الفصل 7 | من 43 فصل

رواية احفاد الثعلب شريهان سماحة الفصل السابع 7 - بقلم غير معروف

المشاهدات
21
كلمة
4,376
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

على نداء الصغيرة المفزع هرولت العجوز دون تريّث تجاه غرفة ولدها البكر لرصد ما آلما بتلك الضعيفة، ليلحقها الأخير والقلق ينهش صدره بمخالبه رغم إدراكه السبب الرئيسي لحالتها، على اعتاب باب الغرفة صعقت العجوز ما أن شاهدت سقطتها المغشية والصورة العامة لهيئتها وما ترتديه، ولكنها تداركت تفاجئها بحرفية ما أن وعت لوصول "عمر" خلفها، حين استدارت سريعًا تعترض براحتيها صدره گ تنبيهًا له على العودة مقهقرٍ.. بنظرة عابرة غير شمولية وعى نسبيا للأمر وفهمه جيدا لذلك تراجع فورا والحرج يعتليه تاركا دفة القيادة لها بكل خنوع، والتي أغلقت الباب خلفه على عجالة ثم توجهت تجثي بركبتيها بجوارها لتفيض بلمساتها الحانية على وجهها المتعرق وهي تأمر الصغيرة بجلب زجاجة عطر من فوق منضدة المرآة القريبة، لبت الفتاة الأمر من فورها واحضرتها بعينين زائغتين وقلب مرتعد، هدأ رويدًا رويدًا بعدما شاهدت نتائج فعل العجوز بتسرب العطر أمام أنفها يعود بالفائدة، وبدأت شقيقتها تستعيد وعيها بملامح نافرة وجبينًا مجعد، هللت فرحا في شعور طفولي صاحبه تراخي معالم العجوز المشدّدة وهي تردد بارتياح :

- حمدلله على السلامة كده تقلقينا عليكي ..

غروب عينيها من أثر الدوار لم يساعدها على رصد المشهد بالدقة المطلوبة أو الوعي لشخص من يحدثها، ازدردت ريقها ببطء ثم غمغمت بطلب الماء ..

استقامت العجوز دون تباطؤ تفرع من الدورق المجاور للفراش بعضا منه في كوب زجاجي برفقته ثم توجهت إليها ثانيا لأجل سقياها بتروي ..

عقب تجرعها لبعضٍ منه ومراقبة "عفاف" لعودة وعيها تمتمت عليها معاتبة بخبث مما احاطها من شك:

- مش قلتلك أتغذي كويس في اليومين اللي فاتوا .. أهو أديكي وقعتي من قلة أكلك غير زعلك ونفسيتك اللي معرفش ليهم سبب كمان ..

- صدقيني يا طنط " أنا ... .

قطعت جملتها حين تداركت الواقع جيدا والأكثر كارثية عند سقوط عينيها على ما ترتديه، فزعت واحرجت ثم بحركة سريعة قفزت بخفة ظل نحو الفراش تتدثر أسفل أغطيته ظنًا منها أن العجوز لم تعي جيدا لهوية القميص، وساعدها على تصديق هذا هو تظاهر المُسنّة بالجهل وهي توالي حديثها بهدوء :

- طب نامي وارتاحي في سريرك ومتتحركيش وأنا هروح أعملك وجبة تساعد جسمك على احتياجاته اللي فقدها وتقويكي شوية ..

ثم استدارت مغادرة حيز الغرفة كي تعطيها فرصة كبيرة لمدارت الأمر حتى تعود مرة أخرى ..

وبالفعل استغلت "مرام" خروجها وراحت تنهض راكضة رغم وهنها تجاه ملابسها وهمت تبدل بهم ما عليها من ثوب، ثم قامت بعد نزعه بدفسه بعناية بين طيات مقتنياتها كذكرى تهدهد بها على اشتياق قلبها لطفلهُ العاق ..

----------------------

" احتاجك في مكاننا كالمعتاد "

رسالة زينت بتنبيهها هاتفها، فكشفت في التو واللحظة عنها الستار وعلمت من مرسلها ..

قامت من فوق الفراش بهمة ونشاط تهندم هيئتها وتُهذب خصلات شعرها حد الرضا عقب نظرة متفحصة بالمرآة، عقبها همت صاعدة لمجلسها المتعارف عليه مع حبيبها المنتظر لقدومها بين حدوده الهادئة .. والذي التفت يعانقها بعينيه المشاعة بالحب بعد أن شعر بها، فإقتربت منه على استحياء متمتمة :

- ما هذا الأمر الهام الذي يستدعي حضورنا وقد تفرقنا فقط من بعد موعد العشاء ..

بضيق عينيه قال مترقبا :

- حتى وإن كان .. ألست سعيدة بقربي !

زمت شفتيها بضغطة خفيفة من أسنانها وهي تجيبه:

- بلى .. ولكن القلق نال مني ..

ثم أضافت متحيرة :

- غير أننا جميعا نعلم بذهابك أنت و"حسين" للنوم مبكرا لأهمية يوم الغد بالنسبة لكما وافتتاح المشروع بعد صبر دام لشهور عديدة !

استنشق بعض الهواء اخرجه بهدوء واتزان ثم ابتسم بود متمتما :

- حسنا تعالي أجلسي لأن الأمر سيطول قليلا ..

