" مع بزوغ فجر اليوم التالي وعلى حافة شاطئ ما كان هناك جثمان لا يتحرك ساكنا، يداعبه الموج المتلاطم كل حين فيحمله على اعتاقه جهة اليابسة، حتى جاء بِكر الشروق وضوى وجهه بانزعاج مبين فـ راح ينتفض على غرته يسعل بعنف متلاحق ما استنشقه من الماء، إلى أن انتظمت انفاسه وهدأ صدره باستفاضة طيبة من الهواء، فجالت عيناه من حوله على المكان والوقت .. والآحرى من هذا وذاك من اخرجه من الماء؟!
اعتدل جالسا يشاهد على مقربة منه في وسط البحر عرض بهلواني لسمكتان من فصيلة الدلافين الصديقة والمحببة للإنسان !
غاصت ذاكرته مع بديع ما يبصره لتلك الثواني قبل الانفجار، تحديدا عند مرور سرب من ذلك النوع أمامه ليفاجأهم هياج الماء وتعكر صفوة ومن ثم اهتزاز اجسادهم دون إرادة، ليرافقهم ضياع الرؤية وغياب الوعي جزيئا ليعقبها دفع شديد العزم لبنيته صوب سطح الماء حتى اغمض جفنيه بعدها في خنوعا وارهاق تام !
فطن بأن أحد تلك الأسماك هي من أبت تركه وقامت بانقاذه، وهذا ما تأكد منه عندما أبصر إحداهما تقترب منه على استحياء، تبث إليه زقزقة ضعيفة كأنها مبتهجة لنجاته رغم حزنًا يملأ عينيها، والذي لم يغفل عنه بديهيًا وعن سببه الذي يعود لفقدانها أحد من رفقاءها في ذاك التفجير، زفر بضيق ثم بهدوء وبطء قام ينزع عن كتفيه معدات الغوص الثقيلة وزعنفة ارجله وأقترب يفيض بلمسات راحته الحانية على مقدمة رأسها، مقدما من خلالها واجب الاعتذار عما بدر منه من إيذاء لاقرانها دون قصد، فتفاجأ أنها استقبلت لغة عينيه المواسية النادمة بكل ترحاب حين لاحظ انفراج فمها بضحكة عذبة ليتبعها مراقصة الذيل، كأنها توحي له بأنها تقبلت اعتذاره بصدر رحب ومن ثم عادت مقهقرة لموطن اباءها تبدع في عرض الماء بقفزاتٍ فطرية تجرفها بالبعد حتى غابت عن عينيه ..
عقب مقابلته الفريدة من نوعها في مجال عمله قلع عنه عباءة الدهشة والتعجب وراح يودعها بابتسامة حانية حامدا الله عز وجل على بديع خلقه وفيض رحمته الفطرية على من لا لديه عقل ..
ثم بدأ يتحرك لكشف هواية ذلك المكان من حوله بحذر شديد ..
بعد مسافة اثنان كيلو متر اهتدى لأول نقطة سكنية بالقرب من مكان التقائه باليابس، فـ راح متواريًا يراقب مواصفاتها ومواصفات سكناها بدقة متناهية خشية أن تكون أحد الدول المجاورة لموطنه على البحر المتوسط مما يتوجب عليه الوقوع تحت وطأة القانون بها، ولكن معالمها العامة الشبيهة بمدينة سياحية مألوفة ولهجة سكناها المصرية الباحتة ليليهما مرور سيارة أجرة بالقرب منه مدون على حائطها الأرشادي "أجرة مرسى مطروح" هو ما طمئنه كثيرا .. وحفزه على التحرر من مخبئه والعبور لأقرب محال أمامه لبيع المواد الغذائية ومطالبة صاحبه باتصالٍ عاجل متغاضيا عن نظراته المتمعنة والمشوبة بالتوجس لهيئته، والذي وافق مرغما بعد فترة صمت شك "عمر" برفضه خلالها، مما انتهز قبوله بعجالة كالغريق المتشبث بأي وسيلة للنجاة واسرع يقبض على سماعه الهاتف وهو يداعب لوحه برقم مميز يحفظه عن ظهر قلب ليصوبه تجاه أحد المكاتب بعمله، والذي راح دون كلْ أو تقصير بعمل حلقة وصل بينه وبين قادته الذين حمدوا الله على نجاته ثم قاموا جميعا على قدم وساق باعطاء الأوامر لبدء إجراءات استعادته على وجهة السرعة وفي سرية تامة حفاظا على حياة فهدهم الثمينة .. "
---------------------
" أنتي وأميييييير " .. مش معقول !
انتفض جسد "ندى" مع تلك الجملة عقب انصاتها لحديث شقيقتها الباكية، والتي بادلتها الحديث بعنف هجومي :
- ايه أنتي وهو دا يا "ندى" ما تحسني كلامك .. أنا مفيش من نحيتي حاجة هو اللي انسان مريض وبيتصور له حاجات محصلتش ..
