الفصل 2 | من 83 فصل

رواية اكتفيتُ منكَ عشقًا الفصل الثاني 2 - بقلم Fatma Mohmed

المشاهدات
19
كلمة
7,378
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

اكتفيتُ منكَ عشقًا

الفصل الثاني:

"زواج ســـري"

-سليــــــــم مفيش خروج قولتلك أنهاردة!

أثارت كلمات صابر غضبه، فضم قبضته بقوة حتى برزت عروقة من أسفل قميصه، ثم ألتفت ينظر لهم ببطء حادقًا بهم بقوة، وجدها تحدق به والغضب يليح على وجهها هى الآخرى فظن أنها غاضبة من كلماته، فكاد أن يتحدث وأبتسامة جانبية على وجهه سعيدًا بما فعله، ملقيًا بعض الكلمات والتي ستثير حنق صابر لامحال، فسبقة والده محمود وقال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:

-سليم العيلة كلها موجودة و مينفعش تسيب بنت عمتك من أول يوم وتخرج، كلنا هنأكل سوا وبعدين اللي عايز يمشي يتفضل.

كبت غضبه وتشنج جسده وهو يؤما بأيجاب لوالده، ثم عاد مكانه مرة أخرى رامقًا إياها بأعين مشتعلة، بادلته إياها بآخرى متحدية شرسة جامحة كالنمور.

رمشت عيناها عدة مرات، وأبعدت عينيها عنه، ثم رفع صابر يديه و ربت على ذراعيها قائلًا بحنان:

-تعالِ نفرجك أنا وخديجة على أوضتك عقبال ما يحضروا الأكل، خديجة خليتهم عملوا كل الأصناف.

أنهى حديثه، موجههًا حديثه لـ كوثر قائلًا بلهجة آمرة متعجرفة اعتادوا عليها:

-كوثر حضروا السفرة عقبال ما نيجي.

-حاضر يا عمي.

أجابته كوثر كاتمة غيظها متحدثة من بين أسنانها، أشار صابر بيديه تجاه درجات السلم الرخامي يحثها على المضي أمامه، استجابت له وصعدت رفقته و خديجة لا تتركها ولا تتحرك مقلتيها المليئة بالعبرات من عليها متأملة ملامحها بأشتياق جارف ولهفة، أما أفنان جالت عيناها المنزل من حولها بكره، لا تعطي اهتمامًا لتلك الملتصقة بها، لحق بهم بسام مهرولًا تجاهم تحت أنظار الجميع خاصة سليم الذي لا يبعد تركيزه عنها.

-أنا جاي معاكم يا جدي.

صاحت كوثر عقب أختفائهم عن أنظارهم:

-خافي على أبنك يا هناء عـ

قاطعها محمود بصرامة ونبرة يغلفها التحذير، مشيحًا انظاره عنها:

-خشي يا كوثر نفذي اللي بابا قاله وبلاش كلام ملوش لازمة، يلا.

غادرت مكانها تشتعل والنيران تكاد تخرج من رأسها وأذنيها، ألا يكفيها خديجة!

حتى يأتيها تلك الفتاة، بينما لحقت بها هناء وسامية المتذمرين من ذاك الوضع الذي فرض عليهم فـ الآن هم مجبرون على تقبل والتعايش مع فتاه غريبة عنهم.

جلس إياس و مهرة و آدم فهمس إياس:

-أومال فين تقى مجتش ليه لحد دلوقتي.

إجابته بهمس محاولة ألا يصل صوتها لأحد حتى لا يفضح آمر شقيقها، أو صديقها المقرب إذا صح القول.

-كلمتها وهتيجي بس تخلص حملة التنضيف اللي وراها وهتيجي.

تأفف بضيق فقال مروان الرامق لهم بشك مضيقًا عيناه:

-أنتوا بتقولوا إيه.

أنتفضت مهرة من فعلته فهما لم يشعران به وهو يقترب منهم محاولًا معرفة ما يتهامسون به، قذفه إياس بالوسادة ثم قال بضجر:

-يا شيخ أتلهي، وخليك في حالك.

بينما خرج أيهم وسليم للحديقه لا يطيقون ذرعًا للرحيل والفرار، فـ سليم يرغب بالمرور على المحل الذي يديره وينهي عمله سريعـًا، ثم يبدأ بتجهيز ذاته من أجل عقد قرآنه، أما أيهم فلا يرغب بالتأخر على المرضى فبدأ أيهم الواضع كلتا يديه بجيب بنطاله الحديث أولًا:

-شوفت جدك كان عامل أزاي قدامها، ولا عمتي اظاهر أنها هتأكل الجو من أولها، وهتبقى دلوعة صابر بيـه.

حك سليم دقنه النامية وقال متذكرًا نظراتها الغاضبة الحانقة التي تطايرت من عيناها مصوبة إياها نحوه.

-البت دي أنا مش مرتحالها يا أيهم، نظراتها مش مريحاني بتبص بشراسة وبكره، بتضحك بالعافية، شوفت لما مروان قرب منها عملت إيه، أنا حاسس أن البت دي وراها حاجة، ويا ويلها مني لو طلعت نصابة.

-مين جايب سيرة مروان، بتجيبوا سيرتي ليه يا وحشين هو أنا بجيب سيرتكم.

قالها مروان الذي خرج للتو للحديقة وأقترب منهم متمتم بطريقة مسرحية كوميدية لم تؤثر بهم.

قلب سليم عيناه بملل وضجر، وقال محذرًا مشيرًا تجاه مروان:

-أيهم أبعده عن وشي، عشان وديني همسكة وهرنه علقه مش هتعرفوا ملامحه من بعدها، عشان مش ناقص هبله.

-هو في إيه هو أنا ملطشة البيت ده ولا إيه، لا ميغركوش أني بهزر وتافهه، لا ده أنا صايع أووي وأعجبكم تحب تشوف.

