الفصل 17 | من 56 فصل

رواية أكرهــــــــك الفصل السابع عشر 17 - بقلم Emy Abo-Elghait

المشاهدات
14
كلمة
1,745
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

  دخل غرفته يجرّ أذيال الخيبة ، تأكد أن رشا لم تنسى فعلته الشنيعة والأخطر أنها لن تغفر له. وجدها تغط في النوم تتحرك كثيرا كعادتها وكأنها تعيش كابوسا ، ابتلع ريقه بصعوبة ومرر يده على شعره بقوة حتى كاد يقتلعه. ارتمى على الأريكة متعبا وأغلق عينيه على هذا اليوم أن ينتهي . عليه أن ينتهي فيُنهي معه جرحا نازفا يأبى الشفاء .
-------------------------------------------
مرّ أسبوعان على مغادرة نبيل المنزل وأسبوع على المواجهة المؤلمة بين رشا و حسام .
لم يُغير حسام من تعامله مع رشا فقد ظلّ السند لها. يساعدها دون أن تسأل و يحاول تخفيف وطأة المواجهة عليها ، حتى انه أخذها إلى الجامعة و حرص على متابعتها لدراستها وكأنه يصلّح خطأه خطوة تلو أخرى . كلّف سائقا ليكون تحت أمرها ، لكنه حرص على أخذها كل صباح حتى أنها سألته يوما
" لازمتو ايه السواق لما انت بتاخدني في سكتك و أوقات كتير بنروّح البيت مع بعض "
ابتسم لها مطولا " انا عايز كدا. انا بفرح لما بنروح مع بعض. بأرتاح لما أعرف انك وصلت جامعتك بخير وسلامة . مش ممكن أشتغل وأنا قلبي مش مطمن "
التفتت له وابتسمت تم قالت " حسام. انت انسان رائع . "
هل حقا قالت " رائع" ؟ هل سمع جيدا ، لا لا اكيد خُيّل له ذلك . نظرة الدهشة فضحته لذلك أكملت رشا " انت بتحاول تصلّح اللي فات وأنا متشكره لده. "
وقفت السيارة وترجلت منها رشا ولوّحت له بيدها وهي مبتسمة. ابتسامة صادقة لمست روح حسام وطببتها . ثم توجهت الى باب الجامعة والتفت مجددا تودعه .
أما هو فتابعها كعادته حتى تدخل وحين التفتت تودعه لوّح لها بيده و قال وهو يوقن أنها لن تسمعه . " بحبك .. بحبك وبموت فيك .. "
دخلت جامعتها فانطلق هو يسابق الريح من فرحته . أحس بارتياح، فهاهو جهده في مساعدة رشا قد أثمر وقد شكرته فعلا. شعور لايوصف ، لوّنت الفرحة وجهه وانشرح مُحيّاه. لقد أكمل مهمّته ، وقد شكرته رشا .
رفع رأسه وقال " الحمد للله " وأعادها مجددا ومجددا. عندما ركّز ثانية على الطريق وجد فراشة زرقاء قد وقفت على زجاجة السيارة .
" ريما الفراشة ؟ جيتِ تزوريني ؟!"
أوقف سيارته على الرصيف ، ولكن الفراشة لم تتحرك. وبقي ينظر لها ، وكأنها أحسّت أنها استحوذت على انتباهه، طارت مبتعدة وعندما تبعها بعينيه صدم مما رأى.
طفل صغير ترك يد والدته التي انشغلت تحمل أكياس المشتريات . وتقدم رويدا رويدا نحو الطريق. لم يدري من أين أتته السرعة لفتح باب السيارة التى اندفع منها راكضا نحو الطفل الصغير .
لم يكن الطفل يعي بخطورة الموقف بل ظل يتقدم حتى وقف من هول الصدمة و على بعد أمتار من سيارة مسرعة .
لم يُسمع سوى صوت الأم وهي تصرخ " مراااد ، ابني "
-------------------------------------------
كان نبيل في مكتبه يتابع عمله . قد أعتاد المتعاملون معه على دقّة وسرعة عمله. وماذا يفعل غير العمل ؟ أخذ ملفّ المناقصة الجديدة . عليه أن يكسبها مهما كان الثمن . لم يعتد الدخول في مناقصة ولم يربحها. كان كلما وقف الموظفون لتهنئته ، يكتفي برسم ابتسامة بليدة على ثغره و يحرّك رأسه و يتمتم بالشكر . في حين يقفز بعض الموظفين فرحا لزيادة الربح وتوسّع الأعمال .
فوزه و اصراره على القضاء على اي منافسة جعله يحصد عددا لا يُحصى من الأعداء . وأهمهم جميل الوافي ، هو خصمه في هذه المناقصة وعليه أن يسحقه سحقًا.
دائما ما تصله اشاعات بتهديدات جميل الوافي ولا يعبّرها ، فجميل الوافي ينسى عنصرا هاما في المعادله ، نبيل لا يحسّ ولا يخاف لذلك لا يهتم ولا يتراجع تحت أي تهديد. فليفعل ما يريد .
وضع الأوراق في درجه الخاص وأغلقه . حينها اندفع الباب بقوة ليدخل عليه مراد بيه صارخا
" الحقني يا نبيل ، اخوك بيموت !"
ترك مابيده وتوجه نحو والده بطريقة عادية . وبصوت جاف قال " خير ؟ جرا ايه ؟ "
لم يعقب مراد بيه على تصرف و قول نبيل ، فهو أدرى بإبنه " عمل حادثه ، كلموني من المستشفى دلوقت "
