مش هتجوز أنا… سمعتوا؟ مش هتجوز. أنتِ بترفضي أوامر أبوكي يا ندى؟! اتهبلتي يا بت! رفعت عيني فيه، لأول مرة من غير خوف، لأول مرة من غير ما أبص في الأرض. آه… ومش هتجوز. أبويا فين ده؟ أنت بتهزر معايا؟ ضحكت ضحكة قصيرة، موجوعة، مكسورة من جوايا: هو فيه أب يعمل اللي أنت بتعمله؟ يعني إيه أصحى من يوم وليلة تقولي حضري نفسك كتب كتابك النهاردة؟ أنا إيه؟ سلعة؟ اشتريتني بكام يا ترى؟! صوته علا، والغضب مالي المكان. لاااا!
أنتِ شكلك فعلًا اتجننتي على الآخر! يا خسارة تربيتي فيكِ! أنتِ مطالبة تسددي كل اللي عملتهولك يا بت! لولايا ما كنتِش دلوقتي في المكان ده، فاهمة؟! سكت لحظة، قربت منه خطوة وصوتي بقى أوطى بس أوجع. أنا ما طلبتش منك حاجة. ما طلبتش تيجي بيا الدنيا عشان تفضل طول عمرك تفكرني إني دين. الأب مش بيصرف عشان يستردّ تمن. الأب بيحب. بيأمن. مش بيبيع. دموعي نزلت، بس المرة دي ما مسحتهاش. لو المكان اللي أنا فيه تمنه حريتي يبقى خده.
أنا أرجع صفر… بس أرجع بني آدم. شفت البت اللي بتنكر كل فضلي عليها؟! اسمعي كويس، أنتِ هتتجوزي النهاردة، يعني هتتجوزي. ومش كده وبس… لااا. أنتِ كمان هتروحي معاه بيتك الجديد، من غير ما تبصي وراكِ. أنتِ ما بقاش ليكِ مكان هنا، فاهمة؟ يا ريتكِ ما كنتِ بنتي. من صغرك وأنتِ متمردة، مش بتيجي غير لوي الدراع. عمري ما افتخرت بيكِ… ولا مرة. بالعكس كنت دائمًا شايفك مليكيش قيمة. كل ما أقولك لأ… ما تعمليش ده. ما تروحيش هناك.
ما تدخليش المجال ده. تعاندي وما تسمعيش الكلام كأنه مش ليكي. كبرتي على أبوكي؟ وبقى ليكِ حرية رأي؟ فاكرة إنك بقيتي قدي؟ أنا النهاردة هد فن غرورك وهحطك تحت رجلي. وأقسم بالله… لو بس حاولتي تعاندي، لو فكرتي ترفعي عينك في عيني ثاني —هتشوفي مني وش عمرك ما شفتيه. في اللحظة دي الوجع ما بقاش لحظة عابرة، ده بقى مدينة كاملة سكنت جوه صدري، وكل نفس باخده فيها بيجرحني من غير دم.
الإحساس المخزي ده مش مجرد شعور، ده زي إني كنت ماشية على حافة سور عالي جدًا، مش سور عادي. سور مبني من قراراتي، من اختياراتي، من ثقتي اللي كنت فاكرة إنها ثابتة. وتحت السور مش أرض لكن بحر من الإزاز المكسور. قطع صغيرة، لامعة، خادعة. زمان كنت بفقد توازني أوقات، رجلي تتهز، قلبي يخبط. بس كنت بلحق نفسي في آخر لحظة. أرجع أقف، أتنفس، وأكمل. المرادي؟ لا. المرادي الوقعة ما كانتش زلة. كانت سقوط كامل، سقوط من ارتفاع الثقة للوهم.
من أمان مزيف لحقيقة جارحة. قربت منه… خطوة واحدة كانت كفاية تكسر المسافة بيننا، زي اللي اتكسر جوايا من سنين. غرست عيني في عينه مش علشان أتحداه، لكن علشان يشوف لأول مرة حجم الخراب اللي سابه وراء ظهره. قلت، وصوتي كان طالع من مكان أعمق من قلبي: اسمعني! أنا بكرهك… ومش ندمانة إني قلتها. رغم إن قلبي كل يوم كان بيحارب عشان ما يظهرش ده. كنت بحارب نفسي علشان أبررلك، ألاقي لك عذر.
