الفصل 5 | من 12 فصل

الفصل الخامس

المشاهدات
4
كلمة
1,032
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

رواية المجنونه والمقبرة الجزء الخامس 5 بقلم صباح البغدادي المجنونه والمقبرةرواية المجنونه والمقبرة الحلقة الخامسة ظهور المجهولة» في لحظة من الصدق النادر، كانت مريم تحاول أن تعيد نبرة الجد إلى الجلسة، فتنحنحت قليلًا وقالت، وقد عادت الجدية لملامحها: –“نتكلم جد بقى، إحنا بكرة بإذن الله…”

لكنها لم تكمل جملتها. توقفت فجأة، حين لاحظت نظرات نور التائهة، تلك النظرات التي لم تخطئها يومًا، وكأن عقلها غرق في دوامة لا مخرج منها. عيناها كانتا مثقلتين بأفكار بعيدة، تحدق في الفراغ كأنها ترى شيئًا لا تراه الأخريات. رفعت مريم حاجبيها بقلق، وسألت بنبرة متوجسة: –“مالك يا نور؟ سرحتي في إيه؟ انتفضت نور فجأة، كأنها عادت إلى الواقع من غيبوبة قصيرة، تداركت نفسها سريعًا وقالت بارتباك: –“ها؟

ولا حاجة يا مريم… كنتِ بتقولي إيه؟ لكن مريم لم تنخدع بسهولة. نظراتها اخترقت وجه نور، وكأنها تقرأ أعماقها، ثم همست بصوت منخفض، يحمل في طياته يقينًا غريبًا: –“نفس الحلم؟! اتسعت عينا ريم، وقد ارتسمت على وجهها علامات الحيرة، وسألت باستغراب: –“حلم؟! أنتم بتتكلموا عن إيه؟! تنهدت نور، وكأنها كانت تتوقع هذا السؤال، ثم بعد لحظة صمت قصيرة، قالت بصوت منخفض ومرتبك:

–“أنا… حلمت بنفس الرجل تاني. ضخم، ووشه جامد، وعينه… عينه فيها رهبة غريبة، كان بيتكلم بلغة مصرية قديمة… وكان بيقول: أنتِ نور العتمة… أنتِ الضوء اللي هيفتح أبواب الظلام… أنتِ آخر شعاع أمل للبلاد.” ساد الصمت، وعمّت الغرفة رهبة خفية. لثوانٍ، لم يتحرك أحد. لكن مريم قطعت الصمت فجأة، بسخرية لاذعة، وهي ترفع يديها بحركة درامية ساخرة: –“هاميس، ارجعي لأخيكِ أتون!

انفجرت ريم ضاحكة، ضحكة عالية حتى كادت تقع أرضًا من شدة الضحك. أما نور، فاكتفت بنظرة هادئة نحو مريم، ثم أكملت بجديّة غريبة، غير مكترثة بسخريتهن: –“بس تعرفوا إن في كتاب عن ديانات مصر القديمة بيقول إنهم أكتر الشعوب تدينًا؟! لم تفوّت مريم الفرصة، وضربت جبهتها بيدها بحركة مبالغ فيها، ثم صرخت مستنكرة: –“خلاص! خلصنا من محاضرات دكتور إيهاب الهباب، دخلنا دلوقتي في محاضرات الآنسة نور؟! مصر القديمة وأسرارها!

ضحكت ريم، لكن نور استمرت ببرودها، تُكمل كلامها بثقة غريبة: –“هيرودوت نفسه قال إن المصريين القدماء كانوا أكتر الشعوب تدينًا، واحتفالاتهم كلها دينية، والأسبوع، والأربعين، وحتى الأكل… كلها عادات ما زالت موجودة، من أيامهم.” مريم، التي لم تفوّت فرصة للسخرية، صرخت فجأة، وكأنها تكتشف أعظم الأسرار: –“طب تعرفوا كلمة (إيوحة) معناها إيه؟! نظرت نور وريم إليها بدهشة مصحوبة بالضحك، متأكدتين أنها ستقول شيئًا أغرب من الحلم ذاته.

قالت ريم بسخرية، وهي تتمايل ضاحكة: –“اتحفينا يا عبقرية عصرك، عرفينا بالثقافة الفرعونية العظيمة! ابتسمت مريم بخبث، وأجابت بجدية مسرحية: –“إيوحة هو اسم أم الملك أحمس… اللي طرد الهكسوس… ومعناه: افرحي، افرحي! ساد الصمت لثوانٍ، وارتسم الذهول على وجهيهما، قبل أن تتبادلا نظرات غريبة، وكأنهما تبحثان عن باب للهرب من هذا الجدال الفارغ. وبهدوء شديد، نهضتا من مكانهما، وأدارتا ظهريهما لمريم، تمشيان ببطء، بينما مريم

تصرخ خلفهما بانفعال مضحك: –“إيه؟! خدتوا المعلومة ومشيتوا؟! تبا لكم! أنتم مينفعش معاكم خير! وقبل أن تزيد من سخريتها، صاحت ريم من بعيد، وهي تلوح بيدها بطريقة درامية: –“تبا لكِ أنتِ وأمثالك! دي معلومة الأطفال بيحفظوها في ابتدائي! ضحكت مريم من عمق قلبها، لكنها فجأة تجمدت، مع لمحة ألم ظهرت في عينيها، وقد همست بصوت خافت لا يسمعه غير قلبها: “كنت بحاول أضحك… مش أكتر… كنت بهرب.”

