اول لما صفوت وصل وشاف وسام مرمي على الأرض، اتخض وحاول يهرب، خاف لقتله، جريت وراه ولحقته وفهمته إن اللي حصل غصب عني ولو ساعدني هكتب له نص فلوسي اللي كسبتها اخر فترة، قعد دورها مع حاله وبعدها وافق، شيلنا وسام لفيناه في سجادة ونضفنا مكان الدم، وبعدها حطينا في العربية واتحركنا على الصحراوي لحد ما وصلنا مكان أمان، وقفت بالعربية على جنب وفضلنا فيها شوية لأن صفوت جسمه كان بيترعش ومتوتر، خاف ومع خوفه زاد خوفي، بص لي وقال:
-انا مش عارف ازاي سمعت كلامك.. ده فيها حبل مشنقة، انا مليش دعوة، انتَ تشيل شيلتك لوحدك والله الغني عنك وعن فلوسك.
بصيت له والنار بتطلع من عيني وصدرت المطوة في صدرة وقولت:
-انتَ لو مابقتش معايا هتبقى عليا، ودلوقتي محدش يعرف اللي حصل غيرك ولو انتَ مساعدتنيش مش هضمنك وهقتلك ومش هتكون أول مرة أقتل.
بلع ريقه وهز راسه، نزلنا من العربية، ولما أتأكدنا إن الدنيا امان، فتحت باب العربية وشيلنا السجادة رمينها.. وقبل ما نمشي افتكرنا حاجة مهمة موبايله ومحفظته خدناهم معانا.
****
حط وشه في الأرض وزاد في البكى:
-والله العظيم ما كنت أقصد، كل اللي حصل كان غصب عني ومن خوفي عملت اللي عملته.
-وفين صفوت دلوقتي؟
-ماعرفش عنّه حاجة من يومها.
-طب والسلسلة دي؟ بتاعت مين فيكم؟
قرب من المكتب ودقق نظره عليها، بعدها رجع بضهره وقال:
-دي بتاعتي لقيتوها فين؟
-في مسرح الجريمة، جنب الجثة.
-ازاي؟ وايه وداها هناك؟
-مسألة وقت وهنعرف كل حاجة.
طلبت من العسكري ينزله الحجز بعد ما يتاخد منه عينه بيولوجية ومقارنتها باللي لقيناه.. القضية مش هينفع تتقفل غير لما نلاقي صفوت.
وبعد مرور أسبوع ومفيش جديد، سمعت صوت رنة التليفون:
-ها يا كمال وصلت لحاجة؟
-للأسف يا فندم، إحنا لقينا صفوت، لكنه جثة.
-انتَ بتقول ايه؟ اللي حصل ده حصل امتى وازاي؟
-زي ما قولت لسعادتك، جالنا بلاغ من شوية من جيران صفوت، بيقولوا انهم بقالهم فترة بيشموا ريحة بشعة جاية من المنور بتاع العمارة، ولما الريحة زادت بلغوا، وبدورنا اكتشفنا جثته ولسه مفيش تفاصيل عن اللي حصل، لازم حضرتك تيجي بسرعة لأن الدنيا مقلوبة هنا.
-اقفل أنا جاي حالًا.
خدت مفاتيح العربية وروحت على طول للمكان.. الناس كانت ملمومة؛ اللي بيعيط، واللي بيصرخ، واللي بيصور، طلبت من العساكر يبعدوهم، وبعدها روحت لكمال وسألته عن الجثة..
مشيت معاه لحد ما وقفنا قدامها، من أول نظرة، وضعية الجسم وتهشم الأطراف كانت توحي إنه واقع من ارتفاع.. بس الغريب إن الإصابات دي مش كلها حديثة.. قربت أكتر، وملامح التحلل كانت واضحة.. وريحة العفن ظاهرة، بصيت لكمال وقلت:
-مين اللي بلغ؟
-جاره يا فندم، ومتحفظ عليه في بيته.
-تمام انا لازم ابص الأول على بيت منصور وبعدها هرجع له.. فين شقته؟
-اتفضل يا فندم في الدور السابع.
طلعت معاه، ولما وقف قدام الشقة الباب كان مقفول وعرفت إنه كان عايش لوحده، أمرت العساكر تكسر الباب وبعد ما دخلت، البيت كان مكركب وكل حاجة مش في مكانها نظرًا لأنه ساكن لوحده، خدت جولة سريعة لحد ما لفت نظري ورقه مرمية على الأرض وعليها تراب، مسكتها ونفضتها وبدأت اقرأ اللي فيها.
