" خلاص مافضلشي كتير يومين كمان وانفذ . "
" تمام، انا كمان زهقت "
" جرى ايه في الحفله امبارح؟"
" ماكنتش منتبه زمان بس امبارح خليت عيني عليه. ثواني وياكلها بعينيه ."
" معقوله؟ ده كان عامل زي الميت لابيحس ولا بيهتم"
" الظاهر انو تغير معاها. تصدق كان طول الحفله باصص ناحيتها ؟"
" اديك وقعت يا نبيل . خلاص . يومين كمان وحتسلمني صفقة ايطاليا بايدك قصاد مراتك "
" فكرت حتعمل فيها ايه؟"
ضحك بمكر وأشعل سيجارته " وحده ست ، حعمل فيها ايه يعني؟ ماتشغل دماغك ! "
" ده انت طلعت شيطان "
" ماتلم نفسك ، انت ناسي بتتكلم مع مين؟"
" آسف يا بابا ، زي ماقلتلك ، ماتجيبشي سرتي. "
" اطمن ، الواد رمزي اللي طردو البيه هو اللي حيعمل كل حاجه، يعني نحنا مافيش اي شبهه علينا "
" تمام ، انا رايح دلوقت ، بس ماتنساش عايز كل حاجه تتصور "
" طالع لأبوك، بس الوجه الحنين ده من أمك اكيد "
نهض من الكرسي وتوجه الى الباب ليأتيه صوت والده
" آدم، فتح عينيك كويس عايز كل التفاصيل عن الصفقه دي . لازم ترسي علينا المناقصه والا حنروح في داهيه"
" ابنك برضو ،، اطمن "
-------------------------------------------
مع اشراقة يوم جديد، كانت تختبئ بين ذراعيه من قساوة الماضي الذي يأبى تركها وشأنها. لقد زارتها كوابيس مختلفة ولكن لم تؤثر عليها كثيرا، فكلما وجدت نفسها في دوامة سوداء، تسمع صوته يردد " ماتخفيش" هذا ماجعلها تحارب من أجل نفسها.
أحسّت بأنامله تمسح شعرها لتفتح عينيها بتثاقل وتنظر له
" نمتي كويس ؟ "
نبرة القلق في صوته كانت حاضرة بقوة ترافقها نظرة الحنان في عينيه.
رفعت نفسها قليلا لتقبّل صدره وابتسمت " ايوا، كلو بفضلك "
" تمام ، اليوم اجازه ، خلينا نقضيه هنا ، ايه رأيك ؟"
" وانا موافقه طبعا، ماتعرفشي قد ايه البحر بيريحني"
ابتسم لها بحنان ، لن يبتعد عنها اليوم ، عليها ان تتأكد أن نبيل لن يتركها وسيظل يحميها ولن يملّ.
" بس ماعندديش اواعي !"
" في تيشرتات و بنطلونات بتعتي اختاري اي حاجه تناسبك"
" حاضر ، حنقضي اول يوم لينا مع بعض "
" حنخليه احلى يوم كمان"
انطلقت رشا تحضر فطور الصباح بعد ان غيرت ملابسها بأخرى رجالية ، جعلت مظهرها مضحكا. ولكن عندما رآها نبيل لم يعلّق أو يسخر منها ، لم ترى نظرة شفقة أو سخرية ، فقط حنانا غامرا. وأيقنت لحظتها أمرا ، لقد رآها نبيل في أسوء حالاتها ولم يتراجع بل ظل معها . مدينة له هي بحياتها.
بعد ان حضّرت الفطور ، طلب منها نبيل نقله الى الخارج
" من البيت للشركه ، دايما بين اربع حيطان ، خلينا نستمتع بالبحر "
وبالفعل قضّيا معضم النهار على الشاطىء . بل كانا الوحيدين هناك. فالفيلا في مكان بعيد نسبيا.
تمشيا طويلا جنبا الى جنب ، تداعب الأمواج أرجلهما. وتحاول رشا الاستمتاع بوقتها دون التفكير بما حصل البارحة.