حالتها المزرية ارغمت "ندى" على التخلص من شعورها المفاجئ سريعا والجلوس مرة أخرى لمبادلة الحديث بهدوء عقب تنهيدة مطولة :
- طب أنتي زعلانه ليه دلوقت .. بدال مش مرحبة خلاص بلاش منه وبلغيه رفضك .. بس حبه أعرفك حاجة قبل ما تبلغيه أن الموضوع لا هو عيب ولا حرام طالما هتراعوا حدود ربنا ما بينكم والأمر يمشي رسمي ..
طالعتها منصدمة بعينيها الدامية :
- انتي بتقولي إيه وانتي أكتر واحدة عارفه أن دا كارثة لوحدة زيي في عيون قرايبنا والناس ..
بنظرة مبهمة راحت "ندى" تفيض عليها بإتزان :
- اللي اعرفه بجد أن لا الناس ولا قرايبنا هيتبسطوا بأي شكل أنتي هتعمليه ولا عمرهم هيرضوا مهما حاولتي .. عشان كده بقولك استخيري ربنا وشوفي اللي في مصلحتك أنتي وبنتك وارمي رأيهم ورا ضهرك طالما بتراعي ربنا في تصرفاتك ..
اطرقت رأسها وهي تفرك راحتيها ببعضهما :
- طب وأهل "أحمد" مفكرتيش أنهم ممكن يا خدوا البنت مني ..
ودعت "ندى" نظرتها المبهمة بابتسامة كادت تزين شفتيها وهي تستقبل اعتراف شقيقتها المبطن عن مدى تقبلها للأمر، فراحت تجيبها بنبرة حانية ..
- أولا مش من حقهم لأن بعد جوازك البنت من حق مامتك وطبعا ماما مش هتحرمك منها، ثانيا والأهم أهل جوزك الله يرحمه مش من النوع المتوحش القاسي اللي بنسمع عنهم في الخلافات بأنهم يبعدوا أم عن ضناها، دول ناس عارفه ربنا وشريعته وإن محلل للمطلقة والارملة الجواز عشان تصون عفتها، وخاصة أنك لسه صغيرة والحياة قدامك وبنت ابنهم محتاجة احتواء في بيت مكون من أم وأب وعيلة بس دا طبعا بعد التأكد ألف مرة من أخلاق وسلوك العريس اللي الطفلة هتكون تحت رعايته خاصة أنها بنت ودا هيأثر عليها مستقبلا، والشرط المهم ده الحمدلله متوفر في "أمير" من معاشرتنا ليه أنا وجوزي في السنين اللي فاتت ..
عقب انتهاءها لاحظت شرود شقيقتها عن مواصلة الحوار فيما بينهما ويكاد يكون عن واقعها أيضا، كأنها باتت تعيد حسبة الأمر من جديد مع ذاتها العاصية، حينها ايقنت "ندى" أن مهامها قد انتهى إلى هذا القدر وأن الانسحاب الآن خير توقيت حتى تترك لقلب شقيقتها مساحة واسعة النطاق لإقناع الذات ..
-------------------------
مع مرور كثير من الوقت في وداع ساعات ليلةٌ خاشعة بالدعاء واستقبال نهارٍ أت بكل تقلباته النفسية المترقبة ظلت تجاهد لشغل وقتها حتى يأخذ القلق ذيل ثوبه ويغادرها لبعض الوقت; آخرها الخروج من قوقعة غائبها التي لم تسلم من لمساتها المشتاقة لأجل متابعة الأحوال بالخارج ..
على اعتاب الغرفة ابصرت أهتمام العجوز المطلق بشقيقتها ومدى سعادة الأخيرة بذلك .. ابتسمت ساخرة تخاطب النفس على ضرورة التخلي عن تلك الكلمة من بعد الآن والاعتراف بالواقع المرير .. بأن بات لا أم لديها .. أو شقيقه .. أو مربية حانية .. ولا حتى من وجود اعتراف حبيب يلوح في الأفق !
عادت ادراجا للدخل والحزن يشطر قلبها بأن ذلك المشهد الخلاب لا مكان لها به ويجب وأن تظل حبيسة الغرفة، إلا أن قلبها الملتاع شوقا للاطمئنان على الغائب ذكرها به وبرجاءه إليها قبل مغادرته، اغمضت عيناها فانحدر الدمع وهي تقرر تنفيذ كافة رغباته كما يجب حتى وأن خالفت رغباتها، وها قد بدأت بمحي تجاعيد الحزن عن الوجه ودفس قلقها عليه لوقت غير معلوم ومن ثم حركت أرجلها ثانيا للخارج تنوي المشاركة للجلسة بابتسامة مشرقة لا تنتسب لهيئتها المسبقة، مرح، مزاح، تحضير الطعام وتناوله، وركض هنا وهناك، هذا كان حالهن والذي لا يخلو من توجهاتها الغير مباشرة للصغيرة على ضرورة منادات العجوز بالجدة لأن بها من الحنان والطيبة ما لا يحصى، تفاجأت باقتناع "مريم" لحديثها دون جدال أو استفسار، فأيقنت بأن قلبها قد مال إليها دون جهد أو عناء ..
نظرات الحاجة "عفاف" الموالية للموقف تشبعت بالامتنان والشكر المطلق لـ "مرام" والتي تقبلته الأخيرة بكافة الترحاب والرضا لقضاء الله وقدره ..
