الفصل 44 | من 83 فصل

رواية اكتفيتُ منكَ عشقًا الفصل الرابع وأربعون 44 - بقلم Fatma Mohmed

المشاهدات
12
كلمة
7,488
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

اكتفيتُ منكَ عشقًا.
(الجزء الثالث)
بقلمي فاطمة محمد.
الفصل الأول:

'من العبث أن تناقش عـاشق فى عشقه.'
- نجيب محفوظ.

'كل الذين يكتمون عواطفهم باتقان، ينهمرون كالسيل إذا باحوا.'
- غادة السمان.

______

"بــعــد مــرور شــهــريـــن"

وجع...ألم...أنين...فراق..عذاب...خذلان…
كل هؤلاء يجتمعون بها…
يغزون جسدها وينهشون فؤادها دون أي رأفة أو شفقة على حالها..وعلى ما عايشته..وعاصرته بحياتها..
أحبت و وثقت من لا يستحقون...وطعنت وآذنت من يستحقون الحب بأكمله…
حمقاء هى...كانت لعبة بين أيديهم..كانت تناديه أبي…والآخر أخي…والحال انهما أعدائها..اختطفوها منذ الصغر..وكل هذا الحب التي كانت تراه هو في الحقيقة كره...
كره أجادوا اخفاءه بمهارة....
والآن انتهى كل شيء..
ذهبت تلك الغمة من حياتها..وكل من آذاها نال جزاءه واختفى من حياتها…
وبتلك اللحظة تحديدًا لا تعبئ سوى بمسامحته…
ان تراه..وتطلب العفو منه عما ارتكبت في حقه من سذاجة وتهور وجنون !!!
لكنه يرفض ملقاتها و رؤيتها بعد ما فعلته..
وهذا ما يعذبها...
لم تصدقه..ظنت أنه يتلاعب بها والحال أنه يعشقها كما لم يعشق أحدهم من قبل..
كيف لها أن تظن أنه يخدعها..
كيف له أن يفعلها وهو لا يريد سوى إرضائها...وسعادتها بتلك الحياة..

انفرج الباب وطلت خديجة من خلفه مقتربة من ابنتها..مفترشة الفراش جوارها...مربتة على خصلاتها بحنان دفين يؤلمها؛ عما ارتكبته في حقها هى الآخرى..
حق والدتها الحقيقة..

نطقت خديجة ببسمة طفيفة زينت ثغرها:
-قومي يا حبيبتي غيري هدومك، في ضيف برة عايز يشوفك..

اخذت نفسًا عميقًا زفرته على مهلٍ، معقبة بوهن:
-مش عايزة اشوف حد يا ماما..وبعدين مين ده اللي عايز يشوفني... انا مش عايزة اشوف حد..

زمت خديجة شفتيها وقالت بتنهيدة حارة وهى تنهض من جوارها متجهه ناحية الباب مزيفة رحيلها، مضيفة بأسف ماكر:
-طيب براحتك..انا هخرج بقى واقول لـ سليم الكلمتين دول…

جحظت عيناها وهبت من على الفراش كمن رأت أفعى..مقتربة منها قائلة بعدم تصديق لا تصدق أنه جاء لمنزل علياء التي تمكث به رفقة خديجة التي آبت تركها كي يراها بعدما رفض رؤيتها من قبل:
-أنت بتقولي مين ؟؟

-سليم..بس خلاص هخرج اقوله مش عايزة تشوفك ولا تشوف حد..

تحركت خطوتان فأوقفها صوت روفان المتلهف، رافضة ما تتفوه به:
-لا أنا طالعة..

تناست كل شيء ورغبت فقط في رؤيته..
أوقفها صوت والدتها وهى تراها على وشك الخروج بملابس النوم من الحجرة:
-أنتِ خارجة فين كدة..غيري هدومك الاول...هتخرجي تقابليه كدة..

ابتلعت ريقها وحكت رقبتها مطالعه هيئتها..فأسرعت الخطى تجاه الخزانة وأخرجت ملابس لها…

أما خديجة فأبتسمت على حالتها..وخرجت كي ترافق سليم جلسته في الخارج فعلياء خارج المنزل…

بعد عشر دقائق..

تركت الحجرة مطبقة الباب من خلفها عيناها تبحث عنه…
ثوانِ وكانت حدقتيها تقع عليه يجلس جوار خديجة يتسامران سويًا..بل هى فقط من تتحدث..بينما كان هو يلزم الصمت يكتفي فقط بالأنصات..وتحريك رأسه.

رآها أولًا وثبتت عيناه عليها دون إرادته…

تفاقمت ضربات فؤادها حتى شعرت بأنه يفضح أمرها أمامه من شدة خفقانه..كذلك صدرها الذي يعلو ويهبط من شدة الأشتياق…

انتبهت خديجة على نظراتهم المتبادلة..وربما المعاتبه من تجاهه..والأسفه والملتاعة منها…

إنتصبت عن الأريكة متمتمة بكلمات لم يستمع إليها أي منهم..
-أنا هدخل اكلم علياء أشوفها فين..عقبال ما تكلموا..وبالمرة اعملكم حاجة تشربوها..

بالفعل غادرت تاركة إياهم كي يتعابتون..
يخرج ما بصدره من كلمات حبيسة تنوي الخروج في الحال..
فقد اشتاقها حد الجحيم..

وثب من جلسته بهدوء منتبهًا على جرحه الذي لم يلتئم بالكامل بعد بسبب عدم انصاته للطبيب وتحركه في بعض الأوقات مما أدى إلى انفتاح جرحه من جديد..

وقف حيالتها عيناه تشع لوم وعتاب لا ينتهي..

أطرقت رأسها لا تتحمل نظراته تدرك أنها اخطأت ولم تفكر بشكل صحيح..لكن ليس بيدها حيلة..وهو يدرك ذلك..يدرك ضعفها..وتفكيرها المشتت..

-بصيلي يا روفان..

نفت برأسها محركه إياها حركات متتالية عنيفة وقالت مبررة:
-مش قادرة ابص في عيونك..انا غلطت في حقك..وكنت هتموت بسببي..يا سليم..انا... انا مش عارفة ازاي عملت كدة...

-بصيلي بقولك.

