تحميل رواية «الأربعيني الأعزب...نوفيلا...آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الأربعيني الأعزب آية محمد رفعت نوفيلا بحضورك يخفق القلب بقوة، وكأنه يعلن تمرده على جسدي ليتبعك كالظل، راضٍ بالأغلال المفروضة على عاتقه لكونه عبداً يسترق النظر لسلطانته، التطلع إليها يعد جرمٍ عقابه الشنق؛ ولكني فعلتها فتلك النظرة الخاطفة تعد حياة لعبداً مسكين لم يختار أن يحبك يوماً، فأخبريني ما الجزاء الذي يستحقه قلبٍ مقت الحرية وعشق أسر عينيكِ، حينما ينبع الحب من وصال الفؤاد، تتحدث الأعين عوضاً عن الفم......
الأربعيني الأعزب...نوفيلا...آية محمد رفعت الفصل الحادي عشر 11 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل السابع....
فور خروج "لوجين"، استغلت "إيمان" بقائها بصحبة أخيها بمفردهما، فقالت بحزنٍ:
_إلى متى ستظل تتجاهل رغبتي "عاصي"؟
زفر في سئمٍ من عودتها لنفس الموضوع الذي لا ينتهى أبداً، فقال بانزعاجٍ:
_الا تملين الحديث في هذا الأمر..
انجرف تفكيره تجاه نقطة هامة، فاسترسل حديثه بعد فترة من الصمت:
_مهلاً مهلاً، في العادة ينقطع بنا الحديث عن ذاك الأمر فترة لا تقل عن عام او أكثر، أول مرة تتحدثين عن زواجي مرتين في نفس الأسبوع تقريباً.. أخبريني ماذا هناك؟
ابتسامة رقيقة رسمت على محياها قبل أن تخبره:
_ربما لأنني وجدت لك عروساً تليق بك، وأراك لا تعترض على وجودها لجوارك طوال الوقت..
ضيق عينيه بذهولٍ:
_من تقصدين؟ لوجين!
هزت رأسها عدة مرات وقد اتسعت ضحكاتها، فرمش بعينيه عدة مرات بعدم تصديق:
_لا أصدق ما استمع إليه!...أترين تلك المجنونة تليق بي!
قالت والضحك يتابعها بحديثها.:
_بل أراك مهتم بها كثيراً... امنحها فرصة تقترب منك علها تتمكن من السيطرة على مكان بقلبك..
كور يديه بقوةٍ حتى أبيضت من فرط ضغطه عليها، فعادت لتستعطفه لكلماتها من جديدٍ:
_أعلم بأنك ستظل تحب"هند" حتى أخر أنفاسك ولكن ما المشكلة اذا سمحت لأخرى بالدخول لحياتك وأيضاً ستحتفظ بحبها كما كان!
نهض "عاصي" عن مقعده ثم هم بالخروج وهو يردد ساخراً:
_سأعود حينما يخرج المخدر من جسدك بأكمله، فمازلت أراكِ مغيبة عن الوعي.
وأغلق الباب من خلفه، ثم انفرد بذاته على أقرب أريكة استراحة من غرفة شقيقته، فعلى الرغم من تماسكه الشديد أمامها الا ان قلبه لمس شيء من حديثها، نعم هي تمتلك جزء من الحقيقة فمازال يتساءل ماذا فعلت به تلك الفتاة في ثمانية وأربعون ساعة!
كيف استطاعت أن تجبره على مساعدتها والأغرب من ذلك بأنه صرح لها عن وجع قلبه بمنتهى البساطة، ثمة شيئاً غامض يجذبه تجاهها، شيئاً لم يعد يفقهه أو يعلمه!
********
طلبت "لوجين" كوب من القهوة، فقررت الجلوس بالكافيه لترتشفها، فجذبت أحد المقاعد ثم جلست تتفحص أحدى المجلات الموضوعة من أمامها لحين أن ينتهى النادل من احضار قهوتها، ألتهت بتفحص الموضوع الشيق الذي كتبت عنه المجلة فشردت به وكأنها ببقعةٍ منعزلة عن الجميع، حيث أفاقت من غفلتها الصغيرة على صوتٍ مألوف بالنسبة اليها وربما يكون أكثر ما تمقته في الحياةٍ:
_هل تظنين أنك ستنجحين بالفرار مني!
ازدادت ضربات قلبها المرتجف بخوفٍ شديد، وباتت مترددة بإخفاض الجريدة عن وجهها لتتمكن من رؤية من يجلس أمامها بوضوحٍ، انهت الصراع القائم بداخلها فأبعدت المجلة عنها لتراه يجلس أمامها ببرودٍ منتاهي، ومن خلفها كان يقف رجلين من رجاله، ابتلعت ريقها بصعوبةٍ وهي ترسم دور الثبات المخادع عليه، فقالت بضيقٍ:
_ ماذا تريد بعد "قاسم"،أخبرتك كثيراً بأنني لن أتزوج بك رغماً عني..
ابتسامةٍ ساذجة رسمت على محياه قبل أن يتحرك لسانه ناطقاً:
_وهذا ما سيحدث صغيرتي..
رفعت حاجبيها وهي تتساءل بدهشةٍ:
_ماذا تقصد؟
اتاها رده الصريح:
_ساتزوجك رغماً عن أنفك... والآن بالتحديد..
ثم أشار لرجاله الذين هموا بالاقتراب منها ثم قيدوها، وحُملت على كتف أحداهما، فصاحت بانفعالٍ شديد:
_اتركني... دعني وشاني
لم يستمع اليها احداً وكأن من بالمقهى يتعمد تجاهل الأمر خوفاً من السلاح الذي يحمله رجاله، اتبعهم"قاسم" بثباتٍ ثم قال بسخطٍ:
_ لا أعلم كيف تمكنتي من اقناع السيد "عاصي" ليساعدك بالهروب من الحفل ولكن لا تقلقي انا الآن أزحت عنه الحرج عن مساعدتك..