تدفقت الساعات المتلاحقة على ذلك المنوال من المجاهدات الماكرة، لاشباع الصغيرة بالكثير من الحديث عن العجوز وولدها حتى تستعد للحقيقة المخبئة والعيش معها فيما بعد; خاصة مع ولدها الذي يجب علي قلبها مناصفة مشاعره بينه وبين والدته ولكن جاءت كل الجهود عند ذكر اسمه بالفشل، وملاحظة ارتعاد بنيتها الهشة ونفورها للفكرة من الاساس حتى باتت متشككه بأنها لم تنزع فكرتها القديمة عنه، كارثة تعيق هدفها السامي ولكنها لن تيأس ولن تأخذ أي وسيلة للضغط عليها تاركه الأمر كله لله لعونها على ذلك ..
مع غروب اليوم وغفوة الصغيرة أخيرا بجوار العجوز التي رفضت تركها كعادة أخر يومين خرجت عليها مهيئة بثوب الخروج .. فبادرتها مستفسرة :
- هو أنتي خارجة يا بنتي ؟!
اقبلت عليها "مرام" مردده بخجل :
- أيوة يا طنط "عفاف" محتاجه حاجة ..
بنظرة مترقبة هتفت :
- لا أبدا سلامتك بس كنت حابة إن لما "مريم" تنام نقعد مع بعض ندردش شوية بعد ما أخيرا فكيتي عزلتك وخرجتي من الأودة !!
بثبات مزيف قالت ملعثمة ما أن علمت بديهيًا غرض تلك الجلسة :
- أصل كنت حبه أخد "مصطفى" يعرفني على مكان اشتري منه احتياجات مهمة مينفعش تستنى أكتر من كده ..
طأطأت رأسها باستياء ثم قالت بخفوت :
- وماله يا حبيبتي .. ثم همت قائمة وهي تستأنف :
- بس استنيني لو سمحتي شوية ..
غابت بين حدود غرفتها لبعض الوقت ثم خرجت تواصل وهي تمد يدها إليها بمبلغ مالي :
- ده مبلغ صغير شوفي اللي نفسك فيه ..
هزت "مرام" رأسها مستنكرة وهي تجيبها :
- معايا يا طنط الحمدلله فيزا ماما الله يرحمه فيها اللي يكفيني ..
اشفقت ما أن علمت بأولى معلوماتها عنها وهي أنها بدون أم فقالت متأثرة :
- اعتبريني زي ماما الله يرحمها ومتكسفنيش ..
على ذات وضعها الرفض راحت تردد بحب :
- زيها صدقيني بس أنا معايا ولو مكنش معايا كنت لاجئت لحضرتك فورا ..
اسقطت "عفاف" يدها ببطء ثم اقتربت تحتضنها بين ذراعيها وهي تردد بنبرة حانية :
- يا ريت يا بنتي أكون فعلا أول حد تلتجيء ليه ومش بس كده لا وكمان تشاركيني همك اللي مخليني اسمع صوت عياطك طول الليل ومخلي وشك دبلان بالطريقة دي مهما حاولتي تداري بضحكتك ..
ازدردت ريقها ثم ابتعدت عنها ببطء وهي تنفي بارتباك :
- أبدا يا طنط أنا بخير والحمد لله .. وصدقيني مفيش أي حاجة مهمة تستدعيني أقولها لحضرتك ..
ثم لملمت حالتها المتوترة بابتسامة باهتة وراحت توليها ظهرها تجاه باب الشقة الرئيسي لأجل المغادرة بعجالة قبل أن تضغط عليها وتعلم منها مالا يحمد عقباه ..
-------------
مساءً وعقب استقرار الجميع في غرفهم وداخل فراشهم بدأت بعض الطرقات على باب غرفة "رقية" تنبهها عن قدوم ضيف إليها في ذلك الوقت ..
علامات الدهشة والتعجب اختلطت باستفسارها الصائح قليلا :
- أدخل ..
شاهدت تلك التي كانت تظن أنها لن تأتي مطلقا، فقالت في هدوء وسكينة :
- تعالي يا "أميرة" .. تعالي يا حبيبتي ..
عقب ما لمسته من سحر النداء تبدد خجلها وراحت تركض تجاهها منفرجة الذراعين ولغة البكاء هي المسيطرة على مشهد العناق بينهما ..
بكاء يُفسر كم معاناتها وما يختلج صدرها من تيه الخطى والفكر، لذلك اتت لتستمد العون لرسي سفينتها على خير .. وليس هناك ميناء ستفرغ عليه الهموم و يرد لهفتها التائهة غير موطن الأمومة .. وها قد جاهدت خجلها وجاءت أخير وبادرت بقولها الخافت المثقل بالحيرة :
- تعبت من التفكير .. تعبت ومش عارفة ارسى على بر يريحني .. يا ريتني يا ماما ما قابلته ولا شوفته .. أنا كانت حياتي ماشية كويس عاوزه أربي بنتي وخلاص .. ليه ظهرلي ودمر استقراري وشتت تفكيري أنا وبنتي اللي بدأت تزن أنها تروح الشركة تاني عشان تشوفه ..