اطاعته جالسه ثم بنظرة عينيها الفضولية حسته على البدء وبالفعل راح يجود قائلا دون مقدمات :

- "أميرة" تقدم أحد لخطبتها اليوم .. وقمت بأخبار السيدة "رقية" وهي من سمحت لي بأخذ رأيها .. وقد حان الوقت لأعلم رغبتها في الأمر والشخص ذاته .. وبحسب طبيعة العلاقة بيني وبينها الغير متعمقة بالقدر الكافي لا يمكن لي سؤالها عن ذلك الاستفسار المحرج لكلينا ..

غاصت في بحرٍ من البهجة وهي تبصر خليفة الجد يقوم بأولى مهامه نحو ورث النسوة المُشيد على عاتقه، عند ذلك القدر أومأت "هنا" مرددة بابتسامة تضوي :

- فهمت غرضك .. ثم بنظرة ضيقة بادرت مشاكسة :

- ولكن من سعيد الحظ هذا ؟!

غمرها بنظرة دافئة هامسًا :

- متيمًا مثلي تماما أفقده العشق عقله ووقع دون شفقة بين جنباته .. والكارثة أن الطرف الأخر في تلك الحرب هي أحدى فتيات عمي "عاصم" ليبدو لي بأنهنَّ محارباتٍ راسخاتٍ ضد ذلك النوع من الجنون !!

لم تتمالك نفسها وانطلقت بين ثنايا ضحكة عذبة طال لحنها في أذنه فردته قتيل الهوى في الحال، قتيلاً تصلبت عيناهُ عليها لوقتٍ طال وثار الانتباه، قطعه بشفتيه مسحورًا تجاه أذنها بعد وهلة صمت استنشق خلالها عبيرها الأخاذ :

- ألم يحن الأوان بعد .. ألم أكفر عن ذنوبي حتى الآن .. ألم تشفقين على قلبي ولو لقليلٍ "آنا" !

من قربه المهلك ازدادت بنيتها رجفة وهي تجيبه :

- "آنا" أصبحت لك وحدك أليس بكافي !

لفح بزفرته الحارة عنقها مطالبًا ذاته بالصبر فوق صبرهُ أمام برائتها، هامسًا باستياء ذات مغزى:

- كلا فمازال الخجل بيننا ..

اطرقت وجهها خجلا وهي تدمي راحتيها في بعضهما بتوتر :

- فقط حتى اعتاد ويحين موعد الزفاف ..

ثم ابتعدت قليلاً تطالعه برجاء :

- "علي" أنا فتاة ليست كالاتي صادفتهنَّ .. تربيت في بيت حثني على الحرام والحلال والاحتشام بالأخلاق الكريمة طوال سنواتي عمري الماضية حتى صار الحجاب تاجي والعفة ملبثي .. فمن الصعب أن يذهب حيائي بين يوم وليلة لمجرد أن تم عقد القرآن .. فآلا يحق لي بعض الوقت حتى اعتاد ذلك القرب ..

ذاب في قهوة عينيها كما تذُب ذرات السكر والصمت يلحف لسانه فاقدا حاضره لوقتٍ غير معلوم، حتى قطعه بهدوءٍ مُهلك :

- بلى يحق كل شيءٍ لعفيفةٍ مثلك .. كما يحق لمذنبٍ مثلي كل ذلك العقاب !

ذابت هي الأخرى في غابات عينيه النضرة على بصيص الضوء الخافت موضحة بأكثر إصرارًا :

- بلى .. مُتيمي ليس بالمذنب بل هو تائب نادم أحب طريق الله فأحب الله طريقه وأنار بصيرته ..

عقب جرعتها المطمئنة للنفس هوى مغيبًا يلامس بشفتيه خدها في قبلة هادئة تلذذ طعمها في مخيلته گ حلو السكاكر، ولكن ما أن تسرب بقاياها سريعًا من على شفتيه حتى استنفر بمعالمه كالأطفال، مغمغما بضيق وهو يرتخي نائمًا براسه على ساقيها :

- لو كنت أعلم بأن هذا ما سيحصل لي لكنت اقلعت شيطاني من رأسي وضربته مئات المرات قبل أن اقترب من امرأة بهدف الانتقام ..

تبسمت بتواري وهي تداعبت برحتها خصلاته المطيعة، متمتمة بخبث :

- سمعتك تذكر امرأة أمامي أم خُيّل لي !

بتذمر وحنق أجابها صائحًا :

- كلا "آنا" لا أذكر أحد .. فأنا لست بالمجذوب لمضاعفة عقابي .. فحقا يكفيني ما بي ..

اخمدت ضحكة خائنة كادت تتحرر ثم اجادت بجديتها المزيفة :

- حسنا صغيري المطيع هذا جيدا لك حتما ..

رفع حدقتاه إليها مستفسرًا بترقب :

- حقا صغيرك !

فطر فؤادها مع سؤاله ولمست حرمانه بين مشتقات نبرته وحروفه فقالت بهمس رحيم :

- وأكثر "لي" فأمومتي لك توازي عشقي ..

تناول راحتها الأخرى وأودعها قبلة عميقة وهو يحثها قائلا :

- اشتاق منك كافة المشاعر وما تجودين به علىّ .. فـ معك أنتِ فقط لها طعمًا خاصًا وفريد يشعرني بالجذب تجاهك دون انقطاع ..