علمت بأنها تلك المرة لن تستطيع الفرار منه بعد أن قرر يتزوج منها عنوةٍ، فثارت بحركاتها وباتت تركل بقدميها من يحملها على كتفيه، فأصابته اصابة بالغة بحذائها ذو الكعب العالي، فحررها ليتركها أرضاً بجراج المشفى الضخم، ركضت "لوجين" وسط السيارات، ثم إختبأت بين احداهما، فتمكنت بعد مراقبة حذرة من التعرف على سيارة "عاصي" فأنخفضت بجسدها للاسفل، لتتقدم منها زحفاً على الاقدام خشية من أن يراها أحداً، ظنت من أنها ستجد السائق بداخلها ولكنها لم تجد احداً فلم يكن امامها خيار أخر، لذا خلعت حذائها وضرب مقدمة السيارة عدة مرات فانفجر انذار منها يعلن عن سارقٍ يحاول الاقتراب من السيارة، فأسرعت "لوجين" بالاختباء سريعاً وخاصة حينما رأت رجال "قاسم" يقتربون من السيارة، ولحظها حينما اتى السائق الخاص بعاصي يتفحص أمر السيارة، فوجد الرجال يلتفون حول السيارة، فتساءل بدهشةٍ:
_من انتما؟ وماذا تريدون؟
كاد أحد من الرجال بأن يجيبه، فاوقفه "قاسم" بإشارة يديه ثم اقترب من السائق ليجيبه بجديةٍ تامة:
_كنت في زيارة لأحد الاصدقاء وحينما نزلت لاستلقى سيارتي وجدت زجاج النوافذ منكسر، وحينما بدأت بالبحث وجدت تلك السيارة محطمة هي الاخرى..
واستطرد بغضبٍ:
_يبدو أن هناك أحداهما قد اذهب عقله تماماً..
لم يكن حديثه مقنع للسائق، وخاصة حينما انتبه للوجين وهي تتخفى خلف أحدى السيارات وتشير له بأن يبلغ "عاصي" بالأمر، فتصرف بلباقةٍ حينما رسم ابتسامة صغيرة اتبعها قوله:
_ربما يكون طفل صغير يلهو..
ثم استطرد بلطفٍ:
_سأذهب لأحضر ما يناسب لتنظيف بقايا الزجاج..
ثم اختفى من امام اعينيهم ليبعث برسالة سريعة لسيده بما حدث بالأسفل فأنصاع الى اوامره بان يراقبهما بحذرٍ لحين أن ينضم اليه..
********
مجرد منح عقلها تخيلات بأن "قاسم" سيصبح زوجها جعل جسدها يتشنج، زحفت "لوجين" للخلف حتى استندت بجسدها على باب إحدى السيارات الخلفية، فجلست تردد بخوفٍ:
_أفضل الموت على الزواج من هذا الأرعن!
وأغلقت عينيها بقوةٍ وهمساتها تحفزها على تحمل القادم:
_سيخلصني"عاصي"..
ثم اكدت لنفسها بابتسامةٍ صغيرة:
_أجل سيأتي ليخلصني... إهدئي لوجين سيأتي بالتأكيد..
تمنت بتلك اللحظة لو كانت تمتلك فانوس سحري يحقق لها أحلامها فتتحقق امنيتها برؤيته في تلك اللحظة..
اتقبض قلبها رهبةٍ حينما صاح أحد الرجال:
_وجدتها...
وفي لحظات معدودة وجدت رجال "قاسم" يحيطونها فلم يعد بإمكانها الفرار، وتلك المرة اقترب منها "قاسم" ليهوى على وجهها بصفعةٍ قوية وهو يردد بغضبٍ قاتل:
_كفي عن مقاومتي... انتهى الأمر..
ارتدت على أثر صفعته أرضاً أسفل أقدام من تمنت وجوده، فهمست بدمعاتٍ لحقت عينيها الحزينة:
_عـــاصـــي!..
........... يتبع........................
الأربعيني الأعزب...نوفيلا...آية محمد رفعت الفصل الثاني عشر 12 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل الثامن...
رفعت رأسها إليه تاركة دموعها تشكو إليه قلة حيلتها، وكأنها تستنجد به من هذا اللعين الذي يريد أن يتزوج بها رغماً عنها، وكأنها سلعة تباع!
لطالما كانت تتهرب منه على أمل أن يشعر برفضها التام إليه، ولكنه كان يصر على طلبه أكثر من سابق، انحنى"عاصي"ليعاونها على الوقوف، فهمست بصوتٍ باكي:
_عاصي..
منحها نظرة شملت حنان ودفء استطاعت لمسه بهما، فدفعها بيديه برفقٍ لتقف خلفه ويكن هو أمامها كالسد المنيع، ارتبك "قاسم" من وجوده وبالرغم من ذلك سيطر على انفعالاته ليبدو أكثر اتزاناً، فقال بابتسامةٍ مصطنعة:
_ أنا أعتذر لك كثيراً على الإزعاج الذي تسببت به حبيبتي "لوجين"، فمازالت لا تستوعب بأن دلالها الزائد لا يصح التعامل به مع الغرباء..
ثم استطرد بمكرٍ:
_أتعلم حينما راقبت تسجيلات الكاميرا ووجدتها خرجت من الحفل برفقتك اطمئننت كونها خرجت مع رجلٍ أمين مثلك..
ثم نقل نظراته تجاهها ليشدد على حديثه بحزمٍ:
_ولكني أعاتب عليها فمازالت تصرفاتها كالطفلة الصغيرة..
خرج " عاصي" أخيراً عن صمته، فأجابه باستهزاءٍ:
_حتى الطفلة يحترم قرارتها ويترك لها الحرية باختيار ما تريد... أترى نفسك مسؤولاً تصدر القرار.ولا تنتظر من يعارضك!
لعق شفتيه بارتباكٍ مما قد علمه عاصي عنه، فاسترسل حديثه بصرامةٍ:
_ما تفعله ليس منصفاً بحق رجولتك "قاسم"... دعها وتزوج بفتاة أخرى ترغب الزواج بك..
قطع"قاسم" المسافة القصيرة بينهما، حتى بات لا يفصلهما كثيراً، ليخبره وعينيه تحدجها بنظرة استحقارٍ:
_أرى انها برعت في الايقاع بك حتى تجعلك تقف أمام شريكك لتنطاحه لأجلها!!...
ثم اخفض صوته بمكرٍ:
_أخبرني "عاصي"، هل أغرمت بها! أم أنها سمحت لك بالاقتراب منها في تلك الليلة التي قضتها بقصرك؟
اتفرجت شفتيها في صدمةٍ مما يلقيه على مسمعها من تهمة مهينة، فصرخت في وجهه بعصبيةٍ بالغة:
_إخرس أيها الحقير، أنا أشرف منك أيها القذر...
