تحميل رواية «الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجزء الأول ... الدهاشنة الجزء الثاني ... صراع السلطة و الكبرياء الجزء الثالث ... وخفق القلب عشقاً
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الحادي عشر 11 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3...(#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_الحادي_والأربعون.
إهداء الفصل لصديقتي الجميلة /صافي السعيد زهران، التي أسرتني بقلبها الطيب وروحها المرحة، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا روحي...قراءة ممتعة 💙)
سماعها لصوته المتقطع جعل آذنيها في حالة من عدم الإستيعاب، لذا رفعت رأسها ببطءٍ تجاهه، لتتأكد من أنها ليست تتوهم، فشق حزن وجهها إبتسامة أشرقت حياتها التي أظلمت، لترفع أصابع يدها على وجهه وهي تردد بعدم تصديق:
_آسر!
جاهد لرفع جفن عينيه مجددًا، ليرى حالتها المذرية التي مزقت أعماق قلبه، فهمس بوهنٍ:
_روحي.. وقلبي.. وحياتي...
وضغط على شفتيه ليهاجم ذاك الألم القاتل، ثم قال بصعوبة:
_قولتلك مش بحب أشوفك ضعيفة كده، ليه مصرة تكسري كلامي..
ابتسمت بفرحةٍ، وهي تضع رأسها على كتفيه وتضمه إليها، فتأوه ألمًا من شدة تعلقها به، ابتعدت "تسنيم" عنه ثم قالت بأسف:
_مقصدتش والله..
ابتسم وهو يعلق ساخرًا:
_قولتلك مشاعرك وحبك وكل حاجة خاصة بيكي بتيجي في الأوقات الغلط مصدقتنيش..
ضحكت بصوتٍ طرب روحه، ثم تركته وهرولت راكضة للخارج وهي تنادي بصوتٍ مرتفع:
_عمي... يا عمـي..
تعلقت "رواية" بفهد في تلك اللحظة، خوفًا مما ستستمع إليه، بينما راقب الجميع ما ستقول بقلقٍ، فنهض فهد ليتساءل:
_في أيه يا بنتي؟
قالت والفرحة تعاكس دموعها التي تهابط كالشلال:
_"آسر"فاق.
أغلق عينيه وقد عاد تتفسه بانتظامٍ، ولسانه يردد بتثاقل:
_الحمد لله.. الف حمد وشكر ليك يا ررب..
ثم انحنى لرواية التي تتشبث به، فرفع رأسها تجاهه ثم قال بحنان:
_ابننا فاق يا حبيبتي، متخافيش آسر كويس وبخير..
كسرت قاعة الصمت التي تسكنها منذ ما حدث، فرددت بصوتٍ شاحب:
_ابني..
هز فهد رأسه بحزنٍ، ثم عاونها على النهوض ليدخل بها للغرفة، فدنت "رواية" منه، منحته نظرة سكن بها الألم ثم تمسكت بيديه وهي تقبلها وتردد بانهيارٍ:
_قلبي كان هيقف من الخوف عليك يا حبيبي، الحمد لله انا ربنا حياني من جديد..
جاهد آسر ليقترب منها بجسده، ولكن الأجهزة والألم أحكم عليه، فرفع يديها المتمسكة بيديه إليه، ليقبلهما وهو يردد بحزنٍ:
_أنتي ليه عاملة في نفسك كده أنا كويس.
عادت للبكاء مجددًا، فطوفتها تسنيم بذراعيها ثم أجبرتها على الوقوف معها لتتجه بها للحمام القريب منهما حتى تعاونها على الاغتسال، وفي ذلك الوقت دنا "فهد" منه ليجلس محلها على المقعد القريب منه، ثم منحه نظرة حزينة قبل أن يعاتبه:
_كده يا آسر تخضني عليك، ليه تعمل كده انت شايف حياته أغلى عندي من ابني الوحيد!
رد عليه وهو يجاهد الا يفقد وعيه:
_اللي مهران كان عايز يعمله أكبر من كده بكتير يا بابا، لو أيان جراله حاجة اللي هيدفع التمن هما احفادك واحفاد الدهاشنة كلها.. هتبقى عاملة زي سلسال الدم مالوش نهاية.
مسح "فهد" تلك الدمعة الخائنة، ثم مرر يديه على كتفيه العاري وهو يردد بإعجابٍ:
_طول عمرك بتفكر في غيرك أكتر من نفسك يا ابني، بس أنا مش هتحمل أشوفك بالحالة دي، خف بسرعة واقف على رجليك..
قال بتعبٍ وهو يجاهد للمزح:
_ حاضر اديني سبع تمن أيام كده وهتلاقيني بجري زي الحصان.
وضحك وهو يستطرد بألم:
_بسرعة أيه يا حاج شايفني مولود بقدرات خارقة اللحم هيلم بسرعة ده رصاص يابا مش لعب عيال هو..
ضحك "فهد" بصوته كله، ثم قال بصعوبة بالحديث:
_خد وقتك المهم تقوم.
ابتسم الأخير ثم استسلم لتأثير المخدر، فغفى بنومٍ عميق...
*********
بالخارج..
انتظر حتى أن خرج "فهد" من الداخل، فدنا منه "أيان" ثم سأله بلهفة وتردد:
_طمني يا فهد، فاق؟
رفع فهد رأسه تجاهه ليحدجه بنظرة غامضة، أنهاها حينما قال؛
_يهمك أمره ولا صعب عليك اللي اتسببت فيه لأولادي.
تهدلت معالمه بحزنٍ، فجلس لجواره ثم ردد بانكسارٍ:
_صدقني أنا لحد اللحظة دي مصدوم ومش قادر استوعب حاجة من اللي بتحصل دي، وأكتر حاجة وجعاني هي ظلمي ليك ولعيلتك كلها،يكفي الوجع اللي جوايا وبيموتني بالبطيء..
ثم تطلع له بنظرة متفحصة قبل أن يردد بحيرةٍ:
_أنا من كتر اللي عملته يا فهد مش قادر اعتذر ولا أطلب السماح عن اللي عملته!
ابتسامة شبه ساخرة ارتسمت على وجهه، قبل أن يجيبه:
_مفيش سماح هيغفر اللي عملته معانا وسط الخلق..
ارتخت رأسه في حزنٍ شديد، فمنحه فهد نظرة غامضة انتهت حينما قال بمكر:
_لو عايز تكفر عن جزء بسيط من أفعالك يبقى تطلق بتي وتسبها في حالها..
رفع عينيه في مجابهة نظراته بصدمةٍ سكنت بداخلها، ليردد بصدمة:
_أطلقها!
هز الأخير رأسه، فردد "أيان" بارتباكٍ:
_مستحيل هعملها، أنت عايز تأخد مني الحاجة الوحيدة اللي ممكن أكون لسه متمسك بالحياة عشانها..
منحه نظرة مستنكرة، فاستطرد بقهر:
_عارف ان مفيش تصرف ليا معاها يثبت حبي ده، ويمكن ده اللي يكون كسرني أوي، أنا مسبتلهاش غير الوجع والذل وعارف انها مستحيل هتنسى كل اللي عملته فيها بس على الأقل هحاول وأنا جنبها.
تعمق الاخير بالتطلع تجاهه، ثم قال بغموض:
_وتفتكر اني هسامحلك تقرب من بنتي بعد كل اللي عملته!
رفع عينيه البائسة تجاهه، ثم قال بوجعٍ:
_عارف، بس برضه هحاول لحد ما أخليها ترجع تحبني من تاني..
ضحك فهد باستهزاءٍ على مجرى حديثهما الغريب، من يصدق أن من يتبادل الحديث الصارم معه هو شاب في عمر ابنه تقريبًا، وبالرغم من شدة العداوة بينهما الا أنه مازال يحتمل مناقشته وسماعه!
أنفض ذلك الفكر عنه ثم قال:
_أنا ممكن أسمحلك انك تتقرب من بنتي بس بشرط واحد..
اعتدل الاخير بجلسته وهو يسأله باهتمامٍ:
_أيه هو!
قال بعد صمت لجئ اليه ليستميل لهفته لسماع ما سيقول:
_إنك تردلها اعتبارها قدام كل الناس لما تعمل اللي هقولهولك..
قاطعه من قبل أن يستكمل:
_وأنا جاهز لأي حاجة..
*******
أشرقت شمس اليوم التالي، فاستعاد "آسر" جزء من نشاطه ليفق من المخدر بشكل كلي، فبات الأمر يزعجه حينما تغلب عليه الألم بشكلٍ حاد، فبات يشعر بكل ما يهاجم جسده، التفتت برأسه للنحية الأخرى، فابتسم حينما وجد "يحيى" و"أحمد"يغفو على الفراش المجاور له بعدما نقل من العناية لغرفة عادية، وانتقلت نظراته للاريكة القريبة منه ليجد "عبد الرحمن" يتمدد عليها، ولجواره غفى "بدر" على المقعد القريب منه، أطبق على شفتيه بألمٍ وهو يحاول أن يناديه بصوته الخافت:
_بدر... بدر..
فتح عينيه بلهفة فور سماع صوته فدنى منه وهو يردد بفرحةٍ:
_آسر، حمدلله على سلامتك..
منحه ابتسامة هادئة، ثم أشار له بتعبٍ على مرحاض الغرفة ففهم ما يود قوله، لذا رفع الغطاء عنه ثم سأله بخوف:
_هتقدر تقوم..
مد له يديه وهو يعافر ذاك الألم القاتل:
_ساعدني بس.
أطبق على يديه ليجذبه عن الفراش، فتأوه "آسر" بصوتٍ مسموع، فكاد بالتنحي جانبًا ليستند على الحائط ولكن يد "أحمد" كانت الأسرع اليه، فقال بلهفة:
_عايز تروح فين يا آسر وأنت تعبان كده..
أجابه ووجهه يتعرف:
_عايز أغسل وشي وأغير هدومي دي..
ربت بحنان على يديه ثم قال:
_طب اسند علينا واحنا هندخلك..
خطى خطوة واحدة ثم وقف يلتقط أنفاسه وهو يردد بابتسامة جذابة:
_هلاقي مين غيركم أسند عليه!
ابتسم بدر وهو يردد ساخرا:
_واحنا هنلاقي حد زيك فين ياخد الرصاص مكانا!
تعالت ضحكات أحمد، فصرخ آسر بألم وهو يحاول أن يتماسك، فلكزه بغضب:
_ممنوع الضحك او الاحضان والذي منه أنا لسه بعمل اعادة تأهيل.
ضحك وهو يشير له بتفهم:
_طب خش خش وبعدين نشوف موضوع الاحضان ده..
وبالفعل ولج للداخل بصحبتهم، فعاونه على الاغتسال وتبديل ملابسه، ثم عادوا به للفراش.
ففتح عبد الرحمن عينيه بانزعاج حينما شعر بحركة لجواره، وجحظت عينيه في صدمة، ليسرع للفراش وهو يحتضنه بفرحة:
_آسر أنت فوقت، أنا كنت هتجنن من الخوف عليك يا جدع..
صرخ آسر بوجع من فرط قوة جسده الذكورية :
_آآه، الله يخربيتك أبعد هتخلص عليا مش كفايا الهم اللي أنا فيه!
ابتعد عنه ثم قال بأسف وسط ضحكات الشباب:
_مخدتش بالي يا جدع الله..
فتح يحيى عينيه بنومٍ، فابتسم حينما وجد آسر استعاد وعيه، فقال بفرحة:
_حمدلله على السلامة يا بطل..
اتجهت نظراته اليه ليجده يقترب من الفراش، فانفجر يخبرهما بتعصب شديد:
_بقولك أيه أنت وهو، أنا مش عايز حد يخونه تعبيره ويحضني أنا شخص حاليًا لا أصلح لمثل تلك المشاعر، أنا بحاجة لاعادة تأهيل الأول، فكل واحد يلم نفسه بذات نفسه كده لحد ما ربنا يكرمني وأستعيد صحتي، عشان نبقى واضحين مع بعض!
ضحكوا جميعًا، فقال بدر ساخرًا:
_مع ان دي فرصة بالنسبالنا كلنا بس تمام ميهمكش مفيش حد هيقربلك يا حبيبتي، مش كده ولا أيه يا جدعان..
استقر ذراع آسر ببطنه، فصاح الاخير بألمٍ، ليضيف أحمد باستنكارٍ وهو يتصنع الجدية:
_والتعليمات دي برضه تمشي على تسنيم ولا أيه الوضع؟
احتدت نظراته تجاهه، فانتصب أحمد بوقفته ثم عدل من قميصه وهو يردد بخوفٍ مصطنع:
_طب أنا بالسلامة بقى، هرجع البيت أغير هدومي وأرجعلك لما أفوق كده.
أتاه رده الصارم:
_يفضل انك مترجعش أحسن، خليك جنب عروستك..
ابتسم وهو يجيبه بسخرية:
_وده يصح برضه، أنت الاساس يابو عمي..
احتضن آسر مقدمة رأسه وهو يردد بألمٍ:
_مالقوش غير دول اللي يقعدوا معايا، ده لو كانوا عايزين يقتلوني بسرعة البرق مكنوش عملوا كده، أنا وانتوا الكميا بينا منعدمة، أنا بقول تنادي للكبير وهو اللي يقعد بيا اهون ليا من العذاب ده..
ربت يحيى على كتفيه وهو يخبره بابتسامة مكبوتة:
_متتعصبش العصبية غلط عشانك، استرخي وخليك هادي.
حدجه بنظرةٍ قاتلة، فنهض الاخير ليقف جوار الشباب وهو يكبت ضحكاته جراء ما يحدث بينهما باليوم الأول!
********
تناوب الشباب على البقاء معه في المساء وبالرغم من رغبة "تسنيم" و"رواية"بالبقاء معه الا أن "فهد" رفض ذلك بشدة، فكانت تأتي كلاً منهن بالصباح وتغادر بالمساء فور وصول الشباب، ظل الحال هكذا حتى مر اسبوعين استعاد بهما "آسر" صحته كليًا، حتى أن الطبيب صرح له بالخروج بالمساء، فكانت فرحة "تسنيم" لا تضاهي، فنقلتها له بحديثها حينما قالت:
_أخيرًا هترجع تنور بيتك يا حبيبي..
منحها نظرة مشاغبة، أثارت خجلها، ثم قال بأنفاسٍ صوتها يخترق مسمعها:
_أنا حاسس إني جعت..
ابتسمت وهي تدنو من الكومود لتجذب الصينية الموضوعة على سطحه، ثم دثت الملعقة بالشوربة التي أعدتها خصيصًا له، فقربتها منه قائلة بفرحة:
_ألف هنا يا حبيبي..
ابتسم ساخرًا لتحليلها الحديث بمفهومها الخاص، فأبعد الملعقة عن فمه ثم جذبها إليه بحركةٍ سريعة، ليقترب منها والاخيرة تتطلع له بعينين مندهشة من جراءته بالتقرب منها بمكانٍ كذلك، وما زاد خجلها أضعاف حينما استمعت للصوت الحاد القادم من خلفهما:
_أنت بتهبب أيه، أنت ناسي أننا في مستشفى!
اتجهت نظراتهما معًا لباب الغرفة، فوجد "فهد" يحدجه بغضبٍ، ابعدته "تسنيم" عنها ثم نهضت من جواره لتردد وجسدها يرتجف من فرط الاحراج:
_والله ما أنا يا عمي، ابنك اللي مش محترم..
ضحك وهو يجيبها:
_في دي معاكي حق..
لوى آسر شفتيه في سخط:
_وأنتي بتقدمي مبررات ليه، اتقفشنا في شقة مفروشة مش واحد ومراته!
لم تحتمل البقاء كثيرًا، فهرولت للخارج سريعًا، غاتبعتها نظرات فهد ثم عادت لتستقر على ابنه ليصيح بحدةٍ:
_الله يحرقك كسفت البنت أكتر مهي مكسوفة..
ثم اقترب منه ليجذب المقعد القريب من الفراش، وما أن استقر عليه حتى قال بصرامة:
_طب كويس إن أنا اللي دخلت مش حد من ولاد عمك، ساعتها كانت هتبقى محروجة أكتر من كده..
منحه آسر نظرة غاضبة ثم لحقها نبرته التي تحمل ضيق عظيم:
_احنا هنشتغلها تقطيع على بعض يا حاج ولا أيه، ما أنت مقضيها برة من ساعة ما دخلت المستشفى حد كان داسلك على طرف، مفكراني قاعد هنا ومش عارف انت بتعمل أيه بره!
احتدت نظراته الصارمة تجاهه، ليردد بغضب مصطنع:
_ولد احترم نفسك، إحنا في أيه وأنت في أيه!
لوى فمه وهو يهمس بسخطٍ:
_ما تقولوا لنفسكم، هي جت عليا يعني!، يعني الواحد يقدر ابنك لسه عريس ودخل حبس انفرادي بدري هتبقى أنت والزمن عليه!
ضحك فهد بصوتٍ مسموع، ليمازحه قائلًا:
_انادهالك تاني ولا أقالبلك المستشفى فندق 5نجوم ولا أعمل أيه بالظبط؟
منحه نظرة ضيق، ثم تمتم بانزعاجٍ:
_لا الحالة مش صعبة للدرجادي، وكويس ان المدة خلصت وفي خروج خليها تطري شوية بدل الجو الكئيب ده..
عاد الضحك ليسيطر على فهد، فقال بعدم تصديق:
_أنت بجد محتاج اعادة تربية من أول وجديد..
أغلق عينيه بألمٍ، ثم ردد بوجعٍ مصطنع:
_آه مش عارف مالي بقالي كام يوم كده بيجيني نغزة غريبة..
نهض فهد عن مقعده ثم منحه نظرة جعلته يستقام بجلسته بهدوء، فغادر الاخير وهو يكبت ضحكاته بصعوبةٍ..
******
طوال تلك المدة كانت تقضي أغلب يومها بالحديقة، وتستجيب لمساعدة "حور" و"ماسة"في محاولتهما لجعلها تخطو على قدميها، بعدما باتت تشعر بتحسنٍ، واليوم استغلت بقائها بمفردها لانشغال الجميع بالترتيبات اللازمة لاستقبال أخيها بعد غيابه، لذا تحملت "روجينا" على نفسها لتمارس التدريبات الخاصة بها بمفردها، وما أن انتهت حتى تحملت على جزع الشجرة لتخطو بمفردها دون مساعدة من أحدًا، فشعرت بالإرهاق حينما بعدما خطت مسافة قصيرة للغاية، فتطلعت للمقعد القريب منها، ثم عادت بخطاها حتى تستريح عليه قليلًا، ولكن اهلك ذلك طاقتها، فتخبطت بخطاها لتتعركل قدميها ثم كادت بالسقوط، ولكن ساندتها يدًا قوية، حالت بينها وبين السقوط، ابتسمت وهي تظن بأن من يقدم لها المساعدة أحد ابناء عمها، لذا رفعت وجهها تجاهه وهي تستعد لشكره، ولكن سرعان ما تلاشت الكلمات على شفتيها حينما تقابلت عينيها به، لا تعلم لما خفق قلبها باضطرابٍ، شوقًا له أم يتألم قلبها بقربه منها، حاولت روجينا أن تبعده عنها ولكنه كان متشبث به بقوة حتى لا يؤذيها سقوطها، فقالت بكرهٍ شديد:
_أنت لسه عايز مني أيه!! ، سبني بقى في حالي أنا معتش طايقة أشوفك حس بقى يا بني آدم!
ابتلع تلك الاهانات التي استهدفته بنجاحٍ، ثم حملها بين ذراعيه، ودنى ليضعها على مقعدها، فابعدت يدها عنه بتعصبٍ، انحنى "أيان" ليجلس مقابلها على العشب، وحينما وجدها تبعد نظراتها عنه، رفع وجهها بيديه ليجبرها على التطلع لعينيه ثم قال:
_مش بمزاجك يا روجينا، هتنجبري تشوفيني في الوقت اللي أنا عايز أشوفك فيه.
أبعدت يديه عنها وهي تصرخ به بانهيارٍ:
_مش بالعافية سامع... انا مش طايقة اشوووفك ارحمني بقى..
ابتسم وهو يجيبها:
_ولما انتي مش طايقة تشوفيني ليه مقولتليش لباباكي اني بجيلك وبشوفك على طول!
لعقت شفتيها بتوترٍ وهي تجابه تلك الدمعات الحارقة التي سيطرت عليها، فرفع "أيان" يديه ليحتضن بها يدها ثم قال بحزن:
_قولتلك عاقبيني على كل اللي عملته معاكي، بس العقاب الوحيد اللي مش هسمحلك بيه هو بعدك عني..
رفعت عينيها الباكية تجاهه، ثم ابتسمت وهي تخبره بسخرية:
_أنت عارف أنا بعيش أيه كل يوم!
احتضن بيده الاخرى وجهها وهو يهمس:
_عارف وحاسس بيكِ..
ابعدت وجهها عن يديه ثم صرخت به بتعصب شديد:
_لا مش عارف، أنا بستحقر نفسي كل يوم بسببك، بلوم قلبي انه لسه بيحب انسان مقدمليش غير الذل والاهانة، أنا بلوم نفسي بالرخص اللي مخليني لسه قادرة أحب شخص كسرني بكل السبل ومسبليش أي ذكرى حلوة ممكن أفتكره بيها!
ضعفت دمعاته أمامها فهبطت بتأثرٍ لما سمعه، والمؤلم بأنها تمتلك كل الحق لما قالته، أبعد أيان وجهه عنها ثم التقط نفسًا مطولًا يستمد به طاقته، وعاد ليتطلع اليها مجددًا ثم قال:
_طب اديني فرصة أعوضك فيها عن كل اللي فات، أنا عارف اني غلطت في حقك وفي حق فهد وأخوكي، بس صدقيني أنا كنت مخدوع، منكرش اني كنت حاسس بالذنب طول الوقت من نحيتك بس لما الحقيقة بانت الاحساس ده بقى مش ليكي لوحدك، ليكي ولعيلتك كلها.
ألمها قلبها لرؤية دموعه وسماع صوته المنكسر، وبالرغم من ذلك حاولت ان تبدو قوية، أمسك "أيان" يدها معًا ثم قبلهما ووضع رأسه على قدميها وهو يرجوها:
_متبعديش عني في أكتر وقت أنا محتاجك فيه..
رفعت يدها ثم قربتها من رأسه بترددٍ، فكادت بأن تحتضن رأسه ولكنها تراجعت وأبعدتها عنه، ثم قالت بصوت باكي:
_من فضلك أمشي من هنا، وكفايا أوي لحد كده..
رفع عينيه تجاهها، ليعاتبها بنظراته، فازداد ألمه حينما وجد الكره والحقد تملأ عينيه، حانت منه نظرة متفحصة للحديقة، وحينما لم يجد أحدًا لجواره انحنى ليحملها بين يديه، فرددت بصدمة:
_أنت مجنون سبني واخدني فين..
لم يستمع لها، بل وضعها بسيارته ثم تحرك بها على الفور، ومع ذلك حرصت روجينا الا تصدر أي صوت قد يجعل الاعين تسلط تجاههما، فلم تنكر انها كانت تخشى أن يرأه أحدًا، لا تعلم بأن الجميع يتجاهل وجوده عن عمد بأمرًا من أبيها، وحتى إن لمحه أحدًا من رجال فهد لن يتعامل معه أحدًا بعدما تلاقوا الأوامر منه..
استغرق طريقهما ربع ساعة تقريبًا، فتوقف بها "أيان" أمام أحد الفنادق ثم صعد بها لغرفته التي يقطن بها بعيدًا عن المنزل تلك الفترة، ووضعها على الفراش، صاحت بخوفٍ حينما وجدت ذاتها على السرير:
_أنت جايبني هنا ليه، عايز مني أيـــه!
لم يجيبها بل خلع جاكيته ودنى منها في محاولة منه للحديث، ليجدها تتراجع للخلف بخوفٍ وهي تصرخ به:
_لا إبعد عني، أنا بكرهك حرام عليك بقى أنت أيه شيطان!
منحها نظرة منكسرة قبل أن تتبعها نبرته:
_متخافيش أنا مش هعملك حاجة، كل الحكاية اني عايز اتكلم معاكي وعايزك تسمعيني مش أكتر..
ثم نهض عن الفراش واختار الجلوس على أريكة بعيدة عنه، ليضم بيديه رأسه وهو يحارب ذلك الألم الشرس، اعتدلت "روجينا" بجلستها، ثم راقبته بقسوةٍ تحاول اللجوء إليها، جذب أيان سيجاره الخاص ثم أخذ ينفث بها غضبه، فتلك الفترة دمرته نفسيًا، فبات جسده هزيل للغاية بعدما امتنع عن الطعام وأصبح يدخن بشراهةٍ، عل ما بداخله يسكنه ما يفعله، للحظة عز عليه حاله، فاخذ يحارب سيل الدمعات التي تقبض على روحه، وكلما سقطت أحدى الدمعات كان يزيحها سريعًا قبل أن تراها من تجلس خلفه،مرت أكثر من ساعتين ومازال يجلس محله ينفث سجائره بافراطٍ، فبكت "روجبنا" وهي تراقبه بتوترٍ ازداد حينما نهض عن مقعده ودنا منها، وضع "أيان" علبة السجائر على الكومود ثم منحها نظرة مطولة قبل أن يقول بابتسامة ختمت بالوجع:
_خلاص يا روجينا أنا مش هقبل أخليكي تعيشي الوجع ده تاني، أوعدك اني هخرج من حياتك..
تهاوت دمعة من عينيه، فازاحها وهو يرسم ابتسامة:
_يمكن ده العقاب المناسب ليا بعد كل اللي عملته، اني ابعد..
ثم رفع يديه على وجهها وقربها منه ليطبع قبلة مطولة على جبينها ثم استند بجبينه على جبينها وهو يردد بأنفاسٍ لفحت وجهها:
_يمكن ده يكون أخر لقاء بينا، وعايزك تعرفي أني حبيتك حتى ولو كان انانيتي منعتني اني اعبرلك عن حبي كويس.
وابتعد عنها وهو يتطلع لعينيها ويجاهد لخروج تلك الكلمات:
_أنتي.....
ضم شفتيه معًا وهو يضغط باسنانه بقوة عليهما، فحاول التفوه بتلك الكلمة الثقيلة:
_أنتي.... ط....
كبتت بيدها فمه لتوقفه عن تفوه تلك الكلمة وهي تصرخ ببكاءٍ:
_لا..
منحها نظرة حائرة فلم يعد يعلم ما الذي تريده بالتحديد، حتى هي كانت حائرة ولكن ما تعلمه بأن قلبها لن يحتمل سماع تلك الكلمة، فرددت بصوتٍ متقطع مختنق بالدموع:
_لا... أوعى تقولها، أنا عايزاك تكون موجود في حياتي حتى لو أنا مش متقبلة ده..
ترقرقت الدموع بعينيه، ليحطم ذاك الحاجز حينما ضمها بقوة لصدره، فأخرجت ما بداخلها، بكت وبكائها كالسهام التي تسلخ جسده حيًا، فتشبثت به بقوة وهي تهمس بصوتٍ خافت تتمنى بداخلها ان لا يكون مسموع:
_متبعدش عني... أنا لسه بحبك..
أغلق عينيه بقوةٍ وهو يتحمل ملذة تلك الكلمة التب افتقدها، فلم يستطيع محاربة كل تلك العواطف، لذا أبعدها عنه ثم رفع وجهها مقابلته وهو يسألها بهمس متلهف:
_قولتي أيه؟
أخفضت رأسها للاسفل لتبكي بتأثرٍ، فعاد ليرفع وجهها اليه وهو يتساءل مجددًا:
_عيدي اللي قولتيه عشان خاطري..
اطبقت بجفنيها معا وهي تردد ببكاء:
_بحبك..
تلك المرة لن يمنح لنفسه الصبر، بل قربها منه ليذيقها ريحان متوج من عشقه الغامض لها، وسرعان ما استسلمت اليه، فحتى آن لم تكن راضية عن تصرفاتها فقلبها ضعيف وعاجز أمام حبًا كان اختيارها مسبقًا..
********
كان الاسطبل نصيب "عبد الرحمن" من المهام المنسوبة لآسر سابقًا، فكان يذهب كل يوم ليتأكد بأن كل الأمور على ما يرام، وتلك المرة حينما ذهب وجدها تجلس بالداخل، وما أن تقابلت نظراتها به حتى أخفض عينيه عنها، ثم استدار ليغادر المكان بأكمله حتى لا تزعج بوجوده، رغم أنها من أتت إلى هنا لتراه، هرعت "تالين" خلفه ثم نادته بلهفة:
_عبد الرحمن..
توقف عن المضي قدمًا فاتجهت اليه لتجده يوليها ظهره بعد، فقالت بحزنٍ:
_أنا أكيد يعني جاية المكان ده عشان أتكلم معاك!
استدار تجاهها ثم قال بحزن ساخر:
_لسه في حاجة متكلمناش فبها!
اقتربت منه ويدها تفرك بأصابعها بارتباكٍ:
_بقالك فترة بتتهرب مني، وأنا مش عارفة أكلمك..
بدى قاسيًا، وكأنه كان يتمرن على ذاك التعامل الجاف طوال الفترة الماضية، فقال بخشونة:
_ده الطبيعي واللي المفروض يكون بينا بعد كده، يعني زيك زي أي بنت من العيلة مينفعش اتخطى حدودي معاها..
تهاوى الدمع على وجتتها وهي تردد بصدمة:
_انت شايفني كده!
ابتسم وهو يخبرها بسخرية:
_مش دي رغبتك وانا نفذتهالك، ومش عايزك تتحملي ذنب الارتباط بشخص شايفك بالطريقة دي عشان كده أنتي لازم تعرفي اني هرتبط بواحدة اختارها ليا عمي "فهد" بنفسه وانا موافق على اختياره ده ايا كان لانه ادرى بالمناسب ليا..
صعقت مما استمعت اليه، فرددت بصدمة:
_واحدة! .. أنت عايز ترتبط بواحدة غيري يا عبد الرحمن!
بصلابة قال:
_ده المناسب ليا وليكي، لاننا مش هنقدر نفهم بعض.. انتي وأنا بنختلف عن بعض بكل حاجة وده كفيل يدمر أي علاقة لانك لا هتتنزلي وتتطبعي على طباعي ولا أنا هقدر أعمل ده.
شعرت بدوار حاد يهاجمها، فلم تكن تحتمل سماع ما يقوله، لذا رددت بدموع تحاول تخبئتها:
_ربنا يسعدك مع الانسانة اللي اختارتها..
وتركته واتجهت للعودة، ورأسها يدور، رفعت تالين يدها في محاولة للسيطرة على ما يهاجمها ولكنه انتصر عليها بالاخير فاستسلمت له وارطم جسدها بالأرضٍ محدثّا صوتًا ملحوظ، فاستدار عبد الرحمن خلفه ليجدها تتمدد ارضا فاتقبض قلبه وهو يسرع تجاهها ويناديها بخوفٍ:
_تاليـــــــن!
.......... يتبع..........
صباح الخير يا جدعان، عشان تعرفوا اني بحبكم اقتباس من الجارحي وفصل اهو كمان في نفس اليوم، وبصراحة انا متوقعتش كل الحماس ده لاقتباس الجارحي وفي ناس طالبة كمان اقتباس وناس طالبة فصل من الدهاشنة كمان غشان كده انا هعمل معاكم تحدي لطيف كده واللي مش حابة تشارك فيه عادي خالص، الموضوع للحماس، ده لينك بوست على صفحة صديقة ليا، يخص مشروعها الجميل، لو البوست وصل لالف لايك هينزل النهاردة اقتباس للجارحي، لو وصل ل١٥٠٠هينزل فصل للدهاشنة انتوا وشطارتكم بقا 🤭🤭، ها اد التحــــــــــــــــدي؟؟؟؟؟
بحبكم في الله ♥..
#Aya..
******_____________******
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الثاني عشر 12 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3....(#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_الثاني_والأبعين..
إهداء الفصل للقارئة الجميلة/ندى صبري ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
حسبك أيها القلب، أبات قربه منك يضعف قواك، أما أن مشاعرك تتمرد لوعة له، ويحك فما فعله يصعب عليك بالخنوع إليه، من تتلهف لقربه منك هو بذاته من كسرك وحطمك بين يديه، فكن عزيزًا وحارب رغبات عشقك السام، فالقرب منه شبيه بجرعة سم لا علاج لها تلك المرة.
مسحت بأطراف أصابعها دمعاتها البائسة وهي تلتقط ملابسها الملقاة لجوارها، ارتدتها وصوت بكائها المكبوت يعلو رويدًا رويدًا حتى بات مسموعًا لمن يغفو جوارها، فتح "آيان" عينيه بلهفةٍ لمعرفة ما بها، فإتكأ بمعصمه حتى جلس بإستقامةٍ ثم تساءل ويده تقترب من وجهها:
_مالك؟
رفعت عينيها تجاهه لتمنحه نظرة أشعلت نيران قلبه، ومن ثم أخفضتهما قائلة وهي تحاول ارتداء فستانها بيدها المرتعشة:
_أنا عايزة أرجع البيت حالًا لو سمحت..
طعمت ملامحه بالألم، فقد ظن بأن بعدما صارت بأحضانه بدد ذكريات الماضي، ظن بأن هناك أمل لعودة حياة جديدة بينهما، فقربها منه ثم رفع ذقن وجهها ليجبرها على التطلع إليه، ثم قال بحزنٍ:
_بس أنا عايزك جنبي يا "روجينا".
أبعدت يديه عنها ثم قالت بصراخ باكي:
_مش عايزة أكون جنبك، لانك لما بتقربلي بكره نفسي أكتر من الأول، يمكن وجود أي شخص بنحبه جنبنا بيدينا الأمان والسعادة لكن أنت وجودك جنبي بيحسسني بالرخص وبيزيد وجعي..
طعنته كلماتها، فهوت دمعة عزيزة على وجهه، ليخفيها بابتسامته وقوله الساخر:
_عندك حق، أنتي فعلًا صح..
ثم جذب قميصه الأبيض يرتديه بأهمالٍ، ليتجه سريعًا لحمام الغرفة، فما أن أغلقه حتى استند برأسه على جسده وهو يواجه ذلك الألم القاتل، ففتح دوش المياه على أخره، ثم سكن بجسده من أسفله، وعرض" فهد" يدور برأسه، كان متردد ببدأ الأمر من الموافقة، ولكنه مستعد الآن لفعل أي شيء حتى يكتسب قلبها من جديد ولكن تلك المرة لن يدعي بها الحب،بل وهو عاشق لها حد الجنون، وبالرغم من أن ظنونه توجهه للإهانة التي سيتعرض لها على يد الدهاشنة، فمن المؤكد بأن فهد طلب منه ذلك ليلقنه درسًا قاسيًا لن يخلو من اهاناته، هكذا ظن الأمر، لف "آيان" المنشفة حول خصره ثم وقف أمام المرآة يتطلع على ذاته بنظرةٍ كره، كره لحياته بأكملها، فلم يجد شيئًا ينعش ذكرياته من تلك الحياة القاسية، فأطبق على كف يديه بغيظٌ، فحطم مرآة الحمام وما تحمله من متعلقات شخصية، وما أن استمعت "روجينا" لذلك الصوت حتى تملكها الرعب، فصاحت بقلقٍ:
_أيه اللي انكسر ده....
وحينما لم يأتيها رد، نادته بلهفةٍ:
_آيان!
لم يجيبها فبكت بفزعٍ، وأبعدت الغطاء عنها ثم حاولت أن تقف على قدميها، فخطت خطوات بسيطة ثم ارتعشت قدميها فسقطت أرضًا، ومع ذلك لم تستسلم وزحفت حتى وصلت لباب الحمام فطرقت عليه وهي تردد ببكاءٍ:
_آيـــــــان..
انتبه إليها، فلف أحد المناديل الورقية حول جرح يديه ثم فتح الباب ليجدها تجلس أرضًا والبكاء يتبع عينيها، انحنى تجاهها ثم قال:
_أيه اللي قومك من السرير..
منحته نظرة متفحصة ثم قالت:
_أنا سمعت صوت كسر، أنت كويس؟
احتارت عينيه في فهم تلك المرأة، التي باتت إليه لغزًا صعب حله، فحملها بين ذراعيه ثم عاد ليضعها على الفراش مجددًا دون أن ينبس بكلمة واحدة،ونهض عنها وكاد بالإبتعاد ولكنها أمسكت يديه التي تنزف بالدماء ثم قال بدموعٍ:
_أنت عملت أيه؟
ابتسم ساخرًا:
_أنتي أصعب من فهد، مش قادر لا أفهمك ولا أفهمه!
وضعت المنشفة لتكبت الدماء المنسدلة بغزارة من يديه، ثم قالت ببكاء:
_أنت لازم تروح لدكتور إيدك مجروحه جامد..
جذب يديه منها ثم قال:
_لا متقلقيش هبقى كويس..
وتركها ونهض ليلف شاش أبيض حول جرحه وجذب ملابسه من الحقيبة التي أعدهت للتو، ثم عاد ليجذب فستانها وعاونها بارتدائه، قربه منها كان نقيض لما تشعر به، ولكن كان عليها الإبتعاد عن مخضع ألمًا ليست جاهزة للعيش به مجددًا، حملها آيان بين ذراعيه ثم هبط بها للأسفل، فوضعها بالسيارة واتجه للسرايا، فما أن توقفت سيارته حتى حملها ليتجه بها للباب الخلفي، فتوقف عن استكمال خطاه حينما رأى من يقطع طريقه،وصعقت "روجينا" حينما وجدت أبيها يقف مقابلهما..