هتف بها تلك المرة بنبرة حاول جعلها صارمة..فأستجابت له وطالعته..

خرج صوته مجددًا باردًا:
-كنتي عايزة تشوفيني أكتر من مرة وانا اللي كنت برفض..واديني جتلك لغاية عندك..كنت زعلان منك..موجوع..بس ده مقدرش يقسى عليكي أكتر من كدة..

قال الأخيرة مشيرًا على قلبه الأحمق الذي لج به الشوق رغم ما فعلته به..ومحاولتها قتله..

استرسل ما توقف عنده ونبرته تتحول لأخرى ضعيفة لا تشابه تلك الباردة في شيء:
-وحشتيني..ومن ساعة ما فتحت عيوني وانا عايز اشوفك..عُمري ما كنت ضعيف..بس عرفت الضعف معاكي أنتِ..والمصيبه أني حبيته..وحبيتك..المفروض مبصش في وشك تاني..ومسامحكيش...العقل بيقول كدة وأي حد هيقول كدة..بس انا مش هعمل كدة..عشان أنا معاكي مش بفكر بعقلي...قلبي هو المتحكم...وسيد الموقف..
وأبن كلب مهزق وبيحبك..ومش عايز غيرك..

طردت كل المشاعر السوداء التي تعتريها من ندم وحنق من ذاتها...تركت لسانها ينطق بما تحمله من عشق تجاهه..عشق حاولت مرارًا وتكرارًا عدم تقبله وجعله يسيطر عليها..لكن قلبها لم يبالي لها واستمر في عشقه:
-وأنا كمان بحبك يا سليم..متفتكرش أنه كان سهل عليا كل اللي حصل..انا وقت ما بسام حكالي كل حاجة..وانا هموت عليك..قلبي كان بيتقطع وانا بدخل السكينة في جسمك..انا فعلًا حبيتك…وساعتها كل اللي كنت شيفاه أنك خدعتني...و غضبي كان من قلبي اللي أتعلق بيك..أتعلق بواحد عرفت أنه بيخدعني..واغتصبني…

رفع يداه وأشار بأصبعه تجاه فؤادها محافظًا على المسافة المتواجدة بين إصبعه وجسدها، متمتم:
-لو كنتي سألتي ده..كنتي عرفتي أني مستحيل آذيكي..بس أنا عذرك..ومش هاجي عليكي زي ما الدنيا دي جت عليكي...هبقى ضهرك..سندك..وراجلك...ابوكي..واخوكي..وابنك..وحبيبك.......وجوزك...

تقدم خطوة واحدة..يتأمل ملامحها..خاصة عيناها الساحرة..
ثانية..أثنان..ثلاث.
ثم باغتها بما طلبه وما جعل قلبها يضرب كالطبول:
-تتجوزيني يا روفان..

لوهله ظنت أن عرضه للزواج بها ليس حقيقي ...وما هو إلا وهم..أو حلم جميل..لا ترغب بالخروج منه..واستمراره…
لكنه لم يكن حلم أو وهم بل حقيقة..

كرر طلبه مرة أخرى وكأنه يعلم ما يدور بداخلها..
-تتجوزيني يا روفان..

لمعت عيناها بدموع تكاد تغرق وجهها..لا تعلم ما الذي فعلته في حياتها حتى يعوضها الله عز وجل بذلك الشخص..الحنون..
تجرأت ونطق لسانها بما تفكر به:
-أنا عملت إيه في حياتي عشان ربنا يعوضني بيك..أنا مستحقش حبك ده..

رفض ما تتفوه به رفضًا قاطعًا…
-أنتِ تستحقي أكتر من كدة بكتير..أنتِ متعرفيش انا شايفك ازاي..ومش هكون كداب لو قولتلك ان انا اللي شايفك كتير عليا…
وكل اللي فات من حياتك هنسيهولك..مش هخليكي تشوفي حد غير سليم زي ما سليم مش شايف غيرك..يا أجمل واحدة شافتها عيوني..

رفرفت أهدابها الكثيفة وانعقد لسانها بعدما لم يعد وجدانها يتحمل هذا الحديث..والغزل بها..
مما جعلها تندهش من ذاتها فلا تتذكر انها كانت كذلك عندما كان يخبرها مصطفى بمشاعره تجاهها..
كأنها تعشق للمرة الأولي ولم تحب سواه..

ابتسم بسمة لعوبه متمتم:
-قولتي إيه..هتقبلي بيا وتنوري وتشاركيني حياتي..ولا

قاطعته بلهفة:
-مفيش ولا..موافقة..يا سليم...

اتسعت بسمته وتضاعفت سعادته مردد:
-لا مسمعتش..سمعيني تاني..صوتك واطي..

-موافقة يا سليم..موافقة اتجوزك…

صدمها بصراخه ومناداته على خديجة..عقب انتهائها من تكرار موافقتها على الزواج به..
-يا ديجا..بنتك وافقت..كلمي صابر قوليله حفيدتك وافقت..

جاءت خديجة على صوته سعيدة بما تسمعه..
نظرت تجاه روفان التي تبتسم لا تستوعب ما يفعله مردفة:
-بجد يا روفان أنتِ وسليم هتجوزوا..

-ان شاء الله نطمن على مروان وبعدين نتجوز، انا عندي أمل كبير أنه يفوق قريب...

قالها سليم لتدعو خديجة من خلفه:
-إن شاء الله يفوق ويرجعلنا من تاني..انا هروح اكلم بابا..عايزاه يعرف مني..

انتهت من تفوه الأخيرة مبارحة مكانها كي تأتي بهاتفها وتقوم بتبليغ صابر..

دنا سليم من روفان مستغلًا غيابها للمرة الثانية هامسًا لها بمرح:
-والله لولا الست اللي جوه دي كنت رشقتك حتة بوسة...

__________

تقف بجسدها الذي نحف كثيرًا خلف ذلك الزجاج الذي يمكنها من رؤيته..ومطالعته أثناء نومته التي طالت...كثيرًا..
فمنذ شهرين وهو يتمدد كذلك..عيناه مغلقة..لا يتحرك..ولا يستيقظ.
يؤنبها قلبها..وضميرها..شاعرة أنها المسئولة الأولى والأخيرة عن حالته وغيبوبته تلك..
لولا حديثها واعترافها الكاذب لعاصم بعشقها له..ما كان فكر في آذيته وتدبير تلك الحادثة له…

بللت شفتيها التي جفت متمنية بينها وبين نفسها أن يفق..
لسانها لا يتوقف عن الدعاء له..