عقب تركها لسرد ما يعكر صفوها ربتت على ظهرها بهدوء حاني مرددة :
- بلاش كلمت يا ريت لأنك بتفتحي بيها باب للشيطان .. ومفيش حاجة بتحصل للعبد إلا لما تكون مكتوباله من ربنا من قبل حتى ما يتولد ..
ثم نالت من الهواء قدر اخرجته بتنهيدة عميقة وهي تواصل:
- لما "ندى" حكت ليا بعد ما نزلت من عندك .. مردتش أجيلك وأتكلم معاكي مش تقصير مني قد ما أنا عاوزاكي تتشجعي وتواجهي مشكلتك بنفسك ..
ابتعدت عنها بعينين متسعة وهي تردد باندهاش وترقب:
- يعني إيه .. مش هتساعديني زي كل مرة بحتاجلك فيها وتقوليلي أعمل إيه عشان ارتاح !
طالعتها بنظرة مطولة ثم هتفت قائلة :
- يعني لو قلتلك كأي أم عندك القدرة أنك تنفذي أي كان القرار !
لاحظت تشتت نظراتها وهدوء معالمها فأستأنفت قائلة :
- "أميرة" أنتي مش صغيرة أنا أو غيرك هنقرر عنك وخاصة في موقف زي ده .. أنتي كبيرة وعاقلة وعندك بنت لازم تفكري فيها قبلك ألف مرة وأنا لو قلت زي أم أتجوزي هكون بظلمها .. مش معنى كده أن بخوفك من الجواز لا بس بقولك اختاري صح وخدي وقتك في التفكير أكتر من وأنتي بنت عشان تأمني على بنتك ويكون بالك مرتاح وده مش هتخديه إلا لما تلتجئ للي أكبر مني ومنك ومن الدنيا كلها .. ربنا يا "أميرة" .. ربنا هو الوحيد اللي عارف إن كانت الخطوة دي في صالحك أنتي وبنتك ولا لا ..
بنظرات ضائعة وشاردة في الفراغ افتعلت إيماءة هادئة، فـ راحت"رقية" تمرر على ذراعيها ببطء قائلة:
- قومي صلي لربنا ركعتين وابكي فيهم بأن يوجه امرك أنتي وبنتك لما يحبه ويرضاه .. وإن اداكي الأشارة سواء بالرفض أو الايجاب أوعي تسبيها .. اتمسكي فيها قوي لأن مفيش بعد اختيار ربنا اختيار ..
ريحان حديثها صب في قلبها صبا فغمره بالاطمئنان والراحة مما جعلها تلتفت إليها من الشرود قائلة وابتسامة هادئة تزين ثغرها :
- حاضر يا ماما .. هقوم أصلي وأفوض ربنا في أمري أنا وبنتي وهو قادر يختار لينا الخير كله ..
بادلتها الابتسام بقولها الرؤوف :
- ونعم بالله يا قلب ماما .. ونعم بالله
-----------------
في الولايات المتحدة الأمريكية ..
تحديدا في ولاية أقليم الجبال التي يتخذ منها "أوستن" مساحة سكنية شاسعة محاطة بأحدث وسائل الأمان مأمنا له، راح يهدر صوته الغاضب بقوة كادت تهتز على أثارها جدران القصر من حوله بعدما علم بتفجير الشحنة كاملة وضياع سنوات من التعب والجهد في عرض البحر هباءً، ليزيد الأمر كارثية هو ملازمة انتشار خبرا مؤكدا في العالم عن انطلاق جمهورية مصر العربية للإعلان عن اكتشاف جديد للعالم المصري المتوفي "جلال البنا" مما سيعزز ذلك الانفراد من اقتصادها الدولي بين كافة البلدان !!!
الجنون كان وصف حالته والذي جلب "راشيل" من مسكنها على وجه السرعة حتى تشاطره الأمر باندهاش شديد ولكنه لم يدوم ما أن إيقنت بأن الفهد المصري هو وراء انجازه حتما، لتثني على ذكاءه وقدرته المخابراتية لاكتشاف الشريحة والذي استهانة به قائدها دون وجه حق، قائدها المقتد بوهج بركاني والذي راح يصيح من وسط صيحات غضبه بضرورة الوصول لمسكن ابن جلال في القاهرة وابادته بعدما ظن أنه استطاع التخلص منه ومن المعادلة قبل عام ونصف في الولايات المتحدة ثم يلاحقه بالبحث عن ذلك الفهد اللعين وتصفيته أيضا ..
راقبته "راشيل" بفزع وهي تراه لأول مره يقسم بعينين حمراوين تشبه شر الشيطان في عرشه ..
حينها اقتنعت بأنه لن يهدأ حتى ينصب القيامة لاعدائه واحدًا تلو الأخر ..
---------------------
في اليوم التالي وبعد مرور ليلة كانت من أقرب الليالي فيها الى الله عز وجل همسا وتضرعا وبكاءا غمر موج من الراحة والاطمئنان ظلمة صدرها مما زاح عنها الغم والضيق ..
توجهت لعملها دون السماح بأجازة ليوم واحدا عقب ضغط الجميع لرفع الستار عن الجهاز العلمي وعمل الجميع دون تباطأ ..