********
تأمل ملامحها الساكنة أمرًا مدمر لقلبه، وكأن عينيه تتعهد في تلك اللحظة أن تحفظ كل إنشن بوجهها داخل قلبه، حتى وإن كان يعلم بأنه ينبغي غض البصر عنها، ولكنه اشتاق لها ولرؤياها، حتى وإن كانت قريبة منه أغلب الوقت، أفاق "عبد الرحمن" من غفلته تلك حينما وجدها بدأت أخيرًا بإستعادة الوعي، فاحتضنت بيدها جبينها وهي تجاهد دوارها الحاد، فرأته يجلس مقابلها لذا نهضت عن الأريكة وهي تهمس بإرهاقٍ:
_أيه اللي حصل؟
ابتعد عن مجلسها القريب، ثم جلس على المقعد المقابل لها ويده تقرص أرنبة أنفه:
_مفيش، أغمى عليكي وأنا كنت بحاول أفوقك..
لمعت عينيها بالدموعٍ، فنهضت عن الأريكة وهي تبحث عن حذائها لتهرب من ذلك اللقاء الغير محبب، فخشيت بأن يظنها تفعل كل ذلك لتقترب منه أو عله يعود التطلع بالأمر، نهضت ثم كادت بالرحيل ولكنها توقفت حينما قال بخشونةٍ:
_اقعدي، لسه كلامنا منتهاش..
قالت وهي تجاهد لإخفاء بكائها:
_كل شيء انتهى حتى الكلام يا "عبد الرحمن"..
أطبق على شفتيه السفلية بقوةٍ، فسماعه اسمه يزف على ترنيم شفتيها كالبلسم الذي يطيب جرحه الغائر، فنهض عن المقعد ثم وقف مقابلها ساكنًا، يتعمد اللعب على أعصابها، قبل أن يقول:
_مش عايزة تعرفي عمي إختارلي مين؟
ترقرقت عينيها بالدموع، فقالت وهي تهم بالهروب من أمامه:
_لا مش عايزة أعرف..
أمسك يدها فأجبرها على التوقف، ثم اقترب منها ليصبح قريبًا بدرجةٍ خطيرة على قلبها، فقالت بصدمة:
_أنت اتجننت، ابعد!
ابتسم وهو يخبرها:
_اتجننت بفضلك أنتي، ولسه مكمل في الجنان متقلقيش..
ثم رفع يديه ليزيح دمعات وجهها، فهمست بصوتٍ رقيق وهي تحاول الصمود أمامه:
_عبد الرحمن، أنت بتعمل أيه؟
استند بجبهته على جبهتها، ثم قال:
_اتعودي على قربي، عشان خلاص كتب كتابنا الاسبوع الجاي وفرحنا لما باباكي ومامتك ينزلوا مصر..
جحظت عينيها بعدم استيعاب، فابتسم بخبث ثم قال:
_عمي قالي انه مش هيلاقيلي أحسن منك وأنا بصراحة اقتنعت..
منحته نظرة شرسة، قبل أن تطوله لكزتها المؤلمة وهي تصرخ بغضب:
_يعني أنت كنت بتضحك عليا!
ابتعد عنها وهو يحاول حماية وجهه ثم قال بضحكة جذابة:
_أمال انتي اللي مسمحولك بس تلعبي بأعصابي ولا أيه!
كزت على أسنانها بغيظٍ:
_والله ما هسيبك يا عبد الرحمن..
دنا منها وهو يغمز بجراءة:
_وهو ده المطلوب يا روحي، انك متسبنيش خالص..
ابتسمت برقةٍ على كلماته، فشعرت بأنها إذا ظلت لجواره هكذا ستسمح له بما لا يحمد، لذا ودعته وانصرفت على الفور..
********
ابتلعت "روجينا" ريقها بصعوبةٍ بالغة، فجاهدت لخروج كلماتها المتقطعة:
_بابا آآ...
قطع حديثها حينما وضع كف يديه من أمامها، ومازالت نظراته تتقابل مع نظرات "آيان" الذي يتطلع إليه بثباتٍ تام، فرفع "فهد" صوته ينادي:
_صـالح..
أتى يهرول وهو يجيبه:
_أمرني يا كبير..
أشار له على المقعد القريب منهما، فدفع المقعد حتى وضعه مقابل لآيان، فأخفض يديه بها، ليضعها على مقعدها ومن ثم دفعه العم "صالح" للداخل، لتختفي روجينا عن اعينهما وقلبها يخفق قلقًا على ما سيحدث به من أبيها..
بالخارج..
ظلت النظرات الماكرة تتبادل بينهما، إلى أن عبئ "فهد" ذلك السكون حينما دنى بخطاه الواثقة ليقف مقابله، ثم قال بغموضٍ:
_شايفك قريب من بتي وأنت لساك مخدتش قرارك يابن المغازي!
طوفه بنظرة ثابتة قبل أن يجيبه:
_أخدته يا فهد، وشنطي في العربية..
ابتسم بمكرٍ ثم أشار لأحد رجاله قائلًا:
_جهز المندارة الضيف هيقعد فيها..
ثم طرق بعصاه الأرض وغادر من أمامه دون أن يقول أي كلمة أخرى، فأشار له "صالح" قائلًا:
_تعال معايا..
اتبعه "أيان" حتى وصل للمندارة القريبة من السرايا، فصعد معه الطابق العلوي، ووجده يفتح أحد الغرفة ثم جذب المنشفة لينفض التراب عن أحد المقاعد وأشار له قائلًا:
_5دقايق وهتلاقي الاوضة كيف البدر.
هز رأسه بهدوءٍ ثم جذب المقعد وجلس يراقبه وهو ينظف الغرفة بهمة ونشاط، فبدى له بأن هذا الرجل المسن عاش عمرًا بأكمله يخدم "فهد" وعائلته، لذا سأله بمكر:
_بقالك اد ايه شغال هنا!
أجابه الرجل وهو يضع ملاءة جديدة على الفراش:
_بقالي 40سنة، من قبل ما البيه الكبير يموت..
ابتسم ساخرًا وهو يسأله بإستنكارٍ:
_وهو في حد يضحى بكل ده من عمره عشان يخدم حد..
رد عليه "صالح" بابتسامةٍ مشرقة:
_أصلك متعرفش "فهد" بيه وعيلته كويس، وأني هعوز أيه غير الاحترام والعيشة الكريمة اللي بلاقيهم اهنه، وكبيرنا بيحترم الصغير قبل الكبير وكلتنا نفديه بارواحنا مش بعمرنا بس..
انتابه دهشة كبيرة، فلطالما كان حائرًا في سر العلاقة القوية بين "فهد" ورجاله، والآن ازدادت حيرته أضعافًا، انتهى "صالح" من تنظيف الغرفة، ثم قال:
_الاوضة بقت زي الفل اهي، ولو احتاجت أيتها حاجة ناديني بس..
وكاد بالمغادرة ولكنه التف اليه ثم قال بابتسامةٍ صغيرة:
_تعرف يا ولدي، انت من دور عيالي عشان اكده هقولك نصيحة، أوعاك تكون داخل اهنه ولسه في جلبك سواد وكره للكبير، لانك اكده هتبقى بتخسر نفسك، اني عشت عمري كله اهنه وعمري ما شوفت حد بيقلل احترام منيه ولا حد يستجري يناديه باسمه اكده،حتى ولاد عمه "سليم" و"عمر"، وأنت في عمر ولده وبالرغم من اكده سايبك تناديه كيف ما تريد، يمكن اللي بيشفعلك عنده حاجة واحدة بس..
رفع آيان حاجبيه وهو يتساءل باستغراب:
_حاجة أيه؟
رد عليه بنفس البسمة البشوشة:
_انك متعرفوش يا ولدي، أنت عشت عمرك كلته بتتخيل فيه الشر والوحش عشان اكده وجودك اهنه لسبب ميعرفوش غير الكبير نفسه والعلم لله هو رايد منك أيه، جايز يكون بيديك فرصة انك تعرفه زين..
وغادر بعدما زاد من حيرته،فجلس أيان على الفراش وهو ينفث عما بداخله،فتذكر الحديث الذي تم بينه وبين فهد بالمشفى قبل قدومه لهنا..
##
_بعد اللي مهران قاله مبقتش عارف أفكر ولا قادر أستوعب أن كل اللي عملته ده مكنش للي يستحق، أنا حتى عاجز اني اعتذرلك يا فهد..أنت متخيل إزاي كرهي ليك لسه جوايا لحد اللحظة دي حتى بعد ما عرفت الحقيقة!
ابتسم "فهد" ثم قال:
_اللي يتربى على حاجة 27سنة صعب يتقبلها بسهولة يابن المغازي... وأني مش مستني انك تحبني او تحب عيلتي، أني عايزك تنهي اللي بينا بطلاقك لبتي وكل حي يروح لحاله..
اتقبض قلبه لسماع ما قال، لذا صاح بعصبيةٍ بالغة:
_لا يا فهد انا مش هطلق مراتي، انا بحبها وعارف انك مستحيل تصدق الكلام ده بس دي الحقيقة، انا ماليش هدف ولا غاية اعيش عشانها غير هي حتى وانا عارف ان قلبها مبقاش ليا زي زمان بس هحاول اني اخليها ترجع تحبني من تاني..
طرق بعصاه الأرض بغضبٍ اتبع نبرته الصارمة:
_أوعاك تكون فاكر اني مقدرش احمي بنتي واخلصها منيك..
أخفض رأسه للأرض بحزنٍ:
_عارف انك تقدر، بس أنا مش هقبل انك تفرقني عنها ويمكن ده يكون سبب العداوة الجديدة اللي هتجمعنا مرة تانية.
ضحك بصوتٍ مسموع ثم قال ساخرًا:
_بتهددني يابن المغازي!
هز رأسه نافيًا:
_لا.. أنا بحاول اوضحلك الامور حتى لو مكنتش لابق في اختيار كلامي..
منحه فهد نظرة مطولة، زينها الغموض والثبات، انهاها حينما انتصب بوقفته وهو يخبره بكبرياء'
_يبقى تسمعني زين، لو عايز تبقى مع بنتي تنفذ كل اللي هقولهولك، انت غلطت لما كنت بتحاول توطي رأسي قدام الخلق ودلوقت وقت الحساب، وزي ما بتقول انك بتحب بنتي يبقى مترضاش ليها انها تبقى متهانة ومكسورة،الراجل الصوح هو اللي يخلي كرمته وكرامة مرته فوق...ولو عايز ده يحصل يبقى تجيب حاجاتك وتيجي لحد باب بيتي..البيت اللي هنت ناسه هتعيش فيه وسطيهم..
*******
بالمشفى..
حاول أكثر من مرةٍ أن يرتدي الذراع الأخر من القميص، ولكنه لم يستطيع، فضغط بأسنانه على شفتيه ليكبت تلك الشهقة التي يصاحبها ألمًا حاد، وتطلع تجاهها فوجدها تجمع ملابسه ومتعلقاته الخاصة بالحقيبة الصغيرة التي تحملها، لاح على وجهه ابتسامة خبيثة، فخلع ذراعه الاخر من القميص ثم ردد بتعبٍ مصطنع:
_تسنيم..
رفعت عينيها تجاهها فأشار لها على القميص، اقتربت منه على استحياءٍ، ثم جذبت القميص الملقي خلفه، وعاونته على ارتدائه لتغادر من أمامه سريعًا تجاه الحقيبة، فرفع حاجبيه بسخطٍ وهو يشير على الأزرر المفتوحة:
_يعني همشي كده ولا أيه! ، لو معندكيش مشكلة أنا كمان معنديش مانع..
منحته نظرة شرسة، قبل أن تقترب منه، فأغلقت القميص وهي تخبره بضيقٍ:
_وأنت ما بتصدق صراحة..
غادرت ابتسامته عنه فجأة، فأمسك بيدها التي تغلق أخر زر من القميص، ثم تعمد وضعها على جرحه القريب من قلبه، فقشعر جسدها وهي تتخيل آلامه في لحظة لمس يدها لجرحه، فرفعت عينيها تجاه وهي تهمس بخوفٍ:
_آســر..
ابتسم كالمغيب بعينيها، ليخبرها:
_عنيا مش بتشوف غيرك، وكأن مفيش على وجه الأرض ست جميلة غيرك..
ثم رفع يدها إليه ليطبع قبلة رقيقة على أصابعها، ومشاعره تهمس على لسانه الناطق:
_وحشتيني..
أغلقت عينيه بقوةٍ تحتمل تأثير قربه وكلماته الساحرة، فجذبها لتجلس على قدميه ثم احتضنها عله يمنحها آمان قربه منها، فمسد بحنان على ظهرها وهو يقول:
_البعد ده معتش هيطول، وهترجعي نامي في حضني زي زمان..
رفعت وجهها تجاهه ثم قالت بدمعةٍ حزينة:
_البيت من غيرك ممل، حتى الجناح مبقتش بقعد فيه.. حساه زي القبر من غيرك..
طبع قبلة على جبينها ثم قال ببسمةٍ ماكرة:
_هنحيه من تاني مع بعض..
وأبعدها عنه ثم حاول التمسك بحافة الفراش لينهض على قدميه، فتشبثت بيديه لتعاونه على المضي قدمًا، حتى خرج من الغرفة فأسرع تجاهه "بدر" و"أحمد" ليعاونوه، فرفض "آسر" أن يستند عليهما، فود أن يتغلب على ضعفه ذلك بعدما اختار الوقوف على قدميه، لذا خرج وهو ينتصب بمشيته حتى وإن كان بداخله يئن، هبط للأسفل حتى صعد لسيارتهم، وجلست هي من جواره، فتحركت السيارة للسرايا..
********
خرج "آيان" للشرفة، يتأمل السرايا والحدائق بنظرةٍ إعجاب، فاهتدت نظراته على فهد الذي يجلس على الأريكة الموضوعة بمنتصف الحديقة، ولجواره كان يجلس "عمر" و"يحيى "، فهبط ليجد اجابة صريحة لما يجوب برأسه، فما أن دنا منهما حتى انزعج يحيى منه ومع ذلك لزم الصمت احترامًا لقرار عمه، فوفف أيان مقابله ثم قال:
_أديني جيت.زي ما اتفقنا يا فهد، ممكن تفهمني بقى عايزني ليه هنا!
جذب كوب الشاي الساخن ليرتشفه وهو يجيبه بثباتٍ قاتل:
_ولا حاجة، بنتي كانت ضيفة في بيتك كام يوم وإحنا مينفعش منردش واجب الضيافة ده حتى تبقى عيبة في حقنا..
ثم استدار بوجهه تجاه يحيى، فأشار له قائلًا:
_خد ابن المغازي يا يحيى وروحوا نضفوا الاسطبل زمان ولدي على وصول ولو ملقهوش مترتب هيتضايق..
ضيق"يحيى"عينيه بدهشةٍ مما قال،فأشار له"عمر"بأن ينفذ ما قاله دون أي كلمة،فاحتبس غضبه بداخله وهو يشير له بيديه:
_طريق الاسطبل من هنا..
أزاح أيان عينيه عن فهد بصعوبةٍ،فكان يشعر لأول مرة بأنه عاجز...عاجز عن فهم هذا الشخص وما بدور بتفكيره..فان كان يتعمد اهانته لما كان أرسل معه ابن شقيقته معه،فكيف سيعرض أحد أعمدة الدهاشنة للإهانة إذا كان يتعمد اهانته شخصيًا!
اتبع"آيان"،" يحيى" حتى وصل للاسطبل، فوقف المساحة الكبيرة والخيول العربية الاصيلة باعجابٍ شديد، وما أثار إعجابه هذا الفرس المميز الذي يستكين بمكان منفرد عن الجميع، وكأنه يميز نفسه ويعلن سيادته على الجميع، اقترب "آيان" منه وقبل أن تلامسه يديه، حذره "يحيى" قائلًا:
_خد بالك لايدك تنكسر، الخيل ده مش زي اللي هنا ده خاص بآسر وصعب حد يقربله..
قال وهو يدنو به دون مبالاة:
_اسمه أيه؟
أجابه يحيى ساخرًا:
_وهتعمل بإسمه أيه، متقربلوش وخلاص لو مش عايز إنه يأذيك.. والله أعلم المرادي هترموا التهمة على مين فينا..
ابتسم "آيان" ثم دنا من الفرس، فمسد بيديه على عنقه ويحيى يتابعه بدهشةٍ من سكون الفرس أسفل يديه، هل يعقل بأن هذا هو همام الثائر الذي لا يطيق أحدًا على ملامسته سوى فارسه، فلم يشغل باله كثيرًا بما يفعله حتى وإن أثار ذلك فضوله، ثم تركه وحمل الأعشاب ليضعها أمام الفرس، فخلع "أيان" قميصه الأبيض ثم وضعه على المنصة الخشبية، وشرع في تنظيف قدم همام، والغريب على يحيى بأنه كان يفعل مثل ما كان يفعله آسر معه لذا شعر وكأنه هو الذي لجواره..
قضى "أيان" ساعة كاملة بصحبة "يحيى" بالاسطبل، فرغمًا عنهما كانوا يتعاونا في حمل الأثقال، والعمل سويًا طوال تلك المدة، فتأقلم "يحيى" على وجوده بنفس المكان الذي يقف هو به..
*******
وضعت "رواية" و"نادين" الطعام الشهي على السفرة الضخمة استعدادًا لاستقبال "آسر"، حتى الفتيات تعاون على تنظيف السرايا جيدًا، فانطلق صوت بوق السيارة يعلمهم بقدومه..
هبط"آسر" من السيارة، فاستقبلته نسمة هواء باردة أنعشته، فأغلق عينيه بابتسامةٍ صغيرة، ثم اتجه يسارًا بخطاه البطيئة، سأله أحمد باستغرابٍ:
_أنت رايح فين؟
قال وهو يستكمل طريقه:
_هبص على همام قبل ما أطلع..
لحق به "أحمد" بينما حملت "تسنيم" الأغراض وصعدت بها للأعلى، استند "آسر" بيديه على الأخشاب المصفوفة جوار بعضها البعض حتى وصل للاسطبل، فجابت عينيه المكان وكأنه يبحث عن شخصًا ما، فاهتدت نظراته تجاهه، لم يكن ظهور أيان بالنسبة اليه مفاجأة، وكأنه كان يتوقع ما سيفعله أبيه، ترك "أيان" كومة القش الذي يحملها أرضًا حينما رأه يقف أمامه فدنى منه ثم بدى مرتبكًا فيما سيقول:
_بقيت أحسن؟
ابتسامة شبه ساخرة ظهرت على طرفي شفتيه قبل أن يجيبه:
_يهمك أمري!
لعق أيان شفتيه بتوترٍ، ثم قال بضيقٍ كون لسانه ليس معتاد على مدح أحدًا:
_أكيد، بعد ما فدتني بروحك يهمني انك تبقى واقف على رجلك من اول وجديد.
هز رأسه والبسمة لم تفارق وجهه، فأشار له أحمد وهو يمنع أيان نظرة مغتاظة:
_يالا يا آسر ندخل، لازم ترتاح..
أومأ برأسه له، ثم انصاع ليديه ليدلف للداخل، فوجد الجميع باستقباله، فدنت منه "حور" ثم قالت بفرحة:
_حمدلله على السلامة يا آسر..
وأضافت ماسة:
_ربنا يكمل شفاك على خير يارب..
وقالت "رؤى":
_نورت بيتك..
منحهم ابتسامة صافية وهو يجيبهم بامتنان:
_شكرًا على كل اللي انتوا عاملينه هنا ده..
وكان يقصد تزينهم للقاعة لتكن باستقبله، اتجهت نظرات آسر لروجينا التي تدفع مقعدها تالين، فانحنى مقابلها وهو يسألها بحزن:
_ليه لسه قاعدة على الكرسي يا روجينا، مش بقيتي أحسن؟
رسمت ابتسامة صغيرة وهي تجيبه؛
_اتحسنت عن الاول كتير الحمد لله، المهم طمني أنت عنك؟
طبع قبلة على جبينها ويديه تمسد برفق على حجابها:
_بخير يا حبيبتي..
ثم نهض ليحتضن جدته التي هبطت متلهفة للقاء به، فأتت نادين من المطبخ حاملة لصينية المعكرونة الشهية فوضعتها على السفرة، وهي تناديهم قائلة:
_الاكل هيبرد يا جماعة.. يالا..
خرجت خلفها تسنيم بالشوربة، ثم وضعتها بحرصٍ على السفرة، فاجتمعوا جميعًا عليها، فقال سليم بفرحة:
_بقالنا زمن متجمعناش اكده...
رد عليه عمر:
_آسر جمعنا أهو يا سيدي..
ابتسم آسر ثم قال:
_متقلقش يا عمي كل ما تحن للقعدة الحلوة دي رنلي بس وأنا هطوح على أي مستشفى..
تعالت الضحكات فيما بينهما، فقال يحيى باستغراب:
_أمال فين بدر؟
ضيق احمد عينيه بذهول:
_كان هنا دلوقتي!
قاطعهما صوت الكبير حينما قال:
_بعته مشوار وزمانه راجع..
تطلع آسر لهما ففهموا ما ينوي أبيه فعله..
*******
بالخارج..
ما أن انتهى "أيان" من عمله، حتى جلس على الطاولة المحاطة بالمقاعد الخشبية بمنتصف حديقة السرايا، وهو يزيح عرقه بالمناديل الورقية، فانتبه لبدر الذي يقترب منه بتأففٍ وكأنه مجبور على القدوم إلى هنا، فقال بضيقٍ شديد:
_أنت.. قوم معايا عمي عايزك..
رفع عينيه تجاهه بغضب ثم قال:
_أيه أنت دي، ماليش أسم!
قبض بدر بيديه على المقعد وكأنه سيقتله بين اللحظة والاخرى ولكن تعليمات عمه تضع حوله الف حاجز، فقال من بين اصطكاك اسنانه:
_أنا لولا عمي قسما بالله كنت دفنتك وتويتك هنا ومحد يعرفلك طريق، بس مجبور أكلمك بكل هدوم..
منحه نظرة باردة قبل أن يترك مقعده ويجذب قميصه ليرتديه، فقال بدر بغضب:
_وتبقى تلبس هدومك بعد كده، السرايا فيها حريم ولازم تتعود على احترامهم وده شيء هيبقى جديد عليك يابن المغازية..
لم يعيره انتباهًا بل توجه ناحية السرايا بثباتٍ جعل الاخير يشيط غضبًا، فولج خلفه للداخل ومن ثم للقاعة، ليجد نفسه أمام فهد وعائلته بأكملها، صعقت روجينا حينما رأته يقف أمامها، فوقف الطعام بحلقها فقد ظنت بأنه رحل من هنا! ، كانت نظرات الجميع تعج بالكره والمقت تجاهه ومع ذلك تجاهلها، ودنا من فهد قائلًا بثبات:
_عايزني في أيه؟
رفع فهد عينيه تجاهه ثم قال ويديه تشير على المقعد المجاور له:
_اقعد.. لازمن تتعود ان الوكل اهنه على 3بيكون جاهز ومن نفسك تيجي كل يوم...
منحه نظرة حائرة، فعاد ليشير له مجددًا على الجلوس، فتحرك ببطء حتى جلس جواره، فاختار له فهد المقعد المجاور له والمقابل لآسر، فكان أيان يجلس على يساره وآسر على يمينه، وكأنه يخبره بأن مكانته هنا باتت مناصفة بينه وبين ابنه، وبالرغم من أن الجميع في حالة من الصدمة وأعينهم تملأها الكثير من الأسئلة وبالاخص "رواية"، الا ان لم يجرأ أحدًا على فتح فمه بحضور فهد، حمل فهد الملعقة بنفسه ثم سكب بطبق أيان الطعام وقدمه من أمامه، فشرد الاخير وهو يتطلع للطبق بعدم تصديق لما يفعله هذا الشخص معه بالرغم مما ارتكبه بحقه، فظن فهد بأن هناك ما يشغل تفكيره لذا فقال بسخرية:
_متخفش أني مش هسمك في بيتي ووسط عيالي، الوكل مفهوش حاجة..
رفع وجهه تجاهه ثم قال بحزن اتضح للجميع من نبرته:
_هتسمني وأنت بنفسك اللي حميني انت وابنك!
وجذب الملعقة وأخذ يتناول طعامه ببطءٍ شديد، وعينيه تتوزع بين وجوه الشباب بأكملهم، فبالرغم من أن لا أحدًا يطيق وجوده الا انهم كانوا يحترمون وجود فهد، فلم يجرأ أحدًا على التعرض له حتى بنظرة!
*******
بمنزل" مهران الدهشان"..
اقتتمت ملامح ابنه حينما علم باستقبال فهد لآيان بمنزله، فقال لرجاله بغضب كالجحيم:
_مكفهوش انه قتل ابوي لا كمان مقعده في بيته وبيضايفه...
ثم القى مقعده بعصبية بالغة وهو يستطرد:
_اللي مقدرش أبوي يعمله فيك يا فهد اني اللي هعمله..
ثم ردد بصوتٍ كفحيح الأفعى السامة:
_هحرقك حي يا فهد انت وعيلتك كلتها....
............. يتبع...................
#الدهاشنة3..... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت...
تشارك #إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع في المعارض الحالية:
#معرض_عمان_الدولي_للكتاب_2022 في مكة مول عمان الأردن
#معرض_سوسة_الدولي_للكتاب_2022 في قصر المعارض في سوسة تونس
#معرض_الرحاب_الدولي_للكتاب في نادي الرحاب
في انتظار تشريفكم جميعا
أسعار وعروض خاصة جدا خلال فترة المعارض
مع استمرار التوصيل للمنازل عن طريق واتساب الرقم 01001631173
*******__________********
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الثالث عشر 13 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3....(#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_الثاني_والأبعين..
إهداء الفصل للقارئة الجميلة/ندى صبري ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
حسبك أيها القلب، أبات قربه منك يضعف قواك، أما أن مشاعرك تتمرد لوعة له، ويحك فما فعله يصعب عليك بالخنوع إليه، من تتلهف لقربه منك هو بذاته من كسرك وحطمك بين يديه، فكن عزيزًا وحارب رغبات عشقك السام، فالقرب منه شبيه بجرعة سم لا علاج لها تلك المرة.
مسحت بأطراف أصابعها دمعاتها البائسة وهي تلتقط ملابسها الملقاة لجوارها، ارتدتها وصوت بكائها المكبوت يعلو رويدًا رويدًا حتى بات مسموعًا لمن يغفو جوارها، فتح "آيان" عينيه بلهفةٍ لمعرفة ما بها، فإتكأ بمعصمه حتى جلس بإستقامةٍ ثم تساءل ويده تقترب من وجهها:
_مالك؟
رفعت عينيها تجاهه لتمنحه نظرة أشعلت نيران قلبه، ومن ثم أخفضتهما قائلة وهي تحاول ارتداء فستانها بيدها المرتعشة:
_أنا عايزة أرجع البيت حالًا لو سمحت..
طعمت ملامحه بالألم، فقد ظن بأن بعدما صارت بأحضانه بدد ذكريات الماضي، ظن بأن هناك أمل لعودة حياة جديدة بينهما، فقربها منه ثم رفع ذقن وجهها ليجبرها على التطلع إليه، ثم قال بحزنٍ:
_بس أنا عايزك جنبي يا "روجينا".
أبعدت يديه عنها ثم قالت بصراخ باكي:
_مش عايزة أكون جنبك، لانك لما بتقربلي بكره نفسي أكتر من الأول، يمكن وجود أي شخص بنحبه جنبنا بيدينا الأمان والسعادة لكن أنت وجودك جنبي بيحسسني بالرخص وبيزيد وجعي..
طعنته كلماتها، فهوت دمعة عزيزة على وجهه، ليخفيها بابتسامته وقوله الساخر:
_عندك حق، أنتي فعلًا صح..
ثم جذب قميصه الأبيض يرتديه بأهمالٍ، ليتجه سريعًا لحمام الغرفة، فما أن أغلقه حتى استند برأسه على جسده وهو يواجه ذلك الألم القاتل، ففتح دوش المياه على أخره، ثم سكن بجسده من أسفله، وعرض" فهد" يدور برأسه، كان متردد ببدأ الأمر من الموافقة، ولكنه مستعد الآن لفعل أي شيء حتى يكتسب قلبها من جديد ولكن تلك المرة لن يدعي بها الحب،بل وهو عاشق لها حد الجنون، وبالرغم من أن ظنونه توجهه للإهانة التي سيتعرض لها على يد الدهاشنة، فمن المؤكد بأن فهد طلب منه ذلك ليلقنه درسًا قاسيًا لن يخلو من اهاناته، هكذا ظن الأمر، لف "آيان" المنشفة حول خصره ثم وقف أمام المرآة يتطلع على ذاته بنظرةٍ كره، كره لحياته بأكملها، فلم يجد شيئًا ينعش ذكرياته من تلك الحياة القاسية، فأطبق على كف يديه بغيظٌ، فحطم مرآة الحمام وما تحمله من متعلقات شخصية، وما أن استمعت "روجينا" لذلك الصوت حتى تملكها الرعب، فصاحت بقلقٍ:
_أيه اللي انكسر ده....
وحينما لم يأتيها رد، نادته بلهفةٍ:
_آيان!
لم يجيبها فبكت بفزعٍ، وأبعدت الغطاء عنها ثم حاولت أن تقف على قدميها، فخطت خطوات بسيطة ثم ارتعشت قدميها فسقطت أرضًا، ومع ذلك لم تستسلم وزحفت حتى وصلت لباب الحمام فطرقت عليه وهي تردد ببكاءٍ:
_آيـــــــان..
انتبه إليها، فلف أحد المناديل الورقية حول جرح يديه ثم فتح الباب ليجدها تجلس أرضًا والبكاء يتبع عينيها، انحنى تجاهها ثم قال:
_أيه اللي قومك من السرير..
منحته نظرة متفحصة ثم قالت:
_أنا سمعت صوت كسر، أنت كويس؟
احتارت عينيه في فهم تلك المرأة، التي باتت إليه لغزًا صعب حله، فحملها بين ذراعيه ثم عاد ليضعها على الفراش مجددًا دون أن ينبس بكلمة واحدة،ونهض عنها وكاد بالإبتعاد ولكنها أمسكت يديه التي تنزف بالدماء ثم قال بدموعٍ:
_أنت عملت أيه؟
ابتسم ساخرًا:
_أنتي أصعب من فهد، مش قادر لا أفهمك ولا أفهمه!
وضعت المنشفة لتكبت الدماء المنسدلة بغزارة من يديه، ثم قالت ببكاء:
_أنت لازم تروح لدكتور إيدك مجروحه جامد..
جذب يديه منها ثم قال:
_لا متقلقيش هبقى كويس..
وتركها ونهض ليلف شاش أبيض حول جرحه وجذب ملابسه من الحقيبة التي أعدهت للتو، ثم عاد ليجذب فستانها وعاونها بارتدائه، قربه منها كان نقيض لما تشعر به، ولكن كان عليها الإبتعاد عن مخضع ألمًا ليست جاهزة للعيش به مجددًا، حملها آيان بين ذراعيه ثم هبط بها للأسفل، فوضعها بالسيارة واتجه للسرايا، فما أن توقفت سيارته حتى حملها ليتجه بها للباب الخلفي، فتوقف عن استكمال خطاه حينما رأى من يقطع طريقه،وصعقت "روجينا" حينما وجدت أبيها يقف مقابلهما..
********
تأمل ملامحها الساكنة أمرًا مدمر لقلبه، وكأن عينيه تتعهد في تلك اللحظة أن تحفظ كل إنشن بوجهها داخل قلبه، حتى وإن كان يعلم بأنه ينبغي غض البصر عنها، ولكنه اشتاق لها ولرؤياها، حتى وإن كانت قريبة منه أغلب الوقت، أفاق "عبد الرحمن" من غفلته تلك حينما وجدها بدأت أخيرًا بإستعادة الوعي، فاحتضنت بيدها جبينها وهي تجاهد دوارها الحاد، فرأته يجلس مقابلها لذا نهضت عن الأريكة وهي تهمس بإرهاقٍ:
_أيه اللي حصل؟
ابتعد عن مجلسها القريب، ثم جلس على المقعد المقابل لها ويده تقرص أرنبة أنفه:
_مفيش، أغمى عليكي وأنا كنت بحاول أفوقك..
لمعت عينيها بالدموعٍ، فنهضت عن الأريكة وهي تبحث عن حذائها لتهرب من ذلك اللقاء الغير محبب، فخشيت بأن يظنها تفعل كل ذلك لتقترب منه أو عله يعود التطلع بالأمر، نهضت ثم كادت بالرحيل ولكنها توقفت حينما قال بخشونةٍ:
_اقعدي، لسه كلامنا منتهاش..
قالت وهي تجاهد لإخفاء بكائها:
_كل شيء انتهى حتى الكلام يا "عبد الرحمن"..
أطبق على شفتيه السفلية بقوةٍ، فسماعه اسمه يزف على ترنيم شفتيها كالبلسم الذي يطيب جرحه الغائر، فنهض عن المقعد ثم وقف مقابلها ساكنًا، يتعمد اللعب على أعصابها، قبل أن يقول:
_مش عايزة تعرفي عمي إختارلي مين؟
ترقرقت عينيها بالدموع، فقالت وهي تهم بالهروب من أمامه:
_لا مش عايزة أعرف..
أمسك يدها فأجبرها على التوقف، ثم اقترب منها ليصبح قريبًا بدرجةٍ خطيرة على قلبها، فقالت بصدمة:
_أنت اتجننت، ابعد!
ابتسم وهو يخبرها:
_اتجننت بفضلك أنتي، ولسه مكمل في الجنان متقلقيش..
ثم رفع يديه ليزيح دمعات وجهها، فهمست بصوتٍ رقيق وهي تحاول الصمود أمامه:
_عبد الرحمن، أنت بتعمل أيه؟
استند بجبهته على جبهتها، ثم قال:
_اتعودي على قربي، عشان خلاص كتب كتابنا الاسبوع الجاي وفرحنا لما باباكي ومامتك ينزلوا مصر..
جحظت عينيها بعدم استيعاب، فابتسم بخبث ثم قال:
_عمي قالي انه مش هيلاقيلي أحسن منك وأنا بصراحة اقتنعت..
منحته نظرة شرسة، قبل أن تطوله لكزتها المؤلمة وهي تصرخ بغضب:
_يعني أنت كنت بتضحك عليا!
ابتعد عنها وهو يحاول حماية وجهه ثم قال بضحكة جذابة:
_أمال انتي اللي مسمحولك بس تلعبي بأعصابي ولا أيه!
كزت على أسنانها بغيظٍ:
_والله ما هسيبك يا عبد الرحمن..
دنا منها وهو يغمز بجراءة:
_وهو ده المطلوب يا روحي، انك متسبنيش خالص..
ابتسمت برقةٍ على كلماته، فشعرت بأنها إذا ظلت لجواره هكذا ستسمح له بما لا يحمد، لذا ودعته وانصرفت على الفور..
********
ابتلعت "روجينا" ريقها بصعوبةٍ بالغة، فجاهدت لخروج كلماتها المتقطعة:
_بابا آآ...
قطع حديثها حينما وضع كف يديه من أمامها، ومازالت نظراته تتقابل مع نظرات "آيان" الذي يتطلع إليه بثباتٍ تام، فرفع "فهد" صوته ينادي:
_صـالح..
أتى يهرول وهو يجيبه:
_أمرني يا كبير..
أشار له على المقعد القريب منهما، فدفع المقعد حتى وضعه مقابل لآيان، فأخفض يديه بها، ليضعها على مقعدها ومن ثم دفعه العم "صالح" للداخل، لتختفي روجينا عن اعينهما وقلبها يخفق قلقًا على ما سيحدث به من أبيها..
بالخارج..
ظلت النظرات الماكرة تتبادل بينهما، إلى أن عبئ "فهد" ذلك السكون حينما دنى بخطاه الواثقة ليقف مقابله، ثم قال بغموضٍ:
_شايفك قريب من بتي وأنت لساك مخدتش قرارك يابن المغازي!
طوفه بنظرة ثابتة قبل أن يجيبه:
_أخدته يا فهد، وشنطي في العربية..
ابتسم بمكرٍ ثم أشار لأحد رجاله قائلًا:
_جهز المندارة الضيف هيقعد فيها..
ثم طرق بعصاه الأرض وغادر من أمامه دون أن يقول أي كلمة أخرى، فأشار له "صالح" قائلًا:
_تعال معايا..
اتبعه "أيان" حتى وصل للمندارة القريبة من السرايا، فصعد معه الطابق العلوي، ووجده يفتح أحد الغرفة ثم جذب المنشفة لينفض التراب عن أحد المقاعد وأشار له قائلًا:
_5دقايق وهتلاقي الاوضة كيف البدر.
هز رأسه بهدوءٍ ثم جذب المقعد وجلس يراقبه وهو ينظف الغرفة بهمة ونشاط، فبدى له بأن هذا الرجل المسن عاش عمرًا بأكمله يخدم "فهد" وعائلته، لذا سأله بمكر:
_بقالك اد ايه شغال هنا!
أجابه الرجل وهو يضع ملاءة جديدة على الفراش:
_بقالي 40سنة، من قبل ما البيه الكبير يموت..
ابتسم ساخرًا وهو يسأله بإستنكارٍ:
_وهو في حد يضحى بكل ده من عمره عشان يخدم حد..
رد عليه "صالح" بابتسامةٍ مشرقة:
_أصلك متعرفش "فهد" بيه وعيلته كويس، وأني هعوز أيه غير الاحترام والعيشة الكريمة اللي بلاقيهم اهنه، وكبيرنا بيحترم الصغير قبل الكبير وكلتنا نفديه بارواحنا مش بعمرنا بس..
انتابه دهشة كبيرة، فلطالما كان حائرًا في سر العلاقة القوية بين "فهد" ورجاله، والآن ازدادت حيرته أضعافًا، انتهى "صالح" من تنظيف الغرفة، ثم قال:
_الاوضة بقت زي الفل اهي، ولو احتاجت أيتها حاجة ناديني بس..