جاء صوت بسام الواقف جوارها، متمتم بصوت حزين وعيناه تحدق بشقيقه الراقد على الفراش:
-يلا يا علياء...عشان اوصلك في طريقي.. ماما وبابا جايين في الطريق..وانا لازم اريح شوية عشان اجيله تاني بليل.

اماءت له بخنوع دون أن تحرك حدقتيها، مردفة بنبرة يشوبها الأمل:
-تفتكر هيفضل كدة لحد امتى..عدى شهرين ولسة مفقش..

-بأذن الله هيفوق..وهيرجع وسطينا من تاني...ويلا بقى قبل ما الكلام يأخدنا..وتلاقي بابا وماما فوق رأسنا وساعتها مش هخلص سين وجيم.

هتف الأخيرة مشيرًا برأسه يحثها على التحرك معه ومغادرة المستشفى..
ازاحت عيناها عن مروان مجبرة وتحركت معه...ولسانها يعود للدعاء له من جديد..

_________

-أنتِ بتعملي إيه؟؟

خرجت شهقة خافتة من فوه رحمة التي كانت تقبع خلف طاولتها الصغيرة تفعل ما اعتادت عليه أثناء غياب أيهم..فقد عرضت عليه منذ عدة أيام أن تعمل معه وتساعده في العيادة..فوافق على مضض لاحتياجه مساعدة إحدهم…

طالعت عمر بحنق مجيبه عليه بلامبالاه وأسلوب سليط يشابه لسانها:
-يعني هكون بعمل إيه يعني ما أنت شايف أني بقور باذنجان وكوسة هيما عايز ياكل محشي فقولت اكسب وقت عقبال ما سي الدكتور يجي..

لوى عمر فمه وتقدم خطوتين منحني بجسده عليها متمتم بضيق طفيف من عملها مع أيهم:
-بقولك ايه يا رحمة شغلانتك مع الراجل ده مش عجباني..انا محبش اللي اتجوزها تشتغل..وتتعامل مع رجالة..

اكفهر وجهها وتركت ما بيديها..مثبته حدقيتها عليه، ثم ردت بفتور:
-لا تحكمات من الاول واعملي ومتعمليش مبحبش..وبعدين كل اللي بينا محبس وخطوبه حصلت على الضيق...يعني لسة ملكش كلمة عليا..لما ابقى في بيتك يا اخويا ابقى اتحكم براحتك..

-بس أنتِ هتبقي مراتي..و

حاول ردعها و إيصال رفضه لعملها ذلك..لكنها أوقفته وقاطعته بعدما سئمت من كلماته، مضيفة:
-بضبط كدة لما ابقى مراتك بقى ابقى اتأمر وليك عليا الكلام يمشي سيف على رقبتي..وهتبقى تاج رأسي..بس دلوقتي محدش يمشي كلامه عليا غير هميا اخويا..

حافظ على ملامحه كابحًا غضبه، ثم استطرد قبل أن يوليها ظهره ويغادر من العيادة:
-ماشي يا رحمة..بس خليكي فاكرة كلامك ده، وقريب هتبقي في بيتي عشان خلاص هجهز الشقة وشهرين تلاته واكتب عليكي..سلام يا قمر..

زفرت زفيرًا عنيفًا شاعرة بثقل يجثو على صدرها..نفضت كل تلك المشاعر السيئة وعادت لما كانت تفعله قبل ولوجه وقطع خلوتها تلك…

بعد دقائق..
وصل أيهم وسريعًا ما تيبست ساقيه وانتصب في وقفته متابعًا ما تفعله..

خرج من صدمته بعدما سيطر عليها وحل مكانها غضب طفيف، ناطقًا بترقب وحنق مكتوم:

-أنتِ بتعملي إيه ؟!!

-يادي النيلة كل شوية حد يسألني بعمل ايه..هو مش باين يعني يا اخويا…ولا النظر على القد..

ردت عليه بتذمر..

ارتفع حاجبيه وتقدم ملتقطًا ( الكوسة) و( الباذنجان) بيداه رامقًا إياهم، هاتفًا بعدم تصديق لما تفعله في عيادته:
-بادنجان وكوسة في العيادة...ليه..

-هو إيه اللي ليه هيكون بيني وبينهم تار يعني وقاعدة بغز فيهم..ده هيما عايز ياكل محشي وانت اتاخرت فقولت استفيد من وقتي..ده الوقت من دهب يا دكترة.

اشمئز أيهم من تلفظ الأخيرة فكررها ورائها:
-دكترة !!

استطرت بتأكيد وبسمة واسعة:
-أيوة دكترة..بقولك ايه بلاش تبقى نايتي كدة..ده أهل المنطقة يأكلوك اسمع مني..وبلاش بابي ومامي مدام اخترت تفتح عيادة هنا يبقى لازم تبقى عارف هتعمل ايه مع اهل المنطقة..وبعدين متخافش وراك رجالة..

قالت الأخيرة بفخر شديد وابتسامتها تزداد اتساعًا..التفت أيهم مطالعًا خلفه بسخرية، مردد:
-هما فين الرجالة دول مش شايفهم..

-لية يا اخويا هو أنا مش مالية عينك ولا ايه..ده أنا املى عين التخين..دول هيخافوا يقربوا منك عشان أنا معاك بس و

أغمض أيهم جفونه بنفاذ صبر من ثرثرتها، فصاح فجأة:
-بس خلاص بكبورت وانفجر في وشي افصلي..ولو اي حد جه دخليه علطول..يا بادنجانة أنتِ..

تركها دالفًا غرفته المخصصة..
تجعد وجهها ضيقًا وقامت بتقليد كلماته الأخيرة:
-بادنجانة في عينك..كتك القرف في حلاوتك..ده أنت تجزع النفس يخربيت اللي خلفتك يا شيخ..

_________

تسير رفقتها محاولة الوصول لأخيها الذي لا يجيب..
انزلت الهاتف بتأفف قائلة بقلق:
-برضو مش بيرد..مش عارفة ايه اللي خرجه..

