحيوان ده وطلعوه لمراته.
جحظت عين جاسم الذي تحرر عن مرقد عصبيته:
_لأ... شيل تاني لأ... حرام عليكم انا هموت منكم هنا..
وصعد للاعلى وهو يردد بحنقٍ:
_ومفيش تصبحوا على خير..
غادر من امامهما والاخر يتابعه بصدمةٍ، اتبعت سؤاله:
_ماله ده؟
اجابه معتز بضحكة ساخرة:
_عمك قام معاه بالواجب.
عاد ليلوك ما بيده بتسليةٍ، ثم اشار لمن يقف قبالته:
_بينا نطلعه احنا.
وبالفعل اتجه عمر ومعتز لحمل حازم والصعود به للاعلى.
وبعد محاولات مستمية لحمله، نجح عمر ومعتز في نقله للمصعد، فالقوه جانبًا ثم اخذ كلا منهما يلتقط انفاسه بارهاقٍ، صاح عمر بعصبيه:
_الاسانسير هيتحرك من نفسه ولا ايه!
فهم معتز ما يلقيه عليه، فعبث بازرر المصعد بالطابق الرابع، ووقف كلا منهما يترقب لحظة وقوف المصعد، عادوا لحمله ثم استدروا تجاه باب غرفته، فطرقوا الباب ثم ولاوه ظهورهما حتى لا يكشفن عن ستر زوجته، فما ان فتحت الباب حتى تفاجئت بوجودهم، فحمدت الله بأنهم منحوها بعض من الخصوصية، فعادت للداخل وعقدت حجابها ثم اتجهت اليهم تتساءل بقلق:
_في ايه يا عمر؟
اجابها وهو يشير لها بالتنحي جانبا:
_ولا اي حاجة... هو واخد بنج رباني هياخدله بتاع اربع خمس ساعات تغفيلة كده.. متقلقيش.
اتبعتهما للداخل قائلة بسخريةٍ:
_هقلق ليه هو اللي جايب لنفسه المشاكل وجايبلي وجع الدماغ جنبه.
القاه معتز على الفراش وهو يصيح بغضب:
_تعبت امي يا جدع... يا ساتر!
ثم تطلع لنسرين وقال ببسمة عريضة:
_احنا اسفين اننا دخلنا في الوقت ده بس ما باليد حيلة مكنش ينفع نرميه تحت مع ان كان نفسي والله بس دكتور عمر قلبه رهيف على المرضى بتوعه وشايف ان المريض حالته هتتحسن في سريره من باب يموت في فرشته احسن ما يطلع عين اللي حوليه صح يا دكتور؟
أشار له باعجابٍ لاتقانه حكمته المتفانية:
_بالظبط..
ثم تطلع لها وهي يسحب الاخير خلفه:
_زي ما قولتلك بلاش تقلقيه سبيه ينام براحة راحته... تصبحي على خير..
وغادروا معًا وظلت هي محلها تتامله بغيظٍ وغضب تردد بهمسها الساخط:
_هببت ايه المرادي!
*****
وعد أحمد عدي بالحديث معه بالمقر صباح اليوم التالي، فاحترم الاخير رغبته واغلق الهاتف، فقال ياسين بقلقٍ:
_الموضوع كبير للدرجادي!
وضع عدي هاتفه بجيب بنطاله ثم اعتدل بجلسته وهو يجيبه:
_يمكن الموضوع متعلق بليان.. البنت كبرت واسمها هسببلها مشاكل نفسية كبيرة.. متنساش كمان تعلق اسيل الكبير بيها.. وخصوصا بعد ما حملها ما كملش.. حتى بعد السنين دي كلها لما ربنا عوضها بآويس بس حبها مازال أكبر لليان.
كاد بأن يجيبه ولكن قاطعهما صوت طفولي رقيق، ينادي بخفوتٍ:
_بابي.
انتبه عدي لصوت ابنته التي تقف بالقرب من الدرج ويبدو عليها الحزن الشديد، فقالت بانزعاجٍ:
_بقالي أكتر، من ساعتين مستانية حضرتك ومامي زعلانه مني عشان معاد نومي فات من بدري.
نهض عدي عن الاريكة، ثم اقترب من ابنته وانحنى على ركبتيه ليكون على مستوى قريبًا منها، فضم خديها بين لائحة يده وهو يخبرها :
_أنا آسف يا روح قلبي، حقيقي انشغلت ونسيت انك مستانياني.
وحملها بين ذراعيه ثم استدار تجاه ياسين ليسترسل بضيقٍ:
_هو انا هفتكر أي شيء خاص بيا طول ما أنا وسط المشاكل!
وحملها واتجه للأعلى ومازالت بين يده، ولج لداخل الغرفة، ثم افسح المجال للخادم الذي اتى بعلبٍ الطعام مثلما طلب منه، فوضعها على الطاولةٍ وغادر على الفور، دلف عدي بابنته التي اجلسها على ساقيه ثم قال بحبٍ:
_كلتا أذني صاغية... أيه بقى الموضوع المهم اللي عايزاني فيه؟
قالت بنومٍ يغلب صوتها:
_مامي هتقولك..
بحث عدي بعينيه عن معشوقة قلبه فلم يجدها، وفور سماعها لتلك المهمة التي وكلتها بها ابنتها حتى خرجت من جوار السراحة تشدد:
_لا يا حبيبتي بلغي بابي قبل ما تروحي اوضتك.. عشان نبقى على نور كده.
راقبهما عدي بحيرةٍ، الى ان قالت الصغيرة:
_أنا عايزة اطلع رحلة نظمناها انا وصديقاتي مع ادارة المدرسة لشرم الشيخ.
اعاد خصلة شعرها البني المتمردة على عسلية عينيها لخلف آذانها وهو يجيبها:
_طب وأيه المشكلة في كده؟ .. خدي ياسين معاكي.
قالت بتردد ظهر بحديثها:
_ياسين عندهTest بعد بكره.. ومش هيقدر يطلع معايا... لكن فصلي اختبر خلاص.
رمش بعينيه بثباتٍ، ثم قال بنبرة مازال يدفئها حنانه المباغت به تجاه ابنته:
_خلاص يا رحمة مش هتقدري تطلعي من غير اخوكِ.. أنا مش هقدر أخليكِ تسافري لوحدك حتى لو المدرسة كلها كانت معاكي بالرحلة دي!
انشق الحزن على وجهها، فقالت بصوتٍ يهزه الضيق:
_بابي ياسين تؤامي يعني من سني..وحضرتك كل حاجة تخصني بتوكلها ليه هو!
وبرجاءٍ قالت:
_انا هكون مع صديقاتي وهعرف اخد بالي من نفسي.
نهض عدي عن الاريكة ثم اتجه للخزانة، يبدل ملابسه لبنطال قصير، وتيشرت أزرق قطني يريحه من الحلى التي لا تفارقه، وقال وهو يعيد تصفيف خصلات شعره البني التي طالت بعض الشيء:
_روما النقاش بالنقطة دي منتهي.. مفيش سفر لوحدك.. ممكن بعد ما اتفرغ الفترة الجاية نسافر كلنا مع بعض لشرم.
واستدار لها وهو يستطرد:
_الوقت اتاخر ولازم تنامي... تصبحي على خير يا حبيبتي.
كبتت نظراتها المغتاظة خلف دموعها، وغادرت بصمتٍ، تطلع عدي لمن تقف على بعدٍ منه، شاردة بالاريكة التي حملت طيف جسد ابنتها منذ قليل بحزنٍ، فقال برفقٍ صاحب صوته الرخيم:
_مينفعش اخليها تسافر لوحدها من غير اخوها يا رحمة!
مجرد شعورها بخوفه من حزنها على قراره اسعدها، فدنت حتى باتت قريبة منه ثم قالت:
_انا معاك في قرارك يا حبيبي، انا نفسي رفضت بس اصريت انها تسمع الكلام منك افضل.
منحها ابتسامة جعلت فرحة الكون باكمله تحتضنها، فضمها اليه وهو يشير للطعام بعينيه:
_طب مش هناكل!
هزت رأسها بالموافقة، واتجهوا معًا للطاولة المستديرة بالشرفة، فجلست تتناول الطعام بشرودٍ تام، فتساءل بنظرة تغلغلت لداخلها:
_بتفكري في ايه؟
وضعت الطعام عن يدها ثم ازاحت بقاياه بالمناديل الورقية، واعتدلت بجلستها وهي تحاول البوح عما تود قوله بارتباكٍ:
_اعتمادك على ياسين كبير جدًا.. بحس اوقات انك شايفه شاب كبير وبتتعامل معاه على ده الاساس بالرغم من انه زي ما رحمة قالت من شوية من سنها.. وانت شايفها صغيرة ولسه بتشيلها وبتعاملها كأنها طفلة.. طب ليه الحنان ده كله مش بحس بيه مع ياسين ابنك يا عدي؟
ترك كوب العصير عن يده، ثم نهض عن الطاولة واتجه للسور الحديدي للشرفة، ظنته غضب لما قالته، فنهضت عن محلها واتجهت لتقف جواره، وجدته يبتسم وهو يراقب بقعة بعيدة عن غرفتهما، فراقبت ما يرآه فوجدته يتطلع تجاه شرفة غرفة اولادهم المجاورة لغرفتهما، فرأت ياسين يجلس على الآرجيحة ويحتضن رحمة، يحاول بشتى الطرق ان يوقفها عن البكاء، كان يعاملها كمن يسبقها عشرات الاعوام وليس عشر دقائق فقط، والعجيب انه ظل يهمس لها بكلماتٍ غير مسموعة وانتهى الامر بها بالابتسامة والغفوة على قدم اخيها، ابتسمت رحمة وهي تراقب ابنتها وابنها الحنون، واتجهت نظراتها لعدي الذي ردد:
_هو اللي بيجبر اللي حواليه يعاملوه انه شاب..
واستدار تجاهها ليشير لها بشكلٍ مضحك:
_لو بطل يستفزني ويأيد ياسين الجارحي كنتي هتشوفينا في اطار صداقة محصلتش لمية سنة ورا.. بس ده اختياره الوحيد اللي غبي فيه.
تعالت ضحكاتها بعدم تصديق لما يحمله من غيرة تجاه حب ابنه لجده، فاحتدت نظراته تجاهها لتشير بجدية مصطنعة:
_خلاص خلاص مش هضحك.
وفجأة انفجرت من الضحك وهي تخبره:
_مش يمكن اختياره يكون صح.. وبالتالي هو اذكى مما تتوقع!
اتسعت حدقتيه بانذارٍ صريح لما قد يصيبها، فتراجعت للخلف وهي تشير له بمرحٍ:
_انا بفترض معاك عشان نلاقي حل للمشكلة دي... بدل ما اللي بيحصل بينك وبين والدك يتكرر مع ابني ساعتها هعيش نفس الدور اللي عايشاه ماما آية وهبقى انا الضحية!
ظل يقترب منها وهي تتراجع للخلف ويدها مضمومة لشفتيها لتجبرها عن التوقف عن الضحك حتى لا تقابل مصير قد تندم عليه لاحقًا، ومع ذلك انسحب عنها مرحها حينما باتت سجية لعواطفه، تلك العاطفة التي قذفتها بوابل من المشاعر العاشقة لادق تفاصيلها، التي تناهت عن عقابها لتخطيها تلك الحدود، فتخطت المشاعر الآن كل حدود العشق التي تحفظت بها عليهما!
*******
طوى ضياء الشمس ظلمة الليل الكحيل، لينعم باشراقة خلابة بالصباح الباكر، حاول عمر فتح عينيه مرارًا مع شعوره بوخزة من الألمٍ الحاد بذراعه ومع غلبة النوم كان يندرج خلفه، ومع حدة تكرار الألم انصاع لايقاظه، ففتح عينيه وهو يتأوه بوجعٍ، أصابه بصدمة حينما وجد نور تجلس جواره وتنغزه بسن دبوس الحجاب الحاد، تفحص يده التي ازدادت بالاحمرار وردد بذهولٍ:
_أيه اللي بتعمليه ده يا مجنونة!
وكأنها كانت تنتظر تلك الدفعة لتفجر ما بداخلها، فانطلقت به:
_انت لسه شوفت الجنان اللي على اصله، بقى أنا جايلك جري من عند الدكتورة افرحك بابنك اللي في بطني القيك مشغول بتقيم المسائل.
ردد بسخطٍ:
_مسائل!! وايه ابنك اللي شايلاه في بطنك ده واخداله ايجار جديد ولا أيه!!
عادت لتنغز سن الدبوس داخل لحم ذراعه، فصرخ بالم وهو يبعد ذراعها عنه مشيرًا لها بتحذير:
_نور بطلي جنان على الصبح..
حاولت الاعتدال بجلستها الغير مريحة بالمرة، فتاوهت ألمًا، وقدمت يدها له تخبرها بلطفٍ لا يتناسب مع جرمها المشهود:
_ساعدني كده الله يكرمك.
أمسك عمر يدها حتى اعتدلت بجلستها التي جعلتها تتمكن منه، فعادت لتسترسل حديثها المندفع:
_يعني انا يا ابن الحلال كل يومين هجي اقفش من عندك ستات!! لا في عيادتك رحمني ولا في المقر وسط الناس المحترمين رحمني قولي على حل واحد اسلكه معاه وانا هسلك!
احتضن جبهته بألمًا، فعاد ليتمدد على الفراش وهو يشير لها بنومٍ:
_اطفي بس النور هريح شوية وهنسلك كل الحلول مع بعض بعون الله.
جحظت عينيها في صدمة، فعادت لنغزه من جديد، ففزع في رقدته، نجح عمر بلف ذراعها من خلف خصرها ومن ثم انتشل ما تحمله وهو يردد باستهزاءٍ:
_شغالة اشراف في تعذيب سجون 5غرب!
استحضرت دموعها الماكرة في دقيقة وراجت تندب بتأثرٍ:
_بتضربني بعد السنين دي كلها يا عمر... لا وبتلوي دراعي اللي ياما اعملك الطفح ورتبلك هدومك!
تفاجئ بما تقوله، فابتعد عنها وهو يشير لها بتحذيرٍ:
_نور أنا مش أد مكرك... ارحميني لوجه الله... الاكل اللي بتعمليه بتجربي فيا قبل ما تديه لبنتك وترتيب الهدوم والكلام الاهبل ده مهو اللي طريقة محترمة للتفتيش على اساس اني لو ماشي مع واحدة هخبيها في هدومي مثلًا..
واستطرد بسخريةٍ:
_انا فاهم كل حاجة وعامل نفسي عبيط.. يعني بالبلدي كده واكلها بمزاجي عشان انا طيب وبحبك بس... زي ما عديت اللي عملتيه امبارح ده عشان بس كان على معدتي لاني مكنتش طايق البت دي ولا طايق قعدتي معاها..
صفقت يدها بطريقة مضحكة وهي تقول:
_بدليل انك ساهران معاها وراجعلي وش الصبح!
رفع اصبعه امام وجهها باعتراضٍ مضحك:
_لا عندك... مسمحلكيش انا دكتور محترم وليا سمعتي.
_دكتور ايه بقى ما خلاص ياسين الجارحي علم عليك يا حبيبي.
_ولو حتى لو بشتغل ميكانيكي بس بسمعتي اللي زي الجنية الدهب برضه.
واسترسل ببسمةٍ عنجهيةٍ:
_وبعدين انا كنت مع اخويا بنحل شوية امور وتقدري تروحي تسأليه.
ثم اشار لها ساخرًا:
_وسعي بقى انتي وبطنك دي.. خليني اقوم اخد شاور امشي من هنا قبل ما دماغي تنفجر من عمايلك.
ابتعدت عن حافة الفراش وهي تتطلع لبطنها بعد كلماته بتفكيرٍ، فهمست بتوعدٍ:
_ماشي يا عمر.. وربي لاوريك.
*******
انتهى من عقد جرفاته السوداء حول رقبته، وجذب البرفنيوم الخاص به ليضعه على معصمه، كان يتألق كعادته فحتى وإن كان يعمل بالصخر وسط المجرمين كان يهتم بمظهره، انتهى عدي من ارتداء حذائه وانتصب بوقفته الشامخة ليغادر جناحه، اتجه ليجذب هاتفه عن الشاحن المتصل به، فوجد اكثر من خمسةٍ اتصالات متتالية من صديقه مازن، اعاد زر الاتصال ليجده يجيبه:
_أخيرًا... انا بحاول اكلمك من بدري.
اتاه رده الجاف:
_لسه فاكر تتصل.. انا اديتك ساعات عشان تجبلي المعلومات اللي طلبتها منك جايلي بعد ايام وتتكرم باتصالك ده!
اجابه بجدية تامه:
_عدي الشخص ده مخيف بدرجة ترعب، خافي كل حاجة وراه بشكل مش معقول، وده يخليني اكدلك انه له في الشمال بس على تقيل، رجل اعمال ومعروف زي ده اكيد مش هيهتم بالثغرات اللي وراه بس كونه حريص بالشكل ده يخلينا نتأكد انه وراه مصايب مش مصيبة واحدة... والغريب في الموضوع ان أكتر من حد أكدلي إن مهاب أبو العزم ده راجل كبير وقديم في السوق، بس لما راقبته وشوفته لقيته شاب صغير بتاع 31سنة وده ميتطابقش مع الكلام والمعلومات اللي جمعتها عنه!
ضيق عسلية عينيه بغموضٍ، فقال بثباتٍ ماكر لا يبرز ما خلفه من تفكيرٍ عميق:
_خليك بعيد يا مازن... سبلي انا الموضوع ده.
وانهى اتصاله بكلمة مختصرة:
_هكلمك تاني.. سلام
خرج عدي من غرفته ليجد ابنته تقف امام بابه وعلى ما يبدو بانها كانت بانتظاره منذ فترة، منحها ابتسامة وهو يشير لها بالاقتراب لاحضانه، تعلقت برقبته حينما رأته ينحني تجاهها، فنهض بها وهي بربت على ظهرها بحنوٍ، رددت برجاءٍ طفيف:
_عشان خاطري يا بابي.. انا نفسي اروح معاهم..
ابعدها عنه لتقابل صدق خوفه القابع بعينيه:
_يا حبيبتي انا مش ممانع بس زي ما انتي شايفة اخوكي مشغول.. مين اللي هيروح معاكِ!
انفلتت بنوبة حارقة من البكاء، وخفضت ساقيها عنه، فتركها تنخفض عن ذراعيه، ركضت الصغيرة بعيدًا عنه باكية، فرآها ياسين وسألها بقلق:
_في ايه يا حبيبتي؟
لم تجيبه الصغيرة، اكتفت بتلك النظرة المنكسرة اليه وتابعت ركضها تجاه اخيها الذي يبعد عنهما بمسافةٍ ليست بالبعيدة، دنا ياسين من عدي وتساءل بفضولٍ:
_مالها رحمة يا عدي؟
تمعن بالتطلع تجاه ابنه الذي يحتضن شقيقته ويرمقه بنظرةٍ ثائرة، مغتاظة لما تسبب به لشقيقته، تدافعت ذكريات تلك النظرة لذهن عدي ليتذكر كيف كان يجابه اباه بنفسها، كم هي مؤلمة للغاية ان يناطحه المد بالمد وإن تمكن من شرح وجهة نظره الأكثر حكمة منه له سيتفهم الامر، ترى ما الذي فاته هو أيضًا مثلما فات صغيره!
ترى من الصائب أباه أم هو؟!
_عدي!!
أفاق عدي من شروده على هزة يد ابن عمه وهو يعاود بسؤاله:
_في ايه انت مزعل البنت ليه؟
قاطع سؤاله اقتراب ابنه يحيى، وهو يخبرهما بتوتر:
_أنا ممكن أطلع الرحلة مع رحمة يا انكل عدي.
جحظت نظرات ياسين الذي تكونت بعقله فكرة عما يحدث عنها، فقال بارتباك:
_رحلة ايه، انت مش اختباراتك كمان اسبوعين!
قال على الفور:
_ايوه.. بس ممكن اخد كتبي واللاب معايا واذاكر هناك.
حانت منه نظرة جانبيه تجاه عدي، فدفع ابنه برفقٍ وهو يحثه على الانصراف بطريقة كوميدية:
_امشي عند ماما يا حبيبي.
رفض الصغير الانصراق وتابع:
_انا هخلي بالي منها.. حرام دي زعلانة خالص.
صاح به ياسين بغيظٍ:
_ابوها واقف..الوحش فاكره!
رمقه عدي بنظرة غاضبة سببها طريقة تعامله مع ابنه العدوانية ففهمها غير ذلك لذا تابع ببلاهةٍ:
_معرفوش..
وحك رقبته وهو يهمس له:
_ولد وغلط.. حقه مدفوع.
تجاهله عدي وانتقلت نظراته ليحيى فاخبره ببسمةٍ صغيرة لاحت على شفتيه:
_موافق يا يحيى.. لاني واثق انك هتخلي بالك منها.
تهللت اسارير الصغير الذي غادر تجاه ياسين ورحمة ليخبرهما قرار عدي، بينما تابعه اباه بصدمة وهو يتساءل ماذا يخطط عدي للانتقام من صغيره!
افاق ياسين تلك المرة على صوت عدي الذي يخبره:
_ياسين... كنت عايز اعرف معلومات عن الصفقات اللي نجح مهاب أبو العزم انه ياخدها.
تلاشت ملامحه المرحة للجدية التامة، فسأله بريبة:
_ليه انت هترجع للشرطة تاني!
نفى ما قاله بشكلٍ غير صريح:
_محتاج للمعلومات دي يا ياسين هتقدر تجبهالي ولا لا؟
اجابه بسلاسةٍ:
_طبعًا أقدر.
ابتسم وهو يشير له:
_تعجبني.
وتركه واستدار ليكمل طريقة للمصعد فاذا بجاسم يهرول تجاههم، فخرج صوته متقطع من بين انقطاع انفاسه:
_في كمين منصوبلك تحت يا وحش... البنت كلهم وعمك يحيى رئيس الحزن!
ازدادت ابتسامته الماكرة وهو يردد:
_اتاخروا!
*******
بالأسفل..
رددت مليكة بنفاذ صبر:
_يعني يوم ما نحتاج نتكلم معاه يتأخر كده؟
اضافت أسيل بنفاذ صبر:
_ يمكن مش هينزل النهاردة..
اكدت رحمة عليهم:
_لا انا سايباه بيلبس ونازل!
ردد احمد بشكٍ:
_هو في ايه؟
اضاف رائد بقلق وهو يتناول طعام الفطور:
_تجمعهم على الصبح كده ميطمنش.
تناول معتز الشطيرة التي امامه وهو يضيف:
_عايزين تشتكونا للوحش بدلا من ياسين الجارحي ولا ايه؟
اجابته شروق بخبث:
_يمكن محدش عالم اللي في النفوس.
ضحكت نور وهي تشيح بنظراتها تجاه عمر:
_توقعوا مننا اي حاجة.
انتهت الاحاديث الجانبية حينما هبط عدي بصحبة ياسين وجاسم للاسف، فقال بمكرٍ:
_خير على الصبح.
اسرعت مليكة بالاقتراب منه وهي تذكره بوعده القاطع:
_وعدتنا انك هترجع بابا وماما قبل عيد جوازهم.. وخلاص مفيش وقت!
جذب مقعده وجلس يتناول طعامه بكبرياءٍ وجمود، والجميع يترقب سماع ما سيقول وبالاخص الشباب، يرتعب قلوبهم لما يضمره لهم عدي تلك المرة، فتحرك لسانه اخيرًا حينما قال:
_وانا لسه عند وعدي... ياسين الجارحي بنفسه هيكون عندكم بكره.. بس المهم تشوفوا انكل يحيى.
اتجهت نظرات الفتيات جميعًا تجاه يحيى الذي يترأس الطاولة، فقال بخوف مصطنع:
_مش هبلغه اي حاجة..
واتجهت نظراته لعدي فسأله بفضول:
_بس ايه السبب ورا مساعدتك دي يا عدي!
جذب احد ثمار الفاكهة يتناولها بتلذذٍ قبل ان يجيبه:
_ياسين الجارحي فاكر اني مش هعرف اوصل لمكانه، فحبيت اوريه اني لما بحط حاجة في دماغي بعملها من غير كلام كتير..
واتجهت نظراته لاخيه وببسمة خبيثة قال:
_جاهز للرحلة يا عمر؟
ابتلع ريقه برعبٍ وهو يردف:
_قصدك جاهز لهلاكي!
ابتسم يحيى وهو يردد:
_انت مكبر الموضوع ليه!!.. هو موديك لعذرائيل ده أبوك يا حبيبي!
قال وهو يتطلع تجاه اخاه الذي يستكمل طعامه وكأنه ذاهب لقضاء عطله صيفية:
_مهو الحظ لما يجي على الغلبان يبعتله اب زي ياسين الجارحي واخ زي المفتري اللي جنبك ده.
....... يتبع........#الجــارحــــــي5..#بقلمي_ملكة_الابداع_اية_محمد_رفعت.... جاهزين لعودة دنجوان آل الجارحي..... ترقبوا في اي لحظة... 🤭❤
متنسوش ان ايكاتا وسلسلة احفاد الجارحي ورواياتي الورقية موجودة
#معرض_أبوظبي_الدولي_للكتاب 2023 في الفترة من 22 مايو ل 28 مايو في جناح #إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع
في القاعة رقم 11 جناح رقم A36
رقم الجناح كاملا 11A36 بجوار black Cinema box
وتتوافر بالمعرض أحدث روايات و #ترجمات_إبداع بأسعار خاصة جدا خلال فترة المعرض
للتواصل في أبوظبي خلال فترة المعرض واتساب الرقم 00201004022774
#إبداع_في_أبوظبي
#إبداع_عشرة_سنين
#شغف_القراءة
#في_محبة_الكتب
#في_كل_كتاب_حياة
#الأقوى_قادم
#معارض_خارجية
#معارض_الكتاب
#معارض_دولية ************________**********
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثاني عشر 12 - بقلم آية محمد رفعت
#أحفاد_الجارحي5..(#ترويض_الشرس!!)
#الفصل_الثامن..
(كل عام وحضراتكم بألف خير بمناسبة عيد الأضحى المبارك...أتمنى لكم قراءة ممتعة تستحق صبر انقطاع النشر عن باقي أحداث الملحمة 💙)
تراقص البخار الصاعد من إبريق الشاي الساخن ليمتزج مع رائحة القهوة الشهية، فوق الطاولة المتحركة التي تتحرك تجاه حديقة القصر الخارجية حيث يقطن أفراد العائلة، لرسم مخطط متفق عليه لتزين القصر في مهلةٍ قصيرةٍ ، أقصاها يومًا كاملًا، فما أن رحل "عمر" برفقة "عدي" حتى جلسوا يخططون لكل شيءٍ، فنشب بينهم معركة يعهدها كل فريق ينقسم بين الرجال وتاء التأنيث، فما خطط إليه "جاسم" و"رائد" لم ينال إعجابهن، حيث صرحت "رانيا" ساخرة:
_لا طبعًا فكرة تقليدية ومهروسة أوي!
اكتظم غضب "رائد" من اهانتها لاختياره الدقيق، فأضافت نور:
_حتى اللون اللي اختاره للبلونات مش حلو.
قذف "جاسم" القلم من يده وهو يناطحهم بغضبٍ:
_لا بقولكم أيه أنا معنديش خلق للهبل ده.. بقالنا أربع ساعات بنحطلكم خطط وديكورات وكل شوية تطلعنا واحدة بحجة شكل!
هز "رائد" رأسه بنفورٍ:
_ده لو مشروع كان زمانه اتنفذ أسهل من كده.
راق لمعتز حديثه المتعلق بمجال عمله، فقال بتريثٍ:
_مكبرين الموضوع والحكاية كلها تتحل في كام بلونة وشمعتين!!
لوت "شروق" شفتيها باستنكارٍ قبل أن تردد:
_البلونة والشمعتين اللي بتضحك عليا بيهم كل سنة مينفعوش مع ياسين الجارحي يا استاذ معتز!
احتدت عينيه في تأهب لمعركةٍ جدالية قد تنشب هنا، وتساءل:
_قصدك أيه؟
أنهى "يحيى" المعركة قبل إعلان الدفوف حينما قال:
_احنا متجمعين عشان ننجز مش نتخانق ونحقق في تفاصيل الخناقة!
استغل "أحمد" ما يحدث ليثبت له بأن عليه الذهاب بعيدًا عن تلك الأجواء، فقال بمكرٍ:
_شوفت يا عمي.. مخلينا أنا وياسين نسيب الاجتماع المهم ونقعد نتفرج على خناقات البلالين.. خليهم يحلوا موضوع القصر وسبنا نروح احنا نمشي المقر.
شدد على قراره بتصميمٍ:
_مينفعش يا أحمد.. احنا معناش وقت ولازم نخلص قبل رجوع ياسين.
ونهض عن مقعده ثم تنحنح قبل أن يتلبس رداء الحذم المصطنع:
_يلا قسموا المهمات عليكم.. وابدأوا عشان تلحقوا تخلصوا قبل رجوع عدي.
وأبعد مقعده للخلف وهو يستعد للمغادرة، فعاد وهو يشير تجاه زوجته، فغمز لها بخبث ومن ثم فرد ذراعه:
_عايزك في موضوع مهم يا ملك.
كبتت ابتسامة كادت بالانفلات منها، فنهضت وهي تشير للفتيات:
_طيب يا بنات شوية ورجعالكم.
اتجهوا معًا للقصر الداخلي ونظرات الشباب تفترسهما، حمل "معتز" مقعده البلاستيكي واتجه ليجلس جوار "ياسين" الذي يتابع اباه بنظرة تحمل الدهشة بين طياتها، فانحنى على أذنيه يهمس بصوتٍ كان مسموع للشباب الملتف بمقعدهم من حولهما:
_أبوك مش بيضيع الفرص.. أنا حاسس إنه صغر ٢٠سنة وابتدى يتعامل على الاساس ده.
التف برأسه تجاهه، فمنحه نظرة غاضبة لحديثٍ بدى متشابهًا لابناء أعمامه بالفترة الأخيرة، وكأن قصر آل الجارحي لم يتبقى به سوى أبيه ووالدته، قطع "رائد" الاجواء المشحونة فيما بينهما حينما اقترح:
_طب يا شباب أنا بقول كل مجموعة تزين مكان وهنخلص بإذن الله.
لاح على شفتي جاسم بسمة خبيثة، فقال:
_ادخلوا انتوا ظبطوا القاعة والقصر من جوه وأنا وداليا هنشتغل هنا.
انتصب أحمد بوقفته بمللٍ اتبع نبرته المتصلبة:
_لا كده مش هنخلص السنادي.. لو كل واحد هيقضيها بالشكل ده فيها كمان اسبوعين.. عشان كده سيبلي أنا الطالعة دي أنا بتفسي هقسمكم.
وبالفعل بدأ بتوزيع المهام عليهم، وشمل الفتيات ببعض الامور البسيطة، فأغلبهن يبدو عليهن إرهاق الحمل، فكان بهن رحيمًا، نهضوا جميعًا عن مجلس المناقشات الخاصة بهم، وقبل أن يفترقوا اقترب ياسين من أحمد، واستند على كتفه وهو يعدل من حذائه الذي كاد باسقاطه بالمسبح، فسأله باستغرابٍ:
_أمال فين اخوك؟ مختفي من الصبح!
رمش بعينيه بذهولٍ وهو يحاول تذكر أخر مرة رآه، فاستدار تجاه الجميع وسألهم بدهشة:
_حد شاف حازم يا شباب؟
كاد أحدهم بالرد عليه ولكن سبقه صوت نسرين المستنجد من الاعلى، وهي تردد دون توقف:
_الحقووووووني!
********
حاوطت بطنها المنتفخ بذراعيها وكأنها ستسقط منها، ولاذت بالفرار حتى إختبأت خلف أحد الستائر، ظنتها ضخمة ولن يكتشف مكانها السري أبدًا، قفز "حازم" من خلفها وصاح بصوتٍ غريب عن طبقة صوته المعتادة:
_أنتي يا بت روحتي فين اطلعي؟!
وحك جبهته بألمٍ شديد وهو يهمس بحيرةٍ:
_هي قالت اسمها أيه؟!
وحينما لم يجدها كاد بالتوجه للردهة الخارجية لجناحه، ولكنه توقف فور رؤيته لهذا الانعكاس الغريب بالمرآة، اقترب "حازم" من المرآة وهو يتمعن فيما يراه بذهول، فكان لا يتضح من الستار سوى بطن منتفخة لجسد غير مرئي، تمددت شفتيه ببسمة شيطانية، فجذب أحد المضارب الخاصة بنظافة الفراش، وتصنع بأنه مازال يبحث عنها وهو يدندن:
_روحتي فين لسه في حوار بينا مخلصش.
وفجأة انقض على الستار، فازاحه وهو يشير لها بالمضرب:
_قفشتك!
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة بالغة وهي تراقب ما يحمله بيده، فقالت بصعوبة بالحديث والابتسامة المصطنعة تحاول الصمود أمام ما تراه:
_حازم أنا على وش ولادة ومش حمل هزارك السخيف ده.
انكمش وجهه بغضبٍ وصاح بانفعالٍ:
_مهو انتي اللي متعاونة معايا يا اسمك أيه إنتي! قولتلك انتي مين مش راضية تجاوبيني! وفوق كل ده عارفة اسمي وجايباني في مكان أول مرة أشوفه.
وانحنى تجاه الشرفة وهو يتفحص المكان، ثم عاد ليقف مقابلها بنظراتٍ صدمة، جعلتها تحتضن جنينها بخوفٍ اتبع نبرتها الهامسة:
_أيه!
رمش بعينيه عدة مرات وهو يحاول استيعاب ما يحدث، فقال:
_انتي خطفاني في بيتي!!
هزت رأسها بالنفي سريعًا فأكد لها وهو يطرق بالمضرب خلف ظهرها:
_لا أيه.. ده بيتي.
صاحت بألم، وهرولت تجاه المقعد، فلحق بها وهو يسترسل بذهول:
_بس دي مش اوضتي.. أنا أوضتي أصغر من كده بكتير.
ارتفعت نبرته وهو يستكمل باقي جملته:
_يا بجاحتك يا شيخة قاعدة كده عادي.. ماليش أهل يسالوا عليا طول الفترة دي!
اعتصرت رأسها وهي تحاول التفكير فيما أصاب ذاك المعتوه، فحاولت للمرة الاخيرة الحديث بعاطفة مخادعة علها تستميله:
_حازم يا حبيبي مالك كده النهاردة، انا نسرين حبيبتك ومراتك وزي ما انت شايف حامل ومش حمل فرهدة الله يسترك يا شيخ تفتكر لحسن أنا مش حمل جري تاني كده هولد بدري وأنا مش عاملة حسابي.
تعمقت تعابيره باتخاذ الحزم والجدية التي جعلتها تعتقد بأنه عاد لرشده، أو توقف عن مزحه السخيف، فاستندت على حافة المقعد وهي تحاول أن تنظم مجرى تنفسها براحةٍ، فما كان منه الا أن اقترب منها ليعيد ضربها بقوةٍ جعلتها تقفز كالقنفذ وهي تحاول الفرار مجددًا، والاخير يلحق بها ويصيح بصوتٍ كان مسموعًا للجميع بوضوحٍ وخاصة حينما اقتربوا لجناحهم:
_فاكراني اهبل وعبيط يا بت ، حمل أيه وهباب أيه ده أنا لسه متعرف عليكي من كام ساعة، وعمال اقول عندها انتفاخ من البطيخة اللي قومت لقيتها لابساها ونايمه برأسها جواها!
ركضت تلك المرة تجاه باب الجناح الرئيسي فما ان فتحته حتى وجدت الشباب قبالتها، فتوسلت لهم بإرهاقٍ:
_انجدوني يا تطلقوني منه وتبقوا كسبتوا فيا ثواب.
انتقلت الأعين تجاه من يركض من خلفها حاملًا للمضرب، وصوته المتحشرج يزعج الآذان:
_مفيش حد هيدفغلك فدية فيا.. أنا كفيل أساعد نفسي بنفسي.
هوى المضرب على ذراع "معتز" فجلس على المقعد وهو يرفع ذراعه إليه بألمٍ، انتبه حازم للصحبة المتجمعة في غرفته، فتساءل بخفوتٍ:
_لسه فاكرين تيجوا تنقذوني!
احتضن ياسين مقدمة رأسه وهو يسأله بصبر يحاول التماسه:
_ننقذك من أيه بالظبط؟
اشار على نسرين التي تحتضنها رحمة وتحاول شروق ومليكة تهدئتها، فصاحت به نور بشراسةٍ:
_روح الهي تلتهمك سمكة قرش وتجرجرك على الساحل يا بعيد!
قوس جبينه بغضبٍ:
_أنتي مين ؟
انخفض بصره لبطنها المنتفخة، فصاح بسخطٍ:
_معبية وخاطفة مين انتي التانية؟
جذبه رائد من تلباب قميصه وهو يصيح به:
_حازم لم نفسك وفوق على الصبح كده.
راقب يديه التي تحيط بملابسه ومن ثم تطلع اليه وهو يردد بتعبٍ:
_أنا شوفتك فين قبل كده.. أنت ظابط صح!
ضحك جاسم بصوته كله ثم قال بسخريةٍ:
_دي بوادر كارثة جديدة.. حازم دايمًا بيستغل الوقت المهم لصالح مصايبه.
أغلق عينيه بتعبٍ واحتضن أنفه، ثم قال وهو يعتصر ذكرياته:
_أنا أخر حاجة فاكرها اللودر اللي جبت فيه.
وفتح عينيه وهو يشير لهم على اثر الكدمة:
_حتى بصوا كده.
وفجأة سلطت عينيه على أخيه الذي يراقبه بملل ونفاذ صبر، وقبل أن ينطق لسانه طالته لكمة أخرى في نفس الموضع، جعلته يترنح على ذراع معتز وجاسم، فدفعوه للنهوض مجددًا، تصلب جسده وبالأخص وجهه، فأغلق عينيه ثم اعاده ويده تعدل من وجهه، فمال بجسده مجددًا على صدره، ورفع رأسه تجاه وجه أحمد وهو يخبره بغيظٍ:
_في نفس المكان.. في نفس المكان!!!
تراجع أحمد للخلف وتركه يسقط أرضًا، ثم اتجه للخروج وهو يشير لجاسم:
_هاته.. هيساعدنا في حاجات كتيرة.
أحنى رأسه بتسليةٍ:
_تحت أمر معاليك.
غادر احمد للاسفل، بينما انحنى ياسين بجسده تجاه حازم الممدد ارضًا وبابتسامة خبيثة قال:
_اتمنى تكون ذاكرتك رجعتلك يا حازم.
رفع إصبعه يشير له بإعجابٍ وتأكيد صريح لعودة ذاكرته دون أن يلجئ أحدهم لمعاونته للتذكر، فجذبه جاسم وهو يشير له ساخرًا:
_طب سند ياخويا.
استند على ذراعه واتجه للمغادرة، فحانت منه نظرة لمن تلتف الفتيات حولها، فقالت بانفاسٍ متقطعة لما بذلته من مجهودٍ:
_مش عايزة أكتر من إن ربنا يهد حيلك زي ما هدتني..
منحها نظرة حزينة، قبل أن يناديها بندمٍ:
_حقك عليا يا سوسو....انتشاليني من الضباع أنا ليا حق عليكي!
جذبه معتز بقوةٍ ومن ثم أغلق الباب من خلفه، فانفجرت الفتيات ضحك، خاصة رحمة، سالت دمعاتها من فرط الضحك واخبرتهم بصعوبةٍ:
_صعب عليا والله.
ردت عليها نسرين بحنق:
_يستاهل اسكتي..
خلعت "مليكة" حجابها ثم بدأت تعدله بإتقان أمام المرآة قبل أن تضيف:
_كده هنتأخر يا بنات.. يلا
********
بمكان بعيد عن أجواء محبة قصر آل الجارحي.
شقت ابتسامة مرعبة على وجه الشيطان بحد ذاته، لما استمع إليه من اقتراح من رجله الهام، الذي يعده ذراعه الأيمن، لذا أراد أن يمنحه الجواب الأمثل لسؤاله، فقال:
_تحب تلعب؟
ابتلع ريقه المتحجر بصعوبة بالغة، فهو يعلم هوسه المريض بقتل ضحاياه بألعابٍ مخيفة، فحاول جاهدًا رسم بسمة لم تجدي نفعًا بظهورها، وهو يجبر لسانه على الحديث:
_بلاش يا باشا أنا آ...
انقطعت باقي كلماته حينما وجد نظرة كادت بسلخ جلده بعيدًا عن جسده، فتراجع للخلف بخطواتٍ مرتعشة حتى مال بجسده على الحائط الأصفر المخصص للعبته المعتادة، عصب عينيه بغمامة سوداء ثم جذب بعض من السكاكين الصغيرة الشبيهة بالشوك الحاد، وأخذ يسدد حول جسده بعشوائيةٍ دون أن يرى هدفه، فاخترقت اثنتان من الشوك جلد ذراعيه، والأخرى ساقه، فصرخ ألمًا ولم يجرأ عن التنحي جانبًا، فهو الأعلم بشروط لعبته الحقيرة، إن تنحى جانبًا يعني هلاكه وموته السريع، أزاح الغمامة عن عينيه، وحدجه بنظرة مستمتعة لما ناله من اصاباتٍ لا بأس بها كعقابٍ بعدما اقترح عليه أن يقتل "عدي" بنفسه ويريحه من وضع تلك الخطط التي تستنذفه، جذب أخر شوكة موضوعة على الطاولة الحديدية، ودنا منه وهو يردد بغموضٍ مقبض:
_كان ممكن دي تكون في قلبك.. بس أنا محبتش أريحك بسهولة، حبيت انك تتألم وتحس بجروح رجلك وايدك الاول، وده معناها ان الاستمتاع الحقيقي انك تعذب ضحيتك قبل ما تمنحها السلام الابدي.
احتقنت عينيه بذكرياتٍ جعلتها تموج احمرارًا، فزاد من ضغط اصابعه حول الشوكة حتى نزفت يده بجرحٍ عميق:
_واللي عمله عدي فيا عقابه مش هيطوله هو بس... هو وعيلته وكل اللي بيحبهم.. أنا هدمره وهدمر أي شيء بيستمد منه القوة والسلطة وبالأخص ابوه اللي شايف نفسه بيه!
*******
انقسمت المهام بين الشباب، فكان من نصيب ياسين ورائد تزين وجهة القصر، ومهام جاسم وحازم تزين القاعة الداخلية، بينما أحمد ومعتز تزين الردهة الرئيسية، حتى الفتيات تقاسمن بما سيفعلن، فزينت نور ومليكة الدرج، بينما قامت شروق ورانيا بتغليف المقاعد بالاشرطة البيضاء التي تتناسق مع لون البلالونات، أما نسرين ورحمة فكانوا يعدن الكعكة الشهية بإتقانٍ، حتى أسيل وداليا نسقوا الردهة بمساعدة الخدم بحمل أغلب الاساس حتى لا يظل بها سوى المقاعد والطاولة الضخمة، كان الهدوء يخيم على الاجواء، الجميع يعمل بتمعن وتركيز، صدى الدبوس الصغير قد يصدر جلبة مع تلك السكينة، وكعادته يأبى الانسجام مع تلك الاجواء، فكان سريع للغاية باتخاذ فعل مخالف، حينما القى ما يحمله من البالون وهو يصيح بمن يعلو الدرج الخشبي:
_يا عم قرفتني.. انت بتعمل أيه فوق كل ده... ده أنا ناولتك بالونات تكفي الجدار كله بتأكلها ولا أيه!
هبط جاسم درجة، ليتمكن من رؤيته جيدًا واقترح ساخرًا:
_ما تطلع تشتغل بدالي بدل طولة لسانك دي!
أجابه حازم بكل غرور:
_أنزل وأنا اوريك أحلى شغل.
ابتسامة عريضة، ماكرة، تملكته، فهبط وهو يشير له بالصعود، صعد حازم الدرج بعنجهيةٍ، وكأنه يصعد سلم المجد، ثم التقط البالون منه وحاول أن يلصقها جوار الاخرى مثلما كان يفعل جاسم، تقطب العرق على جبينه وهو يحاول التمدد بعيدًا عن الدرج ليصل لها، فكان يظن إنه إن كان أقصر من جاسم قليلًا لن تعيقه أي مشكلة بوجود الدرج، انحنى حازم أبعد عن نطاقه المسموح فاهتز الدرج به حتى تمايل جانبًا، تشبث حازم بالعمود الذي يقابله لينجو من سقوط الدرج المهلك، وصاح بألمٍ سرى بذراعيه التي تتعلق بحافة الاعمدة الحاد:
_الحقني يا جاسم.. هات السلم هنا بسرعة.
قهقه عاليًا وهو يحاول التماسك ليجذب الدرج الخشبي، ولكن رؤيته معلق هكذا ذكرته بالقرد الذي يتشبث بأحد فروع الأشجار الهاشة، ثم يلقى مصيره المحتوم، قرب جاسم الدرج وحازم مازال يحاول وضع قدمه على أحد درجاته بينما الاخير يكاد يسقط أرضًا من فرط ضحكاته، فزم حازم شفتيه ساخطًا منه:
_ساعدني يا أخي على الأقل.. أيه شايف ارجوز برجواني بيتنطط قدامك!
كبت ضحكاته أخيرًا وأشار له بغرورٍ:
_متقلقش أنا هتصرف.
صعد جاسم الدرج حتى وصل إليه، وعاونه على الصعود على كتفيه، فوضع ساقيه من حول رقبته، تعلق حازم برأسه حتى احتضن جبهته فمنع عنه الرؤيا، فصرخ به جاسم:
_هشوف ازاي بايدك دي، والله ارميك من هنا وأخلص.
ابعد يده عن عينيه فتابع الهبوط حتى وصل للاريكة فقذفه بعيدًا عنه والاخير يحيه ببسمة واسعة:.
_الف شكر يا عمهم.
استند الاخير بيده على الدرج وهو يشير له بخبث:
_ها حابب تكمل ولا؟
_توبت يا باشا اتفضل.
قالها وهو يفسح له المجال، فصعد جاسم وهو يمنحه نظرة استحقار ورضا، غلت الدماء بعروق الاخير،فانتظر حتى صعد وبدأ بعمله، وانحنى بيده تجاهه وهو يناديه:
_فين بقية البلالين يا حازم.. انجز.
امسك باحد البالونات واحتضن جبهته وهو يتصنع شعواره بالدوار، فأخبره بتعبٍ مصطنع:
_شكلي هيغمن عليا ولا أيه!
واندفع بثقله تجاه الدرج حتى اسقطه بين زواياه أرضًا، فانطبعت معالم وجه جاسم على أرضية القصر بحرافيةٍ ريشة فنان مبتكر، تعالت ضحكات حازم وأسرع تجاهه وهو يردد بمكر:
_يا عيني عليك يا ابني.. طمني عليك مستقبل العيلة بخير ولا في ذمة الله؟
ما أن اقترب منه حتى عركل جاسم قدميه ليصبح هو من يحتضن الارض والاخير يحاصره من الاعلى، يكيل له اللكمات وهو يصيح بعصبيةٍ:
_بتلعب مع واحد متهور.. قولتلك الف مرة تجنبني.. ولا أنت مستبيع عمرك؟
أشار له بلا، فعاد ليلكمه من جديدٍ، ولم يتوقف الا حينما وجد أحمد يستند على الدرج المائل وهو يتابعهما بملل ونظرة باءت بالكثير، فنهضوا معًا وكلا منهما يعدل من ملابسه، لجئ حازم لخداعه الذي كان يجدي نفعًا مع أخاه بالماضي فقال:
_شايف بيعاملوا اخوك ازاي.
رفع احد حاجبيه ساخرًا من طريقته المملة، فتجاهله واتجهت نظراته لجاسم ومن ثم قال برزانةٍ:
_اسحب منه المنفاخ خليه ينقطع نفسه وهو بينفخ البلالين.
ضحك بشماتة وهو يسحب المنفاخ بكل سرور:
_عنيا يا باشا.
جحظت عين حازم بصدمة، فهمس له جاسم:
_عملت ايه فيه.. ده كان أطيب واحد فينا قلبته هو كمان ربنا ينتقم من الظالم.
استدار اليه وهو يشير له بحنقٍ:
_هينتقم من الظالمة أمثالكم بإذن الله.
رفع إليه الكيس البلاستيكي وهو يأمره بمكرٍ:
_طب انفخ يا حبيبي..
التقط منه البالونات وأخذ يعيد نفخهم حتى انقلب لون وجهه للاصفرار، تسلل لمسمع حازم صوت ضحكات مكبوتة، فالتفت ناحية باب القصر الداخلي، فوجد أحد الحراس يتبع "عثمان" للداخل، وكلا منهما حاملًا كرتون ضخم، اقتربوا من ياسين فأشار له عثمان كبير حرس آل الجارحي، بوضع الكرتون والانصراف، فوضعه وكاد بالمغادرة، فاوقفه حازم وهو يناديه بغضب:
_تعالى تعالى.
وحاول وضع يده حول كتفيه ولكنه لم ينجح فقال:
_انزل شوية.
اخفض الحارس جسده قليلًا ومازال يكبت ضحكاته على منظر حازم وهو يفعل ما بوسعه لنفخ البالون حتى كاد بأن يتقيء خلفه، فأشار له بجلب احد المقاعد ثم جلس واضعًا قدمًا فوق الاخرى وهو يشير له بحزمٍ:
_بقى أنت بتضحك عليا.. طب ورحمة جدي عتمان لاعرفك مقامك.
وأشار للكيس البلاستيكي الموضوع جانبًا:
_انفخ يا وحش لما نشوف طاقتك.
توسعت نظرات الحارس بدهشةٍ، هل خاض الكثير من التمارين والرياضة المرهقة لينتهي به الأمر بنفخ البالونات! ، ومع ذلك بدأ بتنفيذ ما قاله، بينما يرتشف حازم عصيره وهو يتابعه، انهى عثمان عمله بالداخل بعدما سلم ياسين بنفسه الشحن الذي قامت الفتيات بطلبه، وحينما كان بطريق عودته لمح رجله ينفخ البالونات بجوار حازم، فاقترب منه وهو يسأله باستغرابٍ:
_بتعمل أيه هنا أنا مش قولتلك اطلع على البوابة!
اتاه الرد من خلفه يجيبه:
_أنا اللي قولتله يفضل عندك مانع يا عثمان.
استدار عثمان للخلف وهو يحاول التماس هدوئه بعيدًا عن الابتسامة التي تلاعبه، فقال:
_لا طبعًا يا حازم باشا زي ما تحب.
أشار له حازم بالاقتراب، فلف كتفه حوله وهو يجبره على الخروج معه، وقبل أن يترك الردهة استدار فجأة وهو يشير للحارس بصرامة:
_كمل نفخ.. شوية وراجعالك.
هز رأسه بطاعةٍ، بينما عثمان يترقب ما سيقول حازم، فخرج معه للحديقة الخارجية ثم قال:
_طبعًا انت عارف إنك غالي عليا يا عثمان صح؟
بدأت علامات التوتر تجوب وجهه ومع ذلك هز رأسه فقال الاخير:
_وعارف ان اخويا وولاد عمي مفتريين وزي ما شوفت خلاوني مسخرة بنفخ البلالين وأنا عشان واثق فيك فمش هأذيك لاني عارف ومتأكد انك مستحيل هتتكلم بس لازم ناخد قرار مصيري بالنسبة للاخ اللي بينفخ البالونات جوه ده.
حك عثمان وجهه بتخبط وهو يحاول جاهدًا بفهم ما يود قوله، فوقف حازم قبلته واستدار يأمن الطريق من حوله قبل أن يخبره:
_لازم تقتله قبل ما يفضحني للحرس اللي بره.. ما أنا مش هقدر اطلع وادخل وهما شايفني نفاخ بلالين!
صعق مما استمع اليه وبدى عليه عدم تمكنه من فهم الالغاز الحادثة هنا، فردد باسترابة:
_أقتل مين يا باشا؟
اجابه ببساطةٍ:
_الواد اللي جوه ده عشان ميتكلمش.
همس بصوت لم يكن مسموع:
_يا مثبت العقل والدين يا رب.
وبابتسامة عملية قال:
_مفيش داعي اننا نقتله يا باشا.. متقلقش رجالتي آمان محدش فيهم هيفتح بوقه.
تساءل بشكٍ:
_على ضمانتك يا عثمان.
ضحك رغمًا عنه:
_على ضمانتي يا باشا.
شعر بالارتياح.. وقال ببسمة واسعة:
_حيث كده بقا ابعتلي طقم الحرس كله ينفخ البلالين لاني نفسي انقطع..
ضيق عينيه بصدمة:
_نعم!
أشار له بجدية:
_ابعتهم ورانا شغل كتير واقف انت على البوابة النهاردة يا عم... هما ليهم شغلة غير الواقفة والمرقعة وقبض كل شهر اد كده.. خليهم يعملوا بلقمتهم.
