تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
(أحداث تلك الرواية مأخوذة من مواقف أغلبها حدث بالفعل، لكن تختلف البيئات،والأزمان، وحتى الشخصيات.. كقارئ ربما لن تشعر بالغرابة إن صادفك موقف شعرت فيهأنك عايشت تجربة مماثلة، فكل شيء جائز خلال متابعتك لفصول العمل، ما عليك إلا أنتطلق العنان لخيالك، وتستمتع بالتجربة وتتفاعل مع الأبطال.. هنا أنت لست بقارئ فقط،وإنما جزء من الأحداث.) باقي من الزمن فقط 18 يوم بأمر الله على انطلاق أول الفصول .. في انتظار دعمكم وتعليقاتكم الشيقة .. #الطاووس_الأبيض...
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم Manal Salem
قراءة ممتعة مع الأحداث >>>
الفصل الثامن عشر
حالة من الحنق، الغيظ، السخط سيطرت على كامل جوارحه واختلطت بغضبه المكتوم لتتشعب في كل ذرة من جسده بعدما أخبرته "فيروزة" بشأن زيارة والدته غير المستساغة لها، لم يحبذ مطلقًا أن يوضع في ذلك الموقف الحرج، وبجهد مضاعف ضبط انفعالاته ليبتعد عن المكان قبل أن يرتكب ما قد يندم عليه لاحقًا بسبب نجاحها في استفزازه بتسلطها الحاد. كور "تميم" قبضة يده ضاغطًا على أصابعه بقساوةٍ، ســار بمحاذاة الكورنيش لوقت طويل حتى تخبو تلك النيران المستعرة بداخله فلا يعود لمنزله وهو على وضعه الحالي، استياء عظيم شعر به لفشله في تحقيق ما كان يصبو إليه، قادته قدماه خلال طريق عودته إلى العربة المحترقة، تجمد أمامها وحملق فيها طويلاً بعقلٍ شبه شــارد، ورويدًا رويدًا بدأت ثورته المتأججة نحوها تخبو لتتحول نحو رفيقه الذي أحدث تلك الكارثة، بدا كمن أصابه البرق فانتصب في وقفته وغير مساره ليتجه نحو منزل "ناجي"، توقع مكوثه بالسطح ليلهو كعادته كل مساء، صعد الدرجات سريعًا، وقف عند أعتاب مدخله وألقى نظرة شاملة على من فيه، وكما صدق حدسه، فقد كان متواجدًا بصحبة "حمص"، و"شيكاغو"، صاح عاليًا لينتبه ثلاثتهم لوجوده:
-سلامو عليكم
على الفور نهض "ناجي" من جلسته المسترخية مهرولاً نحوه وهو يرحب به:
-أهلاً بكبير منطقتنا، نورت المكان كله.
مد يده لمصافحته، وجذبه الأخير نحوه ليحتضنه، ثم دعاه للجلوس قائلاً:
-تعالى، ده الأعدة الحلوة لسه هتبتدي.
نظر له بعينين غائمتين ووجه عابس، لم يكن راغبًا في السهر أو المكوث معه، فمجيئه فقط كان من أجل مهمة محددة، لذا سار بتثاقلٍ نحو الوسائد المحشوة التي تفترش السجاجيد بزاوية السطح، رحب به التابعان بودٍ زائد، اكتفى بالابتسام المتحفظ لهما، صاح "شيكاغو" عن ثقة وتلك البسمة اللزجة تعلو ثغره:
-اطمن يا معلم، الحكاية عندنا..
وأضاف عليه "حمص" متخذًا موضعه في الحوار:
-وزي ما ورطناك هنحلها بطريقتنا.
التفت نحوه يطالعه بنظرات قاسية رافضًا الغموض الذي يغلف كلماته، وهتف ينذره بخشونةٍ:
-طريقتكم!! أنا مش عاوز شغل عوأ وبلطجة تاني مع الحريم!
أجابه "حمص" نافيًا:
-لأ يا كبير، دي حاجة في السليم، ومضمونة.
اقترب منه "شيكاغو" ليقول بخبثٍ من بين أسنانه المتسخة:
-وبعدين ده احنا تحت طوعك يا معلم "تميم"، ومطرح ما تودينا نروح واحنا مغمضين.
هز "حمص" رأسه مؤكدًا هو الآخر:
-أيوه، رقبتنا فداك يا كبير.
نظر لهما بعدم ارتياح، وشدد من جديد بلهجته الجادة:
-ماشي، بس أديني قولتلكم أهو، عشان محدش يلومني لما اتصرف بعد كده.
قال له "شيكاغو" دون تفكير:
-فداك يا كبير.
قبض "ناجي" على ذراع "شيكاغو" وسحبه منه لينزوي به بعيدًا عن عيني "تميم" المراقبة له، وبنبرة أقرب للخفوت سأله:
-عرفت هتعمل إيه؟
جاوبه بصوته الخفيض دون أن تفتر ابتسامته السخيفة:
-أيوه، كله زي ما فهمتنا يا ريس "ناجي".
ارتخت أساريره المشدودة، وقال له:
-طيب، عاوز البشارة تجيلي قريب.
رد يطمئنه عن ثقة واضحة:
-قريب هاتسمع اللي يفرحك، بس ماتنسناش في عرقنا.
علق في سخطٍ:
-أما تتنيل تحلها تبقى تتكلم، بلاش تقاطع يا فقري
قال بتملقٍ، وكأنه بذلك يكسب وده:
-ولو ببلاش يا معلم، مايهمكش، اعتبرها عربون محبة وتصالح
هز رأسه في استحسانٍ، ثم اختطف النظرات نحو "تميم" الذي تمركز جالسًا على الوسائد، تنحنح بصوته الخفيض وأشار بعينيه لـ "شيكاغو" ليبتعد عنه، أحضر نارجيلته ودنا منه وهو يحملها، افتعل الضحك ملقيًا دعابة خارجة، لكن لم يضحك رفيقه، بل بدا أكثر وجومًا، وسأله مباشرةً ليشعره بأنه يراقبه عن كثب:
-مقولتليش هتعمل إيه ؟
تلجلج قليلاً وهو يجيبه:
-كل خير يا صاحبي، اطمن..
حذره بجديةٍ واضحة:
-يا ريت ماتكونش مصيبة جديدة تحط على دماغي!
هتف نافيًا ليبدد شكوكه:
-لأ، دي حاجة مضمونة يا "تميم"، متقلقش!
وبالرغم من كلماته الباعثة على الاطمئنان إلا أنه لم يشعر بذلك الإحساس الذي يسعى رفيقه بكل جهده لبثه فيه، بل انتابه هاجسًا مزعجًا أن الأمور تتجه للتعقيد أكثر، وربما للأسوأ، خاصة بعد مواجهته الأخيرة مع صاحبة الرأس العنيد؛ "فيروزة".
.................................................
كارثة بكافة المقاييس حلت على رأسها، وبالكاد ستقضي على سند عائلتها إن لم تتنازل عن عجرفتها وكبريائها الذي تعتد به لأجل فلذة كبدها، انخلع قلبها خوفًا عليه، وتهدجت أنفاسها فور معرفتها بما آلم به من مصيبة لن يخرج منها بسهولة، استطاعت بصعوبة أن تتمالك نفسها لترتدي ثيابها وتفكر بذهنٍ غير مشوش حتى تصل لحل ينقذه مما بات فيه، هرولت "بثينة" نحو منزل شقيقتها لتستنجد بها بعد أن هاتفها ابنها ليخبرها بإلقاء القبض عليه بالقسم الشرطي في تهمة لم يفصح لها بعد عن فحواها، استقبلتها "ونيسة" بترحابها المعتاد متجاوزة عن أي خلاف حدث من قبل، وتفاجأت بها تبكي بحرقةٍ وهي ترجوها أن تتدخل لإنقاذ ابنها، لم يكن أمامها سوى اللجوء لزوجها ليساعدها، تركتها تجلس بمفردها في الصالون بعد أن أعدت لها عصير الليمون لتشربه وتهدأ، سارت عبر الردهة لتدخل إلى غرفة النوم حيث يستلقي "بدير" في قيلولة قصيرة، توقفت في مكانها مترددة، لم تكن راغبة في إيقاظه خلال لحظاته المقدسة تلك، لكن لا مفر، استجمعت جأشها، وتقدمت نحوه، وبكل رفقٍ هزته من جانبه هامسة له:
-حاج "بدير"! إنت صاحي يا حاج؟
نظر لها الأخير بنصف عين، تقلب على جانبه، وبصوتٍ ثقيل نائم سألها:
-في إيه يا "ونيسة"؟
بصوتٍ متذبذب أجابته:
-معلش ممكن تفوقلي كده شوية، أنا عاوزاك في مسألة مهمة
انتفض في نومته يسألها والقلق قد غطى ملامحه من طريقة حديثها:
-"تميم" جراله حاجة؟ الدكان فيه مصيبة؟ البضاعة باظت؟
ردت بالنفي:
-لأ يا حاج، الشر برا وبعيد عننا، ابننا بخير، والدكان زي ما هو.
نظر لها بغضبٍ وهو يوبخها:
-أومال مصحياني ليه يا ولية السعادي؟
أجابته على استحياءٍ:
-أصل "بثينة" برا، وكانت آ.. عاوزاك.
تقلصت تعابيره واكتست بأمارات الانزعاج وهو يدمدم بتأفف:
-هي الحكاية فيها أختك، خير عاوزة إيه؟
اعتدل "بدير" في نومته، ونظراته المستاءة ما زالت تحتل وجهه، استقامت في وقفتها وردت:
-أصل الواد "هيثم" واقع في مشكلة، وآ....
قاطعها بتبرمٍ:
-يادي الزفت الحرامي ده اللي ما بيجيش من وراه أي خير!!
ربتت على كتفه تستعطفه:
-أنا عارفة يا حاج إن بلاويه كتير، بس إنت كبيرنا، وفي مقام أبوه، ولو موقفناش معاه الواد هيضيع.
علق في سخريةٍ، وقد تقوست زاوية فمه بابتسامة متهكمة:
-تقوليش هو ماشي عدل، ما هو ضايع خلقة!
حاولت استرقاق قلبه، فقالت له بلطفٍ:
-معلش يا حاج، مالوش غيرك بعد ربنا، وأمه مكسورة الجناح
هتف معترضًا على كلماتها الأخيرة:
-دي مكسورة الجناح؟ أختك ومن غير زعل كده يتفتلها بلاد، كتلة شر ماشية على الأرض.
ردت بانكسارٍ ملموسٍ في نبرتها:
-هي أختي بردك ومالهاش غيري.
أزاح "بدير" الغطاء عن جسده، وأخفض ساقيه ليهبط عن الفراش قائلاً لها:
-عشان خاطرك يا "ونيسة" هاروح أشوفها، مع إني كنت مقرر ما اتحشرلهاش في حاجة بعد اللي عمله ابنها.
سارت خلفه تثني على معروفه الكبير:
-ربنا يخليك لينا يا حاج، طول عمر قلبك طيب وبيسامح.
.................................................................
أخفض "هيثم" رأسه في خزي أمامه بعد أن تدخل لإخراجه من محبسه ودفع تكاليف الإفراج عنه منهيًا الخلاف القانوني مع ذاك الشخص الذي اعتدى بالضرب عليه خلال نوبة غضب عمياء، تملكته عزة نفسه وأفرغ في الأخير ما يعتريه من مشاعر عدائية غير مكترثٍ بتبعات جنونه الجامح، لكن لحنكة المحامي البارع، وأساليبه الجيدة في الإقناع، انتهت الأمور على خير. تطلع إليه "بدير" بنظرات المتفحصة، بدا وجهه جادًا، متصلبًا، خاليًا من مظاهر التعاطف، وبصوته الأجش هتف قائلاً للمحامي:
-متشكرين يا أستاذ، مدوخينك معانا كل يوم
رد مجاملاً:
-ده شغلي يا حاج، وأنا تحت أمرك في أي حاجة
-تسلم
تنحنح مستأذنًا:
-طيب يا حاج "بدير"، هاروح أنا أشوف مصالحي، ولو في أي حاجة ضرورية كلمني
صافحه في ودٍ:
-ماشي يا سي الأستاذ، في رعاية الله
انتظره حتى اختفى من أمام أنظاره ليستدير في اتجاه "هيثم"، رمقه بنظرة احتقارية قبل أن يستطرد:
-أفتكر كده إني عملت معاك الواجب وزيادة.
رد عليه على مضضٍ:
-أيوه.
تابع مضيفًا بازدراءٍ محسوس في نبرته:
-حد غيري مكانش سأل فيك بعد قلة أدبك وسرقتك ليا..
برقت عينا "هيثم" من جملته تلك، لكن ما لبث أن غلف نبرة "بدير" قدرًا من العطف وهو يكمل:
-بس أمك مالهاش ذنب يتحرق قلبها عليك، ولا أنا كلامي غلط؟
اعتذر في ندمٍ لم يكن يبدو أنه حقيقي:
-غلطة يا جوز خالتي.
استهزأ به في تهكمٍ:
-أها، لأ وواضح إنك ماشي على الصراط.
لم يعلق عليه وضغط على شفتيه بامتعاضٍ بائن متحملاً سخافاته، بينما لانت نبرة "بدير" قليلاً حين قال له:
-أنا نفسي حالك يتصلح، وتبقى زي باقي الشباب بتراعي لقمة عيشك وبتحوشلك قرشين عشان تتجوز بيهم، ولا عاجبك التسيب اللي إنت فيه ده؟
أظهر اتفاقه معه وردد قائلاً:
-لا يا جوز خالتي، أنا عقلي مكانش فيا، بس إن شاءالله أتغير.
ابتسم في أمل:
-يا ريت.
اضطر "هيثم" أن يجاريه بحماسٍ مصطنع في آماله الواهمة ليغير من مسار حياته الطائشة طوال سيره معه فقط ليخدعه، ودون أن يظهر حقيقة أنه يضمر له كل شر وحقد.