وكاد بالمغادرة ولكنه التف اليه ثم قال بابتسامةٍ صغيرة:
_تعرف يا ولدي، انت من دور عيالي عشان اكده هقولك نصيحة، أوعاك تكون داخل اهنه ولسه في جلبك سواد وكره للكبير، لانك اكده هتبقى بتخسر نفسك، اني عشت عمري كله اهنه وعمري ما شوفت حد بيقلل احترام منيه ولا حد يستجري يناديه باسمه اكده،حتى ولاد عمه "سليم" و"عمر"، وأنت في عمر ولده وبالرغم من اكده سايبك تناديه كيف ما تريد، يمكن اللي بيشفعلك عنده حاجة واحدة بس..
رفع آيان حاجبيه وهو يتساءل باستغراب:
_حاجة أيه؟
رد عليه بنفس البسمة البشوشة:
_انك متعرفوش يا ولدي، أنت عشت عمرك كلته بتتخيل فيه الشر والوحش عشان اكده وجودك اهنه لسبب ميعرفوش غير الكبير نفسه والعلم لله هو رايد منك أيه، جايز يكون بيديك فرصة انك تعرفه زين..
وغادر بعدما زاد من حيرته،فجلس أيان على الفراش وهو ينفث عما بداخله،فتذكر الحديث الذي تم بينه وبين فهد بالمشفى قبل قدومه لهنا..
##
_بعد اللي مهران قاله مبقتش عارف أفكر ولا قادر أستوعب أن كل اللي عملته ده مكنش للي يستحق، أنا حتى عاجز اني اعتذرلك يا فهد..أنت متخيل إزاي كرهي ليك لسه جوايا لحد اللحظة دي حتى بعد ما عرفت الحقيقة!
ابتسم "فهد" ثم قال:
_اللي يتربى على حاجة 27سنة صعب يتقبلها بسهولة يابن المغازي... وأني مش مستني انك تحبني او تحب عيلتي، أني عايزك تنهي اللي بينا بطلاقك لبتي وكل حي يروح لحاله..
اتقبض قلبه لسماع ما قال، لذا صاح بعصبيةٍ بالغة:
_لا يا فهد انا مش هطلق مراتي، انا بحبها وعارف انك مستحيل تصدق الكلام ده بس دي الحقيقة، انا ماليش هدف ولا غاية اعيش عشانها غير هي حتى وانا عارف ان قلبها مبقاش ليا زي زمان بس هحاول اني اخليها ترجع تحبني من تاني..
طرق بعصاه الأرض بغضبٍ اتبع نبرته الصارمة:
_أوعاك تكون فاكر اني مقدرش احمي بنتي واخلصها منيك..
أخفض رأسه للأرض بحزنٍ:
_عارف انك تقدر، بس أنا مش هقبل انك تفرقني عنها ويمكن ده يكون سبب العداوة الجديدة اللي هتجمعنا مرة تانية.
ضحك بصوتٍ مسموع ثم قال ساخرًا:
_بتهددني يابن المغازي!
هز رأسه نافيًا:
_لا.. أنا بحاول اوضحلك الامور حتى لو مكنتش لابق في اختيار كلامي..
منحه فهد نظرة مطولة، زينها الغموض والثبات، انهاها حينما انتصب بوقفته وهو يخبره بكبرياء'
_يبقى تسمعني زين، لو عايز تبقى مع بنتي تنفذ كل اللي هقولهولك، انت غلطت لما كنت بتحاول توطي رأسي قدام الخلق ودلوقت وقت الحساب، وزي ما بتقول انك بتحب بنتي يبقى مترضاش ليها انها تبقى متهانة ومكسورة،الراجل الصوح هو اللي يخلي كرمته وكرامة مرته فوق...ولو عايز ده يحصل يبقى تجيب حاجاتك وتيجي لحد باب بيتي..البيت اللي هنت ناسه هتعيش فيه وسطيهم..
*******
بالمشفى..
حاول أكثر من مرةٍ أن يرتدي الذراع الأخر من القميص، ولكنه لم يستطيع، فضغط بأسنانه على شفتيه ليكبت تلك الشهقة التي يصاحبها ألمًا حاد، وتطلع تجاهها فوجدها تجمع ملابسه ومتعلقاته الخاصة بالحقيبة الصغيرة التي تحملها، لاح على وجهه ابتسامة خبيثة، فخلع ذراعه الاخر من القميص ثم ردد بتعبٍ مصطنع:
_تسنيم..
رفعت عينيها تجاهها فأشار لها على القميص، اقتربت منه على استحياءٍ، ثم جذبت القميص الملقي خلفه، وعاونته على ارتدائه لتغادر من أمامه سريعًا تجاه الحقيبة، فرفع حاجبيه بسخطٍ وهو يشير على الأزرر المفتوحة:
_يعني همشي كده ولا أيه! ، لو معندكيش مشكلة أنا كمان معنديش مانع..
منحته نظرة شرسة، قبل أن تقترب منه، فأغلقت القميص وهي تخبره بضيقٍ:
_وأنت ما بتصدق صراحة..
غادرت ابتسامته عنه فجأة، فأمسك بيدها التي تغلق أخر زر من القميص، ثم تعمد وضعها على جرحه القريب من قلبه، فقشعر جسدها وهي تتخيل آلامه في لحظة لمس يدها لجرحه، فرفعت عينيها تجاه وهي تهمس بخوفٍ:
_آســر..
ابتسم كالمغيب بعينيها، ليخبرها:
_عنيا مش بتشوف غيرك، وكأن مفيش على وجه الأرض ست جميلة غيرك..
ثم رفع يدها إليه ليطبع قبلة رقيقة على أصابعها، ومشاعره تهمس على لسانه الناطق:
_وحشتيني..
أغلقت عينيه بقوةٍ تحتمل تأثير قربه وكلماته الساحرة، فجذبها لتجلس على قدميه ثم احتضنها عله يمنحها آمان قربه منها، فمسد بحنان على ظهرها وهو يقول:
_البعد ده معتش هيطول، وهترجعي نامي في حضني زي زمان..
رفعت وجهها تجاهه ثم قالت بدمعةٍ حزينة:
_البيت من غيرك ممل، حتى الجناح مبقتش بقعد فيه.. حساه زي القبر من غيرك..
طبع قبلة على جبينها ثم قال ببسمةٍ ماكرة:
_هنحيه من تاني مع بعض..
وأبعدها عنه ثم حاول التمسك بحافة الفراش لينهض على قدميه، فتشبثت بيديه لتعاونه على المضي قدمًا، حتى خرج من الغرفة فأسرع تجاهه "بدر" و"أحمد" ليعاونوه، فرفض "آسر" أن يستند عليهما، فود أن يتغلب على ضعفه ذلك بعدما اختار الوقوف على قدميه، لذا خرج وهو ينتصب بمشيته حتى وإن كان بداخله يئن، هبط للأسفل حتى صعد لسيارتهم، وجلست هي من جواره، فتحركت السيارة للسرايا..
********
خرج "آيان" للشرفة، يتأمل السرايا والحدائق بنظرةٍ إعجاب، فاهتدت نظراته على فهد الذي يجلس على الأريكة الموضوعة بمنتصف الحديقة، ولجواره كان يجلس "عمر" و"يحيى "، فهبط ليجد اجابة صريحة لما يجوب برأسه، فما أن دنا منهما حتى انزعج يحيى منه ومع ذلك لزم الصمت احترامًا لقرار عمه، فوفف أيان مقابله ثم قال:
_أديني جيت.زي ما اتفقنا يا فهد، ممكن تفهمني بقى عايزني ليه هنا!
جذب كوب الشاي الساخن ليرتشفه وهو يجيبه بثباتٍ قاتل:
_ولا حاجة، بنتي كانت ضيفة في بيتك كام يوم وإحنا مينفعش منردش واجب الضيافة ده حتى تبقى عيبة في حقنا..
ثم استدار بوجهه تجاه يحيى، فأشار له قائلًا:
_خد ابن المغازي يا يحيى وروحوا نضفوا الاسطبل زمان ولدي على وصول ولو ملقهوش مترتب هيتضايق..
ضيق"يحيى"عينيه بدهشةٍ مما قال،فأشار له"عمر"بأن ينفذ ما قاله دون أي كلمة،فاحتبس غضبه بداخله وهو يشير له بيديه:
_طريق الاسطبل من هنا..
أزاح أيان عينيه عن فهد بصعوبةٍ،فكان يشعر لأول مرة بأنه عاجز...عاجز عن فهم هذا الشخص وما بدور بتفكيره..فان كان يتعمد اهانته لما كان أرسل معه ابن شقيقته معه،فكيف سيعرض أحد أعمدة الدهاشنة للإهانة إذا كان يتعمد اهانته شخصيًا!
اتبع"آيان"،" يحيى" حتى وصل للاسطبل، فوقف المساحة الكبيرة والخيول العربية الاصيلة باعجابٍ شديد، وما أثار إعجابه هذا الفرس المميز الذي يستكين بمكان منفرد عن الجميع، وكأنه يميز نفسه ويعلن سيادته على الجميع، اقترب "آيان" منه وقبل أن تلامسه يديه، حذره "يحيى" قائلًا:
_خد بالك لايدك تنكسر، الخيل ده مش زي اللي هنا ده خاص بآسر وصعب حد يقربله..
قال وهو يدنو به دون مبالاة:
_اسمه أيه؟
أجابه يحيى ساخرًا:
_وهتعمل بإسمه أيه، متقربلوش وخلاص لو مش عايز إنه يأذيك.. والله أعلم المرادي هترموا التهمة على مين فينا..
ابتسم "آيان" ثم دنا من الفرس، فمسد بيديه على عنقه ويحيى يتابعه بدهشةٍ من سكون الفرس أسفل يديه، هل يعقل بأن هذا هو همام الثائر الذي لا يطيق أحدًا على ملامسته سوى فارسه، فلم يشغل باله كثيرًا بما يفعله حتى وإن أثار ذلك فضوله، ثم تركه وحمل الأعشاب ليضعها أمام الفرس، فخلع "أيان" قميصه الأبيض ثم وضعه على المنصة الخشبية، وشرع في تنظيف قدم همام، والغريب على يحيى بأنه كان يفعل مثل ما كان يفعله آسر معه لذا شعر وكأنه هو الذي لجواره..
قضى "أيان" ساعة كاملة بصحبة "يحيى" بالاسطبل، فرغمًا عنهما كانوا يتعاونا في حمل الأثقال، والعمل سويًا طوال تلك المدة، فتأقلم "يحيى" على وجوده بنفس المكان الذي يقف هو به..
*******
وضعت "رواية" و"نادين" الطعام الشهي على السفرة الضخمة استعدادًا لاستقبال "آسر"، حتى الفتيات تعاون على تنظيف السرايا جيدًا، فانطلق صوت بوق السيارة يعلمهم بقدومه..
هبط"آسر" من السيارة، فاستقبلته نسمة هواء باردة أنعشته، فأغلق عينيه بابتسامةٍ صغيرة، ثم اتجه يسارًا بخطاه البطيئة، سأله أحمد باستغرابٍ:
_أنت رايح فين؟
قال وهو يستكمل طريقه:
_هبص على همام قبل ما أطلع..
لحق به "أحمد" بينما حملت "تسنيم" الأغراض وصعدت بها للأعلى، استند "آسر" بيديه على الأخشاب المصفوفة جوار بعضها البعض حتى وصل للاسطبل، فجابت عينيه المكان وكأنه يبحث عن شخصًا ما، فاهتدت نظراته تجاهه، لم يكن ظهور أيان بالنسبة اليه مفاجأة، وكأنه كان يتوقع ما سيفعله أبيه، ترك "أيان" كومة القش الذي يحملها أرضًا حينما رأه يقف أمامه فدنى منه ثم بدى مرتبكًا فيما سيقول:
_بقيت أحسن؟
ابتسامة شبه ساخرة ظهرت على طرفي شفتيه قبل أن يجيبه:
_يهمك أمري!
لعق أيان شفتيه بتوترٍ، ثم قال بضيقٍ كون لسانه ليس معتاد على مدح أحدًا:
_أكيد، بعد ما فدتني بروحك يهمني انك تبقى واقف على رجلك من اول وجديد.
هز رأسه والبسمة لم تفارق وجهه، فأشار له أحمد وهو يمنع أيان نظرة مغتاظة:
_يالا يا آسر ندخل، لازم ترتاح..
أومأ برأسه له، ثم انصاع ليديه ليدلف للداخل، فوجد الجميع باستقباله، فدنت منه "حور" ثم قالت بفرحة:
_حمدلله على السلامة يا آسر..
وأضافت ماسة:
_ربنا يكمل شفاك على خير يارب..
وقالت "رؤى":
_نورت بيتك..
منحهم ابتسامة صافية وهو يجيبهم بامتنان:
_شكرًا على كل اللي انتوا عاملينه هنا ده..
وكان يقصد تزينهم للقاعة لتكن باستقبله، اتجهت نظرات آسر لروجينا التي تدفع مقعدها تالين، فانحنى مقابلها وهو يسألها بحزن:
_ليه لسه قاعدة على الكرسي يا روجينا، مش بقيتي أحسن؟
رسمت ابتسامة صغيرة وهي تجيبه؛
_اتحسنت عن الاول كتير الحمد لله، المهم طمني أنت عنك؟
طبع قبلة على جبينها ويديه تمسد برفق على حجابها:
_بخير يا حبيبتي..
ثم نهض ليحتضن جدته التي هبطت متلهفة للقاء به، فأتت نادين من المطبخ حاملة لصينية المعكرونة الشهية فوضعتها على السفرة، وهي تناديهم قائلة:
_الاكل هيبرد يا جماعة.. يالا..
خرجت خلفها تسنيم بالشوربة، ثم وضعتها بحرصٍ على السفرة، فاجتمعوا جميعًا عليها، فقال سليم بفرحة:
_بقالنا زمن متجمعناش اكده...
رد عليه عمر:
_آسر جمعنا أهو يا سيدي..
ابتسم آسر ثم قال:
_متقلقش يا عمي كل ما تحن للقعدة الحلوة دي رنلي بس وأنا هطوح على أي مستشفى..
تعالت الضحكات فيما بينهما، فقال يحيى باستغراب:
_أمال فين بدر؟
ضيق احمد عينيه بذهول:
_كان هنا دلوقتي!
قاطعهما صوت الكبير حينما قال:
_بعته مشوار وزمانه راجع..
تطلع آسر لهما ففهموا ما ينوي أبيه فعله..
*******
بالخارج..
ما أن انتهى "أيان" من عمله، حتى جلس على الطاولة المحاطة بالمقاعد الخشبية بمنتصف حديقة السرايا، وهو يزيح عرقه بالمناديل الورقية، فانتبه لبدر الذي يقترب منه بتأففٍ وكأنه مجبور على القدوم إلى هنا، فقال بضيقٍ شديد:
_أنت.. قوم معايا عمي عايزك..
رفع عينيه تجاهه بغضب ثم قال:
_أيه أنت دي، ماليش أسم!
قبض بدر بيديه على المقعد وكأنه سيقتله بين اللحظة والاخرى ولكن تعليمات عمه تضع حوله الف حاجز، فقال من بين اصطكاك اسنانه:
_أنا لولا عمي قسما بالله كنت دفنتك وتويتك هنا ومحد يعرفلك طريق، بس مجبور أكلمك بكل هدوم..
منحه نظرة باردة قبل أن يترك مقعده ويجذب قميصه ليرتديه، فقال بدر بغضب:
_وتبقى تلبس هدومك بعد كده، السرايا فيها حريم ولازم تتعود على احترامهم وده شيء هيبقى جديد عليك يابن المغازية..
لم يعيره انتباهًا بل توجه ناحية السرايا بثباتٍ جعل الاخير يشيط غضبًا، فولج خلفه للداخل ومن ثم للقاعة، ليجد نفسه أمام فهد وعائلته بأكملها، صعقت روجينا حينما رأته يقف أمامها، فوقف الطعام بحلقها فقد ظنت بأنه رحل من هنا! ، كانت نظرات الجميع تعج بالكره والمقت تجاهه ومع ذلك تجاهلها، ودنا من فهد قائلًا بثبات:
_عايزني في أيه؟
رفع فهد عينيه تجاهه ثم قال ويديه تشير على المقعد المجاور له:
_اقعد.. لازمن تتعود ان الوكل اهنه على 3بيكون جاهز ومن نفسك تيجي كل يوم...
منحه نظرة حائرة، فعاد ليشير له مجددًا على الجلوس، فتحرك ببطء حتى جلس جواره، فاختار له فهد المقعد المجاور له والمقابل لآسر، فكان أيان يجلس على يساره وآسر على يمينه، وكأنه يخبره بأن مكانته هنا باتت مناصفة بينه وبين ابنه، وبالرغم من أن الجميع في حالة من الصدمة وأعينهم تملأها الكثير من الأسئلة وبالاخص "رواية"، الا ان لم يجرأ أحدًا على فتح فمه بحضور فهد، حمل فهد الملعقة بنفسه ثم سكب بطبق أيان الطعام وقدمه من أمامه، فشرد الاخير وهو يتطلع للطبق بعدم تصديق لما يفعله هذا الشخص معه بالرغم مما ارتكبه بحقه، فظن فهد بأن هناك ما يشغل تفكيره لذا فقال بسخرية:
_متخفش أني مش هسمك في بيتي ووسط عيالي، الوكل مفهوش حاجة..
رفع وجهه تجاهه ثم قال بحزن اتضح للجميع من نبرته:
_هتسمني وأنت بنفسك اللي حميني انت وابنك!
وجذب الملعقة وأخذ يتناول طعامه ببطءٍ شديد، وعينيه تتوزع بين وجوه الشباب بأكملهم، فبالرغم من أن لا أحدًا يطيق وجوده الا انهم كانوا يحترمون وجود فهد، فلم يجرأ أحدًا على التعرض له حتى بنظرة!
*******
بمنزل" مهران الدهشان"..
اقتتمت ملامح ابنه حينما علم باستقبال فهد لآيان بمنزله، فقال لرجاله بغضب كالجحيم:
_مكفهوش انه قتل ابوي لا كمان مقعده في بيته وبيضايفه...
ثم القى مقعده بعصبية بالغة وهو يستطرد:
_اللي مقدرش أبوي يعمله فيك يا فهد اني اللي هعمله..
ثم ردد بصوتٍ كفحيح الأفعى السامة:
_هحرقك حي يا فهد انت وعيلتك كلتها....
............. يتبع...................
#الدهاشنة3..... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت...
تشارك #إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع في المعارض الحالية:
#معرض_عمان_الدولي_للكتاب_2022 في مكة مول عمان الأردن
#معرض_سوسة_الدولي_للكتاب_2022 في قصر المعارض في سوسة تونس
#معرض_الرحاب_الدولي_للكتاب في نادي الرحاب
في انتظار تشريفكم جميعا
أسعار وعروض خاصة جدا خلال فترة المعارض
مع استمرار التوصيل للمنازل عن طريق واتساب الرقم 01001631173
*******__________********
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الرابع عشر 14 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3....(#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_الثالث_والأربعون..
إهداء الفصل للقارئة الجميلة/ وفاء محمود من الأردن الحبيب ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
خفق قلبي عشقًا؟!... وتمرد ليخبرني بأنك من منحته الشوق وغلفته بمشاعرٍ خلقت لأجلك أنت، ربما أنا امرأة ناضجة، ولكن بحضرتك أشعر وكأني طفلة صغيرة تتمسك بيد أبيها، طفلة غير تبالي بما قد يدين أنوثتها، طفلة تشتاق لك وتضمها إليك لتحتويها بحنانك ودفء مشاعرك.... فكنت أنت الفارس المختار الذي حملها على فرسه المطيع لينجو بها من وسط تلك الغيمات المظلمة.... فلم تكن آسرها فحسب، بل ميثاق قوي لعشقها العفيف، فتلك الدقائق التي تمر عليها وهي بإنتظاره تعد كثقل دهرًا بأكمله، فمازال بالأسفل بصحبة الشباب الذين أصروا على أن يمضي الليل بصحبتهم، وحينما انتهى الحديث بينهما، صعد "آسر" لجناحه وهو يحرص الا يصدر صوتًا قد يزعجها، فبالطبع سيجدها تغفو في ذاك الوقت المتأخر من الليل، وما أن أغلق باب الغرفة حتى وجد ذراعيها تحتضنه من الخلف، أنتعشت نبضات قلبه بقربها الشديد منه، وخاصة حينما مالت على رقبته لتهمس له بحنينٍ:
_وحشتني..
استدار تجاهها وعينيه تهيم بالتطلع لعينيها، لتختطف ثوانٍ اجتازهما غرق بين غرامها، فقربها منه وأصابعه تلامس شفتيها بحركاتٍ ارتجف جسدها لأجلها، وخاصة حينما همس لها:
_مش أكتر مني..
تلك المرة قابلته على درب الشوق، فلم تتركه يجتاز طريقه بمفرده، كانت تلبي دعوته بصدرٍ رحب، وقلبها يخبره أبيات بعشقه الذي بات يغلب ضعفها، دقائق مضت وهي غارقة بعالمه، فابتعد عنها وصدره يلهث بقوةٍ، ومع ذلك ضمها إليه، فقالت بحزنٍ سيطر على فرحها:
_أنت ازاي كنت عارف تنام بالمستشفى وأنا هنا مكنتش بدوق طعام النوم!
ضحك وهو يجيبها باستنكارٍ:
_هو يعني كان بمزاجي! أنا كنت بأخد الادوية من هنا وبسافر في دنيا تانية يا "تسنيم".
مرمغت رأسها بين صدره ولسانها يردد بعشقٍ:
_أنا من غيرك كنت حاسة أن حياتي واقفة يا آسر، متبعدش عني تاني..
أبعدها عنه، ثم تطلع لها بدهشةٍ، قبل أن يتساءل بشكٍ:
_أنتي فيكي أيه بالظبط، من ساعة ما رجعت من المستشفى وأنتي مش طبيعية..
ثم رفع يديه على جبينها ليستكشف حرارتها، فقال بخبثٍ:
_لا مش تعبانة، بس أنا متأكد إن فيكي حاجة غلط..
منحته ابتسامة أربكت جوارحه، وخاصة حينما قالت:
_تقدر تقول إن الفترة اللي فاتت خلتني أندم على أني كنت بخبي حبي ليك... فلازم تأخد على كده كل يوم هقولك أنا بحبك أد أيــــه.
أبعد تلك الخصلة المتمردة على عينيها، ثم قال ببسمةٍ لم تفارقه منذ سماع تلك الكلمات التي أفتكت به:
_هو أنا أمي راضية عني ولا أيه بالظبط..
أخفت وجهها بين أحضانه، فمازحها قائلًا:
_لو كنت أعرف أن الرصاص هيعمل فيا كده كنت خليت مهران ضربني من زمان.
لكزته بغضبٍ، فتأوه بوجعٍ مصطنع، جعلها تبتعد عنه وهي تتفحص صدره العاري وهي تردد بخوفٍ:
_أنا آسفة والله مقصد، حصلك حاجة..
ضغطت بأسنانها على شفتيها بعنفٍ حينما رأته يضحك بمكرٍ، فسددت له بغيظٍ عدد من اللكمات، كتف"آسر" ساعديها معًا خلف خصرها، ومن ثم نهض ليجبرها على التمدد، لفرق قوته الذكورية عن جسدها الهزيل مقارنة به، فكان لنظراته دفوف لناقوس خطرًا سيطوفها من جديد، فأقتطف ورقة من ريحقها وهو يهمس له ببطءٍ جذاب:
_وفري مجهودك يا روحي، لإنك مستحيل تقدريلي.
ثم عاد ليقطف ثمار عشقهما من جديدٍ، وقد منحته هي مفتاح أمان لرحلة ستخطتفهما من جديد..
*********
بغرفة "ماسة"..
ثقل قدميها أقلق عليها نومها المريح، ففتحت المصباح المجاور لفراشها، ثم استقامت بجلستها وفتحت درج الكومود، لتجذب المرهم الطبي الذي دونته لها الطبيبة، فحاولت جاهدة رفع قدميها عن الأرض قليلًا لتتمكن من وضع المرهم عليها، فتأوهت ألمًا حينما تقلصت معدتها جراء جلستها الغير مريحة، فأغلقت عينيها ألمًا ثم أخفضتهما سريعًا وهي تئن بوجعٍ، فشعرت بيد تفرك قدميها برفقٍ، وحينما فتحت عينيها وجدته ينحني أرضًا أسفل قدميها، يوزع بيديه المرهم على قدميها، سحبت" ماسة" ساقيها بعيدًا عنه وهي تردد بخجلٍ:
_يحيى أنت بتعمل أيه؟
جذب قدميها إليه مجددًا ثم قال وهو يفرك برفقٍ بين أصابع قدميها:
_مفيش فرق بيني وبينك يا حبيبتي.
منحته ابتسامة رقيقة، فاتتصب بوقفته ومن ثم حمل ساقيها ليجعلها تسترخي على الفراش، وجلس على حافة الفراش ومن ثم عاد ليدلكهما سويًا وهو يردد بحنانٍ:
_كملي نومك أنتي..
أعادت رأسها للوسادة براحةٍ بدأت تشعر بها بعدما خفف ألم قدميها، فغفت رغمًا عنها من فرط الإرهاق، على أمل الاستيقاظ بعد ساعة من الآن لأداء صلاة الفجر، وحينها دق المنبه الخاص بها، فأنزعجت معالمها، وقبل أن يصل ذراعيها للساعة الصغيرة المقابلة لرأسها كانت يديه الأسرع لها، فأطفئ المنبه حرصًا منه أن تنال قسطًا أخر من الراحة، ولكنها كانت قد استيقظت بالفعل، جحظت عين "ماسة" في صدمةٍ حينما وجدته مازال يجلس جوارها ويدلك قدميها بعد، فاتكأت بمعصمها لتستقيم بجلستها ثم تساءلت بذهولٍ:
_أنت لسه منمتش؟
وقبل أن يجيبها قالت بحرجٍ:
_أنا ازاي محستش انك لسه صاحي لحد دلوقتي!! ، أنا والله من كتر التعب محستش بنفسي حقك عليا..
ضم وجهها بين كف يديه، وأجلى أحباله الصوتية قائلًا:
_راحتك هي راحتي، ليه مش قادرة تستوعبي ده!
أدمعت عينيها بالدموع تأثرًا لكلماته ولما يحرص دائمًا على فعله، فرفعت أصابعها تحتضن يده ثم قربتها لتطبع قبلات رقيقة على كف يده، تعالت صوت أنفاسه التي تجاهد ذاك الشعور القوي الذي يهاجمه في قربها منه، وما زاد مشقته حينما همس صوتها الرقيق بشجنٍ:
_بأحبك يا يحيى.. بحبك أوي.
قرب رأسها إليه ليعانقها بين أضلعه، وهو يتودد لها بعشقٍ:
_حبك نقطة في بحر حبي ليكي يا ماسة، وجودك جنبي رد فيا الروح بعد كل العذاب ده..
ثم رفع وجهها مقابله وشفتيه تمنحها أجمل ابتسامة وتردد بكلمة خطفتها:
_بحب كل حاجة فيكي، عيونك... وقلبك... وروحك...أنتي هوسي..
توقف لسانه عن بوح المزيد من همسات العشق، وجعل الحديث بينهما مختلف عن سابقه، حديث بالطبع لن يجمع سواهما!.
**********
بغرفة "أحمد"
تسلل بخوفٍ من أن تشعر به "حور" فحينها سيحدث ما لا يحمد عليه، وخاصة بأنه يعلم استيائها من تأخيره بالعودة، فما أن أقترب من الفراش حتى أضاءت الضوء، ليتمكن من رؤيتها وهي تترقب عودته، بنظراتٍ لا تنذر بالخير، فترك حذائه أرضًا ثم قال باستسلامٍ:
_كنت ساهران معاهم، مهو مش معقول هسيب قاعدة زي دي وأطلع أنام..
نهضت "حور" عن الفراش ثم دنت لتقف مقابله وهي تخبره بغيظٍ:
_يعني أنت بتفضلهم عليا يا أحمد، وأنا من الصبح قايلالك اني عايزاك في موضوع مهم. بقى دي أخرتها؟
اقترب منها وهو يقول بابتسامةٍ ماكرة:
_أيه ده شامم ريحة غيرة لأول مرة أشمها.
جذبت مئزرها ثم ارتدته وهي تجيبه على مضضٍ:
_هغير من مين، اللي مضايقني انك مقدوننيش ولا قدرت إني عايزة أتكلم معاك..
رد عليها بهدوءٍ:
_خلاص مختلفناش، أنا رجعت أهو وجاهز أسمع اللي عايزة تقوليه..
لعقت شفتيها بارتباكٍ، وكأنها لا تعلم من أين ستخبره، فرددت بتوترٍ وهي تدنو من المقعد المقابل للشرفة:
_آآ... أصل.. أنا... يعني..
اتبعها ثم جلس على المقعد المجاور لها ليتساءل بدهشةٍ:
_أصل أيه ما تتكلمي!
رددت بعصبيةٍ بالغة:
_ما أنا بحاول أتكلم أهو الله..
انكمشت تعابيره بدهشةٍ من صوتها المرتفع الذي يعهده لأول مرة، فقالت بتوترٍ:
_أنا مش قصدي اعلي صوتي والله، بس أنا حقيقب مرتبكة ومش عارفة أقولك أيه..
رد عليها بحيرةٍ:
_ليه كل ده.. هو أكيد في كارثة صح!
ابتسمت وهي تشير له نافية:
_لا مش للدرجادي..
والتقطت نفسًا مطولًا قبل أن تخبره:
_أنا الفترة اللي فاتت كنت بحس بحاجات غريبة، ولما اتكلمت مع تسنيم شكت اني حامل، والنهاردة عملنا الاختبار وفعلًا طلعت شكوكها صح..
انهت كلماتها وهي تراقب ردة فعله على استحياءٍ، فوجدته مصدوم مما استمع اليه، وخاصة حينما ظن ببدء الامر بأنها ارتكبت خطأ فاضح، فترددها بالحديث أذهب عقله لتفكيرٍ بعيد، وزع "أحمد" نظراته بين عينيها تارة وبطنها تارة أخرى، ثم قال بتشتتٍ:
_متأكدة؟
ردة فعله أحبطتها نوعًا ما، فأومأت برأسها وهي تجيبه:
_أيوه، متأك.....
بترت كلماتها حينما حملها بين ذراعيه وهو يطوف بها بفرحةٍ وصوت ضحكاته تطرب آذانها، فلأول مرة ترآه سعيدًا بتلك الدرجة، وخاصة حينما قال:
_ده أحلى خبر سمعته بعد خبر جوازي منك.... أنتي دخلتي السعادة وكل شيء جميل لحياااتي..
تشبثت برقبته وهي تصيح به:
_نزلني طيب..
أخفض ذراعيه ليضعها أرضًا، ثم طبع قبلة عميقة على جبينها وهو يردد بفرحةٍ:
_ربنا يكملنا فرحتنا على خير، ويفرحني ببنوتة قمورة زيك كده..
ثم ابتعد عنها وهو يهرول تجاه الباب، فاتجهت خلفه وهي تتساءل باستغرابٍ:
_رايح فين؟
قال وهو يغلق الباب من خلفه:
_هقول لبابا وماما... لا للبيت كله..
لحقت به وهي تشير له بصدمة:
_الوقت متأخر يا أحمد!
قال دون مبالاة:
_يصحوا مش هيجرى حاجة..
أغلقت الباب من خلفه وهي تردد بابتسامة مشرقة:
_اتجنن لما سمع الخبر ده ولا أيه!
*******
بغرفة "عمر"
طرقات الباب كانت مزعجة بالدرجة التي ايقظت كلا منهما، فقالت ريم بقلقٍ:
_مين اللي هيخبط علينا السعادي يا "عمر"،لتكون ماسة جرالها حاجة..
ربت على يدها وهو يخبرها:
_اتفائلي بالخير يا حبيبتي، هقوم أشوف مين..
وبالفعل نهض من جوارها ليدنو من الباب، فما أن فتحه حتى اندفع أحمد تجاهه قائلًا بابتسامة واسعة:
_آسف اني صحكتم بس عايزاكم في حاجة مهمه..
نهضت ريم عن الفراش ثم أسرعت تجاهه وهي تتساءل بخوفٍ:
_أختك كويسة!
أجابها على الفور:
_ماسة بخير بس اللي عايزكم فيه يتعلق بيا أنا..خبر من الأخر يعني..
ردد عمر بذهولٍ:
_خبر أيه السعادي يا ابني.. ميستناش لبكره؟
هز رأسه نافيًا، فزفر عمر بضيقٍ:
_طب قول وخلصني في ليلتك الغريبة دي..
قال وهو يعدل من قميصه بعنجهية:
_بالصلاة على النبي كده يا حاج ابنك هيبقى أب وهيخليك جد معاه..
ابتسم عمر بفرحةٍ، بينما ضمته ريم ثم قالت بفرحة:
_ما شاء الله، الف مبرووك يا حبيبي، ربنا يكملها على خير ويشرفنا على الكامل يا رب..
منحها ابتسامة هادئة وهو يردد بتمني:
_يارب يا ماما..
لف عمر ذراعيه حول كتفه ثم قال:
_الف مبروك يا أحمد، الف مبروك يا حبيبي..
ثم جذبه للخارج ليغلق الباب من خلفه، فضيق عينيه باستغراب وخاصة حينما قال عمر بابتسامة مصطنعة:
_اكتم بقى فرحتك جواك للصبح، وبعد كده نبقى نفرح البيت كله معانا، بلاش تصحي حد تاني كفايا إحنا، أصل أنا عارفك لما بتفرح بتحب الدنيا كلها تعرف ايه اللي مفرحك.
رفع حاجبيه ساخرًا:
_دي طريقة تعاملني بيها بعد ما قولتلك انك هتبقى جد؟
ضحك عمر، ثم همس له بخبثٍ:
_كنت عارف على فكرة، الخبر مش جديد عليا..
حك مقدمة رأسه بحيرةٍ:
_عرفت منين!
أجابه قائلًا:
_ماسة قالتلي..
ثم أشار له على الدرج ليسترسل بمزحٍ:
_أنت عارف السلم ده هيطلعك فين صح؟
حدجه بنظرةٍ ضيق ثم تركه واتجه للدرج وهو يقول:
_عارف.. تصبح على خير يا حاج.
ضحك عمر وهو يتطلع اليه حتى صعد للاعلى، فعاد لغرفته والفرحة لا تسعه بسعادة ابنه التي عادت لتنير دنياه بعدما حدث له من قبل.
********
صعدت الشمس لتحتل عرشها الذهبي، فتخبئ القمر بظلامه الدامس خلف أشعتها، فبددت ظلامه بذلك الضياء الساطع، فداعبت عينيه وفتحهما على مهلٍ ثم نهض ليخرج لشرفة المندارة، فعلى الرغم من كونها منزل منعزل عن السرايا، ولكنها كانت مقابله بالتحديد، استكانت عين "أيان" على فهد الذي يجلس خلف باحة المنزل، ولجواره كانت تجلس زوجته، يتناولون طعام الافطار، فنقلت نظراته للحديقة الجانبية لتهيم عينيه بمعشوقة قلبه التي اختارت الخروج في وقت كذلك، لعل الهواء النقي يزيح غيمة قلبها، فرغمًا عنها رفعت عينيها تجاه شرفة غرفته، فوجدته يقف ويتأملها، تقابلت الأعين ومنه توحد الوجع، كلًا منهم يود لو يبوح للأخر بوصف دقيق لما يشمله ألم القلوب، كلاهما يعاني وكلاهما يحتاج لوجود الأخر بجواره، هو يحارب ما يكتفه من خصام جعلته شخصًا سيء وهي تحارب ذاتها التي جعلتها فريسة سهلة لشخصٍ مثله..
على بعدٍ منهما..
أتت "رواية" منذ الصباح الباكر حتى تتمكن بالحديث مع زوجها الذي رفض الحديث بالأمس لتعبه الشديد وحاجته للنوم، فقالت بضيقٍ شديد التمسه فهد بحديثها:
_أنا بجد معتش فاهمه حاجة يا فهد، أنت جايب الشخص ده هنا ليه بعد كل اللي عمله فيك وفي بنتك، أنا مصدقت انها اتخلصت منه تقوم تجبهولها لحد هنا!
قضم اللقمة المغموسة بالعسل الصافي ثم قال:
_أني عارف أني بعمل أيه زين.. متقلقيش سبني أني اتصرف.
كزت على أسنانها بغيظٍ، فقالت وهي تحاول التحكم بأعصابها :
_دي بنتي يا فهد ومش هسمحله انه يكسرها تاني، مش كفايا انه كان هيقتلها وهي في بيته واللي اتسبب فيه لآسر!
رفع عينيه تجاهها ثم قال:
_الغلط جاي من عندينا من البداية يا رواية، متنسيش ان مهران من نسل الدهاشنة واللي عمله يدينا كلتنا..
اعترضت لما قال حينما اخبرته:
_يبقي هو وابنه اللي يدفعوا التمن مش احنا ..
ثم بدأت بتهدئة ذاتها، فبالنهاية تجلس بصحبته بالأسفل، لذا اختارت الحديث بهدوء؛
_فهد عشان خاطري بلاش الشخص ده يكون موجود وسطينا، هيدمر روجينا تاني وأنا مش هستحمل ده.
شفق لحال محبوبة قلبه وعشقه الوحيد، فترك الخبز من يديه ثم وضع يديه على يدها وهو يخبرها بلهجتها التي تعشق سماعها منه:
_رواية أنا مبعملش حاجة في حياتي غير أني بحميكي أنتي وأولادنا، واللي بعمله ده لمصلحة بنتي..
تساءلت بحيرةٍ:
_ازاي بس؟
أشار بعينيه للأعلى:
_بصي فوق وأنتي تعرفي..