اشتعلت نظراته حنقاً، فجز على أسنانه بغيظٍ:
_دعينا نذهب من هنا وسترين ماذا سيفعل القذر بكِ..
وكاد بأن يلامسها في محاولةٍ منه لجذبها بعيداً عن" عاصي" الذي منع يديه من الوصول إليها، فضغط بكل قوته على معصمه الذي تهشمت عظامه بين يديه مصدرة صوتٍ طقطقة، ولاحقها صوت صراخه الهيستري مما دفع رجاله للتدخل، فحاول احداهما لكمه فتفادي"عاصي" يديه ومن ثم رفع جسده للأعلى ليركله ركلة أبعدته مسافة عنهما، فحاول الاخر التداخل، فسدد له عدد من اللكمات القاسية ومازالت يديه الاخرى حبيسة لمعصم "قاسم" ، اما السائق فأتى للأسفل سريعاً بعدما اخبر "عمر" الذي هبط معه بفزعٍ، لينضم لعاصي بساحة المعركة التي باتت ميزانها متعادل، انشغل "عمر" والساىق بالقتال مع رجاله، أما "عاصي" فتكفل بأمر "قاسم"، فاطاح به أرضاً ثم حبس مجرى تنسفه بيديه ليكيل له ضربة تلحقها قوله الشبيه بالسواط:
_عديم الرجولة والنخوة هو من يستغل ضعف امرأة ويجبرها ان تتزوج به قصراً..
اصطحبها لكمة أشد عنفاً:
_والآن تبرر ضعفك فتطعنها في شرفها أيها الرخيص.... أنت عار على الرجال!
احتبس جلد رقبته أسفل يديه، فحارب لالتقاط نفسه المتقطع بصعوبةٍ، في تلك اللحظة اتى"عمر" مسرعاً ليبعده عنه وهو يصيح بها بحدةٍ:
_إبتعد سيموت بين يديك...
لم يتركه بل ازداد من احكامه على عنقه، وكأنه ختم قراره بقتله وتخليص تلك الفتاة البريئة من مصائبها، دفعه بيديه معاً للخلف وهو يناديه بانفعالٍ:
_عاصي... إبتعد..
ابتعد عنه، فتفحص عمر نبضه، ليجده مازال على قيد الحياة، استعاد "قاسم" وعيه تدريجياً، فإتكأ على معصمه حتى اعتدل بجلسته، ليلتقط أنفاسه بصوتٍ مسموع، فقال بلسانٍ يتقطع كلماته:
_لا تنسى أن بخسارتك لشراكتي، ستجعلك تخسر ملايين..
عاد إليه مجدداً وتلك المرة فشل "عمر" بإيقافه، فناوله لكمة قوية اتبعها سبابه العنيف:
_خسارة عالم بأكمله أهون من زواجها من لعين مثلك..
ثم أشار له بشراسةٍ:
_وإذا كنت تخشى على حياتك فإغرب الآن عن وجههي والا لا تلومن الا نفسك..
زحف على ظهره للخلف، ثم نهض على قدميه ليتبع رجاله للخارج وهو يردد بوعيدٍ:
_أنت من بدأت بتلك الحرب "عاصي".. سترى الآن جحيمها بعينك..
وغادر من أمامه على الفور، فما ان اختفى من أمامهما حتى استرخى جسد" لوجين" براحةٍ، فكانت تخشى ان ينجح في إقناعه فيتخلى "عاصي" عنها، فلا تنكر اعجابها الشديد بشخصه المميز، من الذي يتخلى عن صفقة بملايين لاجل فتاة لا تربطها به اي علاقة، فبالطبع كان اختيارها له من البداية بمحله، ولكن الذي تخشى البوح به لنفسها حتى بأنها قد وقعت في حب الأربعيني الوسيم!
توقف بها الزمن وهي تراه يقترب منها، وكأن العالم انقرض ما به من أناس ولم يصبح فيه سواهما، تراه مع كل خطوة يصبح قريباً منها، بينما هي تقف محلها ساكنة، لا تعرف كيف المفر من ذاك العشق الغامض!...
هل باتت حمقاء لتقع في حب رجلاً قدم لها المساعدة مرتين؟ أم أنها معجبة بادق تفاصيله الغامضة بما يخص حبه المخلص لتلك المرأة التي فقدها منذ سنوات! ...
انقطع بها حبال الوصال، حينما رأته يقف أمامها، ويتساءل بكل لهفة امتلكها:
_هل أنتِ على ما يرام؟
هزت رأسها والابتسامة الصغيرة على وجهها:
_لا أعلم... ولكني أصبحت بخير حال حينما أتيت لتخلصني..
منحها ابتسامة صغيرة ثم أشار لها على السيارة بهدوءٍ:
_حسناً فلنغادر قبل ان يعود ذاك المعتوه مجدداً..
اتسعت ابتسامتها فقالت وهي تسرع بخطواتها تجاه سيارته:
_هيا.. أسرع..
رأها تصعد بالمقعد الخلفي وتنتظره، بينما وقف يتأملها بنظرةٍ غامضة، ازدادت حدتها حينما اقترب منه "عمر" ليوزع نظراته بينه وبين من يتأملها، ثم قال:
_أشعر وكأن هناك ما ينبغي علي علمه... لذا أقترح عليك زيارتي غداً في العيادة ربما أسهل عليك الحديث بالأمر..
حدجه عاصي بنظرةٍ شرسة، فعدل من جاكيت بذلته وهو يتابع دون خوف:
_سأنتظرك في الرابعة عصراً، لا تتأخر..
وتركه وغادر بهدوءٍ، ليتحرك الاخير تجاه السيارة، فصعد بالخلف ليعود بهما السائق للقصر..
**********
بالغرفة الخاصة بإيمان..
استرخت بفراشها قليلاً بعد أن اطمئنت على الصغير وضمته بين ذراعيها، فوجدت الباب يفتح من أمامها، ليدلف زوجها للداخل، فأسرع بجذب المقعد الجانبي ليضعه جوارها، ثم قال بلهفةٍ تسبقه بالحديث:
_تأكدت الآن بأن شكوك تجاه "لوجين" بمحلها... هناك شيء بينها وبين "عاصي"..
وابتلع ريقه الجاف من فرط مجهوده المبذول لصعوده اليها متسرعاً، ثم قال:
_أشعر وكأن ثمة بقلبه شيئاً لها!... وربما غداً سأجعله يرى ذلك بنفسه.