هز رأسه وهو يتصنع محبته الزائدة وطاعته:
_اللي تؤمر بيه..
_متعملش الهبل اللي بيقول عليه! روح شوف شغلك انت يا عثمان.
كلمات حازمة تحررت على لسان رائد، فهز عثمان رأسه وهو يجيبه:
_تحت أمرك يا باشا.
زفر حازم بضيق:
_انت كمان بتتدخل في قرارتي ليه.
منحه رائد ابتسامة تخفي نفاذ صبر عظيم ثم قال:
_انا عايز مصلحتك.. فكك من اخوك وتعالى زين معانا الحديقة في الهوا الطلق.
القى باقي البلونات عن يده وهو يلحق به ببسمة عريضة:
_ايوه كده أفضل... شوف الناس اللي بتفهم بالذوق مش زي ولاد عمك ال..
كمم رائد فمه سريعًا وهو يهمس جوار اذنيه:
_بلاش.. انت مش حمل عواقب تانية.. صح؟
هز رأسه بالتأكيد، فعدل من ملابسه وهو يثني عليه:
_شاطر... تعالى ورايا.
********
بالداخل.
تفحصت "أسيل" الاغراض بحرصٍ، فرددت ببسمةٍ رقيقة:
_الحمد لله كله تمام..
تساءلت مليكة:
_جابوا الشموع اللي طلبتها؟
جذبتها إليها:
_ايوه أهي.. بصراحة عندك حق شكلهم شياكة...
جذبتها منها مليكة، ثم قالت:
_ هروح اديهم لرحمة عشان تحطهم على الجاتو.
أومأت برأسها إليها، فغادرت وتبقت أسيل تتفحص باقي الاغراض، فاستغل أحمد بقائهما بمفردهما واقترب وهو يتطلع لما تفعله فجر مشاكستها:
_طلبتيلي حاجة معاكي؟
وضعت يدها على صدرها وهي تهمس بخفوت:
_خضتني يا أحمد.
غمز لها بخبث:
_سلامة قلبك وقلبي من الخضة يا روح قلبي..
ابتسمت وهي تشير له بخبث:
_حبيبي جيت بالوقت المناسب.
تطلع خلفه قبل أن يجذب خصرها إليه، وبشوقٍ جعله أسيرًا لتأمل حدقتيها قال:
_نفسي مرة تستغليني صح.. بعيدًا عن المصالح.. يعني لو مصالح مشتركة وخاصة بينا الموضوع بيفرق.
ابتسمت وهي تبعده عنها، ثم وضعت على الطاولة بعض الشطائر والعلب المنفردة، وناولته بعض الفواكه وهي تخبره:
_الاولاد زمانهم على وصول ومحدش فينا فاضي يعمل غدا.. فانا وانت هنعملهم واجبة صحية خفيفة بدل ما يطلبوا أكل من برة.
زم شفتيه بحزن، وجذب أحد العلب ثم بدأ يملأها بالطعام وهو يردد على مضضٍ:
_قولتلك بتستغليني غلط!
********
انقضت ساعات النهار بمشقةٍ على الجميع، وحينما اسدل الليل ستاره المظلم استلقى الشباب محلهم، فتمددوا أسفل الدرج بانهاكٍ شديد، وحينما خرجت الفتيات من المطبخ بعدما وضعوا الكعك والأطعمة بالبراد، فتفاجئوا بهم ممدودن على الأرئك والأغلب على الدرج، ضحكت نور وهي تشير عليهم:
_شوفتوا الشقى بيعمل أيه؟ بتخيل حالهم لو شغالين في السراميك أو الحدادة كان زمانهم اتطردوا من أول يوم.
شاركتها رحمة مازحة:
_بينا نطلع المهمة دي تبعهم مش تباعنا.
استندت نور على يد رحمة وغادورا بالمصعد للأعلى، بينما وزعت الفتيات نظراتها فيما بينهن البعض ومن ثم افترقتا وكل منهن تحاول إيقاظ زوجها، اتجهت شروق تجاه الممدد على الأريكة، هزته برفق وهي تناديه:
_رائد..قوم نطلع فوق..
لم يجيبها وكأنه بكوكب أخر لا يسمع حتى ندائها، فأشارت للفتيات باستسلامٍ بعد محاولة أخرى، رددت داليا بسخرية:
_بداية مبشرة... لما أشوف حظي هيكون شكله أيه؟
واتجهت لزوجها الغافل لجواره على نفس الاريكة فحركته وهي تهمس له:
_جاسم..
انتظرته يجيبها، ولكنه لم يأتيها بالرد، فصرخت به:
_قووووم بقا يا جاسم الله.
بدأ بفتح عينيه وهو يجاهد بالنهوض، وحينما فشل قال:
_عايزة مني أيه سبيني هنا أفضل أنتي مش راضية تلبسي القميص اللي آآ.
كممت داليا فمه وهي تردد بحرجٍ:
_يخربيتك هتفضحنا... قوم وانا هلبس اللي أنت عايزه.
منحها ابتسامة شيطانية وحاول الاستناد على ذراعيها، فما ان نهض حتى همس لها بإرهاق:
_انتي فاكرة كلامك؟
أومأت برأسها بعدم فهم، فقال وهو يتمدد جوار رائد من جديد:
_هطالبك بيه بكره.. أطلعي نامي وللحديث بقية.
راقبته بصدمة وهي تردد للفتيات الضاحكات:
_دبست نفسي على الفاضي!
طلت مريم على الدرج وهى تنادي والدتها بنومٍ:
_يلا يا مامي أنا مش عارفة أنام لا أنا ولا آسر.
اشارت لها رانيا بتعبٍ:
_حاضر يا مريومة جاية.
ثم تطلعت لداليا وقالت:
_بينا نطلع يا داليا هما مستحيل يصحوا.
أومأت برأسها ولحقت بها للأعلى، فاتبعتهما نسرين، توقفت رانيا عن الصعود وسألتها بمرحٍ:
_أيه يا بنتي واخداها من أصرها من غير ما حتى تحاولي تصحيه.
استكملت طريقها للاعلى، وهى تلوح لهم:
_أنا لسه بتعافى من اللي عمله فيا الصبح.. تصبحوا على خير ..
تعالت ضحكاتها وهي تشير لها:
_وانتي من أهل الخير يا روحي.
غادت الفتيات لغرفهم حتى شروق ايقنت بأنها من المستحيل أن تجعل معتز يفق من نومه الثقيل، وتبقت آسيل ومليكة بالاسفل، فتساءلت آسيل بحيرة:
_هنعمل أيه نطلع ولا أيه؟
أجابتها مليكة بعد تفكير:
_نحاول مرة مش هنخسر حاجة.
على الفور بدأت آسيل بإيقاظ أحمد الغافل على أحد المقاعد، فما أن نادته حتى ردد ومازالت عينيه مغلقة:
_اطلعي ارتاحي يا آسيل أنا هفضل هنا عشان لسه في شوية حاجات هنعملها الصبح أنا وياسين..
ربتت على يده وهي تخبره:
_طب هبعتلك غطا.
منحها ابتسامة صغيرة قبل ان يسترخى لنومه مجددًا..
انحنت مليكة تجاه ياسين، فنادته من على بعدٍ خشية من أن يرتكب فعل يجعلها ترتدي لباس الحرج:
_أبو يحيى.
اتاها صوته الساخر يردد:
_اطلعي يام يحيى معاهم انا صاحي من أول محاولة فاشلة ليكم.. اطلعي..
هزت رأسها وصعدت خلف آسيل بنومٍ جعل الجميع يغفو باكرًا على غير العادة!
*******
صوت بوق السيارة المصفوفة بباحة القصر الخارجي بالصباح لم يكن مسموعًا للشباب، هبط "عدي" و"عمر"، واتجهوا معًا للداخل، دفع "عمر" باب القصر فتفاجئ بابناء أعمامه بالداخل، استدار لعدي الذي يعبث بهاتفه وهو يناديه بدهشةٍ:
_عدي!
تطلع لما يراه أخيه باهتمامٍ، فوجد الشباب بأكملهم بالأسفل، اتجه عمر لايقاظهم بينما صعد عدي للأعلى بغموض يود أن ينتهي منه في تلك اللحظة.
********
اجتمعوا حول عمر، وكان أول اسئلتهم عن ياسين الجارحي وعدم عودته، لذا انتهى من الجدال والأسئلة التي تسببت له بالصداع منذ الصباح وقال:
_بابا وماما رجعوا معانا بس بابا طلب مننا نرجع القصر وقال انه هيحصلنا.
بدى الغموض سيد الموقف بين الجميع، فقالت مليكة بحزن:
_يعني بعد ما قدرنا نوصلهم ونرجعهم مصر اختفوا تاني!
اكد لها عمر:
_لا يا مليكة راجعين تاني.. اللي فهمته انها مسألة ساعتين أو أكتر.
واستأءن بالانصراف ليبدل ملابسه، بينما تابع جاسم ومعتز باقي العمل..
******
بالأعلى..
ولج عدي لغرفة ابنه، فوجده مازال نائمًا على فراشه، جذب أحد المقاعد وقربها من فراشه، ثم جلس يترقب لحظة استيقاظه دون رغبة منه بإيقاظه هو، ظل لجواره لساعة ونصف كاملة ولم يمل على غير عادته، كان يتأمله بشيءٍ من الريبة والخوف، هناك الكثير من المعارك التي تعلن دفوفها بداخله، وكل معركة فيهم أصعب من التي تنافسها، انتهت مشقته حينما فتح ياسين الصغير عينيه، فوجد أباه يجلس قبالته، اتكأ بيده على فراشه وهو يفرك عينيه بنومٍ:
_بابا.. حضرتك رجعت امته؟
ظل صامتًا لبرهةٍ قصيرة قبل أن يجيبه بمكرٍ:
_ياسين الجارحي مبلغكش اننا رجعين من رحلة اليخت ولا ملحقش.
ارتبك الصغير أمام أباه وقال:
_لا.. معرفتش.
هز رأسه والابتسامة الغامضة تتحكم بشفتيه، ولاذ بفترة صمت مجددًا قبل أن بمزقها بقوله:
_ياسين انت ابني، يعني بعيدًا ان إنك المفروض تكون في صفي بس على الأقل متخالفش تربيتك ولا شخصك عشان أي حد.
ضيق عسلية عينيه بعدم فهم، فأخبره عدي بشكلٍ مباشر:
_ياسين أنت دخلت مكتبي وسمحت لنفسك تدور في أوراقي وتبلغ ياسين الجارحي باللي يخص شغلي!
اعتدل الصغير بجلسته، وهو يراقب انفعالات أبيه الباردة عكس ما يوحي به حديثه، وخاصة حينما استرسل ساخرًا:
_هو ده اللي بيحاول يربيك ويزرعه فيك!
خرج الصغير عن صمته الطبيعي لطفل قد يوضع بمثل هذا الموقف وصعقه برده الرزين:
_حضرتك من اول ما بدأت تتكلم حطيت افتراضات طبيعية بين الاب وابنه، بس السؤال هنا ليه أنت معندكش نفس الميول دي.. يعني شايف اني لازم أكون مع حضرتك ضده ومش شايف إنك المفروض تعيد حساباتك في علاقتك اللي بينك وبينه.
رد عليه بعصبية خرجت عنه:
_قولتلك الف مرة متتدخلش في الموضوع ده.
نهض عن فراشه واقترب ليكون على مقربة منه، وردد بحزنٍ:
_ممكن يكون تصرفي غلط وأنا عارف ده.. بس انا قبلت اعمل كده لاني واثق في جدي وعارف إن أكيد في مغزى قوي للي بيعمله وبالأخص باللي بيطلبه مني أو من غيري... بس للاسف الثقة دي مش عندك تجاهه.. عن إذن حضرتك.
تركه الصغير متخبطًا فيما قاله، وغادر للحمام غرفته، خرج عدي من غرفته وعقله بات مشتتًا عن ذي قبل، وأقسم بأن أباه قد جعل من ابنه شخصًا لا يرى سواه هو!
********
بالطابق العلوي وبالأخص غرفة حمزة.
حاول أحمد بشتى الطرق أن يجعل أبيه يتراجع عن قراره الغريب، فقال برجاء:
_الله يخليك يا بابا بلاش، حازم غبي ومش هيعرف يعملك اللي أنت عايزه..
احتدت نظرات "حازم"، فمنح أخيه نظرة شرسة قبل أن يجيبه:
_وأنت مالك أنت، حاشر نفسك بين الأب وابنه ليه، أما أنت انسان مستفز بشكل يا جدع..
لكزه" أحمد"بغضب، فرفع حمزة المنشفة عن وجهه ثم قال بضيقٍ شديد:
_انتوا متعرفوش تعملوا حاجة في حياتكم غير الخناق، حتى في يوم مهم زي ده، مش فاضل على وصول ياسين الحفلة غير ساعة واحدة بس ده اللي هتكجولوني وتظبطوني!
رفع حازم غطاء الرأس عن حمزة ثم قال بابتسامة واسعة:
_متقلقش يا حاج الصبغة دي هتصغرك ولو تلاتين سنة وهتخلي تالي تعجب بيك جدًا النهاردة..
اتسعت ابتسامة حمزة وهو يشير له بغرور:
_وهو ده المطلوب يا فهمني انت، سيبك من أحمد اخوك ده قالب على عمك ياسين اليومين دول ودماغه صعب تتماشى معاها، اشتغل بتركيز وفكك منه.
كبت أحمد غيظه فقال من بين اصطكاك اسنانه:
_خليك فاكر اني قولتلك بلاش..
وجذب احد المجلات يلهي ذاته بقراءتها لحين ان ينتهي حازم من كارثته الجديدة، فما كان منه الا سماع صراخ عاصف بعد اقل من ساعة، فرفع المجلة عنه ليجد أبيه يجذب حازم من قميصه كاللص الذي يتسلل لسرقة الملابس من أعلى المنازل، ونبراته يعكسها الصدمة والحيرة:
_أيه اللي هببته ده يا حيوان، صبغلي شعري بالاحمر ليه هيفاء وهبي!
ضحك أحمد وهو يتطلع لابيه وحينما يحاول التغلب على ضحكاته تزداد الامور سوءا كلما لمحته عينيه، فصاح حازم بخوف:
_انت مش فاهم حاجه في الموضة يا حاج ده بني محروق وشيك اوي عليك مخليك جنتل وقمور... ما تتكلم يا احمد الله يحرقك..
جاهد احمد للحديث فقال من وسط ضحكاته:
_انت متأكد ان ده بني!
ردد بهمس ساخر:
_انما الاعمال بالنيات يا ابني.
ثم هرع من بين يد أبيه والاخير يركض خلفه حاملا عمود النور الذي يضيء الغرفة، فولج لغرفة الشباب ليصيح برعب:
_االحقــــــــــــــوني...
رفع ياسين الاستشوار عنه ثم تساءل بقلق:
_عملت ايه المرادي يا وش الغراب...
اجابه رائد بضيق وهو يتناول طبق الفاكهة:
_هو احنا هنخلص من بلاويه السودة مش كفايا جاسم اللي لسه مخلصينه من تحت ايده بصعوبة
بينما ردد عمر باستياء:
_حازم انا النهاردة سعيد ومش عايز حاجة تعكر مودي وبصراحة وشك ببعصبني..
ضحك جاسم ثم قال:
_لو المصيبة ينفع تتاجل أجلها النهاردة يوم مميز ومش عايزين حاجة تنكد علينا، اقولك اطلع لعدي فوق يحل الموضوع واهو لو خلص عليك تبقى اتحلت من عند ربنا..
تعالت ضحكات معتز ، بينما صعق الجميع حينما ولج حمزة من خلفه، وهو يصيح بغضب:
_والله لاقتلك يا كلب...خد هنا..
هرول حازم تجاه الباب الخارجي ولكنه تراجع عدة خطوات للخلف برعبٍ، جعل من خلفه يغلبهم الضحك والصدمة بأن واحد حينما ظهر من امامهما ياسين الجارحي!
..... يتبع.....
#أحفاد_الجارحي5.. #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت.
*******_______*******
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثالث عشر 13 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويـض_الشـرس...(#أحفاد_الجـارحـي5..)
#الفصــل_التاسـع..
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة"نهلة خالد"، وللكاتبة المبدعة "عبير سعيد"، وللقارئات الغاليات"إيمان رضا"، والجميلة"أم رحمة" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم....قراءة ممتعة 💙)
ارتبك الجميع في حضرته، وكأن هالته تصنع فجوة تلتهم من حوله، الصمت أحيانًا لا يعد خوفًا ممن أمامك، ربما هو وقار وامتنان لهيبة ذلك الرجل ذو النظرات الصارمة التي تنجح بخلق أجواء مضطربة للجميع، وكأنه يخلق نظام عسكري نجح بتأسيس تلك القواعد داخل قصره الخاص، ذاك الصمت قطعه صوت صديق الطفولة والمقرب إليه حينما رحب به بكل حبٍ وبهجةٍ:
_حمدلله على السلامة .
سحب نظراته عن عدي الذي يراقبه بنظرةٍ نجح بفهم سبب ما يجول بعقله وخاصة بأن حديثهما الاخير عن تولي ادارة الصفقتين لم يكن بعيدًا، واتجه ليحيى فقال بثباتٍ:
_اتمنى ميكنش ناقصكم حاجة.
ابتسم الاخير وهو يردد:
_ناقصنا طبعًا وجودك.
منحه ابتسامة هادئة قبل أن يستكمل طريقه للمقعد الأسود، استرخى بجلوسه عليه وعينيه تتنقل بخفة بين حمزة وحازم، فقال بتريثٍ:
_ مش ناوي تعقل يا حمزة؟
تلقائيًا رفع يده يتحسس بها شعره وكأنه يحمل كارثة ملموسة، فاندفع بما يضيق بصدره حينما قال:
_كويس انك رجعت يابو عدي يا غالي، عشان انا في غيابك بتبهدل من الغبي ده.. قولتله يصبغ شعري لون يصغرني راح محولني لهيفا!
فشل الشباب بالسيطرة على نوبة ضحكاتهم بالرغم من وجود ياسين حتى يحيى ضحك بصوت مسموع، فاتخذ حمزة برهانه الأكيد:
_شوفت يا ياسين بيتريقوا عليا ازاي!
حانت منه نظرة جانبية تجاههم، فكفوا جميعًا عن الضحك ومن ثم اتجهت لمن يقف يرتعد كأنه يرتدي معكب هائل من الثليج، وراح يردد بخوفٍ:
_النية كانت بني محروق النتيجة مكنتش في الخطة.. بس أنا أوعد حضرتك اني هجتهد وهحوله لنفس للاسود أو للونه الابيض عشان يتلم آآأقصد عشان يديله وقار كده.
قطع تلك الأجواء المربكة صرخة نور الحماسية وهي تردد:
_أنكل ياسين رجع يا بنات.
وفي ثوانٍ معدودة تراصت الفتيات بالأسفل من حوله بفرحةٍ جعلته يبتسم بمحبةٍ لم يشعر بها فور تجمع الشباب بأكملهم، نقاط ضعفه تكمن ببناته أولًا وبمن هبط يناديه بشوقٍ:
_جدو!
تلقائيًا فتح ذراعيه لمن هرول إليه يضمه بشوقٍ وهو يردد:
_القصر مالوش معنى من غير حضرتك.. أنا كنت بعد الأيام عشان أشوفك تاني.
حدجه عدي بطرف عنيه بنظرة حزينة، ثمة مشاعر غيرة تفور بداخله، فحينما يغيب لشهور عن القصر لم يحظى بمثل تلك المشاعر التي ينعم بها أبيه من ابنه الصغير، بالرغم من جمود ياسين الجارحي وصرامته كيف تمكن من كسب قلب صغيره بمثل تلك الدرجة؟!
راقبهما باهتمامٍ وإن بدى انشغاله بالتطلع للفراغ، ولكنه كان يتلصص لسماع ما يحدث بينهما باهميةٍ، جابت عينيه القاعة وهو يبحث عن والدته، فكاد بالسؤال عنها ولكن سبقته رحمة حينما تساءلت:
_فين ماما آية؟
ربت ياسين بيده على حجابها وهو يشاكسها بلطفٍ:
_يعني مش فرحانة برجوعي وهمك آية أكتر مني!
شعرت بالحرج قليلًا، وأسرعت بالحديث:
_لا طبعًا احنا كلنا كنا بننتظر رجوع حضرتك.. بس انا استغربت لما مش لقيتها مع حضرتك.
أشار لها بتفهمٍ، ثم قال بثباتٍ:
_آية بره مع رعد ودينا.
صاحت داليا بحماسٍ:
_أيه ده؟ بابي ومامي رجعوا!
وقبل أن تتجه للخارج وجودتهما في طريقهما إليهم، يبدو أن اليوم بات مميزًا بعودة أغلب أفراد العائلة!
*****
بالخارج..
كانت تتبع شقيقتها للداخل، ولكنها توقفت عن المضي قدمًا وراقبت الدرج الخارجي للقصر بابتسامةٍ حالمة، لا تنكر بأن تلك الرحلة القصيرة ستظل محفورة داخل قلبها قبل أن تختم بذاكرتها، مازالت تتذكر الطريقة التي اصطحبها بها لقضاء تلك الرحلة بالرغم من انها كانت تظن نفسها تتوهم، مازالت تتذكر كيف اعتنى بها طوال تلك الفترة، وانفردت معه بعشق خلد طوال تلك السنوات، استندت "آية" على درابزين الدرج وصعدت، فوجدت من يساند يدها حتى وصلت للاعلى، رفعت عينيها تتأمل من يشدد على يدها، فابتسمت قائلة:
_عدي.. حبيبي!
منحها ابتسامة دافئة ومازال يرفعها حتى انهت صعود الدرج، فانحنى يقبل يدها، أغلق عينيه تأثرًا بلمساتها الحنونة فوق شعره الذهبي، وصوتها الرقيق يعلو:
_ربنا ما يحرمني منك.
استقام بوقفته فبدى فرق الطول بينهما، وكأنه أبًا لها وليس ابنها، ضمها اليه واختفى جسدها بهالة حضوره، فقالت بصوتٍ بدى قريبًا للبكى:
_الحمد لله انك لسه واقف قدامي.. قلبي كان هيقف وأنا شايفاك بتغرق قدام عيوني.. كنت هرمي نفسي وراك بس لولا باباك انقذك.
عاد المشهد ليتجسد أمامه، فربت على ظهرها وعقله شارد فيما حدث بالأمس حينما كان على اليخت برفقتهم، وكلماته لا تفارقه، تحرك بها للداخل بعدما لف ذراعه حولها وبمكرٍ سألها:
_انا كويس.. بس قوليلي اخدك فين واتاخرتوا كده!
انشغال عقله بما يخص أبيه جعلها تبتسم، فالعلاقة بينهما غير مفهومة، كالأسد الذي يمقت وجود شبله بغابة يكون هو سيدها ولكن بالوقت ذاته قد يمزق أي وحشًا قد يمسه بخدشٍ صغير، فاتبعته للداخل قائلة:
_ياسين كان حابب نكون لوحدنا في يوم زي ده.. وبالاخر رجعنا ليكم ولبيتنا.
منحها ابتسامة صادقة ارتسمت فور شعوره بسعادة والدته، صمت الآذان فجأة بصراخ مليكة وهي تناديها بفرحة:
_مامـا.. حمدلله على سلامتك يا ست الكل.
أشارت آية لها قبل أن تصل لها:
_بالراحة على البيبي!
تشبثت بذراع عدي الذي حال بينها وبين السقوط، فطرق على رأسها بخفةٍ:
_أنتي جاية من على الطريق الزراعي! اهدي واعقلي.
ابعدت ذراعه وضمت والدتها التي قابلتها بمحبة كبيرة، واخبرتها بشوقٍ:
_وانتي كمان وحشتيني أوي يا ملاكي.. طمنيني عنك وعن يحيى.
وراقبت الطريق من خلفها باستغراب:
_هو فين مجاش معاكِ!
قالت وهي تزيح دموع فرحتها عنها:
_يحيى مسافر مع رحمة في رحلة تبع مدرستها.
تلقائيًا اتجهت نظراتها تجاه عدي الذي زم شفتيه وهو يخبرها:
_اضطريت أوفق.. الولد احرجني بذوقه.
استأذن بالانصراف فتابعته ببسمة صغيرة زرعت الفضول بمليكة لمعرفة سببها فهمست لها بخفوتٍ:
_في أمل ان اخوكي يتغير..
اعترضت على أملها بذلك وقالت:
_انا مش عارفة ليه عايزينه يتغير.. عدي ليه كارزما مختلفة عصبي بس حنين، عاقل بس مجنون شوية، متكبر بس بنتفاجئ بتواضعه أحيانًا.. الخلاصة ابنك مش مفهوم ربنا يصبر رحمة ويديها ويدينا طاقة تحمل.
قهقهت ضاحكة على وصفها الدقيق، فدفعتها للخطى جوارها وهي تهمس لها بنفس نبرتها المنخفضة:
_صدقيني في أمل.. تعالي نشوف رحمة ونور وحشوني أوي.
******
انسحب "ياسين" عمدًا من الداخل، وبحث عن عدي حتى وجده يقف على التراس، وعلي ما يبدو إليه بأنه شارد الذهن، اقترب حتى بات يقف قبالته، فالتقط نفسًا مطولًا قبل أن ينفثه في مللٍ:
_كنت عارف إنك هتيجي ورايا.
أبعد ياسين المقعد قليلًا حتى يتمكن من الوقوف لجواره، فتأمل شلال المسبح المرتفع وهو يتساقط بنظرة تعمقت بما قد يفكر به عدي، وقال بعد صمت طويل:
_أنت خايف من رجوع عمي يا عدي؟
ابتسامة شبه ساخرة تمايلت على شفتيه، فردد بسخطٍ:
_شخص زي ياسين الجارحي يتخاف من بعده مش من قربه.
تقوس جبينه بحيرةٍ:
_بمعنى؟
أجابه بمكر:
_بمعنى إنه من الأفضل يكون قدام العين عشان نتنبئ بخطواته.. طول مهو بعيد طول ما هو غامض ومش مفهوم.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه، وردد بثقة:
_عمي مش مفهوم لاي حد حتى لو عاش معاه عمر كامل.
سحب نظراته عن الشلال وسلطها تجاهه وهو يخبره:
_بالنسبالك.. أنا لا.
اشار بيده وهو يقترب ليجلس على حافة التراس المتدلي:
_يمكن.. بس اللي انا واثق منه إن ورا عمي لغز كبير يا عدي.. أكبر من جو التحدي اللي بيخلقه بينكم.. وصدقني مدام هو بنفسه قالك بلاش أحمد قصاد رائد يبقى تنفذ كلامه لانه ليه نظرة بعيدة وهو أكتر منك خبرة.
انكمش وجهه بعاصفة حلت لتستحضر غضبه:
_هو اللي حملني المسؤولية دي.. يبقى مستحيل هسمحله يتدخل في قرار أنا سبق وأخدته.. حتى الطريقة اللي بيحاول يكشف بيها مخططاتي قدامه طريقة متناسبهوش!
_وهو ده اللي مأكدلي ان في حاجة كبيرة عمي بيحاول يخبيها.. فكر في كلامي كويس يا عدي.
كلمات أخيرة قالها قبل أن يغادر ليتركه يحسم أمره المتعلق باختيار أحمد ورائد، فبالرغم بأنهم ذو كفاءة وخبرة أكثر من الشباب ولكن ياسين فقد اقتناعه التام باختيار عدي فور اعتراض ياسين الجارحي على اختياره، لانه لديه ثقة بأن هنالك شيئًا هامًا لا يستطيع أحدًا رؤيته سوى ياسين الجارحي ذاته!
******
اجتمع الجميع حول مائدة الطعام، بعد أن فتشت المفاجأة التي يستعد لها الجميع، وبالرغم من جفاء الأجواء من الأحاديث الا أنها كانت محفوفة بالبهجة والمحبة لوجود ياسين وآية بينهم، بدأ الجميع بتناول الطعام، إتكأ "ياسين" على مرفقيه ووزع نظراته بين الجميع، وبالأخص لزوجته التي تجلس على يمينه وابنه الجالس على يساره، ومن أمامه على نهاية الطاولة يجلس رفيق دربه، أخفى حنينه لتلك الأجواء المختلفة، ولمذاق الطعام الرائع، فشرع بتناول طعامه، وفجأة علق الطعام بجوفه، سعل بقوةٍ جعلت وجهه يتلون بالأحمر القاتم، وقبل أن يمد يده على كوب المياه، وجد كوبًا قريبًا من فمه، واحدهما يعاونه على ارتشافه بأكمله حتى هدأت نوبة سعاله، وصوت من يقف قبالته بالكوب يتساءل بلهفةٍ:
_حضرتك كويس؟
لم يكن سوى عدي المتلهف لسماع إجابة صريحة من أبيه، أول من أسرع إليه بقلبٍ تمزق مع كل سعلة خرجت منه، هز ياسين رأسه إليه بأنه على ما يرام، فاستقام عدي بوقفته وقد هدأت أنفاسه المنفعلة فعاد لمقعده من جديدٍ وتابعه بتلصصٍ من حينٍ والأخر، المشهد برمته كان يتابعه الجميع ببعض الدهشة والحيرة، لم يعد أحدٌ يفهم ما يدور بعقولهم، عدي لم يعد مفهوم بالمرة، عاد الصمت يكمم الأفواه من جديدٍ الى أن مزقه ياسين وهو يردد بنبرة استهزاء:
_أنا شايف إن نور كويسة .. خليني أعترف ان حجتكم كانت مقنعة ونجحت بس محبهاش تتكرر تاني.
وألقى منديله القطني على الطاولةٍ، ثم نهض وصعد للأعلى والجميع يراقبه حتى تخفى من أمامهم، تحرر الجفاء بينهم فقال رعد ممازحًا:
_الحصار اتفك.. ها طمنوني عاملين أيه؟
أجابته داليا وعينيها تلتهم جاسم:
_احنا بخير بس الخناق اللي بينا مازال مستمر..
وأضافت رانيا:
_يا أنكل البيت ده محتاج ليكم لانه من غيركم فوضى.
جز رائد على أسنانه بغيظٍ:
_بتقولي أيه يا حبيبتي سمعيني؟
ابتلعت ريقها بتوترٍ ألزمها بالصمت، فقالت نور باستنكارٍ:
_انتي خايفة ليه.. ما تتكلمي وتقولي لانكل رعد على اللي بيحصلنا هنا!
ضحك يحيى بصوته الرجولي المميز وقاطع حديثهما:
_نور أنا شايفك مش مقصرة مع حد في لستة الشكاوي.. مش فاهم لسه محتاجة أيه بعد رجوع ياسين الجارحي بنفسه!
اقترحت عليها ملك بخبث:
_انا بقول تجمعوا الشكاوي وتطلعوله فوق هو اللي هيقدر ياخدلكم حقكم.
صاح بها حازم:
_أيه يا طنط خليكي محضر خير.
ونكز ياسين بخوفٍ:
_ما تشوف أمك.
تجاهله واستكمل تناول طعامه، بينما اجتمعت الفتيات وصعدن للاعلى لتقديم الشكاوي المقترحة، ولحق بهم رعد ويحيى فلم يتبقى سوى الشباب، استغل عدي بقائهم بمفردهم وقال بخشونة:
_كويس اننا بقينا لوحدنا.
اعتدل احمد بجلسته وسأله باهتمامٍ:
_خير يا عدي.
انصت الشباب إليه بانصاتٍ وخاصة حينما تابع وقال:
_أنا اخدت قرار بخصوص الصفقتين واختارت ان أحمد ورائد.
تطلع رائد لأحمد بدهشةٍ من اختيار عدي الغريب، وتساءل بذهول:
_مش هسألك ليه اختارتنا بالذات.. بس هقولك الموضوع صعب ومستحيل تتم الصفقتين لصالح شركتنا!
اعترض على حديثه:
_الاتنين هيكونوا تبع امبراطورية الجارحي يا رائد.. انت مش أول مرة تمسك مناقصة ولا أحمد.. يعني عندكم الخبرة الكافية اللي تخليكم تهزموا مهاب أبو العزم.
اكتفى بإيماءة صغيرة من رأسه، ثم قال مرغمًا على ادعاء اقتناعه:
_هحاول.
اتجهت نظرات عدي لأحمد الذي ردد هو الأخر:
_مفيش مشكلة.. هشتغل على العرض ومش هتخرج من ايدنا.
منحه ابتسامة هادئة قبل أن يتشتت الجمع فيما بينهم..
******
اتجه عمر لغرفته لينال قسطًا من الراحةٍ،اتجه لفراشه وألقى بثقل جسده عليه بعد يومًا شاق للغاية، فتسلل إليه بكاء صغيرته من الغرفة الملتصقة به، رفع الوسادة على رأسه وهو يردد بخفوت:
_مش وقتك أنا مش قادر.
عادت بالبكاء من جديدٍ، فنهض عن فراشه قسرًا، اتجه لغرفتها فوجدها تجلس على الفراش بمللٍ، أضاء إنارة الغرفة ثم تمدد جوارها وبنومٍ جعله يتثأب أكثر من مرة قال:
_أكيد مفيش حد هيشيل الليلة غيري.. وأنا حقيقي يا حورية البحر أنتي راجع تعبان ومش قادر.
وتمدد على قدميها الصغيرة الممددة على الغطاء وهو يسترسل برجاء:
_سبيني بس اريح نص ساعة وأنا اوعدك هقوم وأعملك قرد بعدها لحد ما تنامي.
تعالت ضحكات الصغيرة ببراءةٍ، وأخذت تلهو بخصلات شعره، فاستكان وغفى تمامًا على قدميها.
تسللت نور للداخل بحذر، فهي تعلم بأن عاقبة ما فعلته بالاسفل لن تمر مرور الكرام، بحثت عنه وحينما لم تجده تهللت أساريرها، فأبدلت ملابسها واتجهت لغرفة صغيرتها، خيم العشق بابه العتيق بين حدقتيها حينما رأته يحتضن ابنتها ويغفو بإرهاقٍ، انصرفت عنها كل فكرة دفعتها لمشاكسته فسحبت الصغيرة برفقٍ لغرفتها، ثم أطفئت الاضاءة، واقتربت منه لتطرح غطاء على جسده، انتفضت فزعًا حينما قرب يدها اليه، طبع قبلة رقيقة على كفها هامسًا بنومًا يغلبه:
_بحبك.
ابتسمت وهي تحتضن كفها، وقبل أن تغادر لغرفتها انحنت لتطبع قبلة على جبينه، ورحلت سريعًا لابنتها، وقرارها أن تقضي الليل بصحبتها الليلة.
*******
خلع قميصه عنه حينما شعر باختناقٍ يهاجمه، وضع بمكان لا ينتمي إليه وكعادته لا يحاول التقليل من ذاته وتقبل الهزيمة بسهولةٍ، وها هو يشعر بثقل المسؤولية التي يحملها على عاتقه، فتح نوافذ الغرفة لتلفحه تلك النسمات الباردة علها تتمكن من التخفيف عما يجتاحه، استند على حافة باب الشرفة وهو يراقب انارة حمام الغرفة بترقب، يتنمى أن تنتهي رحمة من حمامها وتخرج إليه سريعًا، ربما لا يحب الحديث المبالغ به، ولكن وجودها لجواره يمنحه كل ما يحتاجه في تلك اللحظة، عاد ليتطلع أمامه من جديدٍ، تسلل إليه تأوهات خافتة جعلته يستقيم بوقفته وهو يناديها بقلقٍ:
_رحمة!
وحينما لم يستمع لردٍ منها، اقترب من باب الحمام وطرق وهو يكرر ندائه:
_رحمـة.. فيكِ أيه؟
فتحت باب الحمام وهي تحاول التصنع بابتسامةٍ صغيرة:
_مفيش.
وتركته واتجهت للفراش بخطواتٍ متهدجة، توحي له بما تشعر به في تلك اللحظة، راقبها بنظرةٍ تخللت إليها، وخاصة حينما احتضنت الوسادة وهي تحاول محاربة ألمها، جذب عدي قميصه وارتداه باهمالٍ، واختفى من امامها ثم عاد بعد لحظاتٍ قليلة، وجدته يجلس جوارها ويضع على الكومود مشروب النعناع الساخن، وبعض المسكنات، احمر وجهها خجلًا بعدما كشف ما أصابها فجأة، فابتسم وهو يشير لها بمكر:
_تحبي تبدأي بأيه الأول المسكن ولا السخن؟
أخفضت عينيها عنه بحرجٍ، فضحك بصوته الرجولي وهو يداعبها قائلًا:
_حبيبتي السنين اللي بينا تكفي إني أحفظ حالتك وبالمواعيد.
رفعت عينيها اليه فوجدته يضع المسكن بذاته أسفل لسانها ومن ثم قدم لها المياه، فارتشفتها وتمددت بتعبٍ جعلها تئن بخفوتٍ وهي تواجه ألم عادتها الشهرية، جذب عدي الغطاء ليداثرها جيدًا ثم تمدد لجوارها ويده تضم جسدها اليه، حنان قلبه يختبئ خلف حاجز قسوته الغامضة، يمتلك الرأفة والحب وغيرها من المشاعر السامية ولكن يغلبها حاجز صنعه بذاته، حاول عدي الاستسلام للنوم ولكنه لم يحظى به فما أن شعر بغفلتها، فتسلل بهدوءٍ من جوارها ثم عاد لشرفته من جديدٍ، عبث بهاتفه بمللٍ فتفاجئ باحدى الأخبار تعلن عن وفاة ظابط شرطة بطريقة مأساوية، حيث ثم قتل أفراد عائلته أمام عينيه ثم ذبح واشتعلت النيران بمنزله، دقق بإسمه جيدًا، وكانت صدمة كبيرة له، فبحث عن اسم بسجل هاتفه وما أن أجابه صوت المتصل به حتى ردد بذهول:
_مين اللي قتل كمال بالوحشية دي؟
استمع لرد زميله وهو يبرر بتوتر:
_لسه موصلناش للقاتل... ولا لأي دليل لان البيت كله ولع للأسف.
رد عليه بضيقٍ شديد:
_مش محتاجة أدلة دي واضحة زي الشمس.. ده انتقام ومش هيطلع غير من مجرم له تار عند كمال!
=احنا شغالين وهنوصله ان شاء الله.
_ابقى بالغني بالجديد أول بأول، ولو احتجت مساعدتي متترددش أنت عارف كمال كان غالي عليا ازاي، ياما اشتغلنا مع بعض.
=عارف يا باشا ومقدر موقفك.. ان شاء الله هكون على تواصل مباشر مع حضرتك.
وانتهت المكالمة فيما بينهما، بينما لم تنتهي رباطة فكره بما حدث لزميله وبالسيارة التي كانت تراقب تحركاته منذ قريب، ربما هناك ما يثير الشكوك بالأمر!
*******"
غيابهم ليومين متتاليتين جعل هناك ازدحام هائل من الأعمال، لذا انصرف الشباب صباح اليوم التالي باكرًا قبل استيقاظ أحدًا من القصر، عملوا بجهدًا كبير قبل أن يصل "ياسين الجارحي" لتفقد الأمور بالمقر، لف "معتز" رأسه يمينًا ويسارًا بتعبٍ ثم قال بإرهاقٍ شديد:
_أنا خلاص تعبت، مش هقدر أكمل غير لما أخد ساعة راحة على الأقل..
أغلق "جاسم" حاسوبه، ثم تمدد على سطح مكتبه وهو يردد بتعبٍ:
_مين سمعك، أنا خلاص ارهقت..
أضاف "رائد" وهو يقاوم النوم بصعوبةٍ:
_أنا بقالي ساعة شغال على الملف ده ومش عايز يخلص تقولش بيعاند هو كمان!
خلع "عمر" سترته السوداء ثم حرر الجرفات الخاص به وهو يصيح بغضب:
_يا جدعان أنا دكتور والله العظيم دكتــــــــور مش محاسب، جايبني اراجع حسابات أول مرة أشوفها.. ده أنا حتى كنت بخلع من حصة الرياضة اتقوا الله!
ضحك "أحمد" ثم قال وهو يوزع نظراته بين أبناء عمه:
_أيه يا عصب الجارحي، نخيتوا أوام كده أمال فين كلام الكفاح والمستقبل والعزيمة بتاع امبارح!
رد عليه جاسم بغضب:
_اقعد يا عم انت طول عمرك واخد على المرمطة دي ذنب أمنا أحنا أيه!
سأل معتز باستغراب:
_أمال فين ياسين وعدي وحازم!
أجابه عمر قائلًا:
_عدي وياسين فوق في مكتب عمي بيخلصوا شوية اجراءات على اللاب بتاعه، أما الحيوان ده فمعرفش فين بس أي كان هو فين فاكيد بيعمل كارثة جديدة..
ردد أحمد بعصبية:
_هو أحنا لحقنا!
قال رائد بغضب:
_قوم يا أحمد شوف أخوك في انهي داهية، وقسمًا بالله ما قادر لاي مصيبة جديدة واديك شايف بعينك شكلنا عامل ازاي... قوم.
زفر بضيقٍ ثم ترك حاسوبه ونهض عن مكتبه، فما أن اقترب من الباب حتى وجده يدخل حاملا بين يده كارثة ستفتك بهم جميعًا، انتبه الجميع لما يحمله بين يديه فكانت علبة قيمة للغاية، فتحها ليبرز ما تحمله بداخلها، رفع أحمد حاجبيه وهو يردد باستغراب:
_شوكولا تشاكوبولجي مرة واحدة، جبتها منين دي؟
قال معتز بدهشة:
_ولا انت سارقها صح! ، لحقت تجبها ازاي دي!
تساءل رائد بذهول:
_وقدرت على تمنها ازاي وانت أبوك ساحب منك الفيزا وكل ما تملك بعد حوار الشعر الأحمريكا!
تدخل عمر حينما صاح بغضب:
_ما تنطق يالا هنتحيل عليك.
ابتسم حازم بغرور ثم وزع عليهم قطع الشوكولا ليقول وهو يلتهم احد القطع:
_عشان تعرفوا اني حنين لما سرقت سرقت عشانكم انتوا!
ضيق احمد عينيه وهو يردد بذهول:
_سرقت مين؟!
أجابه بفخرٍ،وكأنه يجلب كنوز مقبرة فرعونية إليهم :
_الواد ياسين الواطي جايب لمليكة مراته أفخم انواع الشوكولاتة في العالم وسايبنا هنا هنموت من التعب.
جذب أحمد ياقة قميصه وهو يردد بعصبية:
_يعني أنت سرقت فعلًا!
هز رأسه وهو يخبره بعنجهيةٍ:
_اخدتها من المندوب اللي جاي بنفسه يسلمها، ابن ال... مرضاش يدهاني الا لما شاف بطاقتي وصدق اني من العيلة.
تناول رائد القطعة الصغيرة التي بيده وهو يردد بتلذذ:
_لا جدع يالا، بصراحة طعمها لا يقاوم..
تناولها عمر وهو يردد بحزن:
_هي طعمها حلو مقولناش حاجة بس ياسين هيتضايق.
قال معتز وهو يجذب قطعة من العلبة التي يحملها حازم:
_ولا هيتضايق ولا حاجة هيطلب غيرها، المهم اننا لقينا حاجة تفتح نفسنا على الشغل..
أجابهم أحمد بسخرية وهو يراقب ما يفعلونه :
_انت بتحلم، انت عارف عشان يطلب نوع فاخر من الشوكولا دي تاني هياخد معاه وقت وفلوس اد أيه، دي بتتباع بالدولار يا حبيبي!
تناول حازم قطعة اخري ثم قال وهو يلوكها بنهمٍ:
_وهو هيغلب يعني!
ضحكوا معًا وتقاسموا الغنيمة الباهظة، ولكن سرعان ما تلاشت الابتسامة حينما عاد ياسين وعدي، فجحظت النظرات المسلطة عليهم بصدمة، فتساءل عدي باستغراب:
_أيه اللي بيحصل هنا ده، كل واحد سايب شغله وقاعدين بتحلو!
اقترب منهم ياسين والخوف يدب بقلوبهما، فجذب قطعة من الشوكولا ثم تناولها وهو يقول بتلذذ:
_جمييلة اوي، جايبها منين دي يا حازم؟
توقفت قطعة الشوكولا في فمه، بينما ردد عمر بصدمة:
_هي العلبة دي دي مش كانت جايلك يا ياسين؟
انكمشت تعابيره بدهشةٍ:
_لا وأنا هطلب شوكولا لمين هنا!
لف معتز العلبة وهو يقول:
_ازاي بس!
قرأ أحمد الاسم المدون بصوت مقبض:
_السيد ياسين الجارحي!
ردد حازم بصوتٍ انقطعت اوتاره وكأنه يحاول تصديق ما سيقول:
_اهو مكتوب ياسين الجارحي!
ثم تطلع تجاه ياسين قائًلا:
_مش أنت اسمك ياسين يا ابني ولا انا اتحولت؟
سكنت الصدمة وخيما بالوجوه وخاصة حينما ولجت السكرتيرة للداخل لتخبرهما بعملية:
_ياسين باشا وصل المقر.
القى حازم العلبة من يده لاحمد، والقاها أحمد لياسين وياسين لعمر وعمر لرائد ورائد لمعتز ومعتز القاها للوحش الثائر ثم في لحظة وجد الغرفة فارغة بأكملها، فأختبئ كلا منهم أسفل مكتبه، ولم يظل سوى عدي الذي يتطلع لهم باستغرابٍ وهو يحمل العلبة، وحينما استدار للخلف وجد أبيه يقف مقابله!
....... يتبع......
#أحفاد_الجارحي.... #آية_محمد_رفعت..
عندي عتاب ليكم.. فين الريفيوهات اللي اتعودنا عليها كل جزء من الجارحي، فين تفاعلكم وتعليقاتكم اللي بقت مقتصرة على الملصقات! انا مقدرة التقصير اللي كان حاصل بالفترة اللي شرحت بيها ظروفي لكن مش معنى كده اني الاقى احباط بالشكل ده، انا بحاول بكافة السبل مقصرش في اي شيء فبتمنى منكم متخلونيش ارجع للنفور بالكتابة من تاني... بحبكم في الله ♥
#Aya.
*****_______*****"
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الرابع عشر 14 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويـض_الشـرس! (#أحفـاد_الجـارحـي5)
#الفصل_العاشر.
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة"شروق حسين " ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
لم يكن بالأحمق حتى لا يجمع خطوط ما يحدث هنا، وخاصة حينما ولج "ياسين الجارحي" للمكتب، خطف عدي نظرة للعلبة التي يحملها وخاصة للأسم المدون، ومن ثم بطرف عينيه منح من يختبئ أسفل المكتب بنظرة اشتعل بها الغضب فعلموا بأنه كشف الأمر أسرع مما ينبغي له، ربما هم بمأزق جميعًا، وخاصة باختيارهم الضحية الغير مناسبة بالمرةٍ، سيقلب عليهم الطاولة وهيهات بين الشبل والأسد الجامح، ربما هم في عداد الموتى دون الحاجة للدفاع عن أنفسهم، وضع "عدي" العلبة على المكتب المجاور له، ثم وضع يده بجيب سرواله وهو يتابع ما سيفعله أبيه، اقترب "ياسين" منه بخطاه الثابت، ومن ثم قال برزانةٍ:
_مستخبتش ليه أنت كمان؟
استقام بوقفته فور تقدم أبيه ناحيته، وأجابه بثقةٍ:
_معملتش حاجة غلط عشان اتدارى منها، ولو حصل وعملتها هواجه مش ههرب.. أنا مبخفش من حد.
ضيق عسلية عينيه بنظرة أحاطته بصلابة وقوة، وصمت جعل "عدي" يسترسل بمحبة غلبت جفاء حديثه:
_الغلطة دي عندي.. في ظرف ٢٤ساعة هيكون عند حضرتك علبة جديدة.
رفع أحد حاجبيه وردد ساخرًا:
_أيه الكرم ده؟
أجابه بإيجازٍ كافي لشرح وجهة نظره:
_لأنها تخص والدتي.. أنا عارف أد أيه هي بتحب النوع ده من التشوكليت.. فأكيد أنا مش سعيد باللي حصل هنا حتى لو كان بالغلط.
أشرقت شفتيه عن بسمة خافتة، اتبعها كلمة هامسة:
_أقنعتني!
ومن ثم اتجهت عينيه لأسفل طاولات المكتب، وأشار لهم بحزمٍ، جعل الجميع يندفع للخارج واحدًا خلف الأخر، انتقلت النظرات بينهم بجفاءٍ، حتى تعلقت بأحمد، وياسين، ورائد، وعمر فردد ساخرًا:
_أخر حاجة كنت أتوقعها وجودكم تحت هنا! .. المفروض إنكم كبار وعاقلين بس الواضح قدامي غير كده.
حلت السعادة لقلب "معتز" ، و"جاسم" لسنهم الأصغر عن الباقية، لذا كان يختبئون خلف أكبرهم، تابع ياسين حديثه الغاضب:
_شكلكم هيكون أيه لو حد من الموظفين دخل وشافكم مستخبين كده! هتقدروا تتحكموا في ادارة المقر ازاي من تحت الترابيزة!!
اشتعلت الدماء بعروقهم، وخاصة أحمد الذي كاد بأن يقتل من فرط الحرج أمام قدوته، لذا قرر الخروج عن صمته حينما قال:
_أنا بعتذر عن اللي حصل نيابة عن الكل يا عمي، بس صدقني أنا مليت من مصايب أخويا.. بقيت بخاف أشوفه من كتر اللي بيعمله فيا وفي ولاد عمي.
على همس خافت ظنه غير مسموع، فخاب ظنه واستمع اليه لمن بالغرفة:
_بلاش ياسين الجارحي يا أحمد.. حرام عليك يا جدع هيقطع رقبتي!
نظرة صارمة منه جعلتهم يتنحوا جانبًا لتشمل من بقى أسفل الطاولة بعد، فزحف حتى خرج عنها وجسده يرتجف برعبٍ، وخاصة حينما قال بحسمٍ:
_على مكتبي!
وترك الغرفة بأكملها واتجه للمصعد ليتجه للطابق العلوي حيث تم انشاء مكتب جديد له بأمرٍ من "عدي" ، بينما بالأسفل ردد "حازم" بخوفٍ وعينيه تراقب الفراغ الذي تركه "ياسين الجارحي" من خلفه:
_ليه قالي أروح وراه؟ اشمعنا طالبني أنا بس!
منحوه نظرة ساخطة قبل أن يتجه كلًا منهم لمكتبه، الا "عمر" اقترب منه بابتسامةٍ واسعة، ووضع يده على كتفه وهو يخبره بعد تفكير ساخر:
_يمكن هيفتح كرشك ويطلع التشاكوبولجي منها.. وهتبقى موتة قدرية عشان تحرم تعيد السرقة يا حزومي!
اهتز جسده حينما ضربته رعشة جعلته يهتز كالبناء الهائل للسقوط، فاسرع لمكتب أخيه، ولكنه تراجع للخلف سريعًا فور رؤية تلك النظرة النارية التي تمردت من حدقتيه بتحذير بعدم الاقتراب والا سيحرص على قتله بنفسه، تراجع للخلف ولم يمتلك أي سبيل للاختيار سوى الصعود للأعلى..
*******
أسرع السكرتير بفتح باب المكتب، مع اقتراب صعود المصعد للطابق المنشود، خرج من المصعد يتفحص الطابق بنظرةٍ سريعة، قبل أن يتجه للداخل، رمش بعينيه بدهشةٍ خلقت داخل حدقتيه فور رؤية مكتبه الجديد، كان على مساحة أكبر من مكتبه الرئيسي بالمقر بمرتين، ومصمم بطريقة مميزة جعلته يراقب كل تفاصيله بانبهارٍ، فمن يراه يكظم بأنه لمالك الشركات بأكملها، على عكس ما يريده "عدي"، شعر بوجود أحدٌ خلفه فقال دون أن يستدير برأسه للخلف:
_ده المفروض يكون لمين فينا؟
بخطواتٍ منتظمة اتجه ليكون قبالته، فحانت منه التفاتة تجاه مقعد المكتب الأساسي، تأمله لدقيقةٍ كاملة وكأنه يبحث عن إجابة لسؤال أباه، وفجأه حينما قال بكل ثقة:
_المكان ده مينفعش يكون لحد غير حضرتك!
وعاد ليتطلع إليه وهو يستطرد:
_بتمنى إن ذوقي يكون عجب ياسين الجارحي!
حل أزرر بذلته السوداء وهو يعتلي مقعده، ثم قال بإعجابٍ تعمد أن يجعله بارزًا له:
_عجبني، بس زود عندي الفضول أعرف ليه اختارته ليا وأنت بنفسك حاطط شروط إن محدش يتدخل في الادارة غيرك!