استدارت برأسها للخلف ومن ثم رفعتها تجاه ما يشير، فوجدت "آيان" يقف بالشرفة شاردًا بالتطلع للمكان الذي تجلس به ابنتها، والغريب أن حالها لا يقل عنه، فكانت هائمة به هي الاخرى، احتارت نظراتها فعادت لتتطلع لزوجها عله يشرح لها ما يقصده فقال بصوته الرخيم:
_بنتك لسه بتحبه يا رواية ومستحيل هتنساه، أنا شايف حبها ليه في عيونها حتى لو هي بتحاول تداري ده..
وسحب نفسًا عميق قبل أن يستكمل بهدوءٍ:
_ولو جينا نفكر، بالعقل هنلاقي أن آيان ضحية لخالته ولمهران الكلب اللي اتسبب في كل العداوة دي.. كان ممكن اقبل اعتذاره وكل حي يروح لحاله بس ساعتها العداوة اللي اتبنت سنين بين المغازية والدهاشنة عمرها ما كانت هتتمسح بالبساطة دي، وأكتر من حد كانوا هيحاولوا يوقعوا الدنيا تاني والله أعلم عما سوء التفاهم ده يتحل مين زي بنتك هيدفع التمن، لكن وجوده هنا وسطينا هيخليه يعرفنا كويس ويعاشرنا عن قرب ومنه يعرف طباعنا ويعرف ايه اللي بنعمله وأيه اللي مش بنسمح بيه، وساعتها مفيش مخلوق هيقدر يدمر بين العيلتين وكبيرهم بقى واحد مننا..
ثم استرسل قائلًا:
_أنا بديه فرصة ومعاه بدي لبنتي فرصة تانية، حاسس انه نفسه يكون شخص كويس بس غصب عنه اتولد وسط الكره ورغبة الانتقام، انا بحاول اخليه يدمر اي كره جواه من نحيتنا حتى لو كان هو بنفسه عارف اننا الصح وهو الغلط، لازم هو بنفسه يتغلب على كل ده.. وقبل اي حاجة فأنا باللي بعمله ده برد اعتبار بنتك وبرفع من كرامتها اللي هو داسها في وقت انتقامه ومن غير ما انزل منه أو أخد بتاري منه... كل ده بسبب القرار اللي اخدته.. أظن بعد اللي سمعتيه ده القلق ميبقاش له وجود جواكي والا أيه؟
ارتسمت ابتسامة رقيقة على معالمها، فقالت بصوت سكنته الراحة:
_مبقتش قلقانه يا فهد، لانك كل مرة بتفاجئني بحكمتك وذكائك.. وده اللي دايمًا بيشدني ليك..
تطلع جواره قبل أن ينحني بجسده على الطاولة ليهمس لها بمكرٍ:
_ده بس اللي عجبك فيا يام العيال!
سكن الخجل قسمات وجهها فأخفضت صوتها وهي تجيبه:
_في حاجات كتيرة طبعًا بس مش هينفع الكلام هنا لما نطلع..
غمز لها بخبثٍ:
_طب ونستنى ليه يا بنت الحلال، دي مواضيع مهمة ولازمن ولابد نتكلم فيها وقتي..
نهضت عن الطاولة ثم حملت صينية الطعام لتشير له بدلالٍ:
_بليل نتكلم، أنا لسه هحضر الفطار لآسر..
وتركته وغادرت من أمامه ومازالت الابتسامة تزين وجهه..
********
أبعدت "روجينا" عينيها عنه، ثم جذبت الدفتر الخاص بها، فأصبح هو ملجأها الوحيد طوال تلك الفترة، وخاصة بعد تواصلها مع طبيبة نفسية عن طريق الانترنت، فطالبتها بتدوين كل ما يشغل عقلها، كتابة مشاعرها على ورق ربما يزيح عنها الكثير، انزلق القلم من بين يدها فحاولت جاهدة الوصول إليه بمقعدها المتحرك، ولكن يد ما انتشالته لتقدمه لها، ابتسمت وهي ترفع رأسها وتردد دون رؤية من عاونها:
_شكرًا..
ارتبكت حينما رأت "أحمد" يقف مقابلها، فمنحها ابتسامة هادئة:
_العفو.. أنا في الخدمة..
فركت أصابعها بارتباكٍ، فاوقفته حينما استكمل طريقه للخارج فنادته بارتباكٍ:
_أحمد.
توقف عن المضي قدمًا ثم استدار وهو يسألها:
_في حاجة يا روجينا؟
أومأت برأسها وعينيها موضوعة أرضًا، فسحب أحد المقاعد ليصبح مقابلها:
_اتكلمي قلقتيني!
رفعت عينيها الباكية تجاهه ثم قالت:
_أنا مش عارفة اعتذرلك ازاي عن كل اللي اتسببتلك فيه، أنا آآ..
قاطعها حينما قال:
_مالوش داعي الكلام ده يا روجينا اللي عدى خلاص اتنسى احنا في النهاردة..
أغلقت عينيها لتجابه تلك الدمعات الحارقة، وهي تخبره برجاء:
_أرجوك سبني اتكلم يمكن احساس الذنب اللي جوايا ده يخف.. أنت متستهلش كل اللي أنا عملته فيك، عشان كده أنا بعتذرلك من قلبي وبتمنى انك تسامحني انت وحور،أنا من يوم ما جيت هنا وعلاقتنا مبقتش زي الاول ..
واستكملت بابتسامة وهي تزيح دموعها بأصابعها:
_يمكن الحاجة الوحيدة اللي مفرحاني السعادة اللي شايفاها بعيونك والحب اللي بينكم، ربنا سبحانه وتعالى بيختار لينا الافضل وهي الأختيار الافضل ليك يا أحمد لإنك تستاهل كل خير.
منحها ابتسامة صافية، ثم ربت بيديه على يدها وهو يخبرها:
_اتغيرتي يا روجينا، ويمكن دي تكون بداية جديدة لحياتك، عشان كده بلاش تبصي لماضيكي وشوفي حياتك، حاولي تخرجي نفسك من الحالة اللي انتي فيها دي لانك تستهلي فرصة تانية..
أومأت برأسها بتأكيدٍ، والابتسامة مازالت مرسومة على وجهها، فتركها أحمد وغادر، ومازالت الأعين تتربص بها، أعين تملأها البكاء وأعين أخرى يملأها الغضب، فربما تحملت حور ما رأته، ولكن آيان كان من الصعب عليه التحمل، لذا اندفع للاسفل والغضب يتراقص بين حدقتيه، ليجدها مازالت تدون بدفترها الغامض بالنسبة له، جذب الدفتر الصغير عنها ثم وضعه بجيب جاكيته، وحملها بعد ذلك بين يديه ليصعد بها للاعلى وهي تصيح بصدمة:
_واخدني فبن، سبني!
لم ينصاع لصراخها ولم يبالي بسماعها أحدًا بل صعد بها لغرفته، ليلقيها على الفراش وعينيه الغاضبة تدنو لتصبح قريبة منها، ابتلعت روجينا ريقها الجاف بصعوبة بالغة، وهي تتذكر ما كان يفعله من شدة غيرته عليها، فمن المؤكد لها بتلك اللحظة بأنه رأى لقائها القصير بأحمد، تحرر عقدة لسانه الثقيل حينما قال:
_أوعى تختبري غيرتي عليكي، أو تتحديني باللي بتعمليه يا روجينا، لانك هتكوني بتلعبي بالنار اللي هتحرقني وهتحرقك..
زحفت بظهرها للخلف وهي تردد بصوتٍ متقطع من فرط الخوف:
_أنا معملتش حاجة والله، أنا كنت بعتذرله عن اللي حصل..
دنى منها مجددًا وهو يتساءل بغضب:
_تعتذري على أيه انتي أيه اللي جمعك بيه عشان تعتذريله انطفي ايه اللي بيحصل أنا معرفوش!!
انهمرت دمعاتها المحتقنة وهي تخرج ما بداخلها:
_قصدك تقول أيه اللي معملتوش معاه، أنا خنت ثقته فيا ودمرته وبالرغم من كل ده لسه شايفني بنت عمه وبيساعدني من اول ما رجعت البيت ده، أنا بستحقر نفسي كل ما بشوفه هو وحور، أنا مش قادرة ارفع عيني في عينها، لاني كنت عارفة انها بتحبه وبالرغم من كده كنت بعاند ولسه بكمل في العلاقة دي، حتى بعد ما حبيتك وكسرتني بالشكل ده كان لسه هو جانبي وبيساعدني في اللحظة اللي كان ممكن يتخلص مني فبها ويتجوز البنت اللي كان معجب بيها، أنا عملت كل الوحش اللي في الدنيا.. وبتقولي بتعذريله على أيه!!
ثم رفعت يدها لتدفعه بعيدًا عنها وهي تصرخ:
_أنت السبب في كل حاجة، أنت السبب في كرهي لنفسي وليك.. أنت السبب..
أمسك يدها التي تلكمه بقوةٍ، ثم قال:
_قولتلك انسي اللي فات وخلينا نبدأ من جديد وانتي رافضة ده!
ابتسمت بسخرية:
_أنسى أيه ولا أيه!، انسى انك كسرتني بدل المرة خمس مرات ولا انك خوضت في عرضي قدام الناس كلها وأنت المفروض اللي تبقى سندي وتدافع عني ولا انك اخدتني البيت ده عشان اتزل فيه،ولا انك كنت هتموت اخويا وأبويا وسمعت ده بوداني،ولا انك السبب في موت ابني اللي كان هيهون عليا كل الشر اللي شوفته منك!
ثم رفعت يدها لترطم صدره بكل قوة امتلكتها وهي تصرخ به:
_ أنا بكرهك.. بكــــــرهك ومستحيل هغفرلك كل اللي عملته ده..
لمعت عينيه بالدمع، فكتف يديها بيده معًا ثم قرب يديه الاخرى من وجهها، فتراجعت برأسها للخلف وهي تصرخ ببكاءٍ:
_إبعد عني، متلمسنيش..
أحكم يده حول رأسها ليجبرها بالاقترب منه وسماعه حينما قال بحزن:
_أنا سبت كل حاجة ورايا وجيت هنا عشان، حتى لو هتعرض للاهانة فمستعد أستحمل ده عشانك، خلي ده يشفعلي عندك ويديني فرصة.. أنا عايز أتغير علشانك أنتي يا روجينا..
واستند بجبهته على جبهتها، فلفحت أنفاسه وجهها وهو يخبرها:
_والله بحبك ومحبتش غيرك.. عارف اني كنت غلط بس كل ده اتزرع جوايا من طفولتي أنا ماليش ذنب.. إعتبريني ضحية زيك..
رفعت عينيها تجاهه وقد هدأت ثورة بكائها، فبدت له مترددة للغاية فيما تفكر به، ليجدها تحني رأسها حتى استقرت على صدره، انتفض جسده بقوةٍ وكأنه لا يصدق بأنها تحتضنه، فترك يدها التي تكتفها ثم ضمها اليه وهو يردد بألمٍ:
_حبيبتي... مستحيل هخذلك يا روحي.. هعمل المستحيل عشانك..
رفعت يدها على ظهره فطبع قبلة على خديها القريب منه، خشيت روجينا أن يتطور الامر بينهما، لذا ابتعدت عنه برفقٍ ثم قالت:
_رجعني بقا قبل ما بابا يشوفني.
ابتسم على طريقتها بالحديث، وكأنها ترتكب فعل شنيع من خلف أهلها كالسابق، فهو الان رغمًا عن الجميع زوجها، ولكنه لا يريد أن يخسر تلك الخطوة التي حققها اليوم، لذا حملها وهو يتجه للاسفل قائلًا بنبرة دافئة:
_حاضر يا ستي هنزلك قبل ما ماما تشوفك وتقول لبابا ويحصل كارثة..
ضحكت على مزحه وما ان دنت من مقعدها حتى هبطت لتجلس عليه، فانتصب بوقفته وهو يتطلع للطعام جوارها فتساءل باستغراب؛
_مش من عادتك تفطري في وقت زي ده!
ذمت شفتيها بضيقٍ:
_هنا اللي بيصحى من النوم الفطار بيتحضرله على طول من غير أي نقاش..
منحها ابتسامة ساكنة، فجحظت عينيها في صدمة وهي تتطلع لمن يقف خلفه، فاستدار ليجد آسر يدنو منه، فوقف مقابله ثم قال بغموض:
_قالولي ان همام أخد عليك أوي، وأنا عايز أشوف ده بنفسي.
استدار تجاهه "آيان" ثم قال بسخريةٍ:
_هو أنتوا لسه محسسني أن همام ده وحش، ده مجرد خيل والتعامل معاه بسيط.
اقترب منه آسر ثم تطلع له بغموضٍ، انتهى حينما قال:
_أيه رأيك في سباق، ولا مالكش غير في سباقات الحياة..
ضيق عينيه وهو يشير له باستغرابٍ:
_سباق وأنت بالحالة دي!
اجابه بنفس الابتسامة:
_متقلقش عليا، أنا كويس..
رد عليه باستسلام:
_معنديش مانع..
هبط آسر الدرج ثم قال:
_حيث كده تعالى ورايا.
راقبتهم روجينا بخوفٍ، فما أن خرجت تسنيم من الباب الداخلي، فأشارت لها روجينا قائلة:
_خديني عند الاسطبل يا تسنيم..
قوست حاجبيها باستغراب:
_ليه..
دفعت المقعد بيدها وهي تشير لها:
_بسرعة بس وهقولك واحنا رايحين..
انصاعت لها ودفعت المقعد حتى وصلوا بالقرب منه، فصدمت تسنيم حينما رأت آيان يمتطي همام، وآسر أحد الفرس الأصيل، وعلى ما يبدو استعداد كلا منهما لسباق سيبدأ الآن..
اقترب آيان منه بالفرس، ثم قال بدهشة:
_ليه ادتني همام وهو يعتبر الافضل بين الفرس، مش خايف تخسر!
بسمة ثقة تحلى بها آسر وهو يجيبه:
_الخسارة والفوز المسؤول عنهم الفارس مش الخيل..
ثم أشار له بابتسامة غامضة:
_جاهز!
هز رأسه إليه، فانطلق كلا منهما تجاه العلم الصغير الذي وضعه آسر ليضع نقكة نصر لمن يصل أولًا، فتفاجئ آيان بسرعة الخيل الذي أجبره آسر على الانصياع لأوامره، فاخترق العلم أولًا ومن خلفه آيان، وحتى وإن لم يكن يفصلهما سوى مسافة صغيرة ولكنه من حقق النصر، هبط آيان عن الفرس ثم دنى من آسر ليقول بإعحابٍ:
_عندك حق، الفارس بيقلب الموزين مش الفرس..
ثم تساءل باهتمامٍ:
_شكلك غاوي ركوب الخيل من سنين.
هبط آسر عن الخيل ثم قال:
_من وأنا عندي 8سنين تقريبًا، وبالرغم من ان رجلي اتكسرت أربع مرات الا اني كنت مصمم اتعلم ركوب الخيل لاني لما بحط في دماغي حاجة مفيش قدامي عائق ممكن يوقفني..
أومأ برأسه بتفهمٍ، ثم قال بلمحة من الحزن:
_مش وحش انك تكون بتمارس الحاجة اللي بتحبها وعندك وقت لده.
حزن آسر لاجله لاول مرة، فدنا منه ثم قال:
_وحتى لو مقدرناش نحقق احلامنا بالطفولة معانا العمر كله اننا نعيش اللي مقدرناش نعيشه..
هز رأسه وهو يهمس بشرودٍ:
_عندك حق..
ابتسم آسر وهو يشير له بجدية مصطنعة أحبها آيان:
_طب أيه مش هتساعدني ننضف الاسطبل النهاردة ولا هتخلع زي الباقي..
ابتسم وهو يجيبه ساخرًا:
_وأنا ورايا أيه يعني.. يالا..
اتجهوا سويًا للاسطبل، ونظرات فهد تراقبهم بابتسامةٍ مكر وانتصار لما خاضه من تحدٍ سافر وانتصر عليه بجدارة.. لا يعلم بأن القادم سيجعله هو شخصيًا يخوض علاقة من نوعًا مختلف ستجمعه بألد أعدائه.
......... يتبع.................
#الدهاشنة3... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت...
*******_____________*********
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الخامس عشر 15 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة 3. (#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_الرابع_والأربعين..
إهداء الفصل للقارئة الجميلة/جنان رمضان من فلسطين 🇵🇸 الحبيب ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
يقال أن الأيام وحدها قادرة على صنع المعجزات، وكذلك كان حال ذلك الغريب عن أهل منزله، فيومًا عن أخر تقبل الجميع وجوده بسرايا الدهاشنة، حتى بات له وجود ملموس مع الجميع، فقد حرص "فهد"على أن يجمعه بالشباب جميعًا، فكان يختصه بفعل أي شيء بصحبتهما بهدف المساعدة، واليوم كان عائدًا بصحبتهم على الجرار بعدما انتهوا من العمل بأحد الأراضي التابعة للعائلة، فاستلقى" آيان" على المقطورة الخلفية بإنهاكٍ واضح على معالمه، فاستدار "بدر" برأسه للخلف ليتأمل حالته بنظراتٍ ساخرة لم يمررها كذلك دون أن يجاكره بكلماته اللازعة:
_شكلك مكنتش واخد على الشقى يابن المغازي..
سلطت نظرات الشباب بأكملهما عليه، فقال "آسر" بتحذيرٍ:
_وبعدين يا بدر، أنت مش هتهدى اللعب بقى، عندك استعداد تناغش فيه ال24ساعة مبتزهقش يا جدع ولا أيه!
ضحك "يحيى" ثم قال وهو يمسك بذراع "آيان" ليتمدد جواره:
_والله يا بدر كلنا هلكنا من الشغل مش آيان لوحده، فلو أنت حاسس ان لسه جواك طاقة ونشاط روحنا وارجع كمل أنت ..
تعالت ضحكات الشباب وخاصة حينما حدجه "بدر" بنظرةٍ محتقنة، فأضاف "عبد الرحمن" وهو يقضم قطعة من القصب الشهي:
_متحبكهاش يا واد عمي، فكها وخلي خلقك استرتش.
تعالت الضحكات الرجولية فيما بينهما، فقال "أحمد" هو الاخير:
_ده الواد اليومين اللي قضاهم معانا بالغيط خس النص يا عين أمه، وكل ده عشان يرضي الكبير وفي الأخر تزود حمله بحديثك الماسخ..
إتكأ "أيان" على معصمه ثم نهض ليستقيم بجلسته ليباغتهما بقوله الساخر:
_انتوا هتشحتوا عليا ولا أيه!
ضحك "يحيى" مطولًا، ثم قال بصعوبةٍ بالحديث:
_ده جزاتنا اننا بنحنن قلب بدر عليك..
أجابه بتريثٍ:
_أنا أخدت عليه كده ولو إتغير هحس ان في حاجة مش تمام..
عاد ليتطلع لهما مجددًا، فصاح به "أحمد" بغضبٍ:
_ولا بص قدامك وانت بتسوق بدل ما نروح في خبر كان، لو العصبية واكلة قلبك تعالى اقعد ورا وأنا أسوق، عايزين نربي العيال اللي لسه جاية دي الله يحرقك..
أوقف "بدر" الجرار مرة واحدة، فانكفئ الجميع على وجوههم، ثم صعد للخلف ليجلس جوارهما، مشيرًا بيديه بعصبيةٍ بالغة:
_أنا غلطان إني بريحكم، اطلع سوق يابو لسان طويل...
ووزع نظراته القاتمة بينهما جميعًا ثم قال بضيقٍ:
_خلاص بقيتوا كلكم من حزب ابن المغازي، أكل بعقلكم حلاوة الفترة اللي قاعدها معاكم في الغيط!
ابتسم"أيان" ساخرًا، ثم قال باستنكارًا:
_ياريتني أفهم العقول يا بدر، على الأقل كنت قدرت أفهم دماغ "فهد"، وأعرف أيه اللي بيفكر فيه.
لكزه" آسر" بقوةٍ، ثم قال بعينين ملتهبة:
_قولتلك عود لسانك يقول الكبير، مش هطيق أسمعك بتقلل منه وأنت بتناديه باسمه كده..
قال بنفس الابتسامة:
_بحاول بس أنا أخدت على كده..
أتاهم صوت "أحمد" من الأمام يخبرهما:
_وصلنا يا رجالة..
دخل الجرار للجراج الخاص بالسرايا، فصفه أحمد بعنايةٍ ثم هبط ليلحق بالشباب للداخل، فوجدوا "فهد" يقف على الدرج الصغير المؤدي للباب الداخلي في انتظارهما، فحانت منه نظرة متفحصة تجاه "آيان" الذي يوشك على الصعود لغرفته، فأشار له بعصاه، ليهم بالاقتراب منه قائلًا بأستغرابٍ:
_في حاجة يا فهد؟
ابتسم وهو يتطلع لهيئته المشعثة، وملابسه التي يملأها الوسخ، ثم قال بثباتٍ:
_غير خلجاتك وانزل عشان تأكل معانا..
أومأ برأسه في طاعة:
_أوكي.
ثم استدار ليغادر فأوقفه صوت الكبير حينما اخبره:
_عندك ضيوف فوق، متتأخرش كتير..
استدار تجاهه ثم تساءل بذهولٍ:
_ضيوف مين دول؟
رفع فهد عينيه تجاه شرفة غرفته، فتطلع "آيان" لما يتطلع إليه، فوجد خالته في انتظاره، فصعد على الفور للأعلى، وما أن ولج للداخل حتى ألقت نظرة متفحصة على حاله، والذهول ينال منها، كانت تحاول تستوعب أن من يقف أمامها هو نفسه ابنها المغرور التي حرصت على زرع به كبرياء لا يتنازل لأحدًا قط، فتحرر لسانها أخيرًا وهي تشير له بصدمةٍ:
_أيه اللي أنت عامله في نفسك ده يا ولدي، ده أني مصدقتش عمك لما قالي إنك اهنه في بيت "فهد" ومشغلك كيف الخدامين، ازاي تسمحله يعمل فيك اكده؟
لاح على وجهه الرجولي ابتسامة ساخطة، واتبعها صوته المستهزأ من حديثها:
_عملت اللي حسيته صح لأول مرة في حياتي..
رفعت حاجبيها باستنكارٍ:
_الصوح إنك تخليه يزلك ويكسرك!
في ذلك الوقت، كان "بدر" يؤدي مهامه المكلف به من قبل عمه كل يومًا، حتى بات يكره ذاته، وكأن فهد يعلم بمدى كره بدر اليه لذا كانت مهام استدعائه لتناول الغداء من نصيب بدر، فكاد بطرق باب الغرفة ولكنه توقف حينما استمع لصوتها الذي يخبره بأن عمه يتعمد أن يكسره ويزله، فترقب سماع ما سيقول آيان، وبالفعل أتاه صوته يجيبها:
_بالعكس أنا اللي زلته وكسرته وبالرغم من كل ده ومعاه الف فرصة يعمل فيا زي ما عملت فيه بس معملش لانه أصيل واتربى وربى عياله بنفس الطريقة اللي اتربى فيها، انا مشوفتش أي اهانة منه ولا من عياله بالعكس كلهم بيحاولوا يحتوني، كلهم عندهم شفقة عليا من التربية اللي أنت ربتيهالي والكره اللي زرعتيه في قلبي..
جحظت عينيها في صدمةٍ، ليتبعها قولها المشتت:
_مالها التربية اللي ربتهالك، ربيتك عزيز وغالي وتعرف كيف تاخد تارك من اللي ظلموك..
ابتسم وهو يجيبها بسخطٍ:
_من الحريم! ، انتي معلمتنيش ازاي أكون راجل حتى وأنا بأخد حقي، انتي خلتيني أستحقر نفسي في كل خطوة كنت بخطيها، وفي الاخر مطلعش فهد ولا عيلته اللي ورا اللي حصل لأمي..
عارضته بصوته الصارم الذي مازال يحمل الكراهية تجاه نسل الدهاشنة:
_بس برضك اللي عمل اكده من عيلتهم ونسلهم، انت مغلطتش يا ولدي..
ضحك بهستريةٍ، وسرعان ما ثبتت انفعالاته فتحولت عينيه لسواد كاد بابتلاع من تقف أمامه، فداهمته نبرته الخشنة:
_أنتي أيه، قلبك ده مخلوق من القسوة والحقد، حتى بعد ما آسر ابنه انقذ بنتك من اللي كان هيحصلها على إيد الكلب ده!
توترت معالمها، وهي تجيبه بغلظةٍ:
_وشكرته هو وأبوه مرتين بس ده ميمنعش ان التار اللي بينا لسه مآآ...
قاطعها صوته الصارم الذي انطلق ليصمم آذنها:
_انتهت، العداوة اللي بينا انتهت ومش هسمحلك تزرعي الكره تاني بين العيلتين ولو قادرة وريني هتعمليها ازاي وأنا موجود، متنسيش اني الكبير على المغازية كلها، وأي حد هيتجرأ ويأذي حد من عيلة فهد أو نسل الدهاشنة كلها أنا اللي هنسفه من على وش الدنيا حتى لو كان أنتي...
ثم استدار ليخرج من خزانته ما سيرتديه قائلًا دون التطلع لها:
_لو خلصتي كلامك اتفضلي..
كزت على أسنانها بغيظٍ، فجذبت حقيبتها ثم أسرعت بالخروج، فما أن فتحت الباب حتى وجدت "بدر" يقف أمامها ويرمقها بنظرةٍ استحقار، استكملت طريقها للخارج بينما ولج "بدر" للداخل ليمنحه نظرة متفحصة وهو يرتدي قميصه الأسود والحزن يعتلي معالمه، فلم يشعر بوجوده بالبداية وحينما استدار ليجذب المنشفة وجده أمامه، فأشار ببديه قائلًا:
_عمي عايزك..
أومأ برأسه ثم قال:
_جاي وراك يا بدر.
هز رأسه بتفهمٍ وغادر في هدوءٍ استعجب له آيان، ففي عادته كان يلقي على مسمعه كلمات لازعة، والآن يغادر في صمتٍ غير مقبول لآيان الذي تطلع للفراغ بدهشةٍ، ثم جذب المشط ليمشط شعره بعنايةٍ، واتبعه للخارج، فما أن هبط للأسفل حتى وجد معشوقة قلبه، تخطو خطواتها الثقيلة بمفردها كحال كل يوم، تتدرب بأمرٍ من الطبيب، فتخطو مسافات معينة بمفردها حتى وإن كان خطاها بطيء، ولكنها كانت تحقق استجابة للعقار والعلاج الطبيعي، استندت "روجينا" على الشجرة القريبة منها حينما ألمتها قدميها بعد أن اجتازت المسافة المطلوبة، فرغبت بالمشي أكثر لعل عقدة قدميها تنحل قريبًا، تود العودة لحالها السابق، فأطبقت بجفن عينيها في توترٍ عظيم حينما تذكرت ما حدث بالصباح الباكر، بعد أن تأكد ظنونها حول ما بها، شعرت بالخوف من القادم ولما تحمله من سرًا تظنه غير محبب لها في ذلك الوقت، فمازالت تجاهد لتخطي ما خاضته معه، وتحاول فتح صفحة جديدة بينهما، فتحت عينيها في صدمةٍ حينما شعرت بيد تحملها عن الأرض، فاستندت تلقائيًا بيدها على صدره القاسي، التقت عينيها بعينيه الرمادية، لتمنحها نظرة دفن عشقها بينهما، ثم تحرك بها ليضعها على المقعد القريب وهو يعاتبها قائلًا:
_مش الدكتور قايلك لما تتعبي تريحي على طول، بتعاندي كلامه ولا بتعاندي نفسك يا روجينا؟
ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة وعينيها صافنة بتأمله، حتى آذنيها لم تستمع لما يقول، غمرتها شعور فرحة لوجوده لجوارها حينما تحتاج لمساعدة، لا تنكر أن بالرغم من الجرح التي مازالت تحتفظ به الا انها سعيدة كونه لجوارها بأي وقت، دون أن تخشى أن يراه أحدًا لجوارها، نعم يحملها ويصعد بها لغرفته بالسر أحيانًا، ولكنها أحبت احترامه لها ولعدم رغبتها بأن يقترب منها بعد تلك الليلة التي جمعتهما بغرفته بعدما اتي إلى هنا، كل ما يفعله يجعلها قادرة على تخطي ما تجابه من ذكرياتٍ مؤلمة، تعجب آيان من صمتها، فبدت له شاردة، فوضع يديه على خدها وهو يناديها بلهفةٍ:
_روجينا!
رمشت بعينيها عدة مرات، فشعر بأنها لا ترغب بأن يلامس وجهها، فكاد بابعدها عنها، ولكنه تفاجئ بها تضم يدها على يديه وتتطلع له بعينين باكيتين، فسألها بخوفٍ:
_مالك، فيكي أيه؟
قالت بترددٍ لما ستخبره به:
_لما كنت حامل، كنت حزينه انك هتكون اب لابني بس مكنتش قادرة أكره وجوده ولا أتمنى إنه يموت بالطريقة دي، وحتى بعد ما ربنا اخده مني محطتش السبب ده في دماغي، حزني عليه كان أقوى من كل حاجة واتمنيت انه يكون لسه موجود جوايا لاني مكنش ليا غيره..
أدمعت عينيها، فاسند جبهته على جبهتها وهو يردد بألمٍ:
_لزمته أيه الكلام ده دلوقتي يا روجينا!
فتحت عينيها وهي تطالعه من هذا القرب الخطير لقلبها، فلعقت شفتيها وهي تخبره بارتباكٍ:
_أنا حامل يا آيان.
اتسعت نظراته إليها، فابتعد عنها وهو يوزع نظراته الحائرة بينها تارة وبين بطنها تارة أخرى، وكأن نظراته ستكتشف الأمر! ، وأخيرًا بعد افاقته من فترة صدمته ردد بتلعثمٍ:
_حامل!! بس آآ..
ثم مرر يديه بين شعره الغزير، فعاد ليبتسم وهو يردد بفرحةٍ:
_بجد؟
أومأت برأسها بتأكيدٍ، فضمها إليه بشدةٍ أوقعتها دون قصد من على مقعدها فأصبحت بين ذراعيه، تشبثت به بحبٍ لم تستطيع مقاومته بعد ذلك، فهمس لها بسعادةٍ:
_عقلي مش قادر يستوعب ان ربنا عوضنا بالسرعة دي..
ثم أبعدها عنه وهو يتساءل بجديةٍ:
_فهد عرف؟
تسلل الخجل لمعالمها، فقالت بتوترٍ:
_لا مقولتش لحد ومش هقول، أنت عايز تفضحني قدامهم اني كنت بجيلك فوق في اوضتك..
حدجها بنظرة مطولة ثم انفجر ضاحكًا وهو يردد من بين ضحكاته:
_خايفة المرادي من ايه، أنتي ماشية معايا يا عبيطة أنا جوزك وأكيد يعني مش هفضل هنا المدة دي كلها وأنا عاقل ومحترم يعني وأكيد أبوكي فاهم ده!.
لكزته بغضبٍ، فتعالت ضحكاته قائلًا وهو يحاول تقيد يدها:
_طب أفهم بس أنا قولت أيه غلط!
ردت عليه بشراسةٍ:
_أنت كل اقوالك وافعالك غلط، اوعى تفتح بوقك بكلمة أنا مش هيجيلي عين أحط عيني في عين حد خصوصًا البنات..
كبت ضحكاته وهو يخبرها:
_أنتي ليه محسساني انك اشتريتي حاجة وبتقوليلي هدريها، ده حمل يا ماما يعني بعد كام يوم كرشك هيكبر وهنتفضح كده كده!
كزت على أسنانها بغيظٍ من ضحكاته التي لا تبالي بما تمر به، فكورت يدها وهي تضربه بقوةٍ على صدره، قيد "آيان" حركتها بحرافيةٍ، ثم كتف ذراعيها خلف ظهرها، ودني منها وعينيه لا ترى سوى رعشة شفتيها المشتاقة لقربه، احتضن بيده وجهها ومن ثم مرر أصابعه على شفتيها المرتجفة فزداها شوقًا ورغبة به، اقترب هائمًا، ولكن سرعان ما أفاق على صوتًا رجولي منزعجًا:
_أنت يا عم روميو، معلش هنقطع رومانسياتك الجميلة دي وعايزين حضرتك تتفضل معانا جوه والا كلنا هنطلع ورا بعض ننادي لحضرتك بأمر من الكبير!
التفتوا سويًا تجاه الصوت ليجدوا "آسر" يقف من أمامهما مربعًا يديه أمام صدره ببرودٍ، ابتلعت ريقها بتوترٍ شديد فقالت وهي تدفعه بعيدًا عنها حتى سقط أرضًا:
_والله ما أنا ده هو..
ثم حاولت النهوض عنه فأختل توازنها، وسقطت من فوقه مجددًا، كبت "آسر" ضحكاته ثم حرك ذراعيه الأيمن لينتشلها بعيدًا عنها بسهولة وتمكن، ثم غمز بعينيه لآيان الذي يحاول النهوض:
_محتاج مساعدة عشان تقوم أنت كمان..
قال وهو ينفض ملابسه:
_لا أنا تمام..
أشار له وهو يساند شقيقته، ويتجه بها للداخل:
_طب يالا ياخويا.
مرر يديه على أرنفة أنفه ليخفي ابتسامته الهادئة، ثم ولج معه للداخل، فعاون "آسر"،" روجينا"على الجلوس على المقعد المجاور لزوجته، وعاد ليجلس جوار أبيه الذي تطلع لآيان ثم سأله بذهولٍ:
_إتاخرت كدليه!.
حك ذقنه النابتة وهو يجيبه بحرجٍ:
_كنت بغير هدومي..
أشار بيديه على الطعام ثم قال:
_طب يالا الوكل هيبرد.
أومأ برأسه ثم شرع بتناول الطعام، وبدأ الجميع من خلفه، القى "آيان" نظرة متفحصة عليهما، فكم اعتاد على جمعتهما التي بعثت بنفسه جو العائلة التي افتقدها، فشهيته تتملئ حينما يجلس برفقتهم، سلطت نظراته على "آسر" المبتسم لأحمد الذي يهمس له بشيء، وبدر الذي يتحدث ليحيى بحبٍ، حتى الفتيات التي تجلس بنهاية الطاولة الكبيرة كانوا في جوٍ يملئه المحبة والسعادة، استكانت نظراته على فهد الذي يتابع تناول طعامه بصمتٍ تام، فقد نجح بصنع عالمًا خاص به وسط عائلته، لا ينكر "آيان" بأنه بات يكن له مشاعر من الاحترام والحب، فقد لاحظ بأنه بالفترة الاخيرة سمح "فهد" للنساء بالجلوس معه على نفس طاولة الطعام، فكان يتناول بصحبة الرجال فقط، مما أثار بذاته تعجبًا، وكأنه يثبت له بأنه بات يثق به، بجلوس نساء منزله على نفس طاولته، خرج من شروده على صوت "تسنيم" المتساءل في تعجبٍ:
_مش بتأكلي ليه يا روجينا؟
أجابته وهي تجاهد شعورها بالنفور من رائحة اللحم الطازج:
_مش جعانة يا تسنيم..
وجاهدت لمحاربة شعورها بالغيثان، ولكنها لم تستطيع، فتساءلت "حور" بقلقٍ:
_أنتي كويسة؟
أشارت لها بالنفي، فساندتها "حور" و"تسنيم"حينما شعرن بحاجتها للاستفراغ، فإتجهوا بها للمرحاض، اتجهت نظرات "فهد" الغامضة تجاه "آيان" الذي أشغل ذاته بالتطلع لطبقه، فرفع حاجبيه بمكرٍ وقد تيقن الاخير بأن أمرهما قد كُشف...
*******
بالأعلى..
تجمعت الفتيات خارج المرحاض، فما أن خرجت "روجينا" بعد أن تعدت المرة الثالثة لدخوله، حتى وجدتهن يجلسن بالخارج، ويرمقوها بنظراتٍ خبيثة، فجذبتها "ماسة" لتجلس على الفراش، ثم جلست جوارها قائلة بخبث:
_الظاهر كده يا بنات إننا كحوامل هنزيد واحدة... بس طبعًا بما ان الدكتورة حددتلي الولادة بعد يومين فروجينا هتنوب عني..
لعقت شفتيها وهي تردد بإرتباكٍ:
_حآآ.. حمل أيه اللي بتتكلمي عنه، مفيش الكلام ده..
جلست "تسنيم" في الناحية الاخرى من الفراش ثم لكزتها برفقٍ، وهي تخبرها بمكرٍ:
_سيبك من نفي الاشعة دي وخلينا في المهم، انتي ازاي كنتي بتروحيله ومش خايفة عمي أو آسر يلمحك؟
ضحكت "حور" ثم قالت:
_الحب بيصنع المعجزات يا بت يا تسنيم، وهي واقعة في ابن المغازي من زمـــــــان..
أضافت "رؤى" قائلة بسخريةٍ:
_معزورة يا بنات، الحب مالوش أحكام مش كده ولا أيه يا عروسة..
كانت تقصد شقيقتها التي رددت بغضبٍ:
_بقولكوا ايه سيبوا البت في حالها مش كفايا حفلتوا عليا يوم كتب الكتاب أمال هتعملوا أيه في الفرح!
جذبتها "ماسة" على الفراش ثم قالت:
_أركني أنتي دورك لسه مجاش، خلينا نكمل تحقيق مع البت..
قالت "تسنيم" بضيقٍ:
_ما تنطقي وتقوليلنا الحقيقة بقى، هتفضلي ساكتة كتير كده!
وزعت نظراتها المرتبكة بينهما، ثم استندت على الكومود وهي تحاول النهوض، فخطت بعيدًا عنهما وهي تردد بتوترٍ:
_بصراحة يا بنات، يعني الموضوع آآ.... يعني بصراحة آآ...
قاطعتها حور بملل:
_خشي على صلب الموضوع على طوول.
جلست على الاريكة المقابلة لهما، ثم قالت بحزن:
_صدقوني أنا لسه لحد الآن مترددة اني اسامحه، واللي حصل بينا ده كان مرة واحدة ومعرفش حقيقي ازاي حملت بسرعة كده!