ابتهجت"إيمان" كثيراً عما تسمعه، فقالت بتمني:
_أدعو الله أن يفكر بها جدياً تلك المرة ليتخذ قرار بشأن حياته..
تمدد على المقعد براحةٍ ثم قال:
_اتمنى ذلك..
*********
بقصر "عاصي سويلم"
تركت المياه الباردة تطفئ النيران المشتعلة بداخلها، فمازالت كلماته المشككة بأخلاقها تطعنها كالسهام التي تستهدف قلبها بحرافيةٍ، غامت عينيها في ظلام دامس بدده ذاك الضوء المضاحب لذكراه، تذكر كلماته التي رددها بثقةٍ، وثورته العارمة تجاه "قاسم" فور سماع ما طعنه بها أمامه، ابتسامة زارت شفتيها المغموسة أسفل المياه، فرسمت أمامها شاشة صغيرة لتريها لقطته حينما انحنى ليجذبها اليه، ليعاونها على النهوض، فقرعت الطبول بداخلها وكأن جسدها مازال يستحضر تلك اللقطة، باتت حائرة، تائهة لا تعلم ما الذي يحدث إليها بالتحديد والمضحك في الامر بأن قاسم الارعن كما تلقبه فعل المحال لسنواتٍ ليستحوذ على قلبها، أما ذاك الأربعيني الأعزب تمكن من فعل المحال في ساعاتٍ معدودة...
أغلقت "لوجين" المياه المتدفقة عليها وهي تردد في صدمةٍ:
_أأحببته، هل يعقل ذلك!
ثم جذبت الصابون المجاور لها لتلقيه وهي تدور بسعادةٍ ختمتها حينما ارتدت ملابسها ثم هبطت للاسفل سريعاً لتبوح له عما تريد!... ولكن ترى هل سيتمكن من محو ذكريات حبه الذي طال لأكثر من عشرة سنوات!
............ يتبع..................
الأربعيني الأعزب...نوفيلا...آية محمد رفعت الفصل الثالث عشر 13 - بقلم آية محمد رفعت
الفصل التاسع والعاشر معاً...
(والاخير...)
تسللت على أطراف أصابعها حتى وصلت للطابق الأسفل ومن ثم راقبته حتى ولج لغرفة مكتبه، فلحقته على الفور وقبل أن يصل لمقعده ولجت ثم أغلقت الباب من خلفه فأصدر صوتاً مزعجاً للغاية، فاستدار "عاصي" على الفور، فوجدها تحكم اغلاق الباب ثم دنت لتجلس على المقعد القريب منه مشيرة بيدها على المقعد الأساسي:
_إجلس سيد "عاصي"، هناك أمراً هام أريد مناقشته معك..
رفع حاجبيه بذهولٍ:
_والأمر الهام هذا الا يمكن مناقشته في وقت لاحق؟
رسمت الحزن باجتيازٍ على معالمها، ثم قالت:
_ليس لدي وقت... أنت رأيت بنفسك كيف يطاردني ذاك الأرعن!
تلك الكلمة باتت لا تليق سوى بهذا الأحمق ولكنها لا تفشل بإضحكه، فتحرك تجاه مقعد مكتبه الرئيسي، فجلس وهو يتساءل ساخراً وعينيه مسلطة على باب الغرفة:
_وموضوعك الهام الا يصلح مناقشته الا وباب الغرفة مغلق!
أومأت برأسها عدة مرات وهي تؤكد له قائلة:
_لأنه هام لذا لا أرغب في ان يستمع إليه أحداً..
حك جبهته باستهزاءٍ على طريقتها المضحكة وعلى الرغم من ذلك الا أنه تماسك وهو يباشر سؤالها بثباتٍ:
_حسناً بإمكانك الحديث الآن..
ابتلعت ريقها عدة مرات وكأنها تجلي أحبالها الصوتية المنقطعة قبل أن تستجمع قواها للنطق:
_كما رأيت وسمعت بأذنيك "قاسم" لا ينوي أن يتركني وشأني، حتى وإن هربت لأبعد مكان على الكرة الأرضية..
ولوت فمها بتهكمٍ وهي تستكمل:
_ذلك الغبي لا يستوعب بأنني أكرهه ولا أرغب بالزواج منه، يظن بأنه اذا تزوج بي عنوة سأعشق قسوته وسأخضع لحبه الأحمق مثلما يحدث في الروايات..
وطرقت المكتب بيدها لتجعله يلمس غضبها:
_ولكن حلمه الغالي هذا لن يتحقق أبداً، وبعد تفكيراً عميق وجدت حل لتلك المشكلة..
كبت ضحكاته لأقصى درجة، تلك الفتاة لا يعلم ماذا يحدث اليه كلما يستمع لحديثها المجنون، يفقد القدرة على التحكم بذاته ويشعر بأنه لا يود سوى الضحك طوال الوقت على حديثها وتصرفها، وها هو الآن مجبر على العودة من شروده القصير حينما وجدها تتطلع له بنظراتٍ مغتاظة، فتنحنح وهو يتساءل بخشونةٍ:
_وما هو!... أرغب في سماعه.
ارتسمت بسمة غرور افترشت وجهها وهي تجيبه بثقةٍ من حلها الأمثل الذي توصلت اليه بعد عذاب:
_أن اتزوج... حينها لن يتمكن من أن يتزوجني رغماً عني..
تطلع لها لثوانٍ ثم انفجر ضاحكاً والاخرى تحدجه بنظراتٍ قاتلة، فرفع يديه يشير لها وهو يردف:
_أعتذر حقاً، ولكن الأمر مضحك حقاً...
ثم هدأ قليلاً قبل أن يشرح لها بطريقةٍ كوميدية:
_فتاة لا تريد الزواج بابن عمها فتتزوج أخر حتى لا يتمكن من الزواج منها!.. وما الداعي بالبحث عن كبش فدا وأنتي بنهاية الأمر ستتزوجين أي شخص!
ابتسمت وهي تجيبه بصوتٍ رققت طبقاته:
_ومن قال بأنني سأتزوج بأي رجل!
أشار لها باستسلامٍ ومازال الضحك يملأ وجهه :
_ومن الذي سينال هذا الشرف العظيم..
بابتسامة واسعة قالت:
_أنت "عاصي"..