...............................................................
مراقبة حثيثة، ونظرات متربصة قاما بها خلال الفترة الماضية ليرصدا كافة تحركاته، باتا يعرفان عنه ما يلزم للقيام بمهمتهما التالية، والتي خططا لها جيدًا حتى لا يقعا في الفخ .. كان الأمر بسيطًا بالنسبة لهما، هما اعتادا فعله في أول حياتهما الإجرامية؛ سرقة احترافية لأحد الموظفين ممن يخرجون من البنك حاملين لحقيبة جلدية متخمة بالنقود، وكان "خليل" ينتمي لذلك النوع الروتيني من الأشخاص مما سهل الأمر عليهما كثيرًا، وللمصادفة العجيبة كان اليوم هو الميعاد المخصص لمنح أجور العاملين، انتظراه على مقربة من البنك ريثما ينهي الإجراءات والمعاملات البنكية ليتبعا خطواته المحفوظة خلال انتقاله في السيارة التي تعود به إلى مقر عمله، وباتفاقٍ مسبق تم إبرامه مع السائق وزميله نظير مبلغ مادي معقول دخلت الخطة في حيز التنفيذ.
وقبل أن يصل "خليل" إلى وجهته، وعند ذلك المكان الخاوي المحفوف بالأشجار العالية، قطع "حمص" و"شيكاغو" الطريق عليه. أظهر السائق فزعه ليبدو مقنعًا، ونظر إلى الاثنين الملثمين اللذين يحملان أسلحة في يديهما بخوفٍ شديد. صــاح "حمص" عاليًا وهو يصوب سلاحه الناري نحو رأسه:
-اركن على جمبك وإلا هاطير نافوخك!
لم يكن أمام السائق سوى الانصياع له، ترجل من السيارة بعد أن صفها في تلك البقعة الخالية من المارة وهو يدعو الله ألا يزهق روحه، ضربه بشراسةٍ على مؤخرة عنقه لينكفئ على وجهه وهو فاقدٌ للوعي، في حين تحرك "شيكاغو" نحو الموظف الآخر الجالس ملتصقًا بـ "خليل" يصيح به:
-انزل.
رفع الأخير يديه في الهواء يرجوه في مذلةٍ:
-ماتموتنيش، أنا عندي عيال بأربيهم! خدوا فلوسي، ساعتي، موبايلي بس سبوني أعيش!
قال له "شيكاغو" بعينين تقدحان شرًا:
-أنا مش جايلك إنت..
وتركزت عيناه المخيفتان على وجه "خليل" الشاحب، بدت نبرته واضحة وأكثر إرعابًا وهو يضيف بكلماته الموحية:
-حوارنا كله مع الخال!
ثم غمز له بطرف عينه وهو يكمل:
-ولا إيه يا عم "خليل"؟ مش ده اتفاقنا؟
انقبض قلب "خليل" وهوى بين قدميه من شدة خوفه، لم يفهم ما يحدث حوله أو مقصده من تلك التلميحات الكارثية، لكنه شعر بدمائه تفر هلعًا من عروقه، بينما تطلع الموظف بغرابةٍ إلى زميله مبديًا استرابته في أمره، وكأن الشكوك تساوره حول كون تلك السرقة المدبرة، وقبل أن يستوضح الأمر ببديهية لتنطلي التمثلية أكثر قفز فزعًا في مكانه حينما صرخ به "شيكاغو" بصوته الآمر الذي زاد من رجفة القلوب:
-انزل وما ترغيش، وإلا إنت الجاني على روحك!
-حــ.. حاضر.
قالها الموظف وهو يمسك بيدٍ مرتجفة مقبض الباب لينزل من السيارة، أمسك به "خليل" ليجبره على البقاء معه وهو يهمس له بصوته المرتعب:
-ماتسبنيش، خليك معايا.
نفض قبضته المرتعشة عنه، وقال له غير مبالٍ بما سيحدث له:
-يا عم سيبني، الواحد روحه على كف عفريت!
ترجل من السيارة ووقف في الخلاء رافعًا ذراعيه للأعلى كتعبيرٍ عن استسلامه وخنوعه، اقترب من خلفه "حمص" وضربه بقوة على رأسه ليوقعه أرضًا، وانفرد كلاهما بـ "خليل" الذي تشبث بالحقيبة وضمها إلى صدره بالرغم من الارتعاشة القوية المسيطرة على بدنه. ثبت "شيكاغو" فوهة سلاحه أمام وجهه وهو يطل عليه من نافذة السيارة، وقال له بصيغة آمرة:
-سلمني الفلوس اللي معاك يا "خليل".
اندهش مجددًا من ترديده لاسمه وكأنه يألفه، نظر له في حيرة، ومع ذلك تعلق بالحقيبة أكثر وهتف يستعطفه بصوته المرتجف:
-دي مرتبات الموظفين، وهما.. ناس غلابة و...
قاطعه بصوته الخشن:
-ماليش فيه، هاخدها يعني هاخدها.
سلمها له طواعية حتى لا يخسر حياته وقد أدرك حجم الخطر الكامن فيه، ولكن تصلب جسده في مكانه مصدومًا وهو يقول له بغموضٍ أربكه:
-بس يكون في معلومك، إنت هاتشيل الليلة دي يا "خليل"!
بهتت ملامحه أكثر، وتلعثم متسائلاً:
-أنا ...؟
فسر له ببساطةٍ:
-هو إنت مادرتش إن اللي معاك هيشهدوا عليك إنك سرقت الفلوس وعملت الحوار ده كله عشان تطلع بالمصلحة دي
هدر نافيًا عنه تلك التهمة الباطلة:
-كدب، إنتو هجمتوا علينا و...
كركر "حمص" ضاحكًا قبل أن يقاطعه في انتشاءٍ:
-هتروح في داهية يا "خليل"، ومحدش هيصدقك.
تضاعف خوفه من تلك المصيبة المهلكة، استدارت رأسه في اتجاه "شيكاغو" الذي بادر موضحًا له مباشرة:
-وكله بسبب بنت أختك، شوفت بقى!
ردد مدهوشًا وقد برقت عيناه على الأخير:
-بنت أختي؟
قست تعابير "شيكاغو" حين أكمل له:
-ما هو اللي يعادي أسياده لازم يتجاب الأرض!
لعق شفتيه وحاول ابتلاع ريقه الجاف مغمغمًا:
-أنا.. مش فاهم حاجة.
ضربه "شيكاغو" بقساوة في جانب كتفه وهو يهينه:
-هتعمل فيها غبي بروح أمك!
تأوه "خليل" من الألم المباغت، وتحمله مرغمًا ليرد مدافعًا:
-أقسم بالله ما أعرف حاجة، عملت إيه بنت أختي؟
نظر له "شيكاغو" بشراسةٍ وهو يجيبه مهددًا:
-من الآخر كده يا "خليل"، وعشان نقطم الليلة دي، بنت أختك تتنازل عن المحاضر اللي عملاها في الريس "تميم"، وإلا هتخش إنت مكانه!
ارتعشت شفتاه وهو يرد:
-بنت.. أختي
قال "شيكاغو" في عدائية ساخرة:
-أيوه، بياعة الكبدة!
هتف "حمص" من الجانب الآخر للسيارة:
-والفلوس دي رهن، تنفذ كلامك هترجع وكأن مافيش حاجة حصلت.
استأنف "شيكاغو" تهديده العلني قائلاً:
-معاك لبكرة الصبح، وإلا زمايلك هيطلعوا على النيابة يشهدوا عليك، ما إنت اللي سرقت الفلوس، وده حوار فاكس معمول!
أيده "حمص" الرأي:
-بالظبط.
وجد "خليل" صعوبة في استيعاب الموقف والإمساك بأطراف خيوطه، هتف بتلعثمٍ عله يمنحه المزيد من التفسيرات:
-أنا... بس..
قاطعه "شيكاغو" بغلظةٍ شديدة:
-مات الكلام!
ثم ضربه بمؤخرة سلاحه بعنف في جيبنه ليفقده الوعي لتكن آخر ما تلتقطه أذناه قبل أن تغيب الصورة عن ذهنه:
-سلام يا خـــال!
......................................................
في كل غيظ الدنيا وحنقها ســار "خليل" مترنحًا بعد أن استعاد وعيه يعبر الطرقات حتى عــاد إلى المنزل، نزع رابطة عنقه عنه وألقاها في الطريق، وفتح أزرار قميصه حتى انكشف صدره، لم يعبأ بالهواء البارد الذي يضربه، كان غضبه المستعر يحتاج لأطنانٍ من الثلوج ليخمده، ومع إن وطأ المدخل حتى اندفع كالثور الهائج يصعد الدرجات بسرعة، توقف أمام أعتاب المنزل، لم يمنح نفسه الفرصة لالتقاط الأنفاس، بل استند بكفيه على الباب يدق عليه بعنفٍ وهو يصرخ مناديًا:
-افتحي الباب يا "آمنة"! أنا عرفت كل حاجة!
كانت صرخاته متواصلة ومرعبة في نفس الآن، حملقت فيه أخته في ذهولٍ بعد أن فتحت له، سألته بتوجسٍ وقد رأت الحالة المزرية التي عليها:
-في إيه يا "خليل"؟ بتزعق ليه؟ ومالك مبهدل كده ليه؟
دفعها بخشونة من كتفها ليلج للداخل فكادت تُطرح أرضًا من دفعته المباغتة، حافظت على اتزانها، والتفتت نحوه تسأله:
-إيه اللي حصل بس؟
تجاهلها وجال بنظراته المكان باحثًا عن ابنتي أخته، لم يجدهما أمام أنظاره، فاستدار نحو "آمنة" يصيح بها:
-بناتك فين يا "آمنة"؟ مخبياهم عني فين؟
سددت له نظرة غريبة مستنكرة ما يتفوه به، ومع ذلك أجابته بتلقائية:
-بناتي جوا، هاخبيهم ليه؟
وقبل أن تتحرك لتعترض طريقه، هرول بكامل عصبيته في اتجاه غرفة الفتاتين، ودون استئذانٍ اقتحمها صارخًا وهو يسبهما:
-عملتوا محاضر في مين يا ولاد الكلب؟
انتفضت "فيروزة" فزعًا من على الفراش حينما رأت خالها أمامها وقد اتسعت عيناها مذهولة من هيئته المهتاجة، بينما انكمشت "همسة" على نفسها وتراجعت عفويًا للخلف لتحتمي من بطشه، استشاط "خليل" غضبًا وهتف يسألهما من جديد:
-انطقوا عملتوا إيه من ورايا؟
فطنت "فيروزة" لمقصده دون الحاجة لاستيضاح الأمور، وقبل أن تبرر له تصرفها القانوني، هتفت "آمنة" في لوعةٍ معتقدة أنها بذلك تخفف من وطأة الأمور:
-بالله عليك يا "خليل" ما تعمل فيهم حاجة، كانت ساعة شيطان، وكل حاجة هتتحل
التفت نحوها بوجهه الحانق والصدمة تكسو قسماته، نظر لها في حقدٍ قبل أن يلومها:
-يعني كنتي عارفة إنهم عاملين مصيبة وسكتي؟
أسهبت موضحة الحقيقة من تلقاء نفسها بصوتها المهتز وقد تملكها الخوف من عدائيته التي تلوح في الأفق:
-ما أنا اتكلمت مع "فيروزة"، وإن شاء الله هتسمع الكلام وتتنازل عن المحضر، هي بس كانت آ....
لم يمنحها الفرصة لتبرير تصرف ابنتها الجريء، بل هجم على "فيروزة" قابضًا على كومة من شعرها، لفه حول ذراعه قاصدًا اقتلاعه ليؤلمها أكثر، صرخت من الألم الشديد، وحاولت تخليص نفسها من قبضته، وقبل أن تتملص منه كانت صفعة مدوية تهبط على وجهها، شهقت "همسة" خوفًا، وعجزت عن الدفاع عن أختها، بينما اندفعت "آمنة" بجسدها البطيء تذود عن ابنتها بطش أخيها الأهوج وهي ترجوه باستماتة:
-سيبها يا "خليل"، البت هتموت في إيدك!
توسلته "همسة" ببكاءٍ يدمي القلوب:
-حرام عليك يا خالي، "فيروزة" معملتش حاجة، خلينا نفهم اللي حصل
هدر بها بجنون:
-لأ عملت، ومش عاوز أفهم حاجة، كفاية إني هاروح في داهية بسببها
تضاعفت شراسته، ودفع بيده الأخرى "آمنة" عن طريقه لتصبح "فيروزة" في قبضته، ونال وجهها منه لكمة مباشرة ومؤلمة تركت آثارها الملتهبة على بشرتها، صرخت "فيروزة" مدافعة عن حقها المشروع:
-إنت ظالمني يا خالي، هما ولعوا في عربيتي، وحقي أنا بأخده بالقانون.
صفعها بعنفٍ على نفس الوجنة المتألمة رافضًا الإصغاء لها، ليقول بعدها بصوته المهتاج:
-كسر حقك 100 مرة، إن شاءالله يولعوا فيكي حتى، ملكيش دعوة بيهم، أنا في الآخر اللي بأشيل بلاويكم
بدا المشهد مفزعًا، مؤلمًا، وقاصمًا للأظهر .. لم تتحمل "همسة" بشاعته وتحركت لتنجد أختها التي نال جسدها من الأذى المزيد من الركلات والضربات، حاوطتها بجسدها وتحملت طيشه الأهوج حتى تكورت إلى جانب "فيروزة" على الأرضية وهي تئن من الوجع الشديد، تخدل ذراعا "خليل" من عنفه المفرط مع الفتاتين. توقف عن اعتدائه القاسي ليلتقط أنفاسه، توحشت نظراته أكثر وهو ينظر إلى أخته يأمرها بلهجته النافذة وبأنفاسٍ متهدجة وسبابته تلوح في الهواء:
-بنت الكلب دي هاتقوم تلبس وتنزل معايا دلوقت تتنازل عن المحضر...