هدأ توترها ما أن علمت بعدم حضوره للشركة ومرافقة "حسين" و "علي" لموقع التنفيذ .. مما راحت تعمل بهمة ونشاط دون تكاسل حتى تذكرت تدمر أثاث مكتبه من الأمس فعاجلت باتصالاتها لأحد منافذ بيع الأثاث وطالبته بالمحتوى الذي تحتاجه بدقة متناهية .. وبالفعل بعد ساعة ونصف من الزمن كانت توقع فوق إيصال الاستلام ومن ثم قامت بمساعدة العمال باستبدال التالف بالصالح .. بل بالفائق التصميم واللمسات حتى بات رونقه يخطف الأبصار ..
في نهاية الأمر وبنظرة رضا جالت على محتوياته المتراصة بأحكام اطفأت الأنوار واغلقت الباب خلفها وهمت ذاهبة تكمل المتبقي من العمل الذي احكم الجميع على مواصلة جهدهم للمساء في فترة استثنائية لأجل الانتهاء من تجهيز كافة الأوراق اللازمة للافتتاح بعد غد فوق مكتب كل المسئولين ..
والذي بدأته بمكتب "علي" ثم "حسين" وأخيرا مكتب " أمير" الذي فتحت بابه دون استأذن لعلمها بعدم وجود أحد ثم عقب وضع الملفات بأحكام التفتت لكي تغادر إلا أن مدى بصرها شل أطرافها وهي تشاهده يقوم فجأة من نومته فوق الأريكة وأثار النوم والأرهاق تختلط بمعالمه .. صدمت، ارتبكت، ثم فرت هاربة ككل عادتها في حضوره .. ولكن للآسف لم يكتمل الهروب حين تسابقت خطواته أمام خطواتها وأحكم غلق الباب ووقف خلفه يردد عليها بتلعثم :
- لما جيت بالصدفة وعرفت من البنت بره أنك أنتي اللي عملتي كده مقدرتش أسيب لمستك ونفسك في المكان وأرُوح ارتاح في الشقة الساعتين بتوع الراحة..
ازدردت ريقها وحُلت عقدة لسانها قائلة بتلجلج يشوبة الخوف :
- أنت أزاي تتجرأ وتوقفني كدا ..
رصد شعورها الذي ذبح رجولته فاسرع يهدءها برفع راحتيه أمام صدره قائلة بعجالة وهو يبتعد جانبا :
- "أميرة" أهدي أنا مش هعمل حاجة غير أن هقولك كلمتين نفسي تعرفيهم .. آسف للطريقة ولكن هروبك مني هو اللي أجبرني أعمل كده عشان أقولهم .. بس لو فعلا خايفة مني ومش عندك استعداد تسمعيهم فأنا بفتح الطريق قدامك وبقدم اعتذاري وأوعدك بعد افتتاح المشروع هبعد ومش هتشوفي وشي بعدها خالص ..
مجرد التصور للمغادرة والبعد شق صدرها بالضيق !
مما جعل الموافقة تضوى بصداها على تراخي تشدد معالمها وثبات اقدامها دون المغادرة، فاسرع بسرور خفي يواصل :
- والله ما عاوز إلا فرصة واحدة .. فرصة بس اثبت لك فيها أن قدها وأن حبي ليكي مش مجرد كلام ولا رغبة طايشة .. إنما علاقة جادة من حبيب وأب وزوج وأخ وكل حاجة محتاجينها أنتي و"هاجر" ..
ثم ابتلع خطوة بينهما هامسا برجا :
- فارجوكي ماتخفيش .. وأديني وأدي نفسك فرصة حتى لو خطوبة من غير معاد للجواز .. ويوم ما ترتاحي وتلاقي وعدي صادق حددي أنتي بنفسك معاد لكتب الكتاب .. وبأن الله هتلاقيني صابر فوق ما تتصوري وعندي طاقة تهد جبال .. المهم عندي أنك تكوني معايا وجمبي ..
"خطوبة غير مشروطة" !
طالعته بصمت وتعمق التفكير سُحب حدقتيها محدثة النفس بأن هي تلك الإشارة المنتظرة والمرضية لحيرتها والتي جاءت إليها على طبق من ذهب ما أن فوضت أمرها لله ..
شعرت بالرضى والقبول للأمر لهذا انفرجت شفتيها بابتسامة عريضة وحمرة الخجل تعتري وجنتيها للتبعها هاربة كالعادة بعد أن ابتعد تلقائيا من أمامها فيكفية ذلك الرد على حديثه .. بل أكثر من كافي ومُرضي !
إلا أنه لم يمر ثانيتين عقب مغادرتها حتى عاتب تسرعه بعنفوانية وحنق هامسًا :
- هو إيه اللي أنت قلته دا ! .. ويا ترى هتقدر تصبر يا فالح !
ثم ركل بارجله الهواء في ضيق وهو يواصل بتذمر :
- هتصبر هتصبر هو أنت كنت طايل أصلا أي ريق ماية ..
ثم استدار تجاه الباب يرمقه بدهشة قائلا :
- هي كانت هنا ووافقت فعلا .. ولا أنا بيتهيألي !!!!
------------------------
"أميــــرة" !
كان هذا رد فعل"حسين" الذي لا يختلف عن رد فعل امرأته عندما علمت .. مضيفًا بتأكد :
- "أميرة" "أميرة" ! هو أنت متأكد يا "أمير" من اللي قلته .. يمكن تكون غلطت في الاسم ولا حاجة !