انكمشت تعابير وجهه في صدمةٍ، وكأن الفرحة التقطتها رداء الحزن الأسود، فردد بدهشةٍ:.
_أتمزحين معي!
قالت بجديةٍ تامة:
_وهل هذا الأمر يحتمل به المزح... أتحدث جدياً..
احتل الضيق عالمه، فنهض عن مقعده وهو يجيبها بتعصبٍ شديد:
_أعتقد بانكِ تجاوزتي حدودك"لوجين" ، أساعدك رغبة مني في ذلك ولكن الأمر لن يصل بنا للزواج..
أشارت له بهدوءٍ:
_لم ينتهي حديثي بعد، إجلس واسمع لما سأقوله أولاً..
إنصاع إليها وجلس على مضضٍ يستمع الى ما ستقول، فقالت بابتسامةٍ ماكرة:
_الأمر يصب في مصلحتنا سوياً..
تطلع لها بعدم فهم، فاستطردت بتوضيحٍ:
_أنا سأتخلص من "قاسم" وأنت ستتخلص من إلحاح شقيقتك بالزواج..
ابتسم ساخراً، فاستكملت بخبثٍ:
_حسناً لا تنكر بأنك تخفي خلف ابتسامتك تلك إعجاب بي...
ولوت خصلة من خصلات شعرها حول أصبع يدها لتستكمل :
_أنا لست سيئة لتلك الدرجة، فلن تجد زوجة تسمح لك بأن تحتفظ بذكرياتك التي تجمعك بحبيبتك السابقة، أنا سأسمح لك بذلك..
ضحك حتى برزت أسنانه، فقال بدهشةٍ:
_لا أصدق ذلك، في العادة يعرض الرجل الزواج على الامرأة وأنتي دائماً ما تفعلين غير المعتاد!
استندت بيدها على سطح مكتبه ثم مالت برأسها عليها لتشير له بغمزةٍ من عينيها:
_أليس هذا ممتعاً... الخروج عن المعتاد هو أمراً جنوني وأنا أعشق ذلك..
استند على مكتبه هو الاخير ليسألها بجدية تامة:
_ولماذا أنا بالتحديد "لوجين"؟
وضعت أصبعها جوار فمها وهو تردد بخفوت:
_لا أعلم... ربما لأنك أوسم رجلاً قابلته على الإطلاق، أو ربما لانك قدمت على مساعدتي دون أن تعرفني، وربما لأنك سمحت لي بالدخول على عائلتك ومنحتني شرف عيش مواقف مختلفة حرمت منها وربما لأنك خلصتني من"قاسم" الأرعن!
وبعد صمتٍ تام التزمت بها لدقائق معدودة عادت لتهمس بصوتٍ اخترقته المشاعر الصادقة وبوحٍ نابع من الصميم:
_وربما لأنني معجبة بك وأخشى أن ينقلب إعجابي بك لأمراً خطير أفقد السيطرة به..
هام بعينيها وكأنهما بحراً يغمسه بمعسول عينيها الصافي، ولأول مرة يشعر بعجزه التام عن الحديث، إن كانت فتاة اخرى من تحدثه عن ذاك الامر ربما كان سيثور ويغضب ولكن الغريب إنه يتقبل كل ما تقصه عليه بابتسامةٍ وصدر رحب، اما هي فدقائق صمته تلك مرت عليها كالسنوات الثقيلة، لذا قطعت مهلتها بالانتظار حينما قالت:
_سأدعك تفكر بعرضي جيداً... وستخبرني رأيك بالصباح..
ثم نهضت عن مقعدها لتشير له بابتسامة مشرقة:
_تصبح على خير "عاصي"..
وغادرت من أمامه كنسمةٍ عابرة، اختطفت قلبه ودعته حائراً في اتخاذ أي قرار قد يوصله لبرٍ آمن... فاستند بجسده الثقيل على المقعد وهو يردد بحيرةٍ:
_ماذا يحدث لك"عاصي"؟...
وأغلق عينيه وهو يبتسم حينما يتذكر حوارها وحديثها بالأمر...
*********
ظلت مستيقظة طوال الليل، تفكر في رده على عرضها، تبتسم تارة حينما تتذكر هيامه بها وتردد تارة أخرى خوفاً من أن يرفض عرضه لها، مر الليل بظلامه الكحيل وأشرقت شمس اليوم التالي ومازال عقله مزحوم بالتفكيرٍ به، فما أن سطع النهار بشمس يومه الجديد، هرعت لخزانتها لتجذب الأقرب ليدها، ثم أسرعت بالهبوط للأسفل، فوجدت احدى الخادمات تضع الطعام على المائدة، فسألتها بابتسامةٍ مشرقة:
_أين السيد" عاصي"؟
أجابتها وهي تسكب كوب من العصير إليها:
_خرج منذ الصباح وأخبرني أن تنتظريه لحين عودته، فأنتِ هنا بأمانٍ تام..
وتركتها وعادت للمطبخ مرة أخرى، فجلست على المقعد باهمالٍ ثم همست بضيقٍ:
_أين ذهب بالصباح الباكر! ... أليس هناك اتفاق موثق بيننا!
ثم عبست بطبقها وهي تتحدث مع ذاتها بصوتٍ شبه مسموع:
_حسناً سيمر اليوم وسيعود سريعاً، وحينها سأعلم رده على اقتراحي...
وحملت كوب العصير ثم صعدت مجدداً لغرفتها لتجلس أمام شرفتها تترقب لحظة عودته.
*******
بالمشفى..
شعر بسعادة الكون بأكمله حينما حمل الصغير بين يديه، فطبع قبلة صغيرة على جبينه ثم قال بحنانٍ:
_حفظك الله بني..
وأخرج من جيب جاكيته ظرف أبيض وضع فيه مبلغ من المال، فوضعه بين الغطاء الثقيل الذي يحيط بجسده الهاش، ليعيده لاحضان امه مجدداً، فهمست بانزعاجٍ:
_ما الداعي لذلك "عاصي"... هذا مبالغ به كثيراً..
أجابها ونظراته مازالت تحيط الصغير:
_لا شيئاً ثميناً جواره..
ثم تطلع اليها ليمرر يديه على كتفيها وهز بقول بحنانٍ:
_أعلم بأنك خسرتي أخاكِ منذ اللحظة التي خسر به نفسه، لذا أردت أن أخبرك بأنني لن أسمح لكِ بالمعاناة للمرة الثانية..