دنا"عدي" من سطح المكتب، فجذب المقعد المقابل لابيه، ومن ثم جلس براحةٍ اتبعت نبرته الهادئة:
_ولسه شرطي مستمر، بس ده مينفعش أن اللي حضرتك عملته لامبراطورية الجارحي يحترم وله مقام محفوظ وأنا بنفسي حرصت على ده.
ضحك ياسين بصوتٍ مسموع على غير عادته، وإتكأ بمعصمه على سطح المكتب حتى بات قريبًا منه، وقال بمكرٍ:
_وإنت شايف نفسك تستحق مكاني هنا، ولا شايف ياسين ابنك هو اللي يستحق يكون وريث لامبراطوريتي؟
حسبته هالة من الادخنة العابرة، فجعلته يشعر باختناقٍ ضاق بصدره، انتصب بوقفته وهو يتطلع لابيه بعينين لامعتان ببريقٍ ظنه الأخير انعكاس لدمعةٍ كادت بأن تهين رجولته لتنسدل على خديه، فمزق جلباب سكونه القاتم حينما قال:
_محدش يستحق يكون هنا غير حضرتك.. ولا حتى أنا!
واسترسل بنبرةٍ تمكن من خلالها ياسين الشعور باختناق اوردته:
_ربنا يديك طولة العمر.
لم يحتمل البقاء أكثر من ذلك، فانسحب للخروج سريعًا، وكأنه طفلًا صغيرًا يلوذ بالفرار، فاوقفته كلمات صارمة تحررت بسرعة البرق:
_هستنى أشوف انجازاتك في أيام غيابي عن المقر، ومتنساش باقي على المناقصة يومين بس.. وقتك بينتهي يا سيادة المقدم.
توقف عن المضي قدمًا، فرفع رأسه عن الأرض وقال دون أن يوليه ظهره:
_متقلقش مش ناسي.
وتركه وغادر على الفور، تابعه ياسين بابتسامةٍ صغيرة رسمت بحبٍ وفخر، يحاول بكافة السبل اخمادها خلف ثباته المهيب، ولكنه لا ينكر بأن صموده أمامه ومشاعره الدافئة التي يحاول اخفائها تروق له!
*****
اقتحم "عدي" مكتبه، فكادت قوة ذراعيه التي تدفع بابه باقتلاعه، أسرع للداخل وأغلق من خلفه، جاب الغرفة ذهابًا وإيابًا وتلميحه ينخر داخل قلبه كالمنقار الحاد، عقله باتت مشتت عن ما الذي يريده منه أبيه بالتحديد، وكأنه يتعمد خلق تلك الدائرة المربكة من حوله، ليضمن تشتت عقله كليًا!
طرقات باب مكتبه جعلته يتهدج بخطاه المنفعل، ويخبر الطارق بالدخول، فولج "ياسين" للداخل، ليضع عدة أوراق على مكتبه وهو يخبره:
_الأوراق دي واقفة على توقيعك يا عدي.
تعمق بالتطلع إليه، وكأنه اهتدى لنقطةٍ ما، فتعجب ياسين من طريقة تطلعه به، وتساءل بريبةٍ:
_في أيه؟
اقترب منه عدي وسأله بجدية تامة:
_ليه ياسين الجارحي مختاركش أنت أو أحمد تكون بداله وتدير المقر؟
كان سؤال غريب في وقتٍ أغرب، ومع ذلك أجابه ياسين:
_يمكن لانه شايفك جدير بالمنصب ده أكتر مننا.
ضحكة ساخرة تلاحقها نبرة مستهزئة:
_على اساس إني حوت في ادارة الاعمال!
واسترسل بخشونةٍ:
_خليك ذكي يا ياسين أنا لحد الآن مش عارف اندمج معاكم بالشغل ده، مش قادر أشوف نفسي غير ظابط بوليس.
تشتت عقل ياسين بما أقنعه به، فقال بعد فترة من التفكير:
_عمي سبق وقالك أنت وعمر إن الشغل كبر ومبقناش نقدر نسد على كل ده لوحدنا عشان كده خلاكم تسيبوا شغلكم وتيجوا على المقر.
سد عليه حجته للدفاع عن ياسين الجارحي:
_تمام يبقى على الأقل ميكنش ده مكاني.. المكان ده المفروض يكون لشخص أكتر خبرة مني زيك وزي أحمد.. كان ممكن يخليني زي عمر أساعد واتعلم!
أحاطه الضجر من عصبة تفكير ابن عمه التي لا تتركه هنيئًا، فسأله بجراءةٍ:
_عدي أنت سبت شغلك عشان عمي اللي طلب منك ده؟
رفع أحد حاجبيه بدهشةٍ:
_ليه بتسأل السؤال ده!
واجهه بما يشك به:
_لاني مش قادر أقتنع بده.
زفر بيأسٍ، وارتفع بجسده ليجلس على سطح المكتب قبالته، مرر عدي يده بين خصلات شعره الطويل، فحرفها عن انضباطها وأخذت تموج بعشوائية خلف رقبته، ومن ثم حرر جرفاته وهو يجيبه على مضضٍ:
_عملت كده عشان رحمة يا ياسين.
بدا متفاجئًا للغاية لما استمع إليه، فترك عنه الملف، ثم جذب أحد المقاعد وقربها إليه وهو يردد بفضولٍ:
_رحمة!
هز رأسه بتأكيدٍ قائلًا:
_لما طلبت مني أبعد عن شغلي رفضت وأصريت أكمل، عملت الحاجة الوحيدة اللي اتعودت عليها عاندت، وقدام عنادي استسلمت وبطلت تطلب مني كده.
سأله بحيرةٍ:
_أمال هي السبب ازاي في إنك تقدم استقالتك؟
ابتسامة حملت عشقٍ خالد توزعت على شفتيه، وبالرغم من سكون حركة جسده الا أن حنان صوته وبسمته كانت كافيلة لجعل من أمامه يستكشف قيمة عشقه هذا:
_نظرة الرعب والخوف اللي كنت بشوفها في عيونها لما برجع البيت متأخر شوية كانت بتقتلني، كنت حاسس بالعذاب اللي هي عايشة فيه من غير ما تتكلم، خوفها عليا كان بيبان في عيونها، ومعنديش استعداد اشوفها بالحالة دي عشان أرضي غروري..
عبثت أصابعه باللافتة الصغيرة الموضوعة على مكتبه، فحملها بين يده وأصابعه تمر فوق حروف "عدي الجارحي" ببطءٍ ونظرة لا تحمل الرضا عن تخلي لقبه كمقدم عليها، مثلما كانت تحمل تلك اللافتة بمكتبه السابق، واسترسل بوجعٍ دافين:
_حتى لو كان ده على حساب حبي وشغفي لشغلي.
ترك عن يده اللافتة واستقام بوقفته وهو يتطلع له، ويخبره بصدقٍ:
_اللي مهون عليا اللي أنا فيه ده هي.. كفايا اني برجع في أي وقت بلاقيها نايمة ومطمنة.. القلق والخوف بعد عنها وده كافيل يخليني استحمل أي شيء في الدنيا مش تحديات ياسين الجارحي بس!
وأشار له ببعض المرح:
_بس ده ميمنعش اني حابب أثبتلكم اني استحق مكانتي مش لان ياسين الجارحي أبويا.. لا لشخصي أنا كعدي.
وبنصف عين سأله:
_عندك اعتراض على كلامي!
ضحك ياسين وهو يشير له باستسلامٍ:
_محدش يقدر يقول غير كده يا وحش.. المهم انك توقعلي عشان ورايا شغل كتير.
انحنى تجاه الحبر الموضوع بعلبة قيمة للغاية، ووقع باسمه على الاوراق، ثم ناولها له وهو يشدد عليه:
_خليك مع احمد ورائد لازم نكسب المناقصة بأي شكل من الاشكال.
جذب الاوراق منه وهو يخبره:
_احمد ميتخافش عليه سبق ودخل أكتر من مناقصة صعبة لوحده في ايطاليا، رائد اللي محتاج أبص عليه وأشوف خطته أيه؟
_ماله رائد يا سي ياسين.. أيه ميقدرش يعتمد على نفسه ولا أيه؟
كلمات حادة تفوه بها من يفتح باب مكتب عدي ليقذف بوجهه تلك الكلمات التي نالت منه، ارتبك ياسين من وجوده ورسم ابتسامة وهو يشيد به:
_طبعًا معنديش شك فيك يا رائد.. بس المناقصة دي صعبة جدًا وآآ.
قاطعه "رائد" بحدةٍ:
_صعبة عليا ومش صعبة على أحمد من وجهة نظرك!
كاد ياسين بالرد عليه ولكن اعترض عدي حديثهما حينما قال بضيقٍ:
_ياسين أكيد ميقصدش يا رائد، أنت مش عيل صغير عشان تفهم الكلام غلط ونفضل نبررلك.. كبر عقلك شوية وركز في العرض اللي هتقدمه!
مررها حتى وإن كان أثرها عالق بجوفه، وإدعى بأن الأمور على ما يرام، حينما رسم بسمة مصطنعة وردد:
_محصلش حاجة..وخليك واثق يا ياسين اني هبذل ما بوسعي عشان المناقصة دي ترسى علينا.. عن إذنكم.
وتركهم وغادر على الفور، فحمل ياسين ملفه ولحق به ليصلح ما أتلفه دون قصدًا، وما كان من الأخير الا ان تقبل اعتذاره بصدرٍ ضاق من تلميحاتٍ حديثه وتبقى عالق بنقطة ستعيق ما يود فعله!
*******
مرت أكثر من ساعة كاملةٍ ومازال يقف أمام باب المكتب وهو في حالةٍ من الهلع، استجمع "حازم" شجاعته أخيرًا، وطرق على الباب، فما أن استمع لاذن الدخول حتى اهتزت ساقه بخوفٍ مما سيلاقاه بالداخل، اقترب حتى بات قريبًا من مكتبه، فراقبه وهو يتفحص الحاسوب من أمامه بثباتٍ عجيب، وكأن أحدٌ لا يشاركه الغرفة، فكسر صوته الرخيم الصمت، حينما أمره:
_اقعد يا حازم.
جلس على أحد المقاعد من أمام مكتبه الكبير، وعاد لنفس لحظات الترقب من جديدٍ، أغلق "ياسين" الحاسوب من أمامه، وشمله بنظرةٍ جعلته يرفع أصبعيه وهو يباشر الدفاع عن ذاته:
_والله ما كنت أعرف إنها لحضرتك، أنا مستعد اتكفل بكل الخساير يا عمي، حتى لو سرقت الفيزا بتاعت أبويا ودفعت بيها تمنها.
أغلق عينيه باسترخاءٍ، وأشار له بالصمت حتى يسمع ما سيقول:
_اللي بتعمله ده أخرته أيه يا حازم..أنت بطيشك ده بتأثر على أخوك وولاد عمك.. يعني لا سايبهم يشوفوا شغلهم ولا أنت نفسك مركز في شغلك عشان كده أنت هتتنقل لقسم الحسابات وده هيكونلك ردع عن جنانك ده.
وضغط على زر خشبي بجانب الحائط، فولج للداخل أحد موظفيه الخاص، فأشار له بحزمٍ:
_اشرحله طبيعة الشغل يا مصطفى.
أومأ الشاب برأسه باحترامٍ:
_اللي تؤمر بيه يا باشا.. اتفضل معايا يا أستاذ حازم.
لحق به بسعادةٍ لا توصف، وكلمات تتردد دون توقف:
_أنا حي! الحمد لله..
****
هبط الدرج الجانبي من خلفه بابتسامةٍ واسعة، وكأنه نجا لتوٍ من نزال كان سيلقى حتفه به لا محالة، فراقب من يتبعه باهتمامٍ، ومن ثم خطف المسافة بينهما وهو يردد بمشاكسةٍ:
_متعرفناش بالجميل.
رمش الموظف بعينيه بدهشةٍ، ومع ذلك أجابه بمراوغةٍ:
_أنا مصطفى موظف في قسم الحسابات وآآ..
قاطعه بمرحٍ:
_يا عم فكك من المقدمات اللي متأكلش عيش دي وخش على الجد.
تساءل بحيرةٍ وهو يحاول فهم ما يود قوله:
_جد أيه يا فندم مش فاهم حضرتك.
رفع يده على كتفه وهو يخبره بنبرةٍ عميقة:
_شوف يا مصطفى يا ابني، انت عنيك كلها حزن وهموم.. قولي فيك أيه ومتحاولش تخبي.. يمكن أعرف أساعدك.
بتوترٍ أجابه:
_لا آآ.. آنا..
قاطعه مرة أخرى وهو يشير له ببسمة هادئة تحثه على الحديث:
_يا راجل اتكلم ومتقلقش سرك في بير.
بدت معالم الحزن تختلج معالم الشاب، وردد بارتباكٍ:
_أصل انا عريس جديد وآ...
كمم فمه سريعًا، وهو يشير له بغضبٍ:
_هوووش تفاصيل زي دي متتحكيش هنا يا راجل!
أبعد يده عنه، فهمس الاخير بصدمة من رد فعله المبالغ به:
_أمال فين؟
أشار له قائلًا:
_تعالى ورايا..
اتبعه الموظف بتريثٍ، حتى وصل لغرفة مكتبه الخاص، فمنحه إذن الحديث، لذا فاض بما يضيق به والأخر بستمع إليه بصمتٍ حتى انتهى من حديثه، وترقب ما سيقول، فحك حازم مقدمة رأسه بحيرةٍ وهو يحاول البحث عن حل مناسب لتلك العقبة، وفجأة فرك أصابعيه وهو يخبره:
_بس مفيش غيره.
تراقص الأمل بحدقتيه وردد:
_مين؟
اجابه وهو يجذبه ليخرج خلفه مهرولًا:
_الواد عمر.. دكتور اد الدنيا وله في كل خرابة عفريت.
ارتعب الشاب وجذب يده منه وهو يشير له:
_بلاها عشان منقلقش الباشا.
بسط له ما يخطط له:
_يا عم متقلش كده.. عمر ده عسل وكريم شانتيه.
ابتهج الاخير ولحق به حتى وصل لمكتب عمر..
******
بالقصر..
طرحت الفتيات غطاء أسوء كبير بالحديقة، ووضعوا الطعام بانتظام على سطحه، وجلسوا جميعًا يتناولان الطعام بجو من الألفة، ومن حولهم يلتف بهم الاولاد، وأغلبهم يقومون بسباق وألعاب جعلتهم في غاية السعادة، بينما اكتفت الفتيات بمراقبتهم بحبٍ، تأملت "نور" الطعام الموضوع من أمامها بضيقٍ، فسألتها "رحمة" باستغراب:
_مش بتأكلي ليه الأكل مش عاجبك؟
زمت شفتيها بنفورٍ:
_أنا زهقت من الأكل ده.. حابة أغير بقا وبصراحه نفسي أكل حوادق كده.
وفجأة رددت وأنفها يلتقط تلك الرائحة التي أنعشت قلبها:
_في ريحة داخلة عليا تهفهف.. شمين؟
نكرت داليا ما تشير اليه:
_لا مفيش حاجة..
ضحكت أسيل وهي تخبرها:
_نور لو نفسك تأكلي حاجة عرفينا لتطلع في وش البيبي.
مازحتها شروق هي الاخرى:
_نور اتوحمي على حاجة حلوة أهو ينوبنا من الحب جانب، مش كده ولا أيه يا روني!
التفتت مليكة حولها بريبةٍ:
_لا فعلا كلامها صح أنا كمان شامة نفس الريحة.
منحتها رانيا نظرة ساخرة:
_واضح ان الحوامل بس اللي بيشموا ولا أيه.. انتي ايه الاخبار عندك يا نسرين.. شامة أيه؟
منحتهم نظرة مغتاظة قبل أن تجيبها:
_فقدت حاسة الشم وأي حواس بعد المدعوق الجواز... جوازة منيلة بنيلة.
اصابتهن نوبة من الضحك، وخاصة حينما ناولتها رحمة طبق من التسالي قائلة:
_كلي يا نسرين وفكك.. خلي البنت تيجي مفرفرشة متبقيش بومة!
رُفع الغطاء المحكم عن العلبةٍ، فباتت الرائحة تنتقل بينهن، اتبعوا مصدر الرائحة فوجدوا دينا تقف مقابلهم، ولجوارها آية وملك، ويحملن علبًا مغلفة وعدد من الخبز، نهضت مليكة واتجهت اليهن وهي تتساءل بلهفةٍ:
_اوعوا يكون اللي دماغي..
فتحت دينا العلبة وهي تردد:
_هو بشحمه ولحمه.
واضافت ملك:
_ومفيش غيرنا.. كل الشباب برة.
جذبت منها مليكة العلبة وانخفضت لتحرر محتوياتها على الأطباق، فهمت نور بالتهام احدى القطع وهي تردد بنهمٍ:
_ده احنا ليلتنا فل.
همت أسيل لتناول احدى القطع وهي تردد بحماسٍ:
_واووو.. فيسخ!
ابعدت نسرين يدها عن الطبق وهي تشير لها بسخطٍ:
_الكلمتين ميمشوش جنب بعض يا حبيبتي.. دي أكلة الناس اللي بتفهم.
انحنت آية تجاههم ووضعت علبة أخرى، ثم جذبت الخبز وتناولت وهي تشير لهم سريعًا:
_كلوا بسرعة قبل ما حد يرجع.. بدل ما نلاقي نفسنا على الرصيف باللي بناكله ده!
تعالت الضحكات فيما بينهم، فقالت نور:
_انا من رأيي شروق وداليا يروحوا يأمنوا البوابة لحد ما نخلص.
تذمرت الفتيات ورددن بضيق:
_اشمعنا احنا بقا.
وضعت ملك العصائر جوارهم، وانضمت إليهم ثم قالت وهي تلوك احدى قطع الخبز:
_انتوا مكبرين الموضوع ومهما بتعملوا بنتقفش كل مرة يبقى قفشة بقفشة ونتهنى بقا بالاكل.
تناولت رحمة ما بيدها بنهمٍ، وجذبت احد الاطباق وهي تشير لها بإعجابٍ:
_انا معاكي يا طنط نتهنى الاول وبعدين اللي يجي بعد كده ربنا يسهل بيه!
*******
بمكتب الشباب الجماعي!
عبث بعينيه وهو يجاهد شعوره بالحرج، ومع ذلك تماسك وهو يدون اسم أحد الاطباء، ثم قال ببسمة صغيرة:
_متقلقش.. ده صديق ليا وهيساعدك تحل مشكلتك بإذن الله.
التقط منه الشاب الورقة، وشكره بإمتنان ثم غادر، فما أن تأكد عمر من رحيله، حتى أسرع باغلاق الباب من خلفه واتجه لمن يجلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى بتعاليٍ، وكأنه منحه وظيفة براتب شهري ضخمًا، اقترب منه عمر والغضب يتراقص بمقلتيه وفجأة انقض عليه كالوحوش الجارحة التي تتلاعب بضحيتها قبل أن تغرس أنيابها بلحمها الطازج، وصرخ به وهو يسدد لكماته اليه:
_يا جدع أنا مش لاقي كلمة أقولها لشخص في برودك.. شايفني دكتور مسالك بولية ولا شغال مع هبة قطب في حل المشاكل الزوجية!
حاول الاعتدال بجلسته وهو يعدل من ثيابه الفوضوية، وبصعوبة بالغة قال:
_يعني منساعدش الراجل في محنته!
كز على اسنانه حتى كاد باقتلاعها وصرخ به:
_وأنا مالي ومال مشاكل الناس يا عم... انا كنت مكفي مشاكلك ومصايبك السودة عشان اكفي غيرك!
صاح بعنفوانٍ وهو يدفع جسده للخلف:
_انت انسان متكبر ياض يا عمر.. وانا اللي فكرتك عجينة تانية غير اخوك.. بس للاسف كلكم زي بعض.. حد يكره مساعدة الناس يا عـالم!!
مزق شفتيه السفلية من فرط ضغطه عليها بغيظٍ، فجذب المزهرية وقربها منه، تراجع الاخير للخلف وهو يردد بخوف:
_هو انتوا ليه رابطين موتي بالڤازات.. اسلحة المديرية انقرضت ولا أيه؟
جذبه عمر من تلباب قميصه وهو يصرخ بعصبيةٍ:
_حــــــــــازم.. أطلع من دمـــــــاغي.. اقولك استنى..
وتركه واتجه لدرج خزانته والاخير يتراجع للخلف وهو يتساءل برعبٍ:
_هتعمل ايه.. مسدس لا لا..
جذب عمر إطار شهادته الخاصة واتجه اليه وهو يسأله بغضب:
_ده أيـه يا حازم؟
دقق النظر لما يحمله ثم قال:
_شهادة تخرجك من طب العيون!
هز رأسه بجنونٍ وهو يؤكد له، ومن ثم طرق بها على المكتب فتهشم زجاجها ومن ثم جذب ما بداخلها ومزقها وهو يصيح:
_اهي يا حازم أهـي عشان ترتاح وتبعد عني!
ضرب كف بالاخر وهو يردد بحزن:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم.. الواد اتجنن!
صوت تحطم الزجاج جعل الشباب بأكملهم يسرعوا بالتجمع بالغرفة المجمعة، فصعقوا حينما وجدوا عمر يمزق شهادته، فلم تزيد صدمتهم فور رؤيتهم لحازم بالغرفة، ترك أحمد مجال صدمة الجميع واتجه لمن يقف بزواية الغرفة، فجذبه اليه وهو يهمس من بين اصطكاك أسنانه:
_هببت أيه المرادي يا مصيبة عيلة الجارحي!
هز يده وهو يشير له:
_نسلكم اللي مضروب ومحتاج قطع غيار صدقني!
أحمرت عينيه بغضبٍ جعل الأخير ينفلت ويهرع لاحدى الخزنات وهو يردد بصدمة:
_هتتحول ولا أيه!!
....... يتبع.........
#أحفاد_الجارحي5.. #بقلم_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
بالنسبة للقمرات اللي بيسألوا على الجوكر والاسطورة الرواية تم تحولها ورقي، لو حابين تطلبوها اون لاين وتوصلكم لحد باب البيت بعروض العيد على رقم 01001631173... وهتلاقوها موجودة بابداع بوك ستور ١٠شارع هدى الشعراوي بجوار مطعم كوك دور وسط البلد... وهنا تفاصيل الاعلان بتمنى تتفاعلوا عليه.
*******_______*******
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الخامس عشر 15 - بقلم آية محمد رفعت
#أحفـادالجـارحـي5..(#ترويـضالشـرس!!.)
#الفصلالحاديعشر.
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة"روان مكي" ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
تعاونت الفتيات بجمع الأطباق، ومنهن من قامت بتنظيف المكان جيدًا، ومن جمعت الأطباق المغلفة ثم قمن بإلقائها بسلة المهملات، انتهت حملة نظافتهم على أكمل وجه، وجلسوا يرتشفون المياه الغازية بعد تناولهم لتلك الحموضة، ضحكاتهن الطائفة من قلوبهم تغزو قلب من يراقبهن منذ فترةٍ، يترقب فور انتهائهن من تلك الوليمة الغير محببة إليه، لذا اختار الجلوس بالداخل واكتفى بمراقبتهن من أعلى التراس، وما أن انتهت جلستهن حتى استعدن للدخول للقصر، فحملت الفتيات الأغراض واتجهوا، انقطع طريقهم بذهولٍ حينما وجدوا الاضاءة تسري بالقاعة الرئيسية، فنادت "آية" أحد الخدم وهي تساءله بدهشةٍ:
_في حد من الاولاد رجع؟
هز رأسه وهو يوضح لها:
_لا يا هانم.. ده الباشا اللي رجع من نص ساعة.
فغرت فاهها صدمةٍ تشاركت بها مع من حولها، وخاصة حينما ظهر "ياسين" من أمامهم، اتجه بصمتٍ عجيب للمقعد الجانبي للصالون، وجلس يراقب نظرات توترهم باستمتاعٍ، لم تمتلك أحدهن القدرة على اختيار كلمات تخفف عنهن حدة هذا الموقف، تأملهم بهدوءٍ وروية وهو يباغتهن بصوته الثاقب:
_حفلتكم خلصت ولا لسه؟
ابتلعت "آية" ريقها بتوترٍ، بينما هزت "ملك" رأسها عدة مرات تؤكد له ذلك، فهز رأسه بتمهلٍ وهو يردد بحبورٍ:
_عظيم.
وجذب الجريدة الموضوعة من أمامه يتفحصها ببطءٍ تحت أنظارهن المراقبة لكل ردود أفعاله، فقال وهو يقلب بين أوراقها:
_هتفضلوا بصينلي كده.. لو حابين تقعدوا ونقلبها جلسة نقاش معنديش مشكلة.
فور نطقه لتلك الكلمات تفرقنا سريعًا من أمامه، فهرولت الفتيات لغرفهن، بينما تبقت هي تراقبه بغيظٍ يموج داخلها حد الانفجار، وكأنها تتحدى كل ذرة برود يمتلكها، وقد ربح هو كعادته فظل يتابع قراءته للجريدة بسكينة جعلتها تتمرد عن صمتها حينما دنت لتجلس قبالته وهي تردد باستغرابٍ:
_غريبة انك متضايقتش يعني!
أغلق الجريدة بنظامٍ، ثم وضعها لجواره وجذب كوب القهوة يرتشفها على مهلٍ:
_هتضايق من حاجة بتسعدك ليه؟
رفعت احد حاجبيها بدهشةٍ، لحقت بسؤالها:
_بتفرحني بس بتضايقك!
ابتسم أمام وجهها المحبب إليه بكل تعابيره، وقال:
_اللي يضايقني أقدر أتقبله من بعيد عشانك!
ضحكت وهي تخبره على استحياءٍ:
_مش عارفة إنت أيه اللي حصلك اليومين دول.. قلبت على قيس مرة واحدة.. قولي بس فين ياسين الجارحي بجبروته!
رفع حاجبه وأخفض الآخر وبنبرة اخشوشنت في حدتها قال:
_تحبي استدعهولك؟
أشارت نافية:
_لأ... لأ... كده مرتاحين مع بعض أكتر.
ارتخت معالمه ببسمة تحررت لتخبرها بصدق مشاعره:
_متقلقيش قدر بعد السنين الطويلة دي يتعلم ازاي يصرفه عنك انتِ بس!
أشرق وجهها المجعد ببسمةٍ جعلتها في غاية سعادتها، فنهض عن مقعده وهم بالصعود وهو يشير لها:
_كفايا سهر.. اطلعي الجناح وأنا شوية وجي.
واتجه للمصعد بعد صعوده الدرج الصغير الجانبي، متجهًا للطابق العلوي، وبالأخص غرفة أغلى من يمتلك معزة خاصة بقلبه!
**
توقفت السيارات تباعًا أمام باحة القصر الخارجية، هبطوا جميعًا وكادوا بالاتجاه للداخل، فاستوقفهم صوت تأوهاتٍ خافتة تأتي من صندوقٍ أحد السيارات، كبت "معتز" ضحكة كادت بالانفلات منه، فقال برجاءٍ:
_ما تفكه يا أحمد خلينا نتفض!
جذب "أحمد" حقيبة حاسوبه من السيارة، وهو يصيح به:
_أي حد هيفكر يفكه هيتعلق مكانه.. الواد ده اتمادى ولازم يتربى.
اقترب منه جاسم محاولًا استمالته:
_معلش يا ابو حميد قلبك أبيض طول عمرك.
تساءل بدهشةٍ وهو يوزع نظراته بين الجميع بحيرةٍ:
_ده خلى عمر يقطع شهادته!
ارتسمت بسمة شبه ساخرة على وجه ياسين الذي يستند بجسده على السيارة ويتابع ما يحدث بتسليةٍ:
_خلاص يا أحمد هو عمر يعني ماشي يلف على المستشفيات الحكومية بيدور على شغل ومش لاقي يأكل! ده عنده مستشفي باسمه يا حبيبي هيطالبوه هناك بالشهادة في ملكه!!!
خرج "عمر" من السيارة، واتجه اليهما ليفصل بذلك الحوار الذي يتسبب له بالضيق قبل أن يمسهم:
_فكه يا أحمد.. أنا كده اخدت رزقي منه يا عالم الدور على مين فيكم؟
تسلل لوجوههم ارتباكٍ ينجح ذاك الأبله بخلقه بين دائرة جمعهم، فجذب معتز جاكيته الأسود واتجه للأعلى ، لحق به جاسم وهو يحذره:
_اوعى تفكه يا أحمد.. سيبه في شنطة العربية للاسبوع الجاي يكون عقل كفايا.
ربت ياسين على كتف أحمد وهو يغمز له بمشاكسةٍ:
_القرار يخصك لوحدك، مينفعش نتدخل بين الأخ وأخوه.. تصبح على خير.
مشط المكان من حوله بنظرةٍ يحومها الاستهزاء، فحانت منه نظرة خاطفة لرائد الأخير بهبوطه للسيارة، اتجه "أحمد"إليه وهو يتمعن به بنظرةٍ حائرة، ختمها بسؤاله المباشر:
_مالك يا رائد من الصبح وأنت مش عاجبني.. أنت تعبان؟
أغلق باب سيارته ثم فعل القفل الالكتروني، وهو يحاول الا يتطلع إليه فينكشف غضبه الذي يحاول اخفائه، واكتفى بتلك الكلمات المقتصرة:
_مفيش حاجة يا أحمد.. أنا بس راجع مصدع شوية ومحتاج ارتاح.
هز رأسه بتفهمٍ، ومن ثم سأله باهتمامٍ:
_جهزت عرضك للمناقصة ولا لسه؟
استقام بوقفته من أمامه، وببسمةٍ ساخرة أجابه:
_هيفيد بأيه.. والكل متأكد إني هخسر المناقصة والغريب انهم حاطين ثقة كبيرة فيك!
اندهش من سماع ما قاله، وردد بصدمةٍ:
_أيه الهبل اللي بتقوله ده! انت أول مرة تدخل مناقصة ولا أيه؟
منحه نظرة ثاقبة وكلمة ساخطة:
_الظاهر كده.
وتركه وهم بالصعود وهو ينهي الحديث بطريقة بدت لاحمد غريبة للغاية:
_تصبح على خير.
وتركه وصعد للاعلى بينما ظل أحمد محله جوار سيارته، على صوت"حازم" من الداخل، فرفع "أحمد" غطاء السيارة عنه، انحنى بجلسته وهو يشير له على القماشة التي تمنعه عن الحديث، فازاحها عنه بنفاذٍ صبر، ليردد الاخير بحزنٍ:
_كده يا أحمد عايز تقتل اخوك الوحيد!
لم يعبئ بما يقول فعقله شارد بما استمع اليه للتو، حل عقدة يده ثم استند بجسده على السيارة ومازال يتطلع للفراغ، وقف "حازم" جواره يتطلع له بضيقٍ، فاستمع لحواره مع رائد من البداية، لذا قال:
_رائد متهور يا أحمد.. لو خسر المناقصة دي الموضوع مش هيعدي بسلام.
رفع عينيه إليه، وكأنه كان بحاجة الحديث مع أحدٌ ولم يجد حوله سوى أخيه المشاكس، الذي قرر التنازل عن مزحه الدائم ليخبره بعقلية رجل متزن:
_اختيار عدي من البداية كان غلط، يمكن لو كان اختار ياسين بدال رائد كان أفضل، وده مش تقليل من رائد بس رائد انسان عصبي ومتهور وصعب انه يفهم إن حربك دي لصالح اسم العيلة مش لصالحك انت.
تهدلت معالمه بحزنٍ شديد، وسأله باختناقٍ:
_طب والحل.. أنا مستحيل أسيب الفجوة دي تتخلق بينا يا حازم.
ضم شفتيه معًا، وكأنه يفكر بحلٍ مثالي لتلك المعضلة، اجلى أحباله الصوتية وهو يخبره بعد لحظاتٍ من الصمتٍ:
_لو رائد مكسبش المناقصة دي يا أحمد مش لازم أنت كمان تكسبها.
رفع أحد حاجبيه بذهولٍ:
_تقصد أيه؟
أوضح له مقصده، حينما قال:
_متكشفش ورقك كله، جهز عرض بديل للمناقصة دي، لو رائد كسبها يبقى هتقدم العرض اللي هيضمن نجاحك أنت كمان، ولو منجحش يبقى مفيش قدامك أي اختيار غير انك تقدم العرض البديل ومتنجحش أنت كمان.
ابتلع ريقه بتوترٍ من سماع ما قاله، وأخبره بترددٍ:
_بس لا ياسين الجارحي ولا عدي هيقبلوا بده يا حازم، خسارتنا قدام مهاب أبو العزم هتقيم حريقة في المقر!
أبعد عنه جرفاته بنفورٍ من ارتداء تلك الحلى الغير مريحة، وردد قائلًا:
_عارف وعارف كمان أن عمي مش هيكون راضي عن اللي هيحصل بعد كده بينكم يا أحمد، ومش بعيد كمان يحط اللوم على عدي وهتكون في مشكلة جديدة!
فكر جيدًا بما قاله أخيه الأصغر، بعدما سد عليه كل فجوة كان يلجئ إليها، فوجد أن الحل الذي قدمه إليه هو الأمثل بالتأكيدٍ، انسحب من شروده وتطلع إليه بإعجاب يطفوه الدهشة بعنوانٍ لا يستدعي إخفاءه، فاستقام بوقفته عن السيارة وتساءل بتشتتٍ:
_أنت حازم أخويا بجد ولا ركبك عفريت وهيختفي بعد عشر دقايق!
رفع رأسه عاليًا وهو يجيبه بعنجهيةٍ:
_انا هو نفس الشخص.. عجبتك!
واسترسل وهو يبحث عن نظاراته بجيب سرواله، فارتداها وهو يستطرد بغرورٍ:
_أنا المفروض تشكروني على الجو اللي معيشكم فيه جوه غابة ياسين الجارحي.. وبدل ما تفرحوا باللي بعمله عشانكم بترموني في شنطة العربية!
قهقه "أحمد" عاليًا، وضم يده حول كتفيه وهو يحثه على الصعود برفقته للاعلى، وأخبره بسخطٍ:
_انت ثروة لا تقدر بتمن يابو خالد.
تهجمت تعابيره غضبًا:
_وليه بس السيرة العكرة دي ما كنت ماشي كويس!
تعالت ضحكاته فشاركه الضحك انتهازًا لتلك الفرصة التي لا تعوض فيما بينهما..
***
طرقات خافتة متتالية على باب الغرفة، جعلت الصغير يعلم بكنية الطارق، فهرع تجاه بابه ليكن باستقباله بنفسه، رحب به ببسمةٍ كادت بأن تصل للأذن:
_جدو!
ضمه إليه بمحبةٍ لا تسع كون لوصفها، ودخل به حتى جلسوا معًا على الأريكة التي تنحدر بكراتٍ صغيرة زرقاء تناسب أجواء الغرفة تخص الصبي، رفع ياسين يده على خد الصغير بحنانٍ بالغٍ:
_طمني عليك يا بطل؟
ابتسم الصغير وهو يخبره:
_انا بخير وبقيت أفضل لما حضرتك رجعت، كنت خايف انك تفضل بعيد عن القصر أكتر من كده.. بس الحمد لله إن بابا قرر يرجع حضرتك.
رفع أحد حاجبيه بشكٍ راوده لما استمع اليه:
_أفهم من كده انك اتعمدت متحذرنيش إنه عرف مكاني!
تطلع له بربكةٍ جعلته يردف بشجاعة تحلى بها:
_بصراحة آه لاني كان نفسي أشوف حضرتك.
رفع كفيه يحتضن خده بمحبةٍ، فحانت منه نظرة جانبية لمكتبه، فقال متلهفًا:
_أيه أخر انجازات الفنان بتاعنا؟
ركض مسرعًا تجاه مكتبه، وجذب أحد لوحاته ثم عاد بها إليه، فقلب ياسين بين محتويات ما رسمه بحرافيةٍ، والبسمة لا تفارق شفتيه لجمال ما رآه، استوقفه عدة صور تخص ظباط الشرطة وأغلبها رسومات لشتى أنواع الاسلحة، جذب انتباه صورة أخيرة قريبة حدًا ما لعدي ابنه، وعلى ما يبدو بأن ذاك الصغير الذي يرتدي ملابس الشرطة ويقف لجواره تخص حفيده المهوس بكل ما يخص الشرطة، وعلى ما يبدو بأنه يختار نفس الدرب الذي سلكه ابنه من قبل، وبذل كل ما بوسعه ليمنعه من ذلك، والآن سيقف مكتوف الأيدى من جديدٍ، لاح على وجهه ابتسامة عابثة، ابنه الشرس لا يتناحى عن تحديه ويظن بأن ابنه لا يود أن يكون مثله هو بل مثل جده، ليته يعلم حقيقة مشاعره.
أغلق "ياسين" اللوحة الضخمة من أمامه، وراقب قلق الصغير الذي يتراقص بحدقتيه، فربت بحنان على معصمه وهو يخبره:
_اللي أنت عايزه هتحققه بنفسك ومحدش هيقف في طريق ولا هيعارض اختيارك.. اطمن أنا في صفك مش ضدك.
لمعت الفرحة بعينيه وارتمى بأحضانه يتعلق به بأمانٍ يرغب دومًا بالشعور به في حضرته!
***
مشاعره الثمينة يقدرها ويقدر ما يحتاج إليه، لذا فضل البقاء بمفرده،وعدم العودة بصحبة الشباب للقصر، فإتجه لأكثر مكانًا قد يريحه، ولم يجد راحته سوى بالجلوس أمام المياه التي يتردد صداها بحافة الصخور التي تلامسها بعناقٍ طويل، اشمر "عدي" عن بنطاله،ثم طوى قميصه حتى كشف عن ذراعيه وحرر أول أزراره حتى مقدمة صدره، وجلس فوق الصخور القريبة من المياه، لا يعلم كم ظل على تلك الحالة الساكنة، يتأمل المياه بصمتٍ عجيب، أزعج جلسة سكونه صوت رنين هاتفه، فجذبه من جواره وهو يتأمل اسم المتصل على مضضٍ، فضغط على زر الاجابة وتركه لجواره وهو يجيب بتأففٍ:
_عايز أيه يا مزعج؟
تردد صوته المرتبك إليه، فنجح بزرع التوتر بداخله لمعرفة ما به:
_عدي.. إبعد عن طريق مهاب أبو العزم الراجل ده خطير.
نزع عنه سماعته وجذب الهاتف لأذنيه وهو يسأله بقلقٍ:
_في أيه يا مازن؟
رد عليه مسرعًا:
_الراجل ده مش سهل يا عدي.. مخيف ولازم تاخد حذرك منه.
بنفاذ صبر صاح:
_ما تنجز وتقول في أيـه؟!
أوضح له ما حدث:
_الشاب اللي استدرجته وعرفت منه المعلومات اللي بلغتهالك من يومين اتقتل بطريقة غامضة ومحدش لاقي تفسير لموته.. بس طبعًا أكيد اتفهم سبب موته!
أبعد خصلات شعره الذي بدى يزعجه بطوله عن عينيه وهو يخبره:
_مازن أنت لازم ترجع مصر بسرعة.. أكيد هيهاجمك في أقرب فرصة.
طمنه حينما قال:
_لا معتقدش إنه هيعرف يوصلي.. لإني مدتش للشاب ده أي معلومه توصله بيا.. اطمن أنا لو حسيت بالخطر هنرجع فورًا.
حذره مجددًا:
_خد بالك من نفسك.. وسبلي أنا مهاب ده.
أغلق هاتفه وعقله ينجرف خلف عدة طرق كلاهم لا يتفق بمقابلة الآخر، ولكنها تتحدان لتأيد نقطة واحدة، بأن عليه أن يواجهه وجهًا للأخر!
**
شاشة ضخمة تحتل منتصف ردهة يملأها عدد مهول من الحرس الخاص، المكلف بحماية رجل من حيتان رجال أعمال الشرق الأوسط، وبمنتصفها مقعد ضخم يحده اثنين من تماثيل النمور الجامحة، يعتليه "مهاب أبو العزم" وهو يتأمل صورة عدوه الجديد الذي انضم لقائمة تخص "عدي الجارحي" ، وذراعه الأيمن يقف لجواره وهو يتابع الصور من أمامه، فعبث أحد الرجال بالريموت الالكتروني من على بعدٍ ليقلب باقي الصور، فخرج "مهاب" عن دائرة صمته المخيف حينما سأل من يقف على يمينه:
_مين ده؟
أجابه بثقةٍ تجعله مثير للشكوك، وكأنه يعرف أفراد آل "الجارحي":
_ده" مازن أحمد الباز" صديق عدي المقرب وزميله.. يعني مش أول مرة يساعده وينقله معلومات عنك يا باشا.. ده متعود يكون الكلب اللي بينبح ورا صاحبه.. وزي ما قدر يسحب المعلومات دي من الحيوان اللي قتلاناه يقدر يعمل أكتر من كده لانه ظابط وده جزء من شغله.
واسترسل بفحيحٍ شيطاني:
_وجوده بدبي خطير علينا كلنا يا باشا.
أمره دون سماع المزيد:
_اخلص منه.
ارتسمت السعادة الغامضة على وجه هذا الأرعن الذي انضم إليه لينتقم لنفسه، وكأن كل اعداء عدي اجتمعوا ليعلنوا حربًا شيطانية لعينة، عاد الرجل ليقلب بالريموت عدة صور التقطها لمازن بعد مراقبته لثامنيةٍ وأربعون ساعه، حتى أتت قبالتهم احدى الصور، فأمره "مهاب" سريعًا بالتوقف، انحنى بجسده للأمام وهو يتأمل تلك الصورة المعروضة، واصبعه يشير لمن يراقبه بتكبيرها، وبعد لحظات خرج سؤاله مسحور خلفها:
_مين دي؟
أجابه ذراعه الأيمن باستغرابٍ مما يحدث إليه:
_ مروج بنت عم عدي وتبقى مرات مازن!
شروده بصورتها كان بمثابةٍ انذار بخطرٍ مهيبٍ، فنهض عن مقعده واتجه إلى الشاشة بخطواتٍ بطيئة، مرعبة، حتى باتت يده تمسد على وجهها برغبةٍ دنيئة، فهمس بشرٍ عظيم:
_مفيش مانع تكون وسيلة تساعدنا في الانتقام من الحقير ده هو واللي وراه.
وببسمةٍ ماكرة، ردد:
_بس يا ترى هقدر أقنعها بالوش ده بعد عملية التجميل!
أسرع من خلفه وهو يردد بضحكة لا تخص سوى شياطين الانس:
_انت تعجب الباشا يا باشا.. وبعدين العملية دي هي سر نجاتك.. ومستحيل عدي يقدر يوصلك.. ولا هيعرف عمره كله يوصل لعدوه اللي بيضربه من تحت لتحت حتى لو شافك وش لوش!
شاركه الضحك لينقطع عنه فجأة، ليتابع بقسمٍ لعين:
_كل اللي عمله فيا جواه السجن عقابه هيكون عسير أوي.
واستدار تجاهه وهو يأمره:
_احجزلنا تذكرتين على بكره بليل، هحضر المناقصة دي بنفسي وهشوف اذا كان هيعرفني بالوش ده ولا لا.
واستكمل بتحذير قاطع:
_بس خد بالك.. ظهورك لعدي هيكشفنا.. مش لازم يشوفك لا هو ولا أي حد.. سامع.
أومأ برأسه عدة مرات وهو يؤكد له:
_متقلقش يا باشا.. أنا مش تلميذ!
وعاد ليتطلع تجاه الصورة المعروضة، فوزع نظراته بينها وبين من يراقبها بانبهارٍ وجراءة، فغمز له بمكرٍ:
_بس قولي انت ناوي على أيه؟
عاد ليلامس الصورة من جديدٍ:
_ النية مش بتحقق المراد!
****
ودع القمر لقائه الغرمي واستقبلت الشمس بداية اليوم بترحابٍ غامر، ومع بداية اشرقتها غمر آذان الفجر الاجواء، وهو ينادي "الصلاة خيرًا من النوم"
أغلق "عدي" عينيه بتأثرًا، فنهض عن الصخور وإتجه لأقرب مسجدًا إليه، شرع بالوضوء ومن ثم التحق بصفوف المصلين، وأدى فريضته بخشوعٍ تام اعتاد عليه بفضل توجيهات والدته، فلم يترك يومًا فردًا، حتى عمر ومليكة نشأوا على تلك التريبة التي احتدت بالحزم تجاه ما يخص الله عز وجل، فلم تتهاون آية يومًا مع أحدًا حتى وإن كانت رقيقة طيبة القلب، انتهى "عدى" من صلاته، ثم جلس على سجادته يترقب المسجد من حوله بنظرةٍ متفحصة، فاسند ظهره على احد الاعمدة، ولا يعلم كيف غفى واستسلم للنوم سريعًا..
_كنت على طول بخالفك وواقف في وشك في أي قرار بتأخده، كأني كنت واخد عهد على نفسي اني اتحداك طول ما أنا عايش... أنا النهاردة ضعيف ومحتاج لوجودك... محتاجلك ولأول مرة أعترف بيها.. أنا من غيرك مش مسنود أنت كنت السند والحماية ليا حتى وأنا رافض ده.... بجد محتاجلك أوي...
تقهقهرت الدمعات على خديه مع تلك الصفعة القاسية التي يواجه بها نفسه لأول مرة بمكانٍ ليس به سواه هو، يبوح بما يصعب على لسانه العاجز البوح به، يخرج ما يأجج داخل صدره في ذلك المكان المنعزل، لا يآنس وحدته سوى تلك الدمعة الحارقة التي تحررت أخيرًا من معتقلها، وفجأة شق صوتٍ عذب ذاك الصمت المقبض وهو يجيب صراخه المهتاج:
_أنا هنا يا عدي... جنبك ومستحيل هتخلى عنك!
استدار بجسده للخلف، فوجده يتكأ على تلك الصخور، وعلى ما يبدو بأنه كان يستمع لحديثه من البداية، نهض عدي عن الأرض بابتسامةٍ ازاحت غمة الحزن وكلمة واحدة تتردد بسعادة عالم بأكمله:
_بابا!!!
انتفض بنومته فزعًا من ذاك المنام الغامض، والغريب له احتفاظ عينيه بالدمعات وكأنها تقسم بأن تذكره بمنامه الغريب، أي منامٍ هذا الذي يترك من خلفه وجعًا يضرب روحه ويطعن قلبه دون رحمة، كانت رسالة ربانية غريبة، لم يفهم مغزاها حتى الآن، حتى توقيت رؤياه للحلم كان الامثل لاعتباره رقية، وهل هناك أمثل من وجوده باحد منازل الله عز وجل؟!
نهض عن سجادة الصلاة، وهو يتأمل المكان من حوله بعينين دامعتين، فأخرج محفظته الجلدية ثم أخرج مبلغًا صخمًا، واتجه لصندوق المسجد وانحنى ليضعه وهو يردد بألمٍ:
_أنا مش عارف أيه اللي بيحصل.. بس أنا بتمنى إنك تحفظلي أبويا من كل شر.. احفظني من نفسي ومن شيطاني يا رب.
وانحنى برأسه للأسفل وهو يسترسل بحزنٍ:
_كل اللي حواليا نقاط ضعف ليا فيا رب متورنيش السوء في حد فيهم.. افديهم بروحي يا رب.
واستدار ليغادر المسجد تاركًا من خلفه سكينته وراحته القصيرة، التي قضاها بداخل بيته الكريم، غادر "عدي" واتجه للقصر بعد أن قضى ليله به.
****
فتحت عينيها الساحرة بتكاسلٍ انصياعًا لليد التي تحرك جسدها، فرددت بنومٍ:
_في أيه يا مارثا؟
ذكرتها الخادمة بما أخبرتها به قبل غفلتها أمس:
_موعدك مع طبيبة الاسنان سيدتي!
فركت "مروج" جبهتها ببعض الألم، فاعتدلت على الفراش وهي تحاول فتح عينيها بصعوبةٍ، فمازال النوم يسيطر عليها، حررت يدها عاليًا وهي تشير لها:
_جهزيلي الحمام يا مارثا.
هزت رأسها بطاعةٍ وانصرفت تلبي طلبها، بينما نهضت "مروج" عن سريرها واتجهت لخزانتها، تنقي ما يليق لزيارة الطبيبة، اغتسلت وارتدت بنطال قماشي من اللون الأسود الفضفاض، وقميص من اللون الوردي طويل يصل لبعد ركبتها، عقدت حجابها جيدًا، استعدت للمغادرة، وقبل أن تغادر شددت على الخادمة:
_خلي بالك من عز وهمسة يا مارثا.. عز يخلص واجباته وهمسة جهزيلها الرضعة بتاعتها في وقتها.
ردت عليها بود:
_لا تقلقي سيدتي.
غادرت "مروج" بعدما اطمئن قلبها على أولادها، فصعدت لسيارتها واتجهت للعيادة الخاصة، انتظرت دورها حتى دخلت، وحينما انتهت غادرت مسرعة حتى لا تتأخر بعودتها على ابنائها، فولجت للمصعد وضغطت على زر الطابق الأرضي، فتحرك بها المصعد لينخفض عشرة طوابق ومن ثم علق بها بالطابق العشرون، انقبض قلبها وهي تعيد الضغط على ازرر المصعد، ولكنه لم يستجيب إليهاو، انقبض قلبها رعبًا، وخاصة حينما تلاعبت الإنارة وكأنه مشهد من فيلمٍ رعبٍ يعاد على مخيلاتها، سعلت "مروج" بقوةٍ كادت بإغلاق مجرى تنفسها، فمسدت يدها على حقيبتها الصغيرة، أخرجت هاتفها واختارت رقم زوجها، حاولت الاتصال به ولكن الشبكة بالمصعد كانت تحت الانقاض! ، لم تحصل حتى على شرطة واحدة تنقذها مما تتعرض له، والمحزن بالأمر بأنه مبنى ضخمًا يحتوي على أربعة مصاعد، فلن يعبئ أحدًا إن تعطل احداهم، جلست مروج أرضًا وقد احاطتها وابل من الدموع، وجسدها يرتجف بعنفٍ، فسجلت رسالة صوتية لزوجها ومازال الأمل يولد داخلها، علها تصل له ويأتي لنجدتها:
«مازن الحقني.. الاسانسير عطلان بيا في عيادة دكتورة يمنى، أرجوك ساعدني أنا خايفة وحاسة إن نفسي بيتسحب مني..»
هوت دموعها مع سقوط الهاتف عن يدها، مرت ساعة كاملة تجاهد بها لالتقاط الاكسجين ومحاربة الاغماء، وفجاءة شعرت بصوتٍ قريبًا منها يتساءل:
_في حد جوه؟
نهضت على قدميها وهي تصيح بلهفةٍ:
_أيـوه.. ساعدني أرجوك!
اتاها صوتًا رجوليًا يجيبها:
_متقلقيش يا آنسة.. بحاول أفتح الباب.. عايزك بس تبعدي شوية.
ازاحت دمعاتها عنها والسعادة عادت تلوح لها بعد فقدان أمل عزيز لها، فتسلل لمسمعها صوت ضربات قوية تصيب الباب وأداة حادة تخترقه حتى نجحت بفصله عن بعضه من الجزء العلوي، فوجدت ذراع ممدود لها وهو يحثها على الاقتراب:
_حاولي تمسكي ايدي بسرعة.
لم تفكر أبدًا، نجاتها بالوقت الحالي هو اسمى امنياتها، لذا حملت هاتفها وحقيبتها وتشبثت بذراعه، فرفعها بكل قوةٍ حتى تمكن من اخراجها للهواء الطلق، جاهدت مروج للوقوف على قدميها ومازالت نوبة البكاء تجتازها، فقدم لها هذا الرجل زجاجة من المياه قائلًا بلطفٍ:
_اتفضلي.
تناولته منه مروج، وتجرعت منها كمية كانت كافية لانعاشها، وقد بدأ اتزانها يعاود لذهنها ولكنه غائب عن جسدها المرتجف، فقالت بلسان مضطرب:
_مش عارفة أشكرك ازاي.
ابتسم وهو يتأملها بنظراتٍ عميقة، وبنبرةٍ غامضة قال:
_مفيش داعي للشكر.. انا كنت في ميتنج بالدور ده ولما جيت استخدم الاسانسير لقيته عطلان.
وقدم يده ليصافحها:
_أنا مهاب.
استندت على حافة العمود الذهبي حتى وقفت على قدميها، تأملت يده الممدودة بحرجٍ، فتعمدت تمسكها بحقيبتها وهي تردد على استحياءٍ:
_اتشرفت بحضرتك.. واللي عملته معايا حقيقي مش ممكن أنساه.
سحب يده الممدودة بغضبٍ دفنه خلف ابتسامةٍ زائفة، وهو يخبرها بلباقةٍ:
_أنا معملتش غير الواجب.
منحته ابتسامة صغيرة واتجهت بخطواتٍ شبه متعثرة للدرج، فاوقفها بذهولٍ:
_هتنزلي كل ده احنا في الدور العشرين!