اما نبيل فكان كلما أحسّ بابتعادها مسك يدها وشدّ عليها ليذكرها انه هناك اين تريده ان يكون، بينها وبين الخوف.
جلسا أخيرا على الرمال ، لتضع رأسها على كتفه
" نبيل .. عارف اني بغير من البحر ؟"
" ليه؟"
" عشان مابيخافش، ومهما صار برضو شامخ . وبيدافع عن نفسو بالموج "
استمع لها ، ولكن لن يقطع حديثها ، ربما ترتاح ان تقاسمت معه بعض أحزانها
" امبارح، ماعرفتش ليه خفت تاني، وفلحظه رجعت لنفس الأوضه و حسام بيقطع فستاني. الحادثه صارت في حفلة جواز صاحبتي الانتيم. وهو كان هناك. عشان كده بكره الحفلات واتوتر، ."
تنفست بتركيز قوي. عليها ان تخرج هذه الأشياء منها " يومها ، حسام كسرني، لانو كسر ثقتي بيه. نحنا كنا صحاب وكان ديما بيساعدني، بس يومتها، كان سكران و مش فيوعيو"
صرّ على أسنانه وتكلم بغضب مكتوم" ماتبرريلوش"
" أبدا. مش ببرر لحد. هو غلط وانا بديني ادفع التمن. صحيح اتجاوزت خوفي من الرجاله واشتغلت، و قربت منك. بس .. بس.. "
مرر يده على ذراعها يطمئنها لتكمل هي " بس ماعرفشي ازاي حتجاوز اللي صار.. عشان أعيش علاقه زوجيه. ماقدرش"
" تقدري ، انتي بس خليكي واثقه انك قويه وقادره تتحدي نفسك. انا مستحيل أجبرك على حاجه"
" عارفه، والنبي عارفه وده الي بيقتلني من جوا. عارفه انك مستحيل تقرب مني من غير اذني ، وعشان كده عايزه اتجاوز الخوف ده " صمتت قليلا وطأطأت رأسها وقد احمرت وجنتاها ". عشانك "
رفع رأسها بيده لينظر في عينيها " مش عشاني، عشانك انتي ، عشان انتي تستحقي انك تفرحي وتعيشي حياتك زي ماتريدي "
" يبقى عشنا نحنا الاتنين. "
وعادا الى التطلع في البحر ، ليقطع نبيل الصمت هذه المرة
" انا حكايتي مختلفه مع البحر، انا مش بغير منو ، انا بحس انو شبهي"
التفتت تسمعه ليكمل وهو ينظر الى البحر وكأنه سافر الى عالم آخر . " هو كمان كان وحيد. ومالوش حد. ومهما جات ناس وشكت همها ليه ، هو يفضل زي ماهو لابيزعل لزعلهم و لايفرح لفرحهم، زي ماكنت انا بالضبط."
وضعت يدها على يده تذكره ان هذا الكلام لم يعد صالحا الآن، فهاهي معه وليس وحيدا. لم يعد وحيدا.
" أخر مره جيت للبحر من ست سنين كده، قبل موت حسام، انا جيت عشان أبطل وحيد . " سكت قليلا، هل يخبرها بذلك ام لا داعي ؟ لكنها تستحق ان تعرفه كي تثق به تماما. " كنت خلاص قررت ان الفراغ اللي جوايا لازم يتملى بأي حاجه، وليه لا البحر حيمليه"
ماذا يقصد بكلامه؟ ان يملأ فراغه بالبحر ، هل فعلا؟
" حاولت انهي حياتي فيه، ماكنتشي حياة ، كانت شغل ونهار مابينتهيش فأحاول اخليه قصير بعلاقات مع ستات "
احتظنته بسرعة، هل حاول الانتحار فعلا؟ لقد حاولت قبلا وفشلت ، لا لم تجرأ. اما هو فالى اي حد قد وصل؟ لكنه تابع كلامه كأنه لايحس بوجودها معه. وكأنه أخيرا يخرج مايثقل صدره في لحظة صدق يخاف ان مرت ، جبن الى الأبد.