لكن ريم ونور أدركتا الحقيقة، فأسرعتا نحوها، توقفتا أمامها مباشرة، ونظرت نور في عينيها بصدق: –“استني، مريم… إحنا كنا بنهزر معاكي، عشان تضحكي، وتنسي ولو شوية… إحنا معاكِ، مش هنسيبكِ لوحدك.” رفعت مريم رأسها ببطء، وعيناها تلمعان بدموع حُبست طويلًا، وهمست بصوت مرتعش: –“عارفة… بس مش قادرة أتخطى موت بابا… والله مش قادرة. فجأة لقيت نفسي وحيدة… فجأة مبقاش ليا حد.” ساد الصمت للحظات، كان صمتًا ثقيلًا، أكثر صدقًا من أي كلمات.

وفجأة، بدافع غريزي، حاولت مريم كسر هذا الجو الخانق، فرفعت حاجبها وقالت بتهكم باكٍ: –“قصدي… مبقاش ليا حد غيركم، غيركم والله! إيه النظرات دي؟! أنتم ليه فجأة شكلُكم عامل زي الزومبي؟! همّت نور بالرد، لكنها تجمدت فجأة، وعيناها متسعتان بالرعب. شهقت ريم بصوت مرتعش، وهي تهمس: –“يا بنات… أنتم شايفين اللي أنا شايفاه؟! استدار الجميع ببطء، وأُسقط في أيديهن… كانت فتاة غريبة تقف أمامهن، كأنها خرجت من كتاب تاريخ.

ثوب فرعوني ناصع البياض، مطرز بخيوط ذهبية، وتاج لامع يزين رأسها، وعيناها سوداوان غامضتان، ينعكس عليهما ضوء القمر، وتبدو وكأنها لا تنتمي لهذا الزمن. همست ريم بذهول: –“دي واقفة على البحر… ولا طايرة؟! هو إحنا بنتخيل ولا إيه؟! صرخت مريم بحدة: –“بتسألينا إحنا؟! على أساس يعني إننا نعرفها من أيام الكلية؟! لكن قبل أن ينطقن بحرف، أشارت الفتاة الغريبة بيدها، وقالت بصوت هادئ، لكن يحمل رهبة غريبة: –“مرحبًا…”

وانتشر هواء بارد في المكان… وكأن التاريخ نفسه استيقظ…! كانت المفاجأة أكبر من أن تُستوعب بسهولة. مريم حاولت أن تتماسك، لكنها لم تجد في عقلها سوى سؤال غريب، خرج منها دون وعي، وكأنها تحاول أن تجد تفسيرًا منطقيًا لما تراه: –“إنتِ بجد… ولا جرافيك؟! لم تستطع ريم ولا نور تمالك نفسيهما، فانفجرتا ضاحكتين رغم الموقف المشحون بالتوتر. ضحكة عصبية، خليط بين الرعب والكوميديا، كمن يضحك عند حافة الهاوية.

لكن الضحك لم يدم طويلًا، فقد نطقت الفتاة الغريبة بصوت ثابت بارد، يحمل في نبرته شيئًا من الرهبة: –“لا أفهم حديثكِ، أرجوكِ تحدثي بلغة أفهمها.” صمتت ريم للحظة، ثم تمتمت بدهشة، وهي تلتفت إلى نور باستغراب شديد: –“يعني هي مفهمتش جملة مريم، بس هتفهم كلامك إنتِ؟! قبل أن تجيبها نور، قاطعتهم الفتاة بنفاد صبر واضح، وقد بدأت ملامح الضيق ترتسم على وجهها: –“أرجوكم، كفوا عن حديثكم، لم أفهم شيئًا.”

ابتلعت نور ريقها، وهمست بخوف حقيقي، وهي تشير برأسها نحو الفتاة: –“يا بنات، لو اللي بيدور في دماغي حقيقي… يبقى ينهــــار أبيض! اللعنة بجد حلت علينا! لكن الفتاة التفتت إليهن ببطء، ونظرت إلى نور مباشرة بنظراتها الهادئة الثابتة، ثم قالت: –“ما اسمكِ؟ ترددت نور للحظات، وقد بدا على وجهها التردد والقلق، لكن تحت وطأة تلك النظرة الغامضة المهيبة، نطقت بصوت مبحوح: –“نور… وإنتِ؟ قالت الفتاة بهدوء: –“ناميسا.”

ساد الصمت كأن الزمن تجمد. الاسم وحده كان كافيًا لتثبيتهن في أماكنهن. تبادلت الفتيات النظرات، وعلامات الذهول تكسو وجوههن… ما هذا الاسم؟! وأي زمن تنتمي إليه هذه الفتاة؟! لكن “ناميسا” لم تترك لهن فرصة لالتقاط أنفاسهن، إذ تابعت بجدية، بنبرة من يعلن بدء مهمة مقدسة: –“جئت من أجل أخي…” ارتفع التوتر في المكان فجأة، وتبادل الجميع النظرات المرتبكة، لكن “ناميسا” لم تتوقف، بل أكملت بتركيز شديد، وكأنها لا تلاحظ حالتهن:

–“لم يعد إلينا منذ العام الماضي. بحثت عنه 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ 3 أيام 0 7 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...