ازدردت ريقها الجاف بصعوبةٍ، فهي بحالة لا تسمح لها بالهبوط كل تلك المسافة، ومع ذلك تخشى الصعود للمصعد مجددًا، فما حدث سيجعلها تمقت صعود أي مصعد قط، وزعت نظراتها بحيرةٍ بين المصعد والدرج، فقطع حيرتها حينما قال بخشونة:
_اسمحيلي انزلك بالاسانسير.
هزت رأسها نافية بلباقةٍ:
_مفيش داعي أنا هنزل لوحدي.
اعترض طريقها ولحق بها وهو يخبرها بلطفٍ زائد:
_مش محتاجة تخبي الحالة اللي انتي فيها لانها باينة.
لم تكن بحالةٍ تسمح لها بالجدال، وخاصة بأن ما كونته عنه لم يكن بالسييء، بالنهاية قدم لها يد المساعدة في وقتٍ ظنته الاخير من حياتها، ولجت معه مروج للداخل، فهاجمتها نوبة حادة من الدوار، ومشاهد ما حدث لها بالداخل منذ قليل ترتطم بها بوحشيةٍ قاتلة، رفعت يدها تتحسس جبهتها بألمٍ جعلها تهوى دون اي ارادة لها بالنهوض، حان بينها وبين الارض فسقطت بين ذراعيه وابتسامته الخبيثة تسري على شفتيه وهو يتأملها عن قربٍ خطر!
****
اليوم كان عطلة لرائد وأحمد، للتركيز للمعاركة التي تنتظرهما بالغد، فباشر الشباب العمل من المنزلٍ، كان "عدي" بطريقه للأعلى حينما وجد أبيه يستعد للهبوط، فوقف قبالته بوجهه الشاحب الذي أثار قلق ياسين، فسأله بنظرةٍ تلتهم تعابيره:
_أنت كويس؟
أومأ برأسه بخفةٍ، فعاد ليتساءل من جديدٍ:
_كنت فين لحد دلوقتي؟
ابتسامة ساخرة لحقت بكلماته المشككة:
_اللي بيرقبوني مبلغوش حضرتك بمكاني؟
تعمق بالتطلع لحدقتيه الغريبة، وهو يردد:
_قولتلك قبل كده واجبي اني أحامي العيلة كلها.. وانت دلوقتي منصبك حساس والعيون كلها عليك.
عقله الذكي يرفض تصديق ما قاله، فأخبره بدهاءٍ حينما قال:
_يعني مفيش فرق بين شغلي وشغل حضرتك.. هنا حياتي في خطر وهناك نفس الوضع طب ليه حضرتك أصريت أسيب شغلي مدام نفس المصير بيلاحقني!
هبط الدرج دون أن يقدم اجابته إليه، وحينما كاد بالانعراج عن استقامة الدرج قال بنبرة وخيمة:
_يمكن لاني حابب ده.
وتركه وغادر من أمامه، فاستكمل الاخير طريقه للأعلى وخاصة لغرفة رائد وأحمد ليطمئن بنفسه أن كل الامور على ما يرام.
***
بغرفة "ياسين"
كان يتطلع للملف من أمامه وهو يثبت شاشة الحاسوب إليه، بعد أن ضمن الاتصال بالفيديو على الشباب، ليكون بديل الاجتماع بالحضور هاتفيًا لمناقشة بعض الامور الهامة، فانتظر حتى يجتمع الجميع واستغل وقته بتجهيز الملفات المقصودة بسبب اجتماعهم، وفي أقل من دقيقة كان يملئ الشباب شاشة حاسوبه، فحياهم على مضضٍ:
_صباح الفل يا رجالة.. ركزوا معايا كده عشان ننجز الاجتماع بوقت قصير ونستمتع بالاجازة براحتنا.
تطلعوا اليه من خلف شاشة الجاسوب، فكاد بأن يعرض الملف من أمامهم، وفجأة قبل أن ينطق يعرضها من أمامهم، استمع لصوت باب مكتبه يفتح، واشرأبت بعنقها من خلفه وهي تردد:
_ياسين أنت هنا؟
كان على شفا أن يجيبها، ولكن ألجم لسانه حينما رآها تسرع إليه، ومن ثم جلست على قدميه وهي تشير له:
_أهم حاجه بنتي تكون قاعدة مرتاحة..
عدلت من بطنها المنتفخة، ولفت ذراعيها حول رقبته وهي تهمس له بنبرة مثيرة:
_النهاردة المفروض اجازتك.. هتقضيه برضه في الشغل.
جحظت عين ياسين وهو يحاول اخبارها بالكاميرا من أمامهما التي تجعلها كالبث المباشر الحي، أشارت له مليكة بتهديد ولم تترك له فرصة الحديث:
_شكلي هشتيك لبابا تاني.. وساعتها بقا شوف عقوبتك المرادي هتبقى أيه
واستطردت بحزن مصطنع:
_انا قولت انك هتستغل سفر يحيى وهتهتم بيا أنا وبنتك بس انت مش سأل على حد فينا!
_أنا من رأيي ترفعي عليه قضية خلع يا مليكة..
صعقت حينما استمعت لصوت عمر يخترق مجلسهما السري على ما بدى لها، فتطلعت ناحية الباب بتوترٍ اتبع رجفة نبرتها:
_مش ده صوت عمر!
رد عليها جاسم بمزحٍ:
_مش عمر بس ده المحلة كلها هنا وبتشجع بضمير..
ردد معتز بشماتة:
_الراجل كل يومين يعملنا اجتماع ومحاكمة وهو نفسه محتاج يتحاكم!
ضحك أحمد وهو يردد بصعوبة من بين ضحكاته:
_عذرك معاك يا ياسين اقفل وانا همسك بدالك.
اتجهت أعين مليكة تجاه شاشة الحاسوب وهي تردد بصدمة:
_ده أيه؟
ضيق ياسين عينيه بغضبٍ:
_ادتيني فرصة اشرحلك أنا!!
نهضت عن قدميه وتباعدت عن محيط مقعده بحرجٍ، فحمدت الله مرتين بأنها ترتدي حجابها، وقبل أن يغلق الشباب، استمعوا لصوتٍ أخر يقتحم مكالمتهم الجماعية، صوتًا ممزوج بالصراخ:
_عمــر الحقني انا بولد.
اجابها بلا مبالاة وهو يتابع مكالمته:
_لسه لسه.. انا فاهم في الموضوع ده أكتر منك.
تعالت صيحة انفلتت منها لتصم آذانهم جميعًا، فصعق من يتأملها بعدما انخفضت المياه عنها، فلكزته بغضب وهي تواصل صراخها:
_لسه محتاج اثباتات تانية... الحقنــي!
_يا نهار اسود.. دي ولادة فعلا!
_يا شيخ!!!... تصدق اني افتكرتها رحلة استكشافية للبيبي... الحقنــــــــــــي!
.... يتبع...
#احفادالجارحي٥... #ملكةالابداعاية محمدرفعت..
*___**
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل السادس عشر 16 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويـض_الشـرس! ..(#أحفـاد_الجارحي5...)
#الفصل_الثاني_عشر!
(إهداء الفصل مميزًا للغاية،أهديه لأقرب القارئات لقلبي،من قمن بدعمي بشكل مستمر وخاصة بريفيوهات كل فصل، للأمانة كثيرًا ما يهاجمني نوبة من الاكتئاب فكن أعظم دعم وحافز لي، نجحن بخلق معزة ومحبة عظيمة بقلبي لذا سأمنحهم اهداء أهم فصول الجزء الخامس، القارئة "فاطمة...توتا السفروتة"، "جهاد محمود"،"روفيدا، روڤا"،"أم يوسف"،"سلمى خالد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم...قراءة ممتعة 💙)
استندت على ذراعه القوي الذي يمنعها من السقوط أرضًا، ورددت بخفوتٍ ويدها تحتضن بطنها بألمٍ:
_عمر مش قادرة!
جذبها لصدره وهو يحاول جذب اسدال الصلاة الخاص بها، فمال برأسه على جبهتها وهو يمسد بخديه عليها:
_متخافيش يا حبيبتي.. حالًا هنتحرك للمستشفى.
جذب الإسدال وألبسه لها، ومن ثم الحجاب فعقده جيدًا وبإحكام حول خصلات شعرها القصير نسبيًا بعدما قامت بقصه موخرًا، حرص على اخفاء خصلاتها الأمامية حتى وإن كان هذا يفقده الكثير من الوقتٍ، ومن ثم حملها وهرع للخارج، وفور خروجه من الغرفةٍ تفاجئ بالشباب بأكملهم أمامه، تركوا هواتفهم وأسرعوا ليكونوا لجواره، أسرع بها "عمر" للأسفل، فصعد بسيارة "عدي"، وجعلها تتمدد بالخلف على قدميه، ويحاول تهدئتها بكافة السبل، إتكأت"نور" على مرفقيها حتى باتت قبالته، فهمست بصوتٍ خافت:
_هنوصل أمته؟ أنا مش قادرة أتحمل!
اتجهت نظرات عمر المرتعبة لأخيه، ومن ثم عادت إليها ليهمس بصوتٍ خافت:
_بلاش تستفزي عدي.. مش هنوصل لو عفريت السواقة حضر، وساعتها يا قلبي بدل ما تدخلي على العمليات هتدخلي الانعاش.
رمشت بعينيها عدة مرات، وكأنها تحاول استيعاب ما يخبرها به في تلك اللحظة، فتأوهات وهي تقترب لتميل على عنقه، فرددت بصوتٍ ظنته غير مسموع لمن يجلس بمقعد القيادة:
_أنت بتحلو وأنا في أخر أيام حياتي ليه؟
رمش بعينيه بذهولٍ، فرفعت عينيها اليه ثم رفعت يدها لتمررها على ذقنه:
_بقول إن شكلك بالدقن أحلى.
أبعد يدها عنه سريعًا، مرددًا بضجرٍ:
_أنا عارف هلاوس ما قبل الولادة دي!
وبنفس هدوء نبرته أخبرها:
_نور يا حبيبتي إحنا ربنا رزقنا وركبنا مع الوحش، نمسك نفسنا بقى بدل ما يرمينا عند عتبة بوليس الآداب!
استفزتها كلماته، هل يخبرها بالانتباه لتصرفاتها وهي بوضعٍ هكذا، استدار برأسها تجاه "عدي" ثم صاحت بإنفعالٍ:
_عدي هو أنا راحة أزور خالتي وراجعه، أنا راحة أولد وبالشكل ده مش هلحق لسنة قدام!
منحها نظرة سريعة من طرف عسليته، ومن ثم شدد على المكبس من أمامه، وبسرعةٍ جنونية كادت بأن تقذفهما من نافذة السيارة، لدرجة جعلتها تحتضن بطنها بيدٍ واليد الأخرى تكاد تقتلع عنق عمر من شدة تعلقها به، ولسانها يردد دون توقف:
_انقذ ابني واجري بسرعة!
ود لو قذفها بعيدًا عنه بعد ما تسببت بفعله خاصة وقد قام بتحذيرها بنفسه، فصاح بها وهو يحاول منعها من السقوط عن أريكةٍ السيارة:
_دي عربية الآخرة وبدون حساب إن شاء الله، أنا معنديش طموح أشوف ابني أنا عندي طموح ألم أشلائي من الرصيف!
تهدجت سرعة السيارة تدريجيًا، لتظهر المشفى من أمامهما، حمدوا ربهما معًا بصوتٍ يتحد بنطق:
_الحمد لله!
فتح "عمر" باب السيارة أولًا، فكاد بالسقوط أرضًا من فرط الدوار الذي ضربه بعد هبوطه عن تلك السيارة المخيفة، انخفض ساق نور عن السيارة وأشارت بيدها لمن يحاول الحفاظ على توازنه:
_عمر ساعدني!
اقترب منها ومن ثم حملها واتجه بها للداخل، وعدي يتبع خطاه بصمتٍ وإتزان مخيف.
********
عاد منهكًا من عمله، فولج لشقته وهو يخلع عنه جاكيته الأسود، ومن ثم حرر جرفاته وهو يتوسط الاريكة المقابلة له بإرهاقٍ، اسند "مازن" رأسه لمقدمة الأريكة ويده تفرك جبهته بألمٍ، على غير عادتها لم تستقبله بنفسها ككل يومٍ، فناداها بقلقٍ:
_مروج! ... حبيبتي إنتِ فين؟
خرجت الخادمة من غرفة أبنائه تحمل الصغيرة بين يدها وهي تحاول أن تهدهدها بين ذراعيها، وقالت:
_السيدة لم تعد للمنزل حتى الآن.
رفع ساعديه يتأمل ساعته وهو يتساءل بذهولٍ:
_ليه هي خارجة من أمته؟
أجابته وهي تحاول أن تهدأ الصغيرة:
_منذ أربع ساعات تقريبًا.
أشار لها بالإنصراف، واعتدل بجلسته وهو يخرج هاتفه، مرددًا بأستغرابٍ:
_اتاخرت ليه كده؟
فتح "مازن" هاتفه، فوجد رسالة صوتية على الواتساب منها، جز بأسنانه على شفتيه السفلية بقوةٍ، فمازال يمتلك عادة بقاء هاتفه بالوضع الصامت بعمله، فتح الرسالة والسكينة مازالت تفرد سيطرتها على معالمه، وفجأة انتفضت عروقه فزعًا مما استمع إليه، تفجر القلق داخله وسهام من نيرانٍ تستهدفه دون رجعة، هل كانت زوجته بحاجته لتلك الدرجة وهو يريح رأسه بوضع هاتفه على الصامت ليستكمل عمله بتركيزٍ؟ ، لا يعلم كم استغرق بالتحديد ليجذب مفاتيح سيارته ويركض كالمجنون للأسفل، فسارع السيارات وكأنه في سباقٍ عنيف، يضع محبوبته وزوجته الغالية في كفةٍ أخرى من الميزان، فلم يستغرق سوى دقائقٍ معدودة حتى وصل أخيرًا للمبنى الذي يضم به مكتب طبيبة الأسنان الذي تقصده زوجته من الحين للآخر، تلقائيًا اندفع للرواق المتخصص بالمصاعد، وأخذ يتفحص كلًا منهم، ارتخى جسده المتشنج قليلًا حينما وجدهم فوارغُ، فأسرع لأحد أفراد الآمن يسأله بإيجازٍ:
_كان في حد محبوس بالأسانسير؟
رد الشاب نافيًا وهو يهز رأسه:
_لا.. محصلش حاجة زي دي!
عادت أنفاسه تنعشه من جديدٍ، حتى وإن لم يُرفع عنه القلق ستاره كليًا، فأسرع للمصعد قاصدًا عيادة الطبيبة، ومن ثم للسكرتيرة فعاد مرة أخرى لدائرته المغلقة حينما أكدت له بأنها أتت بالفعل في موعدها المحدد ولم يستغرق بقائها بالعيادة سوى ساعة الا ربع، شعر بنغزةٍ عارمة قد تصيبه في مقتلٍ، إلى أين اختفت فهي لا تعلم أحدٌ هنا، حتى أنها لم ترغب قط بالخروج للتنزه دونه لعدم علمها بالطرقات بعد!
كظابط شرطة كان سريع أَلْمَعِيّ وحاذِق، لذا كان يعلم ما يتوجب عليه في تلك اللحظة، فهبط مسرعًا للأسفل، ومن ثم قصد غرفة المراقبة الخاصة بالمبنى، فاوقفه أحد من رجال الآمن وهو يحذره بعدم الاقتراب:
_مينفعش تدخل هنا يا أستاذ ممنوع.
أخبره على مضضٍ وهو يحاول إبعاده عن طريق عبوره:
_مراتي مرجعتش البيت من وقت طويل، محتاج أشوف تسجيلات الكاميرات.
حال بذراعه القوي بينه وبين الدخول، وهو يشدد على كلماته بنزقٍ:
_قولتلك ممنوع، ولو حابب تمسح الكاميرات يبقى بأذن!
سيطر "مازن" على غضبه بصعوبةٍ، فود لو أطاح بمن يقف عائق بينه وبين الاطمئنان على زوجته، ولكن هذا لن يفيده بالوقت الحالي، فلن يفيده الا خسارة للوقت، لذا برتابةٍ وعقلانية أخرج جواز سفره ومن ثم كرنيه الخاص ليقدمه إليه، رتبته بالشرطة كانت كافيلة بجعله يزيح يده عن مدخله، وما زاده ريبة حينما ردد مازن بتحدٍ صريح:
_مراتي اللي مش قادر أوصلها تبقى مروج عز الجارحي.. ها لسه محتاج لإذن تاني؟
من لا يعلم بسلطة عائلة تفشت نفوذها بين العالم، الجميع بات على علم بإمبراطورية الجارحي وبالأخص بمالكها المتحكم بأفرعها "ياسين الجارحي" ، من لم يسبق التعامل معه شخصيًا يكفيه سيطه المخيف والصارم! ، لم يجرأ أحدًا على منعه من عرض الفيديوهات المسجلة للمبنى، ولأول مرة يلجئ فيها مازن لنفوذ عائلة زوجته، وإن أضطر كان ليفعل أكثر من ذلك لأجلها، وخاصة بأن ما حدث بالآونة الأخيرة يجعل قلقه يزداد الضعف.
استمرت رحلة بحثه لدقائق استطاع بها رؤية تسجيل واضح لزوجته، وهي تدخل للمبني، وما أثار رهبته رؤيتها تخرج بين يد هذا الرجل الغامض، سقط قلبه بين قدميه، وأشار بيده للعامل:
_قرب الصورة.
حاول أن يقربها ولكن كانت معالمه غير واضحة لارتدائه كاب أسود ونظارة سوداء تلتهم أغلب وجهه، وحينما فشل بتحديد معالمه أشار له مجددًا:
_شغل.
أعاد تشغيل الفيديو مجددًا، فرآها يحملها ويضعها بسيارة سوداء، وفجأة استدار الرجل تجاه الكاميرا الموضوعة أمامه، وكأنه يعلم كيف تسير عصبة تفكيره، فأزاح عنه الكاب والنظارة وهو يتعمد اظهار معالمه لمن سيعرض تلك اللقطات، ارتد مازن للخلف بصدمةٍ وهو يردد بصوتٍ يكافح للخروج:
_مهاب أبو العزم!
******
أوشك المحلول على الإنتهاء، فتمسكت نور بعنق عمر وهي تهمس له بخوفٍ:
_أنت عارف أيه اللي هيحصل دلوقتي؟
فشل بحماية رقبته من أظافرها الحادة، ومع ذلك نجح بتصنع الهدوء وتلك البسمة التي تحمل الحب لها:
_أيه يا حبيبتي اللي هيحصل، احكيلي؟
أشارت له على باب الغرفة الأبيض، وقالت:
_هتدخل الممرضة ام كرش مدلدل دي وهتقولي بصوت مخيف "جاهزة يا مدام"
هز رأسه وهو يستمع لها بنفاذ صبر، فزادت من تشبثها به وهي تردد برجاءٍ:
_وأنا وعهد الله ما جاهزة يبجوا كرشي النهاردة، تعالى نهرب من هنا يا عمر.
التقط نفسًا مطولًا وهو يحاول تقبل تراهات النساء وخاصة في موقف كذلك، فإن تحمل عقبات التسعة أشهر من تقلب الهرمونات وغيرها من معضلةٍ شرسة أفتكت به ألن يحتمل تلك الساعات البسيطة؟!
مسد "عمر" على ظهرها بحنانٍ زائف:
_اهدي يا حبيبتي.. دي كلها نص ساعة وهنمشي تاني.
قبل أن تقرر اجابتهو، فُتح الباب بعد دقاته الخافتة وطل الطبيب من خلفه، فدنا من عمر وهو يبادله السلام الحر:
_يا أهلًا بالدكتور اللي مش سأل على زمايله.
حاول أن يرفع يده بيد صديقه الممدودة، فنور تحتجز جسده بأكمله حتى ذراعيها، فنهض عن الفراشٍ بجزءها العلوي المتشبث به كالطفلة التي تخشي الآبرة، بادله السلام بصعوبة وهو يحياه بمحبةٍ:
_ازيك يا مالك أخبارك أيه؟
هز الطبيب رأسه باستحسان:
_أنا بخير.. وحقيقي مبسوط اني بشوفك النهاردة بعد زمن.
مازحه عمر بسخطٍ:
_بعد زمن أيه يا راجل، ده أنا كل شهر هنا أنا والعيلة الكريمة.
انفجر ضاحكًا، فكان له من الحظ الأوفر من المالٍ لمتابعة الفتيات حملهن معه بالفترة الأخيرة، كبت عمر صرخة مداوية كادت بالخروج لتزيح عنه شعوره بالآلم لحظة نغزها بأظافرها بعنقه مجددًا وهي تهمس له بصوتٍ وصل للطبيب قبله:
_مش هولد مشيني من هنا بقولك، مكفكمش فتحتوا كرشي مرتين قبل كده.. هتعملوا فيا أيه تاني يا ظالمة!
رسم بسمة مصطنعة، وأبعدها عنه للفراش وهو يخبرها بتريثٍ:
_طب خليكِ هنا وأنا هتكلم مع مالك في الموضوع ده وراجعلك تاني.
ابتعدت عنه بعد تفكير، فجذب عمر مالك كالمجرم الذي يتوسل الشرطي بالرحمة، وخرج به للخارج وهو يخبره بنبرة تشبه الترجي:
_خلصني يا مالك وخدرها جوه، أنا تعبت صدقني.
حانت منه نظرة متفحصة لرقبته التس تشبه الخريطة المتفرعة، وردد بشفقةٍ:
_لا مهو باين.
وكبت بسمته وهو يشير الممرضات التي اتت بالسرير المتحرك إليهما:
_مينفعش تتخدر جوه أنت دكتور وعارف.. بس خلاص المحلول هخلص ولازم تدخل العمليات حالًا.
سأله باستنكارٍ:
_ودي هتخرج من جوا ازاي؟
ضحك بصوته كله ومن ثم طرق على كتفيه بحماسٍ:
_مهمتك الأخيرة يا بطل!
*******
مل الجميع بانتظارهم المطول أمام غرفة العمليات، ومازالت "نور" بداخل الجناح الخاص بقسم النساء والتوليد، لم تدخل بعد للعمليات، وفجأة تلاشى الصمت المهيب بين جلستهم حينما استمعوا لصوت احتكاك سرير جرار يقترب منهم، فوجدوا الممرضات يبذلان مجهودًا لدفعه للداخل في حين اعتراض نور لذلك، حتى انها اعتدلت بجلستها عليه وجذبت عمر من جاكيته وهي تصرخ باندفاعٍ:
_بقى ده وعدك ليا.. بتقولي هنمشي من هنا وهفسحك دي الفسحة من وجهة نظرك يا دون!
حاول ابعادها عنه وهو يردد:
_هخرج معاكي ازاي بس وأنتي بالوضع ده.. أولدي وأنا وعد مني هلفكك مصر حتة حتة.
رفعت حاجبيها بسخطٍ:
_مصر! ده تمامك يعني؟!
تدخل أحمد وياسين بينهما على الفور، فقال أحمد بوجهٍ يكافح الا ينحاز للضحك:
_نور بلاش فضايح احنا في مستشفى محترم.
استدارت تجاهه ومن ثم تفحصت الجالسين وجهًا لوجه، فصاحت بوجومٍ:
_هو مفيش غيركم! أمال فين البنات!
وقبل أن يجيبها استطردت:
_ومالكم ضاربين كلكم طقم بدل سودة ليه جاين تعزوا في ميت! بتفوووولوووا عليــــــــــــا!
ضحك ياسين حتى فشل بالسيطرة على ذاته، فخلع عنه جاكيته الأسود وأشار للشباب وهو يخبرهم:
_اقلع يا ابني منك له الاسود وخلوها أبيض عشان نور نفسيتها تتعدل ونخلص.
انصعوا إليه جميعًا، فقال ياسين بمرحٍ:
_كده تمام ولا أيه؟
تهدلت معالمها في يأسٍ، فكل حجة تلجئ لها تسد من امامها، دنا منها حازم وقال بمللٍ:
_ما تنجزي بقا يا نور.. محدش بيطلع عنينا من البنات غيرك.. صدقي بالله احنا عودنا بنشيل هم حملك عشان اللحظة دي!
ردد عمر بنزقٍ:
_آه والله.. ده كابوس بيراودني من ٩شهور.
لف جاسم يده حول كتفيه وهو يشير لها:
_شوفتي عملت في الواد أيه؟
اختلجت دمعاتها الكاذبة وهي تردد:
_هتتجمعوا عليا إكمني لوحدي ومعيش اللي يسندني!
ومالت برأسها على عمر تبكي بصوتٍ مرتفع جعل جميع من بالمشفى يتطلع إليهم بفضولٍ لمعرفة ما يحدث هنا، ضمها عمر اليه وهمس من بين اصطكاك اسنانه:
_كفايا يا نور فرجتي علينا بلاط المستشفى!
وهدهدها بأحضانه مرغمًا حتى تكف عن البكاء، فابتسمت وهي تتطلع له بحبٍ، وأشارت لأحمد وياسين قائلة:
_الزوج الحنين رزق.
أكدوا لها ذلك بإيماءة وجوههم، فأبعدها عمر عنه وهو يصيح بخشونة:
_خلصينا بقا.
اتسعت حدقتيها بلمعةٍ خبيثة فور رؤيتها من يتجه إليهم بعد وصوله للمشفى بصحبة يحيى، وحمزة ورعد، فصاحت عاليًا:
_"ياسين" يا" جااااااارحي"..
إستدار لها " ياسين" بأستغرابٍ بعدما كاد بالدخول لطرقة الغرفة:
__خير يا نور!
أشار لها "عمر" بأن تلتزم الصمت ولكنها أشاحت بيده بعيداً عنها قائلة بغضب:
__ابنك مش راضي يخليني أعاكسه وأنا علي وش ولادة يرضيك يا عمهم؟
تطلع"ياسين" ليحيي الذي سقط أرضًا من فرط الضحك والشباب بأكملهم، فدفع"عمر" السرير وهو يشير لمالك الذي خرج من غرفة العمليات يستكشف سبب تأخيرهم، ليجد عمر يصرخ به بعصبيةٍ: _أديها المخدر هنا وخلصني.
فور سماعها لذلك نهضت عن السرير وتراجعت للخلف وهي تشير لهم:
_يخدر مين ده انا أكلهم نفر نفر!
اصطدمت بحافة مقعد فكادت بالسقوط لتجد من يعتليه يمسك يدها، ابتسمت نور حينما وجدت عدي يقف قبالتها، وكأنه سيخلصها من هلاكٍ سيحط بها، فبادلها بنظرةٍ صارمة جعلتها تردد بخوفٍ:
_أنا بس زعلانه إني هولد كده من غير ما أنكل عز وآدهم يكونوا موجودين جنبي.
كبت "رعد" ضحكاته، ومع ذلك أخبرها بثبات:
__ عز وأدهم لسه قدامهم ساعة علي ما طيارتهم توصل.. بس يارا وشذا على وصول متقلقيش.
وكأنها وجدت الأمان بمخرج جديد:
__نستناهم احنا ورانا أيه يعني؟
شدد عمر على شعره بنفاذ صبر، وأشار لمالك الذي سقط من فرط الضحكات:
_ما تتصرف يا زفت.
أجابه بمرح:
__أتصرف أعمل أيه؟ ثم إن دي مش أول مرة مدام نور تعمل كده!
تدخل "عدي"حينما وجد "عمر" على وشك الجنون فأنحني تجاهها، وقال بمكرٍ:
_نور هو أنتِ خايفة فبتكتسبي وقت قبل الجراحة ولا نظامك أيه؟
أجابته بغرور خادع:
_أخاف ايه بس يا وحش عيب عليك.
وإستدرات برأسها للخلف لتتفحص الوجوه ثم صاحت برعب:
_مبدهاش بقي، أنا عايزة ارجع القصر لماما" آية" أنا جيت هنا غلط وعهد الله لسالي شوية.
ردد رعد بصدمةٍ:
__ المستشفي كلها أتلمت علينا؟!
ردد ياسين ساخرًا لأحمد الواقف جواره:
__دا دليل اني داخل علي أيام سوده.
أتاه صوتًا متمرد يجابهه:
_بتقول حاجة يا حبيبي؟
استدار للخلف فوجد الفتيات بأكملهن أمامه، حتى "عز" و"أدهم" الذي دنا منها وقال:
_شوفتي حظك يا نور قدرنا نخلص ونركب معاهم على نفس الطيارة..
بينما أضاف عز ببسمته الجذابة:
_ربنا يقومك بالسلامة يا حبيبتي..
ابتلعت ريقها بتوترٍ، حينما اندفعت الفتيات اليها من كل صوبٍ، حتى "آية" انضمت إليهن، فربتت على يد نور وهي تخبرها بحنان:
_متخافيش يا حبيبتي كلنا جنبك..
انحنت تجاهها رحمة وعدلت من حجابها الغير منظم ثم قالت بشفقةٍ:
_متخافيش كلها دقايق وهتخرجي.
منحتها ابتسامة ممتنة، فتراجعت للخلف وسمحت لآسيل بالاقتراب، فانحنت تجاهها وهمست هي الاخرى:
_تفكيرك هيتعبك سبيها على الله.
ضمتها يارا لحضنها وهي تربت بحنان عليها:
_كنت هزعل لو مكنتش لحقتك قبل ما تدخلي.. بس الحمد لله.
وقالت شذا:
_يالا يا نوري مستنينك تقومي بالسلامة عشان نرغي في حاجات كتير.
واضافت مليكة:
_مستنين نشوف الباشا اللي هيشرف عيلتنا بس بلاش اسماء متكررة بقا الله يكرمك ملينا من اللخبطة.
اكتفت ببسمة صغيرة ممتنة بالحب لعائلتها التي لا تنفك تقدم كامل دعمها لها، الجميع لجوارها اليوم، ابتعدت الفتيات للخلف وتبقى عمر وعدي لجوارها، فأشارت لعدي مرة اخرى، انحنى تجاهها ليسمع ماذا هناك مجددًا فقالت بحرجٍ:
_معتش ليا حاجة؟
أكد لها:
_بالظبط.
هزت رأسها وهي تسترسل:
_خلاص خلي أخوك يدخل معايا.
رفع عسلية عيناه لمن يتابع الحوار بينهما، فردد باستسلامٍ:
_أمري لله.
عادت نظراته تجاهها مجددًا بعدما حقق لها مطلبها، فقالت:
_توكلت على الله.. شوف بقى يا وحش عشان لطفك الغريب ده معايا! انا لو جبت فعلًا واد هسميه على اسمك تيمنًا بالموقف اللي مش مفهوم منك ده.
ابتسم وهو يخبرها بمرحٍ:
_ادخلي انتي بس وانا راضي بأي حرف من اسمه بس اعقدي النية بس!
ضحكت بصوتها كله، واشارت لعمر بأن يدفع السرير، وفجأة اوقفته فصاح معتز بنفاذ صبر:
_أيـــــــــــه تــــــــــاني؟
قالت بتذمر وهي تشير لعدي:
_يشلني زي ما عدي شال رحمة ودخلها العمليات.. ولا هي يعني عشان كانت حامل في تؤام يعني!
انفجرت رحمة من الضحك حتى توردت وجنتها، فصاح به رائد بملل:
_شلها يا عم وخلصنا!
ود لو حملها وألقى بها بصندوق المهملات الضخم الذي رأه جوار المشفى في طريث عبورهما بالطائرة التي قادها أخيه، لوهلة كان يظن بأنه هو من سيقذف بها من نافذة السيارة والآن يتمناها لزوجته التي تمادت بأفعالها الطفولية، لذا حملها وولج بها لغرفة العمليات بخطواتٍ شبيهة للركض، تاركًا من خلفه تهليلات شكر وحمد لتخليصهم منها!
*******
بدأ تأثير المخدر يتلاشى عن أطرافها، فبدت الرؤيا معتمة بعض الشيء، مررت يدها على جبينها وهي تقاوم الألم الشديد الذي يصفع جسدها، فبدأ يتضح لها معالم المكان تدريجيًا، غرفة فخمة للغاية، خزانة ضخمة من اللون الأبيض وكومود ضخم يقابله شاشة عرض، وسريرها يتوسط تلك الغرفة، بدى لها بأنها بأحد الفنادق الباهظة، فتحملت على ذاتها ونهضت وهي تردد بخفوت:
_أنا فين؟
حاولت جاهدة تذكر أي شيء قد يساعدها بمعرفة هذا المكان، فتذكرت صعودها للمصعد ومساعدة هذا الرجل الغامض لها، وما حدث لها فور ارتشفها لتلك المياه الغريبة، مررت أصبعها على جبينها ودموع فزعها هاجمتها بكل ما أوتيت من قوةٍ، وفجأة تحرر صوت رجولي جعلها تتراجع للخلف برهبة وهي تبحث عن مصدر الصوت:
_حمدلله على سلامتك.
وجدته يجلس على مقعد جانبي بنهاية الغرفة، هو نفس الرجل الذي أقدم على مساعدتها، فرددت بخفوتٍ:
_أنا جيت هنا ازاي.. أنت عايز مني أيه؟
نفث أدخنة سجاره بنشوةٍ حقيرة، ونظراته تقبض قلبها تباعًا، فتعمد التباطؤ بحديثه:
_عايزك أنتي!
جحظت عينيها بصدمة لحقارته ولفظه الخادش، فضحك بصوتٍ مسموع وهو يخبرها:
_بس مضطر أحافظ عليكي لانك مش هدفي.
حرصت على فرد فستانها على جسدها لتخفيه عن أعين هذا الأرعن، وتساءلت بعدم فهم:
_هدف!
هز رأسه بإيجازٍ:
_جوزك وصاحبه يلزموني.. ولحد ما اجيب رقبتهم تحت جزمتي عايزك تكوني هادية ومتعمليش مشاكل، وزي ما انتي شايفة أنا مش خاطفك في بير ولا في أماكن مشبوهة زي جو الافلام القديمة دي، أنا سايبك في فندق ٥نجوم واتمنى تقدري ده.
ونهض عن مقعده ليغادر أمام عينيها بكل عنجهية، جعلتها تفور غيظًا، فلحقت به وهي تصرخ:
_انت رايح فين... أنت أكيد مجنون خرجني من هنا والا هصوت وألم عليك الناس..
أغلق الباب من خلفه بوجهها وقال ببرود:
_خدي راحتك.
تعجبت من جموده، هل يعقل بأنه يحتجزها بمكان مثل هذا ولا يخشى أن يعلم بوجودها احدٌ، من المؤكد لها بأنه فندقه الخاص لذا اكتسب كل تلك الثقة، ومع ذلك لم تستسلم "مروج"، فظلت تطرق على باب الغرفة وتصرخ بصوتها عل أحدًا يسمعها، وما أساء لها أن الشرفة مغلقة بسياج حديدي ضخم جعلها تنهار وهي تبكي من خلفه مرددة بصراخ:
_ساعدونـي... مازن!
*******
غادر "مهاب" وهو يتابع رسالته الهامة على حسابه، بعدما وصل ذراعه الأيمن للقاهرة، وقد رتب له أمر المناقصة بالغد، فاتجه للمطار حتى يلحق به، وبداخله قسم بأنه سينتقم من عدي وممن تسبب بسجنه لتلك السنوات، حتى وإن كان الآن يعيش بهوية غير هويته، ووجهًا غير وجهه، فجذب تلك الحقيبة الصغيرة الموضوعة لجواره على المقعد وهو يتأمل بطاقته التي تحوي اسمه الحقيقي
"أمجد السلاموني" ، شعر برعشة تضرب جسده بقوةٍ وهو يتذكر كل تلك الايام البائسة التي قضاها خلف القضبان، وكأنه حبس فيهم ظلمًا، تذكر ما وجده خلفها وما فعله بيده الحقيرة وارتكابه لابشع الجرائم التي تخالف الشرع والدين، وكأنه ملاك لا يتوجب على أحدٍ محاسبته على ما قام به من معصيات وجنايات لا يتهاون معها القانون، لذا كان الاختيار الأمثل للوحش الثائر لكبح هذا الشيطان عن جرائمه، وحينما نجح هو وفريقه كان جزائهم القتل الشنيع على يد هذا اللعين والآن يرى أن من المنصف القضاء على القائد الأعلى للفريق "عدي الجارحي"!
*******
حاول" مازن"الاتصال هاتفيًا بعدي ولكن هاتفه المغلق جعله يلجئ لأخ زوجته "معتز"، الذي بدى له صوته مقلق فسأله بشكٍ:
_في أيه يا مازن.. مروج فيها حاجة؟
صاح بعصبيةٍ بعد وابل اسئلته التي لا تنتهي:
_معتز مفيش معايا وقت ادي التليفون لعدي لو جنبك ضروي.. أختك حياتها في خطر سااااامعني!
على الفور ركض معتز للأعلى، قاصدًا الطابق العلوي للمشفى، حيث توجد العائلة بأكملها بغرفة نور بعد خروجها من العمليات.
*******
وزعت نظراتها السعيدة بينهم وبين صغيرها المحمول بين أيدهم، ومن ثم قالت بحرجٍ يتراقص بين حياء نبرتها:
_أنا بعتذر يا جماعة اني دوختكم معايا، بس ده فتح كرش مش فتح حساب بنكي فالموضوع مش سهل!
تسرت الضحكات بينهم، فقال حمزة ساخرًا:
_عندك حق يا نور... والمفروض انك تحرمي تعمليها بعد كده.
بينما ردد يحيى بابتسامةٍ هادئة:
_نور دي حكاية والله..
قاطع جلستهم الآسرية، دخول معتز والقلق يبرز على وجهه بوضوحٍ، رؤيتهم بتلك السعادة جعلته يتراجع عما يجول بخاطره، وبالأخص رؤيته لوالديه، فلم يمر على عودتهم الا سويعات قليلة، لذا رسم ابتسامة باهتة وهو يشير لعدي:
_عدي من فضلك عايزك.
لحق به عدي، والتهى الجميع بمزحات الفتيات التي تتشاجران على حمل الصغير، ولم يلاحظ احدٌ العاصفة التي تضرب بين ثلاثتهم بالخارج.
********
تساءل عدي باستغراب:
_في أيه يا معتز؟
ناوله الهاتف وهو يردد بعصبيةٍ بالغة:
_أنا اللي محتاج أفهم وحالًا.
لم يعلق على حديثه، وجذب الهاتف عن يده ثم رفعه على آذنيه ليستمع لصوت المتصل فقال بذهول:
_مازن أنت كويس!
أتاه عبارة مختصرة تضم مهالك عظيمة:
_مهاب أبو العزم خطف مروج يا عدي..والشغالة كلمتني وقالتلي ان جالي رسالة للبيبت مكتوب فيها لو عايز مراتك ترجع سليمة المناقصة مترساش على شركات الجارحي..أوعى تدخل المناقصة دي يا عدي حياة مروج في خطر سامعني!
ضيق عينيه بنظرة قاتمة فشل من يراقبه بفهم مغزاها، أو أي اشارة قد تخبره بما حدث لشقيقته، والغريب بأنه أغلق المكالمة دون أن يتفوه كلمة واحدة، واتجه لمغادرة المشفى بثباتٍ غامض، جعل معتز يلحق به وهو يسأله بلهفة:
_في أيه يا عدي.. مروج مالها؟
لم يجيبه، أكمل طريقه لسيارته دون أي اجابة منه، فعاد ليصرخ به:
_رد عليا يا عدي مروج مالها، وليه مازن قالي ان حياتها في خطر يقصد أيه بكلامه؟
استدار اليه بكامل جسده وهو يجيبه باتزانٍ صارم:
_هزار سخيف عشان أرد عليه لاني مشغول وقافل تليفوني.
عبس بملامحه بسخطٍ:
_ده مكنش صوت واحد بيهزر!
بحزمٍ لزم التحلي به قال:
_حكيتلك اللي حصل.. اطلع وخليك معاهم.
وتركه وغادر والاخير يكاد يجن من فرط قلقه على شقيقته، فحاول العودة باتصاله لمازن ولكن لم يجيبه هو الآخر!
*****
نبت داخلها قلق عجيب تجاه ما يحدث، فخرجت "شروق" خلف زوجها علها تعلم ماذا يحدث، لحقت بها "رحمة" وأغلقت الباب من خلفها ونادتها وهي تتساءل بدهشةٍ:
_رايحة فين يا شروق؟
أجابتها وهي تشير باصبعها للدرج:
_مش عارفة معتز ماله هشوفه.
وقبل أن تخطو وجدته يصعد من تلقاء ذاته، وحينما وجدها سألها باستفهام:
_رايحة فين؟
لحقت به للداخل وهي تبرر له قلقها الزائد عليه، فأخبرها بأنه على ما يرام، تابعتهم رحمة ببسمة صغيرة وكادت باتباعهما للداخل، ولكنها توقفت فجأة حينما استمعت لصوتٍ غريبٍ يناديها، اقتربت من حافة الدرج المؤدي للأعلى باستغرابٍ، وحينما كادت بالعودة لغرفة نور عاد الصوت ليتردد من جديدٍ، مما جعلها تصعد للأعلى لتستكشف الأمر، لم يكن سوى طابق يعيد تحضريه بالدهانات والمعدات الحديثه، فكان لا يحتوي على أحدٍ سوى المعدات، انقبض قلبها لعدم رؤية أحدًا، لذا استدارت لتعود ادراجها، فعاد الصوت ليعلو من جديدٍ، اتبعته "رحمة" والقلق يلتهم لحمها مرورًا بقلبها الضغيف، فتحت الباب المقابل لها فوجدتها لغرفة فارغة، وعادت لتفتح الباب المجاور لها، ظلت برحلة بحثها حتى انتهت تمامًا من الطابق بأكمله، وحينما لم تعثر على شيئًا استعدت لعودتها خوفًا من سماع هذا الصوت الذي لم يكف عن منادتها، فاستدارت وهمت بالركض ولكن جسدها تصلب محلها كتمثال الشمع حينما شعرت بقبضة أحدٌ يشدد على معصمها، ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، والتفت رويدًا رويدًا لتقابل وجه من يقف قبالتها بعينين محدقتين بصدمة وفزع، وفحيح صوته يردد:
_وحشتيني..
تراجعت للخلف وهي تشير نافية لتلك الحقيقة الصادمة، لسانها يرفض تصديق ذلك فازعن:
_لأ... لأ.
ابتسامته الشيطانية أكدت لها وجوده قبالتها فقال بحنين مخيف:
_بعد كل السنين دي لينا نصيب نتقابل يا آآ... بنت عمي!
هزت رأسها بجنون ومازالت تتراجع للخلف وهو يقترب منها بسعادة رؤيتها ترتجف خوفًا كذلك، فعاد ليهمس لها:
_شكلي موحشتكيش زي ما أنتي كنتي وحشاني.. متقلقيش المرادي محدش هيخلصك مني وهتفضلي معايا على طول..
ذكريات ذلك القبو المظلم عادت لتضرب كل خلايا جسدها، المقعد الخشبي الذي ظلت مقيدة به بتلك الغرفة المقيتة، وجع قلبها لفراق ابناءها وكذبته بشأن وفاتها، بعدها عن معشوق روحها طوال تلك الفترة التي استنزفت كل قطرة حبٍ داخلها، تلقائيًا دموعها انهارت لتذكر تلك الفترة القاسية بحياتها ناهيك عما يخبرها به، لذا صرخت بوجعٍ:
_ابعـــــد عني.
ضحك بشر وهو يدنو منها:
_محدش هيخلصك مني!
دفعته عنها وهرولت بكل ما امتلكته من قوةٍ، وفجأة اصطدمت بأحدٍ منعها من السقوط أرضًا، رفعت "رحمة" رأسها لمن يقدم لها المساعدة لتجد ذاتها أمام هيبة تستدعيها بالاطمئنان... وجدته يضمها خلفه، ومن يتأمله بسخطٍ يشعر داخله بخوفٍ غريب وهو يتأمل نظرته القاتمة التي تشبه ظلام الليل، فردد بلسانٍ تصنع قوته:
_ياسين الجارحي!
تشبثت به "رحمة" وبكائها لم يتوقف قط، فرفع يده بثباتٍ قاتل، يربت على تلك الأصابع التي تحتضن بها أمانه، ومصطفى يتابعهما ويردد ببسمةٍ ساخرة:
_كان نفسي أقابلك وش لوش من زمان.. بس محصليش الشرف.
أخفض جفنيه بحركة ثابتة إشارة لمن ينتظرها، فعلى الفور أسرع بتلبية اشارة سيده وانهال عليه بضربة قوية على رأس مصطفى من الخلف، جعلته يتمدد أرضًا أسفل قدميهو، انحنى ياسين تجاهه ومن ثم قبض على عنقه بقوةٍ جعلت الأخير يختنق وهو يتابع حركة شفتيه بعدما تخلى عنه صمته:
_وحصلك الشرف بس وأنت في مكانك الطبيعي تحت رجليا!
والقاه تجاه رجاله وهو يشدد عليهم:
_الكلب ده عايزه يتربى.
حملوه بين أيديهم والأخير يصيح بجنون:
_انت فاكر اني لوحدي.. رجالتي كلها مالية المستشفى.. ياكلوك حي يا باشا.
ابتسم بثباتٍ جعل الاخير يرتد رعبًا، وخاصة حينما اشار لرجل ضخم على ما يبدو بأنه القائد للحرس:
_أبقى خليه يلقي نظرة أخيرة على رجالته قبل ما يندفوا يا عثمان.
احنى رأسه وهو يجيبه ببسمة واسعة:
_عيوني يا باشا.
وأشار لرجاله فحملوه وتخفوا به على الفور، بينما أصدر ياسين أمره الاخير لعثمان:
_عايزه حي.. هو اللي هيوصلنا للكلب اللي وراه.
هز رأسه بطاعة وانصرف على الفور..
راقبت رحمة كل ما يحدث من محلها الأكثر أمانًا، خلف ظهر "ياسين" الآمن، ولسانها عاجز عن التنطق، ترفض تقبل كل ما تراه، مجرد أنها بأمانٍ يصعب عليها تصديقه!
استدار ياسين للخلف ليكون قبالتها، فرفع يده على رأسها وهو يخبرها بحنان:
_متخافيش أنتي في أمان.
رمشت بعينيها بارتباكٍ، وكأنها تحاول استيعاب ما يحدث، فاشارت باصبعها تجاه المكان الذي كان يخص مصطفى وقالت:
_مش هيسبني.
وانهارت باكية حتى سقطت أرضًا تجاهد ما يحدث لجسدها الهزيل، اخفض ذراعه تجاهها وجذبها لتنهض قبالته ثم قال بصرامةٍ:
_مفيش حد يقدر يمس بنت من بناتي..خليكِ واثقة اني عمري ما هسمح بده.
لانت نظراتها ومازال بكائها يتسرب اليها، فضمها اليه ياسين وهو يخبرها:
_اوعدك انك مش هتشوفي الحيوان ده مرة تانية في حياتك، لو كان عدي اكتفى بحبسه فأنا مش هيكفيني فيه غير موته.
وأبعدها عنه بعدما هدأت، ومن ثم تعمق بالتطلع لها وقال بتشديدٍ وتحذير لها:
_رحمة.. أوعي عدي يعرف حاجة من اللي حصلت هنا دي.. فهماني.
بدون تردد هزت رأسها بتأكيدٍ، ومازال تأثير الصدمة يحيط بها، فناولها منديلًا ورقيًا وأشار لها:
_امسحي دموعك.. وانزلي تحت مش عايز حد يحس بحاجة.
منحته ابتسامة صغيرة وازاحت عنها دمعاتها ومن ثم هبطت للاسفل، بينما جذب ياسين هاتفه وطلب اللواء، وأخذ يملي عليه بما يتوجب عليه فعله!
****"
عاد الجميع للقصر وصعد كلا منهم لغرفته بعد هذا اليوم الشاق، خاصة بأن الجميع يستعد لمناقصة الغد، الجميع سرعان ما غفاهم النوم الا هي، بقت مستيقظة حتى عودة زوجها، فتصنعت النوم خوفًا من أن يكشف ما بها، القى عدي مفاتيحه على الكومود باهمالٍ، وانحنى ليخلع عنه حذائه ثم القى بثقل جسده على الفراش دون أن يبدل ثيابه، عقله يكاد يمزقه الفكر، ومازال هنالك خطط استثنائية للغد، اليوم سيكون صعب للغاية، تنتظره حربًا كبيرة، وعليه القتال لأخر انفاسه مثلما اعتاد، وسرعان ما غفى لنومٍ ظنه سيريحه قليلًا مما يتعرض له..
مرت ساعتين على غفلته حينما تسلل اليه صوت بكاءٍ خافت، وشهقات تسري بقلبه قبل أن تمتد لآذنيه، فتح عدي عينيه بتثاقلٍ، فوجدها تنتفض بنومتها وجسدها يرتحف بعنفٍ، مال بنومته تجاهها وهزها بخوفٍ:
_رحمة!
لم تنصاع ليده التي تحاول ايقاظها فعاد ليناديها:
_حبيبتي مالك فيكي أيه؟
فتحت عينيها وهي تبحث حولها برعبٍ، ومن ثم تعلقت عينيها به، فرددت بصوت متقطع:
_عدي!
رفع وجهها اليه، فوجد عينيها متورمة للغاية، فتساءل بلهفة:
_مالها عيونك.. فيكِ أيه؟
تهربت منه فاحتضنته وهي تردد بخفوت:
_شوفت كابوس.
ضمها إليه بكاملها حتى اختبأت داخله ومن ثم طرح الغطاء فوقها وهو يهمس لها بصوته الرخيم:
_مش هتبطلي الطفولة دي.. ولا هتبقي زي نور انتي كمان!
على أثر ذكره لنور ضحكت من قلبها لتذكر ما فعلتها صباح هذا اليوم، فارتخت معالمه براحة حينما وجدها تبتسم، وأخذ يربت عليها حتى ظنها غفت مثلما تصنعت ذلك، فمال برأسه عليها ونام بعمق، ففتحت عينيها وأخذت تتأمله ببسمة صغيرة تحيطها هالة من الأمان لوجوده جوارها!
******
أشرقت شمس يومًا جديد حافل بأول مناقصة تخص الصفقة التي تولاها "رائد الجارحي" ، كان الشباب ورجال آل الجارحي حاضرين للمناقصتين لاهميتهم الشديدة، فذهل الجميع من العروض المقدمة للمناقصة، لم ينكر أحدًا بأن عرض رائد كان مميزًا للغاية، ولكن عرض أخر تابع لشركة "مهاب أبو العزم" قلب المووازين وأصيبت شركاته أول اهدافها بالحصول على هذا العقد، مما جعل الجميع في صدمة لا توصف، وجعل أحمد في موقف لا يحسد عليه، هاج الغضب وماج داخل عدي، فلم يسمح لهذا الرجل بتحقيق ما يريد، وقد علم بما يدور برأس أحمد الجالس لجواره، فكان يوزع نظراته بين الملفين بتوترٍ، جذب عنه عدي الملف وهو يخبره:
_هسهل عليك الاختيار... الشغل مكان مفهوش عواطف يا أحمد عشان كده لو خايف من مواجهة رائد فأنا اللي هكون الطرف المنافس مش انت.
وحمل عنه الملف، ثم صعد ليقدم عرضه على مرمى الجميع، وقبل أن يصل للاستيدج وجد رجلًا غامضًا يقف قبالته، خلع عنه نظارته السوداء ومنحه ابتسامة خبيثة وهو يردد:
_المقدم عدي الجارحي.. كان نفسي أشوفك من زمان.
حانت منه نظرة منفرة، شملته من رأسه لأخمص قدميه وبخشونة ردد:
_أنت بقا مهاب أبو العزم؟
ضحك وهو يجيبه:
_هو بعينه.
وانحنى تجاهه وهو يهمس اليه:
_اتمنى تكون فاكر صاحبك وبنت عمك!
ضيق عينيه وهو يردد بدهشةٍ:
_حاسس اني سمعت صوتك قبل كده.. سبق لينا واتقابلنا!
استقام مهاب بوقفته وهو يجيبه بنظرةٍ خبيثة:
_معتقدش.
واسترسل بسخط:
_أنا شايف ان مكانك الطبيعي يكون في قسم الشرطة يا حضرت المقدم.. هنا اللعب بيكون لحيتان السوق اللي للاسف مش هتقدر تكون منهم..
ابتسامة ساخرة تسللت اليه، وبثبات قاتل ردد:
_بالعكس ده أنسب مكان للعب.. مبروك عليك عرضك.. ودلوقتي دورك انك تباركلي.
وقدم عدي الملف أمام أعين من يتأمله بصدمةٍ اتبعت نبرته المستنكرة:
_متنساش بنت عمك تحت رحمتي.
رمش باهدابه الطويلة بتذكر، وبسخرية قال:
_أنا معنديش فقدان للذاكرة.. أنت اللي اعتقد مش بتفهم.. عرضك اترفض من شوية.. أما بنت عمي فده ليه حساب لوحده.