" خلينا نروحلو ، أنا نازل وراك بالعربيه"
توجها الاثنان الى المستشفى ، لسان مراد بيه لم يكف عن ترديد الدعاء ولم تكف دموعه عن النزول ، وقد تذكر زوجته وابنته . لم يّرد أن يخسر ابنه أيضا.
أما نبيل فقد كان يقود سيارته بصورة عادية ، يلحق بسيارة والده ولاشيء يُقلقه.
وصلا الى المستشفى وتوجها الى غرفة الانعاش . هناك حيث يرقد نبيل مستسلما لأيدي الأطباء .
بعد الاستفسار عن الحادثة . جلس نبيل على كرسي وكأن الامر لا يعنيه، وكأن من يُواجه الموت ويُقاتل من أجل الحياة ليس أخاه ولا يتشاركان شيئا . أما مراد بيه فقد رفض الجلوس وبقي واقفا رغم سنه ينتظر خبرا مفرحا أو بصيص أمل يَرُدّ له روحه ، لن يَخسر ابنه ، لا لن يخسره ليس بعد أن عاد اليه . بقي يدعو الله سرا وجهرا ، يطلالمغفرة والعفو علّهما يشفعان لإبنه.
بعد ساعات من الانتظار ، خرج الاطباء مرهقين من العملية . توجه مراد بيه اليهم وعينيه دامعتان تنظران بترجي ، علّهم يشفقون على حاله و يخبروه أن ابنه ، حبيبه قد تجاوز مرحلة الخطر وهو الأن بخير معافى . لكن الطبيب قاطعه قائلا
" نحنا عملنا اللي علينا وزيادة كمان ، العملية كلنت صعبة و معقدة ، ابن حضرتك بيعاني من ارتجاج عنيف و نزيف داخلى . "
" يعني ابني حيعيش ؟ طمني وحياة ربنا "
" زي ما قلت لحضرتك ، حالتو سيئة وعمّال تسوء ، ربنا قادر على كل شيء قدير ، انت ادعيلو دلوقت"
" هو اتجاوز مرحلة الخطر صح ؟ "
" ال48 ساعة الجايين ، مهمين ، هما هيحددو اذا كان اتجاوز مرحلة الخطر أو لا. "
" طب نقدر نشوفو "
" للأسف هو دلوقت نايم بمفعول الدوا وأساسا هيفضل تحت المراقبة ، لما يفوق هخلي الممرضة تندهلك "
" ربنا يكرمك يا ابني "
استأذن الطبيب وغادر.سمع نبيل ما قاله. توجه مراد بيه نحو الكرسي وارتمى يُريح حملا قد أثقل كاهله . وضع يديه بين رأسه وتمتم حمدا لله على الابتلاء . ثم التفت الى نبيل وقال
" انا نسيت أخبّر رشا ، ممكن تكلّمها ؟"
ردّ عليه ببرود " مش معايا نمرتها"
أخرج مراد بيه هاتفه ، وضغط على بعض الأرقام ، ندِم لأنه طلب منه الاتصال ، وندم لأنه أخبره بحادثة حسام، هذا جماد يجلس أمامه ، لا تظهر عليه احاسيس . كتلة من اللحم تتكلم وتفكر فقط ، لا تشعر ! تنهّد مطولا ثم أتاه صوت رشا
" ألو ، أيوا بابا مراد ازيّك ؟"
" الحمد للله، رشا انت في الجامعة والا رجعت للبيت ؟"
" خلاص أنا في سكتي للبيت ، دقائق وأكون هناك ، عايز حاجة ؟"
" امم ، ممكن تقولي للسواق يخدك لمستشفى .... ، أصل حسام عمل حادثه "
" ايه ؟ قلت ايه ؟حسام ؟جرا ايه ؟ازاي ؟ وامتى ؟ طب هو كويس؟ حالتو خطيرة ؟"
وانتظرت الأسوأ كردٍ على سُؤالها ، فآخر مرة سمعت كلمة حادثة ومستشفى ، تلتها كلمة موت
" رشا... رشا ... سامعاني يا بنتي ؟ "
" ايوا ، قلت ايه ، حالتو عامله ازاي ؟ "
" كويسه ماتخفيش ، لما تيجي هنتكلم ، مستنيك "
" حاضر ، مسافة السكه "
تابع نبيل حديث والده كعادته وكأنه من عالم أخر.
وبعد نصف ساعة أيقظه من بروده ، صوتها وهي راكعة على ساقيها امام مراد بيه تمسك يديه ودموعها تنسكب بغزارة
" هيبقى كويس مش كدا ؟ حسام قوي ، أنا عارفه "
" ربنا يشفيه ، ربنا يشفيه "
صوتها المختنق ودموعها ، تحرّك حاجباه استنكارا . ونبيل لا يستنكر شيئا ، ثم عادت تلك الدقّة الخفيّة . ولكنّه سرعان ما وقف وابتعد عنهما ، وضع يده على صدره وأردف " ولا حاجة ، ولا .. حاجة " .
بينما بقي مراد بيه و رشا على أحرّ من الجمر ينتظران خروج حسام .
لن تنكر ما تشعر به ، حزنت كثيرا وتألمت لمصيبته ، تذكرت كيف ودّعها باسما وكيف لوّح بيده كطفل صغير تشعّ من عينيه السعادة . خانتها دمعة وأخرى فاخرى حتى تزينت وجنتاها دمعا. توقفت عن كرهه منذ مدّة لم يعد وحشا لها ، بل كان انسانا قست عليه الدنيا فلم يجد مخرجا الا القسوة.
وقررت لحظتها أن تسامحه ، بل سامحته، ودعت من قلبها أن يّنجيه الشافي ويُرجعه سليما.
وهو هناك يُراقبها ، لا تميّزه عن العمادة التي يقف بجانبها ، في الجمود والبرود واللاحياة شيء .  

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...