قال الأخيرة نافخًا صدره فأصبحت هيئته مضحكة فلم يستطع أيهم منع ضحكاته الرجولية العالية، أما سليم فـ سبه ببذائة، وكز على أسنانه متحركًا من مكانه بسرعه البرق راغبًا بالنيل منه، اتسعت عين مروان وتحامى بـ أيهم مختبئًا خلف ظهره متمتم بمرح:

-امسكه يا أيهم متسبهوش، أنا خايف اتغابى عليه وهو عريس، مش عايزة يروح لعروسته و وشة متشلفط من اللي هعمله فيه.

-ياض يا بن **** اوعى يا أيهم سبني عليه

همس مروان بخفوت جانب أذن أيهم والذي كان يحاول منع سليم من النيل منه.

-اوعى تسمع منه، ذنبي هيبقى في رقبتك لو جرالي حاجة.

أردف أيهم من بين ضحكاته:

-أخفي عن وشه طيب، أمشي بقى .

-طيارة.

قالها مندفعًا داخل المنزل مرة أخرى، ترك أيهم سليم الذي نفض يديه عنه، ثم تحدث محاولًا منع ضحكاته:

-خلاص مشي أهدا بقى، وبعدين مروان مش أهبل مروان صايع وأوووي كمان، ميغركش شويتين الهبل اللي بيعملهم دول.

هندم سليم ملابسه وأعاد خصلاته التي تبعثرت نتيجة أنفعاله للوراء مرة أخرى، وما كاد أن يتحدث حتى جذب أنتباهه وقوف صابر رفقة تلك الفتاة وعمته و بسام بالشرفة الخاصة بغرفة عمته المطلة على الحديقة.

رفع عيناه الثاقبة يحدق بهم، خاصة هى ظل يتابعها بتفحص، لكنها لم تظهر أي شئ كانت ملامحها باردة جامدة لا يظهر أي تعابير على وجهها كل ما تفعله هو متابعه حديث صابر غافلة عن تلك الأعين.

أما بالأعلى ولجوا غرفة خديجة عقب رؤيتها لغرفتها الكبيرة نوعًا ما والتي ستقيم بها، رغم اعتراض خديجة بينها وبين ذاتها لاقامتها بحجرة أخرى راغبة بأن تقيم معها لعلها تشبع شوقها واشتياقها، فـ فراقها لم يكن هينًا، لكن صبرًا، فعاجلًا أم آجلًا ستعتاد عليها، ولن تجبرها على شيء في الوقت الحالي.

جالت عين أفنان بالغرفة الواسعة والتي يطغي عليها اللون وردي دليلًا على نعومة و رقي صاحبتها، أبتسمت بسخرية داخلها والنيران تضرم بصدرها أضطرامًا فمن الواضح أن صاحبة الغرفة (والدتها المزيفة) قد عاشت أيامًا سعيدة خاصة مع ذاك الأب الحنون….توقفت عند تلك النقطة، ساخرة من أفكارها عن أي حنان تتحدث فهو ليس إلا شيطان بهيئة رجل كهل، هنا ذكرت ذاتها بفعلته وشعرت بالأختناق يتغلغلها غير مبالية بحديث خديجة و شرحها لتفاصيل الحجرة التي لاينقصها شئ، وقعت عيناها على الشرفة الكبيرة المستترة بستار أبيض براق ناعم كالحرير، أندفعت نحوها وجذبت الستار ثم فتحت الشرفة وخرجت مسرعة تلتقط انفاسها فأزدادت ضرباتها بجنون و دوت كالطبول، مغمضة جفونها لثوانِ

لحقت خديجة بها وكذلك صابر، وبسام، الذي كان يشعر بالسعادة لأجل عمته التي عانت كثيرًا، كما لم ينتبه أي منهما لما حدث معها فظنوا أنها تريد التعرف أكثر على الغرفة لذلك فتحت الشرفه، أما هى وما أن التقطت انفاسها و شعرت بحركتهم من خلفها حتى رسمت ابتسامتها المزيفةعلى قسماتها.

وقف صابر أمامها وقال بأبتسامة لامعة اشرقت ملامحه:

-الأوضة دي اكبر اوضة في القصر لأنها اوضتين وفتحتهم على بعض، خديجة مميزة، والأقرب لقلبي لأنها البنت الوحيدة و يكفي أنها شبة والدتها الخالق الناطق فده كان كفيل أن حبي ليها يزيد.

لاحظ برودها معه وثبوتها الأنفعالي رغم تلك البسمة التي تشق ثغرها، حدق بأبنته التى حركت رأسها بأسف فمن الواضح أن ابنتها لن تعتاد بسهولة، ابتسم بخفه رغم تلك العبرات التي ملأت عيناه، ثم اقترب منها ورفع يداه محاوطًا كلتا ذراعيها:

-عارف أنه صعب تتقبلينا، ومش عايزك تحسي أنك غريبة أنتِ مكانك في قلبي محفوظ ويمكن أكتر من خديجة كمان، مش بيقولوا أعز من الولد ولد الولد، وخلي بالك خديجة بالعافية هتسيبك تنامي في أوضة لوحدك، لو عليها مش عايزة تفارقك لحظة.

ابتعدت عنه خطوتان لا تطيق لمساته التي كانت بالنسبة لها حارقة كالجمرات، ثم قالت على مضض مجبرة على مجاراته، مشيحة بوجهها تجاه الحديقة.

-إن شاء الله هتعود، كل اللي محتجاه بس شوية وقت مش أكتر عشان أقدر اتعود، صعب أوي أني أعيش من غير أهلي كل السنين دي، أنا دورت عليكم كتير كتير أووووي بس الحمدلله في الآخر لقيتكم ومش هسيبكم، صدقوني مش هسيبكم.

قالت الأخيرة بنبرة ذات مغزى، بذات الوقت التي  وقعت عيناها على من يسلط و يصب كامل تركيزه وحواسة معهم من الأسفل، أدارت رأسها مبتعدة عن نظراته الملتهبة.

رفعت خديجة يديها مشيرة على غرفتها بطريقة طفولية لا تلق بعُمرها:

-الأوضة عجبتك؟

-عجبتني بس دي تجنن.

اتسعت ابتسامتها وصاحت قائلة دون تردد:

-يبقى خلاص الأوضة أوضتك من أنهاردة

-مينفعش دي أو

قاطعتها بإصرار:

-لا ينفع، أي حاجة تنفعلك.