ثم أغمض عيناه وهو يوجه راحتها لتستكين فوق قلبه كي تروض دقاته الثائرة من قربها .. فجاءه نداءها المستحي :

- "علي" ..

همهم باهتمام :

- نعم

خرجت كلماتها ببطء شديد :

- غدا من المفترض أيضا أن يتم افتتاح مشروع الصدقة الجارية على روح جدي ..

فتح عيناه ثم رفع رأسه نحوها وهو يتكأ على ساعده مستفسرًا في حبور :

- حقا .. ما هذا الخبر الكريم ..

أومأت براسها مؤكدة وهي توضح :

- هو مجمع لحفظ وتعليم تجويد القرآن الكريم وسيكون بجانبه تكفل لبعض الحالات المرضية لغير القادرين .. بدأت في تأسيسه منذ موته بمساعدة الجد "شاكر" وغدا يصادف موعد افتتاحه أيضا ..

ثم همست على استحياء :

- كنت أريد تأجيله فيما بعد .. على الأقل حتى تنتهي من افتتاح مشروعك وأعمالك لكي ترافق أهل البيت في ذلك اليوم .. ولكن خشيتُ أن أخذل ترقب هؤلاء المحتاجين لفتحه ..

رصد بعينيها التمني يرافقهُ الشغف بنبرتها وهو ليس بقادر على خذلانها لا هي ولا هؤلاء حتى وأن جاهد بمجهوده البدني للضعف في هذا اليوم المنتظر، لهذا راح هامسا :

- سيفتح في الغد إذا كما موعده ..

أشرق وجهها ببريق جذاب انعكس في حدقتيه وسلب انفاسه وهي تردد بتحفز :

- حقا .. ولكن كيف !

صوب أنامله لتداعب خصلة متمردة سقطت على وجهها وهو يردف :

- سافتتح مشروع أبي أولا لارتباطي مع الحكومة وشاشات التلفاز المحلية وبعض العالمية بموعد محدد لكي استطيع بذلك النصر زيارة مقبرته لأول مرة منذ قدومي ليعقبهما افتتاح مشروع جدنا عصرًا .. كما أيضا سننتهز الفرصة إذا وافقت "أميرة" لتحضير حفلة عائلية كبرى وسيتم جلب الطعام من الخارج كمأدبة عشاء تليق بتلك المناسبة الهامة في حياتنا ..

بسرور نبع على قسماتها البشوشة راحت تسانده بعزم :

- متيقنه "علي" بأنه راضي عنك الآن .. ثم ترتيبك للأمر أكثر مما توقعته صراحةً .. أدامك الله لي دائما فأنت أيضا أبي وأخي و حبيبي وصديقي وكل ما لي ..

اعتدل يغمرها بفيض عشقه وهو يجذبها بين حدود ذراعيه هامسًا والسعادة تزين محياهُ :

- كلانا نكمل بعضنا البعض ونحتاج للأخر بشدة حتى بدا لي بأن لقاءنا ليس بالمصادفة بتاتًا وإنه قدرٌ من رب العالمين وضع بين يدي ذلك الطاعن في السن ..

وللحق أجاد الثعلب بذكائه في تنفيذ هذا القدر ..

-------------------------

أغلقت باب الغرفة عليها بعد أن تركتها بصحبة الصغيرة عقب اطعامها واسترداد عافيتها بعض الشيء أمام عينيها، ثم راحت لذلك الجالس على بركان متوهج في غرفة المكتب لاستكمال حديثهما الذي بات يحمل الكثير من الأهمية بعد ما رصدته الآن ..

والذي طالعها بثباته المزيف متمتما :

- أحسن إن شاء الله أمي ..

اقتربت جالسة على مقربة وهي تجيبه :

- هي الحمدلله أحسن .. بس أنا دلوقت اللي مش أحسن ..

توجه إليها مضطربا :

- ليه بتشتكي من حاجة تعباكي ..

استنشقت نفسًا عميقًا ثم اجابته بفتور :

- اللي فيا من كتر الصدمات اللي باخدها منك النهاردة .. ولو عاوزني ارتاح فعلا يبقى تجاوبني بصراحة ..

مقطب الحاجبين حثها على المواصلة والتي بدأتها دون تباطؤ :

- "مرام" كانت تعرف بطبيعة شغلك وبمهمتك الأخيرة !

زفر في ضيق وهو يتوسط براحتيه خصره ثم قال مرغمًا :

- حاجة زي كده ..

- يبقى اللي توقعته صح .. البنت بتحبك يا "عمر" واللي يثبت صحة كلامي قلقها وصلاتها وبكاها طول ما أنت برة ..

مضيفة بتهكم : قال وأنا اللي مكنتش فاهمة إيه السبب ..

ولى ظهره إليها هاربًا بمعالم وجهه الحزينة قائلا:

- مشاعر عابرة وهتنتهي صدقيني ..

استقامت تردد عليه باندهاش :

- يعني كنت عارف! .. طب وأنت ؟!

ازدرد ريقه هامسًا بارتباك :

- أنا إيه .. أنتي عرفاني أن مبفكرش في الموضوع ده ..

