منذ خمسة وعشرين سنة
والكرسي ده محدش لمسُه.
لا طفل قعد عليه بالغلط،
ولا حتى الحاجة فاطمة سمحت لحد يقترب منه
كان دايمًا في نفس المكان،
في طرف المائدة،
وفاضي،
وكأن صاحبه راح يرجع في أي لحظة.
في صباح يوم الجمعة، كان الحي الشعبي بيصحى على مهل زي العادة، تحت ضوء باهت بيتسلل بين الأزقة الضيقة.
أبواب المحلات المعدنية بتتفتح واحدة ورا التانية، وأصوات الباعة بتختلط بنداءات بعيدة بين الجدران القديمة، وكأن المكان كله بيستعيد ذاكرته كل أسبوع.
في آخر الحي، كان البيت العتيق بتاع عيلة الحاج عثمان واقف في صمته المعتاد، بأربعة أدوار شايلين فوقهم سنين طويلة من الحياة والسكون مع بعض.
البيت ده ماكانش عادي.
في كل جمعة، بيتحول لموعد ثابت ما بيتكررش غير مرة في الأسبوع؛
بعد الصلاة الجمعة مباشرة، الأبناء التلاتة بيرجعوا مع ابنائهم وحاج عثمان، ويجتمعو علي مائدة الكسكس في الدور الأرضي، وكأن الزمن بيقف ساعة أو ساعتين.
بس رغم الزحمة والأصوات وشقاوة الأبناء، كان فيه حاجة واحدة ما بتتغيرش…
كرسي فاضي في طرف السفرة.
كرسي ياسين.
ماحدش قعد عليه من خمسة وعشرين سنة، وكأنه لسى موجود
في الدور اللي فوق، كانت الحاجة فاطمة واقفة عند أول السلم، عينيها معلقة على باب خشب قديم مقفول من سنين.
باب شقة ابنها الأصغر، اللي خرج ليلة ومارجعش بعدها.
كل حاجة هناك لسه زي ما هي.
الحاج عثمان دخل بخطوات تقيلة، ووقف وراها من غير ما يتكلم.
كان عارف إن نظرتها مش رايحة للباب بس دي رايحة لعمر كامل وقف هناك.
قال بصوت واطي: “الناس تحت ابتدت تتجمع على السفرة.”
ما ردّتش.
هزّت راسها بس، ومسحت طرف عينها بسرعة كأنها بتخبّي دمعة هتفلت.
في الأسفل، كانت العيلة بدأت تتلم حوالين مائدة الكسكس، ورائحته ماليّة البيت كعادة ثابتة كل جمعة.
بس وسط الدفء ده كله، كان فيه حاجة واحدة ناقصه
فراغ محدش بيقرب له.
وفجأة…
خبط خفيف على باب البيت.
كل الأصوات وقفت في لحظة واحدة.
الحاج عثمان رفع راسه ببطء.
والأبناء تبادلوا النظرات.
الأخ الكبير قام وراح يفتح الباب.
ولما فتحه…
كان فيه راجل واقف على العتبة، لابس معطف غامق وشايل شنطة سفر ،
بص جوا البيت لحظات طويلة، وبعدين قال بصوت هادي:
“أنا مراد صاحب ياسين
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!