مطت تقى التي عادت هى وزوجها من سفرهم منذ شهر تقريبًا شفتيها بتفكير..ولحظات حتى صرخت بأنتصار كأنها وجدت ضالتها:
-بس لقيتها..اكيد راح يشوف روفان..

-روفان ايه بس بعد ما حاولت تموته هو انا مش حكتلك أنتِ وإياس اللي حصل..وبعدين لو كان عايز يشوفها كان وافق لما حاولت تشوفه مرتين في المستشفى ومرة هنا وساعتها كانت خناقة هتقوم بين ماما وعمتي..

هزت تقى كتفيها..مردفة بتصميم:
-اكيد هيرفض يشوفها..اللي حصل اكيد مكنش سهل عليه..
بس دلوقتي اكيد وحشته واكيد قلبه هيحن ليها..ويمكن راح يشوفها..

قطبت مهرة حاجبيها بمقط..متمتمة:
-مفتكرش يحنلها بعد اللي عملته ده كان هيموت بسببها لولا ستر ربنا..

-مراية الحب عامية يا صديقتي ولو عملت ايه هيسامحها مدام بيحبها..قلبه هيفضل يبررلها طول ما هو بيدق ليها..

كادت تجيبها لكن لفت انظارها تلك الفتاة التي تقف رفقة البواب نحيلة الجسد وترتدي عباءة سوداء تغطي جسدها..كذلك خصلاتها مغطاه بحجاب بذات اللون..
لانت ملامحها وأشارت تجاهها:
-مين دي؟؟

هزت تقى رأسها بعدم معرفة..معلقة بهدوء:
-معرفش.

تحركت مهرة من مكانها بخطوات متعجلة تجاه تلك الفتاة..
مستمعة لحديث البواب الأخير والذي أثار غيرتها وجعلها تحدق بالفتاة بنظرات ثاقبة متفحصة..
-هيما مش موجود خرج مع سليم بيه..أنتِ مين وعايزاه في إيه..

-يا اخويا هو تحقيق..وبعدين أنت مالك ده انت حشري اوي..

ارتفع حاجبي البواب مدهوشًا من فظاظتها بينما تبادلت مهرة وتقى النظرات..

ثم التفتت لها مهرة عاقدة ذراعيها مصوبة إياها بنظرات نارية تكاد تحرقها..
-أنتِ مين..وعايزة إبراهيم في إيه ؟

جال بصر مريم التي جاءت لمقابلة أخيها من دون علم اختها راغبة في جني بعض الأموال منه كي تستطع الخروج رفقة صديقتها على مهرة وقالت بسخرية:
-جرا إيه يا مزة ما هو لسة سألني وقولتله أنت مالك..بس هريحكم عشان متقعدوش تفكروا كتير..انا مريم اخته..خلاص ارتاحتوا..اتبطيتوا..هديتي لما عرفتي..أنتِ وهو..

كتمت تقى ضحكتها بيديها بينما لانت ملامح مهرة لهفة..صائحة بترحيب حار..متبدلة من تلك الفتاة التي كادت تلتهمها بنظراتها إلى أخرى محبه وديعة كالقطة..
-ازيك نورتي..انا مهرة إبراهيم حكالي عنك وعن رحمة..تعالي متقفيش على الباب، استني إبراهيم جوه..

رغم اندهاش مريم من تحولها سواء نظراتها..او قسماتها التي كانت واجمة..إلا أنها لم تتحدث ورمقت البواب بنظرة سريعة متحدثة بسخرية وهى تتقدم من مهرة السعيدة والمرحبة من ذلك اللقاء:
-شايف الناس الكومل مش أنت..اتعلموها بقى..

سارت مريم رفقتهم وعيناها لا تهدأ..رامقة كل أنش بالحديقة بنظرة سريعة..

متمتمة بخفوت:
-يخربيت ابوكم كل دي جنينة..ده انتوا عالم مفترية..دي الجنينة دي ممكن يتبني عليها عمارة اتناشر دور..

دخلت المنزل..فأتسعت حدقتيها تلقائيًا..ضاربة على صدرها لا تستطع كبح إعجابها وانبهارها بالمنزل..
-يا حوستي..ده احنا مش عايشين يا جدع..
إيه الفسح ده كله..

سيطرت كلا من مهرة وتقى على ابتسامتهم..وهتفت مهرة بتساؤل مقتربة منها:
-البيت عجبك..

ابتلعت لعابها وقالت محاولة اخفاء إعجابها:
-يعني..بيتنا برقبته…

ارتفع حاجبي تقى مدركة كذبها فكادت تجيب عليها وتعلق على حديثها..ليقاطعها مجئ كوثر وسامية..

تجعدت قسماتهم وقطعت كوثر المسافة بينها وبين مريم تتأمل هيئتها التي لم تنال اعجابها، مشيرة تجاهها بسبابتها متحدثة بأشمئزاز:
-إيه الاشكال دي يا مهرة..
دي مين دي..

كالعادة لم تستطع الصمت أو التغاطي عن تلك الإهانة..فصاحت بصوت أفزع كلا من كوثر وسامية وجعلهم يعودون للخلف خطوتين:
-جرا يا ولية..مالها اشكالنا مش احسن من الملزق والاحمر والاخضر اللي انتي حطاه ده..ده اللي قدك مبيقومش من على سجادة الصلاة يا ولية..

انكمشت كوثر وبرقت عيناها صدمة من وقاحة تلك الفتاة بينما لم تستطع تقى كتم ضحكتها وفرحتها بما يحدث..
تحدثت كوثر من جديد:
-ما تردي يا مهرة مين اللوكل دي؟

-شوف الولية..لا بقولك ايه متفتكريش عشان أنتِ ست كبيرة وقد ستي ام ابويا الله يرحمها ويبشبش الطوبة اللي تحت رأسها يبقى هسكتلك لا..ده انا مسميني مريم عركة..

ردت سامية تلك المرة وقالت بغضب:
-ايه قلة الأدب دي ؟؟
يعني دخلة بيتنا وبتغلطي فينا..اطلعي برة يلا..وانتوا مدخلوش الاشكال الزبالة دي تاني هنا..