وطبع قبلة عميقه على جبينها وهو يهمس لها بحنانٍ:
_ولكن كفى لن أدعى هذا يحدث مجدداً..
ابتسمت إيمان والدمع يتلألأ بعينيها لعدم تصديق ما يحدث امامها، نهض"عاصي" ثم أغلق زرار جاكيته ليودعها قائلاً:
_سأغادر الآن ولكني أعدك بأنني سأخبرك بما سيسعد قلبك قريباً..
قالت بصوتٍ متقطع من أثر بكائها:
_سأنتظر حتى ذلك الوقت بفارغ الصبر..
منحها ابتسامة مشرقة قبل أن يغادر لوجهته، ليترك الأمل ينير وجهها المتعب، ليعود لدمويته من جديدٍ.
**********
تركها وصعد لسيارته التي صمم على قيادتها بنفسه تلك المرة، فلم يعلم الى أي وجهة يسلكها، وربما شعر في ذلك الوقت بحاجته للحديث، فلم يجد أفضل من رفيق دربه، اتجه اليه متناسياً الموعد المنسق بينهما، كل ما همه بتلك اللحظة أن يتحدث إليه فيما يقلقه، وبالفعل صعد اليه وفضل الانتظار بالخارج لحين أن ينتهي من كشوفاته، حتى انه شدد على الممرضة بالا تخبره بأنه بالخارج، وبعد ما يقرب الساعتين من الانتظار أخيراً أتاه وقت رآه مناسب للبوح عما يضيق صدره، فطرق عدة مرات على بابه قبل أن يدلف، فوجد "عمر" منشغل بحاسوبه، حتى انه لم يتمكن من معرفة المريض الذي اتاه دوره، فقال دون النظر إليه ويديه تشير على الفراش الطبي الصغير:
_استرخي قليلاً... سأنضم إليك بعد قليل..
لم يشاكسه بحديثه الصارم تلك المرة، بل فضل التمدد على الشزلونج، وكأنه يجلس على مقعد يحتمه على قول الحقيقة ولا شيء سواها، كأنه يواجه نفسه بمرآة تشع بالصدق فقط، ترك عمر مكتبه ثم نهض ليجلس على المقعد القريب منه، فاندهش حينما وجده، فقال بذهولٍ:
_ماذا تفعل هنا "عاصي" هيا فلنجلس بالمكتب..
تجاهل حديثه عن اختياره لمكان جلوسه، ثم قال وعينيه شاردة بتأمل الضوء الهادئ الذي منحه نوعاً من السكينة:
_لا أعلم بالتحديد ما الذي أصابني! ولكنه بالطبع أمراً غريب ليس له أي تفسير...
والتقط نفساً مطولاً قبل أن يضيف:
_أشعر بالحيرة أحياناً وأحياناً أتساءل ما الذي تغير في هذا الوقت؟ مازلت أنا ومازال قلبي عاشقاً لها إذاً لماذا يسمح بالتفكير بأخرى... نعم"عمر" ثمة رغبة بداخلي تطالبني بالقرب منها، رغبة تدفعني على التطلع لها طوال الوقت، مشاعر أخشاها دائما... تحارب في صراع قوي بين حنين الماضي المرتبط بهند وبين تلك المجنونة التي قيدتني وجعلتني كالأبله الذي لا يعلم اتخاذ القرار المناسب..
تألم لأجله "عمر" فلأول مرة يقع الجبل الذي صمد لسنواتٍ شامخاً، محتفظاً بوجعه وبما يضرب قلبه بمفرده، وها هو الآن يبوح أخيراً بما يشعر به، فسأله بحذرٍ:
_هل تحبها يا "عاصي"؟
أجابه بعد فترة طويلة عن اجابته وكأنه يحسم أجابته، فقال:
_لا أعلم إذا كانت تلك الفترة كافية بحبها أم لا، ولكن بقائها لجواري يسعدني وأراه كافياً..
ابتسم"عمر" ثم قال باستغرابٍ:
_حسناً وماذا تنتظر؟... وجدت إجابة لسؤالك دون عناء... هيا فلتجعلها زوجة لك..
انكمشت تعابير وجهه وهو يرد عليه بحزنٍ:
_الأمر ليس بتلك البساطة "عمر"، قرار الزواج أمراً سهل ولكن القادم فيما بعد هو الأصعب على الاطلاق..
احتار في فهم ما يعنيه فقال باستياءٍ:
_لم يعد لدي القدرة على فهمك عاصي، ماذا تقصد؟
نفث عما بداخله من هواء يزحم رئتيه ثم قال بوضوحٍ:
_أخشى أن لا أتمكن من نسيان هند بعد الزواج عمر، أخشى أن لا أستطيع منحها الحب أو أن أكون زوجاً لها،أخشى أن أكون ظالماً وغير منصفاً بحقها..
تطلع له"عمر" بهدوءٍ ثم قال بابتسامةٍ هادئة:
_لا أعتقد ذلك.... أنا صديقك وأفهمك جيداً، وأعلم بأن ذاك اليوم الذي سينبض قلبك بحبها أتي لا محالة... كن على يقين بأنها ستكون الخلاص لك مما تعيشه "عاصي"، تمسك بها ودعها تشدد على يديك لتخطفك من ظلمة الليل لضياء ليس بعده شقاء ولا وجع..
حديثه اينع في نفسه الراحة والأمان، حمسه لخوض تلك الخطوة الهامة في حياته، فتركه وعاد للقصر وهو على يقين بأنه على صواب...
*********
مضى النهار سريعاً ومازالت تنتظر عودته، سيطر عليها الحزن فكسر فرحتها وباتت على يقينٍ بأنه رفضها ورفض عرضها، شعرت"لوجين" بالإهانة، وكأنها فرضت نفسها عليه لذا قررت الحفاظ على ماء وجهها وغادرت القصر قبل عودته ودموعها استحوذت عليها، شعرت وكأنها تفرض ذاتها على شخصٍ يحب غيرها، طمعت بكرمه بعد أن قدم لها المساعدة والعون من "قاسم" المحتال، فما ذنبه أن يظل يضحى حتى بالزواج منها، فقررت انهاء القيود التي تأسر حركاته، فخرجت من القصر لتقف من أمامه تودعه بنظراتها الباكية، ومن ثم صعدت لسيارة أجرة فتحركت بها فور أن صعدت بها في نفس ذات اللحظة التي عاد بها "عاصي" للقصر، فاستغرب كثيراً حينما وجدها تصعد بأحد السيارات، فهمس بذهولٍ:
_إلى أين تذهب في ذلك الوقت؟
لم يضع احتمالات لاجابته ولحق بها على الفور، فكلما انعطفت السيارة في الطرق المودية لمنزل "قاسم" كان يردد بصدمةٍ:
_مجنونة حقاً تلك الفتاة..