رصدت توتره وتلاعبه في الإجابة فقالت مشدوهة :

- لغاية أمتى ؟!

استدار يطالعها بتساءل :

- مش فاهم ..

هتفت باستهجان :

- لا فاهم يا "عمر" بس بتحاول تضحك على أمك ونفسك قبل مني ..

- أمي أنا مافيش حاجة من ناحيتي صدقيني ..

- يعني قلقك ونظرة الخوف في عينيك عليها اتجاهله ..

اطرق جفنيه دون إجابة فقالت بعتابٍ حاد :

- ليه بتكذب المشاعر اللي اتولدت جواك يا بني دا أنت بقى عندك ٣٥ سنة هتستنظر أكتر من كده إيه .. ولا يمكن شايف أن قهرة أخوك مش كفاية عليا وقلبي مايستهلش منك فرحة..

- وحضرتك هتكوني مبسوطة لما اسيبها من ورايا أرملة !

خرجت جملته القاسية تنحر فؤاد تلك المُسنة التي شهقت بفزع ثم انهمرت دموعها في الحال، وهي تردد بلوم ..

- ليه أنت قاسي على نفسك وعلى اللي حواليك كده .. يا بني متوجعش قلبي عليك وألحق حب وعيش حبك دا اليوم اللي بيعدي ما بيرجعش وأنا نفسي اشوفلك حتة عيل افرح بوجوده مع بنتك أخوك ..

- قصد حضرتك عيل اسيبه يتيم زي ما ولدي سابني أنا وأخويا يتما من بعده ..

ثم زفر ماحيًا حزنه بعجاله وهو يواصل بنفاذ صبر:

- أمي اللي بيدخل الشغلانة دي بيتحرم عليه النعيم وبيتحرم على اللي عايشين معاه كمان .. وعشان ترتاحي أنا مش هضحك على نفسي ولا عليكي تاني وهعترف أني فعلا بحبها .. بس غصب عني مش هقدر اشوف صورة معاناتك بتتكرر فيها ..

مضيفًا بحزم عقبها : "مرام" هترجع لأهل والدتها في الصعيد النهاردة قبل بكرة وأنتي لازم تساعديني على كده .. أرجوكي أمي ساعديني أنا بتعذب ومحدش حاسس بيا ..

باندهاش رددت بفزع :

- النهاردة !

- إيوه النهاردة .. أرجوكي أمي محتاج مساعدتك أنا بتعذب وماحدش حاسس بيا ..

عاتبته باستهجان :

- طب على الأقل سيبها لبكرة ولا لبعده البنت تعبانة ولسه مرتاحتش !

استعد مغادرا من أمامها للخارج وهو يردف بصرامة قبل أن يخضع لميولها:

- هحاول أمي .. هحاول آاجل لبكرة .. بس على الأقل أضمن أنك موافقة وبتسانديني بدعائك ..

مع غياب طيف أثره من امامها قالت بتمني وقلب منفطر :

- أطمن .. هدعيلك أكتر من أي مرة دعتلك فيها بأن ربنا يجمع ما بينكم زي ما جمع ما بين قلوبكم .. دي مساندتي ليك واللي هصبر بيها قلبي كأم نفسها تفرح بأول فرحتها ..

بينما في الخارج وعقب توجهه لباب الشقة رصد الصغيرة تخرج وتغلق باب غرفته خلفها مما تسمرت قدماه دون حركة وهو يطالعها بنظرة شغوفة ينضح اشتياقه إليها ولعبق أخيه فيها، ولكن سرعان ما تبدلت نفس النظرة للاستياء عقب تفاجئها به وارتعاد جسدها من رؤيته ومن ثم هروبها للداخل مرة أخرى وكأنها رأت حيوانًا مفترسًا ذو مخالب حادة يهددها بالانقضاض الموحش دون رأفة ..

أسر حزنه بداخله ثم همَّ ذاهبا للخارج دون الانتظار أكثر من ذلك بين حدود بيت أصبح يُحمل فوق صدره بكل الضيق والألم ..

------------------------

في الصباح وعقب احتشادًا حار من الأعلام المحلي والعالمي والمناصب الهامة في البلاد وجميع مسئولي شركات أحفاد البنا كافة تم افتتاح المشروع المنتظر منذ الكثير من السنوات .. شاهدًا ببؤبؤة عينيه حلم والده يرفرف بخيره في سماء موطنه كما تمنى وأوصى يومًا .. ليتبعه لقاءات صحفية هنا وهناك أهم اسئلتها عن الرحلة العمرية للاكتشاف ولما لم يتم العالم المصري "جلال البنا" بالبوح عنه قبل موته .. جاء سرده بإقتضاب تام مكتفيًا ببعض العناوين الرئيسية للأمر محاولا الانتهاء سريعا من تطفلهم المعتاد في تلك الأمور ..

في الثانية ظهرا وعقب الانتهاء من تلك الزيارة المهيبة وتأثره بها حزنًا عاد بصحبة العجوز "شاكر" على عجل للوفاء بوعده لمحبوبته والتي قابلته بخبرٍ اسر صفحته بإعلان موافقة "أميرة" على ذلك "الأمير" الذي افصح عن شخصه لها في سهرتهما بالأمس ..