تنهدت أفنان راسمة بسمة بسيطة، فصدح صوت بسام متسائلًا:

-قوليلي يا روفان كنتِ عايشة أزاي، عندي فضول أعرف اللي حصل معاكي

صك صابر على اسنانه متمتم بأنفعال، رافعًا أحدى حاجبيه محذرًا حفيده بعيناه غير راغبًا بالغوص بتلك الأحاديث:

-وهى حكت للمحامي وهو حكالي فمش داعي تحكي تاني و

قاطعته أفنان بهدوئها، مصوبة حديثها لصابر:

-وأنا معنديش مشكلة احكي تاني، من حقه ومن حق الكل أنه يعرف، المحامي حكالك والظاهر أنك محكتش حاجة لباقي العيلة.

عادت تحدق بـ بسام متحدثة بكذب وقصة من تأليفها جعلت المحامي يقصها على مسامعهم حتى تخدعهم:

-كل اللي أعرفه أنه ربنا بيحبني، لأني كبرت لقيت نفسي عايشة مع اتنين شياطين واللي عرفته بعدين أنهم من محبي اختطاف الأطفال وبذات البنات، عشان لما يكبروا يعرفوا يشغلوهم صح، كان في غيري كتير، كان بيستغلونا ويسربونا على الشوارع وكل واحدة وشطارتها واللي تعرف تطلع بيه، وفي مرة جيت ارجع البيت لقيت البوليس في المنطقة، ومحاصر العمارة، وبعديها شوفتهم وهما مسكينهم ونازلين بيهم من العمارة، أول ما شوفت كدة خوفت وجريت.

صمتت قليلًا تلتقط أنفاسها، ثم تابعت بتأثر مزيف مجبرة ملامحها على الانكماش:

-أحسن حاجة حصلت أنه اتقبض عليه، وإلا مكنتش هقابل الراجل اللي حن عليا وخدني معاه بيته عند مراته وابنه وربوني وسطهم، وعمري ما حسيت أني غريبة وسطيهم وعوضوني عن اللي شوفته، تخيلوا طفلة لسة متعرفش حاجة ولا تستوعب حاجة تعيش ده كله وتضرب ضرب محدش يستحمله.

-بس خلاص متكمليش مش عايزة اسمع اكتر من كدة.

صاحت خديحة بتلك الكلمات بقوة مغمضة عينيها بقوة، تتخيل الآلم الذي تعرضت له على يد ذلك المختطف.

*********

-وفيها إيه!!!!

أنتَ بتقول إيه يا إسلام، أنتَ عجبك اللي حصل، عجبك أن أخوك يدخل الشقة وأنتَ مش موجود، ده أنا كنت نايمة، أنتَ إيه مبتخافش على لحمك وعرضك، ده بدل ما تقوم الدنيا ومتقعدهاش على اللي حصل ده.

قالت كلماتها بصدمة لا تستوعب تقبلة بما حدث بصدر رحب كأن ما حدث طبيعيًا، نهض عن الأريكة وصاح بشراسة ملوحًا بيديه في الهواء:

-عرضي إيه ولحمي إيه، خدي بالك من كلامك يا ملك، وبعدين ده أخويا مستحيل يبصلك وأمي اللي بعتاه، ومكملش هنا عشر دقايق.

حدقته بنظرات ساحقة كالرياح العاتية وكل ما تتمناه هو صفع نفسها لزواجها من ذلك الرجل الذي لا يعرف عن الرجولة شئ، عبس وجهها وقالت بأستياء من ذاتها:

-أول مرة أندم أني حبيتك يا إسلام، كنت فاكرة أني لما اقولك وأحكيلك هتقوم الدنيا ومتقعدهاش مكنتش متوقعه ردك ده، مكنتش متصورة أنك تقبل أن أخوك يشوفني بلبس البيت و بشعري، أنتَ سقطت من نظري يا إسلام.

فُتح الباب واندفعت منه أمل المستمعة لكلماتها المتطاولة على ابنها البكر، فـ أقتربت منها وأحكمت قبضتها حول ذراعيها لتجعلها تقف فبالتها، مردفة بشراهة:

-والله وطلعلك لسان يا بنت فؤاد، وكان فين لسانك ده على مرات أبوكي اللي كانت بتديكي كل علقة وعلقه، طلع دلوقتي على ابني.

انتشلت ذراعيها من قبضتها وصاحت بأنفعال ومرارة علقت بحلقها:

-أنا مش هرد عليكي لأن كلامي مع ابنك.

نظرت لـ إسلام المسلط انظاره على والدته، متحدثة بقهر وخيبة أمل في شخص كان لها كل شيء، وظنت أنها كذلك بالنسبة له:

-هى دي السعادة اللي هتعيشني فيها، هو ده تعويضك ليا على اللي شوفته، عاجبك أن حياتنا مفيهاش خصوصية واللي داخل داخل واللي خارج خارج، كأنها تكية من غير بواب.

أشاح بوجهه للجانب الآخر شاعرًا بالحيرة من آمره لا يعلم ايقف مع زوجته أم والدته فكلاهما يعشقهم.

وبعد تفكير لم يدم طويلًا قرر الوقوف مع والدته مطيحًا بحديث ملك عرض الحائط، صارخًا عليها بصوت جهوري:

-ده بيتي يا ملك مش تكية ودي أمي اللي شالتني أنا وأخواتي بعد موت بابا، ولولاها التكية اللي بتقولي عليه دي مكنتش عرفت اخدها، ولو على محمد مش هيدخل هنا تاني وأنا مش موجود بس أمي و بسنت براحتهم ده بيتهم زيك بضبط.

أغمضت عينيها وشعورها بالقهر والذل يزداد فبعدما ظنت أنها ستعيش بسعادة لم تذقها يومًا؛ والحقيقة أنها بجحيم.

وإذا صمتت اليوم ولم تضع حدًا لأفعالهم سيتمادون وسيكون عليها التعايش مع ذاك الجحيم وللأبد.