" وكنت خلاص حروح للبحر اللي يفهمني، بس .." وصمت قليلا ونظر لها " انتي منعتيني "
استغربت من كلامه " انا ؟ بس انا قبل مةت حسام ماكنتش بتعامل معاك ابدا .. كنت بخ.."
" بتخافي مني.. عارف ، كنت بشوف الخوف فعينيكي ، وخوفك ده كان سبب دقة قلبي اللي حكتلك عنها. "
لم لم يعجبها كلامه،؟ ان يكون قد دق قلبه لها وهي على ذمة اخيه " انا كنت مرات أخوك "
" وانا ما تجاوزتش حدودي معاكي. كنت بس بتصرف زي ماطول عمري بتصرف مع اي حد . بس انتي اللي كنتي مختلفه. "
سكتت قليلا لا تريد تضييع هذه اللحظة بينهما. وأخيرا، فكلامه صحيح، لم يحاول نبيل ان يتجاوز حدوده، او ان ينظر لها بنظرة مقلقة طوال تواجدها معهم في الببت كزوجة اخيه.
" يومتها صوتك خلاني أرجع من الموت. رشا لازم تفهمي ، ان مش الخوف من الموت اللي خلاني اتراجع بس صوتك هو اللي خلاني ارجع اتنفس في آخر لحظه"
" وانا مدينه للصوت اللي سمعتو ده طول حياتي"
لكنه وقف من جانبها وتقدم خطوات نحو البحر .
" ماكنتشي دي أول مره"
" قصدك ايه "
" مش دي كانت أول مره أحاول فيها اني انهي حياتي !"
شهقت واضعة يدها على فمها" قصدك ايه؟"
" أنا اساسا ، من كترتهم ماعدتش فاكر كم مره "
" نبيل.. انت عارف معنى اللي بتقولو ايه ؟"
" ايوا عارف. حاولت اموت نفسي مرات ومرات ، ومن غير نتيجه"
كان ماتسمعه كثيرا عليها لذلك تساقطت دموعها دون توقف. من يرى نبيل يرى الشخص الجذاب ، ذو الجسم الرياضي. صاحب الشركه ، ولا أحد يعرف أن وراء كل هذا شخص قد حاول وضع حد لحياته لمرات متتالية.
تكلمت بصوت مخنوق ، " ليه؟"
" نفس السبب : الخوف "
" ازاي؟ " هذه فرصتها لتفهم نبيل الحقيقي ، نبيل وراء القناع
" كنت بوقف في وش الموت عشان أجبر نفسي تحس بالخوف، تحس بأي حاجه. والخوف على. النفس آقوى احساس"
" وحسيتو؟"
" لا! تصوري فضلت ألعب مع الموت سنين، و رفضت نفسي تحس بأي حاجه، ولا حاجه "
خافت أن تسأله هذا السؤال ، لكن عليها ان تطمأن عليه. فما يفعله ليس طبيعيا.
سألت بتردد" ولسه؟"
أجابها دون الالتفات اليها " لسه ايه؟!"