انحنت "آمنة" على ابنتيها تبكيهما في مرارة وقهر، كانت مكتوفة الأيدي، لا تملك من القوة ما تحميهما به، رفعت رأسها فجأة نحو "خليل" لتحدق فيه بارتعابٍ مميت وهو يكمل تهديده للنهاية:
-وإلا هادفنها حية، وما هتعرفيلهاش تُربة ....................................... !!
........................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم Manal Salem
الفصل التاسع عشر (الجزء الأول)
ليلة مُوحشة مُؤلمة تحمل كل قساوة الحياة وأوجاعها مضت عليها وهي لم تنبس بكلمة واحدة بالرغم من توسلات والدتها وبكاء أختها، بدت فاقدة للنطق وإن لم تكن كذلك، فقد اختنق كل شيء في صدرها، خبأتها "آمنة" في أحضانها واحتوتها بين ذراعيها علها تكون الملاذ الآمن لها بعد أن فشلت فشلاً ذريعًا في درء عنف خالها عنها، مسدت على رأسها بحنانٍ كبير، وانحنت تقبل جبينها وهي تُحادثها بالكلمات المواسية التي لا تملك سواها، لكن جروحها أبت الاندمال، انسابت دمعات "فيروزة" في صمت، دمعات العاجز الفاقد لحقه في الاختيار، كانت مغيبة عمن حولها، تشرد بذهنها لتعيش تلك اللحظات العنيفة الصادمة، فتنتفض وهي تئن من الألم لتعاود أمها تهدئتها بقراءة القرآن تارة، وبالمسح على جسدها برفقٍ تارة أخرى حتى توقف عقلها عن التفكير وغابت عن الوعي من شدة إعيائها.
تركتها "آمنة" على الفراش وتفقدت ابنتها الأخرى، كانت مثلها تشكو أوجاعها، طيبت خاطرها، واتجهت إلى غرفتها تبكي بداخلها في تعاسةٍ واضحة، تكومت على نفسها على فراشها البارد تنوح وحدتها القاتلة بدون زوجٍ يحميها من قسوة الأقرباء قبل الغرباء، تجمعت هموم الدنيا في قلبها، وكادت تغفو من تعبها المضني، شهقة فزعة انطلقت من أعماق جوفها حينما سمعت الدقات الهادرة على الباب، عفويًا التفتت إلى المنبه الموضوع على الكومود، كان الوقت لا يزال مبكرًا، لكن جدسها ينبئها بكارثة قريبة. حركت بدنها المتعب من قلة النوم وإتلاف الأعصاب في اتجاه باب المنزل، وقلبها نظرت من العين السحرية فوجدت أخيها يصيح بها:
-افتحي يا "آمنة"
دب الرعب في قلبها، واهتزت كليا، لا إراديًا استدارت مستندة بظهرها على الباب، وفاردة لذراعيها على حافتيه، وكأنها بذلك تشكل حاجزًا بشريًا تمنعه من اقتحام المنزل، ثم صرخت بصوتها المبحوح:
-مش هافتحلك يا "خليل"، كفاية اللي عملته في بناتي.
صاح بها بعصبيةٍ ويده تضرب بقوةٍ على الباب:
-يوووه، أنا مش فاضي للهري ده، بأقولك مافيش وقت نضيعه، وأنا واقع في مصيبة بسبب عمايل بناتك، افتحي خلينا نخلص من الهم ده كله.
ردت عليه بارتعابٍ وقد زاد تمسكها بحافتي الباب الذي يهتز من خلفها:
-أفتحلك عشان تمد إيدك عليهم تاني؟
قال بنبرة عبرت عن ثقة واضحة:
-لأ يا "آمنة"، المحروسة بنتك زمانتها عقلت بعد الوش التاني اللي شافته مني.
هتفت معاندة بإصرارٍ رافض:
-لأ مش هافتح!
كالحرباء وقفت أعلى الدرج تتابع صياحهما بابتسامة متشفية، وكأن ما فعله زوجها بابنتي أخته قد أثلج صدرها وبرد نيران حنقها نحوهما، ارتدت "حمدية" قناع الضيق على وجهها، وهبطت الدرجات وهي تنادي عاليًا لينتبه لها:
-حاسب كده يا "خليل"، بلاش الافترى ده.
نظر لها بحدة من تصرفها غير المفهوم، لكنها غمزت له بعينها ليفطن أنها تشاركه تمثيلية ساذجة لتتمكن من إقناع أخته بالتخلي عن عنادها وفتح الباب، تنحنح "خليل" يوبخها بتجهمٍ زائف:
-ملكيش دعوة يا "حمدية"، أنا بأتكلم مع أختي.
ردت بصوت عمدت لرفع نبرته:
-هتكلمها وإنت متعصب كده؟ يبقى مافيش حاجة هتنفع.
نفخ في وجهها كتعبير عن عدم رضائه، لكنها تابعت بلطفٍ غير معتادٍ منها:
-اطلع إنت فوق بس يا أبو العيال، اشرب الشاي، وأكون أنا خدت وإديت مع "آمنة"، ماشي؟
هز رأسه على مضضٍ:
-طيب، أما أشوف
وبغمغمة متبرمة أولاها ظهره ليمسك بالدرابزون ويصعد للأعلى، التفتت تحدق في الباب مجددًا وهي تطرق عليه برفق منادية إياها:
-افتحي يا "آمنة"!
صاحت بها الأخيرة وهي ما تزال مصرة على رفضها:
-لأ مش هافتح، قولي لجوزك يبعد الأول.
ردت تطمئنها:
-هو طلع خلاص، مافيش إلا أنا.
اشرأبت "آمنة" بعنقها للأعلى بعد أن استدارت بجسدها لتحدق في العين السحرية حتى تتأكد من صدق قولها، شعرت بالارتياح لغيابه، ارتخى جسدها المشدود وامتدت يدها لتدير المقبض، أطلت "حمدية" برأسها وتلك الابتسامة الزائعة تعلو شفتيها، ربتت على كتفها في ودٍ، وسارت نحو الداخل وصوت "آمنة" من خلفها يدعوها:
-تعالي يا "حمدية".
مصمصت شفتيها لتظهر إشفاقها وهي تعقب عليها:
-قلبي عندك يا حبيبتي
همَّت "آمنة" بالبكاء مجددًا ليخرج صوتها مضطربًا:
-شوفتي أخوكي عمل فينا إيه؟
أومأت برأسها ترد بتنهيدة مطولة، وكأنها تتفق معها في الأمر، لتوحي لها بدعمها الكلي:
-متزعليش يا حبيبتي، أخوكي صعب أوي لما بيتعصب، أنا بس اللي ما بشتكيش!
تنهدت "آمنة" في أسى وقد بدا الإرهاق واضحًا عليها، تأملتها "حمدية" بتفحصٍ فرأت تلك الكرمشة تحت جفنيها، وأثار إحمرار عينيها، شعرت بالنشوة تغمرها وهي تتذكر أصوات الصراخ التي صدحت بالأمس وملأت جدران المكان، برقت حدقتاها بوميض غريب، وتنحنحت متابعة باهتمامٍ مصطنع وهي تجاهد لإخفاء ما يعتيرها من شماتةٍ وانتشاء:
-ها قوليلي فين البنات؟ عاوزة اطمن عليهم.
..............................................
عاونتها أمها على النهوض من رقدتها، وتلك الأنات تخرج من بين شفتيها لتظهر مدى الألم الذي تعانيه، بالطبع لم تسلم "فيروزة" من العبارات الشامتة والتوبيخات المستترة من زوجة خالتها التي واتتها الفرصة على طبق من ذهبٍ لتظهر سعادتها وإن لم تفصح عن ذلك علنًا، لكن كل ما كانت تفعله يشير وبقوة إلى فرحتها بالأذى الذي لحق بها. حاولت "آمنة" إقناعها بإخفاء أثار الكدمات باستخدام مساحيق التجميل، لكنها رفضت، وأصرت أن تريه ما اقترفته يداه عله يشعر بالذنب وتأنيب الضمي وإن كانت تشك في ذلك .. ارتدت ثيابها بتمهلٍ محاولة كتم آلامها، ووضعت نظارة داكنة على عينيها، لم تصغِ لتوصيات والدتها ولا نصائحها الواهية، اكتفت بما يضمره صدرها من كراهية مشبعة لخالها ومن دفعه على إيلامها.
وبتؤدةٍ حذرة ســارت إلى جوار "خليل" متخذة مسافة آمنة بينه وبينها بعد أن هبطت السلم وخرجت من المنزل لتجده بانتظارها، لاذت بالصمت بالرغم من تهديده القوي لها:
-كلمة واحدة غير اللي قولتلك عليها مش هارحمك، أنا معنديش اللي أبكي عليه.
انفرجت زاوية فمها بابتسامة حانقة، وتلك النظرات النارية مرتكزة على وجهه المشدود، أشــار لها بذراعه لتنحرف عن الطريق وتعبره متابعًا إملاء أوامره:
-واحنا في القسم، مش عاوز أسمع منك نفس، تمضي وإنتي ساكتة، أنا هتولى كل حاجة.
كان واثقًا من خنوعها له، ومنحته ذلك التأكيد بسكوتها بعد أن انهزمت معنويًا وبدنيًا، توقف عن السير ليستدير نحوها، تجمدت في مكانها وحملقت فيه بغضبٍ من خلف نظارتها، حذرها بلهجةٍ صارمة مستخدمًا سبابته في التلويح:
-ولو الظابط سألك، ما ترديش عليه، مفهوم؟
لم تحرك شفتيها لتنطق، بل تجاهلته كليًا، ولم يكترث هو بردها، واصل سيره المتعجل يقول لها بما يشبه الاستهجان:
-مالوش لازمة الكلام من الأساس.
بات الهواء خانقًا على صدرها وهي تدرك أن آخر آمالها لاسترداد حقها المسلوب على وشك أن يضيع سدى، بالطبع سينتصر ذاك الهمجي وأعوانه من معتادي الإجرام عليها بقوة القانون لتتحقق مقولة الضابط "ماهر": من لا يملك سلطة فهو ضعيف وضائع. تغلغل فيها إحساس الانكسار وبدت محبطة للغاية، انتبهت لحديث خالها الأخير حينما أصبح كلاهما على أبواب القسم:
-أدينا وصلنا، يالا خلينا نخلص من القرف ده كله، والفلوس ترجعلي، كفاية تعب أعصابي طول الليل.
تأوهت من الألم فجأة وقد شعرت بقبضته تعتصر رسغها، تقلص وجهها واحتدت نظراتها المخبأة، شدد "خليل" من ضغطه عليها وهو ينذرها:
-وده يعلمك ماتعصنيش تاني، لأن المرة الجاية بموتك يا "فيروزة"، وأهوو نرتاح منك
نفض أصابعها الغليظة عنها فأمسكت بمعصمها تفركه لتخفف من الألم، همست بصوتٍ محبط واليأس بادي عليها:
-معدتش فارقة.
..........................................................
كان مذهولاً وقد هاتفه محاميه منذ الصباح الباكر ليخبره بضرورة الحضور إلى القسم الشرطي لإنهاء المحاضر بعد أن وافقت الخصمة على التنازل عنها، بدا "تميم" مدهوشًا، حائرًا، مشتت الذهن وهو يحاول استنباط الأسباب التي دفعتها للمواقفة، فعلى حسب خبرته معها لم تكن سهلة الإقناع، إذًا فكيف ارتضت بقرار التنازل؟ طرأ بباله احتمالية كان قد غفل عنها دون قصد، ربما نجح رفيقه في التصرف بحنكة كما أخبره، وتم ترضيتها بشكلٍ أو بآخر بعيدًا عن حضوره مما شجعها على الموافقة، لم يدع الأمر يحيره كثيرًا، وهاتف "ناجي" ليتأكد من شكوكه، وطمأنه الأخير بنجاح مسعاه، شعر بالارتياح وتوسم خيرًا أن تنتهي الخلافات كليًا ليمحي شبحها وما له صلة بها من رأسه للأبد .. ارتدى ثيابه على عجالة، وتوجه على الفور إلى هناك.
وعلى عكس توقعاته وما رسمه عقله من خيالات في فضاءاته الوهمية، كانت "فيروزة" جالسة بوجومٍ في المقعد المقابل له تخفي وجهها خلف تلك النظارة السوداء المتسعة، لوهلة اعتقد "تميم" أنها ليست نفس الشخص الذي تجرأ عليه من قبل .. بدت غريبة، وديعة إن جاز التعبير، ساهمة، شاردة الذهن، مما أشعره بالتوجس، دار بنظراته على الأوجه المتواجدة؛ محاميه الخبير، صديقه "ناجي"، وقريب الفتاة "خليل"، الكل يبتسم في حبورٍ وكأنهم مرتضين بالتسوية، عادت أنظاره لترتكز عليها، راقبها مراقبة حثيثة محاولاً سبر أغوارها، لم تنطق بكلمةٍ واحدة، وكأن لا روح فيها، هي جسد متواجد معهم، لكن بلا حياة .. لم يرقه الأمر وزاد تغلغل إحساسه بالانزعاج، ومع هذا ترك للمحامي إنهاء الإجراءات، واكتفى بالتحديق الصامت فيها، وإن كان يظن أنها تتطلع إليه من وراء حجابها البلاستيكي.
تنفس "خليل" الصعداء حينما رأى الضابط يضع الأوراق أمام "فيروزة" لتوقع في البقعة التي أشــار لها، تنحنح "وجدي" بصوتٍ عالٍ ثم جال بعينيه على وجوه الحاضرين قائلاً:
-أفتكر إن مافيش داعي يحصل مشاكل تاني بينكم، مهما كان كلكم أهل وجيران ..