***********
توقفت السيارة أمام منزل العائلة، فترددت كثيراً بالهبوط من السيارة، ولكنها هبطت بالنهاية، مسحت دمعاتها بتأثرٍ شديد فكانت تقدم قدماً وتؤخر الاخرى، حتى ساقتها للداخل، فصارت حالة من الجلبة حينما وجدوها تقف أمامهما، فأسرع تجاهها "قاسم" وجسده يملأه الضمادات الطبية، فقال ساخراً:
_ماذا حدث، تخلى عنكِ السيد "عاصي"؟
حدجته بنظرةٍ محتقنة، فاسترسل حديثه باستهزاءٍ:
_ربما حسبها جيداً فوجد أنكِ لا تستحقي خسارة صفقة ستكلفه الملايين..
تلألأت الدموع في حدقتيها، وهي تستمع لحديثه اللازع، ليست ضعيفة للانصات له بصمتٍ، فتمتلك لسانٍ تراه سليط للغاية، ولكنها بتلك اللحظة مهزومة ولا تقوى على المحاربةٍ، لذا اختارت الصمت وسيلتها للهروب، حتى حينما اقترب منها أبيها فرمقته بنظرةٍ تمنى بعدها الموت، فهمس لها بصوتٍ منخفض:
_لماذا عدتي يا ابنتي؟ الا تعلمين ما يضمره لكِ" قاسم"!
منحته ابتسامة شبه ساخرة على خوفه الغير لائق به، قطع "قاسم" حديثه المنخفض حينما رفع يديه ليطوفه وهو يردد بنظرة ذات مغزى:
_جيد أنك تخبر ابنتك بمن الصالح لها، لا تنسى عمي أملاكك مازالت تحت سيطرة أبي، لذا من مصلحتك أن يتم هذا الزواج..
ازداد بداخله شعور النفور منه ومن ذاته، فانهمرت دمعة تحمل مكنونات العجز على وجهه، فكرهت "لوجين" رؤية ابيها بتلك الحالة المعتادة، فصاحت بضيقٍ شديد:
_كف عن مضايقة أبي أيها الأرعن، تحدث إلي فأنا من يقف بوجههك وليس هو!
جز على أسنانه غيظاً من حدتها التي لم تخسرها بعد، فترك عمه وذهب ليقف أمامها، فجذبها من خصلات شعرها وهو يردد من بين اصطكاك اسنانه:
_كيف تجرئين على الحديث معي بتلك الطريقة!... تعلمي كيف تحترمي زوجك المستقبلي "لوجين" والا سأقطع لسانك ذات مرة...
ازدادت المشاحنات بقاعة المنزل الكبير، ليقطعها صوتاً مألوف اليها حينما تردد بالارجاء:
_هل انتهيتي عزيزتي!
التفوا جميعاً تجاه مصدر الصوت، فوجدوا "عاصي سويلم" يقف من أمامهما بثباتٍ مخيف، ففور أن رآه قاسم حتى أخفض يديه عنها بخوفٍ، وبات يبتلع ريقه الجاف بصعوبةٍ بالغة، أما لوجين فتطلعت له بفرحةٍ وكأن أمنيتها الثمينة تحققت بوجوده، نعم كانت مرتبكة، حائرة، ولكنها بالتأكيد سعيدة لوجوده، اقترب عاصي منهما ومازالت يديه موضوعة في جيب بنطاله فمنح طالة أكثر ثقة وصرامة، ليقف جوارها ثم قال ونظراته تتوزع بينهما جميعاً:
_أخبرتك بأن تنتظري عودتي حتى أخبرهما بنفسي..
ضيقت عينيها بعدم فهم مما يقصده بحديثه، فتساءل أبيها باستغرابٍ:
_عن أي شيء تتحدث سيد "عاصي"..
أجابه بكل ثقة وعينيه تتركز بنظراتها على الأرعن المصون:
_سنتزوج أنا وابنتك الأسبوع القادم لذا شرفنا أنت وعائلتك بالحضور..
ثم لف يديه حولها وهو يغمز بها بابتسامةٍ مهلكة:
_فلنرحل الآن... سيأتوا للحفل بالتأكيد..
انطلق صوته الغاضب كالشرارة القاتلة حينما قال:
_عن أي زفاف تتحدث!... لوجين لن تتزوج الا بي أنا..
تركها"عاصي" ثم ذهب ليقف من أمامه، ليجيبه بابتسامةٍ هادئة تخفي من خلفها شر وانذار عظيم:
_ستتزوج من "عاصي سويلم" وأنت تعرف هذا الرجل جيداً، من يقف أمامه يدعس جثمانه كالجرذان...
ثم انحنى على أذنيه ليهمس بصوتٍ منخفض:
_أظنك تخشى الجرذ أليس كذلك؟
انقلبت تعابير وجهه لخوف شديد، فتابع بقوله:
_لا تختبر قوة تحملي كثيراً، فربما تلك الكسور والكدمات التي تملأ وجهك تلقنك درساً بعدم التعرض لها مجدداً والا حينها لن يكون هناك مجال لتذكارٍ أخر، فمن الذي سيحمل تذكار ثمين على قلبه القبو!
ورفع يديه ليشير بحركاتٍ دائرية:
_أعد حساباتك مجدداً قبل أن يدعسك قطار الموت..
وتركه وخطى للخارج بكل غرور، ليدنو منها فلف يديه حول معصمها وارغمها على الخروج خلفه، فما أن ابتعدوا سوياً عن المنزل حتى جذبت يدها منه وهي تتساءل ببكاءٍ:
_لماذا فعلت ذلك؟ أنت لست مجبراً!
ابتسم عاصي ثم ضرب كف بكف وهو يردد بحيرةٍ:
_لا أصدق، أنقذتك من ذلك الأرعن منذ قليل ولم يعجبك ذلك!