وتركه مصدومًا وغادر من أمامه، وفجأة وجد رسالة صادمة تزف على حسابه، أما عدي فعاد ليحتل مقعده جوار أحمد ببسمة خبيثة، عله لم يرى ما يحدث الآن وخاصة على وجه رائد الذي غادر القاعة بغضب سيكون نقطة مفقودة وصلالها مرتبط بالوحش الثائر!!
........... يتبع......
#الجارحــــي5... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
*********_________***********
متنسوش ان رواياتي الورقية موجودة بمعرض دار الاوبرا مع دار ابداع وتقدروا تطلبوها اون لاين على رقم الواتس 01001631173
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل السابع عشر 17 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويـض_الشـرس! ....(#الجــــــــارحـي5..)
#الفصل_الثالث_عشر!
(إهداء الفصل للصديقة الغالية "سلمى خالد"، واهداء متميز لروح قلبي ادمن"زينب..فرصة للحياة"، وادمن"نودي، يوسف سما محمود" لادم شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي ومساندتكم لي، وبتمنى أن ربنا يفك كربكم ويسعد قلوبكم بخير الدنيا، ودائمًا أشوف السعادة والفرحة على وشوشكم💙)
أعلن مطار القاهرة الدولي عن وصول الطائرة القادمة من دبي، فجر السلم المرتفع لباب الطائرة الضخمة، وأخذ يستقبل المسافرين للهبوط على أرض مصر ، وكان من بينهم" مازن"، هبط للأسفل وهو يحمل صغيرته على يد، واليد الأخرى تشدد على يد صغيره "عز"، اصطحبهما وهبط للأسفل وقصد الباص الأبيض ومن ثم خرج من المطار ليصعد للسيارة السوداء القاتمة التي كانت بإنتظاره، الحزن والخوف ينهشان عينيه بتمكنٍ، ناهيك عن ذاك الوجع الذي يطيح بقلبه المتألم، وكلما احتد به الألم حاول تضميده بضمة أولاده إليه، ربما تلك الرضيعة لا تعي شيئًا سوى بكاء غامض لعدم وجود والدتها، بينما أخيها كان يبلغ الثامنة من عمره ولم يكف عن السؤال عنها، حتى بتلك اللحظة سأل أباه والدمع يتلألأ بحدقتيه:
_مامي فين؟ وليه مسافرتش معانا يا بابي!
ربت مازن على ظهره بحنانٍ، ومال برأسه عليه ليطبع قبلة دافئة على جبيه، لتعود به خانة الذكريات للخلف قليلًا وبالأخص للأمس
##
شدد على هاتفه بجنونٍ وهو يخرج ما كبت من غضب:
_يعني أيه اللي بتقوله ده، أرجع مصر ازاي ومراتي مخطوفة يا عدي؟
اتاه صوته يخبره عبر السماعة:
_اسمع اللي بقولك عليه يا مازن، خد الاولاد وانزل حالًا من الشقة، هتلاقي عربية تحت قدام العمارة اركب معاهم والحرس هيأمنلك الحماية الكاملة لخروجك من دبي.
كز على أسنانه بقوةٍ كادت باسقاطهم:
_معنى كلامك أنك قررت تدخل الحرب يا عدي ومش فارق معاك حياة بنت عمك!
بثباتٍ قاتل أجابه:
_مازن أنا مش حابب ندخل في معركة الجدال دي، لو أنت صحيح بتثق فيا هتنزل حالًا من شقتك وتركب مع رجالتي، وخليك على ثقة اني مش هسيب الكلب ده يمس أختي!
عاد من شروده ليتأمل طريق العودة، كان متلهفًا ليرى عدي بتلك اللحظة، فمازال يحاول الاتصال به ولم يجيبه منذ الصباح، يحمل طاقة غضب هائلة يود قذفها بوجهه فور رؤيته، وبداخله قسم مهيب بأن ان حدث لزوجته مكروه هو بنفسه سيحرص على قتله إن لزم الأمر!
*******
انتهت المناقصة الهامة بين حيتان رجال الأعمال بانتصار شركات "الجارحي"، وهدفًا أخر سجلته شركات" مهاب أبو العزم"، التعادل لم يحقق الانتصار الكامل لاحد الأطراف، وفور الانتهاء اتجه الجميع للمقر، وقصد "عدي" مكتب "ياسين الجارحي" فور تلقيه رسالته مع أحد أفراد الأمن، بالاتجاه لمكتبه فور وصوله للمقر، طرق الباب مرتين متتاليتين قبل دخوله، وحينما استمع لصوته الصارم يخبره:
_ادخل.
ولج للداخل وهو يتفحص من يجلس مقابل أباه باستغرابٍ، فتساءل على الفور دون أن يلتقط أنفاسه:
_أيه اللي جاب ياسين هنا؟
اتجهت نظرات "ياسين الجارحي" لحفيده الجالس قبالته بنظرة مطولة، أنهاها حينما ردد ساخرًا متعمدًا تجاهل سؤاله:
_فوزك بصفقة واحدة محققش انتصارك بالرهان اللي بينا.. أظن ان شروطي كانت باينة ليك من البداية.
عَبَسَ وجهه فور تلقيه كلمات لازعة تقابله فور دخوله، فاستكمل طريقه حتى بات يقابل مكتب أبيه، فضم يده اليسرى على اليمنى بثقةٍ لحقت نبرته:
_بالنسبالي حققت انتصار كبير بستدعي الفخر، خاصة إن لا ده مكاني ولا مجالي.
ارتسمت بسمة صغيرة على شفتيه، وهو يتابع حديثه باهتمامٍ، ومن ثم قال:
_عندك حق.. بس اللي أنا أعرفه انك لما تشتغل في مكان متعرفش فيه حاجه لازم تكتسب خبرة من اللي كان فيه لسنين طويلة قبلك.. وأنا سبق وحذرتك من اختيارك ودي كانت النتيجة.
واستطرد بنظرة جامدة توحي بالكثير:
_نجاحك ده ما هو الا بداية لمشاكل هتدمر كل اللي أنا ويحيى سعينا ليه.
ونهض عن مكتبه ليجابهه بنفس حدة نظراته المتمردة:
_وأنا مش هسمحلك بده.
قبل تحديه، حينما سأله بتمعنٍ:
_أنا معملتش شيء يستدعي وجود خلافات بينا!
أجابه بنفس الاتزان وسكون نبرته، تاركًا حفيده يتابع الحوار بينهما بترقبٍ:
_أنت اختارت رائد بالرغم من انه عصبي ومتهور، وبالرغم من كده كان لسه معاك الفرصة انك تكسب بيه المناقصة، لانه ميقلش عن أحمد في شيء، بس أنت تجاهلت مشاعره اللي اتدمرت وهو شايف الثقة في عيونكم لاحمد.. قللتم منه وكنتوا متوقعين انه هيقدر يركز في العرض اللي هيقدمه!
وبنبرة اندفعت لتمزق سكينته:
_لا قدرت تحافظ على مشاعره كونك الأكبر والأوعى، ولا قدرت تكون بداله وتحارب بالعرض ده!
تَوَغَّرَ صَدْرَه من تلك المجادلة المعتادة بينهما، فقال بيأسٍ:
_العواطف مينفعش تكون موجودة في أي شغل!
عارضه حينما ردد بصرامةٍ:
_ده اللي أنت اتعودت عليه في شغلك مع الشرطة مش هنا!
واسترسل بحدةٍ جعلت عروقه تنتفض غضبًا:
_هنا في احترام لمشاعر كل اللي حواليك.
وأشار لمقعده وهو يستطرد:
_أنا حققت المستحيل بوصولي للكرسي والمكانة اللي بقت عليها امبراطورية الجارحي من غير ما أدوس على حد من عيلتي، بالعكس أنا دمار وعاصفة تدمر أي حد يفكر يمس حد شعرة منهم.
رفع عسليته إليه بتيهةٍ، فاخشوشنت نبرته وهو يخبره:
_قولتلك قبل كده وبقولها تاني مش هسمحلك تدمر الكيان اللي بنيته يا عدي.. ودلوقتي عايزك تكون جنب ابن عمك وتقوم بواجبك نحيته على أكمل وجه.
هز الشرس رأسه بخفوتٍ وانصياعًا!! ، فاستدار ليغادر ليوقفه مرة أخرى:
_استنى.
استدار إليه بتيهةٍ، فأشار لحفيده الذي حمل حقيبته السوداء على ظهره وهم بالوقوف لجواره:
_خد ياسين بطريقك.. وعدته إني هاخده واشتريله اللوحات والالوان اللي حابب يشتريها بس عندي مشوار مهم انا ويحيى.
أشار للصغير فطبع قبلة صغيرة على خد "ياسين" الذي ودعه بابتسامة وأصابعه تعبث بخصلات شعره الطويل، وقبل أن يغادر المكتب، أخبره:
_وياريت تبقى تتعب نفسك وتبص على رسوماته.
عقله شارد بالنقطة الهامة التي طرحها من أمامه منذ قليل، فلم يسعى لنشوب حدة نقاش بينهما في ذاك الوقت الذي يتلهف للخروج من المقر قاصدًا مشواره الهام، ربما نجح بإخفاء استيائه حينما طلب منه الذهاب معه لشراء ما يناسبه لتأخره عن المكان الهام المقصود بزيارته، فقاد بسرعةٍ فائقة ثم توقف أمام مول ضخمًا يخص متعلقات الأطفال، هبط "عدي" بصحبة ابنه، ثم قصد أحد المحلات المتخصصة بالألوان ومشتاقتها، ظن ببدأ الأمر أنه سيعاني بوقفته لحين أن يتفحص ابنه المكان جيدًا، ومن ثم يختار ما يريد، ولكنه فجأه حينما اتجه لأحد الرفوف وببراعةٍ جذب كل ما يحتاجه في أقل من ثلاثة دقائق، واتجه ليضع ما انتقاه للكاشير، وعدي يتابعه ببسمةٍ صغيرة، فاتجه ليناول العامل بطاقته فضربها على الجهاز المقابل له، وببسمة استحقت التواجد فور قراءة لقب عائلة من يقف أمامه، ردد:
_المكان نور بوجودك يا باشا!
منحه ابتسامة تشكلت بالكد، ومن ثم جذب ابنه وغادر لسيارته، فما أن صعد حتى راقبه وهو يرتب ما استراه داخل حقيبته السوداء بعنايةٍ، فأخرج ما بها وهو يحاول تنظيمها حتى يستجاب سحابها بالغلق، سقطت نظراته على الاسكتش الموضوع لطرفيه، فتح "عدي" الاسكتش بانبهارٍ من رؤية رسومات ابنه، واستوقف صفحاته الرائعة حينما وجد عددًا كبيرًا منها تخصه هو شخصيًا وهو يحمل عدد من الاسلحة النادرة، والتي يصعب على أحدٌ التعرف عليها، على الفور رفع عينيه عن الرسومات وهو يسأله بذهولٍ:
_أنت تعرف عن أنواع الاسلحة دي ازاي؟
ابتسم "ياسين" وهو يخبره:
_بقرأ وبتابع أي شيء متعلق بالسلاح والشرطة، وبقى عندي خلفية صغيرة عن أنواع الاسلحة.
ضيق عسلية عيناه بدهشةٍ من صغيره الذي بدا، وكأنه يتعرف عليه لأول مرة، فحمل الورقة الاخيرة إليه وهو يسأله:
_ده أنا!
هز رأسه على الفور، فسأله بغَرَابَةٍ:
_ليه كل رسوماتي وأنا بزي الشرطة؟
رد عليه ببعض التوتر الملحوظ للأخر:
_لأني مش حابب أشوفك غير كده.. أنا نفسي آآ... أكون زيك في يوم من الأيام..
التمعت عيناه ببريقٍ جعلها تعكس ما بداخله من صدمةٍ وفرحة، وبدى متخبطًا بسؤاله الحائر:
_وياسين الجارحي عارف بالكلام ده؟
هز رأسه وهو يؤكد له:
_عارف وقالي أنه هيفضل جنبي.. وأنا هسعى أني أكون ظابط شاطر زي حضرتك.
أشار له عدي بأن يقترب منه، فحمل الصغير حقيبته ليضعها جانبًا، ثم دنى منه بدهشةٍ من اشارته، فضمه إليه "عدي" بقوةٍ، جعلت الصغير يتعلق به بفرحةٍ، عبث بأصابعه بين خصلات شعره البني وهو يهمس له:
_هتكون أحسن مني يا ياسين.
رفع الصغير عسلية عيناه المتدفقة حول بنية عيناه، وهو يمنحه ابتسامة هادئة، فأشار له عدي وهو يحك مقدمة أنفه:
_يلا لم ألوانك وحاجتك عشان هنتحرك.
أومأ برأسه، وشرع بجمع أغراضه وعدي يراقبه بصمتٍ وشرود، فدار بينه وبين نفسه حوار ومعادلة صعبة نهايتها بسؤالٍ يتردد داخله
«يا ترى أيه السبب اللي خلى ياسين الجارحي يصمم اني أخد ياسين معايا، أكيد مفيش غير احتمال واحد إنه عارف المكان اللي أنا ريحه من البداية!!»
******
وصلت السيارة أخيرًا للقصر، فهبط "مازن" مسرعًا للداخل يبحث عن "عدي" بجنون، فاخبرته الخادمة بأنه لم يعود بصحبة الشباب بعد، هبط "معتز" للأسفل فور سماعه بعودة مازن، فمنحه نظرة متفحصة جعلت قلقه يزداد بشكلٍ مقبض، فصاح بانفعالٍ:
_مروج فين يا مازن؟
ما يحاربه بتلك اللحظة يكفيه ويفيض عن حاجته، لا يحتاج لأي ضغوطات تقيده عما يشغله، عاد معتز ليتساءل من جديد وصوته يعلو حتى أصبح مسموعًا لمن بالقصر:
_بكلمك رد عليـــــــــــا!
تمسك بالصمت لاخر انفاسه، حتى بعد أن هبط الجميع للأسفل، وتدخل بينهما عز وهو يسأله بدهشةٍ:
_بتزعق كدليه؟!
اتجه رعد الى مازن ليرحب به ببسمته البشوشة:
_حمدلله على سلامتك يا حبيبي.
بلهفةٍ تسألت يارا وهي تحمل الصغيرة:
_فين مروج يا مازن؟
صاح معتز بضيقٍ وهو يهزه بعنفٍ:
_نفس السؤال اللي بسأله ليه وهو لسه زي مهو ساكت ومش بينطق!
إِسْتَشَاطَ عز غاضبًا من تصرفات ابنه الوقح لزوج أخته، فنهره بغضبٍ:
_أنت ازاي تكلم جوز أختك بالطريقة دي!
أجابه بعصبيةٍ خرجت عن طورها:
_جوز أختي اللي حضرتك بتدافع عنه كلمني امبارح واحنا مع نور بالمستشفى وقالي اختك في خطر، وبعدها مبقاش يرد على مكالماتي وقفل موبايله والنهاردة راجع لوحده وهي مش معاه عايزني أعامله بأنهي طريقة!
قتل الشك والرعب الجميع في مقتل، وخاصة يارا التي تمسكت بذراع زوجها وهي تجاهد لخروج الكلمات على لسانها:
_بنتي فيها أيه يا مازن.. بنتي فين؟
أخفض وجهه أرضًا بوجعٍ لا يضاهيه مثيل، فكيف سيجيبهم ان كان لا يجد الجواب المناسب لسؤاله، شعر بوجعٍ يصيب ذقنه، وعاد ليشعر بحدته حينما عاد معتز بلكمه مجددًا وهو يصرخ بعنفٍ:
_انطق مروج فين؟
تدخل بينهما أحمد فدفعه للخلف وهو يحاول الفصل بينهما، حتى عمر اندفع ليبعد معتز للخلف، وحينما لم ينجح لكمه بقوةٍ اسقطته أرضًا وبضيقٍ أخبره:
_أنت كل حاجة عندك متتحلش غير بمد الأيد.. ما تصبر وتسمع منه!
تحمل على ذراع جاسم الذي يسانده للوقوف، وهو يتحداه بشراسةٍ:
_هو ده اللي عندي ولو منطقش هخلص عليه مكانه.
نظرة حازمة من أبيه جعلته يتراجع للخلف بهدوءٍ يجاهد به التغلب على غضبه الثائر، اتجهت نظرات عز لمازن، بجدية تامة سأله:
_مراتك فين؟
تحرر عن صمته حينما جلس بإهمالٍ على المقعد وهو يخرج ما يثقل عليه تحمله، والجميع ينصت له بصدمةٍ وعدم استيعاب لما فعله عدي!
*******
طال الطريق بهما، والأغرب انجرافه عن الطريق الرئيسي المؤدي للقصر، فانتقلت نظرات الصغير لأبيه وسأله بدهشةٍ:
_هو احنا رايحين على فين؟
أجابه وعينيه مازالت مسلطة على طريق قيادته:
_مشوار هيعجبك.
رسم على وجهه بسمة محمسة، فلم يتشارك اللحظات الخاصة برفقة أبيه الا نادرًا، وها هو يصطحب مرتين في نفس اليوم، لذا سيجلس بصدرٍ رحب وهو يترقب مشواره الهام..
دقائق معدودة وصل بها لوجهته،وربما هو بذاته يقود ابنه لمصيرٍ لا يليق سوى بحفيد "ياسين الجارحي" ، فتح "ياسين" نافذة السيارة وهو يتابع تلك القصور العظيمة باعجابٍ تألق بحدقتيه المتسعة على مصرعها، فوجد أبيه ينحدر للقصر الذي يترأس الأربع قصور، فاستقبله أحد الحرس وحل محل مقعد قيادته، فهبط عدي تاركًا له مجال صفها، ومد يده لمن يقف جواره متعمقًا بنظراته تجاه القصر، فاتجه إليه الصغير ووضع يده بيده الممدودة، لحق بخطاه للداخل وهو يترقب ذلك المسبح الضخم المشابه لمسبح قصرهم، حتى عدد الحراس الضخم كفيل بنقل صورة مشابهة لما يحدث بقصره، وفجأة خرج من الداخل بخطواته الواثقة، وابتسامته الهادئة المنفلتة على وجهه البشوش، فاقترب منهما وهو يثني معصم قميصه الأبيض الذي يبرز عضلات جسده الرياضي، وصوته الرخيم يتحرر عن ثقة:
_أهلًا بالوحش.. ليك وحشة!
منحه "عدي" ابتسامة تماثل ترحبه به، فاستقبل ضمته بترحابٍ وهو يردد:
_قولتلك هنتقابل تاني يا جوكر!
ضحك "مراد زيدان" بصوته الرجولي وهو يشير له ساخرًا:
_مقابلاتنا مبقتش تنص غير على الكوارث يا صديقي!
ومن ثم حانت نظرة تائهة من زرقة عينيه، وهو يخمن نسب الصغير:
_ده أكيد ابنك! شبهك جدًا ما شاء الله.
وانحنى بقامته على ركبتيه وهو يمد يده لياسين قائلًا ببسمته الوسيمة:
_أهلًا يا بطل.. مبسوط اني هتعرف عليك.. أنا مراد وأنت؟
التفتت الصغير برأسه تجاه عدي، فعبث بخصلاته وهو يحثه بالاقتراب منه، اقترب الصغير ووضع يده بين يده، وأجابه:
_أنا اسمي ياسين.
رفع أحد حاجبيه باستنكارٍ:
_أممم... خطفت اسم امبراطور آل الجارحي.. أكيد وراث منه كتير غير اسمك.
منحه الصغير ابتسامة بشوشة وهو يجيبه بنبَاهَةٍ:
_ولو مش وارث أكيد هحاول أكون شبهه وأورث نفسي اللي أقدر عليه منه.
ضيق عينيه وهو يهيم بالتطلع به بغموضٍ، فرفع كفيه وهو يشير له بمنحه الصفقة، فطرق ياسين بيده على يده والاخر يردد بإعجابٍ:
_ذكي... عجبتني!
ضحك وهو يتابع سؤاله بفضولٍ:
_هو حضرتك ظابط زي بابا؟
حانت منه نظرة جانبية لعدي قبل أن يجيبه بجديةٍ:
_مفيش حد زي أبوك!
وتابع بنفس الابتسامة:
_أنا مش معروف زيه لاني شغلي بيكون أغلبه للقضايا اللي برة مصر، وده بيجبرني أكون مخفي عن العيون ومينفعش أكون معروف لحد، أما أبوك بقى فسيطه واخده لأي مكان وده تقريبًا اللي بيوقعه بالمشاكل دايمًا!
ضحك عدي وهو يتابع حوارهما، فانتصب الجوكر بوقفته وهو يشير لحارسه الخاص بالاقتراب، وأخبره وهو يلف ذراعه حول ياسين:
_خد ياسين على الحديقة الخاصة وخليه يلعب مع الاولاد.
أومأ الحارس برأسه وهو يصطحب الصغير، مرددًا:
_حاضر يا باشا..
وغادر به ليواجهه بطرف الخيط الذي سيشكل مصيرًا مختلف لذاته، لتلك التي ستجعله لم يرى ولن يتمكن من رؤية أي مسمى لفتاةٍ بعدها... ربما بداية لملحمة مثيرة ولم يسبق لتاريخ العشق بذكرها قط!
*****
استغل "مراد" بقائهما بمفردهما، وسأله باسترابةٍ:
_مالك يا عدي؟
حاول الهروب من اجابة ذاك السؤال الذي بات يجهل كلمات اجابته، فقال وهو يمشط المكان بعينيه:
_مروج كويسة؟
أجابه بثقةٍ:
_أكيد انت عارف اجابة سؤالك بدون ما أجاوبك.
ابتسم وهو يهز رأسه بسكونٍ، ووضع يده بجيب جاكيته ثم مال على السور المنحرف حول السد الصغير الذي يعلو المسبح الضخم، فمال "مراد" بجسده على السور وهو يسأله من جديدٍ:
_مش عايز تقولي مالك؟
اكتفى بمنحه ابتسامة باهتة، فالقى نظرة متفحصة على البذلة الانيقة التي يرتديها ثم قال بخبثٍ:
_لايق عليك جو المدراء والشركات.
ضحكة ساخرة انفلتت ليتبعها نبرته الساخرة:
_كلها شبه بعضها، عندنا حروب وهناك حروب.. هنا بنتعامل مع مجرمين وهناك بنتعامل مع الأصعب منهم، وفي كلتا الحالتين لازم تفكر وتدور على طرف الخيط والادلة والمعلومات عن اللي هتواجهه.. كأن الحياة كلها اتخلقت للمواجهة والتحدي والصراع!
لمس بنبرته تغيره الغريب، ومع ذلك قال:
_حاسس انك مخنوق ومش حابب اللي أنت بقيت عليه.
ومن ثم وضع يده على كتفيه وهو يحثه:
_ارجع لمكانك يا عدي.. أنت زي السمك اللي لما يخرج من المية بيتسحب منه الروح!
التفت اليه برأسه وبحزنٍ قال:
_معتش ينفع يا مراد.. خلاص سبق واختارت.
وببسمةٍ حالمة أخبره:
_اللي كنت بحلم بيه وبتمنى أحققه ابني هيحققه نيابة عني... عشان كده اتعمدت اجيبه معايا النهاردة.. عايزك تكون جنبه وتعلمه بنفسك.. عايزه يكون أحسن مني.
ضيق عينيه باستغراب وذهول لما يستمع اليه، فردد بسخطٍ:
_أنت أفضل يا عدي.. علم ابنك انت.
هز رأسه نافيًا:
_مش هقدر.. اعتبره واجب صداقة لازم تقوم بيه.
مسد على كتفيه وهو يخبره بيقينٍ:
_أخوة قبل ما تكون صداقة.
وبمزحٍ أخبره:
_أنا قاعد اديك نصايح ومواعظ وأنا نفسي مقبلتش أعمل كده مع بنتي وسايبها لرحيم يدربها ويمشي معاها المشوار اللي رفضت امشيه.
اتسعت عينيه على مصراعها وهو يتساؤل باسترابةٍ:
_بنتك.. معقول!
ضحك وهو يخبره:
_لو سمعتك هتقتلك وقتي.. أي شخص بيقلل منها كبنت حتى من غير ما يقصد عينك ما تشوف الا النور.. شايفة نفسها من دلوقتي الرائد "مرين مراد زيدان"!
تعالت ضحكاته الرجولية وهو يشير اليه بصدمة:
_ويوم ما تختار مدرب لبنتك تحتار الاسطورة يا راجل قول كلام غير ده!
حك جبينه وهو يشير له بمزحٍ:
_هو أشرس مني هيعلم البنت أكتر مني.. وبعدين أنت كأب لما اختارت لابنك حد يمشي معاه المشوار ده اختارت حد غيرك مع انك من أكفئ الظباط، وده يدل انك خايف تكون حنين معاه يعني تقريبًا نفس السبب اللي عندي!
هز رأسه باقتناعٍ، ومن ثم تساءل بفضولٍ:
_طب هو فين.. وحشني القعدة معاه؟
أجابه بتذمرٍ:
_طالع مغامرة لوحده.. وحالف ميت يمين اننا منشتغلش مع بعض تاني، كل واحد عنده مهمة يطلعها لوحده.
أثار حافظة فضوله، فردد ساخرًا:
_متقوليش أنكم بعد كل الانجازات دي اكتشفتوا فجأة انكم مختلفين بطريقة الشغل فقررتوا تنفصلوا!
ضحك بصوته كله وهو يشير له نافيًا وبدى صوته مضحك بتقمصه شخصية الاسطورة :
_لا بقى شايف اننا في رقبتنا عيلة غفيرة، فقالك بدل ما نموت سوا يبقى في واحد بديل هنا يحيا لأجل البقية، بس ده طبعًا الواضح لينا بس بنساعد بعض من تحت لتحت.. انا براقبه وهو بيراقبني وقت ما حد فينا بيحتاج مساعدة محدش فينا بيتردد... يعني يا صاحبي تقدر تقول رجعنا لشغل القط والفأر تاني بس بطريقة لطيفة كلها محبة وخبث.
ولكزه بمشاكسةٍ:
_زيك أنت وياسين الجارحي كده!
ضحك باستهزاءٍ وهو يغمغم:
_محدش زي ياسين الجارحي، على الأقل انتوا الاتنين عارفين أولكم من أخركم.. أنا مبقتش قادر أفهم حاجة!
*******
عدد مهول من الألعاب الضخمة تنفرد بتلك الحديقة الواسعة، على يساره خيمة ضخمة تحوى عدد من الكراتٍ، وأخرى تضم أكثر، من خمس أرجيحات تتدلى من أطرافها الفتيات وتلهو بسعادة، أما الفِتْيَانٌ فكانوا يتسابقون على الدراجات، ومنهم من يقوم بقيادة السيارات الصغيرة التي تعمل بالريموت الالكتروني، بدى له من وجود هذا العدد من الاطفال بأنها عائلة ضخمة مثل عائلته، وبالرغم من احاطته بعدد من الفتية الا أنه لم يجد ذاته بينهم، يذكرونه بابناء أعمامه ونفس ميولهم باللهو بالألعاب، وكعادته كان يحاول الاندماج سابقًا معهم والآن يحاول أيضًا وحينما فشل إختار الجلوس على أريكة منعزلة عنهم، فتسلل لمسمعه صوت طلقات نارية، تغدو قريبة منه، تتابعها "ياسين" حتى وصل لسور صغير يفصل تلك الغرفة عن الحديقة، كانت تشمل عدد من التماثيل الالكترونية، التي تحمل لوحات تحدد بها اصابات الجسد البشري، بدى له بأنه المكان المخصص لتدريب الجوكر المزعوم، شعر ياسين بالخزي لتماديه بالتجول بالمكان دون السماح له بذلك، فاستدار ليغادر ذلك المكان، ولكنه توقف فور سماعه لذاك الصوت الانثوي الهادئ:
_أنت ميـن؟
استدار تجاه الصوت، وهو يحاول تحديد مظهره، فوجد من تخلع عنها خوذتها السوداء وتبرق له بعينيها الزرقاء، متسائلة بتعحبٍ عن هذا الغريب المتطفل، خطف "ياسين" نظرة سريعة لما تحمله بيدها، فاسبل عينيه باستغرابٍ من نوعية السلاح الذي تحمله، رفعته "مرين" تجاهه وهي تتساءل بذهولٍ:
_عجبك؟
أكد لها بتلقائية حديثه:
_طبعـًا ده نوع نادر من الاسماء اللي جمعتها في النوت بتاعي.
ابتسمت بفرحةٍ، بعد أن وجدت من يساورها الحديث فيما تحبه وترغب بسماعه ولم تجده من المحيطين بها:
_فعلًا هو نوع نادر بس استخدامه مش سهل.
ورفعته تجاهه وهي تخبره بتردد:
_تحب تجربه؟
رفع يده إليها بترددٍ، فجذبه منها وهو يتأمله بتمعنٍ واهتمامًا، فتح ياسين خزنته ومن ثم تطلع اليها وهو يردد:
_ده فيه رصاص؟
ابتسمت وهي تخبره:
_مش حقيقي متقلقش.. أونكل رحيم مشدد عليا في نوعية الرصاص اللي بستخدمه.
رفع احد حاجبيه بذهولٍ، ما بنقصه ذلك رؤية فتاة تعشق الاسلحة مثل هوسه، وما يثير دهشته تمكنها من حمل السلاح ولم يتمكن هو على حمله من الاساس، ومع ذلك سألها بفضولٍ:
_عمك اللي بيعلمك كل ده.
أشارت له بتأكيد، وانحنت تجاه احد الصناديق الجانبية ثم حملت سلاحًا أخر واقتربت منه وهي تخبره:
_أنا اخدت دول منه بصعوبةٍ... عمي بيحب يحتفظ بالاسلحة المختلفة والنادرة دي بخزنته.
تفحص النوع الاخر الذي تحمله بانبهارٍ، فسمحت له أن يحمله، راقبت "مرين" اعجابه بالسلاح ببسمة تخطف على وجهها بطفوليةٍ، ومن ثم تمادت في جديتها بعدما عادت لتفكر بكنايته فقالت:
_مش هتقولي بقا أنت مين؟
منحها السلاح وهو يجيبها:
_بابا يبقى صديق والدك.. وواقف بره معاه.
واسترسل ببعض الحرج:
_ والدك طلب من الحارس يدخلني الحديقة العب مع الاولاد بس بصراحة لما سمعت صوت الرصاص مقدرتش امنع نفسي اني ادخل!
سألته بفضول:
_انت كمان عايز تبقى ظابط؟
هز رأسه بكل تأكيد:
_وهكون كده بإذن الله.
غمرته بوابل من الأسئلة واولهم:
_انت باباك ظابط؟
رد عليها بنبرة من الحزن:
_كان.. بس دلوقتي مقدم استقالته.
اخبرته وهي تعقد خصلات شعرها الاسود للخلف:
_يبقى لازم تجتهد وتكون انت الظابط اللي في عيلتك.. عشان لم اي حد يقع في ورطة يجيلك جري.
ضحك بصوتٍ مسموع وهو يخبرها بصعوبة:
_هيلجئولي في وجود ياسين الجارحي!
قوست جبينها باسترابة:
_مين ده؟
همس بمكرٍ:
_تحبي تسمعي حكايته من أول فين؟
*****
بالرغم من أنها تبذل قصارى جهدها لتخرجها من القلق الذي ينخر عظامها الا أنها كانت تشفق على حالتها، وضعت "حنين" صينية المشروبات من أمامها وهي تحثها بلطفٍ:
_طب عشان خاطري اشربي أي حاجة.. والله ما حطلنك حاجة فيه.
ورفعت حنين الكوب ثم تناولت منه لتشير لها بمرحٍ:
_أهو يا ستي عشان تتأكدي.. ثم اني ام لبنتين اللي مرضهوش عليهم مرضوس عليكي يا ستي.
ولوت شفتيها بحركة مضحكة وهي تردد بهمس:
_الواحد يسافر ويرجع يدخل على مراته بهدية... بوكيه ورد.. وأنا جوزي كل ما يسافر مكان يرجعلي بضحية شكل!
انفجرت مروج من الضحكٍ، فازدادت سعادة حنين لوصولها لمبتغاها، لذا استغلت الفرصة وقدمت لها العصير:
_والنبي انتي عسل.. خدي خدي اشربي بلا وجع دماغ محدش أخد من الدنيا حاجة.
تناولت منها الكوب بابتسامةٍ صغيرة، وقالت وهي تتمعن النظر بها:
_أنتي بتشبهي نور مرات ابن عمي أوي.. سبحان الله نفس الشخصية ويمكن عشان كده حبيتك.
رفع احد حاحبيه بسخطٍ:
_كل اللي بتعمليه معايا ده وحبتيني!! ده انتي من ساعة ما جيتي امبارح وانتي مطلعة عنيا عشان تشربي حاجة!
ضَبَّت معالمها وهي تردد بحزن:
_غصب عني.. اللي مريت بيه مش سهل وميخلنيش اثق بحد بسهولة.
ربتت بحنان على يدها:
_عندك حق.. وعمومًا يا ستي انا بعتلك أهو اضافة في الفريند لما ترجعي البيت اقبلي الطلب وعرفيني على نسختي نور دي.
تهدل جسدها بجلسته وهي تتساءل بشكٍ:
_تفتكري اللي جابني هنا ده هيرجعني لاهلي.
طرقعت اصابعها بسخرية:
_ده جوزي يا ستي راجل طيب وغلبان وفي حاله.. متقلقيش هيرجعك سالمة غنمة بإذن الله.. هو متعود كده كل سفرية شغل له يدور على أي حد مخطوف من أهله ويكسب فيه ثواب ويرجعه.. زي ما تقولي بيتخسر يرجع فاضي!
انغمست بوابل من الضحكات المتلاحقة حتى كادت انفاسها بالانقطاع، فقاطعهما دخول حازم ليخبرهما وعيناه أرضًا تتحاشى التطلع لأي منهن:
_عدي باشا بره وطالب الهانم.
فور سماع اسم اين عمها انتفضت بجلستها وهي تردد بفرحةٍ وتمسك بقشة نجاتها:
_عدي!! خدني ليه بالله عليك.
هز الحارس رأسه وهو يشير بذراعه لباب الخروج بآلية تامة، كادت مروج بتتابعه وتراجعت خطوتان للخلف وهي تقف أمام حنين بترددٍ باختيار طريقة وداعهما، وفجأة القت بذاتها على ذراعيها وهي تشكرها بود:
_شكرًا لانك هونتي عليا الساعات دي.. شكرا لخفة دمك ولواجب ضيافتك يا حنين.. حقيقي انتي شخصية جميلة ودي هتكون بداية لصداقة بينا.
مسدت بحنان على ظهرها وهي تجيبها:
_يا حبيبتي انا يشرفني صداقتك والله.. وان شاء الله ترجعي لبيتك واولادك بخير.. في رعاية الله..
وداعهما كان قصيرًا، لرغبتها بالهروب للخارج تملي عينيها برؤية من أتى لتخليصها، وفور رؤيته هرولت مروج تجاهه وهي تردد بلهفةٍ:
_عدي!
تعلقت بذراعه، فربت عليها وهَمْهَمَ:
_الحمد لله انك بخير.
رفعت عينيها الدامعتين إليه، وهي تهمس له:
_عايزة ارجع البيت لمازن.. أرجوك يا عدي احجزلي تذكرة لدبي..
تفهم سبب قلقها ورغبتها بالعودة، فقال:
_مازن والاولاد هنا في مصر يا مروج.
وجذب مفتاح سيارته من جيب جاكيته ثم منحه لها، وهو يشير على سيارته:
_اركبي بعربيتي وأنا هجيب ياسين وأحصلك.
التقطت منه المفتاح واتجهت لسيارته بخطواتٍ سريعة، والاخير يراقبها ببسمة هادئة فما ان استدار عدي اليه حتى ردد بسخريةٍ:
_وأخيرًا اقتنعت اني هرجعها لاهلها! أنا جبتها لحد هنا عند زوجتي وعيلتي يمكن تقتنع انها كام ساعة وراجعه وبرضه نظرات الشك ملية عيونها.
ضحك وهو يجيبه بخشونةٍ:
_الستات تبحث عن النكد أينما كان يا صديقي!
ضحك لتقليده نبرته، وغمز له بمكرٍ:
_لا خبير أنت بالستات يا وحش!
عدل من جاكيته وأشار للحارس الذي أتى إليه، فطلب منه إحضار ياسين للمغادرة، وفور ذهابه تحدث الجوكر بجدية معه ليحذره من هذا اللعين:
_خد بالك من مهاب أبو العزم ده.. شكله مش سهل.. دماغه مش دماغ رجل أعمال أبدًا.
واسترسل ببعض الحيرة:
_اللي مستغربه انك كان ممكن تستغل اختطاف بنت عمك وتحبسه!
أغلق زر جاكيته وهو يحرص على تنسيق ملابسه، وأجابه بما يشعر به:
_كان ممكن أعمل كده بس ده مكنش هيفيدني بحاجة، أنت أكتر واحد عارف انه يقدر يطلع منها بسهولة، ثم ان دخلته ليا غريبة ومش مفهومة، طريقته معايا أكدتلي انه يعرفني وداخل المناقصة دي عشاني... وانا وراه لحد ما أشوف اخرته أيه.
هز رأسه بتفهمٍ ومع ذلك عاد ليطرح تحذيراته:
_برضه خد بالك من تحركاته لانه وارد يعيد اللي عمله تاني.
طمنه حينما قال:
_لا متقلقش المرادي أنا صحيله كويس!
*******
الوقت مر بصحبتها بسرعة البرق، فلم يرغب أبدًا بالرحيل، حتى هي أرادت أن يظل معها لأطول وقتًا، إلى أن حانت لحظة الوداع التي خلقت داخلها ضيقًا غريبًا، حينما أخبرهما الحارس باستعداد والده للمغادرة، فنهض ياسين عن مقعده ثم ودعها ببسمة صغيرة وهو يردد:
_سعيد اني اتعرفت عليكي يا مرين.. ومتزعليش من كلام الاولاد عنك.. بالعكس انتي مميزة ومختلفة.. وأكيد في يوم من الأيام هتوصلي للي أنتي حابة توصلي ليه.
اتسعت ابتسامتها حتى برزت غمازتها الساحرة، فنهضت هي الاخرى، وردت عليه برقةٍ:
_ميرسي يا ياسين.. وأنت كمان ربنا يوفقك وتكون زي ما أنت حابب.
أجابها بثقة:
_هحقق حلمي أكيد ويمكن يكون لينا فرصة نتقابل تاني لو بقينا في نفس المجال.
صفقت على يدها وهي تشير له بحماس:
_وعد؟
منحها ابتسامة هادئة وهو يرد:
_وعد..
وتركها وغادر وهو يخطف النظرات السريعة اليها من الحين والاخر، ربما اعتاد سماع من يخبره بأن عاقل وحديثه يفوق عمره أضعافًا، والآن قد أمن بحديثهم فور رؤيته لذاك النموذج القريب منه، استكمل ياسين طريقه لينضم لعدي الذي أمسك يده واتجهوا معانا للخروج، هبطوا الدرج القصير المؤدي للطرقة الطويلة أمام السيارة، والجوكر يقف على مقدمته يتأمل رحيلهما، توقف "عدي" بذهولٍ فور سماعه لصوتٍ رقيق يردد اسم ابنه، حتى مراد استدار للخلف بدهشةٍ، فرأى ابنته تهرول وتجتاز الدرج القصير حتى أصبحت قبالتهما، فهبط من خلفها وبات يقف جوارها يراقب ما يحدث، مجرد رؤية عينيها الزرقاء ووجهها القريب بالملامح للجوكر أكفته بمعرفة تلك الفتاة، فتابعها باهتمامٍ، أخرجت "مرين" ما تحمله لتقدمه لياسين الذي حمل الحقيبة الصغيرة التي يزينها رسومات باللون البنك والفراشات، كانت تخص الفتيات وما تحمله بداخلها يعاكس ذاك الذوق الانثوي، فتحها ياسين وجذب ما بداخلها ففغر ففاهه بصدمةٍ، وهو يحمل السلاح ويرفعه مقابل عينيه، فتابعت مرين حديثها ببسمة هادئة:
_ده هدية مني ليك.. وأتمنى لما نتقابل بالشرطة في يوم من الأيام يكون معاك.
رمش بأهدابه الطويلة وهو يردد بدهشةٍ:
_مش ده هدية عمك ليكِ.. مقدرش أقبل هدية غالية زي دي!
التقطته منه ثم اعادته لنفس الحقيبة ووضعتها بين يده مجددًا وهي تخبره:
_أنا قولتلك إن أنكل رحيم اداني اتنين.. وأنا حبيت يكون معاك واحد لأنك الوحيد اللي متريقتش عليا زي باقي الاولاد هنا.. وبالاخص زين ابن انكل رحيم!
وحينما وجدته مازال مترددًا، التفتت لوالدها وهي تشير له برجاءٍ:
_بابي بليز خليه ياخده.
أسبل بعينيه وهو يتطلع لعدي الذي يتابع الحديث، ليهمس اليه بسخطٍ:
_بداية غير مبشرة بالمرة!
ابتسم وهو يهمس بنفس نبرته المنخفضة:
_مش كنت حابب متشوفش وشي تاني.. شكلنا هنتجمع في مصايب كتيرة جاية بس المرادي احنا مش أطراف فيها!
جاهد الجوكر لرسم ابتسامة كبيرة بوجه ابنته التي تتابع حوارهما باستغرابٍ وفضول لمعرفة ماذا يتهمسان، فلكزه عدي وهو يهمس له:
_بتبالغ..
ضيق ابتسامته قليلًا، وتحرر عن صمته حينما اشار لياسين:
_اقبل هديتها يا ياسين وافتكرها كويس أوي لان مرين بنتي بالذات مستحيل تهادي أي حد في حياتها شيء يخص رحيم زيدان.. فده ان دال على شيء يدل إننا داخلين على منعطف تاريخي.
لكزه عدي مجددًا، فعدل حديثه وهو يمسك كتفيه بألمٍ:
_أقصد انكم هتكونوا اصدقاء ومفيش صديق بيرفض هدية صديق..صح يا عدي؟
أومأ برأسه بتأكيدٍ، وأشار لابنه بقبول الهدية، فجذبها منها وهو يحك ذقنه بتفكيرٍ، فحملها واتجه للسيارة وهو يشير لها:
_طب ثواني.
عاد بعد قليل يحمل حقيبته السوداء، فحرر سحابها ومازال عدي ومراد يراقبان ما يحدث بذهول، فأخرج ياسين منها متعلقاته وهو يبحث عن شيئًا ما، لمحت مرين لوحاته التي يضعها على حافة الدرج ليصل لما يود، فحملتها وهي تتفحص محتوياتها باعجابٍ شديد، وسألته باهتمامٍ:
_دي رسوماتك؟
أومأ برأسه لها، فرددت بإعجابٍ:
_الله.. انت بتأخد كورسات أكيد؟
هز رأسه نافيًا وبرر لها:
_بتعلم اون لاين.
وانتصب بوقفته وهو يقدم لها هديته قائلًا:
_جدو علمني مقبلش بهدية غالية من حد الا لما اهديه بهدية قيمة... وده هديتي ليكي.
جذبت منه مرين ما يحمله بأعينٍ متسعة، كان مجسم صغير لشرطي يحمل سلاحًا قوي، ويبدو بأنه مطعم بالذهب، ربما لم يجذبها طلائه الذهبي الجذاب لصناعته منه، ولكنه نال اعجابها بشكلٍ كبيرٍ، لا تعلم لانها تذكار من هذا الفتى المختلف لها عن ابناء أعمامها ولا لكونه مميزًا فقط، حملته مرين وهي تشكره بفرحة:
_جميل أوي بجد... شكرًا
منحها ابتسامة صغيرة وهو يعيد متعلقاته للداخل، ونهض ليقف جوار اباه مجددًا فقالت بمزح:
_بس أنت شكلك هتكون رسام كبير يا ياسين مش ظابط!
ابتسم وهو يشير لها:
_دي هواية مش أكتر.
وأشار لها وهو يصعد بالخلف جوار مروج التي غفاها النوم على المقعد من شدة الاجهاد، كاد عدي بالصعود لمقعده، ولكنه أغلق بابه وهو يحك جبهته بتسليةٍ أراد استعمالها لمن يقف من خلفه يده تشدد على ابنته التي لا تفارق عينيها ياسين وهو الاخر يتابعها باهتمامٍ، أشار له عدي بالاقتراب فأسرع اليه ليخبره بصوتٍ منخفض:
_لسه مصمم تخلي أخوك يدرب الولد؟
هز رأسه بإعتراضٍ جنوني وهو يخبره:
_يا باشا أنا الفترة الجاية هحرص بنفسي ان أنا اللي أدربه، على الأقل أعلمه ذوقيات التعامل مع انثى، لو سبته لرحيم هيضيع مستقبل بنتي!
تعالت ضحكاته الرجولية، فتابع وهو يغمز له بمكرٍ:
_كده تعجبني... وعلى رأي المثل تربيه على ايدك أحسن ما تكتشف شخصيته أنت وبنتك بعد الجواز!
شاركه الضحك وهو يردد ساخرًا:
_إنه القدر يا صاح!
ضرب كف له واستعد للمغادرة وكلا منهما يظنه مزحة قضوا بها بعض الوقت، لا يعلم كلًا منهما بأنها ما هي الا بداية لقصة ستختم بين عائلتين ذات نفوذ وسلطة مهيبة، قصة ستخلد بين حوائط مملكة "الجارحي" ... ومملكة "زيدان"..
******
الثورة التي تطيح بالجميع بالأسفل فشلت بسحبه خلفها، فكان بعالم منعزل عن الجميع، يجلس لأكثر من أربعة ساعات بمفرده، وزوجته تراقبه بين الحين والأخر بقلقٍ، تعلم بأنه وقت ضيقه يصبح عصبي للغاية، ففعلت كما تفعل كل مرة، تتركه بمفرده حتى يهدأ ومن ثم تتدخل لتعرف ما به، ولكن تلك المرة طالت به وحدته، لذا استجمعت قوتها واقتربت منه، وجدته يجلس امام سور الشرفة على ذراع المقعد العريض، شاردًا بالتطلع من امامه، رفعت اصابعها على كتفيه وهي تناديه:
_رائد.
احتدت نظراته المسلطة للفراغ، فتابعت رانيا بارتباكٍ:
_مالك يا حبيبي.. من ساعة ما رجعت من المقر وأنت قاعد كده؟
أطاح يدها بعيدًا عنه وهو يخبرها على مضضٍ:
_سبيني لوحدي يا رانيا من فضلك.
تحركت لتجلس على المقعد ذاته لتكون قريبة منه، فامسكت يده وهي تردد بتوترٍ:
_اسيبك ازاي وانت بالوضع ده.. أنا أول مرة اشوفك كده!
سحب يده بالقوة ونهض عن المقعد ليصرخ بها:
_انتي مبتفهميش بقولك سبيني لوحدي.. صعبة دي.
قال كلماته الاخيرة وهو يلقي بالمزهرية الموضوعة لجواره أرضًا، صوت الحطام القوي القادم من الاعلى كان كافيل بجعل رعد ينسحب ليصعد للاعلى، حتى يتفقد ماذا يحدث وخاصة بتخمينه لما قد يصيب ابنه بموقف كذلك.
ارتعبت رانيا من رؤيته بتلك الحالة، فنهضت عن محلها واتجهت للمغادرة، فاستوقفها نزيف يده، اندفعت تجاهه برعبٍ وهي تحتضن كفة يده:
_رائد أنت بتنزف.
فقد أعصابه، فحاوط خديها بيده التي لطخت وجهها بالدماء، متعمدًا الضغط على فكها بقوةٍ جعلتها تدفع صدره بعيدًا عنها، ليصيح بها بجنون:
_قولتلك اخرجي من هنا... اطلعـــي!
والقى بها بعنفٍ جعل جسدها يندفع بقسوةٍ تجاه الطاولة المربعة الزجاجية، فاحتك ذراعها بطرفها الحاد فمزقت ذراعها بجرحٍ بالغٍ للغاية، حول فستانها الأبيض لوابل من الدماء، احتضنت رانيا ذراعها وهي تتأوه بوجعٍ جعله يستعيد جزء من وعيه المهدور، هرع اليها وهو يتفقد اصابتها العميقة، وردد بلهفة:
_حبيبتي أنا مقصدتش قولتلك آآ...
بترت كلماته حينما تحرر صوتًا ذكوريًا صارمًا:
_ابعد عنها..
انتصب بوقفته وهو يتأمل ابيه الذي يلتهمه بنظراته الحادة، فأشار له بتبرير:
_أنا مقصدتش أنا آآ...
قطع الطريق بينهما حتى بات يقابله وجهًا لوجه، وبغضب اخبره:
_أنت أيه؟ أقولك أنا الراجل اللي بيمد ايده على مراته ويطلع عليها غضبه يبقى أيه!
كاد بالحديث فعاد ليوقفه من جديد وهو يصيح بحدةٍ:
_مفيش مبرر هيشفعلك عندي.. حسابك المرادي هيكون عسير يا رائد.
وتركه وانحنى تجاهها فعاونها على الوقوف وحثها على الخطى بصحبته، لحق بهما رائد ، فقال وهو يحاول الاقتراب منها:
_طب على الاقل خليني اطمن عليها يا بابا.
دفعه بقوة للخلف وهو يشير له بسخطٍ:
_روح كمل تكسير جناحك كله يمكن الحقد اللي جواك يزول ولا اقولك هات أولادك وطلع غضبك عليهم بالمرة.
اخفض رأسه للاسفل بخزي، وخطف نظرة لعينيها التي تطالعه بانكسارٍ وألم، فهمس لها بحزن:
_والله مقصدت يطولك الأذى يا حبيبتي.
ضحك رعد وهو يخبره باستهزاءٍ:
_المرة الجاية ابقى ارميها من التراس وقولها مقصدتش يا حبيبتي..
واستدار ليقابله فجأة بنظرة صارمة تتبعها تحذيره:
_متحاولش تقربلها تاني غير بأذني... من النهاردة مش هتشوف دوفرها لحد ما أنا أربيك ازاي تعامل بنات الناس.
وجذبها وغادر والأخير يراقب بقع الدماء الماسدة فوق السجادة من أسفل يدها بدمعة خائنة، فلم يحجب ذاته بالبقاء منعزلًا واندفع للاسفل من خلفهما.
*****
رؤيتها مزقت جمعتهم المخيفة، فأسرعت الفتيات اليها بفزعٍ، حتى الشباب ورجال القصر اجتمعوا من حولها، فكانت دينا اول من تساءل:
_في أيه يا رعد.. مالها رانيا؟
أجابها بضيقٍ:
_ابقي اسألي ابنك المتربي!
فهم الجميع مغزى ما حدث، فعصبية رائد معروفة للجميع، القى ياسين نظرة خاطفة على جرجها، فقال بشفقةٍ:
_الجرح كبير يا عمي.. محتاج خياطة.
اشار جاسم لعمر:
_تقدر تخيطه يا عمر.
أومأ برأسه، واتجه إليها، فالقى نظرة متفحصة عليه بحزنٍ، نادى أحدٌ من الخادم وأمره بالصعود لجناحه وجلب حقيبته الخاصة التي مازال يحتفظ بها بخزانته، وطلب من الفتيات بمعاونتها بالتمدد على الاريكة الجانبية، فعاونتها "أسيل" ، ورحمة ومليكة بالنهوض، اتى صغيرها "آسر" من الخارج فصعق من رؤية والدته بتلك الحالة، فبكى وهو يسأل بريبة:
_مامي مالها؟
حمله "حازم" وربت عليه بحنوٍ وهو يخبره:
_مفيش يا حبيبي اتجرحت بس وهي بتعمل الأكل... وانكل عمر هيعالجها فورًا..
وحمله وغادر للحديقة حتى لا يرى ما سيحدث هنا، جذب عمر الحقيبة من الخادم، ثم فرد محتوياتها، وقد اتى أحد الحرس بحقنة المخدر البسيط، فشرع بتجهيزها وبدأ بتصميد جرحها ببراعةٍ، والاخرى تتمسك بذراع رحمة باكية من الألم.
هبط للأسفل ليجدها تبكي بألم وعمر يخيط جرحها العميق، أسرع ليحل محل رحمة، فتمسك بذراعها وهو يردد بندمٍ:
_أنا آسف..
دفعة قوية جعلته يرتد للخلف، فوجد أبيه يقطع طريقه وهو يصرخ به:
_قولتلك مشوفش وشك تحت هنا.. نازل ليه وأنت السبب في اللي هي فيه!
خرجت الامور عن طور سيطرتها، فهرعت دينا لتحيل بينهما، في ذلك الوقت عاد يحيى من الخارج بعدما كان بصحبة ياسين بالخارج طوال اليوم، فكان عليه معرفة اجابات على كثيرًا من الاسئلة، ظن أخيرًا بأنه علم ما اصاب صديقه المقرب ولكنه وضعه باختبار اخر، حينما طلب منه العودة للقصر والتدخل فيما هو حادث الآن بينما عاد هو من المدخل الخارجي متعمد البقاء بغرفته دون تدخله بما يحدث،وكأنه يترقب أحد أخر ليحيل محله هنا حتى يعتاد على مثل تلك الامور.