انفجروا جميعًا ضاحكًا جراء كلماتها الأخيرة، فمنحتهن نظرة مغتاظة قبل أن تخبي وجهها خلف الوسادة من الخجل..
*********
توارى ضوء الشمس خلف القمر المظلم، الذي ابتلع بظلمته ضوء الشمس الساطع، فصعد الجميع لغرفهم وخاصة بعدما قضوا أكثر من أسبوع خارج المنزل، حيث كان موسم الحصاد القمح والأرز، فكان عليهما معاونة الفلاحين في الأراضي التابعة لهما، فالجميع في حالةٍ من الإنهاك الشديد، وسرعان ما غفوا جميعًا..
تمدد "آيان" على الفراش بتعبٍ، وسرعان ما ذهب بنومٍ عميق، وبعد ساعات من نومه شعر بحركةٍ خافتة بالخارج، فجاهد لفتح عينيه الناعسة، ليتطلع لساعة المجاورة له على الكومود الاسود الصغير، ليجدها الثانية بعد منتصف الليل، نهض عن فراشه ثم جذب قميصه ليرتديه باهمالٍ، وخرج لشرفته فجحظت عينيه في صدمةٍ حينما وجد مجموعة من الرجال المقنعين يلتفون حول السرايا، وأحداهما يحمل زجاجات غريبة وينثر محتوياتها حول السرايا، وعلى النوافذ جميعًا، استعاب عقله ما يخطط هنا لفعله، فجذب سلاحه من خزانته ثم هرول للأسفل، فتسلل بحذرٍ شديد من الرجل الذي يخرج القداحة من جيب بنطاله، وقبل أن يشعلها كان قد فتك به حينما هوى على رأسه بطرف السلاح، انتبه الرجال لوجود آيان فاشتبكوا معه سريعًا، حاول رجلين أن يشلوا حركته بينما دنى رجلًا واحدًا منهما تجاه السرايا ليتمكن من اضرام النيران بها، رفع "آيان" جسده عاليًا فلف قدميه حول رأس هذا الرجل ليمنعه من المضي قدمًا، وهو يجاهد ليحتمل ذاك الالم الذي يتعرض له من ركلات حادة من الرجلين الذين يكتفون حركته، فخشي ان يتجه الاخرون لفعل ما نجح بمنعه الان، لذا صاح بصوتٍ مرتفع:
_فهــــــــــــــــد.... يــــــا فهــــــــــــــــــــــد..
كان صوته مزعج للغاية، فرفع احد الرجال رأسه للاعلى خشية من أن يكون ايقظ أهل المنزل، فاتضح له نجاحه في ذلك حينما أضيئت الانوار في أكثر من غرفة، فخرج "فهد" والشباب جميعًا للنوافذ، ليتفاجئوا بما يحدث بالاسفل، تغلب أيان على الرجلين حينما سدد لهما اللكمات الحادة، ومن ثم صرخ بفهد قائلًا:
_اخرجوا بره السرايا بصراحة، عايزين يولعوا فيها..
اتجهت نظرات آسر تجاه جرادل البنزين، فصاح بهما:
_اخرجوااا..
كانت المعركة بالأسفل غير متساوية الأطراف، فكان آيان بمفرده يجابه مجموعة من الرجال، فنجح أحداهما بالتسلل لباب السرايا، ثم نجح باشعال النيران به، فسرت بجميع حوائطها بسرعةٍ يعجز العقل عن تصديقها..
********
بالأعلى..
تسللت النيران بالداخل فآكلت الأساس وانتشرت لتسلل بالأعلى، انطلقت الأدخنة لتملئ الأجواء، وما زادت الامور سوءًا حينما قذفوا بزجاجاتٍ بالداخل فكانت تنفجر كالقنابل، صرخت الفتيات وكل منهن كانت تحاول الخروج من الغرفة للشرفة الرئيسية التي يقف بها الشباب منذ ان استمعوا لنداء آيان، فحاول كلا منهما العودة لجناحه حتى ينقذ زوجته ولكن اضرمت النيران الدرج الفاصل بينهما وبين ابواب الاجنحة..
*****
اختنق تنفسها وقت نومها، ففتحت عينيها باستغرابٍ، تطلعت لباب الغرفة الذي ينفذ الدخان من أسفله، فتحسست الفراش من جوارها وهي تناديه بفزعٍ:
_آســـــر!
لم تجدن لجوارها فنهضت عن الفراش سريعًا ثم جذبت اسدال الصلاة الخاص بها لترتديه، وسعالها لم يتوقف من فرط الادخنة، فاقتربت من باي الغرفة وما أن فتحته حتى صرخت من منظر النيران الثائرة، فعادت لتناديه برعبٍ:
_آســـــــــــــــــــــر...
في ذلك الوقت، تمكن آسر باستخدام البطاطين من اضرام النيران، فأطفئ مدخل الاجنحة، ثم أسرع تجاه باب جناح والدته فنجح هو ويحيى باطفاء النيران عن الباب، ثم فتح الباب ليجد والدته ملقاة أرضًا، فزع حينما وجدها كذلك، فركض تجاهها ثم حملها بين ذراعه وهو يحرك رأسها بين يديه:
_مامــــــا..
فتحت "روايه" أعينها وسعالها لم يتوقف. فتساءلت برهبةٍ:
_في أيه، ايه النار دي!
جذبها "فهد" منه بعدما ولج من خلفه ثم صرخ بهما:
_أنا معاها، الحق مراتك..
هز رأسه ثم ركض تجاه جناحه، فوجد حائل من النيران يمنعه من الدخول، ليتمكن من رؤيتها، فوجدها جالسه على مسافة من النيران، تحتضن جسدها وتبكي بخوفٍ، نادها بلهفة:
_تسنيم..
نهضت على قدميها وهي تجيبه برعبٍ:
_آسر طلعني من هنا..
قال وهو يجذب البطانية من يد أحمد:
_متخافيش يا حبيبتي..
ثم أشار لاحمد على الطابق السفلي:
_انزل انت وعبد الرحمن ساعدوا ابوك وانا ويحيى هنطلع البنات من هنا..
ثم قال باستغراب:
_امال بدر فين؟
قال عبد الرحمن وهو يبعد النيران عن باب جناح أحمد القريب:
_نزل من ورا يساعد آيان..
وبالفعل انقسم الشباب بين الطوابق، فساعد احمد وعبد الرحمن سليم وعمر باخراج نادين ونواره وريم وهنية لمكان آمن لحدًا ما، بينما انطلق يحيى وآسر ليحرر كلا منهما الفتيات، ففتح "يحيى" جناح "أحمد" القريب منه، ليجد شرارة من النيران قد نجحت بالتسلل لجناحه، فسعل باختناقٍ وهو يصيح بخوفٍ:
_حـور... حـور انتي فين؟
أتاه صوتها المرتعش:
_انا هنا يا يحيى ساعدني..
اتجه تجاه مصدر الصوت ليجدها تختبئ بالخزانة، عاونها على الوقوف ثم قال بشكٍ لحالتها المرهقة:
_قادرة تقفي؟
هزت رأسها نافية وجسدها يرتجف بأكمله، فلم يكن منه الا ان حملها وركض بالخارج.. في ذلك الوقت نجح آسر باخماد النيران عن باب جناحه الذي يعد أول الاجنحة قبل جناح أحمد، فركضت تسنيم لاحضانه وهي تردد برعشة تسبق حديثها:
_كنت حاسة اني مش هشوفك تاني.
ابعدها عنه ثم قال على عجلة من امره:
_هنخرج من هنا متقلقيش..
وجذبها تجاه يحيى، فوقفت جوار حوار، ثم ركضوا مجددًا، فولج يحيى لجناح بدر المقابل له، بينما ولج آسر لغرفة شقيقته، فكان الأمر هين بالنسبة لغرفتها، فتفاجئ بها تغط بنومٍ عميق، القى نظرة منفحصة على حالها، فوجدها ترتدي قميص قصير للغاية، ففتح الخزانة واخرج منها جلباب اسود ثم دنى من الفراش ليحركها وهو يناديها:
_روجيــــنا.. فوقي بسرعة..
فتحت عينيها بفزع وهي تردد باستغراب:
_آسر... في أيه..
البسها الجلباب ثم حملها دون أن يجيبها، فاخرجها تجاه تسنيم، وصدمت حينما وجدت النيران من خلفها، وجد يحيى مازال يحاول فتح باب جناح رؤى، فاتجه هو لجناح ماسة، كان الأمر سيئًا للغاية بجناحها، فوجد النيران قد أكلت معظم أساسها، تفحص الغرفة جيدًا، فاستمع اهات خافتة قادمة من حمام الجناح، أسرع "آسر" تجاهه، وجد النيران قد أمسكت به، فرفع قدميه ثم ركله عدة مرات حتى استجاب لمحاولاته، فولج للداخل وهو يردد باختناق:
_ماسة انتي جوه؟
أتاه ردها المتقطع:
_أنا هنا...
اتجهت نظراته تجاه البانيو، فوجدها تلف جسدها بالستار المحاط به، وبالرغم من ارتدائها لقميص طويل يصل لقدميها الا أنها كانت تخفي ذراعيها العارية، استدار آسر للاتجاه الاخر، ثم بحث بعينيه عما ستتمكن من ارتدائه، فلم يجد ما يسعفه وخاصة بعد أن اشتعلت أغلب الغرفة، لذا لم يتردد في خلع قميصه ثم ناولها إياه دون أن بستدير، تناولته منها "ماسة" ثم ارتدته لتخفي ذراعيها العارية، فتساءل دون أن يلتفت:
_خلصتي يا ماسة، لازم نخرج بسرعة..
قالت وهي تحاول الهبوط عن البانيو:
_خلصت..
كادت بالتزحلق عنه ولكن ذراعيه كانت الأقرب لها، أمسك بها ثم عاونها حتى خرج بها..
*******
بغرفة "رؤى"
نجح يحيى أخيرًا بكسر باب الغرفة، فولج للداخل باحثًا عنها، كان من الصعب عليه الرؤية وسط الادخنة، فكبت أنفه ليمنع تسرب الادخنة اليه فنادها وسعاله يجعل صوته مختنق، لم ينجح بالعثور عليها وسط الادخنة، فتحرك لليسار، ليرطم بشيئًا لامس حذائه، اخفض يديه ليدقق النظر، فوجدها فاقدة للوعي، حملها ليخرج بها سريعًا خارج الغرفة حتى يمنعها عن شم تلك الادخنة الكريهة، فوجد آسر يقف بماسة بالخارج، فهرولت اليه وهي تردد بدموعٍ:
_يحيى أنت كويس..
أسند رؤى على كتفيه ثم ضمها اليه قائلًا:
_أنا كويس يا قلبي، انتي اللي كويسة؟
أومأت برأسها عدة مرات، اخفضهما آسر وهو يصيح بلهفة:
_حاسب يا يحيى..
ثم أشار له بتحذير:
_لازم ننزل حالا مفيش وقت..
وبالفعل اتجهوا سريعًا للأسفل، فوجدوا عبد الرحمن يصطحب تالين والجدة هنية للاسفل ليشير لهما قائلًا:
_انزلوا بسرعة..
وبالفعل هبطوا للأسفل، فوجدوا فهد وسليم وعمر والجميع يقفوا جوار الباب الرئيسي، فقال أحمد وهو يشير بيديه لاسر:
_النار ماسكة في الباب ومش عارفين نفتحه، لازم ينكسر من بره...
اتجه "آسر" تجاه الشرفة فحاول اخماد النيران ليتمكن من الرؤية جيدًا، فوجد "آيان" و"بدر" في محاربة مجهدة مع مجموعة من المقنعين، غلت الغروق بدماء آسر وهو يرى ابن عمه وجهه ملطخ بالدماء، وكاد احداهما يكاد بأن يهاجمه بالسكين، فأسرع آيان ليلوي ذراعيه، ثم حرر بدر حينما ركل أحد الرجال أسفل بطنه، فما أن تحرر ذراعي بدر حتى لكمه ببطنه، فحرر عنقه...
رفع "آسر" صوته وهو يشير بيديه لآيان:
_اكسر الباب..
أومأ برأسه له ثم أسرع تجاه باب الخروج، فرفع قدميه ثم ركل الباب عدة مرات، ولكنه لم يستجيب لركلاته، فلم يكن بحجم باب الغرفة، وزع نظراته حائرًا فحاول ايجاد أي وسيلة لاستخدامها، فخطرت بباله فكرة مجنونة، لذا لم ينتظر لايجاد اسبقيتها، وهرول تجاه سيارته، أعاقه أحد رجال ابن مهران، فلف آيان يديه حول عنقه ثم أطاح بها يسارًا ويمينًا، فاحدث بهما كسر أنهى حياته، فسقط ضريعًا، صعد آيان لسيارته ثم اسرع بقيادتها تجاه الباب الداخلي وقبل ان تصطدم به القى بذاته من باب السيارة فنجحت بتحطيم الباب، فتمكن فهد وعائلته من الخروج وسرعان ما انضم الشباب لساحة المعركة، فاوسعهم ضربًا مبرحًا حتى تمددوا أرضًا، انتهت المعركة الدامية، فجلست الفتيات ارضًا تتطلع للسرايا التي اصبحت رمادًا، ودنى آسر من بدر يكبت جرح رأسه، حتى أحمد عاون والدته على تضميد جرحه، الجميع انشغل بمداوة الجرحي من الأهل، فاستغل ابن مهران تلك الفرصة بعدما اختبئ لحظة خروج آسر والشباب، فسحب سكينه ثم اتجه ناحية "فهد" كالافعى السامة، كان يستهدف قلبه ليقضي عليه، فان لم يتمكن من احداث السوء بعائليته فعلى الأقل سيقتله، دنى منه والاخر منشغل بتفحص ابنته ثم رفع السكين وقبل ان يغرسه، استمع فهد لصراخ آيان مجددًا وهو يدفعه للخلف قائلًا:
_حاسب يا فهد..
ثم أمسك بالسكين بين يديه التي انساب منها الدماء بغزارة، ارتعدت يد القاتل حينما رأى شجاعة الراجل الذي يحاربه، فتراجع للخلف بخوفٍ والآخر يلحق به بعدما أصبح السكين بين يديه ومن ثم جذبه ليستقر السكين بين صدره، فما زؤعه من كراهية وانتقام بات يضرب صدره هو، لينال موتة ظنها ستلحق بفهد، استقرت جميع الأعين على آيان بامتنان لوجوده بداية من انقاذهما جميعًا ونهاية بانقاذ كبيرهما، فأسرع آسر تجاهه جاذبًا قطعة من ملابسه ليضعها فوقه جرحه ثم قال وعينيه تتطالعه:
_اللي عملته النهاردة ده مفيش حاجة ممكن أعملها تردهالك غير انك بقيت مننا..
ابتسم فهد وهو يشير له بالاقتراب، فاقترب منه بتردد فضمه لصدره ثم تطلع لعينيه قائلًا:
_دلوقت بقيت واحد منينا وتستحق بتي!
.............. يتبع............
#الدهاشنة3....... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
ناس فلسطين الجميلة، هتلاقوا رواياتي بمعرض فلسطين برام الله مع مكتبة سمير منصور....
*********____________********
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل السادس عشر 16 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3...(#وخفق_القلب_عشقًا..)..
#الفصل_الخامس_والأربعون..
إهداء الفصل للقارئة الجميلة/ صفية عيسى ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
استغل ذلك اللعين إنشغال "فهد" بالإطمئنان على ابنته وعائلته، ثم أخرج من جيبه السكين وعينيه مسلطة على صدره، كان يود أن يستهدف قلبه حتى يضمن بأن تحيطه موتة سريعة ستقضي عليه، فعلى كل حال هو قتيلًا بنهاية الأمر، فهو يعلم بأنه من المستحيل أن يدعه "آسر" حيًا بعدما كان يود فعله لعائلته لذا كان يود الموت بعدما يضربهما في مقتل، لذا اندفع بشراسةٍ تجاه من يوليه ظهره، فما أن انتصب "فهد" بوقفته حتى دفعه "آيان" الذي كان يراقب عيون ذاك الوغد من بدايةٍ الأمر، فارتد جسد فهد للخلف جراء دفعة آيان له وهو يصرخ به:
_حاسب يا فهد..
كاد نصل السكين أن يلامس كتف "فهد" الذي يرتد جسده تلقائيًا للخلف، فأمسك "آيان" نصل السكين بيديه ليمنعه من اختراق جسده، فانسابت الدماء من يديه من فرط عمق جرحه، والجميع في حالة من الذعر وعدم الاستيعاب لما يحدث، ارتعبت عين ابن مهران وهو يتأمل ذلك الرجل الشجاع، فترك سكينه عالقًا بين يديه ثم تراجع للخلف برهبةٍ منه، وما أن قرر الفرار حتى استوقفته نفس السكين الذي كان يود استعماله، فاخترقت جلده لتنهي على ذاك اللعين الذي تربى على يد أفعى سبقته لمصيرًا عسير..
مزق "آسر" قطعة من الملابس، ثم هرول تجاه "آيان" ليكبت جرحه البالغ وهو يردد بنظرة ذات مغزى:
_انقاذك لابويا ولعيلتي ده مالوش تمن بالنسبالي يا آيان..
منحه ابتسامة هادئة، قبل أن يجيبه:
_سبق وانقذت حياتي وده دوري يا آسر، لاني حسيت أني بقيت واحد منكم.
شعر بتصلب يد على كتفيه فاستدار للخلف، فوجد "فهد" من يحاوطه بيديه، فجذبه لصدره وهو يخبره بابتسامةٍ لم تعد غامضة:
_أنت فعلًا بقيت واحد منينا، ودلوقت أقدر أقول انك تستحق بتي..
تعلق "آيان" به بشكلٍ غريب، فلأول مرة يشعر بمثل ذاك الشعور المفتقد لوجود الأب، خانه انتقامه فجعل شوقه يتأجج لفقدان الأم فقط، وها هو يشعر بحنينه لأبٍ عظيم مثل كبير الدهاشنة، ابتعد عنه "فهد" ليستطرد وعينيه تقرأ ببراعةٍ ما يدور بمخيلاته:
_من النهاردة انت عندي كيف آسر وروجينا..
ارتسمت ابتسامة على شفتيه وخاصة حينما اقتربت منه "هنية" بخطواتٍ واهنة تليق بجسدها الهزيل، ثم قالت بدموعٍ تلألأت بعينيها:
_اللي عملته شفعلك عندي يا ولدي، روح أني مسمحاك على كل اللي عملته..
أمسك بها "فهد" ثم أشار لشقيقته قائلًا:
_خديها أنتي ونواره وطلعوها المندارة ترتاح.
أومأت "ريم" برأسها ثم ساندت والدتها واتجهت بها للأعلى، بينما اقترب "عمر٠" من آيان ثم قال بثباتٍ عجيب:
_على الرغم من إننا عمرنا ما واقفنا في وش فهد في قرار أخده بس أنا كنت مستغرب من قراره بوجودك هنا وسطنا بعد كل اللي عملته والنهاردة عرفت ليه هو عمل كده..
ثم استرسل بحزنٍ لمجرد تخيله ما كان سيحدث هنا لولاه:
_لولا وجودك كان زمانا خسرنا ولادنا ومش بعيد أرواحنا اللي بقينا مديونين بيها ليك..
رد عليها آيان قائلًا:
_أنا معملتش حاجة لكل ده..
واستكمل وعينيه تجوب فهد وآسر:
_انتوا اللي زرعتوا الخير جوايا، وحولتوني لبني آدم بقدر أحس وأخاف على اللي بحبهم.. اللي أنا فيه دلوقتي بسبب كرمكم معايا.. لو واحد تاني مكان فهد كان هيرد على قسوتي بقسوة أكبر ومش بعيد كان استغل كل اللي حصل ده بس هو معملش كده..
ربت "سليم" على كتفيه بابتسامةٍ هادئة، ثم آشار للشباب قائلًا:
_ساعدوا الرجالة في تطفية النار...
وبالفعل اتجه الشباب لمعاونة الرجال الذي اجتمعوا من إنحاء القرى حينما علت ألهبة النيران فجعلت الأمر ملحوظًا من جميع المنازل المحاطة بالسرايا، لذا هموا جميعًا لمساعدة كبيرهم وعائلته.
******
لم يكن الأمر بالهين، فكانت النيران من أخطر ما يكون، وقد نجحت في تأكل السرايا بأكملها حتى الحوائط السميكة، مجرد تخيل ما قد يصيب إنسان عالق بها كان يجحظ لها العقل، فقد استغرق لإطفائها أكثر من خمسة ساعات متواصلة، حتى نجح الشباب أخيرًا في اخماد تلك النيران التي كان منبعها من نفوسٍ مريضة، تربت على زرع الكره والحقد بداخل نسلها المريض وها قد لقت ما يليق بشرٍ مثلها، ارتمى جسد "بدر" بانهاكٍ وإتبعه "أحمد" و"عبد الرحمن"، حتى "آسر" القى القدح الذي يملأه المياه أرضًا ليستكين جوار "آيان" و"يحيى"، ونظراتهم جميعًا تتطلع تجاه السرايا التي بات الشحم الأسود يغلفها، فقال "يحيى" بنبرةٍ نجحت بنقل ارهقه الشديد:
_أيه اللي المفروض نعمله الوقتي؟
أجابه آسر ونظراته الماكرة تحد السرايا:
_مش حابب تجدد!
رفع حاجبيه بدهشةٍ، فاستطرد الاخير حديثه بتسليةٍ:
_السرايا كانت محتاجة تجديد والحيوان ده خدمنا باللي عمله.. وإن كان على التصميم اللي هيتنفذ فأنا بنفسي اللي هصممه..
ثم قال وعينيه الماكرة تجوب الوجوه:
_بس هحتاج مساعدتكم في كل حاجة...
انتبهوا جميعًا لأصوات بوق السيارات العالي، ومن ثم هبط منها رجال أشداء يحملون عدد من الحقائب المغلقة، فانتقلت النظرات تجاه آيان الذي قال بابتسامة صغيرة:
_وأنا ورجالتي معاك..
اتكأ بمعصمه أرضًا ثم انتصب بوقفته ليشير له ساخرًا:
_نأخد راحة الأول من اللي عشناه ده وبعدين نبتدي، مش كده ولا أيه يا رجالة؟
أجابه أحمد بتعبٍ:
_صح أنا فعلا محتاج يومين راحة..
ضحك بدر ثم قال ساخرًا:
_ليه كنت بتحارب ولا جالك اصابة مستهدفة يابو نسب؟
لكزه بغضبٍ فدفعهم عبد الرحمن وهو يردد بضيق:
_سبكم من الخناق ده وفوقولي، جدعان انا ابتديت اقلق من حظي الفقر ده، لا بقولكم أيه أنا مش لسه هستناكم لحد ما تجددوا السرايا وتبنوا طوبة طوبة في ايد بعض وجو هنعمر البيئة ده، أنا عايز أتجوز ماليش فيه اتصرفوا ان شالله تجوزوني في اوضة في المندارة..
تعالت الضحكات الرجولية، الساخرة، فيما بينهما، فقال يحيى بصعوبة بالحديث:
_إحنا في أيه ولا أيه يا عبد الرحمن!
رد عليه آسر بسخطٍ:
_مش قولتلك ان الواد ده نهايته قربت وعلى ايدي..
أجابه آيان قائلًا:
_معلش مهو معذور برضه كل ما فرحه يتحدد يحصل حاجة، هوده وجوزه وأهي السرايا بتاعتي موجودة وتحت أمره..
اتسعت ابتسامته حتى كادت بأن تصل للأذن الاخرى، ثم قال:
_شوفوا الناس اللي بتفهم..
كان رد آسر الأسرع إليه حينما قربه إليه من تلباب قميصه المهترى، ثم قال بصرامةٍ جادة:
_طب اسمع بقى يا خفيف جواز دلوقتي مفيش، ولو عايز قراري ده يتغير تبقي تساعدنا وتدعي اننا نخلص كل حاجة بأقرب وقت..
ابتلع ريقه بخوفٍ، فقال برعشةٍ مصطنعة:
_عايزني أعمل أيه يا كبير وأنا رقبتي سدادة..
تركه وهو يمنحه نظرة منتصرة، ثم أشار له قائلًا:
_وقتها هقولك..
ثم أشار لهما بتعبٍ:
_يالا ندخل نريح شوية..
*******
بالمندارة..
كان الطابق السفلي الذي تم تحضريه سابقًا بأرقى أنواع المفروشات والأرائك العتيقة لاستقبال الضيوف ومجالس الرجال مهيئ الآن لإستقبال الرجال بالأسفل، والطابق العلوي للنساء، ولج الشباب لينضموا إليهم، فتمدد كلًا منهم على أقرب أريكة إليه، فوزع "سليم" نظراته الساخرة بينهما قبل أن يخبرهما باستهزاءٍ:
_لسه محتاجين مجهودكم في اللي جاي، أوام اكده سلمتوا نمر!
أجابه "عمر" وهو يمرر ذراعيه بحنان على ظهر ابنه أحمد:
_حرام عليك يا سليم ده لولاهم مكناش خرجنا من هناك، وسابونا نريح وهما اللي فضلوا بره لحد دلوقتي..
أردف "بدر" هو الأخر بعدما استلقى ليضع رأسه على ساق والده:
_حملك علينا يا حج، ده انتوا لو كنت أجرت رجالة يقوموا بالمهمة دي كنت أكرمتهم مش كده ده احنا حتى لسه عرسان جداد..
تأفف عبد الرحمن لما يتعمد مشاكسته بكلماته الاخيرة، ثم استدار بوجهه تجاه "فهد" ليتساءل باهتمامٍ:
لو كسفنا العمالة هنقدر ننجز بدري ولا ايه؟
منحه فهد نظرة غامضة، ثم قال:
_ياخدوا الوقت اللي يعوزه المهم انها ترجع احسن من سابق..
نهض "آيان" عن مقعده وقال وهو يتجه للاعلى:
_هجبلكم لبس بدل اللي انتوا لبسينه ده.. رد عليه يحيى باستنكارٍ:
_انت اللي نجيت منها بلبسك ومكانك اللي بتنام فيه..
قال أحمد هو الاخر:
_احنا مش محتاجين نجدد السرايا بس احنا محتاجين لبس وحاجات كتيرة اوي..
أغلق آسر عينيه باستسلامٍ للنوم، وهو يردد بصوتٍ ناعس:
_خلاص جددنا السرايا وعملنا كل حاجة ووقفنا على اللبس!
*******
صعد آيان للأعلى حتى يحضر بعض الملابس للشباب، فطرق باب غرفته بحرجٍ شديد، لعلمه بأنه من المؤكد بأن الفتيات تسترخي بغرفته، ففتحت "تسنيم" باب الغرفة لتجده يقف أمامها وعينيه موضوعة أرضًا، فقال دون أن يتطلع لها:
_كنت محتاج ادخل الاوضة اجيب شوية حاجات بس..
هزت رأسها في تأكيد:
_طبعًا اتفضل، مفيش غير روجينا، وأنا كنت رايحة أشوف البنات..
وغادرت تسنيم لتترك له مساحة خاصة، ولج "آيان" للداخل، فوجدها تغفو على الفراش بسكينة، منحها نظرة دافئة قبل ان يقترب من خزانته، فانتقى منها ما قد يليق بهم، ثم كاد بالتوجه للخروج ولكنه توقف حينما استمع لصوتها الرقيق يناديه:
_آيان!
استدار بجسده للخلف، فوجدها تجلس على الفراش وتتطالعه بنظرة يراها لاول مرة، دنى آيان منها حتى جلس لجوارها، وعينيه تأبى طرق حدقتيها، فوجدهما تلمعان بالدمع وسطور العشق ترتل بحرافيةٍ، تاه بهما وشعر بأنه مغيب بتلك اللحظة التي مرت من أمام عينيه كالسهم الذي اشعل حواسه، وضع يديه على يدها الممدودة وصوت جوارجه يحدثها بصمتٍ..
سأظل لجوراك حتى وإن حاربني شياطين العوالم بأكملها، سأحارب حتى وإن لم يكن بجسدي متسع لجرحٍ جديد، سأُحارب حتى ينحني الجميع إحترامًا لعشقي الذي إخترق عواطفي قبل أن يصل قلبي، سأحارب مثلما حاربني حبك حتى حصل على قلبي... فحررني من الملك والجاه وإختارت أن أكون عبدًا لأجلك.. تركت كل شيء وسأفعل المستحيل حتى لا أترك يدك... فربما أنا الوريث الوحيد والزعيم للمغازية بأكملها، ولكني الآن مجرد عاشق لابنة عدو بات أقرب لي من عائلة بأكملها!
تمزقت صفحة الصمت المطولة فيما بينهما حينما قالت والدمع ينهمر على وجنتها ويدها ترفع يديه المصابة:
_أنا لحد دلوقتي مش قادرة أستوعب اللي شوفته، معقول أنت اللي انقذت أبويا من الموت!
منحها ابتسامة مهلكة، ثم رفع يديه الاخرى يحتضن بها وجنتها ليخبرها بصوته الرجولي الرخيم:
_قولتلك أنا اتغيرت يا روجينا وبقيت شايف أهلك أهلي..
أشرقت ابتسامتها لتنير وجهها التعيس، فطبعت قبلة صغيرة على يديه المصابة، انحنى تجاهها آيان ليقبل وجنتها بحنانٍ فتعلقت به واندثت بأحضانه لدقائقٍ طالت بهما، فحاول الابتعاد عنها وهو يهمس لها:
_تسنيم ممكن ترجع في أي لحظة، وأنا كمان لازم أنزل.
هزت رأسها نافيًا لطلبه بالابتعاد عنها فابتسم وهو يضمها اليه، فربما يجتاح النساء العواطف والقليل من المشاعر بمواقف غير مناسبة بالمرة، وبالرغم من ذلك لم يبتعد عنها بل ضمها لصدره واحتواها بين ذراعيه حتى غلبها النوم بعد هذا الصراع القاتل الذي تعرض له الجميع، فسحبها آيان للوسادة برفقٍ ويديه تمسد فوق خصلات شعرها الطويل بعشقٍ، فحمل الملابس ثم رحل بهدوءٍ قبل عودة تسنيم..
********
بالغرفة التي تبعد عن غرفة روجينا بمسافةٍ ليست بكبيرة..
كانت تتمدد هنية على الفراش ولجوارها ريم ورواية، ونادين كانت تحمل لها بعض العصائر المعلبة، فانضمت لهن تسنيم وجلست على الاريكة الصغيرة المقابلة للفراش، فسألته رواية بقلقٍ:
_رؤى بقت كويسة؟
أجابته بتأكيد:
_ايوه بقت افضل، هي مع ماسة وحور في الاوضة اللي نحية السلم.. وتالين وخالتو نواره مع والدة عبد الرحمن في الاوضة التانية..
أومأت برأسها بتفهمٍ، ثم اسندت رأسها على الفراش مجددًا بتعبٍ، فقالت نادين بتعمدٍ لما تود الالتفات اليه:
_بس اللي آيان عمله كان مفاجآة للكل بجد، لولاه كان زمانا كلنا اتفحمنا مع البيت..
أجابتها رواية بقلبٍ مقبوض لمجرد تخيلها وصفها الشنيع:
_الحمد لله اننا خرجنا منه على خير..
ثم استطردت بارتباكٍ:
_أنا اتفاجئت باللي عمله فعلا، بس كنت متوقعة ده بعد ما سمعت كلام فهد..
بحثت ريم عن مغزى ما تود قوله، لذا قالت دون تردد:
_طب آن الآوان انك انتي وبتك تسامحوه على اللي عمله، الواد بقى زين وكلنا شوفنا ده بعنينا..
ردت عليها بتريثٍ:
_أنا ممنعتهاش انها ترجعله أو تسامحه، صدقيني يا ريم انا ماليش دخل هي اللي حابة كده..
تنحنحت تسنيم بحرجٍ وهي تباغت بقولها المرتبك:
_سامحوني لو بقطع كلامكم بس انا حاسة ان بعد اللي حصل أكيد هتقدر تسامحه..
رددت نادين بشكٍ:
_ومش روجينا بس اللي هتسامحه، فهد كمان وآسر اكيد هينسوا كل حاجة ، ويمكن اللي حصل ده الخير لينا كلنا..
خرج صوت رواية هامسًا بتعبٍ:
_يارب يا نادين، لاني خلاص معتش متحملة أي حاجة..
********
لم يكن النهار كافيلًا بمنح أجسادهم الراحة اللازمة لبدء العمل، لذا قضوا النهار والليل بأكمله، وتلك الفترة استغلها رجال آيان المغازي فقاموا بهدم بقايا السرايا حتى تكون الارضية التي قد تصل ل٨٠٠متر لاعادة البناء، وقام رجاله أيضًا بتوفير الطعام والملابس وما يلزم للمندارة باوامر من آيان، لذا كان على الشباب الاستيقاظ باكرًا في صباح اليوم التالي، فاجتمعوا سويًا بقاعة المندارة حتى يتقاسموا المهام، فزفر "بدر" بتأففٍ:
_يعني بعد كل ده وفي الاخر تشيلوني البناية!!
أومأ آسر برأسه ثم قال وعينيه تحدجه بنظرة غامضة:
_مش لوحدك آيان معاك...
ردد أحمد بصدمة:
_بدر مع آيان!! ، ما تراجع نفسك يا آسر..
ابتسم بمكرٍ وهو يجيبه:
_مهو انت هتكون معاهم عشان يا هتكون بتحجز بينهم يا هتابع العمال وتسبهم ياكلوا في بعض...
رفع بدر حاجبيه بسخطٍ:
_هنقطع بعض ليه واخدين افراج من العباسية!
ابتسم ايان ثم رفع يديه حول كتفي بدر ليشير لآسر باستهزاءٍ:
_هو مش واخد باله اننا بقينا زي السمنة على العسل ولا أيه؟
ابتسم له بدر ثم قال بمزحٍ:
_مشافنيش وانا بنط من الدور الاول عشان اساعدك ولا كان مشغول بحالات الاتقاذ...
تعالت ضحكات يحيى ثم قال باستنكارٍ:
_يا عم يا عم، يعني نخرج منها احنا، طيب حيث كده بقى أنا هعمل أيه..
ارتشف آسر كوب الشاي الساخن من أمامه ثم أجابه:
_لا أنت معايا في الاساس وتقسيمة البيت..
رفع يديه بحزمٍ مصطنع:
_انت تؤمر يا بشمهندس، وربنا يستر والكبير ميقلش مننا قدام المهندسين والنجارين هننزل على الفضائية..
طرق بالكوب على الطاولة وهو يجيبه بصرامة ساخرة:
_ليه واقف مع رجل كنبة!..
قطع عبد الرحمن حوارهما المتبادل لساعات مطولة بمللٍ:
_وأنا هعمل أيه!
اتجهت جميع النظرات تجاهه وخاصة حينما نهض آسر ليجلس جواره، فلف ذراعيه حوله وهو يجيبه بابتسامة واسعة:
_أنت هتجيب حاجة السباكة يا عريس..
منحه نظرة غاضبة، قبل أن يرد عليه بضيقٍ:
_ودي هعملها ازاي ان شاء الله، أنا اعرف عدد الحمامات اللي في السرايا دي كلها منين!
غمز له بمشاكسة:
_نفكنا من حوار الجواز مدام انت مش عايز تتعب نفسك وتعرف العدد!
زفر بعصبية وهو يحاول كظم غيظة، فتابع آسر بمزحٍ:
_أنت متضايق ليه بس، مانا اهو لما أخلص أساس البيت هطلع اشتري المفارش والألحفة...
اندهشوا جميعًا، ولكن حينما استطرد اتضح لهما ما يود فعله:
_وانتوا عارفين بقى دي شغلة حريم عشان كده احتمال ابقى اخد تسنيم وروجينا معايا يساعدوني..
اقترب آيان منه ثم قال بخبث:
_حيث كده يبقى أنا لما اخلص مع بدر طالع معاك ميصحش اسيبك تشيل لوحدك يابو نسب...
همس له بصوت منخفض ولكنه كان مسموع:
_نقضي الغرض بليل وهعزمك في نفس المطعم اللي دشدشنا دماغ أمه ده فاكره؟
أومأ برأسه عدة مرات، والشباب يتابعون بحرص ما يحدث بينهما، فقال آيان:
_خلاص اخلع وانا هظبط بدلتين روشين كده وتبقى سهرة صباحي..
وضع يحيى يديه حول كتفيهم ثم قال ساخرًا:
_بعيدًا عن كل الاتفاقات الجميلة دي بالنسبة للمدام اللي هتولد بكره دي أيه، يعني عادي اني اسيبها تولد واتفخت مع العمال وانتوا مقضينها ولا ايه!
لاحقه صوت عبد الرحمن المنتقم لما حدث معه:
_شوف احنا في أيه وهما في أيه!
تنحنح آسر بحزمٍ وهو يهندم من قميصه ثم قال بصرامة:
_فضناها يالا كل واحد يشوف شغله وبعدين بليل نبقى نكمل خناق واتفاقات...
اتجهوا جميعًا للخارج واحدًا تلو الأخر، فلحق بهما آيان وآسر الذي غمز له وهو يردد بصوت هامس:
_على اتفقنا وسبلي الحوش دول..
********
بالأعلى...
حاولت "ماسة" النهوض عن الفراش، حتى تؤدي صلاتها فلم تستطيع فقد ألمتها بطنها كثيرًا، فجاهدت للاستناد على الكومود فما ان انتصبت بوقفتها حتى انسدلت المياه من بين ساقيها كبشرة لها على اقترب رؤية جنينها الذي اشتاقت لحمله بين ذراعيها تعويضًا لما فقدته، لذا بدون تردد صاحت بصوت يصاحبه الألم:
_تسنيـــــــــــــــم!!!!..
..............يتبع...................