استرخى صاحبه في مقعده أمامه وهو يزفر في ضيق ثم قال بملل :
- يااام أنا قلت اسم مش متوقع للدرجة يا "حسين" ..
ثم مال بجزعه العلوي تجاهه وهو يستطرد بغيظ :
- ما تعقل كدا وتمشي معايا على الخط ..
تنحنح "حسين" معتذرا وهو يستعد للجلوس بمقعده مرة أُخرى :
- آسف يا صاحبي تأثير المفاجأة .. وأنت عارف وكده ..
اومئ برأسه متقبلا وهو يضيف بجدية :
- عاوز اتقدم لـ "علي" !
على أثر جملته فزع "حسين" مرة ثانية وعينيه متصلبة بجحوظ مرددا :
- تتقدم لمين !
- يوووووووواه هو في إيه بالظبط ..
صاح بها "أمير" وهو يلوح بذراعه في ضيق ونفاذ صبر مما ارغم "حسين" على نطق الاستغفار والجلوس ثانيا، قائلا بهدوء :
- طب خلاص متزعلش نفسك أنا قعدت تاني أهو وهنتكلم بهدوء ..
ثم واصل بحذر :
- "أمير" أنت عارف أنها أرملة وعندها بنت وأنت يعني !
زفر في ضجر :
- عارف ..
- طب وعارف كمان أن أمر خطير زي ده ما بيتخدش بين يوم وليلة بالشكل ده ..
- عارف ..
- وواعي أنك كنت متقدم لأختها من قبلها !
- واعي وعارف ..
اجابته الفاترة استفزت "حسين" فصاح في جنون :
- عارف ! .. عارف إيه .. عارف أن في أبعاد كارثية للموضوع بعد كده غير اللي أنت شايفها دلوقت !
طالعه بنظرة حزينة يلمع سماءها بالحب :
- لا، .. بس عارف أني بحبها ومقدرش اعيش يوم بعيد عنها .. عارف أنها بقت محور تفكيري حتى في حلمي وأنا نايم .. عارف أنها لمست حاجة كانت ضايعة جوايا ومكنتش عارف أوصل لها .. وأن لما أكون جمبها بحس بشعور جميل ومريح مش عارف أوصفه بس على الأقل مخليني سعيد طول الوقت .. والأهم عارف أن ليها بنت عمري ما أخليها تستغنى عنها عشان أنا أتولدت يتيم الأم وعارف شعور الطفل في الظروف دي بيبقى أزاي .. وعارف أكتر أن لازم أكون لها بمثابة الأب رغم أن الاحساس ده لسه ماعشتوش أو لمسته .. بس عشان بحب مامتها لازم أحاول بكل قوتي بأن الأمر ينجح ..
ثم دنى يسند مرفقيه على ساقيه مواصلا :
- يا "حسين" أنا لا عيل ولا بعيش حالة مرهقة متأخرة قدامك عشان تخاف وتشك أن الموضوع بدء عندي بين يوم وليلة .. أنا بقالي شهور بتعذب وبقاوم لما جبت أخري وأنت أكتر واحد عارف لما صاحبك بيجيب أخره بيكون الموضوع بالنسباله إزاي !!
- خايف عليك يا صاحب صاحبك من مسئولية كبيرة ومهددة بالخطر زي دي ..
رفع راحته فوق قلبه قائلا :
- طول ما ده بينبض باسمها أعرف واتأكد أن هسعدها هي وبنتها حتى لو ضحيت بعمري كله مقابل كده ..
- عارف ومتأكد من طيب أصلك يا "أمير" ..
ثم واستطرد مستفسرا : طب وهي !
- خايفة !
ثم زفر وهو يضم راحتيه أمام وجهه قائلا بخفوت مرهق :
- كنت فاكر لما أحب هرتاح بس طلع أن الحب متعب مرهق قوي يا صاحبي ..
طالعه "حسين" منصدما مما أدلى به أمامه ومن أخر تطورات الموقف أمامه وهو لا يكاد يستوعب بأن صديقه الرزين الخجول المتدين وقع في شباك الحب وقيد إرادته هكذا !
ومع من !
-----------------
عقب مرور يوم وليلة في العودة عاد يحتضنه القاصي والداني داخل مبنى المخابرات العامة مهنئًا، ثم بين حدود غرفة محكمة اجتمع مع قادته للوقوف على الأمر والذي أجمع عليه الجميع بإتقان نجاحه بفضل الله ثم فضله وذلك عبر متابعة كافة قنوات التلفاز المحلية والعالمية التي تكتمت على التوسع في الأمر وتداولته كأي حادث قدري ..
بعد خروجه قابله "عبدالرحمن" مهنئًا إياه على عودته سالما غانما إيضا ثم بعد برهة مسامرة بينهما سرد ما يعلمه قائلا :
- الأقصر .. مدينة أرمنت ..