ليستغل دفة الأمر في صالح الجميع بتوجيه اتصال لـ "أمير" يخبره فيه بما اتفقا عليه هو والعجوز، آلا وهو ترحيبه لقراءة الفاتحة على ذلك الارتباط اليوم في ذلك المجمع الاسلامي المبارك لعله يكون فاتحة خير عليهما ..

خبر رقص على أوتاره "أمير" غير مصدقًا بأن الأمر صار حسب العرف والعادات وشريعة خالقه وباتت تلك المحبوبة له أخيرًا كما تمنى يومًا .. والذي راح يدق على رقمها الذي تردد بالاتصال عليه مئات المرات من قبل أما الآن فيحق له هذا، وذلك لاخبارها بقدومه على عجل كي يصطحبها لأحد الأسواق الفاخرة لجلب ما تحتاجه من ثوب خاص بتلك المناسبة وخاتم خطبة يليق بأميرته ..

أميرته التي قابلت شغفه البكر بالرفض المطلق متعلله بأن لديها من الثياب ما يكفي الغرض وأما عن الخاتم فهو ليست بالخطوة الهامة اليوم ويمكن شرائه فيما بعد لتنهي المكالمة سريعا والخجل يحتلها ..

انهاها هو الأخر مرغمًا بعد أن تبددت فرحته للحزن واحتل العبوس ملامحه ولكن سرعان ما تذكر حديثها له في ذلك اليوم عن عدم مساواة طرفي المعادلة في شغف البدايات .. فهدأ وصبر محاولا أتخاذ القرارات الصائبة في الأوقات العصيبة .. وهذا ما اهتدى إليه بعد فترة تفكير عميقة بأن لا الخاتم ولا الثوب هما فرحته الحقيقية بل موافقتها ووجودها بجواره فقط ما سيسعدانه للابد ..

بعد ساعة ونصف الساعة كان أمام الفيلا بحُلة مناسبة أظهرت وسامته أكثر من العادة في عيون المنتظرين له من العائلة وخاصة تلك الخجولة والمتقهقرة للخلف ..

بعد التحية والمباركة له بدأ الجميع بالتحرك كُلٍ تجاه سيارته .. "حسين" و"ندى" وابنتيهما "جويرية" في سيارته الخاصة، "رضوى" وطفليها وزوجها في سيارتهم كذلك ليتبعهم سيارة العجوز "شاكر" بسائقها الخاص وضيفته السيدة "رقية" يقتفي أثار طريقهم سيارة "علي" بصحبة محبوبته"هنا" .. الكل ابتعد تاركينها بثقة له لاستقلالها لمكان المجمع حتى باتت أمامه هي وابنتها دون حاجز يشاهد خجلها المبين واطراق رأسها .. قطع سكون المشهد تهلل "هاجر" عقب رؤيته بوضوح وركضها نحوه دون تباطؤ والذي دنى بجزءه العلوي لاستقبالها بحفاوة وبحدقتين تنبع بالاشتياق .. استمر معانقته لها لبعض الوقت ثم أتخذ خطوته الأولى وهو يحملها تجاه سيارته وقام بدعوتها لاعتلاء مقعدها الخلفي، وما أن لبت الصغيرة النداء وصارت بالداخل حتى راح يفتح بابها الأمامي وهو يطالع والدتها ليحثها على القدوم هي الأخرى والجلوس بجواره فهو ما عاد بالبعيد الذي لا يفترض مرافقته في وجهة كهذه وبموافقة الجميع ..

بعد وهلة حركت ساقيها المتيبستين تجاهه ثم أعتلت مقعدها بجواره مما راح يحرك السيارة في عجل وداخله يدعوا الله بهدايتها له وأكمال طريق ارتباطهما على خير ..

وتحقق حلمه أخيرا ما أن شهد الجميع قص شريط الافتتاح الرسمي للمجمع الديني ليعقبه قراءتهم لفاتحتهما في وسط بهجة عارمة احاطت بالحاضرين وهو خاصة بعدما أخرج خاتم تسوقه على ذوقه وقبلت به محبوبته التي دنى منها خلسة موشوشًا بفيض عاطفته العاشقة :

- مبارك حبيبتي ..

كلمتان خفيفتان كانتا كفيلتان بهياج حمرتها وأسر شفتيها من الرد وكأنها ابنة البكورة، لم يغب عن عينيه حالها فجاد عليها مرة ثانية قاصدا محي تلك المسافة بينهما :

- متنميش بليل وانتظري مني اتصال على ١٢ ..

جملة أخرى صاعقة كانت كفيلة لهروبها بعيدا عن مرمى همسه الجريء تلك المرة والتواري بين تجمعات شقيقاتها التسامرية، استمرت حتى نوت العائلة الرجوع للبيت وهو بصحبتهم لتناول مأدبة العشاء الضخمة على شرف تلك المناسبات الثلاث اليوم والتي جاءت من أفخم المطاعم الأجنبية في البلاد بعد أن أوصى عليها "علي" بذاته ..

على الجانب الأخر داخل البيت وقبل وصولهم ..

تحديدا في غرفة تحضير الطعام ..

قالت أحدى سيدات الثلاثين من العاملات به :

- الله يا "سنية" شكل الأكل يهبل من رحته أهي دي المطاعم ولا بلاش ..