تدخل يحيى بينهما وهو يردد بصدمة:
_في أيه؟
رفع رعد عينيه اليه وببسمة ساخرة اجابه:
_في ان ابني المتربي من ساعة ما خسر المناقصة وهو راجع النار عامية عيونه وعايز يطلعها في أي حد ومراته كانت اول مرة ناره تطولها.
حانت من يحيى نظرة سريعة لحالة رانيا ومن ثم عاد ليتطلع لرائد الذي يكبت غضبًا عظيمًا متعلق بذاك الامر،وفجأة قسم جلستهم بكاء يارا وهي تصرخ بجنون:
_كفايـا...بدل الخناق اللي انتوا فيه ده شوفي فين بنتي!
كاد الجميع بتناسي أمرها الهام وسط تلك الاحداث، فحاول احمد جاهدًا الاتصال بعدي للمرة التي تخطت المائة مرة، عاد القلق يلعب على أعصاب الجميع فاستهدفها دون رجعة، وحينما حاول معتز ابلاغ ياسين الجارحي بما يحدث هنا منعه يحيى وتصدى له، حينما قال بخشونةٍ:
_مستحيل هتعمل كده يا معتز.. هتقعد وهتستنى ابن عمك لما يرجع ونسمعه.
ردد بعدم تصديق:
_نسمع أيه يا عمي... عدي مبيهموش غير نفسه وبس.. عدي مكنش ينفع يمسك المنصب ده من البدايه هو السبب في الحالة اللي بقى فيها رائد ومراته وهو السبب أن حياة مروج دلوقتي في خطر.. عدي انسان اناني وميهموش حد في العيلة.
أوقفه رائد حينما قال باستهزاءٍ:
_بلاش تغلط فيه يا معتز والا هتتعرض لعقوبات انت في غنى عنها... ده الكبير ومينفعش تقول إنه غلط وبيغلط وهيغلط طول مهو بالمنصب ده..
وصاح بعصبية بالغة:
_كأنك ارتكبت ذنب كبيـر.. مع ان أكتر اتنين يستحقوا المنصب ده هما ياسين وأحمد بس عمي لما اختار مخترش غير ابنه!
صفعة قوية هوت على وجه رائد ولم يكن صاحبها سوى يحيى الذي خالف التوقعات، وبأصبعه أشار له بغضب:
_الكلام ده مالوش مكان بينا... الغضب اللي جواك ده يندفن ميخرجش براك... حبكم لبعض زرعناه فيكم من طفولتكم ومش هتكون أنت سبب الفتنة دي!
جحظت عينيه وهو يتطلع له بصدمةٍ، فجذب عز يحيى وهو يخبره بذهول:
_أيه اللي بتعمله ده يا يحيى؟
رد عليه بانفعالٍ:
_اللي لازم يحصل... أنا مش عمه أنا ابوه ولازم يحترمني ويحترم اللي ربناه عليه.
شجعه رعد حينما اضاف:
_سيبه يا عز يربيه.. مدام أنا تربيتي مكنتش في محلها!
وزع معتز نظراته بينهم بسخطٍ وصاح:
_هتربينا كلنا من أول وجديد يا عمي عشان بنقول الحقيقة؟
سأله بجمود:
_أي حقيقة؟!
اجابه بتحدٍ:
_عدي مينفعش يكون في المقر ولا بالبيت ده بعد النهاردة... قسمًا بالله لو اختي جرالها حاجة ما هيكفيني فيه رقبته!
تعالى صوت بكاء رحمة وهي تستمع لحالة القسوة المسيطرة على الاغلب من زوجها، فحانت منه نظرة جانبية اليها، وردد بسخطٍ:
_أول مرة تعرفي حقيقة زوجك المحترم!
جذبها عمر اليه، وبيده الاخرى دفعه للخلف وقد فاجئ الجميع بانقلاب شخصه الرزين، وكأنه تلبس رداء اخاه بتلك اللحظة، كاد معتز بالاختناق من يد عمر القوية، فهدر به بخشونةٍ:
_انت اتماديت حدودك كلها أنت واللي واقف جانبك.. كلمة زيادة تمس أخويا أو مراته ومتلومش غير نفسك يا معتز.
كان الجميع بحالةٍ من الصدمة، وخاصة حينما تدخل يحيى بينهما وهو يصرخ بعصبية لم يسبق له التحلي بها:
_ارجع انت وهو لورا... أيه مش ملين عنيكم!! مشاكلكم مبقتش تتحل غير في وجود ياسين الجارحي؟ لا أنا ممكن ابقى ابشع منه لو شوفتكم بالوضع ده!
جذب ياسين معتز للخلف، بينما عاق أحمد طريق عمر وهو يهمس له:
_عمر ارجع لوعيك.. انت ازاي تعمل كده؟؟
صاح بعصبيةٍ يراها الجميع لاول مرة:
_واعمل اكتر من كده لاي شخص يحاول يتكلم بالاسلوب ده على اخويا...
تحملت نور على ذاتها رغم ألم ولادتها، فحينما طلب منها الخادم حقيبة عمر ارتعبت لحدوث شيئًا بالأسفل، خاصة مع سماعها لتلك الاصوات، هبطت بصحبة "شروق" ونسرين للاسفل، رغم محاولة كل منهما لايقافها، فخرجت من المصعد لتجد زوجها في تلك الحالة الغامضة، خافت أن يطوله الآذى من اندفعه تجاه معتز بتلك الشراسة، فرددت بتعبٍ:
_عمر!
استدار تجاه المصعد، واسرع ليساندها عن يد الفتيات، وردد باستياءٍ:
_أيه اللي منزلك وانتي بالحالة دي؟
تجاهلت سؤاله ورددت وعينيها الباكية تتجول عليهم:
_أيه اللي بيحصل هنا ده؟
أجابها عز ساخرًا:
_بيحصل اللي عمره ما حصل جوه بيتنا يا نور وكل ده بسبب سوء تفاهم مينفعش يكون موجود بينهم اساسا..
واستطرد بغضب وعينيه تكتظم ابنه معتز:
_الظاهر ان تماديك انت كمان هيكونله حد.
سأله باستهزاءٍ:
_أيه حضرتك هتمد ايدك عليا زي ما عمي عمل مع رائد.
دفعه مازن للخلف وهو يصيح به باندفاع:
_كفايا بقا يا معتز.. فوق لنفسك!
كاد بأن يجيبه ولكنه توقف فور سماعهم جميعًا صوت مروج وهي تردد بفرحة:
_مازن!
اتجهت جميع الأعين اليها وهي تركض تجاههم، احتضنتها يارا ببكاءٍ حتى جلست بها أرضًا، والجميع قد خمدت جزء من نيرانهم فور رؤيتها تقف قبالتهم بافضل حال، ضمها عز اليه وهو يسألها بحنان:
_طمنيني يا حبيبتي انتي كويسة؟
أكدت له ذلك:
_بخير يا بابا..
سألها مازن بدهشة:
_انتي رجعتي على مصر ازاي!
قالت وهي تتطلع للباب الرئيسي:
_عدي باعتلي صاحبه وهو اللي خلصني من المكان اللي كنت مخطوفة فيه.. وجابني لحد هنا.
اتجهت جميع الأعين تجاهه، والأخر يوزع نظراته بينهم بدهشةٍ، ابتداءٍ من رائد لمعتز حتى رانيا المتمددة على الاريكة بتعبٍ شديد، ترك عدي يد ابنه وأشار له:
_اطلع فوق.
انصاع له على الفور، فاقترب منهم عدي وهو يتساءل باسترابةٍ:
_في أيه؟
تحرر معتز عن صمته وهو يجيبه باشمئزازٍ:
_ربحت الصفقة وكسبت قدام ياسين الجارحي... طب ومهمكش أن صاحبك ده ممكن ميقدرش انه ينقذ مروج!
فهم تليمحات صغيرة لما يحدث هنا، فأجابه بثباتٍ:
_مروج كانت برة دبي من قبل المناقصة ما تبدأ يا معتز..
رد عليه بجمود:
_بأمان!! أنت كان يهمك أيه من الصفقة دي اساسًا وهي جاية على حياة عيلتك؟
واسترسل بحدة:
_ولا تحديك الطايش أهم من عيلتك!
صاح به عز بغضب:
_معتز.
خرج عدي عن صمته حينما قال:
_بالعكس انا باللي عملته أثبتله اننا ملناش نقطة ضعف.. كان ممكن انفذله اللي هو عايزه بس ده كان هيخليكم عرضة لاي حد داخل قصادكم مناقصة، وهما عارفين نقاط ضعفكم أيه... انا ادبته واديته درس عمره ما هينساه عشان يكون عبرة لغيره..
تابعه يحيى، ورعد، وعز باعجابٍ، حتى أحمد وياسين والشباب بأكملهم، الا رائد مازالت هناك عاصفة تأبى الخضوع لما يستمع اليه، لانت ملامح وجه معتز لما يستمع اليه، وخاصة حينما قال عدي بنبرة دافئة بعيدة كل البعد عن صرامته المعهودة:
_مروج وأسيل وداليا عندي زي مليكة بالظبط يا معتز... ومستحيل هقبل أعرض حياتها للخطر.
رمش بعينيه بحرجٍ شعر به فجأة رغم مناطحته الشرسة، فارتسمت بسمة صغيرة على طرفي شفتي من يتابعهم من أعلى الدرج ولم يلاحظ وجوده أحدٌ، قطع صمت جلستهم صوت صفقات متتالية، فاتجهت جميع النظرات لمصدرها، فلم يكن سوى رائد الذي اقترب ليبدو قريبًا منه، وتوقف فجأة وهو يشير له بإعجابٍ:
_لا حقيقي عظمة ولازم كلنا نصقفلك صح؟
وفجأة تلبس السخط والحقد معالمه، وردد بعنفٍ:
_دورك البطولي اللي بتحاول ترسمه ممكن يأكل معاهم كلهم بس أنا لأ... أنت انانيتك ملهاش حد يا عدي.. وحقيقي أنا ندمان لصورتك النبيلة اللي رسمتهالك جوايا طول السنين اللي فاتت دي.. أنت متستحقش انك تكون ابن "ياسين الجارحي" ... متستحقش إنك تكون هنا وسطنا لانك مبتفكرش غير في نفسك وغرورك وكبريائك الغبي!
عاد وجهه ليستقبل صفعة أخرى أشد قسوة من صفعة يحيى، فجابهه تلك المرة أبيه الذي حال بينهما وهو يشير له بصوت محتقن:
_اعتذر لابن عمك وفورًا.
قاطعه عدي حينما قال:
_مفيش داعي يا عمي أنا مقدر الحالة اللي هو فيها.
أشار له يحيى بالصمت وأيد عز بقراره ر فكاد رائد بتمزيق شفتيه السفلية من فرط ضغطه عليها، فتراجع للخلف وهو يشير له بالنفي، فعاد رعد ليقترب منه وهو يشدد على حديثه:
_لو تربيتي ليك كانت صالحة ٢٠ في المية هتعتذر يا رائد!
كلماته طعنت قلبه، فخنع اليه وهو يجابه كبريائه، فاقترب من ابيه مجددًا وهو يستعطفه بنظراته الا يفعل به ذلك، فوجده يتطلع له باصرار وغضب، لذا اتجه ليقف قبالة عدي مجددًا ليغلبه غيظًا وصمتًا جاهد لقطعه، فاطبق بقوةٍ على يده التي زاد نزيفها وهو يردد بجمودٍ:
_آآ... آسف.
وفور نطقه بتلك الكلمات الثقيلة هرول للخارج مسرعًا قاصدًا لسيارته والجميع يراقب ما يحدث بتأثرٍ وخوف، ظهر "ياسين الجارحي" من أمامهم، فتابعوا نظراته الغامضة بذهولٍ، وخاصة منبعها المتصل بعين عدي، الذي هز رأسه في طاعة، وغادر لينفذ أمر أبيه بعدم تخليه عن رائد في تلك الحالة، فصعد لسيارته ولحق به على الفور.
*******
قاد سيارته بسرعة فائقة، وسمح لذاته بأن يحرر دمعاته المحتبسة عنه، شعوره بالظلم وبالاهانة التي تعرض لها على يد عمه وأبيه انغرست داخل قلبه، لا يعلم لما تمادى هكذا ولكنه يثق بأن عصبيته هي أبشع ما يمتلك، خرج من بوابة القصر تحت أعين من ينتظرون تلك الفرصة المناسبة التي يظنها ذاك الشيطان المتربص لهم للنيل من الكيان الذي يتباهى به شرطي بحجم عدي الجارحي، علم من جاسوسه الأرعن بالخلاف الناشب بالقصر، فأراد أن يطرق على الحديد الساخن، لذا رفع هاتفه وهو يردد لمن ينقل له صورة حية من أمام قصر الجارحي:
_نفذ!
******
خرج عدي بسيارته مسرعًا خلف رائد، وبالرغم من تفاوت السرعة والمسافة بينهما الا أن عدي بمهارة قيادته استطاع الاقتراب من سيارة رائد، وحرص على القيادة محاذاته وهو يشير له بالتوقف عن القيادةٍ، وحينما رفض الانصياع به صاح بصوتٍ صاخب:
_رائد اسمعني... وقف عربيتك وخلينا نتكلم شوية... صدقني أنا مقصدتش أقلل منك بالعكس.
لم يجيبه وتابع القيادة في محاولة للبعد بسيارته عنه، فعاد عدي ليلحق به وهو يناديه ويخبره:
_أنا عارف اني مستحقش المنصب ده.. وأوعدك انك مش هتشوفني تاني بالمقر... بس ارجوك اقف خلينا نتكلم شوية.
حديثه جعل الاخير يردد بعصبية:
_سبني في حالي يا عدي عايز ابقى لوحدي!
تفادى عدي احد الدراجات النارية التي اجتازت من منتصفهما، وعاد ليكون جواره وهو يصيح عاليًا:
_مش هسيبك..أقف واسمعني!
******
حمل سائق الحاوية(تِريلا) هاتفه وهو يخاطب "مهاب أبو العزم" ، يخبره على مضضٍ:
_في عربية محاوطة لعربيته يا باشا... وعلى ما أظن إن اللي فيها عدي الجارحي..
البسمة الخبيثة تجوب وجه هذا الماكر، اتاته الفرصة على طبق من ذهب، إن كان يود التخلص من رائد لزرع الفتنة والدمار بين روابط العائلة بعد اطاحتهم بذنب وقوفهم مع عدي ضده، والآن فرصته بزيادة النيران بالحطب، فإن وقع اللوم على عدي بتلك اللحظة سيضمن نجاح خطته الدانيئة، لذا شدد بحرصٍ على من يسمعه:
_اخلص من رائد.. وأوعى تمس عدي سااااامع لو عدي حصله حاجة أنا اللي هقتلك بنفسي!
*******
ارتدت سيارة رائد للأمام فجأة، مما جعلهما يراقبون ما يحدث خلفهما، تفاجئ رائد بوجود الحاوية الضخمة من خلفه، ففسح لها طريق آمن، ولكنها كانت تلحق به بأي اتجاه يقصده، وحينما عادت تحتك به من جديدٍ تأكد حدثه بحرصها على التخلص منه، حتى عدى تفاجأ بالأمر، وفجأة صعق السيارة والتريلا تجرها من خلفها، ففشل رائد بالتحكم بالمقود، وراقب لحظاته الاخيرة بصدمةٍ، وفجأة وقبل أن ترتد سيارته وجد من يدفع ليتفادى عن صدام تلك الحاوية العملاقة، لتصبح سيارة عدي في مجابهة ذاك اللعين، وبالطبع فشلت بالتصدي لها، وانقلبت عن مسارها الطبيعي لأكثرىمن ثلاث مرات، حتى هاوت من فوق الجسر، فلاذ صاحب الحاوية الضخمة بالفرار، وبقى "رائد" بمقعده يتابع ما يحدث بصدمةٍ وعدم استيعاب، الى أن نزع عنه حزام الأمان وهرول زاحفًا تجاه الجسر وهو يتأمل السيارة التي ضربتها النيران بصدمة، فصرخ بجنون:
_عـــــــــــــــــــدي!!
انفطر بالبكاء كالطفل الصغير حتى كاد بأن يلقي ذاته من خلفه، فأوقفه سماعه لصوت تأويهاتٍ خافتة تأتي من جواره، فانحنى برأسه ليتفاجئ به يتعلق بأحد فروع الأشجار بعدما القى بذاته خارج السيارة قبل أن تنجرف عن الجسر، ساعده رائد بحرصٍ حتى خرج للاعلى، فسقط فاقدًا للوعي بين يده وجسده تغطيه بركة من الدماء، حركه رائد بين يده وهو يناديه ببكاءٍ حارق:
_عدي... رد عليا ارجوك.. عدي!!!
تلوثت يده بدماء ابن عمه واخيه الاكبر، فرفعها اليه وهو يتفحص دمائه برجفة مزقت قلبه قبل ان تصل لاطرافه، فرفعه اليه وهو يحتضنه ويردد بجنون:
_لأ... مش هيحصلك حاجه لأ..
وفجأة حمل هاتفه واخذ يعبث بالارقام، يحاول انقاذه وهو يجهل ما يفعله كأنه فقد ادراكه الحثي، لطف الله به وانطلق هاتفه برنين رقم ياسين، فتح على الفور ليجد الاخر يخبره:
_رائد انا مقدر حالتك بس ارجوك ارجع ونتفاهم بالعقل... كلنا بنحبك وبنحترمك..
بناء على طلب ياسين الجارحي، جعله ياسين يطلبه لعله قد يجيبه، وفور فتحه المكالمة فتح ياسين السماعة على مسمع الجميع، خرج صوت رائد الباكي يخبره:
_ياسين... عدي بيموت بين ايديا ارجوك اطلب الاسعاف بسرعة..
هوى قلوبهم الجميع مع سماع تلك الكلمات المقتصرة، واولهما ياسين الجارحي الذي نهض عن مقعده والجنون يحيل باعصابه حد القتنة، وأخر ما استعبه بتلك اللحظة صراخ رحمة وهي تردد بصدمة:
_عـــــــــــــــــــدي!!!
........ يتبع....
الفصل ٧٥٠٠كلمة دلع أخر حاجة... وأخيرًا انا عارفة ان عدد قليل اللي هيهتم يقرأ الكلام ده، أنا بتمنى انكم تشاركوني وجودكم الكريم معايا في حواري مع الصحفي الاستاذ محمود جوه اللينك ده، اللي حابب يسألني سؤال يكتبه جوه اللينك في التعليقات، ولو مفيش اسئلة يكفي وجودكم بلايك وكومنت صغير يحمسني، بتمنى مكنش لوحدي في المقابلة دي وانكم تكونوا معايا، هنتظركم جوه اللينك، وهرد على كل اسئلتكم بإذن الله.. واخيرًا يارب تكونوا قضيتوا وقت ممتع مع اهم الفصول للجزء ❤
اللينك👇🏻
*******__________*******
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل الثامن عشر 18 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويـــض_الشـرس! (#أحفاد_الجـارحـي5.)
#الفصل_الرابع_عشر!
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة"ولاء...لولا"، والقارئة "يارا محمد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكما المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم حبيباتي...قراءة ممتعة 💙)
ما قاله لم يكن هينًا لمسمع أحدٌ، الجميع يجابه تلك الكلمات المفجعة، والأغلب يزعم عدم سماعهم الجيد لما قال، ومع ذلك حطم شكوكهم حينما عاد ليكرر بصوته الباكي:
_اتصل بالاسعاف يا ياسين.. عدي قاطع النفس!
لم يخونه قلبه من بداية شعوره بتلك النغزة القاتلة، لم يكن يتعلق به الأمر إذن بل كان لتؤامه الشقيق، هو من يجابه الموت بين تلك الزقاق، وذاك اللعين من ينغز بالآلآم الطاعنة لقلبه، لا يعلم من أين أتى بذاك الثبات وبداخله يبكي بانهيارٍ، فأسرع تجاه الهاتف الذي يحمله "ياسين" بصدمةٍ، ثم جذبه إليه وهو يصيح بحزمٍ:
_رائد اسمعني... أي عربية اسعاف عشان تجيلك هتحتاج وقت.. خده بعربيتك على أقرب مستشفى بدل ما حالته تسوء أكتر من كده... سامعني!!
أتاه صوته المتقطع يخبره:
_عربيتي عطلانه يا عمر... التريلا كانت بتحاوط على عربيتي أنا وعدي هو اللي رمى نفسه قدامها..
صرخات آية و مليكة انطلقت لتحطم قلوب من حولها، بالرغم من تجمع الفتيات من حولهن الا أنهم لم ينجحوا بتهدئتهم ولو قليلًا، الرجال يغلبهم الصمت والنساء العويل والبكاء، والهاتف فقط من يحدد ذاك المصير المقبض لفلذة كبده، شعر "ياسين" بالاختناقٍ، فحرر جرفاته عن رقبته وهو يتابع المكالمة، يحاول السيطرة على طوفان قلبه المهلك، يرغب بالحديث بالتعبير عما يشعر به، يتمنى بداخله أن يغلق جفنيه وحينما يفتحه يعاد المشهد من أمامه، حينها كان سيتمسك بذراعه ويمنعه من الخروج من القصر، كان سيضمه ويخبره بما احتبسه بداخله طوال تلك الأيام، كان ليخبره بأنه لم يتعمد تحديه بل كان يحميه من الخطر بينما يلاحقه هو خارج قلاعه الآمنة!!
مزق صوت رائد صمتهم التعيس حينما ردد لذاته بتيهةٍ:
_أكيد لو طلعت على الطريق الرئيسي ألقى عربية تساعدني..
وعلى الفور اسند جسد عدي الفاقد للوعي أرضًا بحرصٍ، ومن ثم هرع راكضًا والدماء تغزو جبينه جراء اصطدامه بتابلو السيارة حينما كانت تحاول الحاوية استهدافه هو، وصل "رائد" للرصيف، فاستهدفت عينيه سيارة (ميكروباص) قادمة من على بعدٍ، لوح لها عدة مرات حتى توقفت، ففتح الراكب نافذة السيارة المجاورة له بالمنطقة الأمامية جوار السائق الذي ألقى نظرة متفحصة عليه وهو يتساءل بقلقٍ:
_خير يا ابني..
ردد رائد بعشوائية جعلت حديثه مرتبك:
_أرجوك ساعدني... أخويا بينزف وهيموت لو منقلتوش أي مستشفى!
منحه السائق ذو الخمسة وأربعون عامًا نظرة متفحصة، ثم عاد ليتطلع لابنه الجالس لجواره، فوجده يشير له بتحذيرٍ، عله فخًا منصوب إليهما لسرقة الاتوبيس المصدر الوحيد لدخلهما، جذب "رائد" محفظته ثم أخرج مبلغ طائل من المال، فقدمه اليهما قائلًا بتوسلٍ:
_خد المبلغ اللي تحبه ولو حكمت هكتبلك شيك بس أرجوك ساعدني انقله لاقرب مستشفى.
نظرته بمن يقف أمامه لن تخيب، حتى وإن دلت ملابسه على ثرائه الفاحش الا أنه رأه شابًا يليق به الأخلاق ولن ينحدر أبدًا لذلك المستوى، لذا أشار له وهو يوجه حديثه لابنه الشاب:
_عين فلوسك يا ابني.. انزل معاه يا مسعد وساعده يشيل أخوه لحد ما أدور العربية.
لم يحبذ فكرة أبيه، وخاصة بما قد يصيبهما من أذى وتحقيقات الشرطة حول الحادث،وهما أناسًا بسيطة لا تقوى على محاربة كل ذاك، فقال:
_بس يابا آآ..
انهى نقاشه قبل أن يستمع للمزيد:
_في انسان بين الحيا والموت.. وأبوك راجل مبيقمش من على سجادة الصلاة.. لو كملنا طريقنا مش هسامح نفسي!
هز الشاب رأسه في انصياعٍ، وخرج على الفور من الاتوبيس ليلحق برائد الذي هرول من منحدر جانبي والاخير يلحق به ببعض القلق من أن تكون شكوكه صحيحة بأن يستدرجه بعيدًا عن أبيه حتى تباغته مجموعة وتسرق الاتوبيس وما يقلقه حقًا إيذاء والده التي قد تصيبه في مقتل، بدأت معالمه بالاسترخاء قليلًا حينما وجد شخصًا ملقى أرضًا بإهمالٍ، فأسرع بخطواته حتى ركض من خلفه حينما تأكد له صدق حديثه، انحنى الشاب "مسعد" تجاهه، ثم أشار لرائد الذي يحاول حمله:
_خد بالك يا باشا ليكون عنده كسور في رقبته..
بارتباكٍ تساءل:
_طب اشيله ازاي؟
اشفق الشاب على حالته، وخاصة برجفةٍ يده التي نقلت له حبه الشديد لاخيه، فأشار له على ذراعيه وحمله:
_كده.. ارفعه معايا بسرعة.
ساعده رائد وأسرعوا معًا للطريق الرئيسي، فأسرع العجوز بفتح الباب ثم عاونهما على وضعه بالاريكة الامامية، حيث جلس رائد على مقعدها وحمل جسد عدي تجاهه، فتحرك بهم السائق بسرعة البرق للمشفى القريبة منه، والعائلة بأكملها تنتظر على الهاتف، فاستعلموا عن المشفى التي يقصدها السائق الذي بدوره ردد بصوتٍ عالي للسماعة المفتوحة بينهم، فعلى الفور تحركوا جميعًا لسيارتهم وأوقف يحيى أحمد وياسين، فأشار لهم بصوته الواهن:
_احمد هات من الخزنة مبلغ كويس..
اشار له وهو يسرع لغرفة المكتب الرئيسية:
_حاضر يا عمي.. حالًا.
واسترسل حديثه وهو يشير لابنه:
_ياسين بسرعة جهز باسبور وأوراق عدي عشان لو حكمت ننقله بره مصر بأسرع وقت.. وحصلنا انت وابن عمك.
اسرع للأعلى ليبحث عما اراده والده بينما أسرع يحيى خلفهم بسيارته.
*****
صرير مزعج تصدره عجلات السرير المتحرك للمشفى، صريرها يبث القشعريرة بالنفوس، غامت روحه في ظلامٍ دامس، حياته شبيهة بالمعركة التي لا تنتهي أوتارها، وكلما انتهى من شقٍ فتح خندقًا أخر يعيق قدميه، سئم من المحاربة وانقطعت انفاسه في سباقٍ تعمد بأن يكون أحد متنافسيه، يشعر الآن وبتلك اللحظة بأنه بحاجة للراحة والاسترخاء بعيدًا عن تلك الضغوطات، ولكن ما يضيق صدره بتلك اللحظة بأن مع عتبة رحيله هناك ما يتشبث بيده بقوةٍ ويأبى تلك السلام لروحه، معشوقة قلبه ومن يشعر بكل هفوة قد تمسها تمزق نياط قلبه أولًا قبل أن تمسها، ردد لسانه الثقيل بحروفٍ لم تكن مسموعة سوى لقلبه المستجير للنجاة لاجلها هي:
_ر... ح... م... ة.. رحمة!!
يشكو ما يصيبه اليها، يحاول المقاتلة ولكن فقد شغفه بكل شيءٍ حتى الحياة، ضوء قوي ضرب عينيه فجعله يرمش بجفنيه المغلق بانزعاجٍ، تليه أبرة غليظة تبث بأوردته وبعدها فقد احساسه بأي شيءٍ يجري حوله، وكلما كان يشتد به ألمه لسماعه صراخاها كان يحرك جفنيه بحركةٍ خافتة، يستمع هسيس الاطباء وهم يحاولون انقاذه، وأخر ما استمع اليه سؤال متحير لاحداهم:
_معقول ده يكون ابن رجل الاعمال المعروف ياسين الجارحي!!!
*******
مازالت الممرضة تلح عليه بالدخول لاحد الغرف حتى ترى جرح رأسه وما أصابه من بعض الكدمات المتفرقة، وهو يحاول بكافة السبل ردعها عنه وتركه بمفرده، عينيه مازالت معلقة على باب غرفة العمليات ونظرة يخطفها بين الحين والآخر ليديه المغرقة بالدماء، ومن جواره كان يجلس العجوز وابنه بعدما رفضوا الذهاب لاي مكان الا بعد الاطمئنان على ذاك الشاب، ولم تمر سوى خمسة وعشرون دقيقة الا وصفوف سيارات الجارحي كانت تسد المشفى الحكومي البسيط، وكأن وزير الصحة بزيارة سريعة للمشفى الذي انقلب رأسًا على عقب فور تسرب خبر نسب المصاب بالحادث للجميع، توافدوا تجاه الطابق الثاني، فوجدوا رائد يجلس منكس الرأس في حالة يغمرها الحزن ألف عامًا، أسرع عمر تجاهه وهو يتساءل بفزعٍ:
_الدكاترة قالوا أيه!
بانكسارٍ تطلع له وهو يجيبه:
_لسه محدش خرج.
تعالت شهقات "آية" الباكية، فاقتربت لتمسك جاكيت زوجها وبخفوتٍ شديد قالت:
_ابني يا ياسين... ابني!
لم يمتلك تلك القوة التي اعتاد التحلي بها دومًا، فتطلع تجاه ابنه وردد:
_عمر.
ضمها عمر إليه، حتى تراجعوا معًا للخلف وصدى صوتها يتردد للجميع ولأول مرة:
_ابني لو جراله حاجة مش هسماحكم العمر كله... أنا ساكتة ومستحملة كل اللي بيحصل، كلكم جاين على عدي حتى أبوه جاي عليه ليه كل ده ليه حرام هو عملكم أيه؟
تفاجئ عمر من حالة الانهيار الغريبة المسيطرة على والدته، وخاصة حينما تابعت:
_وانت يا رائد انت مش ابن عمه بس ابن خالته كمان ازاي تسيء ليه بالشكل ده ازاي؟
انكس رأسه بحزنٍ جعل دموعه تناسب دون توقف، همت اليها مليكة بدموعٍ قاتلة، اشارت لها برأفة:
_كفايا يا ماما عدي هيبقى كويس والله عشان خاطري اهدي اعصابك!
على يمينها عمر وليسارها مليكة، أولادها يقدمون الدعم بينما قلبها يختلج الف آه لعدم وجود ثالثهما، بعدتهم عنها وتمردت لتقف أمام "ياسين الجارحي"، وفاضت بما يضيق بصدرها:
_عمري ما عارضتك وكنت بحاول أحنن قلبك على ابنك اللي معرفش ليه مليان بالقسوة عليه.. بس النهاردة عمري ما هكون في صفك تاني يا ياسين أبدًا.
رفع عسلية عينيه القاتمة تجاهها، فانفرجت شفتيها بصدمةٍ حينما وجدت عينيه غائرة بالدموع، تصلبت وانصاع جسدها لدينا التي تجذبها لاحد المقاعد بينما عينيها لم تترك وجه زوجها، اعتادته قويًا، صلبًا، صارمًا، ليتها وجدته كذلك بتلك اللحظة ربما كانت نيرانها ستزداد فلن تهدأ ثورتها أبدًا، ودت لو كانت هي له السند بتلك اللحظة فضمته لصدرها لتمنحه الدعم بينما نياط قلبها يتمزق دون رحمة...
*****
على درب من الشوك كانت تنزف قدميها، ومع ذلك تحاول الصعود مجددًا، وكلما زاد بها الجرح عافرت للوصول أكثر، قلبها بأس يشتد حدته كلما فارق محبوبها يدها، فتركض لتتشبث بيده من جديدٍ، وبكائها يتوسل له بألا يتركها، اضطراب نبضات قلبه بالداخل والاطباء يحاولون انعاشه كان قلبها يخفق ببطءٍ بالخارج، بينما الجميع يترقبون سماع أي خبر من الأطباء كانت هي على اتصال روحي به، تعلم حالته الآن ركيف يصارع الموت ويتعركل ثم يحاول النهوض مجددًا، سكون جسد" رحمة" زرع القلق بنفس نور التي رفضت تركها، فظنت أن ما يحدث لها من توابع صدمتها، لذا ضمتها لصدرها فكانت بعيدة عن أعينها فلم ترى ما يصيبها!
*******
كان يحيى لجوار ياسين يشدد على كتفيه من الحين للأخر، والجميع يترقب لحظة خروج أي طيب يطمن قلوبهم، وفجأة انفتح باب العمليات وطالت من خلفه احدى الممرضات فهرولت سريعًا للخارج، وما لبثت سوى دقائق حتى هرولت الاخرى فاوقفها أحمد وهو يتساءل بقلقٍ:
_في أيه؟؟!
قالت على وجه سرعتها:
_محتاجين نقل دم فورًا... بنخسر المريض!
أوقفها عمر وهو يصيح بها:
_أنا نفس الفصيلة.. اسحبي مني.
أشارت له وهي تهم بالدخول:
_بسرعة من فضلك... انت بتعاني من أي مرض مزمن.
أشار لها بالنفي، فالتقطت انفاسها براحةٍ:
_طب الحمد لله.. اتفضل معايا.
كاد بالدخول خلفها، فأوقفه ياسين حينما اشار له بالتراجع:
_أنا اللي هتبرع لابني.
رمش بعينيه بدهشةٍ، ومع ذلك حاول أن يختار كلماته:
_يا بابا أنا موجود.. وحضرتك كبرت والسحب ده هيتعبك.
حدجها بنظرة صارمة، وقولًا ساخر:
_وأيه كمان كمل... محتاج لعكازات!
وضع عمر رأسه أرضًا وهو يعتذر عما بدر منه:
_العفو.. أنا مقصدتش طبعًا.
عينيه ارسلت اشارتها فتراجع عمر للخلف وتابع ياسين دخوله مع احدى الممرضات، وبينما كادت الاخيرة بتتابعها اوقفها عمر ليستميلها:
_أرجوكِ تسحبي مني والدي مش هيقدر على الكمية دي، أنا دكتور وفاهم.
باتت بحيرةٍ من أمرها، فقال:
_اسحبي منه حاجة بسيطة وكملي مني بدون ما يعرف.
هزت رأسها بموافقةٍ وأشارت له على غرفة جانبيه:
_اتفضل يا دكتور.
لحق بها عمر، وجاسم من خلفهما، فما ان ولج للغرفة حتى قال للممرضة:
_أنا كمان نفس فصيلة عدي.
منحته ابتسامة عملية وهي تخبره:
_لو احتاجنا كمان هنسحب من حضرتك.
******
سحبت الممرضة كمية قليلة من "ياسين" بناء على طلب عمر، وأكدت له بعدم حاجتهم للمزيد، فأصر على رؤية ابنه قبل خروجه من قسم الجراحة، وأمام رغبته انخضعت له وسمحت له بالدخول بعدما تم تعقيمه جيدًا وارتدى كمامة طبية ورداء خاص بغرفة الجراحة، كانوا قد انتهوا من جراحته وتبقى نقل الدم لانعاشه قليلًا، رؤية الدماء تحيط بالغرفة وبسريره الخاضع له صنعت فجوة عارمة ابتلعت بها انفاسه، تركزت عينيه على وجهه الخاضع لمسك التنفس، مرر "ياسين" يده على رأس "عدي" بحنان، فتخللت أصابعه خصلات شعره البني الطويل، استجابت دمعاته لتأثير ما يراه فانهمرت ببطءٍ على خديه، وبصوته المتقطع ناداه:
_عدي!
حرك جفنيه الثقيل، وهو يحاول جاهدًا بفتحهما، بدت الرؤيا مشوشة قليلة ومن ثم اتضحت ملامح من يقف قبالته، وإن أخفت الكمامة نصف ملامحه عينيه كفيلة بجعله يلامس معالمه، رددت بلسانه الثقيل وحروف تندفع ببطءٍ:
_بابا!
خلع عنه ياسين الكمامة وأزاح دموعه عنه، ومن ثم مرر يده على جبينه وهو يهمس له:
_قاوم عشاني... لو حصلك حاجة عمري ما هسامح نفسي.. حاولت احميك طول الفترة اللي فاتت والمرة الوحيدة اللي طلبت منك تخرج ورا أخوك مأمنتش حمايتك الكافية... أنا أسف!
صوته مشوش لدرجة لم تجعله يستمع اليه، بدى إليه وكأنه يردد شيئًا فحاول استيعابه ولكن تعبه سحبه لنومٍ عميق، صوت الاجهزة من حوله كانت تنعش قلب ياسين قبل أن تنعش قلب ابنه، انتصب بوقفته بكل عظمة فور دخول الاطباء للغرفة لتفقد أمره، فاستدار اليهم وهو يتساءل بجمود:
_حالته أيه... وبدون ما تزيف الحقيقة!
أجابه الطبيب على الفور:
_اطمن يا باشا.. الحمد لله وضعه دلوقتي مستقر النزيف وقف.. وزي ما حضرتك شايف مفيش غير كدمات متفرقة في دراعه وكتفه اللمين.. واحنا بننقله الدم وكلها دقايق وهيفوق بإذن الله.
عاد ليتطلع اليه وهو يشير له بنبرة تحتضن الرجاء والحسم بآنٍ واحد:
_انقله الدم في اوضة تانية غير هنا من فضلك.
وأشار للدماء المتفرقة بكل مكان بالغرفة بألمٍ، تفهم الطبيب حالته وعلى الفور أعده للخروج، فعاونه ياسين بدفع سريره المتحرك خارج الغرفة، وفور رؤيته تجمهر الشباب من حوله ليعاونهم على دفع السرير لاحد الغرف، حمله ياسين وحازم بمعاونة معتز وجاسم، فوضعه على السرير، وخاضت الممرضات معركة اخرى بوضع المحاليل والاجهزة الطبية من حوله، وقف الجميع حوله بالغرفة الا رحمة بقت بالخارج محلها والصمت والسكون جعلها مقبضة، ومع ذلك لم يشعر بحالتها احدٌ، هرع عمر تجاه غرفة اخيه بعدما انتهى من سحب الدماء، فولج وقميصه مرفوع عن ساعده، فمنحه ياسين نظرة مطولة فتهرب من لقاء عتابه حينما اندفع تجاه الفراش يقبل جبهة اخيه بدموع اغرقت وجه عدي الذي شعر برائحة أخيه ووجوده لجواره، فناده عمر بصوتٍ باكي:
_عدي.
جاهد لفتح عينيه مجددًا، فارتسمت على وجه عمر ابتسامة واسعة وهو يشير له:
_سامعني!
هز رأسه ببطءٍ شديد ثم انغلق جفنيه مجددًا، وفجأة اعاد فتحهما وهو يردد بلسان ثقيل وصوت مسموع للجميع:
_رائد؟
علموا ما يقصده بسؤاله هذا، فاكد له عمر:
_متقلقش رائد كويس.
حينها غلق جفنه انصياعًا لنومٍ يغلبه، فطرح حازم الغطاء على جسده العلوي العاري، بينما اتجهت الأعين لرائد الذي تراجع للخلف بدوار هاجمه، اسنده أحمد وهو يسأله بشكٍ:
_فيك أيه!
انسدلت الدماء من جانب وجهه، فازحها سريعًا وهو يجيبه:
_أنا كويس.
اسرع إليه عز وأدهم، فرفع خصلات شعره الطويل للخلف ليتفاجئ من الجرح الغائر أعلى جبهته، فصاح ادهم بفزع:
_جاسم اطلب حد من الدكاترة فورًا.
كانت الممرضة بطريقها للداخل، فاتجهت اليه وقالت بعصبية:
_بقابي ساعة بتحيل على حضرتك تدخل للدكتور يشوف جرحك.. وأنت مش سامح لحد يقربلك ومتعصب علينا كلنا.
رد عليها رعد بنفور عجيب:
_ده طبعه ومستحيل هيغيره.. يمكن لما يخسرنا كلنا واحد ورا التاني يفكر!
صوته الصارم خرج ليوقف تلك المهازل:
_رعـد!
على الفور ابتلع جملته لنفسه، فاسترسل ياسين حديثه بغضبٍ:
_قوم ارفع ايدك عليه تاني.. ما خلاص بقيتوا بتحلوا مشاكلكم بالضرب!
وقصد بحديثه يحيى، وعاد ليستطرد بنبرة ساخطة:
_مرة واحدة قررت فيها متدخلش في مشاكلكم وأنا واثق انك انت ويحيى موجودين وهتحلوا مكاني عملتوا ايه؟؟
اقترب منه رعد وهو يبرر له:
_يعني كنت عايزني اعمل ايه.. اقف معاه ضد عدي وعدي مغلطتش في حاجة.
_تفهمه بهدوء مش تحسسه انك واقف مع ابن عمه ضده!!! الابن مهما كان بيستنى رد فعل رحيم من أبوه.. انت شوفت ان الكل واقف ضده ومغلطه متبقاش أنت كمان ضده فهمه بالعقل!
كلمات فاض بها بنفاذ صبر، ومع ذلك استرسل بهدوءٍ عجيب:
_عمومًا ده لا مكانه ولا وقته.. خد ابنك ووديه للدكتور.
هز رأسه بانصياعٍ واتجه للاريكة الجالس عليها فأشار له بالنهوض، أبى رائد التحرك للخارج واتجه ناحية النافذة التي يقف ياسين جوارها، وبحزنٍ وارتباك شديد قال:
_أنا آسف يا عمي..
واخفض عينيه أرضًا سريعًا حينما استدار تجاهه ياسين:
_مكنش قصدي كل ده يحصل والله... عدي انقذني من الموت وعمل المستحيل عشان اقف واسمعه بس أنا آآ..
ضمه ياسين اليه بحركةٍ مفاجئة للجميع، فبكت دينا تأثرًا به بعدما ظنته سيعاقبه أشد العقاب لما حدث لابنه الذي لو ود لحرق العالم بأكمله لاجله، ربت على كتفه ومن ثم اخرجه ليقابل عينيه ليملي امره اليه:
_مفيش حد حاول يقلل منك أبدًا ولا هتحصل جوه قصري... المقر ده انت وياسين شلتوه سنين طويلة، مكنش فيه حد من اولادي معاكم واحمد نفسه كان بايطاليا ومش موجود.. أنت محتاج تدي لنفسك القيمة اللي تستحقها.. ودلوقتي متفكرش في حاجة واخرج مع ابوك للدكتور عشان يعقملك جرحك.
هز رأسه بابتسامةٍ شاحبة، وقبل ان يستدير للخروج منح عدي نظرة أخيرة وعلى الفور اتجه للخروج..
جلست آية على المقعد المجاور لعدي، وأمسكت يده بين يدها، طبعت قبلة عميقة على يده ومن ثم رفعت عينيها لمن يراقبها بهدوءٍ، أما عمر فحرص على مراقبة الاجهزة باهتمامٍ واخذ يتفحص مواعيد الدواء وغيره.
طرقات خافته على باب الغرفة، جعلت معتز يفتح بابها فتفاجئ برجلٍ بسيط يقف على بابه ولجواره شابًا بسيط، ولمتابعتهم المكالمة مع رائد خمن بأنه الرجل الذي نقل عدي للمشفى، فسمح له بالدخول بعد أن رحب به باحترامٍ، اقترب الرجل من سرير عدي ليلقي عليه نظرة متفحصة ثم قال:
_حمدلله على سلامته.. ربنا يباركلكم فيه يارب.. انا محبتش أمشي أنا وابني غير لما اطمن عليه.. ربنا يتم شفاه على خير يا رب.
ردت آية عليه بمحبة:
_يا ررب.. تسلم يا حاج.
بينما اقترب منه ياسين، فصافحه وهو يخبره بامتنانٍ:
_اللي عملته ده عمري ما هنسهولك أبدًا.. أنت انقذت ابني واللي عملته لينا صعب يتوصف.
ربت العجوز على يد ياسين الجارحي وهو يخبره ببسمته البشوشة:
_معملناش غير الواجب والاصول يا بيه.. والوقتي نستأذن.
اوقفه حينما أشار لاحمد الذي فهم مقصد عمه فجذب الحقيبة التي تحوي مبلغًا طائل من المال وقدمه له، فحمله ياسين ورفع للعجوز قائلًا:
_ده مش مكافأة للجميل اللي عملته لان كنوز العالم كله ميوفيش حقك، دي هدية بسيطة تقدر تأمن بيها مستقبل ابنك.
جحظت عين الشاب لرؤيته مبلغًا هكذا، أغلق الرجل الحقيبة ودفعها تجاه أحمد وهو يلومه:
_احنا مبنخدش تمن لكرامنا يا باشا.. اي حد كان مكاني كان عمل كده.
عارضه ياسين:
_لا.. مش كلنا زي بعض.. ثم اني قولتلك اعتبره هدية مني لتأمين مستقبل ابنك.. انت قدمت مساعدتك لابني وأنا بعمل نفس الشيء!
تبتسم الرجل وحمل منه المال بأعين دامعة، ثم قال بنبرة انعشت قلب ياسين:
_أنا راجل بسيط أه بس عندي نظرة في اللي قدامي... وأنت يا بيه شخص عنده حب كبير لربنا.. أنا فاهم انك بتحاول تساعد حد وبتتمنى من ربنا انه يفاديلك ابنك.. شكلك بالبدالة وباللي حواليك يخلي اللي يقرب منك يترعب ويفكر ينفد بجلده ويجري بس طيبة قلبك ورزانة لسانك اللي بيفهم هيفهم انك مختلف من جواك.. وأنا مقدرش اقف بينك وبين صدقة حابب تعملها لابنك.. وهدعيلك ان ربنا ميحرمكش منه وانه يقوملك بالف سلامة.
منحه ابتسامة صافية، فبالرغم من بساطة حديثه الا انه زرع البسمة على وجوه الفتيات والشباب، فأستأذن بالانصراف ولم يعترض ياسين لذلك، بعد خروجه اقتربت مليكة من الفراش لتلقي نظرة متفحصة على اخيها، فاشار لها ياسين بالاقتراب، ومن ثم ربت على كتفيها وهو يخبرها:
_خدي البنات وارجعي القصر يا حبيبتي.. اخوكي بقى كويس.
أشارت له ببكاء:
_مش قبل ما اطمن عليه يا بابا.
ضمها اليه وهو يهمس لها:
_اللي في بطنك له عليكي حق.. روحي ارتاحي وانا الصبح هبعتلك السواق يجيبك المستشفى اللي هنقل عدي ليها.
هزت رأسها باستسلامٍ، ودنت مجددًا من فراشه فانحنت لتطبع قبلة على جبينه وهي تهمس لاخيها:
_انا همشي وهجيلك بكره يا عدي.. ربنا يشفيك يا حبيبي.
واتجهت الفتيات لنور ورحمة لاستعدادهم للمغادرة، حاولت نور تحريك رحمة وهي تحسها على النهوض:
_رحمة حبيبتي عدي بقى كويس ونقلوه اوضة تانية.. تعالي نروح مع مليكة والبنات نغير ونرجع..
لم تنصاع اليها، فهزتها مجددًا عن احضانها بدموعٍ:
_عشان خاطري يا رحمة متعمليش في نفسك كده... احمدي ربنا انه اتعدى مرحلة الخطر.
انحنت تجاهها مليكة وهي تشير لها:
_والله بقى كويس.. تعالي حتى بصي عليه قبل ما نمشي.
تعجبت من سكونها، حتى حدقتيها لم ترمش بها ولو لمرة، رفعت أسيل رأسها اليها ولطمت خديها وهي تناديها:
_رحمة!!
اخرجت نسرين زجاجة المياه الباردة من حقيبتها ووضعت على وجهها وهي تحاول ان تجعلها تسترد وعيها، بينما مازالت مليكة تهز راسها وهي تردد بصراخ:
_رحمة مااالك؟؟؟
ابعدتها عنها نور وهي تتفحص وجهها البارد والمقبض للانفاس بصراخ عاصف:
_رحمة....
وحينما لم تستجيب اليها صرخت بصوت عالي لمن بالغرفة التي تقبع على بعد ليس بكبير عنهم:
_عمر الحقنــي!
على الفور خرج الشباب تجاه صوت نور، فانحنى عمر تجاههم وهو يتساءل بدهشةٍ:
_في أيه؟
ردت عليه مليكة لبكاء:
_منعرفش رحمة مش بترد على حد ولا بتتحرك.
تفحص عمر وجهها بنظرة قلق لما يحاوره في تلك اللحظة، بينما جذب احمد المياه من زوجة اخيه نسرين واخذ يرش المياه على وجهها، تفحص عمر حدقتيها وهي يناديها بفزعٍ:
_رحمة سامعاني؟ رحمة!
تأكدت شكوكه تجاه ما اصابها فانتصب بوقفته بحزنٍ، ليجد ابيه اتى من خلفهم فسأله بصدمة:
_مالها؟
أجابه بحزنٍ:
_حالة نفسية حادة.. صعب تفوق منها بالوقت الحالي.. لانها لا حاسة بشيء ولا سامعة ولا شايفة اللي حوليها... لازم تتنقل مستشفى متخصص حالا.
أغلق عينيه بقوةٍ وهو يحاول احتمال ما يصيبه، الا يكفيه ابنه حتى يختبر الان باحد بناته، حارب كل ذلك حينما قال:
_حازم جهز العربية هنتحرك فورًا من هنا.
ركض للخارج وهو يسرع لسيارة الاسعاف ومن خلفه معتز، ليستعدوا جميعًا لنقل عدي ورحمة لاحدى المستشفيات التابعة لياسين الجارحي!
******
هاجت ثورته وماجت فور سماعه بذلك الخبر، فرفع سلاحه وهوى بحافته على رأس الجالس أمامه وهو يصيح بانفعالٍ:
_غبي قولتلك أوعى عدي يتصاب... عايزه حي يا حيوان.
وكاد بتمزق شعره من فرط ضغطه عليه وهو يردد:
_بوظت كل اللي عملته عشان انتقم من الكلب ده!! قولتلك رائد هو اللي لازم يموت عدي لا..
واسترسل بجنون نفسي مخيف:
_معقول هيموت كده ببساطة من غير ما انتقم منه.. ده انا عملت كل ده عشانه.. غيرت وشي وبقيت رجل الاعمال "مهاب ابو العزم" عشان اجيبه تحت رجلي.. لا يا عدي مش هتموت بالسهولة دي اللي عملته معايا صعب انسهولك صعب!!
##
داهمت قوة الشرطة العقار المهجور بناء على تعليمات المقدم "عدي الجارحي" ، وأخيرًا بعد رحلة بحث وصلت لثلاث سنوات عن هذا الارهابي المدعى "أمجد السلاموني"، فنسب اللواء المهمة لعدي بعد أن فشلت القوات فشل ذريع بالقبض عليه، لما ثبت بنشاطه مع الأخوان وغيرهم مما لهم علاقة با لما سو نية، لذا كانت مسؤولية كبيرة على عاتقه ومع ذلك اجتهد" عدي" حتى كان لا يغفو الليل أحيانًا وهو يحاول الوصول لهذا اللعين الذي يخون بلده ويطعنها برعونته وما يفعله من افعال تدينها، وبعد رحلته المجهدة تمكن اخيرًا بمعاونة فريقه من الوصول لمكانه، وعلى الفور تحركوا بسريةٍ تامة، فحاوطوا العقار بحرافيةٍ تامة بناء على خطة عدي حتى لا يتمكن من الفرار مثلما فعل سابقًا، وبالفعل سقط رجاله حينما فشلوا بتحديد مكان الرصاص الذي يقذف عليهم واضطر "امجد السلاموني" بالخضوع اليهم، فوضع يده خلف رقبته وانحنى ارضًا وهو يتابع المكان من حوله بريبة وخوف، وفجأة ظهر عدي أمامه فسبب له صدمة بأن من يتبادل الرصاص من الداخل هو بصحبة ثلاث عساكر فقط، بينما القوة بأكملها تحتشد بالخارج، وقف عدي قبالته ومن ثم ركله ليسقط اسفل قدميه وهو يردد باستحقارٍ:
_كنت فاكر انك هتهرب المرادي! يبقى أكيد مسبقش ليك انك سمعت عن عدي الجارحي.
وانحنى ليكون مقابله وهو يستطرد:
_أنا مفيش قضية مسكتها ومجرمها فلت مني!
وببسمة ساخرة ردد:
_حظك بقى..
ابتلع ريقه الجاف بصعوبةٍ لحقت بحديثه:
_ساعدني اهرب وانا مستعد احولك مبلغ عمرك ما كنت تحلم بيه.. بلاش تسلمني للحكومة وانا اوعدك هخليك ملك.
عبث بسلاحه ببرودٍ ومن ثم جذبه بشراسة ليكسر الباب المتهالك الحائل بينه وبين فريقه، فدفعه اسفل الاقدام وهو يردد بمقتٍ:
_مديك عذرك بالنهاية متعرفش مين انا عشان تفكر ترشيني بالفلوس!