كادت تتحدث مهرة وتبرر..فسبقتها مريم:
-جرا إيه يا تيتا مالك ما تهدي على نفسك وقولي هديت بدل وانتي واقفة يحصلك حاجة وتتكلي وتريحي..وبعدين..انا اصلا كنت ماشية ميشرفنيش اقعد هنا..
كتكم القرف …

-إيه اللي بيحصل ده ؟؟

دوى صوته الصارم الصارخ من خلفها..
التفتت على الفور وسرعان ما لانت ملامحها..وهى تتذكره..
ذلك الشاب الذي سبق وتسبب في إغراقها بالمياه..وفي ذات اليوم أخذت حقها..
تزين ثغرها ببسمة متشفية مقتربة من بسام الذي كان يليح عليه الأرهاق الشديد وقد طالت لحيته عن تلك المرة التي رأته بها..

-وأنت مالك يا جدع أ

قاطعها رافعًا إصبعه واضعًا إياه على شفتاه..
-هشششش مبكلمكيش أنتِ أصلًا..

-ايه هش دي.. دبانة واقفة قصادك وبطيرها ما تقف عوج وتكلم عدل…على العموم أهم عندك اسالهم انا غلطانة اصلا اني دخلت هنا..ده إيه بيت الزواحف اللي الواحد وقع فيه ده جتكم البلا شايفين نفسكم على ايه الا ما فيكم ميزة تقابلوا بيها ربنا..

انتهت مغادرة من أمامهم تاركة إياه يطالع أثرها..بأرهاق وضيق من اسلوبها البغيض فقد أدرك هويتها منذ أيام عندما رآها رفقة إبراهيم ذات يوم وعلم وقتها أنها شقيقته الصغرى…

_________

خرج من الغرفة العائدة له صافعًا الباب من خلفه جاذبًا انتباهها.

شهقت رحمة رعبًا..مطالعة إياه بسخط مرددة:
-خضتني يا عم في إيه..

اقترب أيهم منها مردد بأعين ضيقة:
-أنا عايز افهم لية مفيش ولا مريض جه العيادة انهاردة..

-وأنا اش عرفني يا دكترة..محدش بيشتكي من سنانه في المنطقة..يعملوا ايه..اروح ابوظلك سنانهم بشاكوش و اوقعلهم صف سنانهم عشان ترتاح…

كز على اسنانه ورفع رأسه للأعلى متمتم في سره:
-أنا مني لله عشان وافقت اشغل معايا واحدة بومة كدة..

اخفض بصره ليجدها تطالعه تلوي فمها بأمتعاض..
تفادى النظر لها..وكاد يخرج فأوقفه صوتها الذي صاح:
-رايح فين…

-وأنتِ مالك..هو مين اللي شغال عند مين ها..أنا ولا أنتِ..

أجابته بفظاظه:
-لا يا اخويا انا مش شغالة عندك انا شغالة معاك..شايله هم عيادتك..أنت من غيري نو سينج..

أغمض عيناه من محاولتها التحدث بلغة أخرى..فكاد يتحدث لكنه فضل بالاخير الصمت والمغادرة…

صاحت بصوت عالي وصل لمسامعه:
-طب اقفل طيب ولا اعمل ايه..انا ورايا محشي يا دكترة..

زمت شفتيها عندما لم يجيبها لتنهض من مكانها..مقررة أغلاق العيادة والصعود للمنزل..

في الخارج…

سار أيهم تجاه المحل الذي تعمل به ملك..فـ عدتها قد انتهت..ويجوز له التقدم لها رفقة عائلته..لكنه ينتظر استيقاظ مروان...والآن قرر الأفصاح لها عن رغبته في التقدم لها..فقد صمت كثيرًا وطفح الكيل..

دخل المحل الذي كان يخلو من الزبائن..
وملك تجلس على مقعد خشبي..بعبائتها السوداء..هاتفها بين يديها تقرأ من خلاله إحدى الآيات القرآنية..
فقد انقلب حالها رأسًا على عقب خلال الشهرين.. تحديدًا يوم علمت ما حدث لرفيقتها..علياء وروفان..عادت لشخصيتها القديمة..متمسكه بما كانت عليه من صفات جيدة..حميدة..رافضة التحلي بالضعف والطمع وحب الذات الذي سيطر عليها قبل الشهرين..مكتشفة أن تلك الشخصية وذلك التجديد لا يليق بها..أدركت أنها كانت تصطنع كل ذلك...حتى تقنع ذاتها بالتغيير..

عادت لله عز وجل..واخرجت أيهم من حسبانها..فليس له ذنب فيما عايشته..وستترك من آذاها لله عز وجل هو الوحيد القادر على جلب حقها ممن ظلمها..لن تكون ظالمة..أنانية..
أرادت زيارة صديقاتها لكنها خجلت..بعد ما فعلته بهم..تكتفي بالسؤال عنهم والاطمئنان من خلال رحمة..

حمحم أيهم الذي تسلل عطره الرجولي لها..
مما جعلها ترفع رأسها عن الهاتف..
طالعته بنظرة سريعة ثم اخفضت رأسها..متمتمة بخفوت:
-صدق الله العظيم.

أدرك خجلها منه وقال دون تردد أو مقدمات وهو يراها تنهض من جلستها واقفة في مواجهته:
-من اول مرة شوفتك فيها حبيتك..تقدري تقولي أنه حب من اول نظرة..كنتي اول واحدة تشغل عقلي وقلبي..قلبي اللي أتعذب لما عرف انك متجوزة..حاولت مفكرش فيكي..بس مقدرتش...لقيت نفسي غصب عني بفكر فيكي...وبعد محاولات كتير كلها فشلت اني ابطل افكر فيكي..