فاجابتها المدعوه بانبهار مماثل:

- يا اختي يا "عواطف" دي معروفة بأن الحلو مش هيجيب الا اللي زيه .. وبصراحة "علي" بيه حلو قووي ومذواق وكل مجايبه بتاخد العقل ..

- وبعدين فيكم .. هنفضل نتكلم ونرغي كتير والجماعة على وصول .. خفوا يلا نفسكم وشفوا شغلكم ..

جاءهما الرد الحازم من امرأة في العقد الرابع ترأسهم في هذا الكيان العريق، ليجيبها أحداهما بلوم :

- إيه يا ريسه "سعاد" الجماعة لسه على وصولهم يجي نص ساعة بحالها واحنا الحمدلله مجهزين السفرة بتاعة الكبار وكمان سفرة الأولاد الصغيرين غير أننا متكلمناش في حاجة غلط أكتر من أن ريحة الأكل حلوه وتفتح النفس ..

مضيفة بمصمصة الشفايف :

- ولا انكتب على الغلابة اللي زينا لا ندوق ولا حتى نتكلم ..

باستهجان شديد أجابتها "سعاد" :

- لا يا اختي الله الوكيل في البيت ده دونًا عن البيوت اللي اشتغلت فيهم لناس أكابر اللي هتلاقي رحمة وحنية للي زينا .. وأهو اللي يثبت كلامي ..

ثم اشارت بطول ساعدها لحقيبة بلاستيكية كبرى مواصلة :

- ده اكلنا زيه زي أكلهم بالظبط .. "علي" بيه وهو الست "هنا" الله يبارك لهم ويجمعهم على خير مانسيوش يوصوا عليه كمان لينا ..

تهللت أساريرهما عقب ما قالته لهما "سعاد" فقالت "سنية" في عجلة من أمرها :

- الله يعني ده لينا ومن نفس أكلهم .. الله يعمر بيتك يا "علي" بيه ..

مواصلة برجاء :

- عشان خاطري يا ست "سعاد" خلينا نخطف لنا كام لقمة كده منه قبل ما يجيوا بدال مخلصين اللي ورانا .

اجابتها الاربعينية بحزم :

- يا بنت انتي وهي اهمدوا بقى .. الأكل أهو مش هيطير ولما نخلص خدمتهم على السفرة بألف هنا نبقى نقعد بعدها نأكل كلنا ..

قالت "سنية" بحنق وعينيها تقع على خادمة رابعة منمقة في ملبسها تشاركهم الغرفة ولكنها لا تفقه من لغة حديثهم شيئا :

- أحنا عملنا كل حاجة من مسيح وتنضيف وتجهيز السفرة ومعدش ناقص الا تقديم الأكل وده بقى من مسئولية السنيورة الفليبينية اللي بتبرط لنا كل شوية بالانجليزي بتاعها وشايفه بيه نفسها علينا عشان بتفهم على "علي" لوحدها وبس ..

لتزيد "عواطف" على حديثها بتوسل :

- عشان خاطري يا ست "سعاد" خليني القط لقمة ولا لقمتين دلوقت أصل ريحته دخلت في دماغي وعششت وأنتي عارفه أن بتوحم .. يرضيكي يعني الواد يطلع فيه حاجة بعد شوق عشر سنين من غير خلف ..

أمام حديثها لم تستطع "سعاد" مواصلة رفضها وخنعت أخيرا لرغبتهما وهي تهتف بتأثر :

- طب خلاص خفوا نفسكم بدري بدري قبل ما يوصلوا ونقصر في شغلنا قدامهم وهما ما بيقصروش معنا الله الوكيل في أي ظرف بنمر بيه ..

لم تكد تكمل حديثها حتى انقض الاثنان على الحقيبة البلاستيكية يتناولون من مغلافاتها بعد فتحها بنهم شديد وهما ينطقان بتمزج بعد مضغ أولى اللقمات :

- الله .. الله .. تقولي بقلاوة يا بت يا "عواطف" ..

- أه والله يا بت يا "سنية" هو انتي بتقولي فيها ..

انصتت "سعاد" لتعقيبهما بابتسامة عريضة وبنفس متعجبه ثم راحت تكمل ما في يديها من نواقص صغيرة قبل وصول أهل ذلك البيت ..

--------------------

عقب حديثه الناري مع والدته بالأمس وليل اليوم الذي مرّ بثقله على الجميع .. اجتمع معها على مائدة الافطار بصحبة الصغيرة المنكمشة على ذاتها بجوارها خشية التقاء النظر في معالمه الشارد العابسة ..

بذلك المنوال الساكن من كليهما خرجت عليهم رابعتهم بملابسها الخارجية الفياضة وحجابها الشرعي مردد في هدوء شامخ :

- أنا جاهزة ..

كلمتان لا حول بهما ولا قوة ولكنهما اغتالا ثباتهما المزيف مما راحت "عفاف" بارتباك على أثارها بدعوة الصغيرة لمصاحبتها إلى غرفة تحضير الطعام لجلب المزيد من الحليب الطازج الذي تحبه، وبالفعل اطاعتها الصغيرة مهللة دون إدراك لما يحوط بها من صراعٍ في الاحداث، مع غيابهما التام رفع "عمر" عينيه من داخل طبقه نحو مكانها بالقرب ..

فتفاجأ من هيئتها المحتشمة وخاصة من حجابها !