لم ترد ان تسمع الجواب، فان قال نعم، كانت هذه نهاية علاقتها به. " لسه بتلعب مع الموت ؟"
صمت قليلا ، لتقف وتديره اليها " ردّ عليا ، لسه بتلعب مع الموت ؟"
أيخبرها عن مافعله منذ يومين ٱو ثلاث ؟ ماذا لو أخبرها ! لن يخبرها ! فليخبرها ! وماذا لو اخبرها وابتعدت عنه؟
" نبيل ، ردّ عليا"
" من يوم جوازنا بطلت ألعب مع الموت، بس مره واحده من كام يوم، حاجه جويا سيطرت وخلتني ازيد من سرعة العربيه"
" من كام يوم؟ من كام يوم كنا اتصالحنا وكنا كويسين . هنت عليك خلاص عشان تسيبني و تموت نفسك ؟"
" ماهنتيش ، وماتهونيش، عشان كمان مره انتي خليتيني ابطل الهباب ده "
" نبيل ماتخوفنيش ، مش كل مره حتفتكرني "
" ماتخفيش، مش هعيدها تاني .بطلت أدور عن الخوف لان في حاجه تانيه اتولدت جوايا "
تكلمت وقد انقضت على صدره تضربه بلكمات ضعيفة وهي تبكي " حاجة ايه ؟"
" حبّك ، حبك اتولد جوايا فوقت ماكنتش اعرف فيه ايه معنى انك تحس، "
سكنت قليلا تطالعه، هل اعترف انه يحبّها؟
" عشان كده ، لازم تصدقيني لما قلك انك غير اي وحده. انك مش زيهم. "
أحاط وجهها بكفيه ونظر عميقا في عينيها " انتي عطيتي لحياتي معنى ، وعشسان كده مستحيل اتنازل عنك ، او فيوم ابعد عنك"
احتضنته بكامل قوتها ، تشده اليها ، كصغيرها تحميه من أخطار العالم. أرادت حمايته من كل شيء. مسكين هو كم عانى .
" انا معاك. نبيل ، عارف اننا محتجالك كتير كتير ، بس حكون قويه عشانك ، عشان يوم ماتحتجني حتلقيني جمبك بساعدك ."
" احتضنها ايضا ودفن رأسه في رقبتها " عارف، عارف ومتشكر عشان اتفهمتي وما بعدتيش"
" مش هبعد، مستحيل اخليك للوحده تاني ، انا ععيش ليك وبيك "
وتجرأت لترفع نفسها وتطبع قبلة خفيفة على شفتيه ، قبلها أيضا لكن لم يرد أن يضغط عليها أكثر.
أبعدها عنه واعتصرها في حضنه.
نزل ستار الليل دون ان يشعرا لينتفض نبيل من مكانه
" يلا رشا ، لازم نرجع ، عندش شغل مستنيني
" بس انا حبيت المكان هنا كتير "
" حنرجع الأسبوع الجاي . بس دلوقتي مضطر والنبي"
ضربت رجلها كالطفلة الصغيرة على الأرض ثم عقد ساعديها امام صدرها " توء ، مش عايزه "
قال ساخرا " راح فين كلامك عن الشغل ونفسك وتحقيق ذاتك ، و و و "
انطلقت تحتضنه كطفلة صغيرة " في كفه ، وانت في كفه تانيه خالص . "
" انا كمان عايز ضل هنا، بس في مناقصه خاصه بالعملاء فايطاليا ولازم ترسي على شركتنا . "
قبلت وجنته " وانا واثقه انك حتربحها . "
" المنافسه كبيره اوي، وبالأخص شركة الوافي "
" حتتوفق ان شاء الله . خليك واثق من نفسك"
لقد كان دائما واثقا من نفسه معتمدا عليها. اما ان تقول له هي انةعليه ان يثق بنفسه؟ أه يا رشا ، وعانقها مكلما نفسه والبحر " كنتي فين من زمان ؟ كنتي فين لما كنت بتخبط في الدنيا لوحدي. ؟ مش حسيبك. ولو جراتلك حاجه ، مش بعيد أروح للموت بنفسي المرادي. "
لقد اعترف لها بأفعاله السوداء ، ولم تبتعد، لقد تفهمته و قد بكت لألمه. بقي جزء صغير سيخيفها ان عرفت به. و سيعترف به يوما ما انه كان السبب في موت امرأة . لكن ليس الآن، سيخبرها يوما ما. ستبنى علاقتهما على الصراحة. معها فقط يحس ان من واجبه ان يكون صريحا ، ربما تستحق منه هذا. أن يكون ككتاب مفتوح معها.
وقفا تحت النجوم يحتضنها بقوة. " حبيبين نحن الى أن ينام القمر " هكذا قال محمود درويش .
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!