ثم مال بجسده نحو "فيروزة" موجهًا حديثه لها:
-ولا إيه رأيك يا "آنسة"؟
اكتفت بهز رأسها فالأمر لم يعد مجديًا، الكل انتصر في معركته، وهي وحدها الخاسرة. ذلك السكوت المثير للدهشة استفز "تميم"، اعتدل في جلسته، وتطلع إليها متوقعًا أن تنفجر فيه بين لحظة وأخرى، لكن تحولت عيناه نحو "خليل" حين هلل مؤيدًا:
-أيوه مظبوط، احنا أهل في بعض، وجيران وعِشرة من زمان، إن شاءالله ما يحصلش حاجة تاني.
زجره "وجدي" بحدةٍ:
-أنا موجهلها السؤال، ممكن تحط لسانك في بؤك وتسكت.
تحرج "خليل" من فظاظته معه، ووضع يده على كتف "فيروزة" ليضغط بأصابعه على عظام ترقوتها حتى تنتبه لحديثها معه، رفعت الأخيرة رأسها لتنظر نحوه بجمود، رمقها بنظرة ذات مغزى فهمتها في صمت، أخفضت رأسها وحدقت في الضابط لتقول له بصوتٍ أجوف بارد:
-كل حاجة خلصت يا باشا.
تضاعفت الهواجس لدى "تميم" من أسلوبها الغريب، وتأهب في جلسته أكثر، ليست تلك الجالسة أمامه هي نفس الشابة المندفعة المنفعلة التي ناطحته الرأس بالرأس، وتجرأت ذات ليلة وصفعته أمام دكانه بكل وقاحةٍ. كانت مستكينة، مستسلمة لأمرها، منقادة لمصيرها وكأنها فتاة ضعيفة لا تملك حق القرار، استراب في أمرها وتضاعفت هواجسه، لذا تقدم نحوها بجذعه وسألها مباشرة دون أن يهتم بتبعات قوله الصريح:
-في حد أجبرك تتنازلي عن المحضر؟
تطلعت إليه "فيروزة" بتلك النظرات الميتة، شعرت بالحنق يستعر بداخلها من سؤاله المستفز، أبكل تلك البساطة يدعي براءته وهو من يقف وراء كسرها؟ يالدنائته وخسته! تقلصت تعبيراتها وازدادت وجومًا، حتى بشرتها الشاحبة تشبعت بحمرة غاضبة وكأنها ستشتعل، ارتجف "خليل" من سؤال "تميم" المفاجئ، وخشي من تهور ابنة أخته، فهي دومًا تفسد الأمور قبل اكتمالها، فعلى الفور تدخل وهتف نافيًا:
-أجبرها إيه بس يا معلم "تميم"، هي لاقت الموضوع آ....
قاطعه "تميم" بخشونةٍ ونظراته القاتمة مسلطة عليه:
-اديها فرصة تتكلم.
هز رأسه مستجيبًا له، لكن ضغطات أصابعه القاسية على عظامها كانت كفيلة بإيقاظ آلامها وتنشيط ذاكرتها بمشهد الأمس الدامي، تأوهت بصوتٍ خفيض، وأجابت وهي تشيح بوجهها:
-لأ مافيش
أجابةٍ لم يستسغها "تميم" بالمرة، ما زال إحساسه يخبره بوجود شيء مريب، حملق في وجه "خليل" المتولي دور المصلح الاجتماعي حين قال من جديد:
-بيتهيألي كده احنا عدانا العيب وزيادة، نقدر نمشي يا حضرت الظابط؟
جاوبه برسميةٍ وهو يشعل سيجارته:
-أيوه، هنقفل باقي الإجراءات
أضــاف المحامي بابتسامةٍ عملية وهو يمد يده ببضعة أوراقٍ:
-والأستاذ "تميم" هيتنازل برضوه عن المحضر بتاعه.
تناولها منه "وجدي" معلقًا في استحسان:
-تمام.
........................................................................
كان الأمر محيرًا، مزعجًا، مثيرًا للتساؤلات، ورأسه ليس بالمكان الخاوي ليمتلأ بما يخصها، انتظر على أحر من الجمر انتهاء ما يخصه من إجراءات ليهرع ورائها تاركًا "ناجي" والمحامي يكملان الباقي، وراجيًا في نفسه ألا تكون قد ابتعدت كثيرًا، تنفس الصعداء حينما رأها لا تزال واقفة بجوار خالها على مقربة من القسم، والأخير يتحدث معها وهي غير منتبهة له، تردد في التقدم نحوها وسؤالها مباشرة في حضوره، ولحسن الحظ ابتعد "خليل" عنها ليتجه نحو كشكٍ قريب يبتاع منه شيء ما، استغل الفرصة وأسرع في خطاه ليجذبها بقبضته من ذراعها ويسحبها عنوة بالقرب من شجرة عريضة عند الناصية، تفاجأت من جرأته وجره لها بذلك الشكل السافر والمتحكم، نفضت ذراعها بقوة لتتحرر منه، ورمقته بنظرة نارية يكاد يجزم أنها يراها من خلف نظارتها، تراجع خطوة عنها وسألها دون مراوغة:
-غيرتي رأيك ليه؟
التوت شفتاها ببسمة متهكمة، وهزت رأسها في سخرية قبل أن ترد متسائلة بصوت من أصابه السأم:
-يعني مش عارف؟
تطلع إليها بنظراته المستريبة، كانت مستفزة لأبعد الحدود، تستثير إدراكه وحواسه بشكلٍ جنوني وكأنها طاغية تعرف كيف تذبذبه، هتف يسألها من بين أسنانه المضغوطة وهو يبذل قصارى جهده ليضبط انفعالاته:
-فيكي إيه متغير؟
لم تتحمل نكرانه الكاذب فانتزعت عن عينيها نظراتها لتكشف له عن الكدمات التي تحتل وجهها، صاحت به بهياجٍ غير عابئة بنبرتها التي ارتفعت:
-بص وإنت تعرف كويس!
اهتز كيانه بشكلٍ لم يتوقعه حين رأى علامات العنف ظاهرة على قسماتها، وذاك فقط ما كشفت عنه، لكن الباقي مخبأ أسفل ثيابها، ضاقت حدقتاه في ضيقٍ واستنكار، وسألها:
-إيه ده؟ حصلك من إيه؟
كادت أن تضحك بمرارةٍ من سؤاله السخيف، أيهزأ بها حقًا ويدعي براءته؟ اكتفت بالنظر باحتقارٍ له قبل أن تولية ظهرها وتعود إلى خالها قاصدة تجاهله، لم يغضب منها "تميم"، بل شعر بإحساسٍ متعاظم بالذنب نحوها، وإن لم يعلم تفاصيل الأمور بعد، لكن كلماتها المقتضبة مع نظراتها اللائمة أوحت له بتورطه في إيذائها بذلك الشكل العنيف والسافر، سحب نفسًا عميقًا حبسه في صدره المتأجج ولفظه على مهلٍ، كانت نظراته تتبعها حتى اختفت عند الزاوية، لكنه التفت كالملسوع فجأة وقد صــاح "خليل" عاليًا بذلك الأسلوب الرخيص المستجدي العطف والشفقة:
-بالله عليك يا باشا تخليهم يرجعوا فلوسي، أنا عملت كل اللي طلبوه مني بالحرف الواحد، ودلوقتي مافيش محاضر ولا نيابات ولا غيره.
في البداية ارتبك من وجوده، فكامل تركيزه كان مع ابنة أخته، وبالتالي حضوره باغته، تدارك نفسه، ورمقه بنظرة غريبة وهو يسأله مستوضحًا:
-فلوس إيه؟ أنا مش فاهم حاجة منك!!
أجابه بأنفاسٍ لاهثة وهو يحاول استدعاء دموع التماسيح ليبكي أمامه:
-فلوسي اللي خدوها غصب عني يا معلم، هاروح في داهية وأنا عندي عيال..
لم يستوعب شكواه الغريبة، لكن ما لبث أن اتضحت الأمور أكثر حين أضاف بصوته المتهدج:
-أنا خليتها تحت طوعكم، وقطمت رقبتها وكنت مستعد أموتها عشان ترضى عني!
حدق فيه مدهوشًا بما أملاه على مسامعه، وبدأت ملامحه تقسو تدريجيًا، توتر "خليل" من صمته وظن أنه سيتراجع عن وعده، لهذا ألح عليه:
-رد عليا يا معلم "تميم"، ماتسبنيش كده!
تفقه ذهنه الآن لما حدث، وإن لم يعرف بالضبط كيف تم إجبار "فيروزة" على التنازل، تركه يتوسله باستماتة وسـار بخطواتٍ أقرب للركض عائدًا إلى رفيقه "ناجي"، لحق به "خليل" صائحًا باستعطافٍ أشد:
-بالله عليك ترجعلي الفلوس، هاروح في داهية.
كانت صوته عاليًا بالقدر الكافي الذي جعل "ناجي" يسمعه وهو يبتسم بسماجةٍ غير منتبه للوجه الذي اربد بغضبه المحموم والمقبل عليه مندفعًا، توقف عن الهرولة ليتلقط أنفاسه، ثم استأنف رجائه:
-ده مال ناس يا خوانا، وربنا المعبود ما فلوسي!
انتصب "ناجي" في وقفته، ونظر له بتسلية قبل أن يقول في تفاخرٍ وزهو:
-شكلك اتعلمت درسك كويس يا "خليل".
أومأ برأسه قائلاً بتلهفٍ:
-أيوه، اتعلمته، هترجعلي الفلوس؟
نظر "تميم" بحنقٍ إلى "ناجي" الذي بدا في أوجه وهو يحذر:
-وتاني مرة محدش يقول للغولة عينك حمرة.
ضجر من موقفه الأبله وسأله بعصبيةٍ بدت ملموسة في صوته:
-في إيه يا "ناجي"، فلوس إيه دي؟
تنحنح قائلاً برجفةٍ طفيفة دون أن تخبو بسمته اللزجة:
-احم.. أنا عارف هو بيتكلم عن إيه..
مال ناحيته ليهمس له:
-وبعدين مش أنا وعدتك هاحل الموضوع على طريقتي، اطمن، كله تمام!
نظر "خليل" في توتر ممزوجٍ بالخوف إلى الاثنين، خاف من تراجع أحداهما عن إعادة الأموال له، فتساءل الفزع متعمقٍ فيه:
-يا معلمين ريحوني، هترجعوا الفلوس؟
لوح له "ناجي" بكف يده وهو يقول:
-خلاص، اطمن، ارجع على بيتك والأمانة هتلاقيها هناك.
أحس بقليل من الارتياح يغمره، اندفع كالمغيب نحو "فيروزة" التي راقبت توسلات خالها من على بعد ووجهها يعبر عن سخط غير محدود، جذبها من يدها بقساوة وهو يأمرها:
-يالا يا بت، تعالي معايا، هنرجع البيت
تلك المرة رفضت الاستجابة له وأزاحت يده عنها وهي تقول بحدةٍ:
-معلش كده
تقدمت بثباتٍ نحو "تميم" تناديه بصوت يلهث من الانفعال:
-ثانية واحدة يا معلم ...
استدار نحوها من ندائها الذي استرعى انتباهه وقد حلت الدهشة على خلجات وجهه، وقفت قبالته تنظر له بعينين تنطقان بالغضب، وقالت بنبرتها المتهدجة وهي بالكاد تسيطر على ثورتها الهائجة بداخلها:
-كده إنت خدت حقك وزيادة، بس حقي أنا .. لسه!
ضاقت نظراتها نحوه، كان مشدوهًا بحديثها، مأخوذًا بعينيها المليئتين بالشجن، ما زال يحاول جمع قطع الأحجية ليفسر كيف ومتى تم إنجاز الأمر بسلاسة، نفذ صوتها المنكسر إلى قلبه كالخنجر الحاد حين همست بألمٍ عميق:
-ومش مسمحاك فيه!
أحس بزلزال يعصف به، بانهيارٍ لشيء كان مترسخ به، وكأن كلماتها قد أحدثت الشرخ المطلوب. تنفست "فيروزة" مطولاً لتكبح نوبة البكاء التي تهاجمها الآن، لن تنهار أمامه! استقامت في وقفتها وتوعدته بنبرة لا تعرف الغفران:
-وهايجي يوم وهاردهولك.
نظر لها بفمٍ مفتوح وعيناه تتطلعان إليها في حيرة، لم يلومها أو حتى يبادلها الكراهية، كان مأخوذًا بالتحول السريع في طباعها، لكنه كان واثقًا أن الفتاة المتهورة قد عادت إلى طبيعتها التي يعهدها. استطاع "تميم" أن يلمح خالها وهو يخطو بعصبية نحوها، تأوهت "فيروزة" من الألم وقد أمسك بها من كتفها بشراسةٍ ليديرها إليه، رفع كفه للأعلى يعنفها ونناويًا صفعها علنًا:
-إنتي مش هتتلمي أبدًا.
وقبل أن تطال يدها وجهها المتألم، كانت قبضة "تميم" تمسك بمعصمه، أبعد ذراعه وهو يهدر به بصوت اخشوشن بقسوةٍ:
-إيدك عنها!
ارتجف من نظراته النارية وهيئته المتحفزة التي أنذرته بعدم المساس بها دون أن يتفوه بذلك الأمر المنطوق، أخفض "خليل" ذراعه وهز رأسه بخنوعٍ قائلاً:
-خلاص يا معلم، احنا ماشين..
وبحذرٍ واضح أشـار لابنة أخته لتسير معه، وبقي يختلس النظرات ناحية "تميم" الذي كان مستعدًا للانقضاض عليه في أي لحظة دفاعًا عنها .. نظرة أخيرة حزينة حانت بها "فيروزة" نحوه أوغرت صدره أكثر، ابتعدت بالفعل لكن بقيت كلماتها ترن في أذنيه لتشعره أن انتصاره في معركتهما القصيرة لم يكن نزيهًا أو حتى بالتراضي ............................................ !!