#الدهاشنة........ #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
بعتذر عن التأخير بس أنا معرفاكم من البداية اني هنشغل في نص تسعة ولكن متقلقوش انا بحاول اكون متواجدة حتى لو الفصل اتاخر بس مش هوقفها بإذن الله وكده لسالنا ٥فصول ونقدر نقول بكل ثقة ان السلسلة تمت بحمد الله... ال٥فصول هيكونوا مبهجين جدا احنا عانينا مع الابطال وجيه الوقت اللي نفرحهم ونفرح معاهم 🤭😍..
#Aya... 💙
********__________********
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل السابع عشر 17 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3...(#وخفق_القلب_عشقًا..)
#الفصل_السادس_والأربعون..
إهداء الفصل للقارئة الجميلة/جهاد وليد، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
ازداد الألم في حدته، حتى فقدت القدرة على المحاربة فربما تهون عليها صرخاتها التي علت لتغدو أكثر حدة، فحاوطتها "تسنيم" من جهةٍ، و"حور" من الجهة الأخرى، في حين أن هرعت "تالين" للأسفل كما أخبرتها "نواره" لتخبر "يحيى"، انتهت من طريقها الفاصل بين المندارة والسرايا، فلمحها"بدر" لذا أشار بيديه أن تتوقف محلها والا تدنو من البقعة المحاطة بالرجال، فالرجل الشرقي لا يغار على زوجته وشقيقته فقط بل كل نساء منزله هن عرضه وشرفه، فألقى ما بيديه ثم اقترب منها لبعنفها بلهجته المتعصبة:
_أيه اللي منزلك ، أنتي مش عارفة أن في رجالة بتشتغل هنا!
أسرعت بالتبرير حتى لا تنال غضب زوج شقيقتها:
_جاية أنادي ليحيى لان ماسة شكلها كده بتولد..
انكمشت تعابيره وهو يردد بذهولٍ:
_الوقتي!
قالت بنبرةٍ شبه ساخرة:
_وهي الحاجات دي ليها وقت يا بدر.. نادي يحيى بسرعة.
أومأ برأسه وهو يشير لها بحزمٍ:
_اطلعي أنتي وأنا هتصرف.
وبالفعل عادت للمندارة، تاركة له زمام الأمور، فخلع قبعته السوداء التي تحجب أشعة الشمس عن رأسه، ثم ولج للداخل بخطواتٍ حذرة، تتفادى أسياخ الحديد والمعدات الموضوعة أرضًا، فحاول ايجاده، اهتدت نظراته عليها فوجده يقف بصحبة "آسر" و"آيان"، فاقترب منهما، ثم قال:
_يحيى عايزنك فوق..
تساءل بدهشةٍ:
_أنا.. ليه؟
حك جبهته من فرط الحرارة وهو يجيبه ببرودٍ مرح:
_ولا حاجة مراتك بتولد بس.
جحظت عين الأخير وهو يردد بصدمةٍ:
_أيــــــه!
ثم هرع للأعلى سريعًا وسط ضحكات "آيان" المشاكسة على مظهره المضحك، فاتجهت نظراته لبدر ثم قال ساخرًا:
_في حد يخض حد الخضة دي، روح ربنا يسامحك قطعت نفس الواد!
ضحك وهو يجيبه بمكرٍ:
_لازم يتخض عشان الجاي ميبقاش تقيل عليه.
ثم جذب الوعاء واتجه للمغادرة قائلًا بخبثٍ:
_عقبال لما أخضكم أنتوا كمان..
ارتسمت على شفتي "آسر" ابتسامة حالمة شوقًا لرؤية ما تحمله معشوقته، وإن كان الوقت مبكرًا لمثل تلك الأفكار، ولكنها تهاجمه بين اللحظة والأخرى..
******
بالأعلى..
أمسكت "نواره" معصمها ثم حاولت جذبها عن الفراش محذرة أياها بخوفٍ:
_امسكي فيا زين يا ماسة، ومتخافيش أني مش هسيبك..
تعلقت بيدها وهي تهمس بوجعٍ وبكاء حارق:
_مش قادرة.. هموت من الوجع..
انهمر الدمع من عين ريم تأثرًا ببكاء ابنتها، فقالت وهي تربت على ظهرها بحنان:
_معلش يا نور عيني، اتحملي لحد ما نروح المستوصف.
ولج "أحمد" للداخل بعدما علم بما أصاب شقيقته، فهرول تجاهها بلهفةٍ:
_متقلقيش يا حبيبتي أنا جنبك ومش هسيبك..
ثم أشار لحور قائلًا:
_فين حجابها، أنتوا هتخروجها كده!
طوافتهم دوامة صراعها للآلم فتناسوا ما ترتديه، لذا أسرعت حور لتجد ما بناسبها وما هي الا دقيقة حتى عادت بخمارٍ طويل، يكفي ليمنحها الحشمة اللازمة على جلبابها المنزلي، تمسك بها أحمد جيدًا حتى ارتدت ما تضعه زوجته حول رأسها، ثم كاد بحملها ولكنه تفاجئ بيحيى يقتحم الغرفة والفزع يقبع بحدقتيه المرتعبة، فأسرع تجاهها وهو يتساءل بخوف:
_ماسة حاسة بأيه؟
تهللت أساريرها لوجوده جوارها في ذلك الوقت المقبض، فرفعت يدها تجاهه وهي تردد ببكاءٍ:
_يحيى!
رفع يديه تجاه يدها الممدودة، فدث أصابعه بين أصابعها بعشقٍ، ثم رفع جسدها تجاهه، لتحتمل عليه بدلًا عن شقيقها، فوضعت رأسها على صدره وهي تهمس بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_مش قادرة.. شكلي بولد المرادي بجد.
انحنى بجذعيه ليحملها عن الارض ثم كاد بالخروج من الغرفة، ليعرقل طريقه أحمد، ثم قال بعندٍ:
_عندك أنا اللي جاي هنا الأول، يعني محدش هيودي أختي المستشفى غيري..
جز بأسنانه على شفتيه السفلية بغيظٍ:
_ده وقته يا أحمد؟
جذبها منه وهو يضمها إليه، قائلًا بحدة:
_وقته ونص، ان كنتوا اخوات اتحاسبوا يا حبيبي.
طرق يحيى كف بكف وهو يردد بعدم تصديق:
_مش طبيعي بجد.
ابتسم وهو يشير له بغرور:
_هو كده بالظبط.. ووسع بقى عشان الحق مراتك وابنك..
قطع طريقه وهو يخبره باستهزاءٍ:
_اديك قولت مراتي وابني، يبقى توسع انت وتسبني أتصرف..
ضحكت النساء من حولهم على ما يحدث من أمام أعينهم، فقالت "رواية" باستغرابٍ:
_أنتوا لسه هتتخانقوا البنت بتولد!!
زفر يحيى بغضبٍ، ومع ذلك ارتسم على وجهه ابتسامة ماكرة، فقال بخبثٍ:
_خلاص يا أحمد احنا مش عيال صغيرة، شيل براحتك بس أنا حاسس أن حور مش طبيعية من ساعة ما دخلت بين كده هيغمى عليها!
اتجهت الانظار تجاهها، والاخيرة ترفع كتفيها بعدم استيعاب لما يقوله يحيى الذي استغل انشغال أحمد بتأملها ثم اختطف منه ماسة وهرول بها سريعًا لسيارته، وضحكات الجميع تطوف من حولهما ويلحقها غضب أحمد وتوعده له..
*******
بالأسفل..
لف "فهد" وشاح جلبابه الأسود حوله، ثم قال للشباب وهو يتفحص السيارات التي تنطلق للمشفى:
_كملوا شغل أنتوا، وأني هحصل "جاسم" و"يحيى" على المستوصف..
قال"عبد الرحمن":
_اللي تؤمر بيه يا عمي، أحنا وجودنا مالوش لزمة..
أضاف "آيان" قائلًا:
_لو احتاجتوا اي حاجة احنا موجدين.
أومأ الكبير برأسه، ثم استند على عصاه ليستكمل طريقه، وقبل أن يصل لسيارته استدار تجاه ابنه الذي أتى ليلبي ندائه الصامت، فما أن وقف مقابله حتى قال:
_متنساش تروح البنك قبل ما يقفل وتسحب المبلغ اللي قولتلك عليه.
جفف يديه جيدًا وهو يجيبه باحترامٍ:
_متقلقش يا بابا أنا عامل حساب كل حاجة..
منحه ابتسامة ثابتة، وهو يربت بيديه على كتفيه، ومن ثم غادر على الفور، تأمل "آسر" الإتساخ العالق بين أصابعه بضيقٍ، فدنى من الوعاء الضخم المملوء بالمياه ثم انحنى لينظفه بالمنشفة جيدًا، فحانت منه نظرة تجاه شرفة المندارة الصغيرة، فتفاجئ بها تراقبه خلسة من خلف بابها الموصود، استدار للخلف ليتأكد بأنشغال الشباب بالعمل، فانسحب للداخل بخفةٍ..
توترت نظراتها التي تبحث عنه بالخارج، تشتاق لتأمله بتلك الثوان التي اختفى بها، فلم تعد عينيها تمتلك القدرة على رؤية عينيه، تهدلت معالمها بحزنٍ وضيق، فانقبض قلبها سريعًا حينما شعرت بأصابع تطرق على كتفيها، لعقت شفتيها بارتباكٍ لعدم وجود أحدًا بالمندارة سواها، فاستدارت للخلف ببطءٍ، زفرت وهي تردد براحةٍ:
_آسـر.. خضتني!
منحها ابتسامة فتاكة، وهو يدنو حتى صار قريبًا منها:
_بتبصي على أيه؟
ارتبكت من قربه الخطير لجوارحها، فكأن مشاعرها ستفضحها بشوقها الجارف إليه، فقالت بتلعثمٍ:
_أنا... آآ... كنت... آآ..
قاطعها وهو يكمل حديثها المشتت:
_بتراقبيني!
لعقت شفتيها بارتباكٍ، فتعلقت عينيه بلمعة شفتيها التي زادت من رغباته تجاهها، فحطم أخر حاجز بينهما وهو يقتبس من ريحقها، فدفعته بعيدًا عنها وهي تردد بصدمةٍ:
_أنت بتعمل أيه!
ابتسم بمكرٍ وهو يجيبها:
_هكون بعمل أيه يعني، مراتي معجبة بيا وبتراقبني من فوق، فقولت أجي بنفسي وأوفر عليها الوقفة دي وتتأملني براحتها..
جحظت عين "تسنيم" بصدمة من تلميحه المبطن بكشفه لما يطارد مشاعرها، فاصطبغ وجهها بحمرةٍ الخجل وبات انتقائها للكلمات مفقود:
_لا.. أنا كنت حاسة بملل بعد ما بقيت لوحدي فقولت أشوفكم بتعملوا أيه؟
أمسك يدها التي تنتفض بين خشونة يديه البارزة، ثم قربها لتدنو منه، فاستند بجبينه على جبينها وهو يسألها بجراءةٍ:
_وحشتك؟
أزاحت يديه حجابها، فضمها إليه يتنفس عبيرها، وبصوته الرخيم كان يهمس:
_أنتي كمان وحشتيني أوي.. بتعذب في كل ثانية انتي فيها بعيدة عني..
لفحت أنفاسه وجهها وكلمته تلك استوقفت مقاومتها له، فباتت اجابتها صريحة له، انجرف خلف مشاعره وتوقه لها، فقالت بخجل وهي تحاول إبعاده عنها:
_روجينا فوق..
مرر يديه على وجنتها بلمساتٍ أنستها ما قالته للتو، ويديه تحملها لتصعد فوق قدميه فباتت تقف على حافة قدميه، فتراجع بها للخلف حتى بات قريبًا من باب الغرفة، فأدار مفتاحها العالق بجسد الباب حتى لا يخترق أحدًا ذاك العالم الذي صنع خصيصًا لهما، فسمح لمشاعره بالتدفق إليها، لتحيطها بغرامه وعشقه..
*********
بالأسفل..
دون "آيان" خلف المهندس المطلوب لشرائه الآن، فاستغل غياب "آسر" ثم أرسل أحد رجاله بالمال لشراء اللازم، ثم جذب أخر ورقة دونها ليرسل رجل أخر، ليشدد عليه قائلًا:
_فهمت هتعمل أيه؟
أكد له الرجل بوقارٍ له حتى وآن كان يكبره بالعمر:
_متخافش يا كبيرنا، هنعمل كل اللي أنت أمرت بيه..
هز "آيان" رأسه برضا عما بدر من رجال المغازية من طاعة لأوامره، فأشار له بالإنصراف ثم كاد بالتوجه للأعلى، فأوقفه "بدر" حينما تساءل بدهشةٍ:
_مين ده؟
أجابه على الفور:
_واحد من رجالتي، كان عايزني في حاجة خاصة بالعيلة.
أومأ برأسه بتفهمٍ، فاسترسل "آيان" حديثه وهو يشير له على ثيابه المتسخة:
_هغير هدومي عشان عندي مشوار مع آسر..
وتركه وصعد للأعلى بحذرٍ من أن يكون أحدًا بغرفته من الفتيات، طرق الغرفة عدة مرات وبالرغم من تأكده بأن الجميع بصحبة "ماسة" الا أنه فضل التأكد، وحينما لم يأتيه صوت من الداخل فتح باب الغرفة، فتفحصها قبل أن يغلق بابها من خلفه، فخلع قميصه المتسخ بتقززٍ، ثم دنى من خزانته ثم أخرج تيشرت رمادي اللون وبنطال أسود، واتجه بهما لحمام غرفته الصغيرة، ففتح مقبض الباب ولكنه لم يستجيب له، وبعد محاولات تأكد بأغلاقه من الداخل، ومع تحرر انغلاقه غادر الدماء وجهه لمجرد تخيله بأن فتاة من الفتيات بالداخل، فتراجع للخلف وقبل أن يسرع بخطاه للخارج توقف حينما وجدها "روجينا" التي تتساءل باستغرابٍ:
_أنت بتعمل أيه هنا؟
مرر يديه على مقدمة أنفه، وقد عاد تنفسه لموضعه، فاستدار ليكون مقابلها، ثم قال:
_مفيش أنا كنت طالع أغير هدومي ونازل على طول.
حانت منها نظرة متفحصة، قبل أن تجيبه بغيرةٍ مخبأة حول نبرتها المتعصبة:
_هي فين هدومك دي!
تطلع لصدره العاري ثم قال بابتسامةٍ خبيثة وعينيه تتطلع لها:
_نفس السؤال اللي كنت هسألهولك!
اتجهت نظراتها لما ترتديه بصدمة، فكانت تلف المنشفة الطويلة حول جسدها، والأخرى حول خصلات شعرها المبللة، انتباها نوبة مختلفة من الخوف والخجل بأنٍ واحد، فقالت بتشتتٍ:
_متبصش..
ضحك بصوتٍ مسموع، فقالت بعصبية:
_متضحكش..
رفع يديه للأعلى وهو يردد باستسلامٍ:
_أوكي..
بحثت "روجينا" حولها عما يمكن استخدامه لتخفي ذراعيها العارية عن عينيه، فجذبت المنشفة الصغيرة عن شعرها لتلف ذراعيها بها، فانسدل شعرها الغجري حولها، فابتسم من يتأملها بعشقٍ ثم قال بنبرته الرجولية الماكرة:
_كده بقيتي مغرية أكتر من الأول!
منحته نظرة غاضبة، واتبعها صراخها الجنوني:
_كده! طب اطلع برة بقى..
كبت آيان ضحكاته، ثم أشار لها بهدوءٍ زائف:
_طيب..
ثم استدار ليغادر الغرفة وابتسامته الخبيثة تزداد اتساعًا، فما كان منها سوى ثلاث ثوانٍ حتى صرخت به:
_استنى، هتطلع كده ازاي وتسنيم بره!
استدار تجاهها وهو يردد بطيبة زائفة:
_طب أعمل أيه طيب!
كزت على أسنانها بغضبٍ:
_ادخل الحمام بس متطولش عشان أنا لسه مخلصتش.
هز رأسه بموافقة سريعة، ثم مر من جوارها ليشير لها بخبثٍ:
_طب ما تدخلي تخلصي براحتك وأنا هستانكي هنا..
وضعت ثيابه بين يديه وهي تخبره بغضب:
_انجز بدل ما أناديلك آسر يشوفك بنفسه وأنت بتتعدى على أخته.
ضحك بصوتٍ مسموع، ثم قال وهو يغمز بعينيه:
_أموت فيك وأنت عنيف..
لكمته بغضب، فأسرع لحمامه الخاص وقبل أن يغلق بابه، أدلى برأسه من خلفه ليخبرها بسخريةٍ:
_بلاش تنادي لآسر لانه مشغول مع عروسته تحت فمش فاضيلك..
وما أن أغلق الباب حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة، فمازالت لا تستوعب أن من يقف أمامها هو نفسه ذات الشخص الذي دمر عائلتها وفتك بها، تراه الآن يرمم ما فعله سابقًا ليس معها فقط بل مع عائلتها، وهذا ما جعلها تتخطي عقبات الماضي بأكمله.. فحينما تود أن تكتسب قلب من أحببت عليك بالتقرب لعائلتها أولًا، فاحترامها لك سيزداد مع احترامهم.. والاحترام يتبعه الحب الصادق..
مضت تلك الدقائق ومازالت تنتظره حتى خرج وهو يرتدى ملابسه بأكملها، فأشار لها بجدية:
_حبيبتي الحمام فاضي.
منحته بسمة رقيقة، ثم نهضت عن مقعدها لتتجه للداخل، فتشبثت بحافة المقعد حينما التفت الغرفة من حولها، رفعت روجينا يدها على رأسها تقاوم ما يعتليها من دوار مفاجئ، فاسرع تجاهها آيان وهو يتساءل بقلقٍ:
_روجينا مالك؟
قالت وهي تحاول الا تسقط أرضًا:
_دايخة..
أمسك يدها ثم قال بلهفةٍ:
_طب ارتاحي.
انصاعت ليديه التي تحملها لفراشها، فشعرت بأنها ستواجه فقدان وعي سريع، لذا أشارت بيدها على الحمام:
_هدومي..
وقبل أن تسترسل كلماتها فقدت الوعي ويديه تساندها حتى لا تسقط عن الفراش، استغرق الأمر خمسة عشر دقيقة حتى استعادت وعيها، فما أن فتحت عينيها حتى شعرت بظلام يحيل بينها وبين الضوء، فعادت الصورة لتبدو أكثر وضوحًا، حينما رأته يجلس جوارها، حاولت النهوض عن محلها، فعاونها آيان وهو يصيح بها بخوفٍ:
_حسبي..
أنعش الهواء الذي يتسلل من الشرفة المقابلة لها رئتيها، فبدت على ما يرام، وقالت بصوتٍ متعب:
_لحد أمته هفضل كده، أنا مش عارفة مالي بجد مكنتش كده في حملي الأول..
رد عليها بحنانٍ، ومازالت يديه تتشبث بها:
_فترة مؤقتة وهتعدي، المهم انك تريحي نفسك الفترة دي..
استدارت برأسها تجاهه، فوزعت نظراتها بين يديه المتشبثة بها وعينيه بابتسامةٍ هادئة، تلاشت حينما تفحصت الثياب التي ترتديها، فخشى آيان أن تظن السوء به وخاصة بعد أن طلبتها صريحة منه بحاجتها لبعض الوقت، لذا قال سريعًا:
_أنا خوفت حد يطلع وأنتي بالشكل ده، عشان كده لبستك.
ارتحت تعابيرتها بشكلٍ ملحوظ له، فباتت الامور لها عادية مما جعل السعادة تشرق قلبه النابع بحبها الجياش، فانحنى ليضع قبلة رقيقة على يدها وهو يهمس لها:
_قولتلك قبل كده عمري ما هكسر ثقتك فيا تاني..
رفعت حدقتيها تجاهه، ثم قالت ببسمةٍ مشرقة:
_كل اللي بتعمله معايا ومع أهلي بيأكدلي ده.. أنا آآ... آآ..
ارتباكها وترددها بقول ما تود قوله جعله يدنو منها، وهو يحثها على الحديث فاستكملت وهي تدفن ذاتها بأحضانه:
_أنا عايزاك تكون جنبي على طول يا آيان.. متتخلاش عني..
ضمها اليه بقوةٍ وهو يهمس لها بعشقٍ:
_أنا جنبك علشان ماليش مكان غير جنبك وفي حياتك، أنا بحتاجك وبحتاج لوجودك لازم تفهمي ده كويس.
و رفع وجهها اليه لتستمع لكلماته الاخيرة باهتمامٍ:
_وهستنى الوقت اللي هنقدر نعيش فيه زي أي زوجين.. حتى لو طال أنا عمري ما همل..
وفي تلك اللحظة سمح لذاته بتحطيم حاجزها التي وضعته بينهما، وكاد بالتعمق فيما يجمعهما لولا طرقات الباب المزعجة له، نهض عنها ثم فتح الباب ليجد آسر من أمامه، فمنحه نظرة ساكنة شملته من رأسه حتى اخمص قدميه قبل أن يلقي لمسمعه كلماته الساخرة:
_كنت شاكك من البداية لما بدر قالي انك بتغير هدومك، بس لحد اللحظة دي ظنوني كانت كلها خير..
وقف آيان مقابله ثم أغلق الباب من الخارج، ليرد عليه بضيقٍ:
_يا عم أرحمني، ده أنا ما صدقت أوصل للي وصلتله أنت أيه حد زقك عليا!
مال بجسده على الحائط ثم وضع يديه بجيب سرواله وهو يجيبه بمكرٍ:
_القدر يابن المغازية ولو كترت بكلامك هقلبها دراما.
مشط بيديه خصلات شعره المبعثرة، ثم قال:
_لا متقلبهاش، اتفضل أنا جاهز..
أشار بعينيه بابتسامة خبيثة:
_كده تعجبني.. بينا بقى قبل ما البنك يقفل..
كبت آيان غيظه ولحق به للأسفل بهدوءٍ مصطنع..
*******
بالمشفى..
كبتت صراخاتها بطرف الملاءة البيضاء وهي تحاول الاستكانة حرجًا من أبيها وعمها الجالس خارج الغرفة، ولكن كان الألم يفوقها فرغمًا عنها كانت تنفلت منها الصرخات لتغدو أكثر ألمًا، وبعد أن تفحصت الطبيبة حالتها، قالت بعملية باحتة:
_هيكون من الصعب عليها انها تولد طبيعي، عشان كده لازم نلجئ للقيصرية..
قالت ريم ببكاء:
_اللي انتي شايفه صح اعمليه يا ضاكتورة.
وانحنت لابنتها تربت على كتفيها بحنان:
_ربنا يقومك بالسلامة يا حبيبتي..
جهزتها الممرضة أولًا بحقن وريدها بمحلول يساعدها على التأهل قبل ولوجها لغرفة العمليات، ومن ثم أخبرتها بأن تلحق بها لغرفة الملابس التابعة لغرفة العمليات، فانقبض قلبها وتشبثت بيد يحيى الذي فهم من عينيها ما توده لذا اسنادها على ذراعيه ولحق بها للداخل، ومن ثم عاونها على ارتداء الروب المعقم الخاص بالعمليات، وانحنى بقدميه تجاهها ثم رفع عينيه تجاهها قائلًا بحزنٍ:
_لحد هنا ومش هقدر أكون معاكي، أنتي عارفة ان ده صعب عليا..
أمسكت بيديه بقوة تسبق مسكتها الهزيلة، ثم قالت بتوسل:
_لا متسبنيش يا يحيى، ادخل معايا آآ... أنا خايفة.. متسبنيش..
أطبق بيديه على يدها ثم قال والدمع يتلألأ بعينيه:
_مش هقدر، بلاش عشان خاطري أنا مش هعرف أقويكي وأنا محتاج لحد استمد منه القوة في الوقت ده..
كادت بالاعتراض على ما قال ولكن قطعتهم الممرضة التي فتحت الباب المتحرك من أمامها ثم قالت:
_اتفضلي يا مدام..
انقبض قلبها فذكريات فقدانها لابنها الاول مازالت تلاحقها، تخشى أن تفقد الثاني وحينها ستواجه موت حتمًا سيكون الأكثر ألمًا، شعرت برجفة يديه بين يدها فلم ترد أن تزيد امره، فهي تعلم جيدًا ضعفه وخوفه الشديد عليها فربما لن يحتمل رؤيتها هكذا بالداخل، تهربه ذات المرة مختلف عن سابقها، فتلك المرة ظل يحارب حتى معركته الاخيرة، استكانت ماسة بنومتها بعد ان انغرز المخدر بسلسلة ظهرها، أغلقت عينيها بقوةٍ لتحتمل أي ألم قد تتعرض له، ولكنها شعرت بقبلة رقيقة تجتاز جبينها المتعرق، ففتحت عينيها لتجده يقف جوارها، كانت صدمة مختلفة بالنسبة لها، فالسعادة سيطرت عليها لمحاربته ما يعتريه حتى يكن لجوارها، فلوهلة شعرت بأنه من يتعرض لغرز السكين بأحشائه وليس هي، فالألم ينعكس على وجهه هو بالمقارنة لها، أمسكت ماسة يديه ثم قالت برأفة به:
_أخرج يا يحيى، أنا كويسة.
فتح عينيه لها، ثم أولى ظهره للستار العازل بينهما وبين الطبيبة، فوضع رأسه جوارها على السرير الصغير وهو يردد:
_هنخرج مع بعض..حاولت اسيبك بس مقدرتش.
قربت يديه منها لتطبع قبلة رقيقة عليها وهي تخبره ببكاء:
_بحبك..
رفع يدها هو الأخر ليقبلها وهو يخبرها بابتسامة هادئة:
_مش أكتر مني..
*******
مرت نصف ساعة بالتوتر المتنقل بين وجوههم جميعًا وبالأخص عمر وجاسم، حتى حان الوقت لمقاطعة تلك الاجواء حينما غرد بكاء الصغير ليطمن قلوبهم، فسكنت الفرحة الوجوه، ودنى فهد من عمر ليحتضنه قائلا:
_مبارك ما جالك يا واد عمي.
ضمه اليه وهو يردد بفرحة:
_الله يبارك فيك يا كبيرنا وعقبال ما نفرح بابن آسر يارب.
أمن على ما قال:
_يا رب.
ثم التفت لجاسم ليشير له على الممرضة:
_ حفيدك شرف..
اسرع تجاهها فحمل عنها الصغير، والتف من حوله النساء، فقالت "ريم":
_ما شاء الله كيف البدر.
ضمته نواره لصدرها وهي تردد ببكاء:
_يا واد الغالي.. تعبتنا كلتنا لحد ما جيت..
قالت رواية بتذمرٍ:
_وسعوا كده أنا عايزة أشوفه..
وضعته نواره بين يدها، فحملته وجلست به على الاريكة تتأمله بفرحةٍ، ومن جوارها حور وتالين، أما رؤى فجلست على أحد المقاعد تحاول اخفاء حزنها على تأخرها بالحمل، فهي أول ما تزوجت من الفتيات وإلى الآن لم ترزق بابناء، لذا قررت الذهاب بصحبة بدر للطبيب حتى يطمئن قلبها..
**********
بالبنك..
سحب"آسر" مبلغ ضخم من المال، ثم صعد لسيارته ليتجه لمقابلة المهندس حتى يدفع له جزء من المال، فأشار لآيان قائلًا:
_خليك هنا يا آيان، هطلع أقابله وهنزل على طول..
أومأ برأسه باستسلام، وتابعه بعينيه وهو يغادر للمطعم القابع بالدور العلوي، فقابل أحد المهندسين المسؤولون عن البناء، ثم قدم له المال ولكنه تفاجئ به يقرب الحقيبة منه مجددًا وهو يقول:
_المبلغ وصلني فعلا يا بشمهندس آسر..
ضيق عينيه بذهول:
_ازاي!!
أجابه باستغراب:
_آيان المغازي..
ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، فجذب الحقيبة ثم صافحه قائلًا:
_كمل شغلك بأسرع وقت..
هز رأسه بتأكيد فاتجه "آسر" للهبوط، وقبل أن يستقل الدرج على هاتفه برقمٍ مجهول ففتحه على مضضٍ فاستمع لصوت مألوف له:
_آسر أنا ناهد.. اوعى تركب عربيتك.. سااامعني اوعى تركبها..
جحظت عينيه في صدمةٍ وهو يتطلع تجاه آيان القابع بالسيارة يلهو بهاتفه، فازدرد ريقه بصعوبة وكأنه يحاول استرداد صوته الذي توقف، فصاح بصراخ جعل الاخير يتابعه بأستغراب:
_آيـــــــــــان... انزل..
لم يستعب ما يود قوله، الا حينما فتح باب سيارته ليجذبه آسر خارجها بقوة والاخير يردد بدهشة:
_في ايه؟
ابعده آسر عنها، فانفجرت بها النيران لتسقطها ارضًا كقطعة الخردة البالية، فنهض آسر وايان الذي يتأمل ما يحدث أمام عينيه بصدمة وغضب لما ينتابه في تلك اللحظة لشكوكه حول كناية هذا الحادث المخطط له.
.... يتبع.............
#الدهاشنة3... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت.....
انا رجعت يا بشر 🤭هي كانت فترة طويلة عارفة، وكنت شايلة همها بس الحمد لله الفرح تم على خير وانا بقيت متفرغة وعشان كده هكافئكم وهنزلكم فصول اكتر من المحددة، وهستنى رأيكم في الفصل... بحبكم في الله ♥..
**********____________*********
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل الثامن عشر 18 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3...(#وخفق_القلب_عشقًا..)..
#الفصل_السابع_والأربعون..
إهداء الفصل للقارئة الجميلة"نسرين فوزي" ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
انفجار السيارة كان مخيفًا، فأحرقتها ألهبة النيران ونهشتها كالوحش المفترس الذي يتلذذ بأخر قطعة من ضحاياه، وبالرغم من ثبات "آسر" الإنفعالي، الا أنه كان يضمر من وراء ذاك الحادث المدبر إليه، وخاصة بعد تلقيه تلك المكالمة التي كشفت له المدبر، ومع ذلك كان صامدًا حتى لا يكشف آيان ما يفكر به، بل سحب هاتفه وهو يردد بصرامةٍ:
_خلي حد من الرجالة يبعتلي عربية بالمكان اللي هبعتلك موقعه.
وأغلق هاتفه ثم استدار بجسده كليًا تجاه "آيان" الشارد، فظل الصمت حليفه لأكثر من ثلاثون دقيقة،يحاول بها التغلب على شكوكه حول هوية المجرم الذي ارتكب ذاك الحادث الدنيء، فما أن انتهى من جداله البطيء حتى اتجه ناحية "آسر" الجالس على أحد الأحجار القريبة من سيارته التي باتت جردة بالية، ثم قال بنظرة دفن بها الشك:
_أنت عرفت منين أن العربية فيها قنبلة؟
قرص أنفه وهو يحاول ايجاد ما سيقول:
_حسيت مش أكتر..
ضيق الاخير حاجبيه ساخرًا من إجابته الغير منطقية بالمرة، فزفر آسر بمللٍ ثم قال:
_بنت خالتك اللي قالتلي..
هز رأسه والشرار يتطاير من عينيه بشكلٍ مقبض:
_كده اللي في دماغي صح.
واتجه مسرعًا تجاه الطريق السريع، وعينيه تراقب أي سيارة أجرة قد تنقله للمكان الذي يود الذهاب إليه، فلحق به "آسر" راكضًا، ثم قال بتعصبٍ:
_ممكن تفهمني أنت رايح على فين دلوقتي؟
تجاهله ومازال يراقب الطريق، فدفعه "آسر" بقوة جيده الجسمانية وهو يردد بضيقٍ:
_اللي بتفكر فيه ده مش صحيح، خالتك مش ورا اللي حصل هنا ده، حكم عقلك وبلاش تكون متسرع.
ابتسم وهو يجيبه بسخريةٍ:
_أمال مين اللي له مصلحة في اللي حصل غيرها؟
قال بدهاءٍ لم يكتسبه من العدم:
_خالتك مش غبية عشان تلعب لعبة ساذجة زي دي وهي متأكدة أنها بكده هتخسرك وكمان مش هتجازف وهي عارفة انك وارد تركب معايا،الموضوع أكبر منها.. وأعتقد الإجابة عند ناهد..
لم يؤثر تحليل "آسر" المنطقي به، ربما لأنه لم يرى منها الا السوء والشر الذي تضمره لعائلة "فهد الدهشان" وبالأخص "آسر"، لذا ظل صامتًا والنيران تتمكن منه فتحرق ما تقابلها وتزيد أحطبة الغضب والحقد والاندفاع بداخله، وفي ذلك الوقت وصلت السيارة التي طلبها" آسر"، فاستغل "آيان" الفرصة وقبل أن يصعد آسر لمقعد القيادة صعد هو، فجلس "آسر" جواره ثم قال بيأسٍ وهو يتأمل الطريق الذي يسلكه:
_مفيش فايدة فيك!
أتاه ردًا عنيف يسرب له ما يشعر به بتلك اللحظة:
_هي أو غيرها أي كان اللي عمل كده لازم يتحاسب يا آسر، أنا مش هسمح أن العداوة تقوم بين العيلتين لأي سبب من الأسباب، لإني واحد من اللي دفعوا التمن ومرضاش لحد يعيش اللي أنا عشته..
إنصاع إليه "آسر"، ثم راقب الطريق بصمتٍ تام وهو يعلم بكناية المجرم الذي يجهله آيان، فربما ان تمكن هو من كشفه ومعاقبته أفضل من أن يعاقبه آسر بنفسه..
*******
خرجت" ماسة" من غرفة العمليات، وحينما وصل سريرها المتحرك أمام الغرفة التي ستقيم بها، حملها "يحيى" ثم وضعها على الفراش، ومن ثم انحنى بجسده تجاهها، هامسًا بقلقٍ:
_أحسن دلوقتي ولا لسه حاسة بوجع؟
فتحت عينيها اللامعة بالدموعٍ، ثم قالت بوجعٍ:
_مش عارفة يا يحيى، بس في وجع رهيب في بطني، شكل البنج اللي أخدته معتش مأثر..
فرك يدها بحنانٍ ثم قال:
_طب إهدي وأنا هخلي الممرضة تديلك المسكن اللي قالت عليه جوه..
أومأت برأسها بخفةٍ، فاتجه "يحيى" للخروج من الغرفة، فاوقفته حينما نادته بلهفةٍ:
_عايزة أشوف "تيم" يا يحيى.
استدار تجاهها بدهشةٍ ثم ردد بحاجبي معقودان:
_تيـم!
كانت لحظة مربكة لحواسه، ليدرك هوية ذاك الضيف الجديد الذي زاد عدد عائلته الصغيرة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة جدابة، ثم قال:
_حاضر هشوف سي تيم ده فين وهجبهولك..
ابتسمت على كلماته المازحة لها، ثم ترقبت عودته بصبرٍ طال بها لتلك السنوات..
بالخارج..
اتجه "يحيى" للرواق الجانبي حيث كان يستقل أركانه أفراد عائلته، فخفق قلبه اضطرابًا حينما وجد والدته تحمل صغيره بين يدها، كاد بأن يصل إليها ولكن "عمر" أوقفه حينما أمسك بكتفيه وهو يتساءل بلهفةٍ:
_طمني يا يحيى، ماسة كويسة؟
رد عليه ومازالت عينيه متعلقة بالصغير المختبئ خلف البطانية الصغيرة:
_الحمد لله يا خالو، نقلوها من الباب اللي ورا لأوضتها.
ردد بفرحةٍ:
_الحمد لله..
كاد بالانسحاب لوجهته المشوقة، فاوقفه والده "جاسم" تلك المرة حينما احتضنه وهو يهمس له بسعادة:
_مبارك ما جالك يا ولدي، ربنا يجعله ذرية صالحة وبار بيك وبمرتك.
تعلق به بابتسامةٍ واسعة:
_يا رب يا بابا يارب.
انتبهوا جميعًا لصوت "فهد" ونبرته التي يعظمها الضيق الشديد:
_كفياكم عاد، وهملوا الواد يشيل ابنه ويشبع منيه، اتجمعتوا حوليه كيف الفريق!
تعالت الضحكات فيما بينهما، فتنحوا جانبًا ليلحق كلا منهما فهد الذي اتجه للخروج من المشفى ليعود للسرايا التي بحاجة لمتابعة حازمة منه،فما أن سمحوا له بالعبور ، فاتجه لوالدته سريعًا وقبل أن يحمل صغيره أتى أحدًا من خلفه ثم انتشله من بين يد "نواره" ليتأمله بحبٍ وفرحة سرت لتنير وجهه، فعنفته "ريم" قائلة:
_أحمد وبعدهالك ادي الواد لابوه..
هز رأسه نافيًا:
_لا مش قبل ما أشيله أنا الأول، عشان يتربى بعد اللي عمله معايا الصبح..
ضحكت "حور" ثم قالت:
_ميبقاش قلبك أسود يابوحميد.
أجابها باستنكارٍ:
_ده كحلي مش أسود.. هي كلمة محدش هيشيل الواد غيري..
وطبع قبلات متفرقة على وجه الصغير وهو يردد بحبٍ:
_مش كده يا حبيبي، اتكلم ياض وقولهم أنا مرتاح كده.
تعلق "أحمد" بالصغير لم يغضب "يحيى"، وعلى الرغم من تأكده بأنه يشاكسه كالمعتاد الا أنه كان سعيد بتعلق أحمد بالصغير، فحبه وما يكنه من معزة خاصة كان واضحًا على تعابير وجهه، لذا ربت على كتفيه وهو يردد ببسمةٍ هادئة:
_عقبال ما نفرح بابنك يا أحمد.
منحه أحمد ابتسامة صافية، ثم قال:
_يا ررب، وتكون بنوتة عسولة كده عشان يبقى عندي ولد وبنت..