طالعه "عمر" بنظرة ضائعة سلبت روحه بين طياتها وهو يستمع لاسترساله :
- جدها كان كبير اعيان البلد هناك واسم مش شوية في المحافظة كلها ولما توفى من حزنه على بُعد بنته وهجر أخواتها ليها ادى كل من اولاده حقه وساب بيت العيلة الكبير مقفول باسمها عشان لما تقرر ترجع من غربتها وتزور البلد تلاقي بيت يحتضنها هي وبنتها من غير ما تحس أنها غريبة في بلدها ..
تجرع ريقه ببطء ثم ربت على كتفه وهمّ هاربا دون إضافة كلمة واحدة بعدما تملك منه الحزن بحارا .. حتى بات مكشوفا أمام صديقه الذي شك واندهش من خضوع فهدهم أخيرا أمام الحب ..
--------------------
بين شوارع القاهرة ومحالها التجارية أخذتها ساقيها بهمة، لانتقاء ما انتوت به عن طيب خاطر بينها وبين خالقها، ثم بين غرف القياس خرجت بهيئتها الجديدة تماما ..
خرجت زرقاء العينين بحاجب شرعي يغطي خصلات رأسها كافة دون تمرد، يصاحبه جلباب مناسب يصون الجسد كافة ..
خرجت كعروس بهيئة شرعية ونور يشاع من وجهها بعد التزمها أخيرا بشرع الله وفرضه ..
والتي استقبلتها العجوز بذهولا تام وخفقات قلب لم تهدأ من شدة المفاجأة .. بعد مشاهدتها للجميلة التي اصبحت كاملة الموصفات الآن .. فالنظر إليها بات يشرح الصدر ويسر العين .. حفظتها من عينيها وهي تردد لفظ رسولها الكريم "ماشاء الله ولا حول ولاقوة إلا بالله"، ثم راحت تستقبلها باستقبالا محفلا بالبهجة والسرور داعية الله لها بالثبات على ما اتخذته سبيلا ابتغاء مرضاة خالقهم عز وجل ..
---------------------------------
على ما يبدو أن الجميع سيصاب بالدهشة عند سماعه لذلك الخبر، كأنهم لا يتوقعونه ويستبعدون اطرافه بتاتا !
"علي" بعينين جاحظتين والعجوز على يمينه لا يقل صدمة عنه ما أن انصت الاثنان لمطلب "أمير" و"حسين" المساند لصديقه والذي راح يقطع السكون بنصل صوته متنحنحا :
- "علي" .. "أمير" جاء اليوم لـ ..
قطع حديثه عندما قبض "أمير" على ساعده كي يحثه على التوقف وتوليه للأمر بنفسه.. وبالفعل صمت "حسين" مستجيبا في حين التفت صديقه يقابل صدمتهما بقوله الهادئ :
- أعلم بأن الأمر ليس بالهين خاصة وأني كنت في ذات الوضع عند ذات العائلة منذ عامين ..
حينها تهجمت ملامح "علي" نافرة حتى انصت لمراسلته الموضحة ..
- ولكن في الماضي لم أكن أعلم عن الطرف الأخر إلا طيب السمعة وفقط .. أما الأن فالأمر مختلف تماما فأنا على علم بكافة كل شيء الاسم طيب السمعة والخلق وظروفها .. ثم أهمها بأنني أحب ابنتكم ! .. لهذا جئت اليوم رغم الصعوبات في الأمر لأني أريد أمام الله بأن يكون بيني وبينها ارتباطا شرعيا على سنة رسوله ..
اعترافه الجرئ والمفاجئ قيد معالمهم والذي راح يواصله برجاء لـ "علي" خاصة :
- فارجوك لا تحكم على ما احتاجه واطمع إليه بما حدث بالماضي .. فكن رؤوفا معي بقلبك لا بعقلك .. وقدر أن محبوبتي تعصي رغبتي وتحاربني وأنا لن آكل عن محاربتها حتى تخضع ولكن لا أحب أن أتخذ دناسة اشباه الرجال طريقا من خلف ظهرك .. لذلك أريده بعلمك وتحت وصايتك .. فهل سترحب بمتيم فقد أهليته وعالمه للفوز بارض ابتغاها للعيش أم أنك ستتركه شاردا ضائعًا دون مأوى ..
حديثه اقتلع قلوبهم أجمع من شدة اصرار العاشق على الفوز بمحبوبته خاصة "علي" الذي ألتحف بالهدوء مجددا محررًا صوته أخيرا بعد برهة تفكير ..
- حربك مرغمة أم بالإرادة الشريفة !
جاء رد "أمير" السريع في تطلع :
- كلا وربي فكرامتي لا تسمح بالتطفل وإن شاهدت منها عدم الرغبة للمواصلة تركتها حتى وإن كان قلبي يعاندني ..
- إذا لك الأمر وأنا ساتبعك من بعيد وحذاري .. ثم حذاري أن تحزن شقيقتي أو تسيء إليها ..
ابتسم متهكما وهو يجيبه :
- شقيقتك استرقت مني الفؤاد والعقل .. فهل لك أن توصيها هي لا أنا ..
---------------------------
بعد منتصف الليل عاد مرهقاً يتخذ حذر خطاه مذهبا بين حدود شقته حتى لا يقلق النائمون بها .. ولكن ذلك ما يظنه هو !