متى ؟!

تذكر بأنها كانت كذلك عند قدومه إلا أن حزنه حينها على فراقها أعمى بصيرته ..

" الحزن داءٌ ملعون إن تملك من القلب شيعت بقية اعضاء الجسد عن نعيم الحياة "

تخلى عن مقعده مقتربا منها فشاهدها تهدي إليه نظرات قوية دون خجل وكأنها عادت لعهدها القديم، تلك الشرسة الابية .. ولكنها بعينيه اليوم لم تكن بشرسة مطلقا بل هي في صورة شبه ملائكية تسر الناظرين وتبهج القلوب .. دون إدراك ضاع في عينيها حد الثمالة وكأن حبه لها يتجدد ميثاقه كلما رأها .. أراد خلالها أن يهنأها عليه .. وأن يخبرها كم هي جميلة به .. وأن ما زال بينه وبين الطفلة حواجز لن تبيد إلا بمعرفتها .. والأهم من هذا وذاك أنه كم يحبها .. ولكنه صمت .. صمت لأنه يحبها !

وضعا صعب عليهما ولكنه يصب في مصلحتها حتما كما يرى ويقتنع لهذا وجب على ما اتخذه من قرار سرعة النفاذ .. جاهلا بأنه بات إليها كل الحياة !

همهم بنبرة هادئة متصنعة :

- من الصبح كده ..

مع همسه تذكرت حديث والدته لها بالأمس عن نيته فجاءت شامخة لتحفظ كرامتها قبل أن يعيدها عليها اليوم بذاته:

- بدال كده كده همشي فمش هتفرق دلوقتي أو بعد كده ..

لاحظ قسوة نبرتها على غير المعتاد في الفترة الأخيرة فتنحنح بهدوء وهو يمرر راحته فوق وجهه وخصلاته قائلا :

- تمام .. انتظريني ثواني ..

عقب ضياع طيفه بين حدود غرفته تسرب جمودها وقوتها وكأنها كانت تستدعيهما من أجله، ابدلتهما بملامح مستاءة عند توجهها نحو العجوز التي خرجت بالصغيرة على أمل رجوعهما عن قرارهما ولكن خاب ظنها حين شاهدت انسياب العبرات من عينيها وهي تحتضن الصغيرة بحنين جارف .. والتي خرج صوتها الطفولي مستفسرة :

- أنتي راح فين يا ميام ..

- معاكي دايما يا قلب "مرام" .. بس في شوية شغل مهمين لازم أخلصه وارجعلك على طول ..

- خلاص أجي معاكي أنا وننا "عفاف" ..

- يا ريت يا "مريم" بس ماينفعش .. وبعدين أنا هكون معاكي على التليفون كل يوم .. أكلمك وتكلميني لغاية لما تزهقي مني وتنامي كمان .. بس المهم تسمعي كلام نناه ومتغلبهاش ..

- صدقيني هكون مؤدبة ومش هزعل حد مني خالص عشان ترجعيلي بسرعة ..

مع جملتها الأخيرة لم تستطع الصمود أكثر من ذلك وراحت تحتضنها وعبراتها وشهقاتها في التزايد ليصبغ حالتهما على العجوز التي بكت بالمثل وهي تتابعهما في صمت مؤلم لقلبها ولكن ما باليد حيلة ..

مع خروج ولدها بثوب الخروج ابتعدت "مرام" ورصدت تغير حالها للنقيض وهي تمحي دموعها وتسبقه نحو الباب الذي يشرف على حقيبة ملابسها الصغيرة أمامه .. لتحتضن سريعا الصغيرة بالكثير من الكلمات المعسولة لشغل بالها عن مغادرتها وهي تتوجه بها للداخل مرة أخرى قبل أن تشاهد خروجهما معا بتلك الحقيبة ..

------------------------

امام الباب الداخلي للبيت وعقب وصول العائلة بالكامل والترجل من سيارتهم خرجت عليهم أحدى عاملات الخدمة به والفزع والجنون عنوان معالمها وحديثها وهي تصرخ في وجوههم دون تركيز ووعي :

- الحقوني .. الحقوني .. ماتوا .. وقعوا هما الاتنين في المطبخ وماتوا .. الحقوني بسرعة .. حد يطلب المستشفى ولا دكتور ياااااااناس .. البنتين الغلابة ضاعوا في غمضة عين ..

كلماتها كانت كافية لتشتت الجمع وهرولة الرجالة أولا قبل النساء المنصدم تجاه غرفة تحضير الطعام كما ذكرت في حديثها ليتوافد كُلٍ وراء الأخر ليشاهد بشاعة الصورة بذهولا وفمًا منفرج ..

عاملتان المنزل مفترش جسدهما ارضا بعينين جاحظتين وفقعات شديدة البياض تخرج من فمهما في هيئة خطٍ واهن ..

شهقات النسوة وبكاءهن غلبت الأجواء بينما الرجال رغم فزعهم بالمثل تخطو الصدمة بحرفية وهم يبعدوهن للخارج حتى تأتي الشرطة وتتحرى في أصل الأمر الغريب من نوعه داخل ذلك المكان ..

--------------

مع ربط احزمتهما في مقعدهما داخل السيارة واستعداده للمغادرة بها إلى مسقط والدتها جاء إليه اتصالا هام وذلك عقب رؤيته لاسم صاحبه يحتل شاشة هاتفه ..