أقول يمكن ما تقصدش، يمكن اتوجعت، يمكن الدنيا قست عليك… بس أنت؟ أنت قطعت كل طريق كان ممكن يوصلني ليك. أنت أناني… وأناني حتى على نفسك. كنت فاكرة إن أقسى جملة ممكن أقولها خلصت. لكن القهرة كانت أكبر مني: يا ريت كنت موت مع ماما وسبناك لوحدك في الدنيا. الجملة خرجت مني زي طلقة، حتى أنا اتفاجئت من كلامي! اتراجعت خطوة… مش ضعف، لكن علشان لمحت الدموع بتتمجع في عينه. لحظة صمت ثقيلة على قلبي، حاول يرف، حاول يلين. بس عقلي سبقني.
لا هو بيمثل… زي كل مرة هيرجع يقنعني، دموعه دي جزء من العرض، وأنا لو صدقت، هرجع أقع على نفس الإزاز اللي شوهني قبل كده. شديت نفسي… ملامحي كانت جامدة، قاسية كإني بحط وش ثاني غير وشي، وسبته. كنت بمشي… ومع كل خطوة بخطيها، كانت دموعي بتنهمر من غير ما أستأذنها، ولا أقدر أوقفها. إحساس بالقهر، بالحزن، بوجع مستوطن جوايا. ليه؟! ليه كل حاجة حلوة بتسيبني؟ ليه ماما اتوفت وسابتني أواجه الدنيا دي لوحدي؟ ليه أخبط في كل حاجة لوحدي؟
ليه ما فيش صدر أستخبى فيه لما أتوجع؟ ليه أهلي ما حبونيش؟ ليه بابا ما حبنيش؟ ليه بيكرهني كأني مش من دمه؟ أنا بنته… صح؟ طب ليه ولا مرة حسيت بده؟ ليه دائمًا كان حنين على الغريب، وأنا لأ؟ ليه كنت بشوف حبه لغيري وأنا واقفة قدامه… موجودة بس مش متشافة؟ ما حسيتش بوجوده في حياتي… ولا مرة حسيت إن ليّ أب. يسندني… يختارني… أو حتى يخاف عليّا. أنا كنت موجودة بس عمري ما كنت أولوية. فاضل أربع ساعات على كتب الكتاب.
أربع ساعات بس، والدنيا كلها مقلوبة فوق دماغي. مش فاهمة إيه اللي بيحصل. إزاي كتب كتاب فجأة؟ وإزاي همشي معاه بعدها على طول؟ هو أصلًا مين ده عشان أثق فيه؟ حتى لو عمران شخص كويس، حتى لو مكانته كويسة. أنا ما أعرفهوش. إزاي من يوم وليلة أبقى مراته؟ إزاي أروح أحضر خطوبة بنت عمي وأرجع ألاقي نفسي أنا العروسة؟ أنا مش عايزة أتجوز. ما شفتش حاجة تطمن قلبي، ما شفتش موقف يخليني أقول: آه… ده أقدر أستند عليه.
أنا عايزة أتجوز وأنا واثقة، واثقة إن جوزي يحبني. مش بس يتحملني. يحب ابني، مش يشوفه عبء. أنا مش محتاجة بيت جديد، أنا محتاجة أمان. محتاجة حضن صادق. محتاجة حد يشوف ضعفي وما يستخدموش ضدي. يمكن المشكلة مش في الجواز… المشكلة إني فاقدة للحنان وفاقدة الثقة. وخايفة أروح لمكان جديد وأفضل برضه وحيدة. بس في إحساس جوايا صغير، بس عنيد. بيقولي إن في حاجة غلط، الموضوع مش طبيعي. مش صدفة، مش لخبطة ظروف. لا… ده مترتب.