حين تفاجأ بها امامه بنظرة متلهفة فضحت الكثير من الاشتياق والكثير من الاطمئنان لرؤياه يصاحبها ابتسامة هادئة ترجمت له كافة مشاعرها ومدى قلقها عليه .. رغم اشتياقه المماثل إلا أن رؤياها باتت تصيبه بلعنة الارتباك، العينان الزائغتان، وخفقات القلب العنفوانية .. حالة تجعله عاجزًا بقربها ومثل العادة يجاهد للنطق بتحشرج :
- أنت صاحيه ليه .. قصدي هي ماما نايمة ..
جملته الباردة نحرت لهفة اشتياقها فاصابتها في مقتل، تراخى تعبير وجهها و انقلب للحزن وهي تجيبه في هدوء :
- طنط نايمة .. ولو أنت زعلان من شفتي للدرجة دي فأنا أحب اطمنك بأني هدخل الأودة واريحك مني خالص ..
ثم استدارت للمغادرة بملامح عابسة يحوفها الحزن الى أن سمعت نداءه باسمها فتبدد كل شيء والتفت تلبي بلهفة مجددا :
- نعم ..
حسم أمره أخيرًا بجدية هادئة :
- أنا عرفت عنوان أهل ولدتك .. لو حبه تنتقلي ليهم حددي الوقت وعرفيني ..
طرح جملته وتساءله ثم فر من أمامها تجاه غرفة أخيه دون أن ينظر في عينيها أو ينتظر رد فعلها وكأن الفهد بات يهاب أبسط ردود تلك الضعيفة ..
" فأمام الحب تُهدم القوة .. وعند الوطن يخر الجميع راكعًا "
ثم احكم غلق الباب خلفه وراح يضجع فوق الفراش وهو يقنع ثورة قلبه بأن ما فعله هو الصحيح وهي ستستوعب ذلك جيدا في المستقبل وقد تحمده عليه ..
بينما هي من خلفه تدفق دمعها وانفطر فؤادها من قسوة قراره، الذي وضح أليها بأن الفراق بات على اعتابها يغرد لحنه المرير، مغيبة راحت تتحرك تجاه غرفته في استسلام ويأس،ثم بعد أن أغلقت الباب خلفها اتجهت تجاه خزينة ملابسه فجالت عينيها على محتواها بأتقان حتى أسرها قميص أسود اللون متراص بين مقتنياته المرتبة بأحكام ..
جلبت حمالته الحديدية في قبضتها وراحت تنزع ملابسها عنها كافة واستكفت به هو فقط على جسدها عندما غطى كافة منحنياتها وتخطى ركبتيها .. ثم بجوار شقيقتها النائمة استقلت بجسدها الهزيل تأخذ وضع الجنين وهي تحاوطه بطول ذراعيها ومن ثم انهمرت بشهقاتٍ متفاوتة في البكاء وهي تشبع وحدة روحها من عبق صاحبه القاسي قبل الفراق ..
------------------------
صباحا داخل غرفة المكتب ..
صاح صوت العجوز في جنون أمام ابنها المطرق رأسه باستياء عقب اصرارها على معرفة الحقيقة كاملة كما وعدها مسبقا بمجرد قدومه ..
- أنا ابني يعمل كده .. مستحيل !
- ماما .. أوعي تنسي اللي قلته .. "ياسين" كان تحت تأثير التعاطي يعني مكنش فايق للي بيعمله ..
- أنت كداب يا "عمر" أنت بتستغل ثقتي فيك بأنك عمرك ما بتكدب .. بس المرادي هخالفك واقولها ليك بوضوح أنا عمري ما هصدق كده على ابني دا كان زي النسمة في طيبته واخلاقه وبعدين اليهود ولا اسرائيل ولا المنظمة دي كانت عاوزه تصفية ليه دا شغله كان جو مصر يعني بعيد عنهم .. ثم اجهشت في نحيب مرير راح على أثره ينتفض من مكانه ويغمرها في احضانه مواسيا ..
- هما مش قصدينه تحديدا يا أمي إنما هما قاصدين أي حد يقف يدافع عن البلد دي سواء من جوه أو من بره ..
بعد وقت طال زمنه اشتدت بذراعيها حول ظهره قائلة :
- عاوزه أعمله عمره يا "عمر" عشان خاطري لعل ربنا يتقبلها ويغفر له ذنبه في قبره ..
ابعدها وهو يطوفها بنظرة حانية :
- حاضر كل اللي نفسك فيه هنفذه فورا بس أنتي أهدي شوية ..
طالعته بحزن نضح من عينيها :
- أهدى .. أهدى ازاي بعد اللي قلته وبعد اللي عرفته كمان عن حقيقة شغلك اللي كنت مخبيه عليا السنين دي كلها واضطريت بس دلوقت تقوله عشان تفهمني ازاي عطرت على بنت أخوك في أيطاليا .. تفتكر بعد ده كله متوقع أهدى وأنا مهددة أخسرك أنت كمان ..
لم تسمع منه ردا حين جاءت الصغيرة من خلفهم واطرقت الباب في فزع مما راح "عمر" يسرع لفتح الباب ويستمع لقولها المذعور ..
- ننا "عفاف" ميام جت تقوم من السرير وقعت في الأرض ومبتتكلمش !!
--------------------
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!