وكان يشير على الصغير، ثم اقترب ليضعه بين يد"يحيى" الذي حمله بحنانٍ، فتعلقت عينيه على تفاصيل وجهه الصغير، فلمعت بدمعٍ بحفه الفرح والاطمئنان لوجوده بين يديه أخيرًا، ثم انسحب به تجاه غرفتها، فما أن فتح بابها حتى حاولت "ماسة" الاستقامة بجلستها التي بدت غير مريحة لها، فتأوهت من الألم الذي ضربها بقوةٍ، لذا مر "أحمد" من خلفه ثم عاونها على الاستقامة بجلستها لتتمكن من حمل الصغير من يحيى الذي يقدمه لها، فحاولت "ماسة" حمله، ولكنها شعرت بأنها لن تقوى على رفعه وضمه لصدرها بالرغم من أنه يشبه عقلة الإصبع بالنسبة لها!
ربما قيدتها الفرحة، أو ازداد ارتباكها فور رؤياه، فبالنهاية ما مرت به ليس سهلًا بالمرة، لذا كان على "يحيى" أن يقدم مساعدة أخرى صغيرة، محببة لقلبه، لذا حمله وقربه من أحضانها ومازالت يديه أسفله، فوزعت نظراتها بينه وبين الصغير ثم همست بصوتٍ باكي:
_ابني!.. ربنا عوضنا يا يحيى.
لف ذراعيه حولها، فضمها اليه وهو يجيبها بحبٍ:
_الحمد لله يا ماستي، قولتلك قبل كده هنتجمع تاني حتى لو واجهنا عواقب العالم كله هيجي اليوم اللي هنرجع فيه مع بعض من تاني...
اشتاقت لسماع كلمته المفضلة لها، فكان على الدوام يخبرها بأنها ماسته الخاصة، ألقت بثقل رأسها على كتفيه ثم ذهبت بسباتٍ بعد ارهاق وشقاء، وإي راحة ستشعر بها وابنها بين احضانها وزوجها لجوارها!
*********
بسرايا "المغازية"
صف "آيان" السيارة باهمالٍ، متعمدًا تجاهل البواب الذي أسرع تجاهه بالترحاب بقدومه بعد فترة من الغيابٍ الملحوظ، اندفع بخطواته السريعة للداخل، باحثًا بعينيه عنها، وبالفعل اهتدت نظراته على ركنها المحبب لقلبها، والذي بات ظلمته بغيابه تجلد روحها بلا رحمة، اقترب ليقف خلفها وبصوتٍ مختنق بالعواصف قال:
_منتظرة تسمعي خبر مين فينا، خبري ولا خبر ابن فهد؟
فتحت عينيها على مصراعها حينما استمعت لصوته، فنهضت عن مقعدها ثم أسرعت إليه لتلقي نظرة متفحصة على جسده بأكمله وهي تردد بقلقٍ:
_آيان حبيبي أنت كويس، طمني؟
لمستها لوجهه جعلته يشعر بالنفور منها، فتراجع للخلف بضعة خطوات وهو يصيح بغضبٍ:
_متلمسنيش.. كان لازم من أخر مرة اتكلمنا فيها افهم أنتي بتفكري ازاي، وبالرغم من اني كلمتك بمنتهى الاحترام الا أن مفهوم كلامي موصلكيش ويمكن دلوقتي يوصلك كويس..
واستطرد بنبرة أشد قسوة:
_نسيتي انك متملكيش حاجة وكل اللي الخير اللي أنتي عايشة فيه ده ملكي أنا، اعتبرتك زي أمي وسلمتك كل حاجة، ولحد النهاردة كنت في صفك وبدعمك في كل خطوة بتخطيها حتى وأنا عارف إنها غلط بس خلاص مش هسمحلك تدمري كل اللي أنا بنيته، سامعـــــاني مش هسمحلك تدمري العلاقة اللي تعبت عشان أقويها.. ومن النهاردة إنتي بره كل حاجة وأولهم السرايا دي.
ترقرقت الدموع من عينيها المحطمة، وجسدها بدأ يترنح من فرط كلماته القاسية، فسمح "آسر" لنفسه بالاقتراب، منح ذاته إذن التدخل، فببدأ الأمر كان يقف على باب المنزل رافضًا اقتحام خصوصياته، ولكنه رجل والرجل يأبى رؤية امرأة مسنة تهان حتى وإن كانت في موضع شك، لذا اقترب حتى وقف مقابله، ثم قال بصرامة وحدة:
_أنت كده عاقبتها ولا بتعاقب نفسك، على الأقل اديها فرصة تدافع عن نفسها وتتكلم!
لوى فمه بتهكمٍ وهو يجيبه ساخرًا:
_هتدافع وتقول أيه، مبقاش عندها اللي تقوله.
رد عليه "آسر" بثباتٍ وتصميم بأن ما يقول هو الصائب:
_مش صحيح، اللي بيلعب ده بيلعب على تقيل ومستحيل تكون هي، وقولتلك قبل كده اجابتك مش عند خالتك لأنها هتتستر على اللي عمل كده لأنه بالنهاية من دمها.
توترت نظرات "فاتن" المعلقة عليه، فسماعها لما قاله آسر كان مربك، وكأنه يفكك ما تخفيه حتى لا تزداد أمور عائلتها سوءًا، فأتاه الرد يزف من أعلى الدرج حينما هبطت "ناهد" ابنتها، تخبره بدموعٍ تسبق حديثها:
_كلام آسر مظبوط يا آيان، ماما هي اللي طلبت مني أكلم آسر وأنبهه ميركبش عربيته لانها عرفت بالمخطط اللي آآ..
بترت كلماتها حينما صعدت فاتن أول درجات الدرج وهي تصيح بها بتحذيرٍ:
_نــــــــــاهد.
اكملت حديثها متجاهلة نظرات والدتها الغاضبة:
_مش هسكت وأسيبك تدفعي التمن يا ماما..
ثم التفت برأسها تجاه "آيان" لتستكمل بكره لكناية الشخص الذي ستخبره عنه:
_خالو "هاشم" هو اللي ورا اللي حصل ده يا آيان..
عقد حاجبيه بدهشةٍ:
_خالي!!... طب ليه؟
جلست "فاتن" على الدرج، ووضعت يدها معًا فوق رأسها لتدافع عما يمزقها من صداعٍ يستنزف طاقتها الهزيلة، فدنا منها "آيان" ثم ردد بعدم استيعاب:
_صدقيني لو كنتي تعرفي حاجة أو بتداري عليه هتخسريني وللأبد.. احكيلي اللي تعرفيه.
مضمون رسالته كان لأثره وجعًا خفق داخل صدرها، فقررت التشبث بأخر فرصة منحها لها، ربما لأن خسارتها تلك المرة ليست هينة، فخسارة فلذة كبدها موجعة كتمني موتة رحيمة في وسط صحراء قاحلة لا زرع بها ولا مياه، لذا شرعت بقص لقائها بأخيها في صباح هذا اليوم لتلقي على مسمعه كل حرفًا خرج على لسانه، وكأنه مازال يجلس أمامها..
##
كانت تجلس على الأريكة الخشبية القريبة من الشرفة الجانبية، تتابع قهوتها باهتمامٍ حتى لا تفور على السبرتاية الصغيرة، فانتبهت للخادم الذي يدنو منها ليخبرها بوصول أخيها "هاشم"، فنهضت تهندم جلبابها سريعًا وهي ترحب به بابتسامةٍ واسعة:
_يا مرحب ياخوي.. اتفضل اقعد..
جلس"هاشم" على المقعد المقابل لها ثم استند بنصف جسده العلوي على عصاه الخشبية، وعينيه ترمقها بنظرةٍ محتقنة، تفهمتها "فاتن" جيدًا، فأجلت أحبالها المقطوعة حينما قالت:
_بقالك كتير مبتجيش اهنه، زعلان مني في حاجة ولا أيه؟
أتاها رده المستنكر لسؤالها الغريب:
_وه، بعد كل اللي ابن اختك عمله وبتساليني زعلان من أيه!، هتضحكي عليا ولا على روحك يابنت أبوي، أزاي تهمليه يحط يده في يد اللي جتل أمه وحط راسنا بالطين!!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، بينما استرسل هو:
_ومش بس اكده، لا كمان سايباه يخدم عليهم هناك ومش بس كده لا ده كمان بيساعدهم بفلوسه ورجالته..
وطرق العصا بالارض وهو يردد بعصبية:
_كبير المغازية لو ضعيف للدرجادي يبقى مينفعش انه يكون كبيرنا... وقبل ما أسمع الحديت ده من حد كان لازمن اتخلص من اللي بيوزه على كل ده..
تساءلت بدهشةٍ:
_تقصد مين؟
قال والحقد يتبع اجابته الوضيعة:
_واد فهد الدهشان، هو اللي بيملي رأسه عشان كده اني دبرتله موتة تليق بدماغه السم..
انتصبت فاتن بوقفتها، لتصرخ بصدمة:
_عملت أيه يا "هاشم"؟
أعدل من عمته ثم رد عليها بشرٍ قد سكن حدقتيه ليجعلها مخيفة للغاية:
_هتخلص منه ودلوقت، زرعتله قنبلة في عربيته مش هيقوم منها تاني..
ارتعبت معالمها فور سماعها لمخطط أخيها، بالطبع لم تكن أقل منه كرهًا واحتقانًا لفهد وعائلته، ولكن النيران التي تأججت بداخلها هدأت بعد انكشاف الحقيقة وخاصة بعد أخر مقابلة جمعتها بآيان.
منحها أخيها بسمة شيطانية تتبعها قوله بعنجهيةٍ:
_اقعدي واستني موت ابن فهد بفارغ الصبر، عشان تعرفي ان خيك بيحققلك اللي كان نفسك فيه..
وتركها وغادر ومازالت تجابه صراع غير منصف لأعصابها، لذا هرولت سريعًا لغرفة ابنتها وطلبت منها أن تتصل هاتفيًا بآسر وتمنعه بشتى الطرق من الصعود للسيارة..
وفور انتهاء " فاتن"من قص ما حدث، التهبت أنفاسه الساخطة عليه، فكور يديه بقوةٍ جعلتها تبيض من فرط ضغطه الشديد عليها ثم صاح بصوت كالبرق:
_نعمااان...
أسرع للداخل فور سماع نداء كبيره، فأمره آيان بصرامةٍ:
_تروح بيت خالي ومترجعش غير، وهو في ايدك... فاهم؟
أومأ برأسه بتأكيدٍ:
_حالا.
وبالفعل اختفى الرجل من أمام أعينه، فاتجه آيان تجاه آسر ثم قال بثباتٍ لا ينذر بما داخله:
_كان عندك حق، اللعبة كبيرة عليها.
*******
بالمشفى..
قضت "ماسة" الساعات الاخيرة بالمشفى تحت الملاحظة، وحينما اطمئنت الطبيبة عليها بشكلٍ كلي، سمح لها بالمغادرة، لذا استعدوا جميعًا للمغادرة، فحمل أحمد الصغير، وحمل يحيى ماسة، فما أن وصلت السيارات للمندارة، حتى امتلأت الغرفة التي وضع بها أحمد الصغير بالشباب، وكلا منهما يتصارع لحمل ذاك الصغير..
*******
بسرايا "المغازية".
وصل"هاشم" للسرايا بصحبة رجال "آيان"، فما أن ولج للداخل حتى سيطرت الصدمة على معالمه حينما رأى آسر يقف مقابله، ومع ذلك حاول التغلب على انفعالاته حتى لا يفتضح أمره، فوجه حديثه لابن شقيقته:
_خير يا ولدي، باعت ورايا ليه؟
ارتسمت على زواية شفتيه ابتسامة ماكرة، فحك ذقنه بحيرةٍ:
_اللي يسمعك يصدقك.. بس اللي عاشرك وعارف طباعك مستحيل يعدي عليه اللي بتعمله ده..
بحدة تساءل:
_قصدك أيه يابن ناهد؟
صاح بنبرةٍ غليظة أفزعت من يقف أمامه:
_اسمي آيان المغازي، نسبي لابويا وأبقى كبيرك وكبير عيلتك كلها..
ضيق عينيه باستنكارٍ:
_قوام اكده نسيت أمك.. وأني هستغرب ليه مانت روحت ونمت في احضان اللي جتلوها ولطخوا شرفها..
تمرد الوحش عن صمته المطول،فخرج من بقعته الآمنة ليصيح به بانفعالٍ:
_اخرس، الرجولة اللي ناقحة عليك دي دي لو كنت تعبت نفسك زي تعبها ودورت كنت وصلت للي عمل كده، حتى لو كان من نسلنا كنا هنعرف نجيب حقك وأنت عارف كده كويس..
لم يمنع آيان آسر من استكمال حديثه، بل تركه يدافع عن عائلته، فربما الفترة التي قضاها بينهم جعلته يعلم بأن حديث السوء عنهما كأنك اشعلت فتيل عاصفة مختبئة خلف حاجز من زجاجٍ!
احتبس" هاشم"غيظه مطولًا، ولكنه لم يتمكن من السيطرة عليه طويلًا لذا صاح بهمجيةٍ:
_ليك عين تتحدت معايا وانت في وسط داري.
قاطعه آيان حينما قال:
_الدار داره، آسر مش غريب عني..
ثم استكمل بنبرةٍ ساخرة:
_ هو انت متعرفش يا خال إنه يبقى نسيبي ولا أيه.. وحاليًا بقى صديق وأخ يعني له هنا أكتر ما ليك.. وبعدين انت سايب موضوعنا الاساسي وبتدور على الملاك!
بلل هاشم شفتيه بارتباكٍ، وخاصة حينما استطرد بحنقٍ:
_السؤال المهم هنا أنت كنت عايز تتخلص من مين فينا، أنا ولا آسر، ولا قررت تضرب عصفورين بقنبلة واحدة وتتخلص مننا سوا؟
تثاقلت أنفاسه، وبلل العرق جبينه من فرط توتره، فاستدار بوجهه تجاه شقيقته التي حكمت هذا البيت بقوةٍ وسيطرة كامنة، رأها تتحاشى التطلع له وكأنها تخبره بأنها فقدت كل شيء وأولهما التحكم بآيان، فدنى منه ثم قال بتريثٍ:
_خليك معايا أحسن، لان للاسف محدش هينفعك..
ولف يديه حول كتفيه ثم قال بنبرة لم تفشل برسم الضحك على وجه آسر الذي يتابع ما يحدث بصمتٍ:
_أنت غلطت يا خال ولازمن تتعاقب دي عوايدنا وسرونا ولا أيه؟
ثم تركه وتقدم عنه بخطواتٍ سريعة ليصبح مقابله بنظرات جامدة زرعت الخوف بأعينه وخاصة حينما قال:
_من هنا ورايح السرايا دي متخطاهاش برجليك، والصلة اللي كنت بتتمنظر بيها دي فأنا بقطعها من النهاردة، كمان الأرض اللي أنا سايبهالك بمزاجي دي تبقى باسمي وتلزمني لا مواخذة.. وأنت عاقل يا خال وعارف ان اللي بيلعب مع كبير عيلة من كبار الصعيد مصيره بيكون أيه، وأنت يا حبة عيني لعبت مع عيلتين مش عيلة واحدة..
وغمز بعينيه باستهزاءٍ:
_تحب "فهد الدهشان" يوصله خبر باللي كنت ناوي تعمله في ابنه ولا نختمها خاتمة حسنة تليق بهيبتك؟
ازدرد ريقه المبتور بصعوبة، فحمل ما تبعثر منه ثم كاد بالخروج من السرايا، ولكنه توقف حينما ناداه آيان مجددًا، ثم مد يديه اليه وعينيه تحيط بجيب جلبابه:
_مفاتيح عربيتك الجديدة يا خال..يرضيك نخسر الناس عربياتهم ومندهمش تعويض دي حتى عيبة في حقنا..
كز على أسنانه بغضب عظيم، ومع ذلك انخضع له وأخرج المفتاح من جيب سرواله، فسحب آيان يديه ثم أشار بعينيه لآسر، فتقدم هاشم تجاهه ثم قدم له المفتاح، فتناوله منه آسر ثم قال بغموضٍ يتركز بثبات نظراته:
_لاعب حد قدك يا هاشم، لان ضربة الشاب بتجيب الأرض وأنت كبرت ومش حمل بهدلة.. سكاتي رحمة بيك لكن عقلك يخونك وتفكر تدبر أي خطط تانية مش هتخسر أملاكك بس، جازف واوعدك هتشوف بنفسك اللي هتخسره.
تحجرت عينيه التي تقابل نظرات من جحيم، نظرات اوقعته ضحية ذكريات جمعته بفهد الدهشان، شعر وكأنه من يقف أمامه وليس ابنه، انسحب بهدوءٍ والخوف يطرق أبوابه، فمن العاقل الذي سيتصدى لكبير الدهاشنة والمغازية؟!
فمن المؤكد بأنه سيخرج من تلك الحرب خاسرًا لا محالة...
خرج ذاك المتعجرف سيرًا على الأقدام بعدما فقد هيبته وكبريائه، خرج وقد تمكن من رؤية المحال، بعدما اتحد الشابين وكلاهما يشكلان مستقبل عائلتين من كبار عائلات الصعيد، وبعدما كان يجمعهما الموت والانتقام جمعتهما شعلة الحب والمحبة وسرها كان فهد، الرجل العظيم الذي علم عدوه درسًا لن ينساه أبدًا، بل جعله تابع له دون أي مجهود منه، جعله بصفه يدافع عنه وكأنه تناسى بأي صفوف عليه أن ينضم!
....... يتبع..............
#الدهاشنة٣.... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
( البنات اللي مش فاكرة هاشم، ظهر معانا في اول حلقات الجزء التاني لما عربيته خبطت في عربية آسر بأول فصل، وهو يبقى اخو فاتن و ناهد مامت آيان... بتمنى احداث الفصل تكون عحبتكم وبكده نهينا على كل الشياطين اللي فكرت تدمر العيلتين خوفًا من نفوذهم... ولسه للحديث بقية.. ترقبوا.... بحبكم في الله ♥....)
وعايزة اقولكم ان كتبي هتكون موجودة في معرضين، معرض ليبيا ووالتفاصيل اهي
بعد انتهاء فعاليات معرض الرياض الدولي للكتاب
تشارك إصدارات إبداع للترجمة والنشر والتوزيع في #معرض_بنغازي_الدولي_للكتاب في الفترة من 15 ل 23 أكتوبر في حديقة 2 يوليو مقابل فندق تيبستي- بنغازي ليبيا
في جناح دار غيداء للنشر والتوزيع
في انتظاركم يوميا وعروض خاصة جدا خلال فترة المعرض
ومعرض زايد ودي التفاصيل
تجهيزات جناح #إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع
في معرض زايد للكتاب
الافتتاح غدا في تمام الساعة الواحدة ظهرا
المعرض من 12 إلى 24 أكتوبر
مواعيد المعرض منن الساعه 10 صباحا حتي 10 مساء يوميا
#
#Aya... 💙
*************__________************
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل التاسع عشر 19 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3...(#وخفق_القلب_عشقًا...)
#الفصل_الثامن_والأربعون..
إهداء الفصل للقارئة الجميلة"هاجر حسين" ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
العتاب أحيانًا ينقص من حجم ما يكمن بداخلنا، وأحيانًا لا نود الخوض بمعركة الحديث التي قد تنبش بجرحٍ نود بكل خطوة نسيانه، هكذا فعل "آيان" حينما تجاهل ما حدث، وخطى من خالته التي تتهرب عينيها من التطلع إليه، فمنحها ابتسامة دافئة قبل أن يحرر صمته المطول:
_كبير البيت اللي قعدت فيه الفترة اللي فاتت دي علمني أن التسامح والفرصة التانية هما أعظم من العقاب، ويمكن ده الفرق اللي كان بينا وبين "فهد" وعيلته..
ثم ضمها لصدره وهو يخبرها بحنانٍ:
_تحذيرك لآسر ساعدني في اللي بحاول أعمله عشان أوحد العيلتين.
احتضنته "فاتن" والبكاء لم يرفع عنها، بل ازداد أضعافًا، ربما ندمًا على ما فعلته طوال تلك السنوات، كان بأمكانها زرع الطيب بداخل قلب هذا الصغير البائس، ولكنها جعلت الشيطان على عتبة فراشه، فاستفرد به وجعله من نسله البغيض، نعم بات ضميرها يأنبها على ما حدث لروجينا وعائلتها ، فهي السبب وراء شخصية آيان المريضة، فانتقلت نظراتها تجاه "آسر" الذي يراقبهما بابتسامةٍ صغيرة مرسومة على وجهه، فتركته واتجهت لتقف مقابله، وبارتباكٍ لحق بجملتها الغير مرتبة:
_معرفش أشكرك ولا أشكر فهد على أنه رباك تربية يفتخر بيها العمر كله.. كان قدامك أكتر من فرصة تنتقم مني فيها، أولها اللي حوصل مع بتي في بيت "مهران الدهشان"، وأخرهم اللي عمله اخوي كان ممكن تسيب آيان يظن أني اللي ورا كل ده ويفارقني اني وبتي، خليته يشوف الحقيقة ويعرفها بنفسه من غير ما يجبرني اعترف على اخوي الوحيد.. أبوك فعلا يحقله انه يبقى كبير الدهاشنة والصعيد كلتها..
قال بصوته الرخيم المنبعث من خلف تلك البسمة الصافية:
_يمكن ربنا جعلني أنا وآيان سبب عشان نصلح اللي حصل من سنين بين العيلتين وكان ضحاياه ناس كتير بريئة ومتستحقش كل ده..
واسترسل حديثه بعدما اقترب ليصبح مجاور لآيان بوقفته:
_آيان كمان كان له دور في انتهاء العداوة دي، والحاجة اللي صدمتني وصدمت الكل إنه بقى قريب للكل ومني أنا شخصيًا وده كان شبه مستحيل..
لف آيان يديه حول كتفيه ثم قال بضحكة عالية:
_الفضل للكبير ولا أيه؟
ضحك هو الأخر وهو يرد عليه ساخرًا:
_يعني مبقاش فهد؟
هز رأسه نافيًا وهو يبرر:
_كان، حاليًا الكبير ويستحق يكون كده..
غمز آسر بمشاكسةٍ:
_الاحترام ده وراه انحراف، أنت بتراضي الكبير عشان تكسب بنته من تاني ولا أيه!
تطلع للخلف ليراقب انشغال خالته بابنتها، ثم عاد ليقف باستقامةٍ مقابله:
_ما تكسب أنت الثواب وتلين دماغ أختك عليا، لحسن الوضع اللي أنا فيه ده خطر على الصحة لا مني عازب ولا متجوز والباقي أنت فاهمه بقى.
تعالت ضحكاته الرجولية الساحرة، فأشار له بتتبعه قائلًا:
_طب يلا نرجع ونبقى نشوف موضوع صحتك ده بعدين..
لحق به الاخير ببسمةٍ خبيثة من قرب تحقق هدفه بالحصول عليها كزوجة خاصة به...
*******.
بالمندارة..
وبالأخص بالطابق الثاني حيث تقطن "ماسة" بعد عودتها من المشفى، كانت تستلقى على فراشها بانهاكٍ شديد، تشعر وكأن أحداهما يمزق أحشائها، فيزيد من الضغط على جرحها الغائر، فكانت بعزلة عن فرحة الجميع بأول حفيد ينير عائلة "فهد الدهشان"، باتت الغرفة خالية بها بعد عودتها، فانشغلت الفتيات باعداد الطعام للعمال، ووالدتها بتجهيز طعام خاص بها وبرضيعها الصغير، أغلقت عينيها مجددًا بألمٍ يهاجم رأسها بعد أن ضربه صداع عاصف غير محتمل، فذاك من البوادر المطروحة بعد الجراحة القيصرية، فتطلعت للكومود المجاور لها ثم حاولت جذب المسكن الذي أحضره" يحيى" منذ قليل، فعبثت بمحتويات الكيس الصغير وهي تحاول إيجاده، فوجدته مرفوع تجاهها، فتطلعت لمن يحمله وهي تردد ببسمةٍ يحفها التعب:
_يحيى!
أسندها إليه ثم جذب كوب المياه ليضع أحد الحبوب على لسانها ثم عاونها على إرتشاف بعض قطرات المياه، وعاد ليضع الوسادة خلفها جيدًا ليسألها بحبٍ:
_كده أحسن؟
هزت رأسها ووجهها الشاحب يمنحه ابتسامة تسلب ما تبقى بداخله من ثباتٍ، وخاصة حينما همست له:
_والأحسن هو وجودك جنبي.
احتضن بيديه الخشنة جانب وجهها الأيسر وهو يسألها بعتابٍ:
_وأنا أمته اتخليت عنك؟
واستكمل بنظراتٍ عاشقة لأدق تفاصيلها:
_حتى لو سبق وعملتها مرة فقلبي كان معاكِ برضه ومتخلاش للحظة عنك..
رفعت أصابعها الناعمة،لتحتضن يديه وتقربها منها،وهي تردد بدمعة سعادة تلمع بحدقتيها :
_بأحبك..
انحنى بوجهه ليتأمل الطرقة المتصلة بباب الغرفة، وحينما وجد الطريق آمن، طبع قبلة عميقة على جبينها وهو يهمس لها بصوته الرخيم:
_قومي أنتي بس بسرعة وأنا هوصفلك بنفسي أنا بأحبك أد أيه؟
ضحكت بصوت مسموع، فأنتباها وجعًا شديد، ففزع الأخير وهو يحاول استنتاج ما يحدث لها، وخاصة حينما لكمته بصدره وهي تصرخ به بغضبٍ:
_آآه بطني.... متضحكنيش خاااالص الجرح بيشد مع الضحك.
رفع أحد حاجبيه بسخطٍ:
_وبيرخي مع العياط ولا نظامه أيه؟
بغتاته بضربة قوية على صدره استنزفت قواها هي، فصرخت مجددًا، تعالت ضحكات "يحيى"، فأشار لها ساخرًا:
_أنا بقول إنك تعتكفي أنتي وايدك لحد ما جرحك يلم.
ثم انحنى تجاهها وهمس بشغفٍ احتل كيانه:
_بس متطوليش لإني في الاعتكاف ده من قبل الولادة..
ابتسمت خجلًا ، ثم قالت كمحاولة منها للتهرب من حديثه المشاكس:
_هو فين تيم من ساعة ما رجعنا وأنا ما شوفتوش!
ضيق عينيه بضيقٍ مصطنع:
_هنبتديها من دلوقتي ولا أيه، ده رابع مرة تسأليني على البيه يا هانم!
واسترسل بمرحٍ:
_هتلاقيه صايع هنا ولا هنا ما أنتي عارفة ابنك مش راكز كده..
ضحكت بصوتٍ اصطحبه تأوهات مؤلمة، ومن ثم لحق به صراخها الغاضب:
_أطلع بره يا يحيـــى.
رفع يديه باستسلامٍ:
_خلاص خلاص طالع.
وتركها وغادر على الفور حتى يتفادى غضبها الصريح..
********
وصل" آسر" و"آيان" لسرايا "فهد الدهشان"، فأتجه كلا منهما للبناء، ليجدوا العمل يقام على قدم وساق، حتى أن" سليم" و"عمر" كانوا يشرفون على العمال بأنفسهم مما زاد من دهشة "آسر" الذي تساءل باستغرابٍ:
_أمال فين "بدر" والشباب؟
أجابه "آيان" بحيرةٍ:
_يمكن بيشتروا حاجة وراجعين..
وضع "آسر" الكرتون الصغير الممتلأ بالعصائر الطازجة أرضًا، وأشار له بغموضٍ:
_أنا عارف هما فين، تعالى ورايا..
لحق به "آيان" للداخل، فوجده يدلف لأحد غرف المندارة، فتفاجئ بالشباب بأكملهم، يلتفون حول مولود صغير وعلى ما بدى له بأنه ابن يحيى، انطلق صوت "آسر" كالشرار الذي مزق بقاع سعادة كلا منهم:
_ما شاء الله على رجالة العيلة، سايبن العمال بيشتغلوا بره وقاعدين بالبيبي جوه!
انتصبوا بوقفتهم حتى "بدر" نهض حاملًا الصغير بين يديه، فقال بتوترٍ:
_أحنا بس بنعرفه علينا مش كده ولا أيه يا عبد الرحمن..
بتلعثم قال:
_آآه.. يعني ميصحش الواد يبقى عنده أربع أعمام وميعرفش عنهم حاجة..
أضاف أحمد بخوفٍ من نظرات آسر الحادة:
_يعني نسيب يحيى في يوم مهم زي ده يصح يعني؟
أتاه ردًا ساخرًا ممن يدنو ليصبح قريبًا منه:
_لا صاحب واجب طول عمرك..
منحه أحمد نظرة متعصبة، ثم جذب الصغير من يد بدر ليضعه بين يديه قائلًا:
_طب خد ابنك مش عايزين منك حاجة.
حمل يحيى منه الصغير ثم قال بشراسة:
_أنت بتحدف كيس جوافه، ما براحة يا عم أنت.
صاح آيان بمللٍ:
_يا شباب الناس محتاجنا بره هنسيب الشغل ونقف نتخانق على عم تيم القمور ده..
استدار آسر برأسه للخلف ليقذفه بنظرةٍ غاضبة، فردد بصوتٍ منخفض:
_ما أنا هموت وأشيله أنا كمان والله.. رفع آسر صوته بصرامة مخيفة:
_كل واحد يروح يكمل اللي بيعمله وبطلوا شغل العيال ده.
هبط عبد الرحمن أولا ثم لحقه بدر واتبعه أحمد، فحمل يحيى الصغير ثم كاد بالخروج من الغرفة ليصعد به للاعلى، فاوقفه آسر حينما تنحنح وهو يتصنع الجدية:
_سيب الواد ده هنا وروح أنت معاهم..
كبت ضحكاته بصعوبة، ثم وضعه بين يديه :
_لا خد راحتك يا كبير..
وتركه يحيى وهبط للأسفل، فحمله آسر ثم جلس على الأريكة القريبة منه، يتطلع له باهتمامٍ، فأمسك بيديه التي بدت صغيرة للغاية مقارنة بيديه، تابعه آيان ببسمة صغيرة ثم قال بمشاكسةٍ:
_اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكش من شوية وأنت هايج في الشباب.
أجابه وعينيه متعلقة بالصغير:
_تعالى شوف الجمال ده.. عايزين نجبله بنتين ونسيبه يختار براحته.
راقب آيان الطريق بالخارج قبل أن يسرع بالجلوس لجواره فحمل عنه الصغير وطبع قبلة على جبينه، ثم قال بخبثٍ:
_فكك من حوار البنتين دول، المفروض بعد اللي حصلك وحصلي نتعلم أن مستحيل تختار لابنك او لبنتك عريس على مزاجك هما اللي بيختاروا ولا أيه..
ضحك بصوته الرجولي الجذاب ثم قال بمزحٍ:
_خلاص ننقيله عروستين احتياطي.
تعالت الضحكات فيما بينهما، حتى قاطعهما صوت صارم أتى ليعيد ما حدث بالغرفة منذ قليل:
_صحيح اللي سمعته ده يا آسر.
استقام بوقفته ثم أعطى الصغير لآيان الذي حمله عنه، وهو يجيب من يقف أمامه باحترامٍ:
_الموضوع بسيط يا بابا.. وخلاص اتحل.
تلألأ الشر بعينيه، فانقبضت عاصفة هائجة تتبعت لتلاحق نبرته المتعصبة:
_بسيط كيف! ، اللي عمل اكده كان قاصد يتخلص منك أنت وآيان، وأكيد أنت عارفه زين بس ورحمة أبوي حسابه عندي عسير عشان يكون عبرة لغيره ولأي حد يفكر يمس عيلتي.
وطرق فهد بعصاه أرضًا بغضب:
_هاشم مش هيهداله بال الا لما أكسرله جناحه..
اقترب منه آيان ثم قال بثباتٍ:
_وأنا كسرتهوله ومفتكرش هيطلعله جناح تاني بعد اللي عملناه فيه أنا وآسر ولا أيه..
صاحب الشر ابتسامة خبيثة زرعت على وجهه، فقص على مسمع أبيه ما فعله آيان به.. فما أن انتهى حتى اتجهت نظرات فهد تجاه آيان فربت على كتفيه بفخرٍ:
_بكيفك أو غصب عنيك بقيت واحد مننا.
رد عليه بحب وعاطفة حملت من هذا المكان الذي شعر بانتمائه إليه:
_ده اللي كنت بتمناه من لحظة دخولي هنا يا كبيرنا.
منحه نظرة اندث بها الحنان الذي اتبع نبرته:
_قولتهالك سابق وهرجع أقولهالك أنت اهنه وسط أهلك وناسك يا ولدي.
ثم أشار لهما قائلًا:
_ورانا شغل كتير، هملوا الصغير وحصلوني.
قبل آسر الصغير ثم قال وهو يتجه للخروج خلف والده:
_سمعت اللي قاله، طلع الولد وحصلنا..
ذهل من تصرفه الغير مبرر، فصاح بدهشة:
_اطلعه فين، خد هنــا متهزرش...
وحينما لم يستمع لرده خرج للردهة وهو يناديه بغيظٍ:
_آســـــر..
زفر بضيقٍ شديد، فكان يشعر بالحرج للصعود للطابق العلوي الخاص بالنساء، وبالرغم من ذلك كان يشعر بالسعادة لثقة آسر الكبيرة به لأنه يعلم كونه حازمًا لا يسمح لأي شخصًا بالتعدي على حرمته، وبسماحه له بالصعود قد حصل على مكانة عظيمة بداخله، لذا حمل آيان الصغير ثم صعد الدرج الجانبي، فوضع عينيه أرضًا حتى لا تجرح خصوصياتهم، فانتبهت "رواية" إليه، فكانت الفتيات بأكملهن تتجمعان بغرفة ماسة، رفعت "رواية" صوتها وهي تناديه من داخل الغرفة التي تقطن بها ماسة،و تكشف الدرج بشكلٍ كبير:
_تعالى يا آيان..
اتبع الصوت حتى ولج للغرفة، فقال ومازالت عينيه أرضًا:
_الكل خلع وسبوه فقولت أطلعهولكم.
ضحكت الفتيات فميزت آذنيه ضحكاتها، فرفع عينيه تجاه الأريكة المقابلة إليه، فوجدها تراقبه بعشقٍ، انتبه آيان لرواية فوجدها تحمل الصغير منه وتخبره:
_طب ادخل يا حبيبي واقف بره ليه كده..
قتل بتهذبٍ وهو يتحاشى التطلع بالداخل:
_معلشي لازم أنزل عشان في حاجات كتيرة هنجبها من برة للعمال.
هزت رأسها بتفهمٍ ثم قالت:
_ربنا يعينكم يا رب.
منحها ابتسامة هادئة ثم غادر وقلبه يتعلق بمن تتابعه بعينيها بنظراتٍ تسللت لتشعل حبه الدافين، فهبط الدرج وهو يردد بابتسامة حالمة:
_مدة الاختبار انتهت ودلوقتي مبقاش في اللي يفرقنا تاني يا روجينا..
*******
غلب الليل الضياء وساد ليبتلع نوره، ومازال الجميع يتعاون بالعمل الشاق في محاولاتٍ عسيرة للانتهاء من السرايا، وما أن غادر العمال حتى توجه الشباب لغرفتهما المؤقتة بالأسفل، فطرح أحمد بمساعدة عبد الرحمن غطاء سميك احتل أرضية الغرفة بأكملها، ثم وضعوا عدد من الوسادات، ليصنعوا فراش مريح، فالقى أحمد بجسده المتعب عليه ولجواره تمدد يحيى وهو يردد بارهاقٍ:
_حرام اللي حصل فيا النهاردة ده، المفروض تقدروا إني لسه أب جديد ومحتاج أخد كام ساعة راحة كده مع مراتي وابني..مش الصبح أكون معاها بالمستشفى وبالليل بشيل رمل وطوب بالذمة ده كلام!
تمدد "بدر" جواره بتعبٍ شديد ثم قال ساخرًا:
_يا عم اتلهي بلا أب بلا نيلة، ما أنا قدامك أهو عريس جديد وبعيش العزوبية من أول وجديد..
جلس "آسر" على المقعد المقابل لهم، ثم خلع حذائه بصمتٍ مخيف، فخلع "آيان" جاكيته الاسود ثم وضعه على المقعد المجاور له، ولحق بالشباب على الفراش ثم قال بمكرٍ:
_أنت مش لوحدك يا بدر كلنا في الهوا سوا..
ثم غمز بخبث وهو يسترسل:
_مش كده ولا أيه يا آسر..
فهم الشباب ما يقصد آيان بالقاه، فاتجهت النظرات تجاه آسر الذي ردد بسخرية:
_فكك مني عشان مزعلكش وأنت مجرب زعلي قبل كده ولا أيه؟
دفع أحمد يحيى وبدر حتى استلقى هو جوار آيان، فهمس له بصوت ظنه غير مسموع:
_كبيرنا المستقبلي بيشد علينا بالنهار وهو بينحرف عادي وبيعرف يصرف نفسه..
رد عليه آيان باستهزاءٍ:
_يعني هو ينحرف براحته وإحنا نموت بادبنا ولا أيه ؟!
أبدل آسر ملابسه ثم ترنح جوارهما وهو يشير بتحذيرٍ:
_هترجع مكانك يا أحمد ولا تنام برة في حضن همام ومهجة النهاردة؟
ابتلع ريقه بتوترٍ:
_مين المجنون اللي يقرب للخيل الأهبل ده، لا هرجع مكاني وباحترام..
وبالفعل عاد لمحله قبل أن ينال هذا العقاب الحازم بصحبة الخيل المتمرد، تحرر صوت آيان الناعس حينما قال:
_أحمد اقفل النور..
أجابه الاخير بنومٍ:
_قوم أنت، أنا مش قادر اتحرك..
وهز أحمد من يغفل جواره قائلًا:
_قوم أنت يا بدر اقفله.
رد عليه بتعصبٍ:
_مين ده اللي يقوم، ادعي ربنا اني تعبان ومش قادر أقف كان زماني قتلتك وقتي..