كانت تستمع له تتحاشى النظر له..مدركة مدى الخطأ التي كانت ستقع به...تابع أيهم بنبرة حنونة..
-عرفت انك مطلقة..جيت هنا عشان اقدر اشوفك..واستنيت عدتك تخلص..بس زي ما أنتِ عارفة مروان ابن عمي لسة في غيبوبة..وده اللي خلاني سكت وألا كنتي لقتيني جاي ومعايا اهلي وبتقدملك..بس خلاص لازم تعرفي مبقتش قادر اس

قاطعته ملك لا تريد الاستماع لشيء:
-لو سمحت متكملش..انا منفعكش..ومنفعش لحد أصلا..انا شوفت ومريت بكتير..ومبقاش عندي طاقة..مبقتش مصدقة أن في حاجة اسمها حب...ولا هصدق..لو وافقت على اللي انت بتقوله يبقى هظلمك معايا..لاني عُمري ما هحبك..قلبي مبقاش صالح لاي حاجة..من كتر الوجع اللي جواه..وجع محدش يقدر يشفهولي غير ربنا..

آلمه حديثها..أشعرته بضياع..كيف لها أن ترفضه..وهو الذي لم يتمنى امرأة سواها…
كيف!!!!!!
لم يقبل بحديثها ودافع عن نفسه وعن حبه:
-ملك انا عُمري ما حبيت..أنتِ اول واحدة قلبي دق ليها..ومتمنتش غيرها..صد

قاطعته من جديد ترفض الاقتناع بما يقوله:
-انا حبيت..واتجوزت اللي حبيته..وفي الآخر رماني سببلي جرح كبير..ارجوك..انساني..واكيد ربنا هيرزقك باللي احسن مني..

-وأنا مش عايز اللي احسن منك انا عايزك أنتِ…

نطق كلماته التي تحوي حزنًا وألمًا بأصرار..

أغمضت جفونها لوهله ثم ردت بأسف:
-أنا آسفة مش هقدر اكون جزء من حياتك ولا حياة أي حد..

__________

في المساء.

"داخــل إحـدى الـعـيـادات الـمـتـخـصـصـة فـي الـطب الـنـفـسـي"

يتمدد على ( الشازلونج) المخصص للمرضى الذين يأتون لها بأستمرار…
عيناه تحدق بالسقف المطلي باللون الأبيض يلزم الصمت منذ أن جاء لا يدري من أين يبدأ..

تنهدت الطبيبة صاحبة الخمسون عامًا، ثم خرج صوتها الهادئ:
-ها يا عاصم..مش ناوي تكلم..المرة اللي فاتت سبتك بمزاجي..بس المرة دي عايزة اسمع منك..لو فعلًا عايز ترجع طبيعي وتباشر حياتك لازم تحكيلي واسمع ..اعرف إيه مشكلتك..عشان أقدر اساعدك.

حرك عيناه عن السقف يطالعها بأعين امتلئت بالعبرات..رافعًا يداه من جانبه مشيرًا ناحية كتفه الأيسر….

-كان عايز يموتني...ضرب عليا نار..طول عُمري مليش غيره...هو اللي كان بقيلي في الدنيا دي..تخيلي لما الغدر يجي من اقرب شخص ليكي..من شخص اقرب من نفسك ليكي..
في الوقت ده انا حسيت باللي عملناه فيها..عرفت يعني إيه وجع..وخيانة...

ضيقت عيناها متابعة حديثه بتركيز شديد..لا تفقه شيء كلماته حتى الآن مبهمة..لا تدري عن من يتحدث ؟!
هتفت بهدوء:
-مين اللي أنت بتكلم عنه..ومين اللي أنتم آذيتوها؟

-ابويا يا دكتوره..لما قولتلها الحقيقة وأني ملمستهاش اتجنن..شافني خاين..بس انا مقدرتش..مقدرتش ألمسها..حاولت..بس معرفتش..لما قربتلها مشفتهاش بنت غريمي..شوفتها أفنان اللي اتربت معايا..
انا ملمستهاش…حتى علياء مسمحتلوش يأذيها وانقذتها منه..اه ضربتها بس كان من ضعفي..مكنتش هلمسها..والله ما كنت هلمسها..

بللت الطبيبة شفتيها ثم قالت بهدوء وتشجيع:
-احكيلي الموضوع من أوله يا عاصم…

اماء لها تزامنًا مع هبوط عبراته..وسرده عليها ما حدث منذ البداية حتى النهاية..
لم يخبئ عنها شيء..

طالت تلك الجلسة ولم يرغب في الذهاب قبل الإنتهاء..
وما كان منها سوى الاستماع تاثرًا بما يقصه..
فـ فضولها كان كبيرًا لدرجة جعلتها لا تشعر بالوقت..
وما أن أنتهى لم تستغرق وقتًا كبيرًا للتفكير.. وقالت بصوت مبحوح..
-أي حد ممكن يشوفك وحش بعد اللي أنت عملته في بني آدمه عُمرها ما آذيتك بالعكس كانت بتحبك..و وثقت فيك.. وأنت خنت ثقتها لعبتوا بيها..مراعتوش أنها ملهاش غيركم من اول ما فتحت عيونها...مش هلومك ولا هقولك انك وحش يا عاصم..كل إنسان فينا جواه الخير والشر..وأنت اللي بتقرر انهي كفة فيهم اللي هتفوز وتسيطر عليك..
وأنت اختارت الشر..الانتقام عماك..

صمتت تتابع ملامحه التي تكبح الدموع..وتلك الشهقات التي تريد الخروج..
ثم تابعت بصدق:
-بس لو هنيجي بقى للحق فـ أنت زيك زي روفان..او أفنان..أنت ضحية أبوك يا عاصم زي ما هى كانت ضحية أبوها..
هى دفعت تمن عمايل أبوها..وأنت اتربيت وكبرت على الكره والغل والانتقام..متلومش نفسك..لوم البيئة اللي أنت نشأت فيها لأن هى اللي ليها العامل الرئيسي في تكوين الشخصية..لوم أبوك لأن هو اللي وصلك لكدة...

اخذ نفسًا عميقًا محاولًا إيقاف تلك النوبة من البكاء التي سيطرت عليه..فرفعت تلك الطبيبة يدها مربته على كتفيه، متمتمة:
-قوم يا عاصم..كفاية كدة انهاردة..والمرة الجاية نكمل..

_________

توارت مهرة عن الأنظار تختلس النظرات إليه وإلى شقيقها من بعيد..مثلما
اعتادت في الفترة الأخيرة..فقد باتت تعشقه..تدفق حبه إلى قلبها دون أن تشعر..لتدرك وقتها أن علاقتها العابرة مع ذلك المدعو حمزة..لم تكن سوى مراهقة..ليس عشق بالمرة..
فالفرق بينه وبين إبراهيم كالفرق بين الماء والنار..