.....................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم Manal Salem
الفصل التاسع عشر (الجزء الثاني)
بمجرد أن وطــأت قدماه المدخل حتى هرول قفزًا على الدرجات ليصعد إلى منزله، والتلهف يقتله ليتأكد من عودة النقود المسروقة إليه، لم يهتم بـ "فيروزة" التي كانت تطالعه بحقدٍ أكبر، أو حتى أظهر ندمًا زائفًا لما فعله بها، لم يكن يعنيه سوى نفسه فقط، وليحترق البقية. أخرج "خليل" المفتاح من جيبه ودسه في قفله، فتح الباب على مصراعيه، وبنظرات يملأوها القلق صاح عاليًا:
-يا "حمدية"، إنتي يا ولية.
أتته الأخيرة تمشي بتمهلٍ وكسل، نظرت له بعبوسٍ قبل أن ترد:
-في إيه يا "خليل"؟ بتجعر كده ليه على الصبح؟
سألها بأنفاس متلهفة:
-محدش خبط عليكي ولا ....
قاطعته بوجهها الجامد وهي تشير بيدها نحو مقعدٍ منزوٍ بجوار مرآة طولية تحتل الركن الأيمن من الصالة:
-أيوه، في واحد شكله مش ولابد كده سابلك الشنطة دي يا "خليل".
مر ركضًا بجوارها نحو المقعد، والتقط الحقيبة الجلدية بيده، ألقى نظرة سريعة على مافيها، ارتسمت تعابير الارتياح على ملامحه، زفيرٌ بطيٌ خرج من جوفه قبل أن ينطق:
-الحمدلله، الفلوس رجعت، كنت هاروح في داهية.
رددت مستفهمةٍ وقد دنت منه:
-هي دي فلوس الشغل اللي قولتلي عليها.
هز رأسه بالإيجاب وهو يرد:
-أيوه يا "حمدية"، دي مرتبات الموظفين...
ابتسامة عريضة احتلت وجهه ليكمل بعدها وهو يهم بالتحرك:
-بس خلاص كله تمام، دلوقتي أطير أسلمها وأخلي مسئوليتي.
أوقفته من ذراعه وسألته بضيقٍ ظاهر عليها قبل أن يتركها هكذا بين فضولها المتزايد:
-استنى بس وفهمني جوم إزاي وعملت إيه و...
قاطعها نافضًا قبضته عنه ليرد بنفاذ صبر:
-خلاص يا ولية، حلي عن نافوخي دلوقتي، أنا مش فاضيلك.
أصرت على عدم تركه، وأسرعت في خطاها لتغلق الباب، وقفت قبالته تسد عليه السكة، وهتفت بعنادٍ أزعجه:
-لأ مش هاسيبك، هو أنا في الحزن مدعية والفرح منسية!!!
نفخ في استياءٍ وهو يعقب عليها:
-يا ولية بأقولك دي فلوس الشغل.
كتفت ساعديها أمام صدرها، ونظرت له غير مبالية لتضيف بعدها بإلحاح:
-قولي الحكاية من طأطأ لسلامو عليكم الأول، عملت إيه في القسم، والفلوس دي رجعت إزاي.
تأكد "خليل" أن زوجته لن تتركه يخرج من المنزل دون أن تقف على أساس الموضوع، لذا أوجز معها وأخبرها بالعناوين العريضة لما دار في الساعات الماضية، هزت رأسها في استحسان حين سألها:
-ها ارتحتي كده؟
ابتسامة باردة تشكلت على شفتيها وهي ترد:
-ايوه.
نهرها بحدةٍ بائنة:
-طب أوعي من سكتي.
اعترضت طريقه مشيرة بكفها بعد أن حلت مرفقيها:
-اسمع بس، ما جايز ابن المعلم "بدير" يستقصدك تاني، هو إنت ضامنه
استرعت انتباهه بجملتها المثيرة للقلق، واستطرد يقول:
-مش فاهمك، قصدك إيه يعني؟
أوضحت برويةٍ وقد لمعت عيناها بخبثها المعتاد:
-اللي زي ده نابه أزرق، ورد سجون، ومايعرفش يامه ارحميني.
نظر لها بتأففٍ، وقال:
-يا ولية احنا قفلنا اللي بينا خلاص، معدتش في حاجة، لا مصالح ولا خناقات.
وكأنه أضاء عقلها الشيطاني بكلماته الأخيرة، فلمعت فكرة جهنمية في طيات عقلها، تحفزت هاتفة بنزقٍ وقد زاد اتساع بسمتها الماكرة: ف
-تصدق، احنا ممكن نعمل مصلحتنا من الحكاية دي.
التوت زاوية فمه بابتسامة استجهان، وسألها باستخفافٍ استشعرته في نبرته:
-إزاي
تغنجت "حمدية" بكتفيها، وســارت مبتعدة عن الباب لتقول له بأسلوبها البارع الذي تنجح به في استدراجه إليها:
-بس هتمشي ورا كلامي الأول؟
وقع "خليل" في شباكها بكل سذاجة، والتفت نحوها يرد:
-أوزنه وأشوف إن كان ينفع ولا لأ
قهقهت ضاحكة كنوعٍ من التعبير عن تفاخرها بأفكارها الجهنمية، ثم انتقت أقرب أريكة لتجلس عليها واضعة ساقها فوق الأخرى، غاصت في مقعدها وصاحت مزهوة بنفسها:
-ده أنا حلولي هتأكلنا الشهد وتطلعنا في العلالي.
أسند زوجها الحقيبة في حجره بعد أن جلس إلى جوارها، ركز كامل حواسه معها، وهتف كمن يسيل اللعاب من فمه:
-ها، قولي يا فالحة، أنا سامعك.
.................................................................
سحبه من معصمه بشكلٍ غريب محكمًا أصابعه الغليظة عليه بعد أن ابتعدا عن قسم الشرطة، وكأنه لا يريد إفلاته أبدًا إلى أن وصــل به إلى دكانه، هناك دفعه بقساوةٍ وعنف من جسده نحو الأقفاص المهملة بالداخل، استغرب المتواجدون بالمكان من ردة فعله الهائجة، ولكن لم يتدخل أحد. كاد توازن "ناجي" أن يختل من أثر الدفعة القوية لولا أن استند بيده على المكتب الخشبي، اعتدل في وقفته لكنه انتفض مذعورًا وقد أشهر "تميم" مديته التي يقطع بها ثمار الفاكهة في وجهه، أمسكه الأخير من تلابيبه بعد أن انقض عليه، ثم دفعه مجددًا نحو الحائط ليحاصر صدره بذراعه، ثم وضع النصل الحاد على عنقه يريد نحره، ارتجف "ناجي" من تصرفه الخطير، وهتف بصوته المهزوز يرجوه:
-إنت.. بتعمل إيه بس؟ اعقل كده يا "تميم".
هدر به بجنونٍ شديد وقد اربد وجهه بغضبٍ لا حصر له:
-ده اللي قولتلي هاتصرف فيه وأعمله؟
توسله برجاءٍ ونبرته ما زالت مرتعشة:
-اهدى بس، ده أنا صاحبك.
لكزه بعنفٍ في صدره قاصدًا إيلامه، وواصل صراخه المنفعل به:
-قولتلك حلها بالعقل، مش بالبلطجة وضرب الحريم!
أنكر تورطه في إيذاء "فيروزة" قائلاً:
-وأنا مجتش جمبها، ولا حد من رجلتي، كان الحوار كله مع خالها.
استفزه بقوله وشعر بدمائه المحتقنة تندفع بقوة إلى رأسه المشتعل، وما زاد من وهج غضبه تجسد وجه "فيروزة" المتورم في مخيلته ليفقده عقلانيته، لكزه بقسوة أكبر وضغط على صدره ليزيد من إحساسه بالوجع، ثم هدر به صارخًا والنصل يهتز بين أصابعه:
-أومال اللي خالها عملوا فيها ده تسميه إيه؟
ارتعد "ناجي" من عصبيته البائنة، ازدرد ريقه وردد مستنكرًا ومحاولاً في نفس الآن تبرئة ساحته:
-وأنا كنت هاعرف منين إنه هيعجنها؟ قولت هايتكلم كلمتين بالعقل معاها ويقنعها بالهدوء.
حدجه بنظرة مميتة كأنه يريد الفتك به، ورد عليه باستهجانٍ ساخط:
-يا سلام، يا برودة دمك يا أخي! إنت أغبى خلق الله.
لعق "ناجي" شفتيه قبل أن يضيف بحذرٍ:
-أنا غرضي كان أقرص ودن الراجل وبس.
طاقة من الغضب نفذت من عينيه إليه، ثم رد عليه في تهكمٍ صارخ:
-يا شيخ، بإنك تسرق الراجل وتلبسهالي أنا؟!
تدخل "محرز" قبل أن تسوء الأمور، وحاول إبعاد "تميم" من كتفيه ليخلص "ناجي" من براثنه وهو يرجوه:
-خلاص يا "تميم"، كل حاجة هتتحل، هدي أعصابك.
نفض الأخير كتفيه عنه وتراجع بضعة خطوات للخلف، لكن ظلت مديته في يده .. تنفس "ناجي" الصعداء لتخلصه من عنف وتعسف رفيقه، تحسس بيده عنقه الذي جرح قليلاً، نظر إلى خط الدماء المطبوع على أصابعه بصدمةٍ، كان بالفعل مهددًا منه، انتفض واكتسى وجهه بعلامات الرعب من جديد حين تقدم "هيثم" نحوه يقول بصوتٍ ميت:
-لو عاوزني أدخل يا ابن خالتي فأنا جاهز، خلي الطلعة دي عندي!
استدار "تميم" نحوه، ورمقه بنظرة صارمة من عينيه المحتقنتين، لم يحبذ مطلقًا اللجوء للغير لفض نزاعاته الذكورية، يكفيه محاولة واحدة فاشلة تورط فيها وجرت عليه مصائب أخرى، قست تعابيره وقال له ملوحًا بذراعه:
-لا سيدي، مش عاوز خدمات من حد.
احتدت نظرات "هيثم" من أسلوبه الجاف معه، وتجهمت قسماته وهو يعاود التراجع للخلف، ي حين راقب "بدير" ردات فعل ابنه بحذرٍ، وبثباتٍ وتؤدة تقدم نحوه ليقف بجسده الشامخ بين الاثنين المتلاحمين، وزع نظراته بينهما قبل أن يقول بصوته الأجش:
-اعتبره موضوع وراح لحاله.
نظرة مستنكرة كست عينا "تميم" بعد تلك الجملة، ازداد حنقه، وهتف محتجًا وعروقه النابضة قد اشتدت بشكلٍ أكبر:
-يابا لأ، كده حرام، واللي حصل مع البت دي كان بسببي في المرتين، حتى لو مكونتش أعرف، أنا اللي محقوقلها دلوقتي.
وقبل أن ينطق والده بكلمة بادر "ناجي" مبررًا عله ينجح في ضمه إلى صفه:
-يا حاج "بدير" أنا فكرت رجالتي هيحلوها ودي، هما جودوا من عندهم، دي دماغهم وده تفكيرهم.
علق عليه "تميم" وعيناه تقدحان بغضبه الشديد:
-أه طبعًا، ما إنت باعت شبيحة وولاد ليل يتصرفوا، طبيعي حلهم زيهم.
هتف "محرز" وهو يشير بيديه لكليهما:
-نهدى بس يا رجالة، وكل حاجة وليها حل.
ثم اتجه نحو "تميم" يدفعه برفقٍ من كتفه ليحثه على المشي وهو يغمغم في أذنيه بكلماته المستهلكة عله يمتص غضبته الثائرة، سحب الأول مقعدًا وأسنده خارج الدكان دون أن يستمع له، ثم جلس عليه وقد وضع سيجارة بين شفتيه، أخرج "محرز" ولاعته وأشعلها له وتلك الابتسامة اللزجة محفورة على وجهه معتقدًا في نفسه أنه خبير العائلة النفسي الناجح ذو الخبرات العريضة والتي من خلالها يُطيع الأمور المستعصية. تركزت الأعين كلها فجأة على ذاك المنادي بالصوت الراجي من بعيد:
-يا حاج "بدير"!
هب "تميم" واقفًا حينما رأى "خليل" مقبلاً عليه، بدا متحفزًا للغاية، جسده متصلب، وكتفاه مشدودان، توقف الضيف ليتلقط أنفاسه وصوته ما زال ينادي:
-حاج "بدير"، أنا واقع في عرضك.
تحرك "بدير" في اتجاهه والدهشة تحتل قسمًا كبيرًا من ملامحه، قطب جبينه مرددًا في تعجبٍ:
-"خليل"!
كاد الأخير ينحني على يده يقبلها في توسلٍ قبل أن يسحبها سريعًا ليقف بعدها في خزيٍ وهو يستميل مروءته بكلماته المستعطفة:
-بالله عليك ما تردني مكسور الخاطر.
-استغفر الله العظيم
قالها "بدير" وقد تراجع خطوتين للخلف.. حضوره المفاجئ استثار "ناجي" الذي لم يفق بعد من محاولة اعتداء رفيقه عليه، كانت فرصته ليصب غيظه المكبوت عليه، لذا خطا ناحيته يصيح به بشدة وهو ينعته بألفاظٍ مهينة:
-في إيه تاني يا ....... ؟ فلوسك مش رجعتلك، ولا جاي ترمي بلاك هنا!
رفع "بدير" يده يحذره بلهجته الصارمة:
-متدخلش يا "ناجي"!
هز رأسه بانصياعٍ وقد أُرغم على طاعته، لكن بقيت نظراته الحادة مثبتة على وجه "خليل" اللئيم، حتى "تميم" زاد شعوره بالعدائية نحوه، لم يكن مُدينًا له بشيء، بل على العكس كان يكن له غضبًا متعاظمًا، لذا هدر فيه بخشونةٍ:
-إنت جاي تعمل دور هنا ولا إيه؟
اهتز بدن "خليل" من صوته الجهوري المتعصب، وأدار رأسه لينظر في خوفٍ إلى "بدير"، وكأنه يطلب نجدته، استجاب له الأخير وهتف بلهجته الصارمة الرافضة للجدال:
-ماسمعش نفس حد هنا، هو أنا مش مالي عينكم؟!