قال ساخرًا:
_تبقى دعوة جماعية انه يقطع عمومي..
وغفل بنومه الذي بدى مزعجًا حينما صاح آسر بغضبٍ:
_قوم يا زفت اقفل النور مش عارف أنام..
زفر بغيظٍ وهو يلقي بالغطاء عنه:
_هو يوم مش فايت أنا عارف..
وأغلقه أحمد ثم عاد ليستلقي محله من جديد، فداثرهما نومًا ثقيل بعد يومًا شاق للغاية، ولكن لم يدم طويل، حينما بات ذاك الصوت المسموع مزعجًا، وما جعل الأمر ملموسًا حينما ضربهم الثليج فنخر عظامهم، فجعل الاستيقاظ مصير مؤلم لهم، فأسرع أحمد الى مفتاح الضوء وهو يردد بانزعاجٍ:
_احنا فينا من كده، أيه صوت الشخير ده!!!
تفحصوا الغطاء فوجدوه مسحوبًا بأكمله من عليهما، فاتجهت النظرات الحائرة تجاه الصوت المزعج، فوجدوا عبد الرحمن يحتضن الغطاء الكبير وصوته يغدو ليصبح أعلى من زي قبل، كز "بدر" على أسنانه وهو يردد بغيظٍ:
_وأنا أقول أيه البرد ده؟
لكزه يحيى وهو يناديه بغضب:
_انتي يا عم انت فوووق ايه صوت البلاعة دي..
لم يأتيهم أي رد أو استفهام صريح لما يحدث، فنهض آسر عن محله ثم دفعه للأرض بعنفٍ:
_قوم كلمنا زي ما بنكلمك، هتعمل فيها قتيل!
فزع عبد الرحمن حينما وجد ذاته ملقي أرضًا، فردد بعدم وعي:
_مين... فين؟
لكمه أحمد بحدةٍ:
_لأ.. بقولك أيه المشرحة مش ناقصة قتلة هتقعد هنا تقعد بادبك احنا عايزين ننام..
تساءل بعدم فهم:
_ما تنام هو حد جيه جنبك؟
كبت آيان ضحكة كادت بالانفلات منه، فانحنى آسر تجاهه ثم عاونه على النهوض وقال:
_مهو احنا بنحاول ننام من ساعتها بس مش عارفين من صوتك ، ده حتى اللحاف يا أخي مستخسره فينا ولفه حوليك لوحدك!
تحرر منه و عاد ليتمدد جوار بدر وآيان مجددًا وهو يردد:
_مهو ده بيحصل معايا لما بكون تعبان للاسف..
جذب آيان الغطاء عن رأسه بغيظٍ:
_أيوه طب وأحنا ذنبنا أيه يا عبده، ما أحنا محتاجين ننام برضه ورانا مصالح بكره تهد جبال!
قال وقد انغمس بالنوم:
_خلاص خلاص..
وتركهم وغفى مجددًا، فعاد أحمد لمحله وكاد آسر بالعودة ولكنه تسمر محله حينما عاد عبد الرحمن لنفس الكرة، فركله بدر بعصبية:
_يابــــــا أنت مركب شفاط جوه ولا نظامك أيه... لا وعايز تتجوز ده مراتك هتطلب الطلاق من أول يوم..
استقام عبد الرحمن بجلسته ثم اهدر بانفعالٍ:
_في أيه يا عم انت وهو مش عارف انام ساعتين منكم اروح انام في الشارع يعني!
لوى آيان فمه بتهمكمٍ:
_مهو ده مش وضع يا عبده!
كاد آسر بالحديث ولكن صرير الباب الفاصل بينهم وبين الغرفة المتصلة أوقفه، فولج "فهد" و"سليم"للداخل، عمت فترة هدوء صغيرة قبل أن يقطعها فهد حينما تساءل:
_أيه الدوشة دي مش عارفين ننام!
أجابه آسر بضيقٍ:
_ولا أحنا والله يا كبير، ابن اخوك مبهدلنا هنا وبصراحة كده لو محطتلوش حد هقتله هنا واللي يحصل يحصل أنا بنوه قبل أي حركة أهو..
ابتسم سليم ثم قال:
_ليه كده يا عبدالرحمن عملت فيهم أيه؟
رد عليه بدر:
_أنا بقول تاخده معاك وتكتشف بنفسك يا حاج..
ارتعش عبد الرحمن وخاصة حينما اشار له فهد بجدية:
_تعالى يا ابني نام معانا خلي الليلة دي تعدي..
تشبث بالغطاء وهو يردد بخوفٍ:
_لا يا عمي أنا تمام هنا..
اتجهت نظراته الصارمة تجاه سليم ليخبره قبل ان يعود لغرفته:
_هاته وتعالى يا سليم.
أومأ برأسه بتأكيدٍ ثم دنى من عبد الرحمن وجذبه برفقٍ ليعود كلا منهما للغرفة، فتهللت اسارير أحمد الذي أطفئ الضوء وعاد للفراش سريعًا، ولكن بترت فرحة الأوجه حينما عاد سليم اليهما بعد أقل من ساعة، ليدفع عبد الرحمن للداخل وهو يشير اليهما بتحذير:
_سيعوا بعض النهاردة انتوا شباب ولازم تستحملوا بعض احنا العضمة كبرت ومش حمل سهر..
وأغلق الباب من خلفه، فابتسم آسر بخبثٍ، ثم اطاح بعبد الرحمن أرضًا، وأشار بعينيه لآيان الذي أسرع لجلب ما يوده، فردد عبد الرحمن بخوف:
_هتقتلوني عشان بشخر وأنا نايم!
قال آيان وهو يناول آسر غايته:
_دي ميكرفون مش شخير ده يا عبده.
جذب آسر اللاصق منه ثم كمم فمه، وأشار للشباب قائلًا:
_عايز حزام أو اتنين يا رجالة..
حرر بدر الحزام الجلدي الاسود من بنطاله، حتى آيان خلع عنه حزامه البني وقدمه له بصدرٍ رحب، فلف آسر احداهما حول يديه والاخر حول قدميه، ثم رفعه على الوسادة وطرح فوقه الغطاء قائلًا بمشاكسةٍ:
_تصبح على خير يا عبده.
تلون وجهه غضبًا فحاول التحرر ولكنه لم يستطيع، فاستسلم وغفى بنومٍ غير مريح بالمرةٍ، ولكنه ضمر بداخله خطة للانتقام منهم جميعًا وردد بداخله بعزمٍ:
_والله لاوريكم.. وبكره تشوفوا هعمل أيه..
....... يتبع..............
#الدهاشنة3... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت...
شكرًا جزيلًا لدعواتكم الطيبة لي ولإبني بالشفاء، وبتمنى أن الفصل يعوض فترة الغياب، ويكون يستاهل الانتظار، وان شاء الله لينا لقاء تاني مع الفصول الاخيرة من الرواية... هحاول بإذن الله الاسبوع ده نختم الرواية.. بحبكم في الله.. 💙
******________*******
الدهاشنة 3 .. وخفق القلب عشقاً .. آية محمد رفعت الفصل العشرون 20 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة3..(#وخفق_القلب_عشقًا...)
#الفصل_التاسع_والأبعون..
إهداء الفصل للقارئة الجميلة"أم فراس النتشة" من فلسطين الحبيب 🇵🇸 ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك يا جميلة...قراءة ممتعة 💙)
توسطت الشمس كبد السماء، وانسدلت خيوطها الذهبية بحرافيةٍ فزادت من جمال تلك المساحات الخضراء التي تحد صعيد مصر، فكان صباحًا مفعم بالطاقة واستعداد لإستكمال العمل، لذا كان الشباب بغرفتهم يستعدون للخروج لتنناول الافطار حتى يخرج كلا منهم لمسعاه، فبدى الوقت مناسبًا لمن يستغل فرصة الانتقام لما حدث بالأمس، فتسلل للغرفة ثم أغلق بابها من خلفه، ودنى من الطاولة العريضة التي تضم الهواتف الخاصة بهم، ففتحهم جميعًا ولسانه ينطق بشرٍ مضمور:
_أبقوا قبلوني لو عرفتوا تميزوا الخطوط من بعضها...
وقام "عبد الرحمن" بسحب خطوط الهواتف ثم أعادها مرة أخرى بعشوائيةٍ،وقد احتل وجهه ابتسامة خبيثة منتصرة لما حدث به بالأمس، وحينما انتهى مما يفعله انسحب للخارج سريعًا حتى لا يفتضح أمر خطته، فانضم لطاولة الطعام التي تضمهم، فقال "بدر" وهو يلوك أحد قطع الخبز:
_صباح الخير يا عبده، يارب تكون قضيت ليلة سعيدة.
تعالت الضحكات الرجولية فيما بينهما، ونظرات الغيظ كانت مصير "عبد الرحمن" الذي يوزعها فيما بينهما بغضبٍ، فوضع "آيان" طبق الجبن الشهي من أمامه ثم قال:
_فكك منه وافطر قبل ما ننزل بسرعة.
دفع الطبق تجاهه بضيقٍ:
_نفسي اتسدت لما شوفت خلقكم..
وتركهم وهبط للاسفل ومازال الضحك يسيطر على الوجوه، فنهض "آسر" ثم جذب هاتفه من يد الخادمة التي أحضرته للتو، فأشار لهم قبل أن يلحق بابن عمه:
_هستناكم تحت، ياريت متتاخروش..
أجابه "آيان" وهو يهم تجاه الغرفة:
_هجيب موبيلي وجاي وراك على طول.
أضاف "بدر":
_وأنا جاي معاكم.
نهض"يحيى" عن الطاولة، ثم جذب المنشفة ليجفف يديه:
_أنا هجيب الشاي والمية للرجالة وهنزل وراكم..
وبالفعل توجه للمطبخ ليحمل عن والدته وعاء الشاي الكبير الذي أعدته للعمال بالاسفل، بينما حمل عنه بدر سطل المياه البارد، ليتجه كلا منهما للاسفل، وتبقى "أحمد" محله يلهي ذاته بتناول الطعام أو هكذا تصنع حتى انسحب الشباب جميعًا للأسفل، فنهض عن الطاولة بعدما تأكد من رحيلهما، ثم تسلل للأعلى بابتسامةٍ تسلية، إختار الاختباء خلف أحد الستائر الداكنة، ليتابع مراقبة الغرفة التي تجمع زوجته وأحد الفتيات، فوجد "تالين" و"رؤى"تخرجن من الغرفة وتبقت "حور" بالداخل، لذا لم يتردد باستغلال تلك الفرصة التي بدت عظيمة بالنسبة إليه، لذا أسرع للداخل ثم أغلق الباب بالمفتاح العالق بجسده، واستدار ليجدها ترتب الغرفة، وما أن استمعت لصوت انغلاق باب الغرفة التفتت لترى ماذا هناك، فانعقد حاجبها وهي تتساءل بدهشةٍ:
_أحمد بتعمل أيه هنا؟
تفحصها بنظرة سريعة ثم قال بانزعاجٍ:
_هو أنا كل ما أشوفك ألقيكي باسدال الصلاة!
ابتلعت ريقها بتوترٍ للحالة الغير مريحة التي بدى بها لها، فرددت بارتباكٍ:
_والمفروض إني ألبس أيه بقى وأحنا كلنا يعتبر عايشين في اوضتين!
ابتسم وهو يقترب منها حتى بدت محتجزة بينه وبين الحائط من خلفها:
_مش مهم، المهم اننا نستغل الفرصة صح..
لعقت شفتيها وهي تتساءل بخوفٍ:
_فرصة أيه؟
قربها إليه وهو يتابع بخبثٍ:
_إننا لوحدينا ولا أيـه؟
جحظت عينيها بصدمةٍ، فدفعته عنها وهي تصيح به:
_أنت مجنون، عايز تفضحني وسط البنات.
ودفعته مرة أخرى حتى أوقعته على الفراش:
_إبعد كده خليني أعدي..
أسرع خلفها ثم أمسك بها مجددًا:
_أفضحك أيه هو أحنا ماشين مع بعض، أنا جوزك يا هبلة!
جذبت يدها من بين حصار يديه ثم ربعتهما حول خصرها قائلة بشراسة:
_جوزي في أوضتنا يا حبيبي واتفضل اخرج من هنا حالًا بدل ما أصوت وألم عليك أهل البيت..
صعق من طريقتها التي بدت له سوقية عن رقتها المنتاهية، فردد بصدمةٍ:
_تصوتي! ، الظاهر ان الفترة اللي فاتت حولتك أنتي كمان..
مررت يدها حول جبينها بمللٍ:
_أحمد أنا الحمل تعبني ومش ناقصة مناهدة، افتح الباب وانزل شوف شغلك وسبني أنا كمان اساعد ماما والبنات في تحضير الغدا للعمال.
رسم بسمة صغيرة على وجهه، ثم ضمها إليه ليهمس لها بعشقٍ:
_طب أي حاجة طيب أنتي بطلتي تحبني ولا أيه؟
عادت بوجهها للخلف وهي تقاوم ما يعتريها من مشاعر صادقة تجاه زوجها الحبيب ثم قالت:
_مش هينفع أنت عايز تكسفني قدام البنات صح؟
رفع أحد حاجبيه بسخطٍ:
_وهما هيعرفوا منين؟
كزت على أسنانها بضيقٍ شديد، فهمست بصوتٍ شبه مسموع:
_مش هيطلع من هنا الا لما أفضحه أنا عارفة.
لذا وبدون مقدمات رفعت صوتها وهي تصرخ قائلة:
_يا طنط ريــــــــم تعالـــى شوفي ابنك المحترم بيعمل هنا أيــــــه!
كمم أحمد فمها بصدمةٍ، وهو يعنفها:
_انتي مجنونه إيه اللي بتعمليه ده!
حاولت الحديث من خلف يديه التي تحجبها عنه، فاتاهما صوت والدته من خلف الباب وهي تحاول فتحه:
_في أيه يا حور؟ ، وقافلة الباب عليكي ليه افتحي!
ابتسمت "حور" بانتصارٍ، وخاصة حينما تحرك أحمد ليفتح الباب وهو يتوعد لها، فما أن ولجت "ريم" للداخل حتى تساءلت بذهولٍ:
_أحمد! بتعمل أيه اهنه؟
مرر يديه بين خصلات شعره بحيرة البحث عما سيجيبها به، فقال بتلعثمٍ:
_أنا كنت طالع أطمن على ماسة قبل ما أنزل!
ابتسمت "ريم" بسخريةٍ لما بدى لها بالحدوث هنا ، فقالت بحزمٍ مصطنع:
_طب انزل قوام قبل ما حد من أعمامك يشوفك.
أومأ برأسه باستسلامٍ، وغادر ونظراته الغاضبة مازالت تتملكها، فما أن هبط للاسفل حتى ضربتها برفق على وجنتها:
_كده تفضحي جوزك بالشكل ده!
رتبت"حور" الغطاء على السرير حتى تعود لما تفعله وهي تجيبها بخجلٍ:
_ابنك اللي مش محترم يا طنط، فقولت افضحه قبل ما اتفضح أنا..
انفجرت "ريم" ضاحكة ثم قالت باستهزاءٍ:
_عندك حق يا بتي، الواد ده مشافش رباية وأني أول ما أبوه يرجع هقوله يعلمه ازاي يعامل مرته..
ضحكت "حور" على حديثها، ثم عادت لتستكمل تنظيفها للغرفة بحرجٍ لما تعرضت له..
********
بالأسفل...
انتهى "آسر" من فحص المعدات، ثم انتصب بوقفته ليشير للعامل قائلًا بثناءٍ لمجهوده المبذول:
_الله ينور عليك..
منحه العامل ابتسامة عملية، يليها اطراء:
_بفضل توجيهاتك يا بشمنهدس.
ثم تركه وعاد ليتابع عمله، فاتجه "آسر" ليحيى الذي أشار له بالقدوم لحاجته للمساعدة بحمل بعض الطوب.
بينما بالجهة الأخرى، كان يسكب "آيان" بعض العصائر بالأكواب للعمال، فدق هاتفه للمرة الثانية، لذا نظف يديه بالمنشفة التي يحملها على كتفيه، ثم دثها بجيب جاكيته الأسود ليجذب الهاتف، فما أن رفعه على أذنيه حتى أتاه صوت بدى مألوفًا بالنسبة إليه:
_مش بترد ليه يا آسر كلمتك أكتر من مرة!
همس بذهولٍ وهو يتطلع لشاشة هاتفه:
_آسر!
زم شفتيه بذهولٍ حينما وجده هاتفه، فعاد ليضعه على هاتفه مجددًا:
_أنا آسف يا تسنيم واضح ان في سوء تفاهم، ده رقمي أنا مش رقم آسر..
طال صمتها حرجًا لما تعرضت له، فعادت لتتفحص الهاتف هي الاخرى، ثم قالت على استحياءٍ:
_أنا اللي بعتذر اني ازعجتك يا آيان، بس ده فعلًا رقم آسر أو يمكن أكون متلغبطة.
ابتسم وهو يجيبها:
_عمومًا حصل خير..
أغلقت الهاتف، فرفع آيان هاتفه ليتأكد من الرقم مجددًا ليجده مدون ب(حبيبتي..) ، فتعجب للغاية وحينها تأكد من كناية الارقام المدونة بأن الخط الذي يحمله هاتفه لا يخصه!
*********
وصل "بدر" بسيارة الربع نقل للسرايا، فألقى بذاته من على سطحها، ثم أشار لمن خلفه قائلًا:
_نزلوا الاسمنت ودخلوه للرجالة.
أومأ أحداهما برأسه وهو يشير له:
_تحت أمرك يا بشمهندس..
ابتعد "بدر" للخلف قليلًا ليتفحص هاتفه، ثم رفعه حينما أتته مكالمة مدونة باسم "حور"،فوجدها تتحدث بعصبيةٍ مبالغة بها :
_بسببك طنط ريم كسفتني قدام البنات ومسكني تريقة من الصبح ، والله يا أحمد ما هعدهالك وهتشوف هعمل فيك أيه.
ضحك ساخرًا:
_سلامة النظر يا حبيبتي، أنتي طالبة جوزك ولا اخوكي!
رددت بصدمةٍ:
_بـــدر!
أتاها صوته الضاحك:
_بالظبط.. بس فكك وقوليلي عمل أيه الواد ده وأنا بنفسي هروقهولك..
انساق الحديث فيما بينهما، وتناست حور تمام الرقم الذي يخص زوجها، فما أن انتهى الاتصال فيما بينهما حتى تفحص بدر الهاتف وهو يردد بدهشةٍ:
_ده مش خطي!
*******
جلس يحيى يزيح حبات العرق النابض عن جبينه بعد انتهائه من نقل الطوب للعامل بالأعلى، فأخرج هاتفه حينما ورده أحد المكالمات، فاستمع لصوت المتصل:
_كده يا حبيبي بقالك فترة مش بتعبرني ولا حتى بشوفك، طيب أنا هنت عليك؟
صعق مما استمع اليه وخاصة بأن الصوت كان واضحًا بأنه يعود لرؤى زوجة بدر، فردد بذهولٍ:
_رؤى! ، انتي متلغبطة في الارقام ولا أيه!
رددت بصدمة تفوقه:
_يحيى!
وقبل أن يستمع لتبرير صريح منها كانت قد اغلقت الهاتف بوجهه من فرط الحرج الذي تشعر به، فالقت الهاتف عن يدها، أما يحيى ففور تأمله جهات الإتصال تأكد من أنها لم تكن تطلب الجهة الخاطئة بل أن هناك خطًا ربما مقصود!
********
أشار" آسر"بيديه لأحد العمال ليخبره:
_خد بالك البراميل ملان مية، أنا هجبلك واحد فاضي، بس الله يكرمك تنجزني لان زي ما أنت شايف الوضع مش مستحمل.
رد عليه بتأكيدٍ:
_متقلقش يا بشمهندس هنخلص قبل المدة المطلوب بإذن الله..
منحه ابتسامة هادئة:
_إن شاء الله.
ثم ناوله مبتغاه، وإتكأ بمعصمه على الحائط من خلفه، ليجذب الهاتف الذي يدق فوجد رقم غريبًا، فتح آسر الهاتف ثم قال:
_الو..
أتاه صوتًا غريبًا يستمع له لأول مرة:
_دفعت إيجار الأراضي وكله تمام يا كبيرنا، عشان تتأكد ان وراك رجالة.
ضيق عينيه وهو يردد بحيرةٍ:
_أراضي أيه، انت مين؟
رد المتصل بدهشةٍ:
_لحقت تنساني يا آيان باشا، أنا لطفي رجل من رجالتك!
بعد آسر الهاتف عن وجهه ليتطلع بالشاشة بذهولٍ، فوجد آيان يقف مقابله ويناوله خط صغير وهو يردد ساخرًا:
_اسمع عن تبادل الموبيلات لكن الخطوط دي موردتش عليا قبل كده!
قدم له آسر الهاتف، فرفعه آيان على اذنيه ثم قال بثباتٍ عجيب:
_اقفل أنت يا لطفي ساعة وهكلمك تاني.
وبالفعل أغلق الهاتف، ووقف في محاذاة "آسر" الذي انتقلت عينيه الصقرية تجاه ابناء اعمامه، فكلا منهما يقترب منه يحمل هاتفه ويردد بنفس الكلمات التي جمعتهم:
_ده مش خطي!
انتقلت نظراته تجاه عبد الرحمن الذي يراقبه بابتسامة انتصار، فناداه بغضبٍ:
_تعالى هنا احسن ما أجيلك أنا وأخلي شكلك ميساواش قدام الرجالة.
انتقلت النظرات جميعًا تجاهه، فاقترب منهم وهو يلعق شفتيه من فرط الخوف، فقال بارتباكٍ:
_اعملكم ايه ما انتوا الا بدأتوا..
اقترب منه يحيى ثم صاح به بغضب:
_أنت أهبل صح، أنت عرضتنا كلنا لموقف محرج، أنا كان معايا خط بدر ورؤى اتحرجت لما أنا اللي رديت عليها انت كده هزرت والمفروض اننا نضحك يعني ولا أيه بالظبط!
استشاطت نظرات بدر الغاضبة، فقال آيان هو الأخر:
_وأنا كان معايا خط آسر وتسنيم رنت عليه برضه..
تهجمت معالم آسر فبدى مخيفًا للغاية،وخاصة حينما انتقلت يديه لقميص عبد الرحمن، الذي اسرع بالتبرير:
_وأنا إيش عرفني انهم اللي هيرنوا أنا كنت آآ..
انقطع صوته حينما تلقى لكمة قوية أطاحته أرضًا، فضحك أحمد وهو يخبرهما بعنجهية:
_أنا الحمد لله مجاليش مكالمات خالص.
ضحك بدر ثم وضع يديه حول كتفيه وهو يخبره ساخرًا:
_وهو أنت كنت فاضي للمكالمات يابو نسب، أنت كنت مقضيها تحرش جوه بس الوالدة ظبطتك.
صعق لما يستمع اليه، فغمز له بمشاكسةٍ:
_مهو حظي جيه في خطك، أختي بقى ومننا وعلينا..
انفجر آيان ضاحكًا، ثم قال بسخرية:
_العيلة دي هتتشرد لو اتأخرنا اكتر من كده، لازم نرجع السرايا زي ما كانت بأسرع وقت..
صاح بهما يحيى:
_انتوا بتهزروا وسايبن الواد هيموت في ايد آسر!
رفع أحمد يديه بعدم مبالاة:
_يستاهل.
تدخل آيان بينهما، فابعده عنه بصعوبة، ثم قال:
_خلاص يا آسر الواد كان بينتقم من اللي حصله.
ردد بانفعال:
_ده لعب عيال مش انتقام ده.. عمره ما هيكبر عشان كده مينفعش لا لجواز ولا لغيره..
نهض عبد الرحمن ينفض الغبار عن ثيابه، ويحاول جاهدًا اخفاء ضحكاته، فجذب آسر الهواتف من ايدهم ثم القاه بوجهه ليشير له بصرامةٍ:
_زي ما بدلتهم ترجعهم والا أنت عارف اللي هيحصلك.
حملهم عنه عبد الرحمن ثم قال بصدمة:
_ودي هعملها ازاي دي..
اتاه رده اللازع يقتص منه:
_زي الراجل العاقل كده لما يحل تفاهته
ثم أشار للشباب:
_يلا.
غادر الجميع وتركوه بورطة كان هو السبب بها من البداية، فلعن حظه العسير الذي أوقعه بما فعله..
*******
بالأعلى..
ولجت "رؤى" لغرفة "ماسة" ويبدو بأنها مرتبكة، فسألتها الأخيرة باستغرابٍ:
_مالك يا بنتي؟
وضعت الهاتف عن يدها ثم قالت بتوترٍ:
_أنا في مصيبة ومش عارفة أعمل ايه؟
شهقت الاخيرة بخوف:
_مصيبة أيه؟
قالت بحرجٍ والدموع تتلألأ بعينيها:
_انا رنيت على بدر معرفش ازاي يحيى اللي رد مع اني واثقة والله ان ده رقم بدر، حتى شوفي!
جذبت ماسة الهاتف منها بتعبٍ مازال بادي على وجهها المرهق، ثم رددت بذهولٍ:
_غريبة! ، يمكن الخطوط فيها مشكلة ولا حاجة، وحتى لو ده حصل ايه المشكلة يعني أكيد يحيى فاهم وعارف انك قاصدة جوزك مش حد تاني..
القت الهاتف على الفراش، ثم احتضنت وجهها وهي تجيبها بقلقٍ:
_بس برضه هيقول عليا أيه!!
كادت بأن تعود لمحاولات مواساتها عن الحرج الذي تعرضت له ولكنها توقفت حينما ولجت حور للداخل تحاول الحديث من بين نوبة الضحك الذي يتملكها فقالت بصعوبة:
_نكتة بجد،جيت أكلم أحمد طلبت بدر معرفش ازاي!
قالت تسنيم من خلفهما:
_لا دي مش نكته بقى انا كمان طلبت آسر اللي رد آيان!!!
انتقلت النظرات المذهولة فيما بينهما، وبدى الغموض يسيطر على الافواه، حتى ولجت "تالين" فانفجرت ضاحكة عليهن ثم قالت باستهزاءٍ:
_ده مقلب عمله فيهم عبد الرحمن هو اللي نقل الخطوط وخد جزاته، آسر أدبه.
اجتمعت الفتيات من حولها على الأريكة، ليحثوها على الحديث بالتفاصيل الدقيقة عما حدث..
*********
انتهى اليوم بعد شقاء، فجلس الشباب على الأريكة المقابلة للاسطبل الخارجي، يدون أحمد الحسابات التي يلقيها آسر والشباب على مسمعه، وما يحتاجون لجلبه بالصباح الباكر، فنهض الجميع حينما اقترب منهما "فهد" ، فحياهم بمحبةٍ:
_السلام عليكم..
رددوا معًا:
_وعليكم السلام ورحمة الله.
جذب آيان احد المقاعد وهو يشير له:
_اتفضل يا كبير..
استرخى فهد بجلسته عليه ثم قال بابتسامة زادته وقار وعينيه تتفحص دفتر الحسابات من أمامه:
_الله ينور عليكم يا رجالة، سند يعتمد عليه صوح.
ابتسموا جميعًا، فقال آسر ببسمة مشرقة:
_ربنا يخليك لينا..
أغلق فهد الدفتر ثم استند بجسده على العصا، ليخبرهما بمكرٍ:
_بس مش عجبني انكم تكونوا مركزين في الشغل ومقصرين في الاهم منه.
تساءل آسر بعدم فهم:
_مقصرين في أيه!
ابتسم وهو يجيبه:
_مع البنات.. عشان كده أنتوا افراج النهاردة، اخرجوا اتعشوا بره في مكان يكون مريح وابقوا كملوا الطلبات بكره.
اتسعت ابتسامة أحمد وهو يقول:
_والله يا عمي ما في حد فهمنا ولا مدلعنا غيرك..
أضاف عبد الرحمن:
_ايوه كده عشان نشحن طاقة للي جاي..
استند فهد على عكازه ثم اشار لهما بخبثٍ:
_طيب هسيبكم تختاروا المكان اللي تحبوا تروحه.
اقترح عليهما ايان مطعم راقي قريب من طريق القاهرة، يقدم أفخم أنواع الطعام الايطالي فنال استحسانهم، فنهض بدر ثم أشار لهما قائلًا:
_لا أنا اروح اتشيك بقى مدام هنروح مكان عالي زي ده.
اتبعوه ليستعدوا جميعًا للخروج قبل أن يشق الليل بهم.
******
سعدت الفتيات حينما علموا بأمر ذاك الموعد الرومانسي، فاستعدن سويًا بغرفة "ماسة"، التي رددت بحزنٍ:
_هتخرجوا من غيري كده!
ردت عليها"روجينا ":
_لو مش عايزانا نروح والله نقعد ونتجمع هنا..
منحتها ابتسامة مشرقة:
_لا يا حبيبتي انا بهزر معاكم، اخرجوا وانبسطوا انتوا طالع عنيكم بالطبيخ طول اليوم للعمال وانا من قبل الولادة مش عارفة اساعدكم بأي حاجة..
قبلتها"روجينا" ثم قالت:
_حياتي انتي يا ماستي هبقى اجبلك معايا هدية لتيم الامور..
جذبتها ماسة تجاهها ثم همست لها بمكر:_مش عايزة هدايا، حني انتي بس على جوزك المسكين.
ضحكت الاخيرة ثم اجابتها بدلال:
_هفكر..
وهبطت خلف الفتيات سريعًا حتى لا تتأخر بلقاء محبوبها.
*****
بالأسفل..
ردد أحمد باصرارٍ:
_يا عم ما تيجي معانا، هو يعني الخروج مينفعش غير مع المدام!
تدخل بدر قائلا:
_فكك منه يا يحيى ده عايز يخرب عليك..
ابتسم يحيى ثم قال:
_لا متقلقش انا عارفه اكتر منك.
ثم استدار لاحمد:
_اه مش بيحلى غير بيها، ثم اني هسهر برضه بس مع ابني ومراتي.
ضحكوا سويًا، ثم اتجهت نظراتهم تجاه آسر وآيان، حيث يهبط كلا منهما الدرج، فانطلق الصفير مشترك من الشباب اعجابًا بما يرتديه كلا منهما من بذلة كلاسيكية أنيقة، وكأن كلا منهما يتفق في ذوق الحلى المشتركة فيما بينهما، فقال عبد الرحمن باطراءٍ:
_الشياكة ليها ناسها، بس حاسس أن آسر بقى مأڤورها أوي تقولش هو العريس ولا أيه يا شباب!
ضحك يحيى ثم قال:
_لا عندك آسر من يوم يومه شياكة.
ابتسم آسر ثم قال بغرورٍ مصطنع:
_معتش غيرك اللي هيعلمني البس أيه، يا عم أنت اليومين دول خفف دمك ولا حابب تودع للأخرة!
ضحكوا سويًا، وسرعان ما اختفى الضحك حينما انضمت لهن الفتيات، فانشغل كلا منهم مع زوجته، فدنى "آسر" منها وعينيه لا ترى سوى عينيها، فكأنما بات الكون خاليًا لم يعد به سواهما، ازدادت خجلًا حينما أمسك بيدها ثم همس لها بصوته ذات النبرة العميقة:
_الجمال ده مينفعش يخرج من هنا والعيون تشوفه، أنا بس اللي مسمحولي..
ثم استدار للخلف ليراقب الجميع وعاد ليسترسل بغمزة مكر:
_ما تيجي نخلع..
ابتسمت تسنيم ثم قالت:
_لا دي أول نخرج كلنا مع بعض واكيد مش هنفوتها..
أمسك بطرف حجابها الذي اطاحه الهواء فجذب الدبوس الصغير العالق على كتفيها ثم عاد ليحكم به الطرف المنسدل بحرصٍ الا يلامسها طرفه الحاد، فمنحها نظرة متفحصة ثم قال:
_كده أفضل..
ورفع يديه لصدره وهو يشير لها:
_الامير أحيانًا مضطر انه يخضع لطلبات أميرته..
ضحك وجهها المشرق بحبه الشبه مثالي، ثم وضعت يدها بين يديه لتلحق به للسيارة..
********
بحثت عينيها عنه، متلهفة للقاء، فما أن أمسك بها تفتش عنه حتى أحمرت وجنتها خجلًا، فعبست بطرف حقيبتها الطويل، فدنى منها آيان ثم قال:
_كالعادة بتهربي لما بمسكك..
رفعت احد حاجبيها بدهشةٍ:
_ههرب من أيه!
اقترب حتى قطع تلك المسافة الفاصلة بينهما ثم قال بنبرةٍ حملت طيف من الحزنٍ:
_مني أنا يا روجينا..
لعقت شفتيها بتوترٍ، فاستجمعت شجاعتها لتجيبه:
_بالعكس أنا بقيت بتقبل وجودك، وحابة ان الكل متقبل ده.
وأزاحت تلك الدمعة سريعًا قبل أن تنزع مراءها:
_انت عارف ومتأكد اني بحبك، واللي كان بيحصلي ده كان من وجعي على اللي انت عملته، ودلوقتي انت مبقتش الشخص السيء اللي كان في نظري فأكيد يعني انا حبيتك بالوحش اللي فيك دلوقتي متخيل ان حبي ليك هيقل!
أمسك يدها، ثم قال وابتسامة الفرح تحاوطه:
_يعني خلاص هترجعي معايا السرايا بعد ما نخلص هنا؟
بادلته الابتسامة وهي تهز رأسها بكل تأكيد ثم قالت بالصعيدية ممازحة إياه:
_حدانا بالصعيد الواحدة ملهاش غير جوزها، مكان ما بيروح هي بتروح وراه يا واد عمي.
ضمها لصدره وصوت ضحكاته تنعش دقات قلبها البائس، تعشقه تلك المجنونة حتى وإن كان رفيق لإبليس بطريقه، فكيف لقلبها بأن بمقته بعدما فعل المحال لأجلها!
********
لم يكن الطريق بالقصير لذا استغرق ساعات متواصلة حتى وصلوا لغايتهم، فكان مطعم فخمّا للغاية، يتوسطه حديقة بتقسيمة مثالية لقضاء يومًا مكتمل، فاختاروا جمعيًا الجلوس بالحديقة على طاولة واحدة، فجلس كل ثنائي جوار بعضهما البعض ولجوار كل شاب جلست شقيقته وبجانبها زوجها ، وبعد دقائق معدودة أتى النادل ليوزع القائمة على كلا منهما، وغادر ليمنحهما بعض الوقت لاختيار ما يود تناوله بناء على طلب آسر الذي قال:
_شوفوا تحبوا تطلبوا أيه؟
كبتت روجينا ضحكاتها، ثم قالت ساخرة:
_المشكلة ان الاطباق دي اول مرة نسمع عنها، فلو طلبنا حاجة منعرفهاش ممكن يجيلنا تلبك معوي..
ردت عليها حور بعدما فتحت حقيبتها:
_عملت حسابي عشان كده.
وأخرجت من حقيبتها الكبيرة كيس مغلفًا، مزقته أمام أعين الشباب المنصدمة، فخرجت حلة صغيرة وفتحتها، ردد احمد بصدمة:
_محشي!!!
قال بدر بدهشة:
_ده بجد!! انتي مجنونة صح.
لحقت بها "رؤى" حينما اخرجت من حقيبتها وعاء بلاستيكي صغير، فردد بدر بصدمة تفوقه:
_كوسة وبتنجان محشي، لا انتوا اكيد بتهرجوا..
اتجهت نظرات ايان تجاه حقيبة روجينا، فقال بخوف:
_أوعـــي، احنا في مكان شيك وممكن نتطرد بالحلل دي وهتبقى فضيحة!
منحته ابتسامة واسعة، ثم اخرجت ما تحمله قائلة:
_هو القاعدة تحلى الا بالمحشى الكرنب وخاصة بالبرد ده..
حك عبد الرحمن رقبته وهو يسألها بتردد:
_وانتي معاكي كرنب ولا خضار!
اخرجت تالين من حقيبتها ما تحمله:
_لا انا جبت المخلل والطحينة وتسنيم معاها الكفتة..
انتقلت النظرات تجاه تسنيم التي تتطلع تجاه آسر بترقب، فمنحها ابتسامة هادئة وباتزانٍ قال:
_خرجي اللي معاكي انتي كمان مستنية ايه!
قالت بمزحٍ:
_انتوا مقولتوش انكم جايبنا مطعم ايطالي!، ثم اننا بنحافظ على صحتنا وبناكل اكل صحي عشان البيبي مش كده يا حور!
قالت وهي تتناول أحد الاصابع:
_كده ونص امال الواد يطلع ايه خرع!
اتى النادل حتى يدون ما تم اختياره، فجذب الشباب الحقائب ووضعوها أسفل الطاولة سريعًا، بينما وقف آسر بنفس ذات البسمة المتزنة ليخبر النادل بكل ثقة:
_احنا خلاص جبنا اكل، فعايزين عصاير ومقبلات..
أومأ النادل رأسه باحترامٍ لهيبته ثم قال:
_اللي تحبه يا آسر باشا، ده انت منور المكان كله.
تعجب الجميع من معرفته المسبقة للمطعم، فجلس محله وهو يردد بثقة:
_كنت بجي هنا كتير، تقدروا تطلعوا حفلة المحاشي وتاخدوا راحتكم..
تعالت الضحكات فيما بينهما، فتركزت نظراته عليها هي، ففرحتها تحتضن عاطفته وتدغدغ مشاعره.
.......... يتبع.......
#الدهاشنة3...... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
(انتظروا الفصل الاخير والخاتمة، ويارب احداث الفصل تنال اعجابكم بحبكم في الله.. ومتنسوش ان في معرض في ليبيا 🇱🇾الحبيب هتلاقوا رواياتي كلها هناك مع دار ابداع رقم الجناح. b14 )
#Aya... 💙
*********___________*********