رفعت رأسها بكبرياء وقالت بحسم وشجاعة تعتريها للمرة الأولى:

-وأنا مش موافقة يا إسلام، أنا عايزة أخد راحتي في بيتي، والوضع ده مش عجبني ولو سكت دلوقتي هرجع تاني اشتكي، والدتك على عيني ورأسي بس بحدود متبقاش سداح مداح.

مصمصت أمل شفتيها وعبس وجهها ثم نظرت ناحية ابنها وقالت واضعة يديها حول خصرها:

-اسمع كلام مراتك يا إسلام ونفذلها اللي عايزاه بس ساعتها وديني ما هعتبلك بيت تاني وهتبرأ منك ليوم الدين عشان تخلي واحدة تربية رقاصة تمشي كلمتها عليا أنا.

أغمض إسلام عيناه واقترب من والدته محاولًا أرضائها متمتم بهدوء:

-ياما أهدي بس ده بيتك قبل ما يبقى بيتي، وملك بس مضايقة شوية وهتعتذرلك، هى مش قصدها دي طيبة وقلبها أبيض.

كانت ملك تراقبه بأعين جاحظة لا تصدق ما سمعته أذنيها، ألتلك الدرجة هى قليلة بنظرة حتى لا يلبي لها ما تريد، لا ترغب بقطع علاقته مع والدته، بل تريد أن تشعر بأن هذا المنزل ملكً لها، فكم تفتقد لذلك الأحساس، والآن تقف بجمود كأن دلوا من الماء البارد سقط على رأسها يفيقها من تلك الدوامة.

-مش هعتذر يا إسلام ومش هتراجع عن قراري. 

عض إسلام على شفتاه وابتسم ابتسامة صفراء مردفًا من بين اسنانه، مطوقًا آحدى ذراعيها بقوة غارزًا أظافره بها:

-لا هتعتذري وهتحبي على رأسها كمان، يلا يا ملك.

جذبها يقربها من والدته كي تقبل أعلى رأسها و تعتذر منها، فأبتعدت عنه وقالت بنبرة معترضة نافضة يديه عنها:

-مش هعتذر يا إسلام، وقرارى هفضل عنده الأول سكت عن اللي حصل عشان كنت فاكرة أنها هتحس اني بضايق وتمنع ده، بس هى كانت بتعمل عكس كدة، وكل ما تحب تسم بدني تفكرني أني تربية رقاصة، وتعايرني بصحابي اللي مليش غيرهم.

أدرات رأسها ناظرة لحماتها المشتعلة وتحدثت مشيرة تجاه نفسها:

-أنا فعلا تربية رقاصة، بس مش أنا اللي أخترت كدة، كنت فكراكي هتبقي أحن عليا من كدة عشان أنتم أكتر حد المفروض يحس بيا وكنتوا بتشوفوا اللي بيحصلي، أنا عشت أيام سودة شوفت فيها ظلم و قرف وضرب وأهانة، و معنديش أستعداد أعيش الأيام دي من تاني، بقالي تسعة شهور مستحملة كل اللي بتعمليه و بصبر في نفسي بس خلاص فاض بيا، ومبقتش طايقة العيشة دي، أنا عايشة في جحيم.

تجهم وجه أمل و قالت وهى تنظر لابنها الذي لا يعجبه حديث زوجته فهى قد ضخمت ما حدث في نظره:

-وانا ميخلصنيش تعيشي في جحيم مع ابني، طلقها يا إسلام عشان و رحمة أبوك لو مطلقتها و كرشتها من البيت لهتبرأ منك أنا خلاص مبقتش عايزاها في البيت.

صُدم كل من إسلام و ملك فثبتت ملك أنظارها على زوجها، الذي قال بتلعثم لا يصدق ما نطقت به والدته:

-أنتِ بتقولي إيه ياما أنا.

-كلامي قولته يا إسلام يا تطلقها يا تعتبر امك ماتت.

أبتلعت ملك غصتها المريرة وتجمعت العبرات بعيناها تنظر له، تنتظر قراره وما سيخرج من فوه، فما حدث الآن لم يكن يتوقع.....كانت تتوقع قبولها بالأخير وجعلهم يعيشون بسلام والآن تتحدث عن طلاق...عن أي طلاق تتحدث فمعشوقها وحب حياتها لن يستغني عنها بتلك السهولة، فهي تركت الجميع من أجله ومن المؤكد أنه لن يتركها ويستغنى عنها، سارت رجفة في جسدها ونفت برأسها تقنع ذاتها أنهسيرفض ولن يرضخ لها ويضيع عشقهم طوال تلك السنوات هباءًا.

كررت أمل كلماتها بحدة زائدة:

-يلا يا إسلام ارمي عليها يمين الطلاق.

أغمض إسلام عيناه يحارب ذلك الصراع داخله، وسرعان ما رفع رأسه وهتف بخفوت وصل لمسامعهم، متجنبًا النظر بعيناها:

-أنتِ طالق يا ملك.


***********

ترأس صابر طاولة الطعام التي أصطف عليها أشهى أنواع الطعام، كذلك اجتمع باقي أفراد العائلة حول المائدة، فبجوار صابر ناحية اليمين كانت تجلس وبجانبها والدتها، ثم مهرة و باقي الأفراد، وأمامها جلس الشباب جوار بعضهم فـ أستقر أمامها سليم وعلى يساره أيهم، بسام، إياس، مروان، آدم أصغرهم سنًا

بدأ البعض بتناول طعامهم أمثال إياس و مهرة و آدم ومروان فأصواتهم كالعادة عالية، كذلك أبناء صابر و زوجاتهم شرعوا بتناول الطعام، أما سليم فبدأ بتناول طعامه، لكنه صب كامل حواسه وتركيزه على القاطنة أمامه، تبادل صابر وابنته النظرات القلقة وهما يلاحظان تقليبها للطعام فقط، دوى صوت خديجة قائلة بنبرة يشوبها بعض الربكة:

-أنتِ مبتأكليش ليه يا حبيبتي الأكل مش عجبك.

رفعت عيناها وقالت نافية حديثها:

-لا بالعكس الأكل جميل.