طبعت معالمه داخل حدقتيه الحاقدة، وبالاخص الضرب الذي ناله من فريق عدي تشفيًا لما فعله بالاطفال والنساء ولما تسبب به من خساير يبكي القلب عليها دمًا، لذا قرر ببساطة الانتقام منهم ومع اول فرصة هروب من السجن حقق انتقامه منهم جميعًا وتبقى رئيسهم، فاختار له موتة بطيئة لم يحبذ الراحة له مثلما فعل مع فريقه!
عاد من ذكرياته على صوت احد رجاله وهو يخبره:
_مفيش اي معلومات قدرنا نوصلها عن مصطفى ولا حتى الرجالة اللي كانوا معاه يا باشا فص ملح وداب.
لهى بسلاحه وهو يجيبه:
_مش محتاجة ذكاء.. اكيد عدي الجارحي اتخلص منهم زي ما قدر يخلص بنت عمه.
وأشار لمن يقبع ارضًا ينتظر عقوبته برعبٍ:
_غور راقب المستشفى ولو جبتلي خبر موته هخليك تحصله!
******
أصر عمر على عودة نور برفقة الفتيات، لتأثر جرح ولادتها بشكلٍ سييء، كانت من أصرت على الذهاب معهم من البدايةٍ لذا منعها من التوجه للمشفى، توجهت السيارات لمشفى"ياسين الجارحي "وتبقت سيارة ياسين، وحينما نجح عمر بارسال نور بسيارة ياسين ومليكة كاد بالتوجه لسيارته ولكنه انتبه لسيارة ابيه، اتجه اليه وانحنى تجاه نافذته الخلفية فاستمع لمكالمته وصوته المنفعل:
_يعني أيه مش راضي يتكلم؟ اسمع يا عثمان الكلب ده لازم ينطق ويقول مين اللي وراه فاهم؟
واسترسل حديثه بعصبيةٍ بالغة:
_واعرفلي مين الكلب اللي بيوصل تحركات ابني واللي بيحصل في القصر.. لو حكمت امسح القصر حتة حتة يمكن تلاقي اجهزة تصنت!
وأغلق هاتفه ثم القاه جواره بغضبٍ، فُتح باب السيارة وجلس"عمر" جواره بصمتٍ، مزقه ياسين حينما التف برأسه تجاهه ثم قال بثباتٍ:
_مش حابب تسأل عن حاجة؟
هز رأسه بالنفي، فردد باتزانٍ عجيب:
_عظيم.
ثم أمر السائق بالتحرك فتساءل:
_على المستشفى يا باشا.
اشار له بالنفي فتحرك بانتظار ما سيخبره به من تعليماتٍ، خرج عمر عن صمته حينما ردد بتوترٍ:
_اللي حصل ده كان مقصود؟
التقط نفسًا مطولًا ثم زفره على مهلٍ وهو يجيبه:
_الحرب طويلة يا عمر.. الضربة فيها صعب تتوقع وقتها.
ثم التفت اليه وهو يسترسل:
_اللي عملته في المستشفى انا عديته ومتكلمتش عشان أنت كمان ليك حق على أخوك... الحب الاسري مفهوش عقوبة زيه زي الحب كل شيء مباح فيه!
رمش بعينيه مرات متتالية بعدم استيعاب:
_مش قادر افهم حضرتك.. طب يمكن اللي بيحاول يقتل عدي هو مهاب ابو العز ده.. يوم المناقصة كان باين عليه ان فيه شيء غريب جواه نحية عدي!
رد عليه بغموض جعل الاخير بحيرةٍ من امره:
_ويمكن يكون في حد بيحركه ومتعمد يخليه الستارة اللي بيتحامى فيها..
وبنظرة شفقة على حالة العدم فهم الذي تضربه قال:
_هتفهم لما نوصل اللي حابب أوصلهولك.
******
تعجب الجميع من غياب ياسين الجارحي وعمر الملحوظ، ومع ذلك انشغلوا بنقل عدي لغرفته ورحمة بالغرفة المجاورة له، فالتف من حولها عدد من أطباء الطب النفسي، وكلا منهم يحاول أن يجعلها تسترد وعيها، وحينما فشلوا وصلوا الاجهزة لاعضائها ليحرصوا ببقائها على قيد الحياة، بينما بنفس الطابق هناك من يشعر بخفقات قلبها الثقيل، وكلما بدأ يسترد وعيه وجد والدته لجواره تقرأ القرآن الكريم بصوتها العذب ويدها لا تفارق يده، صوته بترديد اسمها كان منخفضًا لدرجة لم يستمع اليه أحدٌ، ومع ذلك ما زال يردد بخفوتٍ:
_رحمة!
*****
اتبع عمر أبيه وهو لا يدري لماذا أتى الى هنا بالتحديد، إن كان بحاجة لتقديم البلاغ فلما يزور مكتب اللواء بنفسه!
فُتح الباب من أمامه، فنهض اللواء ليكون باستقباله بنفسه، تبادلا السلام وأشار له اللواء بالجلوس ثم اختار بالجلوس قبالته دون اللجوء لمقعده الاساسي وهو يردد بترحابٍ:
_أهلًا بيك يا ياسين باشا.. نورت الداخلية كلها والله..
وأشار لعمر:
_اتفضل اقعد..
والتقط سماعه الهاتف وهو يتساءل باهتمامٍ:
_تحبوا تشربوا ايه.
جذب منه ياسين السماعة ووضعها مجددًا، وبجديةٍ تامة قال:
_مفيش داعي لترحيبك ده، خلينا نتكلم في المهم... أنت طبعًا عرفت باللي حصل مع عدي..
أومأ برأسه بحزنٍ وهو يشدد على حديثه:
_واحنا مش ساكتين بندور في آآ..
طرق ياسين على مكتبه بعنفٍ وهو يصيح بعصبية رعب قلب عمر وهو يحاول فهم ما يحدث هنا:
_استكفيت من كلامك ده.. أنا طول الفترة اللي فاتت وأنا بحاول ألهي عدي عن كل اللي بيحصل حوليه، وده لاني عارف انه لو لاحظ ان الكلب ده هرب وبيطارده هيرجع للقرق ده تاني.. حاولت اشتته لحد ما توصل ليه وتقبضوا عليه بس لحد كده وكفايا أنا اللي هاخد موقف.
وأشار باصبعه وهو يردد بصرامةٍ:
_اللي يمس شعرة واحدة من ابني أمحيه من على وش الأرض... مهاب ابو العزم من بداية ظهوره وانا عارف ان في حد بيحركه عشان يقف في وش عدي، وانا قبلت بلعبته واجبرت عدي يمسك الصفقتين وانا بنفسي براقبه وبحاول اوصل للي وراه وفعلا اللي حسبته طلع صح..اعداء عدي اتحالفوا مع الحيوان امجد السلاموني عشان يخلصوا منه وانت لسه قاعد وبتقولي هنوصلهم.. هتوصلهم امته لما يخلصوا على ابني!
بخزي ردد:
_انا مقدر موقف حضرتك بس احنا فعلا مش ساكتين.. بذلنا جهد كبير ومقدرناش نوصل لاي حاجة تخصه كأنه مالوش وجود.
ضاقت عسليته بوجومٍ وهمس بخفوت:
_لو جن هحضره بايدي وهحرقه!
وتركه ونهض عن مقعده وهو يشير له:
_لو انت مش قادر توصله وانت بمنصبك ده أنا اللي هوصله وبنفسي!
وتركه وغادر وعمر يحاول أن يلحق به وقد بدت له خيوط ما يحدث الآن، عاد ياسين لسيارته وفور صعود عمر تحرك السائق للمشفى بأمرٍ منه، عاد الصمت يتراقص على أوتاره من جديدٍ الى أن كسره عمر وهو يردد بحزنٍ:
_عشان كده كنت بتصعب الدنيا على عدي بالتحدي اللي بينكم؟ كنت بتحاول تبعده عن ايدين المجرم ده؟
اشار ياسين للسائق بالتوقف، ومن ثم هبط واتجه ليقف أمام المياه الراكدة يتأملها بنظرات شاردة، تأخر الوقت جعل المكان من حوله ساكن،يستقبله بترحابٍ ليخفف عنه حدة ما يشعر به، اقترب عمر من خلفه ثم قال:
_طب ليه محاولتش تنبه عدي ان المجرم ده هرب؟
أجابه بهدوءٍ، ومازالت عينيه تتطلع للمياه بشرودٍ:
_أخوك عنيد يا عمر.. كان هيرجع لشغله تاني عشان يمسك المجرم ده.
ردد بضيقٍ يحاول اخفائه:
_ولو رجع ده شغله وهو حابب يكون موجود فيه أكتر من المقر.. عدي مش لاقي نفسه بينا يا بابا.. انت بتحرمه من الشيء الوحيد اللي بيحبه!
استدار ليكون قبالته ثم ردد بصوت يتألم:
_أنا بعترف اني اناني... أنا اناني في حبكم انت واخواتك.. مش مستعد افقد ابن منكم.. أنا واثق ان ربنا سبحانه وتعالى لو قادر يقبض روح هيقبضها لو كانت بأخر مكان على الأرض، بس انا مش مستعد ارمي ابني للنار واقف اتفرج عليه وهو بيتحرق... انا مش مستعد لده يا عمر... حرمتك تكمل في شغلك عشان عدي ميقارنش نفسه بيك ويفتكرني بميزك عنه... عارف اني ظلمتك وظلمته بس انا مش هقدر اموت في اليوم الف مرة وهو بعيد في شغله... والدليل قدامك لما بعد عن شغله اول مجرم هرب بيحاول بكافة الطرق يوصله عشان يقتله!
وأنكس رأسه وهو يسترسل باصرارٍ:
_مستعد ابقى ابشع من كده في نظره بس هو يكون قدام عيوني.. انا مش زي الأباء اللي عندهم قوة تحمل ومش بيملكوا غير دعواتهم لاولادهم!
واستطرد باصرارٍ:
_وزي ما حميته من مصطفى واللي قبله قادر احميه لحد اخر يوم في عمري..
وتطلع اليه وهو يخبره:
_زمان لما والدي اتقتل كنت ما بين اختيارين.. يا أكون ضعيف قصاد اعمامي وزي ما اتخلصوا منه هيتخلصوا مني يا أعيش وأكون قوي عشان اختي.. اختارت الخيار التاني لان الضعف مش في قاموسي، حاربت الدنيا كلها لحد ما بقوا نفسهم يترعبوا مني.. ساعتها كان ممكن تشوف العيلة دي بشكل مختلف وبالرغم من كده زرعت بينهم الحب لاني محبتش حد يعيش اللي انا عيشته، اللي عيشته صعب ومتمنهوش لاعدائي، ولما ربنا كرمني بيكم كنت على ثقة انكم هتعيشوا حياة مختلفة عن اللي عشتها لاني بنتلكم بيت كله من الحب والترابط، وفي لحظة عدي خالف توقعاتي وساب الطريق اللي زرعته ليه واختار طريق صعب ارجع امشي فيه تاني طريق كله عداوة وانتقام ومكنش عندي مانع ادخله مرة تانية وتالتة..وبدل العقبة هحط قدامه الف عقبة عشان ميحاولش يرجع!!
واسترسل ببسمةٍ صغيرة:
_صحيح التحديات غيرته وغلبت عناده وشراسته بس أنا مستمتع وانا شايفه بيحاول يحتويكم كلكم.. وأهي فرصة يقرب من ولاد عمك ويعرفوه عن قرب.. عدي طبعه مخيف للي ميعرفوش لكن لما يقرب ليه هيعرف طبعه كويس..
واتسعت بسمته وهو يشير لذاته:
_زيي تمامًا حتى لو هو مش مقتنع بده.. مصير الايام تثبتله.
تمرد الدمع عن عينيه الممتلئة بالدموع، وتهاوت لتزيح عنه غمامتها، فاقترب اليه وهو يردد بصوتٍ شاحب:
_أنت أعظم أب في الدنيا دي.. واثق ان عدي لو فهمك هيحبك اضعاف الحب اللي جواه ليك.
ابتسم وهو يرفع رأسه بكبرياءٍ جعل الاخير يبتسم:
_مين قال انه مش بيحبني!
ومازحه ببسمة ساخطة:
_بس أعتقد هيغير رأيه لما يعرف اني بحاول أروض شراسته وعناده!
ضحك بصوته رغم دموع عينيه، فدنا منه وارتمى على صدره، احتضنه ياسين وبجدية تامة همس اليه:
_بلاش انت كمان تزعل مني يا عمر.. صدقني في اقرب وقت هترجع لشغلك وللمستشفى.
ابتعد عنه وهو يتأمله ببسمة تحمل حب العالم بكنايتها:
_أنا عمري ما هكون عقبة تشيلك ذنب وعذاب ضمير يا بابا... خلي عند حضرتك ثقة ان المكان اللي هتقرر اني هكون فيه هتقبله وانا في كامل سعادتي لاني عارف ان حضرتك بتختار مصلحتنا قبل أي شيء.
عاد ليضمه اليه مجددًا ولم يعلم الى أي ساعة ظل بها هكذا، كأنه هو من كان بحاجة له وليس العكس، وبعد دقائق ابعده عنه ثم عاد ليجابهه بشموخٍ ويده تعتلي جيب سرواله ليشير له بجدية:
_يبقى لازم نتوه الحادث ده عن تفكيره، والاهم من كده أخليه يدخل بتحدي جديد بينا.. لازم اشغل عقله عن اللي بيحصل حوليه على الاقل الفترة دي لحد ما اوصل للي ورا مهاب ابو العزم!
******
بالمشفى...
قارب عقرب الساعة على الثالثة بعد منتصف الليل، ومازال الشباب يتجهر خارج غرفة عدي بانتظار افاقته من المخدر واستعادة وعيه كليًا، غفى بعضهم على مقاعد الاستراحة والاخر يغفو محل مجلسه الا رائد بقت عينيه مفتوحة، جفاه النوم وهو يتردد على غرفة عدي بين الحين والأخر، فجلس أمام باب غرفته بحزنٍ، يود أن يستعد وعيه سريعًا ليعتذر له عما بدر منه، شعر رائد بيد موضوعه على كتفيه، فرفع عينيه ليجد ياسين لجواره يخبره بحزن:
_هيفوق وهيسمعك واللي بينكم هيتصافى لان مفيش بينا مكان للخلافات يا رائد.
منحه ابتسامة صغيرة قبل ان يزيح نفسه ليجلس الاخر جواره، فقال بضيق:
_انا السبب في اللي حصله يا ياسين.. يمكن لو كنت وقفت وسمعته مكنش كل ده حصل.
اتاه رد أحمد الذي ظنوه يغفو باستناده على جسد المقعد مغلق العينين:
_ده نصيب ومكتوب يا رائد.. والحمد لله عدي بخير وشوية وهيفوق.
سأله بتوتر:
_تفتكر هيسامحني!
اجابه معتز تلك المرة:
_انا وانت غلطنا في حقه ومحتاجين نعتذرله..
ردد جاسم بسخط:
_انتوا عندكم العصبية والاندفاع طبع عمره ما هسيبكم مش عارف مش بتبقوا عسل زي احمد وياسين والعبد لله ليه؟
لكزه حازم بغضب:
_بلاش انت يا تايسون ده انت أصعب منهم.. بالصلاة على النبي العيلة دي مفهاش غير عمر دكتور المسالك البولية!
اتجهت اعينهم تلقائيًا لما يشير اليه فوجدوا عمر يدنو منهم، وياسين يدلف لغرفة ابنه ليتفحصه..
تساءل احمد باستغراب:
_كنت فين لحد دلوقتي؟
اجابه وهو يجلس لجوارهم بتعبٍ:
_كنا قاعدين على البحر شوية.
اشار له بتفهمٍ، فسأله عمر بلهفة:
_عدي مفاقش؟
هز رأسه نافيًا فعاد الوجوم ليتخلل معالمه من جديد..
******
وجدها تغفو على حافة فراش ابنهما، أثار تورم عينيها لا تفارقها، تضم مصحفها اليها، كانت قاسية اليوم معه ومع ذلك لم يغضب منها، فإن كان مستعد لمحاربة العالم لاجل ابنه يحق لها اكثر من ذلك، مرر ياسين يده على وجهها بلمسة جعلتها تردد في منامتها:
_ياسين!
ابتسم حينما وجدها تفتح عينيها، ففركتهما بألمٍ تشعر بحرق يهاجمهما جراء بكائها المتواصل، استقامت آية بجلستها ثم رددت بصوتها المبحوح:
_متزعلش مني أنا مقصدتش انا آ..
جذبها لتنهض عن المقعد وهو يخبرها:
_انتي مغلطتيش بتدافعي عن ابنك بعد اللي حصل بينه وبين ابن اختك... طبيعي اللي حصل يا آية.. بس عشان خاطري متحاوليش دايمًا تشوفيني بالنظرة دي... عدي يبقى ابني يعني انا اكتر حد يهمني أشوفه باحسن حال... حتى كل اللي بعمله ده فعشانه..
كادت بالاعتذار مجددًا فأوقفها حينما شدد على كلماته الصارمة:
_مبحبش اشوفك بالشكل ده ولا حابب اسمعك بتعتذري.. السنين اللي بينا تكفي انها تخليكي تفهمي حبي لابني ..
هزت رأسها بتفهمٍ، وقبل ان يستكملا حديثهما دق هاتف ياسين وحينما رفعه وجده حفيده، التقط نفسًا مطولا قبل ان يجيبه فوجده يردد بصوت متقطع من البكاء:
_بابا ماله يا جدو... وماما ليه مرجعتش ارجوك قولي.
اجابه بحب:
_مفيش يا حبيبي مجرد اصابة بسيطة وهتتأكد بنفسك لما تيجي الصبح... نام دلوقتي وبكره هبعتلك عمر ياخدك.
اجابه بدموع:
_رحمة رجعت من الرحلة ومن ساعتها مش مبطلة عياط على ماما وبابا... انطي مليكة ومروج معاها بس هي مش راضية تهدأ ولا تبطل بكى.
هز رأسه بتفهمٍ وهو يخبره:
_متخافش انا وآية هنرجع حالا وهنهديها.
واغلق الهاتف بحزنٍ شديد، فتساءلت بلهفة:
_في ايه يا ياسين!
قال بحزن شديد:
_حفيدتك محتاجالك..
تطلعت لعدي بحيرة لا تعلم اتتركه وتختار ابنته الصغيرة ام تظل لجواره، ضمها ياسين اليه وهو يخبرها:
_متقلقيش عمر والشباب بره مش هيسبوه.. خلينا نروح للاولاد محدش هيعرف يهديهم غيرنا والصبح هنيجي على طول.
أومأت برأسها بتفهمٍ، واتجهت لابنها الذي يتسنى له سماع كل شيء، فقبلته وهي تهمس له:
_ربنا يقومك بالسلامة لاولادك يا حبيبي..
وتركته وغادرت بصحبة ياسين، ليتوجهوا معًا للقصر بعدما احاطت الحرس كلتا الغرفتين بأمرٍ من ياسين الجارحي..
******
ساعة كاملة مضت وهو يجاهد لفتح عينيه إلى أن تمكن أخيرًا من استعادة وعيه كليًا، شعر عدي بوجعٍ قاتل يصيب كتفيه الأيمن، ومع ذلك حرك رأسه برفقٍ للغرفة، فوجد أحمد يغفو على الاريكة ورائد لجواره، وجاسم يتمدد أرضًا جوار معتز وحازم، وعلى يمينه عمر وياسين، حاول عدي تحريك جسده ولكنه لم ينصاع اليه ابدا، فنادى القريب منه:
_ياسين!
وحينما لم يستجيب له عاد ليناديه:
_ياسين..
استيقظ ياسين وعمر معًا، فاشرقت وجوههما عن سعادة كبيرة فور رؤيته يسترد وعيه، امسك عمر يده وهو يتساءل بلهفة:
_عدي.. انت كويس!
ابتلع ريقه بصعوبة وتعب بدى لهما، ثم قال بصعوبة:
_مية.
على الفور جذب ياسين المياه ثم حمله اليه ليعاونه عمر على ارتشاف المياه، بينما ردد ياسين بفرحة:
_حمدلله على سلامتك يا وحش.
منحه بسمة صغيرة ولم يقدر على الحديث، بينما يمرر نظراته على الغرفة جاهد للحديث مجددًا:
_رحمة؟
زرع القلق على ملامحهما مما جعله يصر على سؤاله:
_فين رحمة؟
قال عمر وهو يطرح الملاءة على صدره العاري:
_هتيجي الصبح مع البنات.. ارتاح دلوقتي.
منع يده من طرح الغطاء بيده اليسري وردد بصعوبة:
_مستحيل تسيبني..رحمة فين؟
أجابه ياسين بحذر:
_رحمة تعبت شوية لما عرفت بالحادث.
انقبض قلبه وارتاع ألمًا فتساءل بخفوت وهو يجاهد لجعل صوته اعلى مما عليه:
_هي فين يا ياسين؟
أشار له:
_بالاوضة اللي جنبك.
نزع عنه عدي الاجهزة وحاول جاهدًا الانتصاب بوقفته، فانحنى وهو يرتد لفراشه من جديد بوجعٍ قاتل جعله يتأوه بخفوت، اسنده عمر وهو يعاتبه:
_قولتلك ارتاح الجراحة لسه شادة عليك!!
تطلع له برجاءٍ فلا يحمل اي انفاس للمجابهة بمعركة معه:
_خدني ليها.
اومأ برأسه بحزنٍ شديد، فخلع عمر عنه جاكيته ثم وضعه حول اخيه، وسانده من الجانب الايسر لاصابته البالغة، حاول ياسين اسناده من الجانب الاخر فمنعه عمر حتى لا يتأذى جرحه، واشار له:
_انا هساعده..
واسنده اليه ثم خرج به حتى وصل لغرفة رحمة، صعق عدي وهو يراها ساكنة كالموتى، عينيها لا تفارق سقف الغرفة، بصعوبة جلس لجوارها على حافة فراشها، فمنحها نظرة متفحصة ثم عاد ليتطلع لعمر وهو يسأله بخوف:
_مالها؟
اجابه "ياسين" بارتباكٍ وخوف ان تتأثر حالته بها:
_الدكتور بيقول ان اللي هي فيه ده تتبع لحالة نفسية عندها من فترة طويلة، وانها المفروض كانت تتابع مع دكتور نفسي بسبب اللي حصل معاها يوم ولادتها.. وان اللي حصلها خلاها اي ازمة تعدي عليها تقارنها باليوم ده، اللي بيحصلها ده مش هيكون اخر مرة لو متعالجتش!!
ليته يعلم بأن رؤيتها لابن عمها ايقظت جروح الماضي، وعادت هواجسها بفقدانه مجددًا تلتهمها وها هو الآن يحقق اسمى هاجس لديها بفقدانه، عساه يعلم بأنها لا تمتلك سواه هو، حتى وان كان عالمها مليء باناس يحبونها بصدق، هو عالمها وكفى... عساه يعلم بأنها ستستكفى بحبه هو لأخر لحظة بحياتها... لاخر نفسًا يزور أنفاسها، مرر عدي يده على وجهها وهو يناديها بصوته الواهن:
_رحمة.... رحمة حبيبتي أنا جنبك هنا.
لم يصدر عنها اي رد فعل فعاد ليكرر:
_سامعة صوتي.. أنا جنبك!
وأمسك يدها وهو يشدد على أصابعها ويسألها بوجع:
_حاسة بايدي؟
اخترق صوته عالمها المتحجر، كانت تضم جسدها بيدها وتخشي رفع رأسها خارج ذاك السور العالي، صوته الدافئ جعلها تنهض بعزم وهي تركض باحثة عن مصدر صوته الرخيم الهادئ، ترفع يدها اليه ان ينجدها ويحملها بعيدًا عن الوحش الذي يعيقها باغلالٍ قاسية، تحرك جفن عينيها باشارة صريحة بافاقتها، فاشار له عمر بسعادة:
_عدي بدأت تفوق!
تطلع تجاه عينيها بلهفة، فاختل الدمع منهما وتحرر، ومن بعده رمشت، ولسانها يردد ببكاء مزق قلب عمر وياسين:
_ع_د_ي... عدي!!!
أجابها واصابعه تحتضن اصابعها:
_شوفتي الحالة اللي وصلتلها بسبب تفكيرك وخوفك عليا... قولتلك انا جانبك وهفضل جانبك!
حانت منها نظرة جانبيه لمن بالغرفة فكبتت ما بداخلها بوهنٍ، جعلهما ينسحبان على الفور، فما أن انغلق الباب حتى احتضنته وحررت ذاتها من حجزها فانفجرت بالبكاء والاخر يشدد عليها بذراعه الأيسر، وحاول بصعوبة ضمها بذراعه المربوط برباط يصل لرقبته، ظلت لاكثر من ثلاث دقائق تخرج ما بداخلها، وهو يستقبلها بصدرٍ رحب حتى وإن كان جرحه يشتد مع استناد جسدها عليه، تحامل قدر الامكان لشوق بقائها جواره، رفعت عينيها الباكية اليه تطمن ذاتها بأنه ليس حلمًا، فمالت على وجهه بقبلات متفرقة، يمزجها البكاء، رفع يدها اليه وطبع قبلة رقيقة على كفها وهو يخبرها بخفوتٍ:
_والله انا كويس... متقلقيش.
تحرر صوتها الخافت اخيرا:
_محستش بده.. انا حسيت انها هتكون اخر مرة أشوفك فيها يا عدي.
احتضن جانب وجهها بيده ثم تمدد لجوارها وضمها اليه، مرت اكثر من ساعة حتى غلبها نومًا بين احضانه بفعل الادوية، وكأنها لم تغفو لعامٍ كامل، فمال على رأسها واستسلم للنوم بغرفتها مع ان فراشه كان مريحًا عن ذلك، لم يتمكن عدي من النومٍ عينيه تراقب كل انشن بوجهها، يدها المتكأة على صدره تلامس خفقات قلبه لها، سمع لطرقات باب غرفته ومن بعدها لصوت رائد الذي يردد من خلفه:
_عدي محتاج اتكلم معاك استنيت انك تخرج لاوضتك بس انت لسه باوضة رحمة!.
اتاه الواهن يردد:
_ثواني يا رائد.
جذب عدي حجاب رحمة المائل خلف رأسها، فعدله على رأسها، ثم حاول جاهدًا النهوض عن الفراش ليحملها عنه، سيطر عليه الوجع وعاد ليطرحه على فراشه بضعفٍ لم يعهده من قبل، فناده وهو يخبره؛
_من فضلك يا رائد ناديلي عمر.
رد عليه سريعًا:
_حاضر..
وبالفعل ما هي الا ثوانٍ حتى ولج عمر للداخل، فاقترب اليه يتساءل في قلقٍ:
_حاسس بايه؟
أشار له بخفوتٍ:
_أنا كويس.
واشار لزوجته وهو يخبره بانفاسٍ مضطربة:
_شيل رحمة للسرير التاني وشد عليها الستارة..
علم بأن الحالة المجهدة التي تسيطر عليه لمجهوده بمحاولة حملها، وحينما فشل لجئ لاخيه الشقيق، انحنى عمر تجاهه وحمل رحمة الغافلة بسباتٍ عميق تأثرًا بالمحاليل والادوية، وضعها على السرير المجاور لاخيه وجذب الغطاء عليها ومن ثم فرد الستار حتى لا يراها احدٌ، وعاد ليقف قبالته، يتفحص ذراعه واصابة رأسه باهتمامٍ، فهمس له عدي بابتسامةٍ خافتة:
_بالراحة عليا اخوك معتش فيه حتة سليمة.
ارتسم الحزن على معالمه، فانحنى ليقبل جبهته وهو يربت على يده:
_هتقوم احسن من الاول..
ثم قال:
_مازن والشباب كلهم بره محدش فيهم روح ومستنين يطمنوا عليك.
بلل شفتيه الجافه بلعابه وبارهاق شديد قال:
_دخلهم.
هز رأسه بإيجاب:
_حاضر..
وبالفعل فتح عمر باب الغرفة وأشار لهم بالدخول، توافدوا للداخل والجميع يخبره بامنياتهم بالشفاء العاجل، انحنى تجاهه معتز وردد بحزن:
_انا اسف يا عدي صدقني انا كنت مشتت لما عرفت باللي حصل لمروج متزعلش مني!
رد عليه بتعب شديد وعينيه تتوزع بينه وبين صديقه الذي يتطلع له بالم:
_مش زعلان منك يا معتز... مقدر الحالة اللي كنت فيها.. بس صدقني انا مدخلتش الصفقة غير لما مراد طمني ان مروج بأمان وبمصر.. وقبل ما هو يقتحم الفندق اللي كانت فيه آآ..
سعل بقوة وهو يجابه المه جراء حديثه ومع ذلك استرسل:
_قبل ما ياخد اي خطوة طلبت من مازن يخرج من دبي هو واولاده عشان مهاب ميهاجمهمش اول ما يعرف اني هربت مروج.. ويرجع يهددني بيهم.
قال مازن بتأثرٍ:
_ارتاح يا عدي احنا مش عايزين نسمع اي مبررات المهم انك بخير وفي وسطنا..
التقط انفاسه بصعوبة، وتحرك وجهه تجاه رائد الذي يتابعه بحرجٍ ويجاهد للحديث، اشار له عدي بالاقتراب والجلوس لجواره، فجلس وهو يتابعه بأعين دامعتان، وقال بوجع:
_معتز كان عنده مبرر قوي للي عمله لكن انا معنديش مبررات يا عدي.. انا عصبي ومتهور ومتعلمتش من عصيبتي لما رانيا وبنتي بعدوا عني العمر ده كله رجعت زي الاول وأوحش!
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يجاهد فعليًا للحديث:
_لما تندم على شيء عملته افضل الف مرة من لما متكنش عارف غلطك يا رائد.. اللي عايزك تعرفه اني مقللتش منك... الكل كان متوقع اني هختار ياسين واحمد للمناقصة، بس انا كنت شايفهم زي بعض دماغهم نفس التفكير، كنت على ثقة انهم هيقدموا عروض متشابهة بنسبة كبيرة وده هيقلل نسبة ربحنا للمناقصة، لكن انت دماغك مختلفة واكيد مش هتكون بنفس تفكيرهم بالتالي فرصتنا أكبر ..
وسعل بقوة جعلت جسده يرتد وعمر يسانده ويتوسل له بالصمت والهدوء، ولكنه رفض واسترسل:
_انت فاقد الثقة في نفسك مع ان عرضك عمل حالة من الجدال بين الشركات المنافسة، لدرجة ان في نفس اليوم جالنا عقدين بمبالغ وهمية عشان عرضك!!
رمش بعينيه بدهشة فاسترسل حديثه بوجع يجتاز رأسه وكتفه:
_افتح اللاب بتاعي بالمقر هتشوف بنفسك العقدين.. يمكن وقتها يكون عندك ثقة بدماغك الغبية دي.
ضحك رغم انهمار دمعاته، فمسد على كتفه وهو يردد بصوت باكي:
_انت فدتني بروحك وفكرت فيا بلحظة كنت حاقد فيها عليك ارجوك سامحني.
مازحه ببسمة:
_خف ايدك عني انا متدشمل افوقلك بس وهظبطك.
تعالت ضحكاتهم الرجولية معًا، فاستطرد بجدية:
_انا كمان كنت غلطان.. كان ممكن امسك بدالك بس مكنتش جاهز يا رائد.. انا بحاول اتعلم على قد ما اقدر.. واحمد وياسين بيحاولوا معايا.. بس ميولي ودماغي مش جايباني غير للشرطة..
ردد احمد بمرح:
_لولا دماغك البوليسية دي مكنتش هتوصل لمروج وتنقذها بالوقت القياسي ده..
استطرد جاسم هو الاخر:
_ولا كنت هتعلم على مهاب ابن ال****
هز رأسه بوجعٍ:
_اول قرار هاخده لما اقف على رجلي استقالتي من المقر.
اخفى عمر بسمته الخبيثة لا يعلم ماذا يخطط له ياسين، قاطع حازم مجلسهم حينما انحنى تجاه عدي وقال:
_بقولك يا وحش بما انك في حالة سلام واصابة جايبة أجلك كده كنت عايز اقولك الشوكولاته اللي طلبتها لوالدتك وصلت فأنا بقول تطلعها زكى على روحك وفكك من عيد الجواز اللي لحد الآن مش عارفين نحتفل بيه ده.. حتى اخوك الحزين لما فكر يسمى ابنه عدي كنت هتطوح مننا يا جدع.
حدجه بنظرة قاتمة ثم اشار تجاه الشباب ليخبرهم:
_انتوا شايفين حالتي تستدعي وجود الحيوان ده؟!
تبادلوا النظرات والاخير يتراجع للخلف بصدمة ويشير لهم:
_اوعا حد يقرب عليا النعمة افجر المستشفى باللي فيها وآ..
بترت كلماته حينما تلقفه مازن ثم اسدل فوقه الملاءة الموضعة لجواره، فحملوه وكأنه جثة تستعد لكفنها ثم عادوا به لصندوق السيارة مكانه الذي نشأت بينهما علاقة حب وعشرة!
...... يتبع......
#الجــــــــــارحي5... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
*****______******
رواياتي الورقية بمعرض بورسعيد التفاصيل 👇🏻
تشارك إبداع في #معرض_بورسعيد_للكتاب في الفترة من 23 يوليو ل 1 اغسطس في مدينة بورسعيد في الجراج طرح البحر، أمام مديرية الأمن وحلواني ملفاي...
وتشارك جميع الإصدارات الجديدة والقديمة بأسعار خاصة جدا خلال فترة المعرض
وتستمر عروض #إبداع_في_العيد خلال فترة المعرض
للتواصل في بورسعيد واتساب الرقم 01004022774
**********
وتتوافر جميع إصدارات إبداع في ابداع بوك ستور 10 ش هدى شعراوي بجوار مطعم كوك دور وسط البلد القاهرة.
ويمكن طلب الكتب للتوصيل للمنازل من خلال واتساب الرقم 01001631173 أو هاتف رقم 0223909119
**********
#إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع
#شغف_القراءة
#في_كل_كتاب_حياة
#الأقوى_قادم
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل التاسع عشر 19 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويـض_الشـرس! ...(#أحفاد_الجارحـي5)
#الفصل_الخامس_عشر.
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة"ميادة رفعت.... مي"، للقارئة المميزة "إيمي علاء"، وللجميلة" ولاء حافظ" ، شكرًا جزيلًا لدعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم حبيباتي...قراءة ممتعة 💙)
ظل الشباب جواره لأكثر من ساعتين، وبعد إصرار "عدي"، اتجهوا للمغادرة وأخبروه بأنهم سيعودون بعد وقت راحة قصير، ولم يتبقى بصحبته سوى عمر بعد أن فشل عدي بالسيطرة على عناده، اتجهوا معًا لمرآب المشفى، فتفاجئ"أحمد" بصندوق سيارته المفتوح على مصرعيه، فأتاه صوت مازن المستنكر:
_حازم فطس ولا أيه؟
بسخريةٍ أجابه أحمد:
_ولا يفرق معانا.. الفارق دلوقتي شنطة عربيتي اللي سابها الحيوان بالشكل ده!
كبت ياسين ضحكة كادت بالانفلات منه، وسأله بجدية:
_هو راح فين طيب؟
مقاطعة معتز لحديثهم كانت بمثابة اجابة صريحة، اتجهوا اليه فوجدوه يشير لنهاية المرآب، وحينما اقتربوا وجدوه يجلس جوار أفراد الآمن وأخبرهما وهو يرتشف كوب الشاي الساخن:
_بس يا سيدي ومن وقتها وهما بيعاملوني أسوء معاملة، وكانوا عايزين يتخلصوا مني عشان الورث اللي سابهولي أبويا اللي يرحمه فحبسوني بشنطة العربية عشان الاكسجين ينقص ونفسي ينجلط وأموت بعد عنكم وعن السامعين.
بدت علامات الشفقة والتأثر على الشابين، فارتشف حازم من الشاي بتلذذ وهو يستمع لاحداهما يخبره بضيقٍ:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، معقولة الفلوس تعمل كده بين الاخوة.
رد عليه حازم بتأكيدٍ:
_وأكتر من كده كمان.. بس أنا عشان ربنا بيحبني بعتكم ليا في الوقت ده بالذات عشان تنجدوني!
أجابه الاخر بدهشةٍ:
_ده مطرحنا يا بيه هنرحوا فين يعني!!
ورسم ابتسامة صغيرة وهو يسترسل:
_المهم انك بخير يا واد عمي.. وربنا يرحمك من خواتك الظالمة دول.
رفع "حازم" كلتا يديه وهو يؤمن :
_آميـــــــــن يا رب.
شُلت أطرافه حينما كمشه أحدٌ من تلباب قميصه، وكأنه يتنشله من وسط مياه البحر التي تغرق جسده، حانت منه نظرة جانبية لمن يقف جواره، فابتلع ريقه بصعوبةٍ بالغة، ثم رفع يده وهو يحاول انقاذ ما يمكن انقاذه:
_هما اللي فهموا غلط!
وقف رجال الأمن من جواره، فتساءل احدهم بدهشةٍ:
_مين دول؟
لف جاسم ذراعه حول رقبته وهو يجيبه بحدةٍ:
_احنا اخواته اللي بنحاول نتخلص منه ليك شوق في سؤال تاني!
ارتعب الشاب وهو يوزع نظراته بينهم بخوفٍ لحق حديثه المرتجف:
_لا تأذونا ولا نأذيكم يا باشا.. خدوا أخوكم وتوكلوا على الله.
أجابه رائد ساخرًا:
_يا عم احنا لا عايزينه ولا طايقين نشوف خلقته أساسًا.. ده كارثة منتقلة لو اتساب على العالم هينقرض!!
أضاف ياسين بمزحٍ وهو يلف كتف الشاب:
_سيبك منهم يا أخينا وقولي أنت تحب تأخد كام وتتبنى المرحوم!
اتسعت حدقتيه رعبًا، فدفع حازم بسخطٍ:
_هو ده يندفع فيه كُمان!!!
رفع أحمد يده بتسليةٍ وهو يشير لاخيه:
_شوفت جبنا حاجة من عندنا؟
جذبه معتز بالقوة ليدفعه تجاه سيارة أخيه وهو يشدد بسخرية:
_يلا يا حلوة خشي بيتك البحري اللي اتعودتي عليه بدل ما نخلص هنا قدام اصحابك.
ازدرد ريقه بتوترٍ، فاندفع تجاه صندوق السيارة ثم اشار للشابين قبل أن يغلق الصندوق؛
_سلام يا رجالة نتقابل مرة تانية لو لينا عمر.
جز أحمد على بغيظٍ، فأغلق باب الصندوق بقوة طرحت الاخير أرضًا..
*******
حرك يده المكبلة بالأغلال بصعوبةٍ بالغة، وهو يحاول التماسك أمام سيل الضربات القاتلة التي يتلاقاها على يد "عثمان" مسؤول حرس "ياسين الجارحي"، ارتجف جسده رعبًا حينما نهض من يرمقه بعينيه الثاقبة، فاقترب منه وصوت حذائه الثابت يجلده كالسوط الغليظ، ذاك الرجل بالرغم من كونه حسن الوجه الا أن لثباته واتزانه رهبة تزلزل من يجابهه، ابتلع"مصطفى" ريقه بتوترٍ حينما وجده يرفع وجهه اليه، ومن ثم تحرر صوته وهو يخبره بخشونةٍ:
_هتتكلم يعني هتتكلم حتى لو اضطرينا نقطع لحمك لكلاب السكك.
حرك لسانه بصعوبة، ليجبره على تردد تلك الكلمات الملقنة:
_ما انا قولتلك يا باشا، مفيش حد ورايا أنا اللي كنت راجع انتقم من عدي بعد ما رماني بالسجن كل السنين دي!
هز ياسين رأسه بثقلٍ، وفجأة هوى على وجهه بصفعةٍ أطاحت الدماء على شفتيه، فلف شعره حول يده وهو يردد بهدوءٍ لا يتطابق مع عنفه الشديد معه:
_متفكرش انك ذكي وهتخدعني.. أنت سبق واتعاملت مع ابني المفروض بعد اللي عمله فيك تفكر مرتين وأنت بتتعامل مع اللي رباه!
تذكرة مقبضة صرح بها اليه، فإن ذاق ما فعله به عدي ماذا سيفعل به ياسين الجارحي؟، تركه ياسين ثم انتصب بوقفته واضعًا كلتا يده في جيوب جاكيته الرمادي، فمر من أمامه ذهابًا وإيابًا متعمدًا ازعاجه بصوت حذائه، ومن ثم وقف قبالته وهو يخبره بغموضٍ:
_علاقتك أيه بمهاب أبو العزم!
جحظت عينيه رهبةٍ، بعدما تسلل إليه أول الخيوط، فأنكر بجنونٍ:
_معرفوووش.. مسمعتش عنه قبل كده!
الربكة التي تسيطر عليه جعلت ياسين يتأكد من حدثه، فأشار بعينه لعثمان الذي أومأ برأسه وأشار لرجاله فهاجموه بركلاتٍ حادة جعلته يردد بألمٍ قاتل:
_خلاص.. خلاص هتكلم.
رفع ياسين أصبعه لرجاله فابتعدوا عنه، بينما اتجه لمقعده، فجلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى وهو يردد بعزةٍ:
_سامعك!
هز رأسه باستسلامٍ وهو يباشر اعترافه:
_أعرفه.. انا من رجالته.
سأله بشكلٍ مباشر:
_اتعرفت عليه فين!
نال منه خوفه بالدرجة التي تثاقلت انفاسه، فرجل خطيرًا مثله ربما يكون على دراية بأمجد السلاموني، إن أخبره بأمر السجن ربما سيشك بأمره، لذا قال:
_بعد ما خرجت من السجن ومن يومها وأنا شغال معاه.
بسمة ساخرة لاحت على وجه ياسين، فتعمد التحلي بالصمت قليلًا ليلعب على أعصاب فريسته ومن ثم ردد بخبث:
_يعني أنت ومهاب اتحالفتوا على ابني.. طب أنت عدواتك معاه معروفة، عداوة مهاب أبو العزم أيه سببها؟!
راقبه بارتباكٍ وهو يشير له بعدم علمه، فرفع رأسه تجاهه ليواجهه بنظرة مقبضة قبل أن يردد بثباتٍ:
_مين اللي وراك أنت وهو؟
رفع أحد حاجبيه بذهول، فاستطرد بمكرٍ:
_خليني أجاوب أنا على السؤال اللي وترك ده.. أمجد السلاموني اللي نهايته مش فاضلها غير القليل!
اتسعت حدقتيه صدمةٍ، فإن كان قريبًا لتلك الدرجة من المؤكد بأنه قريب لكشف سر مهاب أبو العزم، ان علم بأنه نفس الشخص سيقتلهما معًا، جاهد للتحلي بالقوة الزائفة وهو يخبره:
_أنت متعرفش هو يقدر يعمل أيه.. خرجني من هنا قبل ما يبدأ حربه عليك وعلى عدي.. زمانه عرف باللي حصلي.
رسم ياسين ملامح الخوف بنجاحٍ وهو يردد بصدمةٍ:
_هيعرف منين باللي حصلك..
تمردت قوته الخاضعة من خلف رهبته حينما نجح ياسين بإيصاله لتلك المرحلة، فقال:
_رجالته في كل حتة وأكيد هيوصلولي في أي وقت.
ارتسمت على معالمه بسمة مستهزئة، فدنا حتى أصبح قريبًا منه ثم قال:
_تقصد ده؟
اتبع اشارة يده، فوجد عثمان يدلف للمخزن وهو يدفع احدًا معصوب العين، ومن ثم ازاح عنه العصبة وألقاها اسفل اقدامهما، تهاوت كل ذرة شجاعة امتلاكها حينما وجد الحارس المخلص لهم مكبل بالاغلال، ينازع للحياة بعد ما تعرض له من ضرباتٍ قاتلة، احتدت نبرة ياسين وهو يصيح به:
_ودلوقتي مفيش قدامك اي اختيارات تانية غير انك تتكلم وتقولي مكان أمجد ده فين؟
******
وصلت السيارات للقصر، فتوجهوا جميعًا لغرفهم بإرهاقٍ شديد، بعدما قضوا الليل مستيقظين للاطمئنان على عدي، كان أحمد بطريقه لغرفته حينما وجد "نور" تهبط للاسفل بتعبٍ شديد، تحمل "حور" على يدها وتمسك باليد الاخرى رحمة، اسرع اليها وهو يلتقط الصغيرة عنها، فسألها باستغرابٍ:
_راحة فين وانتي بالحالة دي يا نور؟
اتكأت على درابزين الدرج بتعبٍ يبدو عليها، وأجابته:
_راحة اطمن على رحمة.. وكمان روما مش راضية تبطل عياط من غير ما تطمن على عدي هخدها معايا.
ربت على الصغيرة الباكية بين ذراعيه، ومن ثم قال بضيقٍ:
_مينفعش تخرجي وانتي بالحالة دي.. رحمة كويسة وبخير.. كلميها على الموبيل وهي أكيد هتتفهم حالتك!
لمع الدمع بحدقتيها، فامتزج بصوتها الحزين:
_مش ههدأ غير لما أشوفها بنفسي.
اتاه ردًا بصوت رقيق يخبره:
_وفر طاقتك يا أحمد.. انا من الصبح بحاول معاها أنا ونسرين ومفيش فايدة.
تلقائيًا رسمت ابتسامة ساحرة على وجهه حينما وجد زوجته تقترب منه، منحته أسيل ابتسامة صغيرة قبل أن تلتقط عنه الصغيرة، فحاولت أن تهدهدها وهي تشير له:
_روح أنت ارتاح يا حبيبي وأنا هحاول معاها محاولة فاشلة قدام عناد نور اللي مبينتهيش.
ذمت الاخيرة شفتيها وقد بترت كل ذرة حزن بداخلها، لتجيبها بشراسةٍ:
_مالها نور يا أسيل هانم؟ يلا أنا بقالي يومين مستفرضتش بحد وشكلي هستفتح بيكِ!
تهدلت معالم آسيل بيأس، فربتت على ظهرها وهي تشير لها بابتسامةٍ واسعة:
_أنا أقدر يا حبيبتي.. روحي انتي ورحمة المستشفى وأنا هخلي بالي من حور لحد ما ترجعي.
ببسمة رضا رددت:
_كده تعجبيني.. خدي بالك من البت لحد ما نرجع.
وأشارت للصغيرة المتعلقة بيدها:
_يلا يا حبيبتي..
هبطوا معًا للأسفل، فاوقفتهما مليكة وهي تكاد تسرع للدرج:
_استني يا نور أنا جاية معاكِ.
عدلت من عقد حجابها جيدًا ثم هبطت للاسفل، فوجدت ياسين يتجه للدرج وما أن رآها حتى اتجه اليها فقال وهو يتفحص ثوبها الواسع الرقيق:
_رايحة المستشفى؟
أكدت له ذلك، وأخبرته:
_مجاليش نوم ومصدقت الصبح طلع عشان اطمن عليه.
تورم عينيها كان كفيل بنقل ما اختبرته هنا بدونه، ضم رأسها لرقبته وهو يطبع قبلة على جبينها محاولًا ليطمنها:
_عدي كويس وفاق.. وأنتِ بنفسك هتشوفيه.
ودت لو تمكنت من ضمه ولكن بوجود الفتيات تراجعت للخلف وهي تمنحه ابتسامة صغيرة، عاد ليجذب مفتاح سيارته عن الطاولة واشار لهما:
_هوصلكم بعربيتي.
اعترضت مليكة بتشددٍ:
_لا طبعًا مش هسمحلك أنت راجع تعبان ومحتاج تنام.
أخبرها ببسمة تنجح بالتسلل لقلبها دومًا:
_هوصلكم وهرجع أنام.
تلك المرة قاطعته نور حينما قالت:
_مفيش داعي يا ياسين أنت سهران طول الليل أطلع ريح شوية واحنا هنركب مع السواق.
أصرت مليكة عليه، ومنحته عذر ليلهي ذاته حينما قالت:
_خليك عشان تقدر ترجع لعدي بعد ساعة او اتنين.. وخد بالك من يحيى لحد ما أرجع.
أومأ برأسه باستسلامٍ فغادروا بينما استكمل هو طريقه للأعلى، ولكنه اتجه لغرفة ابنه، فوجده مازال يغفو بنومٍ عميق، فمازالت الساعة لم تقارب على الثامنة صباحًا بعد، حرر ياسين الستارة عن مرقدها ليضمن عدم انزعاجه بالضوء، ثم خلع عنه قميصه وتمدد جوار ابنه، فجذبه لاحضانه وغفى سريعًا بإرهاقٍ!
******
جفاها النوم ومازالت تنتظر عودته، مضت ساعة كاملة منذ ان حدثها عبر، الهاتف، وأخبرها بأن عدي استعاد واعيه وحالته استقرت بشكلٍ كبيرًا، حتى أنه سيعود برفقة الشباب بعد قليل، فظلت "مروج" بانتظاره، فُتح باب غرفتها، فنهضت عن فراشها وأسرعت للباب، عينيها تتمنى أن يكون هو، فحينما كانت تسكن بشقة صغيرة كان قلبها يتغرد بالسعادة فور سماع نغمة مفتاحه الخاص، ولكن الآن باتت بوكر الحبايب بأكملهم، ترى من سيكون أبيها أم والدتها، أو ربما معتز أخيها الذي لا ينفك عن تركها بمفردها بعد ما تعرضت له، تهللت أساريرها حينما وجدته هو، ركضت اليه فضمها حتى رفع جسدها عن الأرض، شدد من ضمها وأنفه تستنشق عبير خصلات شعرها التي اعتاد على رائحة الياسمين التي تضعها باستمرارٍ، ظلوا هكذا لمدة احتاج بها التأكد بأنها جواره وبين يديه، تحتاج هي للتأكد بأن كابوسها مضى والآن عادت لمقرها الآمن، فهمست بصوتٍ مختنق بالدموع:
_كنت خايفة مرجعش ومعرفش أشوفك تاني!
مال على أذنيها فطبع قبلة وهو يخبرها:
_اللي فات جزء مش مهم.. المهم انك هنا ومعايا!
بعدت عنه لتمنحه نظرة حبسته خلف وجعها وهواجس هاجمتها بمفردها، فقالت:
_بعتلك على موبيلك وانا جوه الاسانسير.. اتمنيت انك ترد عليا وأسمع صوتك قبل ما يجرالي حاجة.. حتى لما كنت بالمكان ده كنت محتاجة احس انك مستحيل تتخلى عني.
ضم وجهها بين يديه ويدها تحاط باصابعه التي تضم خاتم زواجهما المميز، فقال بوجعٍ اخترقها دون معافرة:
_أتخلى عنك ازاي وانت جوايا!! أنا كنت بعد كل لحظة عشان أرجع اشوفك قدامي.. والحمد لله ربنا مأردش يفرقنا بالنهاية البشعة دي.. ربنا كتبالنا نعيش مع بعض الباقي من حياتنا.
ابتسمت وهي تقبل يده، فجذبها اليه ومن ثم حملها ليضعها برفق على الفراش، تمدد مازن لجوارها وضمها إليه بحنانٍ يود به تعويضها عما خاضته، فاستقبلته بشوقٍ وعاطفة أججت مشاعرهما الصادقة!
*******
اتجه للخروج من المخزن، بعدما تأكد من صدق حدثه، وبقى لغز وجود "أمجد السلاموني" مجهولًا بالرغم من محاولاتٍ رجاله المستمية معه لمعرفة أي دليل قد يساعده، اتجه ياسين لسيارته القابعة على بعد من المخزن، فوجد يحيى يتكأ بمرفقيه على مقدمتها، وما أن رآه حتى هم إليه وهو يتساءل باهتمامٍ:
_ها يا ياسين قدرت تعرف منه حاجة؟
منحه نظرة عميقة تطل على صداقة عريقة، دامت لأكثر من أربعون عامًا، لم يتخلى يومًا عنه حتى بعد أن واجهه يحيى بعد عودته للقاهرة بتغيره الصريح، فقدم له نصائح بالا يفتعل تحديات قد تجعله يخسر ابنه من جديدٍ، فتفاجئ بما يخفيه ياسين، حتى وإن ازم الأمر وقتًا ولكنه بالنهاية لم يتمكن من حجب سرًا عنه قط، دنا منه ياسين وبضيقٍ قال:
_بيقول ميعرفش مكانه.
حانت منه نظرة شك لما يدور برأسه، فسأله:
_وأنت مصدق أيه؟
مال بجسده للسيارة، ثم وضع يده بجيب جاكيته وهو يجيبه:
_الواد ده عارف كل حاجة.. بس زي ما أنت شايف ضاغطنا عليه بكل السبل، أكتر من كده هيموت وساعتها مش هنوصل لحاجة.
بتعصب شديد قال:
_يعني أيه هنفضل ساكتين لحد ما يتعرض لعدي مرة تانية؟
اجابه بهدوءٍ وبنظرة تحمل المحبة لعصبيته تلك:
_مش هيحصل يا يحيى.. انا قادر أحمي ابني لأخر يوم في عمري... ولو حكمت يومي هيكون قبله!