وأنا ذكية بلمح بسرعة. والتفاصيل الصغيرة عمرها ما بتعدي علي كده وخلاص. قومت، جبت دفتر وكذا قلم وقعدت على الأرض. مش قعدة عروسة، قعدة محققة. وكتبت في أول الصفحة: عمران –دكتور في مستشفى بابا. –فجأة بقى شريك بنسبة كبيرة. –مش من هنا… كان مسافر ورجع. –مصري بس عايش بره. تمام أول مسار. شافني كام مرة؟ مرتين؟ ثلاثة؟ والمقابلات كانت رسمية جدًا ما فيهاش كلمة زيادة. إزاي واحد بالكاد يعرفني يبقى مستعجل بالشكل ده؟ حتى لو وقع في حبي
—وده افتراض ضعيف جدًا —فين العلامات؟ فين الإشارات؟ فين أي حاجة تسبق قرار زي ده؟ النقطة الثانية شهد. لما جه وقعد مع شهد أول مرة إزاي ما شافش الفرق؟ إزاي ما لاحظش إن في اختلاف رهيب بيننا؟ شهد دكتورة في المستشفى. شخصيتها مختلفة وحضورها واضح. وهو شريك يعني عارف كويس أهم الدكاترة هناك. يبقى إزاي حصل اللبس؟ ولو ما فيش لبس يبقى كان قاصد. التوقيت غلط. قرار جواز في نفس اليوم تقريبًا؟ قراءة فاتحة. دبل. فين أهله؟ فين قرايبه؟
حتى حد كبير يمثله؟ مش معقول كلهم مش موجودين. ومش معقول واحد بالمكانة دي يعمل خطوة زي دي لوحده. مثلًا في اتفاق بينه وبين بابا. اتفاق أكبر من مجرد جواز في مصلحة متبادلة. شراكة… مقابل حاجة في ضغط حصل فجأة. موقف اضطرهم يستعجلوا، أنا مش الاختيار الأول. أو… أنا اختيار محسوب جدًا، أنا مش بهول أنا بربط نقط. –شراكة كبيرة فجأة، تقرب عائلي سريع، استعجال غير منطقي، غياب أهله، ما فيش مشاعر واضحة. كل ده مش صدفة، دي خطة.
وفي النص في حلقة مفقودة. حاسة إنها مربوطة بحاجة قديمة أو بحاجة حصلت قبل ما أعرف. قفلت الدفتر، وبصيت في السقف. لو هم فاكرين إني هبقى مغلوبة على أمري وأبقى ساكتة. يبقوا غلطانين. تعبت… حاسة إن دماغي بتدور حوالين نفسها، وكل الأفكار بتتخبط… مش قادرة أوصل لحاجة، مش قادرة أفهم أوافق ولا أرفض حتى لو هدفع التمن. وسط شرودي، جالي مسدج أخذت الفون بإرهاق وفتحته: أنتِ عارفة إنك خدمتيني كتير يا ندى، مش أنا بس.
أنتِ هتحققي أمنية شخص بيتمناكي. كمان، كم ساعة وهتيجي معايا كزوجة. أوعدك إنك مش هتندمي، أوعدك هتتفاجئي بحلم عمرك ما حلمتيه… بس هيتحقق. ثقي فيا، وأوعدك إني عمري ما هخذلك. ضربات قلبي عليت، الخوف اتملك مني، خوف من مجهول، من عدم أمان. بس فيه حاجة جوايا صغيرة بتقولي انجرفي وراء كل ده. مش عارفة ده فضول ولا حدس ولا حاجة تانية. لكن الأكيد إني عايزة أعرف إيه الحلم ده؟ فين العروسة يا جماعة… حد يناديها عشان الوقت!
صوت المأذون بيعلى والكل منتظرني. لكن وأنا بخطو رجلي على باب المكان، عيني بتدور. بتحاول تمس كل شيء حواليًا. أشخاص قليلة تتعد على صوابع الإيد. ما فيش روح كأن المكان جاي تعزية مش فرح. الموضوع رسمي… رسمي بشكل بحت. كل واحد واقف على أعصابه، كأن الوقت نفسه عداد بيجري في انتظار، منتظرين يشوفوا شغلهم، لا أكثر ولا أقل. دخلت بهدوء… وقعدت قصاد عمران، وجنب بابا. المشهد يأسر الواحد من بعيد.
أي بنت كانت تحلم باللحظة دي… ده الظاهر بس الحقيقة كانت قاسية. قاعدة بتمنى زوال الوقت، قاعدة جنب شخص المفروض يكون ركن الأمان ليّ، مش الركن البغيض اللي قلبي مش قادر يلاقي فيه أي راحة، الركن اللي نفسي أسيبه وأبعد عنه… بدأت الإجراءات بشكل رسمي، وكأننا بنتفق على صفقة، قدامي البائع والمشتري… وأنا الضحية. بعد دقائق، لقيت نفسي بمسك القلم عشان أوقع، وأبقى فعلًا زوجة! مضيت وأنا قلبي بيدق من الخوف، وإيدي بتهتز.