قال "تميم" على مضضٍ وهو يكور قبضة يده:
-اتفضل يابا.
استقام "بدير" في وقفته المهيبة، وتطلع من جديد إلى "خليل" بنظراته المتفرسة قبل أن يسأله بهدوءٍ وروية:
-عاوز إيه؟
اختلس "خليل" النظرات نحو الأوجه الحانقة المتطلعة إليه، وابتلع ريقه قائلاً بصوتٍ خفيض يميل للانكسار:
-حاج "بدير"، أنا.. كنت آ...
عَمِد إلى اقتطاع جملته ليظهر ارتعابه مما دفع "بدير" للقول بنفس اللهجة النافذة:
-اتكلم متخافش، محدش هيعملك حاجة!
وكأنه اكتسب حماية مطلقة بتصريحه العلني، تشجع في وقفته وانتصب كتفاه قليلاً، ثم قال بنبرة تعبر عن تعاسة واضحة متعمدًا أن ينظر إلى موضع قدميه:
-يا حاج، احنا ناس غلابة، جيران من زمان وإنت عارفنا أبًا عن جد، وطول عمرنا ماشيين جمب الحيط، ومالناش دعوة بحد
أومأ برأسه يرد عليه ويداه قد ارتكزتا على رأس عكازه:
-مظبوط.
ابتلع ريقه بعد أن استجمع جأشه قليلاً ليمضي في حديثه قائلاً:
-البت مقصوفة الرقبة بنت أختي مكانتش تعرف هي بتعادي مين، وأنا رجعتلها عقلها، وندمت على هبلها، بس آ...
بتر عبارته من جديد ليستثير فضوله، فهتف "بدير" يسأله:
-قول.. في إيه؟
كانت كل الآذان تصغي إلى ما يقوله بالرغم من مشاعر الكراهية والحنق التي تملأ الأجواء، ومع هذا حافظ "خليل" على قناع الوجه المنكسر الذي يرتديه مستمتعًا بترقبهم، حانت فرصته الثمينة ليغتنمها، تلك الفرصة التي لا تأتي في العمر مرتين، أخفض رأسه ليظهر خذلانه، وقال بنبرة أقرب للتسول واستجداء الإحسان:
-هي كانت بتساعد أمها وأختها من القرشين اللي بيطلعولها من العربية، ما هما أصلهم يتامى ومكسورين الجناح، وأنا زي ما إنت عارف موظف ومرتبي على أدي، يدوب مكفي بيه الجماعة بتوعي والعيال اللي مصاريفهم ما بتخلصش، وبعد اللي حصل ده، والخراب اللي جه علينا، فـ ... فيعني آ...
فطن "تميم" لأسلوبه الملتوي لطلب المساعدة، فقال بنزقٍ:
-أنا عرضت عليها تعويض، وهي موافقتش!
تفاجأ الحضور بما فعله في الخفاء ونظروا إليه في حيرة واستغراب، لكن كان "خليل" الأكثر صدمة بينهم، همس لنفسه في غيظٍ:
-آه يا بنت الكلب، ومقولتيش!
حاول أن يحافظ على انكسار نظراته وذبول صوته وهو يكمل:
-كتر خيرك يا معلم "تميم"، أصل احنا نفسنا عزيزة، وآ.. ومانقبلش ناخد فلوس كده من غير ما نتعب فيها.
زجره "هيثم" قائلاً بنفاذ صبر بعد أن مل من ثرثرته الطويلة:
-قول دوغري إنت عاوز إيه، ورانا أشغالنا ومش فاضينلك.
ابتلع "خليل" ريقه وهو ينظر إليه في توترٍ، عاد ليحدق في وجه "بدير" وردد بتلعثمٍ:
-حاضر..
ثم سحب شهيقًا عميقًا لفظه دفعة واحدة قبل أن يتابع بنفس اللجلجة المفتعلة:
-يعني لو.. تكلملنا يا حاج "بدير" عم "فايد" يأجرنا المحل اللي على ناصية الشارع، وتضمنا عنده بكلمتك اللي زي السيف إنه يصبر بس عليا في العربون والمقدم كام شهر لحد ما أفتحه وأسترزق منه، وبعد كده أسددله الفلوس، ما إنت كبيرنا، والحال واقف معانا، وأكيد ميرضكش قطع الأرزاق!
أسبل عينيه ليراقب ردات الفعل المرسومة على الأوجه، لكن كان جل من يهمه هو صاحب المال، نكس رأسه في تواضعٍ وهتف يرجوه وهو يشير بيده:
-واللي هتأمر بيه يا حاج فوق راسي.
مط "بدير" فمه يفكر في طلبه الغريب، ثم حسم أمره قائلاً:
-ماشي، معنديش مانع.
ذهل الحاضرون من موافقته، والتي بدت كما لو كانت قد أعدت مسبقًا، ومع هذا لم يجرؤ أحدهم على الاعتراض عليه، هلل "خليل" في سعادة غامرة:
-الله يخليك يا حاج "بدير"، ده احنا مالناش بركة اللي إنت، وأنا هامشي في الحتة كلها أقول للناس على معروفك معايا.
تابع "محرز" المشهد الهزلي المكشوف بنظراتٍ ثاقبة وابتسامة مهترئة، لم يكن ساذجًا لتلك الدرجة لتنطلي عليه تلك الحكايات المستهلكة التي يمليها عليهم "خليل"، كان أكثر إحساسًا بلؤمه، حيث قابل عشرات الأشخاص من صنفه المتغذي على الآخرين، وبالتالي لم يتعجب من تسوله السخيف، لوهلة ومض عقله بفكرة ماكرة، ربما ستساعده في تنفيذ شيء لطالما خطط له، لكنه تعثر بسبب مستجدات الأمور .. وبسماجة مصحوبة ببسمة مصطنعة هتف ملوحًا بيده:
-تسمحلي يا حاج أقول حاجة كمان
التفت "بدير" برأسه نحوه مرددًا:
-خير يا "محرز".
تنحنح بصوتٍ عالٍ، ووزع نظراته على الجميع قبل أن يستطرد:
-أنا عندي اقتراح تاني يا حاج، هيفرق معانا ومع سمعتنا في الحتة بعد اللي حصل يعني
صاح "خليل" من تلقاء نفسه:
-قطع لسان اللي يجيب سيرتكم بكلام بطال، ده إنتو ولاد أصول!
نظر له "بدير" في امتنانٍ معقبًا:
-متشكرين، ها قول يا "محرز".
دار الأخير حول الواقفين بخطواتٍ متريثة يراقب نظراتهم كلاً على حدا، وكأنه أفعى سامة تتلوى لتنتقي ضحيتها التالية، ثم أضاف:
-إنت عارف إن الناس ما بتصدق تلاقي حاجة وتعمل منها حكايات وروايات، فاحنا هنسكتهم باللي ما يخليهمش يتجرأوا يفتحوا بؤهم أبدًا
أثار فضولهم بكلماته ذات الدلالات الغامضة، وتابع بنفس الأسلوب المشوق:
-ده غير إن الكل هيتأكد إن مقام الحاج "بدير" ابن الحاج "سلطان" فوق الكل.
رد عليه "خليل" متخذًا نفس الأسلوب المدعم:
-مقام الحاج كبير طول عمره، هو حد يستجري يقول غير كده؟
حدج "تميم" الاثنين بنظراته النارية المتنمرة، وهتف يسأله بضيقٍ واضح:
-ما تقول يا "محرز" اقتراحك إيه! بلاش لف ودوران
هز رأسه بإيماءة إيجابية، ثم أدار رأسه في اتجاه "خليل" ليسأله:
-إنت بنات أختك دول متجوزين يا "خليل"؟
بدا مأخوذًا من سؤاله الغريب، وقال في ترددٍ طفيف:
-هــاه .. لأ
برقت عينا "محرز" حين قال له موضحًا:
-خلاص، يبقى محلولة، احنا عندنا عريس لواحدة فيهم.
بفمٍ مفتوح ووجهه مشدوه ردد "خليل" عاليًا:
-عريس؟!!!
.......................................................
على جمرات مشتعلة ظل يدور ويتحرك بطاقة مضاعفة في الدكان مدعيًا انشغاله بمتابعة عماله أثناء تفريغهم للثمار الطازجة وتخزينها بالثلاجة التي تحتل القسم الخلفي من المكان، حاول "تميم" إشغال نفسه وإضاعة الوقت ليلتهي عن التفكير في ذلك الاقتراح الصادم ريثما ينفرد بوالده، لكن عقله أبى الإنصات وألح عليه بهواجسه المعقدة، لم يكن ليتصور أن يحظى ابن خالته الأرعن بـ "فيروزة" إن جاء نصيبها معه وإن كان الخلاف يجمعهما، لوهلة تخيل أنها تخطب إليه ويُقترن اسمها به، شعر بمعدته تتقلص وكأن النيران قد اضطرمت في أحشائه، رفض استيعاب الفكرة ونبذها عقله بشدة، بل أحس بدمائه تفور لمجرد طرح الفكرة، حاول تهدئة نفسه وإفراغ المشاعر المكبوتة فيه بأداء الأعمال الشاقة بنفسه آملاً أن تخور طاقته المستثارة .. وما إن تحقق مراده وأصبح والده جالسًا بمفرده حتى أقبل عليه حاملاً كرسيه الخشبي في يده، أسنده إلى جواره، وسأله بصوته المتجهم:
-إنت عاجبك الكلام اللي "محرز" قاله ده يا حاج؟
ببساطة شديدة وهدوء مبالغ فيه رد عليه "بدير":
-والله مش عيب ولا حرام، هو بيتكلم بالعقل.
هتف محتجًا بشدة ونظرات الاستنكار ظاهرة عليه:
-جواز إيه ده، لأ ولـ "هيثم" كمان؟
علق بهدوئه المعتاد:
-محدش يقول للحلال لأ، وبعدين مسيره في يوم هايتجوز، وأكيد لما يلاقي نفسه شايل مسئولية بيت وعيال هيعقل.
قال معترضًا عليه ومستنكرًا استهانته بتلك المسألة المصيرية تحديدًا:
-اللي فيه طبع ما بيتغيرش يابا، متصدقش إن ابن خالتي ده حاله هينصلح.
تنهد "بدير" ناطقًا:
-أدينا بنديله فرصة.
صاح في عصبية وقد اختلج وجهه حمرة غاضبة:
-ونظلم بنات الناس معاه؟
التفت "تميم" كالملسوع فجأة حينما قال "محرز" بسماجة وقد فرض نفسه عليهما:
-إنتو بتتكلموا عن جوازة "هيثم"
هب واقفًا ليرد عليه بنظراتٍ يملأوها الإظلام:
-أيوه، أنا مش موافق على اللي قولته
رد يسأله ببروده السخيف:
-ليه بس؟ إنت تكره الخير لابن خالتك؟ ده إنتو لحم ودم!
كان "تميم" سهل الاستفزاز، سريع الغضب، وبذل أقصى ما يستطيع ليظهر هدوئه، لكن لم تتطاوعه ردات فعله .. استغرب "بدير" من حمية ابنة الزائدة، ومع ذلك قال له معللاً تشجيعه لذلك الاقتراح:
-يا ابني الجواز سترة للبنات في الأول وفي الآخر، ربنا يقدم اللي فيه الخير للجميع.
بينما أضاف عليه "محرز" متشجعًا:
-احنا مش خسرانين حاجة، مسير "هيثم" كان هايجي للحاج ويقوله عاوز أتجوز، وبعدين هما ناس غلابة وهيرضوا بأي حاجة.
اغتاظ "تميم" من تدخله وكلامه المستفز فنهره بتزمتٍ:
-بلاش تتحشر، وسيبني أخد وأدي مع أبويا!
نظر له في ضيقٍ، وقال معاندًا له:
-أنا نيتي خير، والحاج عارف إن يهمني مصلحة الكل.
وقبل أن يثور عليه مجددًا صاح "بدير" فيه منهيًا الجدال بينهما:
-خلاص يا "تميم"، كلام "محرز" موزون، وفيه الصالح.
أصــر على احتجاجه قائلاً بوجهٍ متصلب:
-مش مع "هيثم"، أنا عارف طبعه.
وقف "بدير" لتصبح نظراته نافذة له، ثم حذره بلهجته الصارمة
-وأنا الشيبة اللي على راسي دي مش من قليلة، ومش هارضى بحاجة فيها أذية لمخلوق.
لامس "محرز" بوادر أزمة وشيكة، فهتف بسماجته وهو يفتعل الضحك:
-يا عم "تميم" ده الحاج "بدير" هايبقى ضهر ليهم، هو حد يطول يناسب الجاه والنسب ده.
أدرك "تميم" أنه لن يصل لشيء في نقاشه العقيم، فقال مستسلمًا وهو يدير ظهره للاثنين ليعود للداخل:
-اعملوا اللي يريحكم.
راقبه "محرز" بعينين ثاقبتين تضمران خبثًا خفيًا، أخفض رأسه وقال بعبوسٍ زائف:
-والله يا حاج أنا غرضي مصلحة الكل
زفــر "بدير" ببطء قبل أن يرد عليه:
-أنا عارف يا "محرز"، وفاهم قلق ابني، بس عشمي في المولى كبير
عادت البسمة لتشرق على محياه من جديد وهو يعقب عليه:
-إن شاءالله مش هايحصل غير كل خير يا حاج .. ولا إيه!
برقت حدقتا "محرز" بذلك الوميض غير المريح وقد بدأت ملامح خطته المعدلة تدخل في حيز التنفيذ.
...........................................................................