انتبهت حواسها وهى ترى سليم يفارقه..
وإبراهيم على وشك المغادرة..
استغلت تسلل سليم للداخل..ثم اندفعت في خطواتها ترغب في اللحاق به كي تنعم وتسرق بعض اللحظات برفقته..لترافقها طوال الليل..

-هيما..هيما..

التفت لها يرمقها بأعين ونظرات تخبرها أنه لها عاشقًا..لكنها نفت ذلك...
رغم ذلك الجزء بداخلها الذي يتمنى أن يكن مثلها ويتوق لقربها مثلها تمامًا..
لمعت عيناه ببريق عجيب وهو يجيبها:
-أيوة..

ابتلعت ريقها..محاولة عصر ذهنها فقد نادته دون أن تخطط فيما ستحدثه..
-عامل إيه..

-الحمدلله..
رد بهدوء مدركًا محاولتها في اقتطاف بعض الكلمات معه فزفر بضيق فهو على يقين تام انها لا تناسبه..
بينما هى أغمضت عينيها لوهلة مدركة حماقتها أمامه..

اخذت نفسًا عميقًا..منتبهه إلى ذلك الحزن الذي يطلق من حدقتيه..
فقالت على الفور بنبرة خائفة..
-مالك يا هيما..

اطرق رأسه معقبًا:
-عايز امشي..وقفتنا دي مش حلوة..ممكن نتفهم غلط..

تلبكت وصاحت بتلعثم ملحوظ:
-غلط ازاي يعني..احنا بنتكلم عادي هو الكلام حرام ؟

-لا مش حرام بس اللي حرام بجد اللي انا حاسس بيه..

سرحت بعيناه وبنبرة صوته العميقة العذبه في آن واحد..
-حاسس بـ إيه..

-بتعذب..بحب واحدة متنفعنيش..لا الظروف ولا الناس ولا حد هيقبل بينا..مش لاقي حل غير أني احتفظ بحبها في قلبي..

-اعترفلها..مش يمكن هى بتحبك..ومش عايزة غيرك..يمكن تفضلك على الدنيا وما فيها..يمكن تكون أنت في نظرها احسن من الكل..بتحكم من غير ما تقولها ليه..قولها يا إبراهيم.

تحدث بصدق معبرًا عن مشاعره تجاهها بطريقة غير مباشرة..لكنها وصلت إليها..تفهمتها ولم تصدق أنه يعشقها مثلها..يتمناها كما تتمناه..

-مينفعش صدقيني.. المهم انا ماشي رحمة ومر

كاد يكمل لتقاطعه قائلة ببسمة محبه:
-على فكرة أنا شوفت مريم انهاردة وحقيقي حبيتها..أينعم نرفوزة ولسانها طويل..بس تدخل القلب من غير استئذان زي أخوها بضبط..

صعقته من تغزلها به…
فطالعها لثوانِ لم تطول..وكم تمنى بتلك اللحظة أن يعترف لها بمشاعره الجامحة ويخبرها أن ما يمنعه عنها هى تلك الظروف والفروق المادية والتعليمية بينهم..

لكنه فضل الالتزام بالصمت ولم يعلق على كلماتها وغادر سريعًا..ربما هربًا منها ومن عاطفته الجياشة..

-مهرة..
دوى صوته الرجولي من خلفها بعد أن رآها تقف رفقة ذلك السائق..

التفتت له على الفور راسمة بسمة مزيفة سعادتها وهدوئها، مجيبه على ندائه:
-نعم…

قص إياس المسافة بينهم متمتم بخشونة وضيق من وقوفها مع إبراهيم الذي سبق ورآها تحاول اجتذاب الحديث معه منذ اسبوعين تقريبًا:
-هو في إيه بضبط..

انزوى ما بين حاجبيها وادعت عدم الفهم رغم توصلها لمقصده:
-مش فاهمة تقصد إيه..

-اقصد أنتِ والسواق..مش واخدة بالك انك مدياه اكبر من حجمه..ودي تاني مرة اشوفك واقفة معاه..

ردت بقوة لا تعلم من اين جاءت بها:
-انا مبعملش حاجة غلط..وبعدين أنا كنت بسأله على سليم عشان كان معاه وكنت عايزة اعرف راح فين انهاردة.

ارتفع حاجبه الأيسر وقال بترقب وملامح نارية:
-ها وقالك كان فين..

توترت وخرج الحديث متلعثمًا..
-ك كان في المحل هيك

قاطعها قابضًا على ذراعيها بقوة، مردف بتحذير:
-ابعدي عن إبراهيم يا مهرة..عشان أنا مش على آخر الزمن هديكي لسواق شغال عند اخوكي..

انتشلت ذراعيها من قبضته وصاحت بحنق وملامح محتدة:
-اديك قولت سواق يعني لا هو عاطل ولا قاعد في بيتهم..ده راجل شقيان وبيجري على لقمه عيشه..لا عنده مامي ولا بابي عشان يصرفوا عليه..عنده أختين على وش جواز…

قالت الأخيرة عاقدة ذراعيها أمام صدرها متمتمة بتلميح:
-مظنش أن مستوى تقى احسن من إبراهيم..ورغم كدة حبيتها واتجوزتها…لا بصيت لمستواها ولا عيشتها..

توحشت تعابيره وصاح محاولًا الحفاظ على نبرة صوته:
-يعني بتعترفي انك بتحبيه..

-آه بحبه يا إياس..وهستنى منك وقوفك جمبي زي ما أنا وقفت جمبك يا أخويا وصاحبي…

تركته وحيدًا عقب قول الأخيرة...مفكرًا في حديثها الذي جعله يتذكر ما فعلته وكيف وقفت بجواره حتى استطاع أن يحظى بعشق حياته….
مسح على وجهه غيظًا فلا يريد لها من أقل منها شأنًا بل يريد لها الأفضل...والأهم من ذلك لا يعلم نوايا ذلك السائق تجاهها
ماذا لو كان يطمع فيما لديها من مال وأملاك ونفوذ...

__________

في حجرة سليم..