تنفسا الصعداء، ونهضت خديجة ملتقطة بعض الأصناف حتى تضعهم أمامها، صدح صوت صابر قائلًا بحنان:

-طيب يلا كلي عشان نفرجك على باقي البيت والجنينه هتحبيها أووي، هى والبسين.

 اماءت له مراقبة ما تضعه امامها خديجة، ابتسمت لها بخفة، وبدأت بتناول أول ملعقة والتي كانت مثل الغصة بحلقها ابتلعتها بصوبة بالغة، ثم سرعان ما تأكدت شكوكها بأن نظراته مصوبة تجاهها والتي لا تنزاح من عليها.

 رفعت مقلتيها فوجدته يطالعها بنظرات غامضة غاضبة، ثبتت عيناها بعيناه الثاقبة لعدة ثوانِ حتى لاحظ الجميع نظراتهم المتبادلة، تركت المعلقة من يديها بانفعال طفيف مما جعلها تصدر ضجيجًا، متحدثة كالصنم دون أبداء أي مشاعر على وجهها، حانقة من نظراته الكارهة الغير مبررة بالنسبة لرجل من المفترض أنه يراها للمرة الأولى، ازدادت شكوكها، رافعة رأسها :

-هتفضل باصصلي كدة كتير!؟

-ممنوع أبصلك و لا إيه؟

أجابها بفظاظة، فردت علية بفظاظة مماثلة لم يتوقعها ولم تقل عنه شئ ناهضة عن مقعدها بعنفوان وقوة:

-آه ممنوع، إيه فرجة ولا عجبه، وبعدين مش شايف نفسك بتبصلي ازاي، ده ولا كأني قتلالك قتيل.

أغمضت كوثر عيناها وقالت بخفوت وهى تميل على ابنتها مهرة:

-ياربي دي طلعت بلدي أوي، أنا مش عارفة هنعاشرها أزاي بس، لا وبتعلي صوتها على أسيادها كمان

تضايقت مهرة من كلمات والدتها وردت مدافعه بصوت خافت:

-لو سمحتي يا ماما متكلميش كدة عنها، وبعدين إيه البلدي في اللي هي قالتله بس، وأسياد إيه بس، إيه الجو القديم ده.

-أسكتي أسكتي عشان كلامك هيجلطني، خليني أشوف أخوكي خليه يهزقها تربية الشوارع دي.

أحتد الحديث بردها الفظ عليه فكاد سليم أن يرد عليها بأسلوب قاسي فمنعه بسام الذي صاح مبررًا، مبصرًا سليم بعيناه الماكرة راغبًا في إشعال الأجواء.

-هو اكيد مش قصده يا روفان، وبيبصلك عشان فرحانين برجوعك مش عشان فرجة و لا حاجة، ولا إيه يا سليم.

نهضت والدتها عن الطاولة هى الأخرى مدافعة عن ابن شقيقها مرددة: 

-حبيبتي سليم مش قصده حاجة و

كادت تكمل فمنعها صابر الذي اشار لهم ونظر لـ روفان بعد أن نهض من مقعده هو الآخر، متمتم:

-أهدي يا حبيبتي محصلش حاجة ابن خالك ومبسوط بيكي.

ألتوى فمه بابتسامة جانبية، قائلًا بتهكم ملحوظ ناهضًا عن الطاولة بإهتياج، منزعجًا من تدخل بسام.

-مبسوط اوي ده أنا من كتر الانبساط هطير في الجو.

انهى القاء كلماته على مسامعهم رامقًا كل من بسام وروفان بنظرة أخيرة ثم غادر من أمامهم تحت انظار الجميع المتابعة له، نهض أيهم راغبًا باللحاق به فمنعه صابر متمتما بصرامة وهو يجلس بمقعده مرة أخرى:

-كمل أكلك يا أيهم، وأنتِ يا غالية أقعدي وكملي أكل.

جلس أيهم محله مجبرًا، ثم سرعان ما مال على ابن عمه بسام مغمغم بخفوت

-مكنش في داعي تنسحب من لسانك وتكلم، حركاتك بقت قديمة وكلنا عارفين أنك بتغير من سليم عشان جدي بيحبه أكتر منك، فألعب غيرها يا بسام، عشان مهما عملت مش هتعرف تأخد مكان سليم عند جدي.

ابتعد أيهم واعتدل بجلسته مكملًا تناول طعامه، أما بسام فـ لاح التغيير على قسمات وجهه وبرزت عروق فكيه نتيجة لصكه على أسنانه بقوة، ضاممًا قبضته بحقد وغيرة.

 أما مروان فحاول إصلاح ما افسده سليم من أجواء مردفًا بمرحة المعتاد:

-ولا تحطي في دماغك هو سليم كدة وبيعمل معايا أكتر من كدة وانا بعديهاله بس عشان ابن عمي الكبير بس بالك أنتِ لو مش الكبير كان زمان معالم وشه مش واضحة.

رد عليه آدم بسخرية:

-يا راجل قول كلام غير ده، ده أنت بتبقى زي الكتكوت المبلول قدامه لما بيتعصب و

وضع مروان يديه على فم آدم يمنعه من استرسال حديثه وفضحة أمامها، مرددًا من بين اسنانه:

-بيهزر بيهزر، مش أنت بتهزر يا دومي.

نفى آدم برأسه، نازعًا يد مروان عن فمه، رامقًا إياه بمقط، ضحكت مهرة وقالت مؤيدة حديث اخيها هاتفة من بين ضحكاتها:

-لا مش بيهزر وخليكي عارفة مروان دة بوق على الفاضي.

-طب ليه الفضايح يخربيتك اشكالكم قرايب عرر صحيح.

قالها بصوت عالي جعلت ابناء عمامه والغريب صابر وخديجة أيضًا يقهقون بصوت عالي، عدا كوثر و هناء و سامية وأزواجهم الذين جحظت عيناهم من ضحكاتهم العالية، رسمت افنان ابتسامة مزيفة على ثغرها متمتمة في سرها بعدما ابتلعت غصة لم تفارقها منذ شهور:

-أضحكوا زي ما أنتم عايزين عشان قريب أووي هخليكم تعيطوا، وانا وانتوا والزمن طويل.