بصيت للورقة، وبصمتي عليها مش مجرد حبر، دي بداية حياتي اللي مش اخترتها، بداية صفقة بيعت فيها رغباتي ومشاعري بلا استئذان. وفي لحظة قصيرة، كل اللي حلمت بيه، كل اللي تمنيت أبنيه لنفسي، كله اختفى بين خطوط توقيعي، وأنا بس واقفة عاجزة… بس بشوف النهاية اللي مش ملكي. "مبارك ليكم، ربنا يبارك في زواجكم… آمين! المباركة الوحيدة اللي سمعتها كانت من المأذون، حتى بابا وعمي اقتصروا على الصمت بس مش مهم، عادي مش فارقة يا ندى.
أنتِ متعودة… سيبك وشوفي حياتك اللي هتبدأ! ها يلا يا ندى… نمشي! هجيب حاجاتي من فوق الأول… ثواني. حاجتك كلها نزلت وبقت في عربية جوزك. بصتله بخزي من إهانته الواضحة ليّ، لكني ابتسمت وقربت منه بهدوء ظاهري. سلام يا بابا… بنتك ندى خلاص اتجوزت وهتروح بيت جوزها. تفتكر ممكن يجي يوم وكل واحد فينا يرد حقه لثاني؟ يعني إيه؟! كل إنسان مؤذي في الحياة، لازم يجي وقت ويرد حقوق اللي آذاهم… سواء في الدنيا أو الآخرة.
وأنا هستناك يا بابا… سواء في الدنيا أو الآخرة. أنا جاهزة يا عمران. نزلنا بصمت ثقيل. كل خطوة كانت بتشد قلبي لتحت، وكل نظرة حوالينا بتأكدلي إني فعلًا ما كانش ليا مكان هناك. وصلنا للعربية، ركبت من غير ما أبص له، بس كنت حاسة بعينه بتلاحق كل حركة مني. اتجاهلت، لكن بعد شوية بصيتله بشك وغموض وقلت: يا أهلًا بدكتور عمران! اتسعت ابتسامته، وبصلي بنص عين: يا أهلًا بزوجتي العزيزة. هزيت إيدي بلامبالاة، لسه مش مستوعبة كلمة زوجتي.
كمّل بابتسامة باردة: مبارك لأجمل زوجين في الدنيا. ضحكت بسخرية: هو أنت فاكرني داخل عليّ اللعبة دي؟ اتجوزتني عشان يا حرام حبيتني؟ ياااه على حبك العظيم اللي لامسني! بكره هكتشف لعبتك تمام. رد بثقة مستفزة: وبكره ليه يا عسل؟ دلوقتي هتكتشفي. غمزلي وكمل: هي دايمًا تقول إنك ذكية جدًا… طلعِتِ ذكية يا زوجتي العزيزة. عقدت حواجبي: هي مين؟ قال ببساطة: خالتي. خالتك تعرفني منين؟ ابتسم ابتسامة غامضة: دي أكتر واحدة عارفاكِ فينا.
صرخت بزهق: هو أنت بتتكلم بالألغاز ليه؟ حد ماسك لسانك؟ بس يا عسل واسكتي… أهو وصلنا. بصيت حواليا: وصلنا فين؟ ده بيتك؟ لأ. أمال بيت مين؟ موديني فين؟ تنهد بضيق: ما تسكتي بقى صدعتيني. لفيتله بحدة: ما أصدعك! في المشكلة مش مراتك؟ بصلي من فوق لتحت وقال ببرود: يا حبيبتي… أنا مش بحب الزن والصداع. واحد طول النهار في شُغل و عمليات وبيجي هلكان يعني عايزة مراتي صامتة طول الوقت، تقول حاضر ونعم. بصيتله بقرف: حبك برص يا شيخ.
سبته ومشيت ناحية باب البيت وخبطت. مش عارفة باب مين بس أي حد يفتح ويخلّصني منه. اتفتح الباب. ظهرت ست قدامي بصيتلها ثواني رجعت بصيت لعمران مستنية يفهمني مين دي. الصمت طال مفيش حد بيتكلم وأنا عيني بتتنقل بينهم. لكن لاحظت حاجة. نظرتها! مذهولـة، مصدومـة وعـينها مليانة دمـوع. الوقت بقى بيمشي ببطء غريب. وفجأة نطقت: نـدى؟!!! قلبي دق بعنف، اتكلمت بتلقائية: حضرتك تعرفيني؟!!
في اللحظة دي حسيت بحركة ورايا كان عمران وقف قريب جدًا، صوته خرج هادي بس مشدود بطريقة قلقتني: تـعرفـك دي مـامتك يا نـدى. الدنيا لفت بيّا، الكلمة ارتطمت في ودني كأنها نـــ,ار. لفيت له بصدمـة حـادة: ماما مين؟ ماما… ميّتة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!