يذرع بسام الغرفة ذهابًا وإيابًا غيظًا مما علمه، قائلًا بزمجرة:
-ازاي..ها ازاي انا عايز جواب..ازاي تجوزها بعد ما ضربتك بالسكينة وحاولت تقتلك..أنت معندكش كرامة..ده انت المفروض متبوصش في وشها..هتقولي بتحبها هقولك ملعون ابو ده حب يا شيخ اللي يخليك تنسى اللي هى عملته وت

-اخرس يا بسام..ومتكلمش عنها كدة انت سامع…

صرخ سليم بتلك الكلمات وهو يقف في منتصف الحجرة…
مما جعل بسام يتشنج...وتنسحب الدماء من وجهه معلقًا:
-انا حاسس انك بقيت غريب..مش أنت سليم اللي مكنش بيقبل حد يجي عليه..البت دي عملت ف

-ما تلم لسانك بقى بدل وديني هنزل فيك ضرب ومحدش هيعرف ينقذك من ايدي..
وبعدين عايزني اعمل ايه..اقسى عليها زي ما الكل عمل فيها..مش كفاية اللي هى شافته..اه زعلت واضايقت وانقهرت عشان هونت عليها ومصدقتنيش..بس كمان لازم اراعي اللي كانت فيه..لو مراعتش ومسامحتش يبقى مبحبش..وانا مش بس بحبها لا انا بعشقها وانت ملكش تيجي تعاتبني..ولا اي حد ليه الحق ده انت سامع.

حل صمت طويل بالغرفة ثم عاد سليم يردد:
-مش هتفهمني طول ما قلبك عمره ما دق لواحدة ولا داق طعم الحب...

مسح بسام على خصلاته لا يقتنع بحديثه..لكن ليس بيده شيء ليفعله…
-أنا هروح اغير وانزل لمروان …بابا كالعادة غلب مع ماما لحد ما أقنعها تروح عشان تريح...

اقتحم إياس الغرفة يرغب في الجلوس معهم عله يهرب من تفكيره في ذلك السائق وماهيه ما يريده من مهرة..

تناهى لمسامعه كلمات بسام فقال:
-وانا كمان هاجي معاك..استناني هغير واقابلك تحت..

غادر إياس وكاد بسام يفارق الحجره فوصل له صوت سليم المتردد:
-وانا كمان هاجي معاكم هو أيهم فين؟؟

-معرفش.

______________

ولج إياس الحجرة فوجد تقى تجلس أمام المرآة تقوم بتجفيف خصلاتها بعدما اخذت حمامًا باردًا ..
ابتسمت له...مستفسره منه:
-كنت فين يا حبيبي..

تحرك تجاه الخزانة وهو يخلع عن جسده قميصه ويلقيه أعلى الفراش..ملتقطًا اخر من الخزانه مرتديه على عجله من آمره:
-هروح مع بسام المستشفى وهبات معاه.

اماءت له وقالت بتنهيدة طويلة..
-طيب..وانا هقعد مع مهرة بقى..

هنا وجاء بذهنه أن يتساءل ويستفسر من زوجته عله مهرة قد قصت لها شيء..
كاد ينطق لسانه لكنه تراجع باللحظة الأخيرة..
فماذا لو لم تكن تعلم شيء…
واخفت مهرة عنها مثلما أخفت عنه…

-كنت هتقول ايه ورجعت في كلامك وسكت..

هز رأسه نافيًا مستكملًا تبديل ملابسه:
-مكنتش هقول حاجة أنا بس مرهق شوية...

_______________


يقف بالخارج يتابعه مثلما اعتاد وبرفقته كلا من سليم و إياس..
كانوا يتسامرون يحاولون انتشال بسام من ضيقه وحزنه اللامع بعدساته…

ظلوا هكذا بعض الوقت حتى لفت انتباه بسام تلك الحركة السريعة التي تحدث… اندفاع الممرضة التي ولجت لتلقي نظرة عليه للخارج بخطوات أشبه للركض..

انتفض من جلسته يهاب ان يكون حد شيء لأخيه الوحيد…مقتربًا من الزجاج الشفاف يطالع أخيه بريبة…
وهنا كانت الصدمة فقد فتح عيناه…

هب إياس وسليم من مكانهم واقفين جوار بسام..المصدوم..والسعيد في آن واحد فأخذوا نصيبهم من السعادة..عند رؤيه عيناه المفتوحة..

آتى الطبيب مهرولًا رفقة الممرضة التي خرجت منذ لحظات جالبة إياه..
والجين الحجرة مغلقين من خلفهم مانعين دخول أحد…

تسارعت خفقات بسام وإياس وسليم وهم يتابعون فحصهم له..

ظلت متابعتهم تلك مستمرة...لحظات...ثوانِ...دقائق….
حتى خرج الطبيب بوجه بشوش قائلًا براحة:
-الحمدلله المريض فاق...وشوية وهننقله اوضه عادية…

بعد مرور بعض الوقت…

-والله انا لو بعرف ازغرط كنت زغرط..أخيرًا يا اخي بقالك شهرين مموتنا من الخوف عليك….

هنا وعقب سليم بمرح:
-طلعت بحبك يا مضروب وانا معرفش..

ابتسم إياس على حديثهم وردد بفرحة:
-حمدالله على سلامتك يا ميرو…

القى إياس كلماته على مسامع ابن عمه الذي خرج صوته هادئًا متسائلًا…
-علياء….علياء يا بسام..

انحنى بسام عليه مردفًا بنبرة عذبة:
-متقلقش علياء رجعت..وخلصنا من فوزي...وعاصم…وسليم وروفان هيتجوزوا كمان...ما البيه نايم بقاله شهرين مش دريان بحاجة..

ابتلع مروان ريقه ببطء وراحة شديدة، ثم صاح مستفسرًا:
-ازاي ؟! إيه اللي حصل!

-بس كدة هحكيلك..اللي حصل أنه..

__يتبع__

بقلمي فاطمة محمد.

وطبعا الفصل الجاي هنعرف ايه اللي حصل في الشهرين وازاي الأمور انقلبت كدة ويارب الفصل يكون عجبكم والمواعيد هى هى بس بدل الساعة تسعة بقت ١٢ وانهاردة نزلته بدري عشان خلصته قبل ميعاده❤️

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...