نهضت مرة أخرى قائلة باستئذان وعيناها تطالع  خديجة المتربصة لها وكادت تنهض من خلفها:

-بعد إذنكم هطلع أريح شوية في أوضتي الجديدة حبة أتعود عليها، خليكي مفيش داعي تقومي كملي أكلك.

تبسم لها وجه والدتها ونطقت بنبرة دافئة وهى تلتقط يديها مقبلة إياها بنهم:

-طب كملي أكلك الأول.

-الحمدلله شبعت عن إذنكم.

قالتها ساحبة يديها من قبضتها، اماءت لها خديجة مجبرة، فلو كان الأمر بيديها لكانت صعدت معها ونامت جوارها غير سامحة لها بالخروج من احضانها، بينما وجهه صابر حديثه لـ كوثر التي صدمت لأخذها غرفة خديجة:

-كوثر شنط روفان اللي نقلتوها اوضتها الجديدة، تتنقل اوضة خديجة، من انهاردة بقت اوضتها.


*********

ولجت أفنان غرفتها الجديدة مغلقة الباب ورائها بأحكام، فرغم ما تظهره من ثبوت وجمود أمامهم إلا أنها تشعر برهبه طفيفة تتغلغل قلبها وجسدها من حين لآخر فهى بالنهاية لحمًا ودم وليست جماد. 

وكلما شعرت بتلك الرهبة تسري بجسدها لتصل قلبها ذكرت حالها بـ سبب مجيئها إلى هنا و ولوجها لجحر الأفاعي، فغايتها وهدفها بات قريب المنال ولن تتهاون معهم.

أحتدت عيناها بغضب جحيمي ناري، ومضت نحو الفراش الموضوع بمنتصف الغرفة التي تشغل حيزًا شاسعًا.

ألقت بحقيبتها على الفراش، تلاها جسدها المنهك، ثم أغمضت عيناها زافرة بقوة مفكرة بخطوتها القادمه مع تلك العائلة.

ارتفع رنين هاتفها المتواجد بحقيبتها ففتحت عيناها واعتدلت قليلًا مخرجة هاتفها من حقيبتها السوداء الصغيرة، طالعت عيناها الاسم المدون أمامها على شاشة هاتفها فوجدتها صديقتها علياء.

وضعت الهاتف على أذنيها واجابتها على الفور فـ جائها صوت علياء المتستفسر عن غيابها منذ ليلة أمس:

-أنتِ فين يا أفنان اتصلت عليكي كتير، ومردتيتش واتصلت على عاصم برضو مبيردش، كان ناقص اتصل على أونكل.

صمتت قليلًا تلتقط انفاسها الهادرة فـ تمسكت افنان بسكونها التام، منتظرة أسترسال حديثها عالمة بأن ثرثرة صديقتها لم تنتهي بعد، اكملت علياء حديثها بنبرة يشوبها الشك ورددت بترقب:

-أوعي تكوني نفذتي اللي في دماغك يا افنان؟

تنهدت افنان مجيبة إياها بهدوء منافي لمشاعرها السوداء المستاءة:

-نفذت يا علياء ودخلت عيلة الحلواني، كان لازم انفذ مش هسيبهم بعد اللي حصل لأمي وليا، حقنا هيرجع وكل واحد كان ليه دخل هيدفع التمن.

ردت عليها علياء بصوت عالي وغاضب في آن واحد يعبر عما يعتريها من غضب ناري خوفًا عليها:

-بتغلطي يا افنان وبترمي نفسك في النار بأيدك، وأخوكي أنا ليا كلام معاه.

نهضت افنان عن الفراش والعصبية تظهر على قسمات وجهها مجيبة إياها بصوت جحيمي حاولت إخفاضة قدر المستطاع حتى لا تفضح ذاتها:

-الكلام ده عدى وقته خلاص وانتقامي هاخده حتى لو على جثتي.

أغلقت بوجهها وصدرها يعلو ويهبط بأنفعال، ثم قذفت الهاتف على الفراش و اندفعت صوب المرحاض المرافق للغرفة لترمي بذاتها أسفل المياة الباردة لعلها تطفئ نيران جسدها.

*********

تضاحك وجهها هابطة درجات السلم الرخامي، وهى ترى صديقتها تقى أمامها فقد جاءت للتو، وقفت امامها قائلة بنبرتها الضاحكة:

-كل ده يا تقى.

لكزتها تقى متمتمة بتنهيدة:

-بتضحكي على إيه يا كلبة أنتِ، ولا صحيح انا بسأل ليه ما أنتِ مش مترمطة زي في شغل البيت وعندك خدم قد كدة يشيلو عنك.

رفعت مهره يديها امامها وجهها مردفة بمرح:

-خمسة في عينك، هتحسدي ولا إيه.

-لا يا ستي أعوذ بالله حسد إيه بس، أنا بقر عليكم بس.

دوت ضحكات مهره فأقتربت منها تقى هامسة بمكر:

-ألا قوليلي هو فين إياس مشفتوش يعني.

حركت مهره سبابتها مشيرة للأعلى متمتمة بهمس مماثل:

-في أوضته فوق هبعت خبر مع آدم أنك وصلتي هتلاقيه نزل على ملا وشه.

اتسعت ابتسامتها، فصاحت مهرة بتذكر:

-صحيح شوفتي روفان بنت عمتي طلعت مين.

تذكرت تقى آمر روفان فـ صديقتها لا تخفي عنها شيئًا.

-آه صحيح هي وصلت؟

اماءت لها بأيجاب، متحدثة بسعادة:

-وصلت وصلت بس مش هتصدقي مين.

-مين يعني؟

صفقت بكفي يديها معًا تعبيرًا عن سعادتها مرددة:

-أفنان عبدالله.

جحظت عين تقى وقالت بصدمة ونبرة عالية:

-بتهرجي صح.

-اهرج إيه بس يا هبلة دي نايمة فوق في اوضة عمتو أول ما تصحى هخليكي تشوفيها، خلينا بس دلوقتي اعرف آدم عشان يقول لـ إياس أنك وصلتي.

