الفصل 4 | من 12 فصل

الفصل الرابع

المشاهدات
4
كلمة
1,040
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

رواية المجنونه والمقبرة الجزء الرابع 4 بقلم صباح البغدادي المجنونه والمقبرةرواية المجنونه والمقبرة الحلقة الرابعة رحيل آخر لكن بدموع الفرح» مرّت أيام قليلة بعد عودة مريم إلى بيتها، وكأن كل شيء يسير في صمتٍ ثقيل… وفي صباح هادئ، وبينما مريم تجلس في المطبخ، تتناول كوبًا من الشاي الذي فقد طعمه، دخلت والدتها بخطواتٍ ثابتة، وفي عينيها شيء غريب، خليط بين الطمأنينة والحسم.

جلست الأم قبالتها، وضمت هالة الصغيرة إلى صدرها، ثم قالت بهدوءٍ يشبه السكينة: –“مريم… أنا قررت أسافر.” رفعت مريم عينيها ببطء، تنظر إليها بدهشة، وكأنها لم تفهم. –“تسافري فين يا ماما؟ إحنا لسه خارجين من عزا بابا، إيه الكلام ده؟ ابتسمت الأم ابتسامة هادئة، لا تشبه أي ابتسامة رأتها مريم من قبل، وقالت بنبرة مليئة بالإيمان: –“أنا وهالة خلاص… ربنا كتب لنا الحج السنة دي، والدعوة جات من السما… وقلبي بيقول لي إن ده وقته.”

صمتت مريم، عاجزة عن الرد، بينما أكملت الأم، وملامح وجهها تتوهج باليقين: –“قلب البيت مش بس انك تفضلي فيه، أوقات لازم تسيبي كل حاجة وتركّنيها عشان تروحي لربنا… أنا مش بتهرّب، بس خلاص، أنا محتاجة أرتاح عنده.” نظرت الأم في عيني مريم مباشرة، وقالت بلطفٍ عميق: –“هالة صغيرة، وقلبي مش هيطمن غير وهي معايا… وأنتِ كبيرة، وقلبي مطمن عليكي، وعارفة إنك قادرة تقفي، حتى لو بتقولي لنفسك العكس.” تمتمت مريم، والدموع بدأت تملأ عينيها:

–“يعني… يعني هتسيبيني هنا لوحدي يا ماما؟ ربتت الأم على يدها بحنان، وهمست وكأنها تسكب دعواتها في قلبها: –“أنا مش سايباكي، أنا سايبة ورايا دعوات… دعوات في كل ركن في البيت ده، وفي كل سجدة، وفي كل دمعة نزلت على باباكي، وفي كل لحظة ضحكنا فيها سوا.” أكملت وهي تبتسم بعين دامعة: –“وهسيبكِ في أمان ربنا… عشان لما أرجع، ألاقيكي أقوى… وأنا عارفة إنكِ قدها.”

في يوم السفر، حملت الأم حقيبتها البسيطة، ويدها تمسك بيد هالة الصغيرة، بينما مريم واقفة عند الباب، تتابع المشهد بقلبٍ يكاد ينفطر، لكنها لا تبكي، وكأنها احترمت صمت هذا الرحيل. وقفت الأم عند عتبة البيت، التفتت تنظر إلى مريم، وقالت بلهجة مشبعة بالوداع والدعاء: –“خلي بالك من نفسك… ومن قلبك، ومن حلمك… وخلي عنيك دايمًا على السما، اللي بيرفع إيده لربنا، مستحيل يقع.” احتضنتها مريم أخيرًا، وهمست في أذنها:

–“ادعي لي كتير، يا ماما… أنا محتاجاكِ تدعي لي من هناك.” ضحكت الأم برقة، وربتت على ظهرها قائلة: –“دي أول حاجة هعملها، أول ما عيني تلمح الكعبة… هقول: يا رب، اجبر بخاطر بنتي، وحقق لها حلمها، وقرّب لها الخير كله.” ثم ابتعدت بخطواتٍ هادئة، ومريم تتابعها بعينين دامعتين، حتى اختفت عن الأنظار، تاركة خلفها البيت ساكنًا… ودعوات معلقة في الأركان، تنتظر ساعة استجابة.

في تلك الليلة، جلست مريم وحدها في غرفتها، تتأمل السماء من نافذتها، وتهمس كأنها تكلم أمها: “أنا هحاول يا ماما… هحاول أكون قوية… وأحقق الحلم اللي بابا كان نفسه يشوفه… وأنتِ، لما تدعي، افتكري إن فيه واحدة هنا بتحاول تتعلم تقف من جديد.” «عملية الاقصر السرية»

كانت ريم تراقب مريم من بعيد، تحدّق فيها وهي تجلس وحيدة عند نافذة البيت، شاردة، كأنها قطعة من الصمت ذاته، بينما الأم قد رحلت مع هالة، وبقيت مريم غارقة في بحر حزنها العميق. ثم التفتت ريم ببطء نحو نور، نظرة طويلة، مليئة بالتردد، كأنها تزن العواقب في رأسها، تقيس الاحتمالات، وتحسب احتمالات النجاة من هذه المغامرة. تنهدت بعمق، وهمست لنفسها بقلق شديد، بينما تعقد ذراعيها أمام صدرها:

–“يا نهار مش فايت… نور، إنتِ مدركة إن اللي بتعمليه ده آخره جنازة جماعية لينا؟ مريم لو عرفت إحنا بنخطط من وراها، هتحنّطنا، وتعلّقنا في متحف الأقصر! وهتكتب على اللوحة بتاعتنا: المغفور لهما نور وريم، عبرة لكل من تسوّل له نفسه! ضحكت نور على وصف ريم المبالغ فيه، ضحكة خافتة، لكن عيناها تلمعان بخبث واضح، ثم ردّت بمرح ودهاء: –“يا ستي، البقاء لله فعلًا!

كنا ورود بريئة في بستان الحياة… ودلوقتي مريم هتحوّل زهرة شبابنا جرجير ناشف في زهرية مهجورة! اتسعت عينا ريم بصدمة مصطنعة، وضربت كفًا بكف وهي تقول: –“يعني إنتِ عارفة كويس إننا دخلين على مصيبة، وبتضحكي؟! ضحكت نور مجددًا، ثم قالت بثقة ماكرة: –“إحنا مش دخلين على مصيبة، إحنا بندخلها برجُلينا ورقص كمان! بس ركزي معايا، الخطة ماشية تمام، إحنا مش بنعمل كده غير عشان مريم… لازم تخرج من الحالة اللي هي فيها، وغصب عنها كمان!

تنهدت ريم باستسلام، ثم هزّت رأسها وقالت: –“ماشي يا مجنونة… بس لما يحصل اللي في دماغي، متلومنيش، أنا هكون بريئة، وهحملكِ المسؤولية شرعًا وقانونًا ومتحفيًا! تحركتا معًا بخفة، كأنهما تسلكان طريق الجريمة في وضح النهار، تقودهما خطواتهما إلى مكتب عميد الكلية. في داخل المكتب، كان العميد يرفع حاجبيه باستغراب وهو يتأمل الطلب المقدم أمامه، ثم نظر إليهما بجدية، ناظرًا من فوق نظارته السميكة، وسأل بنبرة متفاجئة:

–“أنتوا متأكدين من طلبكم ده؟! تبادلت نور وريم النظرات سريعًا، وفي عيونهما مزيج من الخوف والإصرار، كأنهما تعرفان جيدًا أنه لا مجال للتراجع الآن، ولا مكان للجبن في اللحظة الحاسمة. ارتسمت على وجهيهما ابتسامة خفيفة، لكنها محمّلة بثقة زائفة وتوترٍ مكبوت، ثم ردّتا بصوتٍ واحد، وكأنهما تتفقان على المصير معًا: –“متأكدين، يا سيادة العميد.”

رمقهما العميد بنظرة شكٍ طويلة، ثم زفر ببطء، كأنما يستسلم لجنون الشباب، ولم يُكلّف نفسه عناء النقاش، بل أمسك قلمه بخفة، ووقّع على الإقرار، موافقًا على سفر الفتيات الثلاث إلى مدينة الأقصر. وقع التوقيع، ولم يكن يعلم أنه بهذا التوقيع، قد فتح بابًا لمغامرة لا تشبه سواها! وما إن خرجن من المكتب، حتى اندلعت الضحكات بين نور وريم، يهمسن بنصر خافت وكأنهما خرجتا من معركة منتصرتين.

لكن قبل أن تكتمل فرحتهما، جاءهما صوتٌ من الخلف، صوت لا يُخطئ، نزل كالصاعقة: –“نعم؟! إنتوا عملتوا إيه؟! كان صوت مريم، ناريًا، غاضبًا، كأنها خرجت من العدم، تقف خلفهما كصياد وجد فريسته بعد طول مطاردة. تجمدت نور وريم في مكانهما، نظرت كل منهما إلى الأخرى، وقد علت ملامحهما نظرة رعب لا توصف، قبل أن تهتف ريم هامسة: –“إحنا اتكشفنا! لم تمضِ سوى لحظات، حتى أطلقتا ساقيهما للريح، تركضان بأقصى سرعة، تلهثان وهما تصرخان بضحكٍ وخوف:

–“اهربي اجري يا ريم! دي هتدفنّا هنا! أما مريم، فقد لحقت بهما، تركض خلفهما بكل قوتها، وهي تصيح بغضب مختلط بضحكٍ خفي لا يمكن إخفاؤه: –“والله لأحبسكوا في تابوت، وأبعتهولكم على الأقصر بالبريد السريع! ركضن جميعًا، وفي الأرجاء، كان ضحكهن يتعالى، يذيب ما تبقى من الحزن، وكأن الحياة بدأت تعود إليهن، خطوة بعد خطوة، رغم كل شيء…!

كانت الفتاتان تركضان بأقصى ما لديهما، تلهثان في ممرات الكلية الخالية إلا من ظلال المغامرة التي ورّطتا 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ يومين 0 6 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...