نكس رأسه بحزنٍ، فعبست معالمه وهو يحاول التودد له بما يود قوله، ابتسم ياسين على طريقة صديق الطفولة التي لن تتخلى عنه، حينما يود التحدث عن أمرٍ قد يثير غضبه يبدو كالطفل الصغير الذي يهاب أبيه وقت غضبه، فقال بشكٍ:
_عايز تقول أيه؟
رفع عينيه إليه، ثم قال بضجرٍ:
_أنا مش قادر أسامح نفسي اني رفعت ايدي على رائد، بس صدقني انا كنت عاجز وأنا الوحيد اللي في وسطهم عارف الحرب اللي أنت فيها عشان تحمي عدي، مقدرتش اقف واشوف خطة الكلب ده بتنجح انه يفرق بينهم ويستهدف عدي.
انتصب بوقفته وهو يتساءل بجدية:
_قصدك أيه؟
نفث هواء عميق عالق بداخله قبل أن يخرج هاتفه ويطرح احد الفيديوهات من أمامه، للحاوية (التريلا) التي تحاول بكل السبل اصابة سيارة رائد حتى تدخل عدي وقلب سباق الموتى لصالحه هو، ابعد يحيى الهاتف عنه ثم قال:
_واحد من الرجالة قد يمسح الكاميرات من البنزيمة اللي على الطريق.. لو ركزنا في الكلام اللي قاله رائد وفي المقطع ده هتعرف انه مكنش مستهدف عدي.. كان عايز يخلق فتنة بينا واللي اخرها ان عدي اللي اتسبب في الحادث لرائد.. من البداية هو عارف بالخناقة اللي جوه القصر وعارف بكل اللي بيحصل والحمد لله انك وصلت للحارس اللي كان بيوصله كل حاجة.
واسترسل بعصبية بالغة:
_من البداية ونيته واضحة، لما خطف مروج وحط مازن في مواجهة عدي، كان قاصد انه يفرق بينهم... الشخص ده مش سهل يا ياسين وعارف هو بيعمل أيه كويس، بيفصل عدي عن كل اللي بيحبوه وبيسانده.. وهيجي اليوم اللي لو شك انك بتحميه منه مش بعيد يحاول يتخلص منك شخصيًا!!
تمرد غضبه عن مجال سكونه وهدوئه، ففتح باب سيارته وأشار ليحيى بشراسةٍ:
_خليه يهاجمني على الأقل يكون قادر يخرج من جحره عشان يواجهني.
ثم تابع وهو يغلق الباب من خلفه؛
_خليك مع عثمان يمكن تقدر تعرف منه حاجة.
تقوس حاجبيه بتعجبٍ:
_طب وأنت رايح فين!
قال وهو يلف يستعد للقيادة:
_هاخد ياسين لعدي زي ما وعدته.
وتحرك بالسيارة للقصر ليجد الاخير بانتظاره بصحبة آية، فتحرك بهن للمشفى ليحقق وعده الذي منحه اليه فور عودته للمنزل.
*******
مضى على غفلته ما يقرب الساعة، ففتح عينيه بتعبٍ وألمًا يسري لقدميه، حاول عدي التملص برقدته ولكنه لم يستطيع فقدميه تعيقه عن الحركة، تطلع لنهاية الفراش فوجد "عمر" يغفو فوق قدميه بإرهاقٍ اكتسبه بعدما قضى ليله وجزء من النهارٍ برعايته وتقديم الادوية إليه بالموعد المحدد قبل أن تدخل إحدى الممرضات للقيام بمهامها، حتى الأبر الطبية كان هو من يحقنها بنفسه، تسللت بسمة صغيرة على شفتيه وهو يراقبه، فمرر يده على ظهر أخيه بحنانٍ، ود لو تمكن من الوقوف على قدمه ليعاونه على التمدد محله ولكنه يجاهد للاعتدال بجلسته بتعبٍ يغزو أضلاعه!
لذا تمدد على ظهره وتركه يغفو بهدوءٍ، حتى بعد أن مرت نصف ساعة يشعر بها عدي بالملل لبقائه على الفراش هكذا، ولكنه احتمل حتى لا يوقظه، دق هاتف عمر عدة مرات فخشى عدي بايقاظه، لذا سحبه ببراعةٍ من جيب جاكيته، فأدمعت عينيه تأثرًا حينما وجده المنبه ومدون على شاشته (أدوية عدي)، يخشى أن تطول غفوته فينسى علاجه بالرغم من وجود الكثير من الممرضات الاتي تشرفن عليه بأنفسهن!
رمش بعينيه بتكاسلٍ، فكاد بالسقوط عن المقعدٍ، استيقظ عمر وفور فتحه لعينيه اتجه للفراش، فتفاجئ به مستيقظًا، عبث بعينيه وهو يردد بنومٍ:
_مصحتنيش ليه؟
منحه نظرة ساكنة، فجذب عمر الدواء عن الكومود الطبي، ومن ثم رفع رقبته ليعاونه على ارتشاف بعض المياه بعد تناول الحبوب الطبية، وساعده ليستلقى من جديدٍ، جذب عمر مقعده لجوار الفراش، وبحماسٍ قال:
_شايفك أحسن من امبارح، الحمدلله.
مال عدي برأسه إليه ثم قال ببسمة يحوم بها الخبث:
_ياسين قالي على اللي عملته في معتز ورائد عشاني!
حل الوجوم على وجهه لدقيقةٍ، ثم قال بضيقٍ:
_مكنوش عايزين غير كده.. اتمادوا بكلامهم وكانوا عايزين اللي يحطلهم حد، مكنوش احترام لأعمامي عشان كده كان لازم أتدخل..
واسترسل بغضبٍ:
_رائد متهور ومعتز مندفع، لا ده قادر يهدى ويفهم ولا التاني قادر يسمع ويستوعب.
واستكمل حديثه باندفاعٍ يخفيه داخله:
_اتمادوا بكلامهم عنك وناسين ان البيت ده فيه مراتك واولادك والاهم أنا وياسين الجارحي..
وبمزحٍ حاول به يخفف حدة انفعالاته قال:
_وما بالك من أنا بقى.. أطيق العمى ومطقش اللي يجيب سيرة حد من عيلتي مش تؤامي!
ابتسم عدي وهو يشير له باحد حاجبيه، حركته الشهيرة التي ورثها عن أبيه:
_فاجئتني حقيقي يا عمر.
ووضع يده على كتفه وهو يخبره بحزنٍ:
_خليك زي ما أنت اوعى تتغير، أنت أحسن واحد جوه قصر الجارحي.
ضحك وهو يمازحه:
_مش للدرجادي يا وحش.. هنيجي فين جنبك أنت وياسين الجارحي!
تعمد الضغط على كتفيه وهو يشدد على حديثه بجديةٍ:
_أنت أحسن مننا يا عمر.
وضمه اليه، فادمعت عين عمر وهو يتعلق به، ورغمًا عنه انسابت دمعاته على كتفي عدي العاري، واتبعه صوته الباكي:
_قلبي كان هيقف أكتر من مرة وانت جوه باوضة العمليات.. أنت مش اخويا وبس انت مشاركني في كل حاجة حتى وجعك بحس بيه من قبل ما تتكلم..
وابتعد عنه ليزيح باصابعه الدمعات العالقة باهدابه وهو يتابع:
_الفرق ممكن يكون بينا دقايق بس بحسك أكبر مني بسنين، بشكيلك وجعي وأنا واثق انك هتساعدني وهتحل كل مشاكلي بعقلك وحكمتك اللي اخدتها من بابا.. حتى لو عملت غلطة بتحامى فيك من غضب ياسين الجارحي، وأنت طول عمرك بتنسب الغلط ليك وبتتحمل عقابه بدل مني!!
ضحك بصوته الرجولي المسموع، وترك بقوةٍ على كتفيه وهو يخبره بضحكٍ:
_أنت جاي تقلب عليا مواجع الطفولة ليه يا دكتور.. عيون ياسين الجارحي في كل مكان وزي ما أنت شايف أنا لا قادر لا لمناقشة ولا لمواجهة!
شاركه الضحك، فعدل من جاكيته وهو يتصنع ثبات اباه القاتل:
_متقلقش أنا جنبك هحميك لحد ما ربنا ياخد بيدك.. وبعد كده معرفكش.
هز رأسه بسخطٍ:
_أخرك دقيقتين قدام ياسين الجارحي لو صمدت أكتر من كده تبقى بطل!
همس بصوتٍ مضحك:
_مش لو صمدت الدقيقتين طموحاتك مدمرة سقف الاحلام!
قاطع حديثهما المرح صوت تأويهات خافتة من خلف الستار العازل لسرير رحمة، فتحته وهي تحتضن مقدمة رأسها في محاولةٍ للتغلب على تأثير الادوية التي تجبرها على النومٍ بشكلٍ مبالغ به، رددت بخفوتٍ وهي تجاهد ذاك الدوار الحاد:
_عدي!
امسك عمر معصمها حتى وصلت لمقعده المجاور لسريره، راقبته بنظرةٍ متفحصة ثم سألته بلهفة:
_بقيت أحسن؟
تأمل وجهها الشاحب بنغزة تصيبه ألمًا فوق ألمه، فقال بصوت رخيم جذاب:
_أنا كويس يا رحمة.. اهتمي انتي بنفسك!
وجذب العصير المغلف من أعلى الكومود ثم ناوله لها وهو يصر على أن تتناوله، فقال عمر وهو يراقبهما ببعض الصمت:
_عدي معاه حق.. حالتك مش سهلة يا رحمة كلي وخدي ادويتك بانتظام.
اعترضت على الدواء الذي يناوله لها معللة بضيقٍ:
_لا مش عايزة بمجرد ما بخده بنام ومش بحس باللي حواليا.
اشار لها قائلًا:
_معلشي هي أغلب المهدئات كده.. وبعدين ده لفترة قصيرة لحد ما تتابعي مع دكتور نفسي كويس.
هزت رأسها باستسلامٍ، فتناولت قطعة صغيرة من المعجبات ومن ثم التقطت منه الدواء، حمل عمر حقيبة الدواء جانبًا ثم أشار لعدي قائلًا:
_هنزل أغسل وأصلي وراجع لو احتاجت حاجه رنلي.
أشار له فغادر عمر متعمدًا تركهما بمفردهما لقليلٍ من الوقت، فمن المؤكد بأنها تحتاج للاطمئنان على زوجها، انعكاس حزنها الحائل بحدقتيها دفعه لسؤالها بقلقٍ:
_مالك يا رحمة؟
رفعت عينيها اليه ببطءٍ، ومن ثم تهاوت بانكسارها وهي تردد:
_كنت نسيت قلقي وخوفي عليك من بعد ما سبت شغلك.. مخاوفي كلها رجعت تطاردني تاني يا عدي!
اعتدل بجلسته بصعوبة ليكون قبالتها، فقال بتريثٍ:
_ده قدر ومكتوب يا حبيبتي... هشوفه حتى لو كنت جوه بيتي.. والحمد لله أنا قدامك كويس ومفيش فيا حاجة.
منحته نظرة حزينة، فداعب ذقنها بإبهامه بعدما احتضن جانب وجهها بيده:
_كل ازمة اتعرضنا ليها بتعدي مع كل الصعاب طول ما احنا جنب بعض يا عمري!
ابتسمت فخفق قلبه تأثرًا بابتسامتها، يا الله مصير قلبه البائس قابع بين طرفي أصابعها، ان ابتسمت ابتسم للعالم حبًا وعشقًا لها وللحياة، وإن تهاوت دمعاتها غمرته غمامة كحيلة تهاجمه بظلامٍ يكسر أجنحته وتحرره من حريته ليصبح أسيرًا لا يشوبه سوى حلم التحرر!
على طرق الباب الذي تغاضى عن مسمعهما، سمح عدي للطارق بالدخول، فدخلت نور بصحبة ابنته التي ما أن رأته حتى هرعت اليه باكية بطفوليةٍ، ضمها عدي اليه وبدى متفاجئًا من وجودها، والاخيرة تتعلق برقبته وتردد ببكاء مرير:
_بابــي.
ربت على ظهرها بحزنٍ شديد لسماعه بكائها المتعصب، فتطلع لنور وقال بانزعاجٍ:
_جبتيها هنا ليه يا نور؟
علمت بأنه لا يود أن تراه بتلك الحالة، فبررت له:
_رفضت انها تقعد.
حاولت رحمة حملها عنه، ولكنه رفض وأصر على خروجهما، فاستغلت نور ذلك واتجهت برفقة رحمة للحمام حتى تساعدها على الاغتسال وتغير ملابسها..
مالت الصغيرة برأسها على كتف عدي الأيسر، واخبرته ببكاء:
_أول ما شوفت الاخبار مصدقتش حاولت اكلم حضرتك على الموبيل ولما مجاوبتنيش عرفت انها مش أشاعة!
مرر يده على خصلات شعرها الطويل بحنانٍ، والابتسامة لا تفارق ثغره:
_هما الصحافة كده.. دي لعبتهم اللي بتأكلهم عيش حتى لو على حساب الغير!
استكانت بين يده وهي تستمع اليه، حديثه يطمئنها بأنه على ما يرام، ابعدها عنه عدي ثم ازاح دمعاتها وهو يخبرها بمشاكسة:
_كل ده عشاني.. مش كنتي مش طايقاني عشان الرحلة.. فجأة سبتيها وجيتي!
ابتسمت وهي تزيح دموعها وتخبره:
_رحلة أيه بس يا بابي أهم حاجة صحتك!
قبلها عدي وضمها اليه مجددًا، فسألته بصوتٍ خافت:
_هي مامي مالها، هي تعبانه هي كمان؟
مال على رأسها وهو يمرر يده على خصلاتها الطويلة:
_لا يا حبيبتي.. هي بس مبتحبش تسبني لوحدي!
*****
بالأسفل..
صعدت مليكة خلف نور برغبة منها، وقبل أن تتجه للمصعد وجدت عمر يخرج من أحد الغرف، فأشار لها بانتظاره، صعدوا معًا للمصعد فعاتبها بضيق:
_أيه اللي، جابك يا مليكة وانتي بالحال ده، ما انتي كلمتيني أكتر من مرة وطمنتك؟
احتضنت بطنها المنتفخ ببعض الألم، ثم قالت:
_مكنش ينفع يا عمر.. انا قلقانه عليه ومحتاجة اتطمن بنفسي.
هز رأسه بتفهمٍ، فاخرج هاتفه ليتفحص اخر رسائله فتفاجئ بانغلاقه، تساءلت باستغراب حينما وجدت معالمه قد تبددت تماما:
_في أيه؟
اشار لها بمرح:
_التليفون فصل شحن!
ضحكت وهي تسأله:
_وعايزه في ايه طيب.
اجابها وهو يضغط على زر الطابق العلوي:
_كنت حابب اطمن على نور كان باين عليها امبارح انها تعبانه.
ضحكت وهي تخبره بمشاكسة:
_متقلقش هتلاقيها فوق مع رحمة.
_بجد!
أكدت له وهي تجاهد شعورها بالألم:
_أنا جاية معاها بس قولتلها تطلع الاول عما اريح تحت شوية وآآه.
أمسك يدها التي تشدد على جاكيته، فقال بقلق:
_مالك يا مليكة؟
جحظت عينيها وهي تشير له، فانكمشت معالمه وهو يشير بصدمة:
_لا أبوس ايدك لا أنا اتبهدلت مع مراتي واخوكي مش جاهز لولادة تانية أنا!
صرخت بصوتها كله وهي تصيح به:
_ده وقته... بقولك بولد الحقني يا عمر!!
وختمت حديثها بصرخة مداوية، جعلته يعود بالمصعد للاسفل، فحملها واسرع لقسم الجراحة، تراجعت به للخلف وهي تشير له بانفعال:
_لااااا.. مش هولد هنا وديني لدكتوري!
رمقها بنظرة ساخطة، ومن ثم قال:
_انتي بتتآمري وانتي بالحالة دي!
صرخت بالم وهي تشير له:
_خدني لدكتوري يا عمر مش برتاح غير عنده هموت!
حملها مجددًا وأسرع تجاه باب الخروج، ومن ثم اتجه لسيارته ليتحرك للمشفى المتخصص للنساء والتوليد.
******
جن جنونه حينما لم يجدها بغرفتها، لم يترك "رائد" شبرًا بالقصر الا وبحث عنها به، مازالت اللهفة تعتريه ليقدم الف اعتذار لها، كان يود ضمها ليطمئن على جرح ذراعها، اتجه لغرفة آسر ومريم، فما أن ولج للداخل حتى تجاهله الاولاد تمامًا، وكأنه شفافًا، حاول رائد أن يقترب من ابنه ولكنه رفض الحديث معه، فلم يستسلم وحاول مع ابنته، وسألها بلهفة:
_مامي فين يا مريم؟
منحته نظرة حملت عتاب قاسٍ ومن ثم قالت:
_أخدت حاجتها وسابت البيت.
صعق لما استمع اليه، فاسرع للاسفل ومن ثم صعد لسيارته ليتجه لمنزل شقيقها، لا يعلم كيف وصل هناك بذلك الزمن القياسي من القيادة، طرق رائد على شقة اخيها، وبعد دقائق فتح الباب وهو يردد بذهولٍ:
_رائد؟
وضمه بترحابٍ لحق بسخرية نبرته:
_عاش من شافك يابو نسب... ايه غيرت معادك من العيد للعيد ولا أيه؟
ملامحه لم يتنسى لها التأقلم على مزحه، فقال بجدية:
_رانيا فين يا مجدي؟
ضيق عينيه بدهشةٍ:
_انت بتهزر.. مهي بالبيت يا ابني لسه قافلة معايا من شوية وقايلالي انك مع عدي بالمستشفى!
صمت مطولًا مما جعل الاخير يزداد قلقًا، فقال :
_في أيه يا رائد، قلقتني؟
رد عليه وهو يرسم ابتسامة مخادعة:
_مفيش أنا لسه راجع من المستشفى وافتكرت انها هتعدي عليك فقولت افوق اخدها.. يلا هكلمك تاني.
وتركه وغادر قبل أن يعود لاسئلته التي لا يحمل جوابها، عاد رائد للقصر، فاتجه للصالون بالاسفل حيث يجلس رعد يتابع جريدته وهو يرتشف كوب قهوته بتلذذ، وفجأة وجده يقتحم مجلسه وهو يسأله:
_مراتي فين؟
******
ضحكت الصغيرة وهي تراه يزم شفتيه تأففًا من الدواء اللازع المذاق، فما أن خرجت الممرضة، حتى عنفها بمزحٍ:
_بتضحكي على أيه؟
قالت من وسط ضحكاتها:
_عشان لما أخد الدوا بعد كده ما تبقاش تتريق عليا يا بابي!
رمقها بنظرة حادة ومن ثم انفجر ضاحكًا هو الأخر، فردد بمكر:
_انتي جاية تشمتي فيا يا رحمة لا الافضل ترجعي القصر.. أنا كده كده راجع بليل.
وضعت قدمًا فوق الاخرى وهي تعدل من فستانها الازرق الطويل، قائلة بغرور:
_خلاص هضطر اقعد وارجع معاك.
رفع حاجبيه باستنكارٍ:
_هضطر!
أومأت برأسها وهي تخبره باقتناع:
_امال مين هياخد باله منك غيري!
ضحك وهو يسألها بفضول:
_أمال أخوكِ فين!
كادت باجابته فقاطعها دخوله، فاتجه اليه بخطوات مرتبكة، وقف ياسين لجوار الفراش وهو يتلاشى التطلع لابيه، من يراه يظن بأنه مجبورًا على القدوم الى هنا، وفجأة رفع عينيه المحتقنة بالدموع وهو يتأمل كل خدش بوجه وجسد عدي، فانهمرت دمعاته وهو يردد بصوته الباكي اللاجئ للثبات بأقصى ما فيه:
_حمدلله على سلامة حضرتك
استنساخه الصغير، نجح بنقل معاناته له، ما قد يفعله إن مر بنفس ما يمر به، اشار له عدي بالاقتراب، وحينما دنى منه ازاح دمعاته بيده وهو يخبره بصوتٍ يشوبه الحزن والتأثر:
_مش عايز أشوف دموعك تاني يا ياسين.
رفع عينيه العسلية اليه، ثم رددت ببكاء:
_غصب عني.
ولف يده حول رقبة عدي وهو يحتضنه بقوةٍ، فضمه عدي اليه هو الأخر، وفجأة تسلل صوتًا رجولي اليه:
_مكنتش متوقع يكون شايلك كل الحب ده؟
اندهش حينما وجد أبيه يستند على باب غرفته ويتابع ما يحدث بينهما، فترك محله ودنى منه وهو يسترسل بغموضٍ:
_يمكن لانك أب! فهتقدر تقيم أحساس ابنك كويس زي ما أنا قادر افهمك وأفهم كل حاجة بتدور جواك، بس يا ترى أنت كمان فاهمني زي ما ياسين فاهمك!
ومنحه ابتسامة ثابتة قبل أن يستدير ليتجه لسرير رحمة، ولكن سرعان ما توقفت خطاه حينما قال عدي:
_أيه الخطر اللي مقدرتش تحميني منه وخلى ياسين الجارحي بنفسه يعتذر لابنه وهو بيصارع الموت!
........ يتبع..........
#الجارحي5.. #آية_محمد_رفعت..
الحبايب في مدينة بورسعيد هتلاقوا كتبي الورقي كلها(ايكاتا، تمائم عشق لم يكتمل، خارج عن المألوف، بشرية أسرت قلبي جزئين، بضاعة مزجاة، الاربعيني الاعزب، الجارحي أربع اجزاء، بابا سوبر مان، الجوكر والاسطورة) في #خيمة_إبداع #ركن_الكتب_المخفضة في #معرض_بورسعيد_السادس_للكتاب في أرض الجراج (ديليسيبس باي) طرح البحر مقابل حلواني ملفاي ومديرية أمن بورسعيد.
******
خيمة إبداع الخيمة رقم 5 على اليسار أمام مسرح الفعاليات
******
مواعيد المعرض من 23 يوليو - 1 اغسطس
يوميا من الساعة 4 عصرا للساعة 1 ليلا
******
في انتظاركم يوميا في المعرض
للتواصل في المعرض واتساب الرقم 1004022774
******____________********
أحفاد الجارحي ..ج5.. ترويض الشرس ..آية محمد رفعت الفصل العشرون 20 - بقلم آية محمد رفعت
#ترويــض_الشرس! (#أحفاد_الجارحــي5...)
#الفصل_السادس_عشر!
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة "دعاء حمدي"، والقارئة العزيزة"مريم يسري"، "نهى حمدان"،" والقارئات الغاليات بمناسبة أعياد ميلادهن"منة الله"،"رشا "(كل سنة وأنتم أقرب فيها إلى الله)، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم الغالي ..قراءة ممتعة 💙)
من قال أن الأخ لا يعوض وجود الأحبة من جوارك! ، مساندته صادقة لا تزينها أي نفاق، ربما ستجد الكثير لجوارك قبل دخولك لغرفة الجراحة إن شاء الله لك بذلك، عساك بمفردك برحلتك المخيفة،التي تبدأ من رؤية باب الغرفة، ستجد أهلك جوارك يدعمونك وستجد من أتى خصيصًا لقضاء الواجب ولرد زيارة قد سبق لك زفها لفرد من عائلته، علك تبحث عمن يشاركك قلقك ويحتجز قلبه خلف ذاك الباب الأبيض الذي يحدد مصير حياتك، ستستعين الدعم من أعين من حملتك برحمها لتسعة أشهر وهي تحتمل ضغط بنتيك داخلها،علك تبحث عن نصفك الأخر (الزوج،الزوجة)، ثاني من يلتاع قلوبهم خوفًا على ابنائك، ومن تلك الحسبة العقلانية ستجد أخيك لجوارك.
ضمة يده فوق يدها، وتشبثه بالسرير المتحرك الذي تدفعه الممرضات، بدد خوفها القابع بداخلها، كانت بحاجة لزوجها وعائلتها، ولكن لم يسعفها الوقت الا بوجود أخيها، فلم يخيب ظنها أبدًا، سد كل تلك الفجوات التي تنساب بالقلق حيال وجود زوجها ووالدتها، شددت "مليكة" على يد عمر وهي تهمس له ببكاءٍ ووجعًا يضرب أسفل بطنها :
_أنا خايفة.
منحها ابتسامة دافئة وهو يمرر يده على وجهها ليزيح عنها عرقها الذي يبلل جبينها:
_خايفة من أيه يا مليكة، أنا جانبك ومش هسيبك.
هزت رأسها بخفوتٍ وهي تدعي تمسكها بقوة زائفة، دفع عمر السرير ليدخل بها لباب الغرفة، فتشبثت بيده وهي تهمس له سريعًا قبل أن تنفصل يدهما:
_عايزة ماما... كلمها وكلم ياسين يا عمر.
ظنت بأنه سيتركها عند هذا المطاف، فولجت لداخل غرفة الجراحة وهي تحاول السيطرة على بكائها، خاضت مرحلة شاقة مع أول ولادتها بابنها "يحيى"، فعلمت بمشقة ما ستعانيه مجددًا، خاصة بأن ولادتها ليست سهلة بالمرة، أغلقت مليكة عينيها وهي تحاول السيطرة على دمعاتها، هي حقًا بحاجة لوجوده جوارها، وفجأة شعرت بضمة يد تربت على أصابعها ويد أخرى تمسد على حجابها الغير مرتب، فتحت عينيها بلهفةٍ عساها تراه، فتقوس حاجبيها وهي تردد بدهشةٍ:
_عمر!
تفاجآت بوجوده لجوارها مرتديًا زي الجراحة وكمامة طبية، بعد أن تم تعقيمه بالكامل، فظل جوار رأسها يربت على خصلاتها وهو يخبرها بحنانٍ:
_أنا جانبك يا مليكة.. متخافيش.
تساءلت بشكٍ:
_ماما وياسين!
ازاح عنه الكمامة، ومال ليستند على رأسها وهو يهمس بمرحٍ:
_موبيلي فاصل شحن وفشلت أفتح موبيلك.. فكرت اجبهولك تفتحيه هنا بس شكلنا هيبقى مسخرة واحنا بنكلمهم من هنا.. فمتحلميش اني اسيبك لوحدك أبدًا، لما نطلع من هنا مع بعض ومعانا البنوتة اللي طلعت عنينا دي نبقى نكلمهم.
ضحكت حتى أدمعت عينيها، ومالت برأسها تجاهه، تناست عدم وجود أحدٌ لجوارها، حنانه ومحبته غمرتها وجعلت الامان يطوفها، وكلما استسلمت للمخدر النصفي كان يباغتها بسيل من الاسئلة والحديث الذي جعل مؤشراتها الحيوية تبدو جيدة للطبيب الذي يتابعها من الوقت للأخر بقلقٍ، فحينما يجد عمر يجبرها على الحديث كان يمنحه نظرة امتنان لحرصه على مساعدته دون أن يطلب بذلك، كونه طبيب كان يتابع الاجهزة بقلقٍ يساوره كلما اغلقت عينيها، وفجأة خفق قلب عمر كأول خفقة انتابته فور سماعه لصوت ابنته، صوتها كان مشابهه لتلك الصغيرة، اتسعت ابتسامته وهو يحملها بين يديه، فحرص على أن يساعد الممرضة في تحضريها ولفها بالملاءة الصغيرة، حملها عمر وهو يبتسم بسعادة، فاتجه بها للفراش، حاولت مليكة حملها فوضعها عمر لجوارها وهو يعيد خصلاتها المتمردة على عينيها داخل حجابها، فطبعت قبلة صغيرة على جبينها، وعادت لتستلقى بتعبٍ، ضمها عمر اليه وهو يخبرها:
_ما شاء الله عسولة أوي...شبهك أوي يا مليكة.
أجابته ببسمة رقيقة:
_لسه مش هيبان دلوقتي.. أنا عايزاها شبه ياسين على فكرة فسبني احط أمل!
رفع حاجبيه بسخطٍ:
_ما الواد طلع شبهه.. هيبقى الولد والبنت!
وردد بتذمرٍ:
_الستات أغلبها كده..عايزين اولادهم شبه الأب مع أن لو حد قال ان الطفل شبهها هي المفروض تفرح!!
فتحت عينيها وهي تشير له بدلالٍ جعل الاخير يضحك بصوته كله:
_مش كل الستات... الست اللي بتحب جوزها بجد عايزة أولادها كلهم نفس السنحة بتاعت جوزها!
وضع الصغيرة بين يد الممرضة التي تود نقلها للغرفة الخاصة، بينما يتم تحضير مليكة للخروج، فانحنى عمر تجاهها ثم طبع قبلة على جبينها وهو يردد بمحبة:
_حمدلله على سلامتك يا حبيبتي، هخرج لحد ما يجهزوكِ وأنا بنفسي هنقلك للاوضة..
ومازحها حينما استطرد:
_أكيد بعد ما البلونة نزلت الشيلة هتبقى أخف مش زي واحنا جايين..لحسن ضهر اخوكِ بقا محتاج صيانة واصلاح بعد ولادتين وعملية!!
ضحكت بصوتٍ جعلها تصرخ وهي تشير له:
_بره يا عمر.. متضحكنيش!
رفع يده باستسلامٍ:
_طالع!
وتركها واتجه للغرفة الداخلية لجناح العمليات، فوجد صديقه ينزع ملابسه ومن ثم يعقم ذاته قبل ارتدائه الملابس الخضراء التي تحمل رمز المشفى، وضع يده على كتفه فجأة فردد الطبيب بفزع:
_خضتني يا عمر.. أنت مبقاش وراك غيري ولا أيه؟
اجابه ساخرًا:
_مش قولتلك سلسال العيلة طويل وكل شوية هتلاقيني نططلك.
ضحك وهو يشير له بتعقيم يده، فاتجه عمر للصنوبر الصغير الموضوع جانبًا، ثم خلع عنه تلك الملابس، وبعد ثوانٍ معدودة وجد أحدى الممرضات تخبره بأنها جاهزة للانتقال للغرفة المجهزة، على الفور توجه عمر للداخل، فاستمع لها وهي تتحدث مع احدى الممرضات بخوفٍ:
_لا مش عايزة السرير ده.
اقترحت عليها بشفقةٍ لحالة الذعر المسيطرة عليها:
_تحبي أجبلك كرسي متحرك.. بس معتقدش انك هتقدري تقعدي عليه!
حملها عمر بين يده وهو يشير للممرضة بأنه سيتوالى أمرها، منحته مليكة نظرة امتنان، ومالت برأسها على صدره مستسلمة لنومٍ تام بعد اطمئنانها بأنها غادرت تلك الغرفة أخيرًا، حملها للغرفة التي يزينها اللون الوردي استقبالًا للفتاة الصغيرة، فوضعها للفراش ومن ثم حمل الصغيرة عن فراشها، طرقت احدى الممرضات على الباب الذي لم يغلق جيدًا وهي تخبره ببسمة عملية:
_موبيل حضرتك.
التقطه منها فوجده قد اتم شحنه، لذا على الفور مرر اتصاله بياسين الذي أجابه بعد أكثر من مرتين جاهد بهما بالاتصال عليه، فأتاه صوته الناعس يردد بفزغٍ:
_أيوه يا عمر.. عدي كويس؟!
أتاه صوته الهادئ يطمن قلقه الزائد:
_بخير اطمن.. أنا عايزك في موضوع مش عارف هتستوعبه ولا أيه؟
زاد قلقه قلقًا، فقال بعصبيةٍ:
_ما تنجز قلقتني!
قاطعهما صوت بكاء الصغيرة التي سلبت قلب خالها الحنون، فهزها برفقٍ وهو يردد بحبٍ:
_يا روحي على الجمال والصوت الجميل والحلاوة... طب أنا هعمل بيكِ أيه دلوقتي!
استمع ياسين لهمساته المنخفضة لصوت البكاء الذي تسلل إليه، فسأله باستغرابٍ ظنًا من ان ذلك الصوت يخص صغيره عدي( ابن عمر):
_أنت هنا بالقصر؟
أوضح له وهو يهدهد الصغيرة:
_لا... اللي سمعته ده صوت بنتك مش ابني.
تجعد جبينه بدهشةٍ:
_بنت مين؟ أنت بتقول أيه!
أجابه بتخبطٍ:
_قولتلك مش هتقدر تستوعب، مليكة ولدت الاحداث جت بسرعة لدرجة عدم الاستيعاب.. أنا تقريبًا حولت تخصصي لدكتور نسا وتوليد!
لغزًا يجاهد لفك اطرافه، فأصابه حالة من الصدمة، اتابعها صياحه الغاضب:
_أنت بتهزر يا عمر... ولدت أمته وازاي وأنا كنت فين من كل ده!
جاب الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يبحث عن خزانته، حالة التوتر سيطرت عليه فجعلته لا يعي ماذا يفعل أو ماذا يرتدي؟ ، كل ما يفعله هو الصياح المتعصب فتباعد عنه هدوئه ألف ميل:
_وانت ازاي متكلمنيش، جاي دلوقتي تعرفني!!
ابتسم الاخير بانسجامٍ تام مع الصغيرة، ورد عليه ببرودٍ يتحلى به من يتطلع لتلك الفاتنة:
_موبيلي فصل شحن فجأة، وبعدين يا عم أيه الدراما دي هو أنا بقولك جوزت بنتك لابني وتعالى لم الموضوع، بقولك البرنسس شرفت الدنيا هنقولها ارجعي لحد ما نوصل لابوكي! أما أنت بني آدم غريب!
جز على شفتيه السفلية بقوةٍ كادت ببترها، فردد بغيظٍ:
_ابعتلي عنوان المستشفى واقفل يا عمر!
وأغلق هاتفه والقاه على الفراش، ثم أسرع لخزانته فجذب أول ما تلقفته يده ليسرع للذهاب للمشفى!
*******
بالأسفل..
عاد ليطرح سؤاله من جديدٍ، حينما تجاهله أبيه عن عمدٍ:
_فين رانيا يا بابا؟
ترك الجريدة عن يده ثم رفع رأسه ببطءٍ إليه، فمنحه نظرة قاتمة تخفي من خلفها غضبًا يموج لأفعاله الصبيانية التي لا تليق برجلٍ مثله، ومن ثم قال:
_عايز تعرف مكانها ليه بعد اللي عملته فيها... هيجيلك عين تقف قدامها بعد اللي اتسببت فيه!
اقترب "رائد" منه حتى بات قريبًا منه، وقال بحزنٍ تلألأ بصوته المتألم:
_غلطت وعارف بده.. خليني أعتذرلها وأطمن عليها.
ترك رعد مقعده، ثم ابتعد عن محيطه وهو يخبره بقسوةٍ:
_مظنش إنك هتتعلم من غلطك أنت هتفضل كده على طول، طايش ومش أد مسؤوليتك كزوج أو أب.
تابعت دينا حوارهما بوجعٍ على حال ابنها الوحيد، بالنهاية هي أم، مهما حمل الابن من أخطاء ستواجهه الأم للصواب وتنصحه ولكن قلبها سيئن وجعًا حينما تراه يعاقب عما فعل، فاقتربت من زوجها ثم قالت بعاطفة تنجح يومًا باستمالته:
_ملهاش داعي الطريقة دي يا رعد، هو خلاص عرف غلطته.
استدار تجاهها ومازالت يده موضوعة خلف ظهره، فقال بلطفٍ تحلت به نبرته الجافة:
_من فضلك اطلعي فوق يا دينا.. ده موضوع بيني وبينه بلاش تتدخلي فيه.
عاتبته بضيقٍ:
_متدخلش ازاي ده ابني يا رعد!
فك يده عن مقبضها، ووقف قبالتها يتابع حديثه بتحذير:
_وابني أنا كمان ومن واجبي أعرفه غلطه.. وغلطته المرادي كبيرة حتى لو الكل سامحه، ابنك لو انا موقفتش في وشه هيغلط مرة واتنين ومليون، حبيبتي اطلعي أوضتك وانا شوية وجايلك نكمل كلامنا.
أومأت برأسها وتركت الساحة لزوجها بهدوءٍ، تابعها رائد حتى اختفت بالمصعد، فعاد ليتطلع لأبيه بحزنٍ، فأشار له بغموضٍ:
_كويس انك متابع حوارنا... معتقدش اني حاليًا هادي أو في أحسن حال، أنا متعصب ومنفعل من أفعالك جدًا ومع ذلك متعصبتش على والدتك ولا مديت ايدي عليها حتى لو بالغلط، ولا عمري عملتها قبل كده تفتكر أنت باللي بتعمله ده عايز ابنك يطلع شبه مين فينا!
الابن بيطلع لابوه، ابنك طول مهو شايف طريقتك مع والدته بالشكل المهين ده تفتكر هيعامل مراته ازاي؟
وتابع حديثه بهدوءٍ معاكس لحالة غضبه:
_الست بطبعها مبتقدرش تتحكم في قلقها، القلق بيسيطر عليها لما تشوف جوزها أو ابنها او أي فرد من عيلتها راجع مهموم، الف سؤال هيدور في رأسها، يا ترى هو تعبان ولا اتخانق مع حد ولا سبب خنقته دي أنا!
وأشار اليه وهو يسترسل:
_وأنت المفروض تطمنها على الاقل لو مش قادر تتكلم تعرفها سبب زعلك وانك مش جاهز تتكلم في تفاصيل، ولم هتهدأ هتكلمها فيها ساعتها هتسبلك مساحة خاصة بيك وهي عارفة على الاقل انت مالك، لكن اسلوبك ده مينفعش..بنت الاصول جت بيتك عشان تعامل فيه زي الملكة مش جارية فيه!
اقترب منه رائد حتى هبط الدرج القصير الذي يفصل الرسبشن الجانبي عن قاعة القصر الرئيسي، فقال بتأثرٍ:
_اديني فرصة على الأقل اصلح غلطي.. أرجوك يا بابا!
لانت نظراته القاسية تجاهه، فود لو ضمه اليه ولكنه لم يتمكن، غمره الجميع بالعفو فإن تساهل هو الأخر معه حينها سيعتاد على ما فعله بحق زوجته وبحق عدي، لذا كان عليه عدم الاستسلام.
كان يحيى بطريقه للأعلى حينما استمع لحوار رائد وتوسله لاباه، فانجرف عن طريقه واتجه ليقف قبالة رعد ورائد الذي لم يشعر بوجوده، كان يقف خلفه بالتحديد لذا انطلق صوته ليحيط آذانه حينما قال:
_انهي العناد ده يا رعد وقوله فين مراته، الامور عمرها ما هتتصافى بالبعد، بالعكس لما هيقعد معاها هيقدروا يحلوا اللي بينهم.
انتبه رائد لوجوده، فاستدار اليه بحرجٍ، فقطع يحيى المسافة بينهما، ثم وضع يده على كتف رائد ليشير له بأنه سيتولى الأمر، ارتبك رعد من وجود ابنه بينهما، فما سيقوله لا يود أن يسمعه هو، لذا لجئ للمماطلة حينما قال:
_بعدين يا يحيى لما يتأدب هبقى أقوله.
أصر يحيى على موقفه وهو يشدد على كلماته:
_يعني أيه بعدين؟ أنت شايف حالة الولد تسمح بده.. متبقاش قاسي عليه هو خلاص عرف غلطه!
كان عليه أن يخبره بالحقيقة حتى لا يظنه يخفي امرها عنه، لذا اخبره:
_يحيى أنا الموضوع ده بره ايدي.
رفع حاجبيه بدهشةٍ:
_ازاي يعني مش فاهم؟
صارحه بما حدث:
_ياسين هو اللي أخد رانيا من هنا.
واسترسل بضيقٍ وهو يتجه للمصعد:
_لو مستعد تخش في جدال معاه بسبب ابني اللي شايل نفسه غلط كبير ادخل لكن أنا لأ.
وتركه وغادر متعمدًا ان يريه قسوته لما فعله بحق عدي لاخر لحظة، وقف يحيى محله لثوانٍ يزن ما حدث هنا بعقلانية، سامحه ياسين الجارحي عما فعله بحق ابنه ولكنه الآن يعاقبه عما فعله بابنة هذا البيت!!
ما يحدث لأي فتاة هنا بمثابة جريمة اضرم النار بها ومن الصعب التغلب على اطفائها، لذا التفت لرائد وربت على كتفه وهو يخبره بحنان:
_ولا يهمك.. أنا هكلم ياسين وان شاء الله هقنعه إنه يرجع رانيا للقصر أو على الأقل يخليك تقابلها.
منحه ابتسامة امتلأت بالامتنان، وقال:
_مش عارف أشكرك ازاي يا عمي.
رد عليه بتأنيب ضمير:
_متشكرنيش أنت ابني يا رائد.. انا كمان لازم اعتذرلك اني رفعت ايدي عليك.. صدقني انا كنت بحاول أفوقك من اللي أنت فيه.. اللي مسمحتش بيه يدخل بينك وبين اخواتك وانتوا صغيرين كان صعب يدخل بينكم وانتوا كبار وواعيين!
اعترض على طلبه للصفح، حينما قال:
_لا طبعًا حضرتك مغلطتش.. أنا اللي لازم أعتذر من حضرتك ومن عمي عز وكل اللي كانوا واقفين... انا اللي كنت غلط يا عمي مش حضرتك ابدًا.
ضمه يحيى اليه وهو يشدد من احتوائه، فتفاجئ بياسين يهرع للاسفل وهو يرتدي ملابسه على الدرج بطريقة زرعت القلق للجميع، فدنى منه وهو يتساءل بحيرةٍ:
_في أيه؟
أجابه ياسين وهو يرتدي حذائه:
_مليكة ولدت.
ضيق عينيه بدهشة:
_أمته ده.. ومقولتش ليه؟
أشار له بقلة حيلة وهو يخبره:
_أنا نفسي لسه عارف دلوقتي من عمر.
جذب بحيى جاكيته الموضوع على المقعد، ولحق به ورائد من خلفهما.
*****
أرادت آية الحديث مع رحمة بأمرٍ هامٍ، لذا اتجهت اليهما قبل صعودها، وباشرت بما تشعر به تجاهها، فقالت:
_رحمة انتِ الفترة الاخيرة مرتبكة وعلى طول سرحانه، من قبل حادثة عدي وفيكي حاجة مش مظبوطه.. انتي مخبية علينا حاجة؟
عاد الارتباك ليسيطر عليها من جديد،فلعقت شفتيها علها تمنحهما بعض الرطوبة،ومن ثم قالت:
_أنا آآ..
قاطعتها آية حينما قالت:
_ اتكلمي يا حبيبتي ومتخافيش!
هزت رأسها وهي تخبره ببسمةٍ مصطنعة:
_مفيش حاجة.. انا الفترة اللي فاتت كنت تعبانه واللي حصل مع عدي تعبني أكتر.
احتضنت يدها وهي تربت باليد الاخرى على كتفها:
_هيبقى كويس وهيرجع بيته بالسلامة.. فوقي انتي لنفسك ولصحتك عشان أولادك محتاجينلك يا حبيبتي.
كبتت نور ألمها الشديد الذي هاجمها فور صعودها للاعلى بالرغم من صعودها بالمصعد، شعرت بأن مكان جرحها يضرم نيران تكاد تمزق أحشائها، فكبتت تأويهاتها المتألمة، حتى شعرت آية باحتقان وجهها فعنفتها بضيقٍ شديد:
_طبعًا تعبانه وموجوعة بسبب عنادك وتصميمك انك تيجي هنا... يا بنتي مينفعش الخروج وانتي بحالتك دي، ورحمة أكيد متفهمة ده كويس مش هتعاتبك انك مجتيش أو مكنتيش جانبها وانتي محتاجة للي يكون جنبك!
ردت عليها نور وهي تجاهد ما يعتريها:
_أنا اللي كنت حابة أطمن عليها.. بس أنا محتاجة فعلا ارجع البيت لاني حاسة اني تعبانه.
أمسكت آية يدها، ثم عاونتها عن الوقوف قائلة بقلق:
_طب اسندي عليا لحد ما نخرج للسواق.
تشبثت بالمقعد وهي تخبرها ببسمة صغيرة:
_اطلعي انتي لعدي وأنا هرجع لوحدي.
أصرت على قرارها:
_لا مش هسيبك طبعًا وأنتي بالحالة دي.. هرجع معاكي وانا بنفسي اللي همنعك من الخروج الفترة دي.
والتفت تجاه رحمة ثم تساءلت:
_هتقدري تطلعي لوحدك يا رحمة؟
أكدت لها حينما قالت:
_أيوه انا كويسة الحمد لله.. خليكي مع نور شكلها تعبانه خالص.
أشارت لها بإيماءة صغيرة ثم عاونتها لتغادر بها المشفى.
******
_أيه الخطر اللي مقدرتش تحميني منه وخلى ياسين الجارحي بنفسه يعتذر لابنه وهو بيصارع الموت!
شامخًا هو لم يهتز له جفن، وكأنه لم يستمع لشيءٍ لتو، بثقةٍ استدار تجاهه،انخفضت عينيه لحفيده الذي يراقب حديثهما الغامض بدهشةٍ، فزف أمره اللين إليه:
_خد أختك يا ياسين وإنزل عند نور ورحمة.
إنصاع الصغير إليه، فأمسك يد شقيقيته، ثم خرج بها للأسفل وأغلق الباب من خلفه ليترك لهم مجال الحديث، فمال بجسده تجاه النافذة القريبة منه، وهو يجيبه بنبرته الثابتة:
_أحميك من الهوا اللي ممكن يتسببلك بأي أذى، من أي شيء عجزت اني احميك أو أحمى حد من أولادي منه!
تعمق بالتطلع اليه، ومن ثم قال بشجنٍ:
_كنت سامعك وحاسس بيك وأنت جانبي وماسك ايدي!
استدار إليه ببطءٍ شديد، ثم جذب أحد المقاعد ووضعها جوار سريره، ثم جلس بهدوءٍ اتبع نبرته المتزنة ونظراته لا تترك عين من يراقبه بفضول:
_ده مكاني الطبيعي يا عدي...جانبك، في دهرك.. حتى ولو مقدرتش تشوف ده.
ورفع ساعديه حتى لمس كف يده رأسه، فمررها برفقٍ على رأسه وهو يتابع:
_طول ما فيا النفس عمري ما هتخلى عنك.
وعاد بجسده للخلف وهو يتعمد التطلع اليه وهو يستكمل حديثه:
_أنت متوقع مين فينا بيستمد قوته من التاني؟
وابتسم ساخرًا وهو يردد:
_ياسين الجارحي مالوش نقط ضعف من وجهة نظرك.. بس النهاردة خليني أعرفك عن أهم نقطة ضعف ليا يمكن تقدر تغلبني بالتحديات اللي مش بتنتهي بينا.
وبإشارة من عسليته قال:
_أنت نقطة ضعفي.. وأنت أساس قوتي!
ومن ثم انحنى ليده التي تغزوها الآبر الطبية، فطبع قبلة صغيرة عليها وهو يخبره بجمود نبرة لا تليق بما يقول ويفعله:
_مستعد أحارب لاخر نفس فيا عشانك وعشان اخواتك.. أنت مش شايفني غير بنظرة أنا اتعمدت انك تشوفني بيها.
أدمعت عين عدي تأثرًا، فابتسم ياسين وهو يتابعه باهتمامٍ:
_خليني أعترفلك النهاردة انك الوحيد اللي جوه عيلة الجارحي بتشبهني في عنادي وكبريائي اللي صنعته لنفسي، بس اللي عايزك تفهمه اني اللي كان في مواجهتي جدك وكان يستحق اني أكون كده لكن أنا لا يا عدي... أنا مش زيه ولا هكون في يوم كده.
وضم يده بين كفه وهو يشمله بحنان ودفء حديثه:
_أنا لو الكون كله ضدك هتلاقيني أول واحد في صفك وبدافع عنك.
تهاوت دمعاته على خده، فنهض ياسين عن مقعده بعصبية اطاحت مقعده بيده، للحظة لم يفهم عدي ما أصاب والده، الا حينما ولاه ظهره وهو يردد بانفعالٍ شرس:
_مش عايز أشوف دموعك في حياتي كلها... سامع!!
أزاح سريعًا دمعته الخائنة، وقال بصوت واهن:
_بس أنا شوفتها لأول مرة بعيونك وأنا في العمليات!
استدار تجاهه فوجده يجاهد للوقوف على قدميه، لم يحاول مساعدته قط، ضم يده للخلف وراقبه بثباتٍ مهيب، يتمنى رؤيته يخطو بثبات قامته التي اعتاد رؤيته بها، اقترب منه عدي ثم قال بابتسامةٍ شقت الطريق على شفتيه:
_أنا معنديش شك انك بتحبني لاني ابنك، بس عندي الف سؤال بيطرح نفسه مع كل تحدي صعب بتحطه قدامي، كأن حضرتك حابب تشوفني عاجز ومش عارف أحل!
تعمق بالتطلع اليه وأجابه بتريثٍ:
_الصعب بالنسبالك انك تطلب مساعدتي مش الاختبار يا عدي!
ارتبكت نظراته حينما بدى عاريًا أمام أبيه الذي بدى يعرفه أكثر من نفسه، فاسترسل ياسين:
_أوكي أنا حابب أشوفك كده.. بصراحة أنا عندي فضول أشوف نهاية عنادك دي أيه... وزي ما تقول كده مبقاش في شيء يسلني غير التحديات اللي بينا.
ابتسم عدي بالرغم من عينيه الدامعتان،واقترب منه وهو يخبره:
_بس أنا مش عايز اخوض تحديات تاني.. أنا عايزك جنبي دايمًا يا بابا!
ضمه ياسين إليه بألم يشعل صدره، ود لو تخفى به لأبعد نقطة على وجه الأرض حتى لا يطوله الأذى، ومع ذلك سيطر على انفعالاته وضعفه الذي لم يحتل لافتة من صفحات دفتره، فأبعده عنه وهو يخبره بحنان:
_قولتلك أنا جانبك حتى لو أنت بنفسك رافض وجودي...مفيش انسان بيقدر يستغنى عن عين من عيونه وأنت وأخوك وأختك بصري اللي من غيره مقدرش أشوف!
وفجأة أشار له بصرامةٍ، جعلت الاخر يكبت ضحكاته:
_من فضلك ارجع لسريرك وبطل تعيش دور العيل الصغير سبق وقولتلك لو صبغت شعري هبقى أصغر منك!
ودفعه للخلف برفقٍ وهو يتابع باتزانٍ وحزم:
_هالك نفسي بالرياضة والتمارين وفي الاخر يتعلق بيا ويقولي بابا! .... ياسين الجارحي أفضل مفهوم؟
فشل عدي بالسيطرة على ضحكاته، فمنحه ياسين نظرة حادة جعلته يشير له باحترامٍ بأنه سيتوقف بالحال، ولكنه لم ينجح بالسيطرة على ذاته فضحكوا معًا في لحظات ربما لن تنتسى، قاطعهما صوت رنين هاتف ياسين، فحينما رفعه وجد رسائل من عمر لم يراها الا الآن بولادة مليكة فتركه وتوجه للمشفى على الفور..
******
بمكانٍ أخر بعيد عن القاهرة، وربما سيكون ضيف به لعدة أيام،فتلك احدى ميزاته لذا يصعب على أحد الوصول اليه لتغيره للاماكن كل فترةٍ، صُدم مهاب مما استمع اليه، فود لو أنه أخطئ سماعه لذا عاد ليسأله من جديد:
_يعني أيه؟
أجابه كبير رجاله وهو يهاب القادم:
_زي ما فؤاد قالك يا باشا.. عدي الجارحي ميعرفش إن مصطفى خرج من السجن أساسًا، في شخص تاني بيحمي عدي ومانع اي أذى يطوله وهو نفسه اللي حاجز مصطفى عنده وقتل رضا الحارس اللي زرعناه جوه بيت عدي الجارحي.
واستطرد حديثه بناء على ما جمعه من بيانات:
_التوقيت اللي مصطفى دخل فيه المستشفى عشان يخطف رحمة بنت عمه عدي مكنش موجود في المستشفى اللي كان موجود وقتها نفس الشخص اللي بسببه معرفناش ندخل المستشفى اللي اتنقل فيها عدي ولا نعرف حاجة عن حالته الصحية لحد اللحظة دي..
تجمع غضب الكون بأكمله بمقلتيه وبصراخ جنوني صاح:
_يطلع ميــــن ده؟؟!
أجابه وهو يتحاشى غضبه:
_ياسين الجارحي... أبوه!
أظلمت عينيه بهلاكٍ قاتل، فابتسم بسخرية وهو يردد بفحيحه الخبيث:
_بسيطة.. نلاعب الأب وابنه!
....... يتبع...........
#احفاد_الجارحي5.. #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت...
بعتذر لقصر الفصل لسه عيوني ورمة وممنوعة من الفون بس مقدرش اوقف احداث الرواية لان اساسها في الاحداث الجاية، ودي من اهم فصول الرواية، بتمنى ينال اعجابكم وبانتظار رأيكم... بحبكم في الله ♥
****______******