أطبقت على شفتيها بقوةٍ وهي تتحكم في دموعها، ثم قالت بصوتٍ مختنق:
_الى متى ستظل تنقذني منه!
منحها نظرة عميقة قبل ان يقترب منها، ليخبرها بصوته الرخيم:
_إلى أن تزهق روحي فحينها سيكف عن ملاحقتك..
ثم تابع بقوله المعسول:
_وربما حينها سيخشى أن يلاحقه شبحي فسيتركك لا محالة..
انغمست بكلماته التي اينعت رغبات حبها تجاهه، فرفعت حاجبها وهي تتساءل بدهشةٍ:
_ماذا حدث لك؟
تعلقت عينيه بعينيها وهو يجيبها ببطءٍ:
_أحببت الحياة التي عكستها عينيكِ... والآن أرغب برؤية المزيد...
ثم جذبها اليه ليردد بهمسٍ ساحر:
_فلنتزوج "لوجين"..
ابتسمت ساخرةٍ:
_لا أصدق أن من يقف أمامي هو السيد" عاصي سويلم" الكئيب، علني أحلم حلماً سخيف وربما سأستيقظ منه قريباً..
هز رأسه نافياً وهو يخبرها بمكرٍ:
_لن أدعك تستيقظي منه إذاً...
*******
الأربعيني الأعزب...نوفيلا...آية محمد رفعت الفصل الرابع عشر 14 - بقلم آية محمد رفعت
الخاتمة...
اليوم بالنسبة إليها ليس عادياً، فاليوم الذي كانت تخشى قدومه هي الآن تنتظره بفارغ الصبر، اليوم لن تجبر على الزواج من البغيض الذي لطالما كرهته، بل ستتزوج من الرجل الذي حمل معظم موصفات فتى أحلامها، حتى وإن كان أربعيني العمر ولكنه مازال جذباً بحفاظه على جسده وعنايته بذاته، وما يحليه صفاته ورجولته، شهامته التي أعجبت بها منذ اللحظة الأولى، تلك الفتاة المشاكسة التي وجدها تختبئ أسفل طاولته ستصبح الآن زوجة له، في حضور الجميع وعلى رأسهم "قاسم" الأرعن وعائلته، بل والمضحك في الأمر بأن عاصي اختاره ليشهد على عقد الزفاف بنفسه.
إنتهت "لوجين" من وضع لمساتها الاخيرة من المكيب، الذي صممت وضعه لنفسها ومن ثم وضعت التاج على رأسها ليمنحها مظهراً أنيقاً، فاستدارت تجاه "إيمان" التي تحمل الصغير، فما أن رأتها حتى رددت باعجابٍ شديد:
_حفظك الله من الأعين..
واحتضنتها بفرحةٍ:
_أنتي عوض الله لأخي بعد صبر سنوات "لوجين".. أريدك أن تمنحيه السعادة ولا شيئاً سواه..
ابتسمت وهي تمازحها:
_سأمنحه أشياء لا تعد أولهما الضغط والسكر وأخرهما "هند"..
تعجبت للغاية، فقالت:
_هند!
أومأت برأسها وهي توضح لها:
_أجل.. سأنجب له فتاة وسأسميها هند حتى لا ينسى حبيبته وزوجته السابقة..
انكمشت تعابيرها في ذهولٍ، ثم قالت:
_ألن يزعجك ذلك..
واستطردت موضحة:
_أعني مجرد تفكيره باخرى ألن يزعجك!
ابتسمت وهي ترد عليها بحكمةٍ:
_وما الذي سيزعجني، تفكيره بما مضى من حياته وبات مجرد ماضي!...أنا الآن حاضره ومستقبله..
ضحكت إيمان حتى برزت أسنانها البيضاء، فشددت من ضمها اليها ثم قالت:
_عرف عاصي كيف يختار من تناسبه.
ثم أشارت لها بغمزة من عينيها:
_دعينا نخطف قلبه اذاً بطلتك الساحرة تلك..
راق لها تعبيرها فتمسكت بيدها وهي تشير لها:
_هيا... لننطلق..
وبالفعل هبطت معها للاسفل، ليمر اطراف الفستان الطويل على زهرات الياسمين الملقاة أرضاً، ومن حولها عدد من الاطفال يحمل كلاً منهما شموع مزينة بالدنتيل الابيض، لينتهي الدرج الخارجي للقصر بمنتصف حفل الزفاف، لتجده يقف نهاية الخط المفروش بالورود، ينتظرها بلهفة وشوق يسبقه برسائل من غرامٍ، تاه به وتاهت به، فكان يبدو وسيماً للغاية ببذلته السوداء الانيقة، هيبته تلك تمنحه وقار واحترام يجبر الجميع على احترامها، انتهى طريقها المحفور بالورد حينما اصبحت امامه، فسلمته يدها وكأنها تستئمنه على روحها، لتستكمل معه طريقها حتى وصل للمأذون الذي عقد قرانهما في حضور اهم رجال الاعمال، وعدد مهول من الصحافة والتليفزيون، وبعدها انضمت معه على المنصة، فتمايلت معه على ايقاع الموسيقى الهادئ، ليقطع عاصي الصمت الذي طال بينهما:
_أتساءل أين تلك المشاكسة التي إعتادت عليها... أراها متختبئة خلف تلك الانوثة المهلكة!
ابتسمت لوجين وهي تهمس له بخبثٍ:
_وأنا أيضاً اتساءل أين ذلك الاربعيني الكئيب، أراه يختبئ خلف شاباً في العشرون من عمره ويخشى عين الحسود بينما هي تلاحقه..
تعالت ضحكاته فزادت من وسامته، فحملها بين ذراعيه ثم طاف بها وسط صفقات من الجميع وتشجيع عمر له بمزحٍ:
_أحسنت..
تعالت ضحكات ايمان على صفير عمر المزعج، أما "لوجين" فهمست باذنيه على استحياءٍ:
_أحبك "عاصي"..
توقف عن الدوران بها ثم تطلع بعينيها قبل أن يضع قبلة عميقة على جبينها وهو يهمس لها بنفس رقة صوتها:
_وأنا أعدك أن لا أفعل شيئاً سوى أن أعشقك لباقي حياتي......
............. تمت بحمد الله..........
١٥/٦/٢٠٢٢......
#الأربعيني_الأعزب..
#بقلمي_ملكة_الإبداع..
#آية_محمد_رفعت...
****________******