صداقة ممتدة وغير معلومة جمعت بين ثلاثتهم حرصوا فيها جيدًا على إخفائها ليبدو أمام العيان كغرباءٍ يجمعهم النسب والمعرفة السطحية لا كرفقاء قدامى دمغوا أحلامهم بسبب فقرهم المدقع .. وفي ذلك المنزل المتهالك حيث يسكن "نوح" جلسوا سويًا بعد أن وضبوا ما يحتاجون إليه لتكتمل جلستهم الترفيهية..
-إنت بتورطني يا "محرز"؟ هو أنا كنت ناقص بلوى!
تساءل "هيثم" بهذه الكلمات الناقمة وهو ينفث دخان نارجيلته دفعة واحدة في الهواء ليعبق بها الغرفة شبه المعتمة، حانت منه نظرة محتدة نحو "محرز" الذي بدا في أوج هيمنته وهو يستمتع بتدخين سجائره غير البريئة، أخرج سحابة كثيفة من جوفه، واعتدل في جلسته على المقعد الجلدي المتآكل أطرافه ليقول بخبثٍ، وكأنه بذلك يحمسه على القبول:
-ياض افهم، هتطلع بسبوبة حلوة من ورا الجوازة دي.
زوى ما بين حاجبيه متسائلاً:
-إزاي؟
أجابه بلؤمٍ:
-يعني هتعرف تسحب فلوس من جوز خالتك على حس إنك متجوز وفاتح بيت ومصاريفك كتير ومش مقضية، واللي معرفتش تاخده وإنت لوحدك، هتاخده دلوقتي براحة راحتك، ومن غير ما حد يحاسبك ولا يذلك.
كركر "نوح" ضاحكًا وهو يرص حجر الفحم على ناريجيلته لتزداد توهجًا، ثم هتف يمتدح عقله الداهية:
-يخربيت شيطانك، إبليس قاعد معانا!
التفت "محرز" نحوه ليسأله في تباهٍ واضح:
-عجبتك يا "نوح"؟
هز رأسه يثني عليه في إعجابٍ:
-دمـــاغ يا "محرز"، كلنا لازم نتعلم منك، حتى الشيطان
شعر بالانتشاء من مدحه المبالغ فيه، وقال مجاملاً:
-تُشكر يا حبيبي.
ألقى "هيثم" بخرطوم النارجيلة في عصبيةٍ، وانتفض بجسده يقول مقررًا:
-وأنا مش عاوز أتجوز
مال "محرز" نحوه محاولاً إقناعه باللين:
-اسمع بس وبلاش قفش يا عمنا ..
نفخ الأخير في استياءٍ وأشاح بوجهه للجانب الآخر، لم يبدُ "محرز" من ذاك النوع اليائس المستسلم، كان مثابرًا لأقصى الحدود، سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم استند على مرفقه ليساعده على تحريك جسده المتراخي ناحيته، وما إن بدا قريبًا منه حتى مال عليه، ووسوس في أذنه ليقنعه:
-لازمًا تعمل كده، ده لو عاوز ترجع حق أبوك، دي السكة اللي هتدخل منها ليهم، ومن غير سجن ولا بهدلة أقسام، ولا حد يتحكم فيك!
نظر له على بعينيه المجهدتين، وسأله مباشرة:
-طب أنا هتنيل أتجوز، إنت بقى هتستفاد إيه؟
أراح "محرز" ظهره المتعب وأرجعه للخلف ليغوص في المقعد أكثر مستمتعًا بمذاق التبغ المطعم بذلك المخدر في جوفه، فــرد ساقه وفرك بيده -وفي حركة دائرية متعاقبة- ركبته قبل أن يجيبه بنوع من المراوغة وتلك النظرات الشيطانية الماكرة تملأ حدقتيه:
-بعدين .. كلها مصالح في الآخر.
..............................................................
وأخيرًا ابتسم الحظ له، بل فتحت الدنيا أبواب سعادتها على مصراعيها بذلك العرض غير المتوقع من "محرز"، كاد "خليل" أن يتخلى عن وقاره الزائف ويرقص طربًا في الشارع كتعبير عن فرحته الغامرة، حتى أنه اعتقد في نفسه بكونه قد بات شريكًا في أموال عائلة "سلطان" الثرية، لا يشكل أي فارق معه إن كان قريبه "هيثم" فقيرًا معدمًا أم لا، المهم أنه سيصير نسيبًا لتلك العائلة ذائعة الصيت والغنى، تبقى أمامه مهمة شاقة؛ ألا وهي إقناع إحدى الفتاتين بالارتباط به، بالطبع لم يكن ليجرؤ على مفاتحة أخته أو ابنتيه دون الرجوع أولاً لرأس الأفعى والعقل المدبر؛ "حمدية"! استشارها في تلك المسألة الحيوية، وقالت له بمكرها المعتاد:
-إنت ماتديهومش فرصة يفكروا، اعتبر رأيهم تحصيل حاصل
تطلع إليها متسائلاً:
-أقصدك أجبرهم؟
هزت برأسها مؤكدة:
-أيوه، أومال تسيبهم يقولوا أه يا لأ، وتضيع من إيدينا الفرصة دي؟ كام مرة حد بيناسب عيلة زي دول!
كان مقتنعًا بكل ما ينطق به لسانها لكونه يشجع طمعه المادي، سال لعابه ورد مؤيدًا:
-معاكي حق، أنا هالبسلهم الوش الخشب، وإياكش يولعوا.
اتسعت ابتسامتها اللئيمة وهي تقول بقلب يشتعل حقدًا وبغضًا:
-الله ينور عليك، دول ما ينفعش معاهم إلا كده.
..............................................................
ظنت أنه قد جاء لرأب الصدع مع ابنتيها، وخاصة المكلومة "فيروزة"، حين جلس يبادلها الحديث الودي وينهال على أذنيها بكلماتٍ عطوفة حانية مذكرًا إياها بصلة الرحم ورابط الدم، توسمت فيه خيرًا بسجيتها النقية غير متوقعة الشر الكامن خلف قناع اللطف الذي ارتداه .. أعدت "آمنة" كوبين من الشاي وأضافت نكهة القرنفل عليه، ثم عادت إلى أخيها، وأسندت الصينية أمامه لتجلس بعدها على مقربة منه، وبتلذذ واضح على تعابير "خليل" المسترخية بدأ يتناوله رشفة تلو الأخرى محدثًا صوتًا شبه مزعج، رفع عينيه إليها ونظر لها مليًا قبل أن يستهل حديثه قائلاً:
-شوفي يا "آمنة" الموضوع اللي جاي أكلمك فيه النهاردة ده عشان مصلحة البنات قبل أي حاجة، مهما حصل بينا فهما لحمي وعرضي
ابتسمت ترد عليه:
-طبعًا ياخويا، والضفر عمره ما يطلع من اللحم.
غاص في الأريكة وقال:
-وبما إني خالهم، والخال والد، فأنا هادور على اللي فيه الفايدة وأعمله.
شعرت بقليل من التوجس ينتابها، ومع ذلك التزمت الصمت ريثما يفرغ ما في جعبته، تنحنح "خليل" متابعًا كلامه المرتب:
-دلوقتي في عريس متقدم لواحدة من بناتك، هو محددش مين اللي عاوزها بالظبط، بس يكفيكي تعرفي إنه ابن الحسب والنسب، وهيعيشها في نعيم وعز ماكنتش تحلم بيه.
ارتفع حاجباها للأعلى في دهشة كبيرة، ورددت بفمٍ مفتوح:
-عريس!!
قال بهدوئه المريب:
-أيوه.
ابتلعت ريقها وسألته:
-مين ده؟
أجابها بزهوٍ غامض وهو ينتصب في جلسته:
-قريب الحاج "بدير".
انقبض قلبها في خوفٍ وقد لاحت مشاهد تهديدات "ونيسة" حين أتت لزيارتها في مخيلتها لتصيبها بالهلع، تشتت تفكيرها، ولطمت على صدرها في استنكارٍ قبل أن تهب واقفة لتبدي اعتراضها الكلي:
-قريبه؟ يا نصيبتي؟ واحنا إيه اللي يشبكنا مع الجماعة دول بالذات، أنا مصدقت بعدنا عنهم، وكفاية اللي حصل لبناتي!
نظر لها "خليل" في غيظٍ بعد أن أفصحت عن رأيها بصراحةٍ، ومع هذا قال ببرودٍ وقد قست تعابيره:
-بناتك اللي غلطانين من الأول، وبعدين المفروض يحمدوا ربنا إني بأصلح وراهم، مش بدل ما الحتة كلها تعادينا بسبب قرفهم؟
ردت عليه محتجة:
-هما خلاص اتعلموا من اللي حصل، وكفوا خيرهم شرهم و...
قاطعها بتزمتٍ وقد أظهر لها تشدده:
-أنا اديت للراجل كلمة ومش هارجع فيها!
سألته في لوعةٍ وعلامات الجزع تكسو وجهها:
-قصدك إيه يا "خليل"؟
نهض من مقعده ليقول بحسمٍ:
-يعني أنا وافقت على جواز واحدة فيهم لقريبه ده، ومش هارجع في كلامي مهما حصل!
لم يدرِ "خليل" أن ابنتي أخته كانتا تتلصصان على حوارهما المحتد، سيطر على الاثنتين حالة من الدهشة والصدمة المستنكرة، تبادلا مع بعضهما البعض نظرات مذعورة متوترة، لكن أبت "فيروزة" البقاء منزوية بالداخل .. فاض بها الكيل من تدخله السافر في شئون حياتهما الخاصة، بل وتقرير مصير مستقبلهما بكل هذا التعنت، لم تقبل بالخنوع أو الإذلال أكثر من ذلك، خرجت إليه مندفعة في عصبيةٍ وقد اختلج وجهها بحمرته الغاضبة، تقدمت نحوه حتى أصبحت على بعد خطوات منه، زجرته قائلة وتلك النظرات النارية تحتل حدقتيها:
-من غير ما تاخد رأينا؟
نظر لها باحتقارٍ قبل أن يرد:
-رأي إيه تاني بعد اللي هببتوته؟ ده كتر خيري إني عمل كده!
صاحت فيه "آمنة" كأنها تلومه:
-إنت كده بتبيع بناتي بالرخيص!
التفت ناحيتها برأسه ليرد ببرودٍ ساخر:
-لأ بالغالي يا ناصحة، وهما مسيرهم كان للجواز، ولا هيفضلوا كده أعدين عوانس جمبك؟
ارتفع الكدر في عيني "آمنة"، وأصابها تعاسة لا حصر لها، سارت في تخاذل لتجلس على الأريكة وقد شعر بثقلٍ في قدميها، تدخلت "همسة" في الحوار المحتدم وقالت بضيقٍ كبير:
-بس مش بالشكل ده يا خالي، ده احنا منعرفش شكله ولا بيعمل إيه ولا معاه شهادات ولا آ...
قاطعها بشبح ابتسامة ماكر لاح على زاوية شفتيه:
-كفاية إنه من طرف الحاج، هتعوزوا إيه تاني؟
وما لبث أن تحولت نبرته للإهانة وهو يكمل:
-ده إنتو شوية وهتشحتوا، بوسوا إيدكم وش وضهر إن في حد راضي بيكم!
كانت كلماته كالسوط اللاذع تهبط على أجسادهن فتحرقهن بقسوتها ومرارتها، احتجت أخته بشدةٍ وجسدها ينتفض في عصبيةٍ:
-يعني عاوزني أرمي بناتي كده في الشارع؟ يرضي مين ده يا ناس؟
أسرعت نحوها "همسة" لتهدئها وجلست على مسند الأريكة لتمسح على كتفها وجانب ذراعها في رفقٍ، بينما نظر "خليل" لأخته بعينين قاسيتين وهو يصحح لها:
-دول جيرانا من زمان، واحنا عارفينهم كويس، دلوقتي بقوا ماينفعوش ومن الشارع، هو حد يطول أصلاً يناسب عيلة "سلطان".
ردت عليه بنبرة أقل حدية لتسترق قلبه:
-على عيني وراسي الكلام ده، بس مش ده اللي اتمناه ليهم.
نفخ هاتفًا بنفاذ صبرٍ:
-بأقولكم إيه، أنا خدت قراري خلاص، واحدة فيهم هتتجوز قريب الحاج، ومافيش نقاش في الموضوع ده
هدرت فيه "فيروزة":
-ده ظلم، وإنت بتجني علينا.
قال لها وهو يتنفس أنفاس الضيق محاولاً ألا يثور حتى ينجح في مسعاه:
-ده جواز، مش حكم بالإعدام يا بت.
ردت عليه في تشنجٍ:
-لأ، أسوأ..
هتف بخبثٍ:
-ده إنتو هتستفيدوا، فتحي مخك يا غبية!
توحشت نظراتها من جملته الأخيرة التي تضمنت إيحاءً خاصًا استطاعت أن تستشف المغزى الخفي ورائه، وبكل نزقٍ قالت له وكأنها تفضحه:
-تلاقيك إنت اللي طالع منها بمصلحة!
اتسعت عيناه في حنقٍ من وقاحتها الفظة، وقبل أن يرد عليها لإخراسها بصرامته وتعسفه -البدني والمؤذي- هتفت "همسة" من الخلف بصوتٍ مرتفع تعمدت أن يصل صداه للجميع:
-أنا موافقة أتجوزه يا خالي .................................................. !!
................................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم Manal Salem
منافذ توزيع رواياتي وجميع إصدارات إبداع للترجمة والنشر والتوزيع حتى الآن:
----------------------------------------------
**لقاهرة والجيزة:
==========
- إبداع بوك ستور ١٠ ش هدى شعراوي بجوار مطعم كوك دور وسط البلد القاهرة ٠٢٢٣٩٠٩١١٩ او ٠١٠٠١٦٣١١٧٣
مكتبات ديوان:
- ديوان الزمالك _ شارع 26 يولو
- ديوان المعادي _ دجلة
- ديوان تيفولي دوم _ الشيخ زايد اكتوبر
- ديوان مصر الجديدة _ شارع أبو بكر الصديق هيليوبليس
................