همَّ بفتحه بعجالة متخذ الانصات رفيقه حتى انهى الطرف الأخر المكالمة بعد دقيقتين فقط .. ولكنهما كانتا كفيلاتان بتبدل حالته للنقيض حين التفت إليها متمتما بحزم :

- "مرام" أنزلي واطلعي فوق تاني ..

جملته لم تمر عليها مرور الكرام حين التفتت إليه بجزئها العلوي تجيبه بحنق مبين :

- آسفه مش هطلع عشان أنا مش لعبة بين ايدك .. مرام اجهزي .. مرام هتسافري .. ودلوقت مرام أنزلي !!

جزّ على اسنانه وهو يجاهد لكتم انفعالاته مرددا:

- "مرام" مش وقت اعتراضك دلوقت بقولك أنزلي جالي أمر عاجل من شغلي ..

تبدلت صفحتها من الغيظ إلى القلق بين وهلة وضحاها وهي تهتف بتوجس دون وعي لحالتها :

- هتروح مهمة تانية يا "عمر" !

لاحظ هالتها الخائفة وما نضح على فعلها من مشاعر جياشة فزفر متنهدا وهو يستدعي هدوءه مرة ثانية :

- دا مجرد اتصال عادي .. آسف أن كنت فزعتك من غير قصد .. كلها ساعتين تلاتة وهتلاقيني هنا تاني ..

ثم أعاد أمره مرة أخرى ولكنه بأكثر رأفة :

- أنزلي واطلعي فوق على طول ومتبينيش حاجة لوالدتي وقولها أن البنزين خلص وراح يمون العربية ..

أومأت ببطء ثم حلت قفل الحزام المحاط لصدرها وترجلت مرغمة لتشاهد مغادرته السريعة عقبها محاولة الاطمئنان بكلماته وتصديقها رغم أن قلبها حدثها بالكثير المقلق ..

--------------------

ثلاث ساعات تكدست الفيلا خلالهم برجال الشرطة وفريق التحقيق الخاص الذي أتى على أعلى مستوى بعد أن علمت حكومة البلاد بما حدث في بيت "علي البنا" وعقب ساعات قليلة من بث الاكتشاف أمام العالم .. والتي أمرت بإحالة كافة الطعام الذي أتى من الخارج وفحص عيناته بدقة طبية على وجه السرعة بعدما علمت من المحقق المكلف بالأمر بما قالته الخادمة الأربعينية فيما يخص بتناول القتيلتان للطعام قبل موتهما بدقائق قليلة وخاصة بأن الحالة العامة لهيئتهما تدل على التسمم .. والذي اثبت بالفعل بعد مدة التحليل بملأ كافة الوجبات الجاهزة بـ سُمٌ قاتل يعمل على توقف عضلة القلب في غضون عشر دقائق من تناوله ..

في ذلك الاثناء وتخبط الجميع بين جوانب الاندهاش والحيرة والذهول مال أحد الضباط على "علي" وأمره بالقدوم معه لمقابلة رئيس الوزراء على وجه السرعة ..

------------------------

على ما يقارب الخمسة عشر دقيقة كان "عمر" في المكان الذي أمر بالقدوم إليه كما العادة آلا وهو مكتب مدير المخابرات المصرية ..

فتحه العسكري الحارس لحدوده امامه بعد التحية فسارع "عمر" بالدخول بين جدرانه ولكنه صعق من وجود رئيس حكومة البلاد بذاته بصحبة رئيسه مع وزيري الدفاع والداخلية ..

رغم اندهاشه دخل يؤدي التحية العسكرية امامهم جميعا ليأمره مديره وهو يشاور على أحد المقاعد الجانبية امامهم :

- أتفضل يا ١٠١ ..

اطاعة "عمر" بكل ولاء وراح يجلس كما أمره حتى انصت لطرق الباب مرة أخرى ودخول أحد الضباط بصحبة رجل طويل البنية ذو خصلات كستنائية وعينين خضرواتين دعاه هذه المرة رئيس الوزراء قائلا بانجليزية مطلقة :

- مرحبا "علي البنا" تفضل بالجلوس ..

مشيرا إلى المقعد الذي بجوار "عمر" وبالفعل اطاعه الأجنبي بكل هدوء رغم أثار الارهاق المسيطر على صفحته .. ليراقبون جميعا مغادرة الضابط وغلق الباب خلفه ليتولى رئيس الوزراء دفة الحديث قائلا بالإنجليزية :

- حتما كلا منكما لم يعرف الأخر ولكننا سنؤجل ذلك التعارف حتى يأتي ثالثكما ..

لم يكد يتم جملته حتى اطرق الباب مرة ثالثة ودخل عقب فتحه رجلا ثلاثيني أخر يبدو عليه الوسامة الشديدة ببنية جسد مشدودة وكأنها بنية عسكري مخضرم وبالفعل صدق حدسه حين أدى التحية العسكرية بكل حرفية وطاعة ليأمره مدير المخابرات قائلا في جدية وهو يشاور على المقعد الثالث بجوار "عمر" و"علي" :

- أتفضل يا حضرة الرائد طيار "حمزة حسين الألفي " !!!

----------------------------

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...