" يوم ما تلاقوا الورقة دي اعرفوا اني موت، خلصت من حياتي بعد ما كل حاجة اسودت في وشي، واللي هحكيه ده خوفت احكيه قدام حد وماعرفش السبب لكن اللي متأكد منه اني مخوفتش من الموت، أنا عملت غلطة كبيرة أوي، وشاركت في ذنب عظيم، وده بعد ما خدت فلوس من شريف وداريت عليه وساعدته في جريمته، لكن والله عملت كده من خوفي، دماغي اتشلت وماعرفتش أفكر، أنا مبقتش عارف انام، وسام بيجيلي كل يوم، بشوفه وأنا صاحي وانا نايم، ضميري بيأنبي وخوفي وضعفي مش هيخلوني أعترف باللي حصل، وتأنيب الضمير هو اللي خلاني أبيع شريف، بعد ما لقيت السلسلة بتاعته ورميتها جنب جثة وسام بأيدي، يمكن أحس إن الحق رجع، أو إني صلحت حاجة من اللي عملتها، وده لما الحق يرجع لصاحبه علشان لما نتقابل في الاخره يسامحني، أنا قررت أخلص من حياتي لأن الموت عندي أهون من اللي بشوفه، لكن أكتر حاجة مزعلاني لأني متأكد منها، إن محدش هيعرف إني موت غير لما ريحتي تطلع، لأني طول عمري لوحدي ومحدش هيفكر يسأل عليا، لكن دي فعلًا النهاية اللي استحقها"
بعد ما خلصت قراءة بصيت لكمال اللي سبقني وقال:
-انتحار مش كده؟
-غالبًا أيوة.. لكن اللي أنا مش قادر افهمه ازاي واحد يقع من الدور السابع ومحدش يلاحظ صوت الاصطدام؟
-ده بقى اللي هيجاوبنا عليه جيرانه يا فندم.
-وديني عند اللي بلّغ الأول.
مشيت معاه بعد ما عينت حراسة على الشقة علشان محدش يدخلها لحد ما وقفنا قدام باب شقة، خبطت خبطتين، فتح لي عيل صغير، مشيت أيدي على راسه وطلبت منه يندهلي والده، غاب عن عينينا من غير ولا كلمة ورجع أبوه، دخلنا قعدنا وبعدين قولت:
-اسفين على الازعاج لكن في كام حاجة مش قادر افهمها وأكيد انتَ هتساعدني.
بلع ريقه وقال:
-اه، أوي أوي.
-قبل أي حاجة، اسمك بالكامل؟
-حشمت عبد العظيم علي.
-قولي يا أستاذ حشمت، اكتشفت اللي حصل ازاي؟
-والله ياباشا، أنا والجيران بقالنا كام يوم بنشم ريحة وحشة اوي ومش عارفين مصدرها، لكن قولنا يمكن فار ميت هنا ولا هنا ومحدش شغل باله، ولما الريحة زادت مقدرتش اتحمل وبدأت ادور بنفسي لحد ما لقيت صفوت في الوضع اللي سعادتك شوفته عليه.
-في الغالب كده هو متوفي بقاله أكتر من أربع أيام، إزاي محدش حس به، أو بلاش السؤال ده، ازاي محدش سمع أو خد ردة فعل من صوت اصطدامه بالأرض، اعتقد ده صوت كفاية إن يسمع لسكان العمارة كلهم مش كده ولا ايه؟
-معاك حق طبعًا، لكن الحكاية وما فيها إن الناس هنا في حالها ومحدش له اختلاط بحد، وطول ما كل واحد في بيته وعياله حواليه، والله لو الدنيا ولعت برا مش هيشغل باله.. بالنسبة بقى لصفوت فـ كان واد صايع ملوش حد بعد ما ساب اهله وجه عاش هنا، علشان كده ماحدش سأل فيه ولا حد حس بغيابه.
-تفتكر صفوت ممكن ينتحر؟
-انا متعاملتش معاه قد كده سعادتك، لكن هو كان بقاله فترة قافل على نفسه وبيكلم نفسه وأوقات كتير كنا بنسمع صوته بيعيط، وأوقات تانية بيصرخ وبيقول ابعدوه عني، عيشته بقالها فترة كلها كرب.
-وماحدش حاول يعرف السبب؟
-أنا قولت لسعادتك كل واحد هنا في حاله وبس.
-تمام متشكر جدًا.
-العفو ياباشا.
بعد ما خرجت وخلصت شغلي في المكان اتضح ان سكان العمارة كلهم تقريبًا كلامهم واحد، الجثة اتنقلت للمشرحة، وأنا؟ أنا رجعت مكتبي وطلبت من أمين الشرطة يجيب لي شريف، جسمه خس نصه، ووشه أسود، خوف من مصير هو عارفه كويس، وبعد ما حكيت له اللي حصل، ماكانش مصدق أي كلمة من اللي اتقالت، وقبل ما اقفل القضية واحولها للمحكمة قولت له حاجة أخيرة:
-رغم إن صاحبك انتحر، إلا إنه كان سبب من أسباب إننا نتأكد إنك أنت اللي عملتها، عمل حاجة صح في حياته يا شريف، بس أنت واللي زيك واللي زيه.. مصيركم دايمًا هيكون الموت، خططت ونفذت وبمساعدته كملت ودوست، شوف شيطان نفسك وصلك ووصله لأيه؟ هو انتحر وانتَ هتتعدم، إحنا موجودين في البلد دي علشان نرجع الحق لأصحابه، ومتبقاش غابة القوي ياكل فيها الضعيف، كل خطوة، كل كلمة، كل حركة.. إحنا شايفينها، ومش هنسكت، وأي حد يفكر بس انه يلعب معانا، هيتأكد بنفسه قد إيه النهاية هتكون أولها واخرها موت.
بعد ما الاوراق اتحولت للمحكمة، اتحكم على شريف بالاعدام شنقًا للقتل العمد.. وبعد القضية دي، اضطريت اخد اجازة استجم فيها عن ظروف شغلي اللي ما بيخلصش، والمرادي كنت في طريقي لشرم الشيخ.. وهناك حصلت المصيبة.. وده لما الاوتيل اللي كنت نازل فيه حصل جواه جريمة قتل للاعب كورة معروف، والقضية دي بالذات هي اللي اختارتني مش أنا اللي اخترتها.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!