**********

-ليه يا عاصم!!!!!

لية سبتها تنفذ اللي في دماغها، ليه دخلتوا لعبه انتقام أنتم مش قدها، أنا خايفة عليها يا عاصم، أنت عارف أنه مقدرناش نعرف مين من العيلة اللي عمل فيها كدة، وبعدين أونكل عارف اللي هى عملته و لا لسه.

صاحت بهدر محدثة عاصم بالهاتف فهما عاشقان حد النخاع، مسح عاصم على وجهه وأجابها ماسحًا على وجهه بكف يديه:

-أهدي يا علياء، أنتِ عارفة أفنان مبتسمعش من حد، ومكنش ينفع أسيبها لوحدها كان لازم أبقى معاها مش عايز اسيبها لوحدها دي أختي الوحيدة، أما بابا فـ أنتِ عارفة أنه عارضها على اللي في دماغها، ولسة ميعرفش بس اكيد هيعرف لما يكتشف غيابها انهاردة.

عضت على شفتيها، وهى تذرع المنزل ذهابًا وإيابًا تقضم أظافرها قائلة بعصبية:

-ماشي يا عاصم أقفل عشان حقيقي مش طيقاك، أقفل.

أغلقت قبل أن تسمع رده، ضاممة كلتا يديها عند فمها متمتمة بخفوت داعية لرفيقتها.

-يارب يارب خليك معاها وأحميها، يارب مشوفش فيها حاجة وحشة.

طرق الباب، فتقدمت منه وقامت بفتحه وسرعان ما احتلت الدهشة وجهها وهى ترى رفيقتها الآخرى أمامها بوجه شاحب باكي وعيون حمراء بلون الدم وحقيبتها بجوار قدميها.

اقتربت منها قائلة بعيون تجول عليها ونبرة قلقة:

-ملك في إيه مالك، أنتِ كويسة؟

انكمش وجهه ملك بكاءًا، وهزت رأسها نافية مرتمية داخل أحضانها مرددة ببكاء يفطر القلوب وجسد ينتفض بقوة:

-مش كويسة يا علياء؛ إسلام طلقني ، يعني بعد ما بعت الكل عشانه، طلقني ومبصش وراه، اتخنقنا وأمه حكمت عليه يطلقني وننزل للمأذون وفعلا، وبعد ما خرجت من عند المأذون مشي هو وأمه و رجلي مخدتنيش غير على هنا، أنا مليش غيرك أنتِ وأفنان.

ربتت علياء على ظهرها وتجمعت عبراتها بعيناها حزنًا على حال رفيقتها وقالت مشجعه إياها على ولوج المنزل حامله لها الحقيبة:

-أدخلي يا ملك، ادخلي.

بعد مرور بعض الوقت قصت ملك ما حدث على رفيقتها التي اصتبغ وجهها بلون أحمر من شدة الغضب وصاحت ناهضة بعنف: 

-قولنالك يا ملك، قولنالك أنه ميستهالكيش وأنه ابن أمه، آه يا حيوان بقى يطلقك، ده يبوس أيده وش و ظهر أنك بصتيله المعفن ده هو وأمه.

توقفت عن الحديث وهى ترى عبراتها تتساقط من عيناها بأنهمار دون توقف وشهقات متتالية خافته تخرج من فوها متحدثة بتقطع:

-م مكنتش فاك فاكرة أنه هيطلقني...تو توقعت أنه ميعملهاش يا علياء صدمني وكسر قلبي، أنا بحبه، ده أنا قطعت افنان عشانه و سبت بابا عشان ابقى معاه وأنتِ كلامي معاكي مبقاش زي الاول.

سبته علياء بسرها لجعل صديقتها تبكي، فجلست مرة أخرى جوارها ضاممة إياها لصدرها مهونه عليها بكلمات كالبلسم:

-ميستاهلش دمعه واحدة من عينك اللي يبيعك بيعيه و متبصيش وراكي، ومتأكدة أنه ربنا عوضة جميل وبكرة هيعوضك وهو هيبكي عليكي عشان ضيعك من أيده، وخلي أمه تنفعه ابن امه ده.

أبتعدت ملك عن أحضانها، مطرقة رأسها للأسفل مرددة بخجل وآسف:

-هتقل عليكي يا علياء بس أنا معنديش حد غيرك أروحله، أفنان مش هعرف أبص في وشها و بابا مش هيستقبلني و

قاطعتها علياء مغمغمة:

-مفيش داعي لـ الكلام ده كله أنتِ عارفة أني عايشة لوحدي ومليش حد غير عاصم وافنان وأونكل فوزي، قومي بقي خشي الأوضة دي والبيت من أنهاردة بيتك، أنتِ مش صاحبتي يا هبلة أنتِ أختي ومهما يحصل أنا معاكي و أفنان كذلك.

ابتسمت ملك بوجع مكففة عبراتها بأناملها، قائلة بصدق:

-وحشتني أوي، قوليلي عاملة إيه، اتجوزت ولا لسة.

عبس وجهه علياء وقالت بما جعل قلب ملك يهوى بقدميها:

-لا متجوزتش يا ملك، أفنان سابت مصطفي، في الفترة اللي مكنتوش بتكلموا حصل بلاوي يا ملك أفنان أدمرت وكل حاجة اتغيرت بين يوم وليلة.

جحظت عين ملك ورفعت يديها الناعمة مكفكفة عبراتها، متحدثة بصدمة:

-إيه اللي حصل، وازاي سابت مصطفى دول روحهم في بعض، احكيلي يا علياء.


**********

ولج آدم غرفة إياس دون استئذان فصاح إياس به:

-هو مش فيه باب يا أخ آدم.

لوح آدم بذراعيه في الهواء وقال دون مبالاه لحديثه:

-اسمع الكلمتين عشان اروح أكمل مذاكرة، مهرة بتقولك أن حبيبة القلب معاها...قصدي تقى صاحبتها.

أنهى حديثه وكاد يغادر من أمامه فمنعه أقتراب إياس منه قائلًا بدهشة ممسكًا إياه من ملابسه:

-حبيبة قلب إيه، أنت عبيط يالا أنت.

أزاح آدم يديه نافضًا مكانها متمتم بغرور مصطنع:

-ده أنت اللي عبيط لو فاكر أني مش فاهم أنك بتحب تقى أنا مش عيل و أقدر افهمها وهى طايرة.

عض إياس على شفتيه بغيظ وقال متسائلًا:

-هو أنا مفضوح أوي كدة!!!!

أشار له آدم حتى ينحني قليلًا هامسًا جوار أذنيه قبل أن يغادر الغرفة تاركًا إياس مفكرًا بكلماته:

-أوي، وأراهنك أنها عارفة أنك بتحبها وشكلك بيبقى وحش زوحليقة قدامها.

-وحش زوحليقة، تصدق أنا غلطان أني بكلم معاك، يلا يالا أنت من هنا.

بعد ثوانِ وقف أمام المرآة متفحصًا هيئته الجذابة متناولًا قنينة العطر المتواجدة أمامه و نثر منها على ملابس البيت المريحة والتي تبرز عضلات جسده بوضوح.

خرج من الغرفة بعد التأكد من مظهره وأناقته و أتجه صوب غرفة مهره ودق مرتان على الباب، فتحت مهره وابتسامة مشاكسة على وجهها عاقدة يديها أمام صدرها، رافعة أحدى حاجبيها:

-نعم!!!

رد بأبتسامة جانبية و هو يتابع بعيناه تقى الجالسة على الفراش متفادية نظراته المتلهفه المصوبة تجاهها:

-نعم الله عليكي يا حبيبتي، أنا بس بطمن عليكي أنتِ كويسة، أصلك وحشتيني أوي يا مهرة.

اتسعت أبتسامة مهره وأجابت عليه بمكر:

-انا برضو، بقولك إيه يا إياس طرقنا يلا عايزة أقعد مع تقى قعدة بنات.

ابتسم لها وعينيه لاتزال تتابع تقى التي تطالعه من حين لاخر بنظرة خاطفة:

-طب ما تعملي فيا جميلة وتقعديني في القعدة دي وهعمل نفسي مش سامع حاجة، عاملة إيه تقى؟

-الحمدلله.

أجابته بهدوء أسر قلبه فصاحت مهرة بصوتها الصاخب جوار آذنيه:

-أمشي يا إياس بقى اووف الواحد مش عارف يأخد راحته في اوضته و لا إيه.

دفعت الباب في وجهه فتكاظم غضبه فهو لم يشبع من رؤيتها بعد و يتوق للجلوس معها، أما مهره و تقى فكتما ضحكاتهم عليه وتحدثت مهره مقتربة جالسة جوارها:

-أنتِ عملتي فيه إيه، ده هيمووت عليكي.

ردت مبتسمة محركة كتفيها بعدم معرفة:

-معلمتش حاجة والله بس يمكن حس بيا و بحبي ليه.

غمزت لها مهرة وقالت بمشاكسة أغضبت تقى وجعلتها تقذفها بالوسادة.

-أيوة يا عم والله وبقينا نقول كلام حلو ونكسف زي البنات.

**********

كاد يعود لغرفته مرة آخرى مفكرًا بلقائه لها وهى تغادر فسيعرض عليها أن يقوم بأيصالها علها توافقه ويحظي ببعض الوقت برفقتها.

قابلة مروان و وقف أمامه بالطرقة الطويلة الفاصلة بين الدرج والغرف، مخرجًا إياه من هالة العشق المحيطة به متمتم بهمس:

-أنت لسة ملبستش يلا أجهز بسرعه أيهم هيقابلنا كمان ساعه نكون جهزنا ونطلع على بيت سليم.

ضرب إياس على جبهته متذكرًا كتب كتاب سليم:

-ده أنا نسيت.

-لا شاطر يلا بقى خش ألبس هو بسام مش جاي معانا.

-لا مش جاي ما أنت عارفة مش راضي عن اللي بيحصل، وعلى الله مينسحبش من لسانه ويقول لجدك عشان يبوظ صورة سليم قدامه، غير أنه أصلًا موضوع روفان ده لغبط الدنيا خالص ومكنش ينفع سليم يغير ميعاد كتب الكتاب.

أماء مروان وقال:

-طب يلا قدامك نص ساعه أجهز فيها.


***********


دق الباب فتقدمت منه فاتحة إياه فوجدته أمامها وبين يديه باقة ورد حمراء خطفت قلبها قائلًا بحب، مقتربًا منها خطوة واحدة.

-مقدرتش أسيبك زعلانه و مصالحكيش؛ متهونيش عليا.

أبتسمت علياء وهى تمد يديها آخذة الباقة من يديه مقربة إياها من أنفها تستنشقها بأستمتاع فابتسم لها متمتم:

-عجبتك!

-تبقى منك ومتعجبنيش ده ازاي يعني.

اتسعت بسمته وألتقط يديها مقبلًا إياهم بحنان، ثم قال مثبتًا عينيه بعيناها:

-اللي حصل غصب عني وأنتِ عارفة، مش عايزك تزعلي يا علياء وأوعدك أفنان مش هتتأذي، أنا دايما في ظهرها وهحميها، ومش هسمح للكلب اللي عمل كدة يأذيها تاني.

تنهدت قائلة:

-وانا واثقة فيك يا عاصم.

نادت ملك على صديقتها، فـ استمع عاصم لصوتها المنادي على معشوقته وخطيبته منذ سنة تقريبًا، قطب جبينه متحدثًا بدهشة:

-دي ملك!

-أيوة أمشي بقى دلوقتي وهكلمك بليل أحكيلك كل حاجة.


********

-بارك الله لكما وعليكما وجمعا بينكما في الخير.

ردد المأون تلك الكلمات عقب عقد قرآن سليم و  أحلام، زادت ابتسامته اتساعًا، اقترب منه أيهم وإياس و مروان وصاحا بنفس واحد مباركين له ولعروسته:

-مبروك يا عرسان، ألف مبروك ربنا يتمم على خير.

__يتبع__

تابعوني يا بنات♥👇🏻
FatmaMohmed890

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...