- مكتبة تنمية بالعادي خلف كارفور
- مكتبة الفرجاني: مصر الجديدة
- مكتبة مبتدأ: وسط البلد شارع القاضي الفاضل من صبري أبو علم بجوار فودافون.
- مكتبة مدبولي: التجمع الخامس مول سفن ستارز أمام المحكمة.
- مكتبة مدبولي الشيخ زايد بيفرلي هيلز ويست سكوير مول بجوار كارفور الدور الأرضي.
- مكتبة مدبولي مول طيبة مدينة نصر الدور الأرضي داخل المول.
- مكتبة الأزهري ٢٥ ش التحرير الدقي أمام بوابة كلية التربية النوعية.
- مكتبة الكتبجية المعادي خلف المعادي جراند مول.
- مكتبة ليلى ١٧ ش جواد حسني وسط البلد القاهرة.
***************************************
**محافظة الأسكندرية:
==========
-مكتبة عصير الكتب الاسكندرية: سموحة - شارع إسماعيل سري (التأمين الصحي) خلف مدارس سيدي جابر بنين أمام كافيه سمايل.
-دكان الكتب (ميدان سعد زغلول بمحطة الرمل) (01276315795 - 01281405526)
-حورس بوك ستور Horus Book Store (47 ش مصطفى كامل - بجوار كلية التربية الرياضية بنات - فلمنج) (01010555334)
-مكتبة بيت الكتب Bayt Alkotob
المقر الرئيسى: [جليم - ش زهران رشدى (متفرع من طريق الحرية بعد مصر للطيران من أمام بنزينة غازتك ) - بجوار مستشفي جليم و أمام بوابة الإذاعة] (03 5822660)
الفرع الثانى : تاني شارع بعد نفق كامب شيزار - ناصية الشارع كافية شحتوت و بيك أند جو - تاني مبني من الكورنيش
ت/ 035925297
-مكتبة سديم : ١٦ شارع الإقبال مدخل برج الخير أمام فيلا مدير الأمن
للتواصل : 01068217065
للتواصل موبايل او عبر واتس أب :01271185731
************************************
**محافظة المنوفية...
=============
-مكتبة ألف شارع جمال عبدالناصر شبين الكوم منوفية.
***********************************
**محافظة الغربية:
=============
- المكتبة القومية الحديثة ميدان البطرويشي طنطا.
- مكتبة إدراك طنطا.
- مكتبة إدراك المحلة الكبرى.
****************************************
**محافظة الشرقية:
============
- مكتبة عصير الكتب الزقازيق. شارع طلبة عويضة بجوار مطعم نور الشام.
- مكتبة فوزي الزقازيق شارع الصاغة.
**محافظة الدقهلية:
=============
-مكتبة عصير الكتب المنصورة:حي الجامعة.. شارع الترعة.. بجوار أهل الشام.
- مكتبة الشوبري المنصورة شارع جيهان أمام بوابة كلية التربية.
***********************************
**محافظة دمياط:
=============
- مكتبة ألفابتيكا دمياط يوجد بالمكتبة كل إصدارات الدار حتى شهر سبتمبر ٢٠١٩ فقط).
- مكتبة الوفاء دمياط الجديدة بجوار مطعم ام حسن الدور الثالث.
*************************************
**محافظة السويس:
===========
-مكتبة جيل المستقبل: السويس. ش . سعد الدين بجوار بنك الأسكندرية.
- خانة وورك سبيس السويس.
***************************************
**محافظة بني سويف:
============
- مكتبة سمرقند شارع مقبل أمام الغرفة التجارية لمحافظة بني سويف.
******************************
محافظة سوهاج:
=========
- مكتبة الصحافة سوهاج ميدان الشبان المسلمين.
*******************************
محافظة الأقصر:
=========
- مكتبة بيان الأقصر بجوار مضرب الأرز.
*********************************
ثانيًا:
منافذ التوزيع خارج جمهورية مصر العربية:
-----------------------------------------
دولة فلسطين:
========
-مكتبات سمير منصور قطاع غزة فلسطين.
- مكتبات دنديس بالخليل .
دولة ليبيا:
======
- مكتبات الفرجاني بفروعها الثلاث في طرابلس ليبيا.
دولة العراق.:
=======
وكيلنا الرسمي والوحيد لجميع إصداراتنا مكتبة أنجل لايت بغداد حي الأعظمية...
دولة تونس:
=======
-مكتبات تونس حي إنجلترا تونس العاصمة
- مكتبات دار الحضارة للنشر والتوزيع تونس العاصمة
- مكتبة الحرية المنستير...
- مكتبة الزريبي بفرعيها بتونس.
دولة المغرب:
========
جميع منافذ التوزيع بالمغرب وأهمها...
مكتبة مركز الطالب مدينة فاس المغرب
مكتبة البحيرة بني ملال.
مكتبة الرجراجي بوك ستور
مكتبة مرجانة بني ملال
مكتبة منشورات داري الحي المحمدي.
مكتبة تسهيلات الدار البيضاء حي الشريفة
وغيرهم.....
الإمارات العربية المتحدة:
===============
- مكتبات الجامعة وفروعها بدبي والإمارات
- مكتبات فيرجن الإمارات.
_ مكتبات بوردرز ومكتبات كيناكونيا.
- فروع مكتبة الإبتكار الإمارات داخل الجامعة الأمريكية ومنافذ ها.
- مكتبة المكتبة بوك شوب الإمارات.
- مكتبة بيت الكتب دبي.
الجزائر:
=====
لدي وكيلنا الحالي هناك مكتبات نوميديا للاستشارات الثقافية في أنحاء الجزائر.
سلطنة عمان:
========
- مكتبة بيروت.
- مكتبة المناهل عمان.
الأردن:
======
تتوافر جميع منشورات إبداع حتى ٢٠١٩ لدى جميع منافذ البيع في عمان الأردن وكيلنا الرئيسي هناك مكتبة دار الإسراء للنشر والتوزيع وسط البلد عمان أعلى حلواني حبيبة
و إصدارات ٢٠٢٠ في الطريق إن شاء الله.
.....................................................
ثالثًا:
منافذ التوزيع أون لاين، للتوصيل للمنازل في أي مكان:
==============================
- إبداع بوك ستور ٠٢٢٣٩٠٩١١٩ او ٠١٠٠١٦٣١١٧٣
- مكتبة نيل وفرات للشحن لكل أنحاء العالم
- موقع جملون للشحن لكل أنحاء العالم
- خدمات bookbuz للشحن
- خدمات ايبيديبوك داتا للشحن.
- سوق. كوم للشحن.
- سعادة بوك ستور الشيخ زايد للشحن والتوصيل
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم Manal Salem
الفصل العشرون
سكون مريب وحائر محمل بعشرات الأسئلة ســاد في المكان للحظاتٍ معدودة حتى يستوعب الجميع حجم المفاجأة التي حلت على رؤوسهم حين أعلنت موافقتها على الزواج من ذلك العريس المجهول الذي لم تلتقيه بعد، تطلعت "آمنة" إلى ابنتها مذهولة بعينين متحسرتين وكأنها تلومها على قبولها بعرض الزواج، تحاشت "همسة" النظر إليها حتى لا ترى نظراتها المعاتبة، ونكست رأسها، في حين احتقن وجه "فيروزة" على الأخير، وبدت كبركانٍ ثائر ينذر بانفجاره الوشيك، شعرت بدقات قلبها تتسابق لتزيد من حالتها الهائجة، بدا صوت أنفاسها المتهدجة مسموعًا، اقتربت من أختها وأمسكت بها من ذراعها لتجبرها على النظر إليها، ظلت جامدة كالصنم وكأن جسدها تخلى عن روحه .. بالطبع كان "خليل" هو الوحيد الفائز في تلك الجولة المحسومة منذ البداية، وإن جاء انتصــاره بمحض الصدفة ودون عناء، هلل بسعادة غامرة وقد انفرجت أساريره:
-على بركة الله، هاكلم الجماعة وأظبط معاهم كل حاجة وأعرفكم...
ثم ألقى نظرة سريعة على ثلاثتهن تعكس لمعان حدقتيه قبل أن يتابع:
-وإنتو جهزوا نفسكم، خلينا نفرح بقى.
لم يضف المزيد، وانصرف من المكان صافقًا الباب خلفه، حينها هتفت "آمنة" وهي تلطم على خديها:
-عملتي كده ليه يا "همسة"؟ ردي عليا
أخفضت رأسها ولم تجرؤ على النظر نحوها، في حين تابعت ندبها المصدوم:
-هو أنا قصرت معاكي في حاجة؟ بترمي نفسك في النار ليه يا ضنايا؟ حد طلب منك توافقي؟ ليه توقعينا من خالك، وهو مابيرحمش!
غطت "همسة" أذنيها بكفيها حتى لا تسمع المزيد من عباراتها اللائمة، وأطبقت على شفتيها بقوة وهي تجاهد ألا تنظر ناحيتها، نعم اتخذت قرارها في لحظة متهورة ولا تريد من أحد أن يلومها، شعرت بالألم يجتاحها، بصدرها يختنق، بالعبرات تتجمع في مقلتيها، شهقة خافتة انفلتت منها حينما قبضت "فيروزة" على رسغها وجذبتها عنوة لتسير خلفها، أدخلتها إلى غرفتهما، وأوصدت الباب خلفها، ثم هتفت تسألها بكل ما يعتريها من غضب، وحنق:
-إنتي اتجننتي يا "همسة"؟
نظرت لها في حزنٍ، وحافظت على صمتها الاضطراري حتى لا تفصح عن أسبابها، لم تقبل "فيروزة" بسكوتها، فهزتها بعنف وهي تواصل صراخها بها:
-إزاي توفقي على العريس ده؟ هو إنتي تعرفيه أصلاً؟ اتكلمي يا "همسة"، فهميني!
نفضت قبضتيها عنها، وردت بحدةٍ وهي توليها ظهرها لتتجنب نظراتها المحتدة:
-أهوو اللي حصل.
دارت حولها لتغدو في مواجهتها، وقالت بتهكمٍ:
-أكيد مخك جراله حاجة، ما هو دي مش تصرفات ناس عاقلين.
سحبت "همسة" شهيقًا عميقًا تخفف به الغصة التي تعصف بحلقها، وردت في مرارةٍ:
-ده أحسن حل يريح الكل.
نهرتها بقسوة:
-محدش طلب منك تعملي كده، مش أي حاجة خالك يقولها نوافق عليها، ده مستقبلك يا "همسة"!
نظرة حذرة رمقتها بها قبل أن تجلس على طرف الفراش، تحركت "فيروزة" لتقف من جديد أمامها، واستأنفت هجومها الشرس عليها علها تفيق من أوهامها:
-إني بترمي نفسك في النار مع ناس مابيرحموش، إنتي شوفتي بنفسك عملوا فيا إيه، وأنا مش هاستناكي تضيعي، مش هاسمح بده لو فيها موتي..
غامت عينا "همسة" وهي تحدق بها، اقتحم مخيلتها المشاهد العنيفة والمؤلمة التي تعرضت كلتاهما لها، لن تسمح بتكرار ذلك الأذى الدامي مهما كلفها الأمر، نفضت ذكراهم عن عقلها وحاولت جمع سعادة غير موجودة لتقول بابتسامة باهتة:
-يا ستي أنا مبسوطة، خالك قال إنه عريس كويس، وأهله معروفين في المنطقة، يعني فرصة حلوة ماتترفضش
رفت على شفتيها ابتسامة ساخطة مستهزأة قبل أن تتلاشى لتعاود تعنيفها:
-إنتي مستوعبة اللي بتقوليه؟ عاوزة تقنعيني بحاجة إنتي أصلاً مش مصدقاها!!
وفجأة هتف بنبرة عازمة وقد قست تعابيرها:
-أنا هاطلع أقول لخالك إني رفضتي.
هبت واقفة لتمسك بها من ذراعها، وتوسلتها:
-لأ يا "فيروزة"، ده قراري ومش هارجع فيه.
هتفت بها بنبرة أقرب للصراخ:
-ليه؟ فهميني؟
قالت بألمٍ وقد ارتخت قبضتها عنها:
-أهوو كده وخلاص.
أمسكت بها "فيروزة" من كتفها، وتطلعت إليها في قوةٍ قائلة لها:
-والله؟ من غير أي سبب، يبقى إنتي مش في وعيك وأنا هاتصرف!
همت بالتحرك لكن اعترضت "همسة" طريقها ورجتها من جديد:
-استني يا "فيروزة"!
قالت معاندة طلبها:
-لأ، مش هاستنى، ولو إنتي مش صعبان عليكي نفسك فأنا مش هاسيبك تضحي بنفسك حتى لو عشانا
هتفت بإصرارٍ:
-ماتضغطيش عليا يا "فيروزة"، أنا مش هارجع في كلامي مهما حصل.
ردت عليها في عندٍ أشد منها:
-إنتي مش واعية للي بتعمليه، محتاجة حد يفوقك و...
لم تكن "همسة" مثلها قوية الشكيمة، بل أضعف ما يكون لتتحمل مثل تلك الضغوطات المعاتبة، لذا انفجرت تبكي في صراخ لتبوح بما يجيش في صدرها:
-وأنا مش هاستحمل أشوف خالك بيمد إيده تاني عليكي أو عليا، وأمك واقفة بينا مش عارفة تعمل إيه، أيوه أنا وافقت أتجوز عشان ألاقي سند لينا، احنا طول عمرنا لوحدنا، خالك عمره ما هيكون الحماية ولا الأمان، ومع أول مشكلة هيدوس علينا زي الغرب.
تفاجأت بانهيارها، وضمتها إليها بقوةٍ لتحتويها حتى تهدأ، ثم مسحت على ظهرها بلطفٍ وقالت:
-واحنا مش محتاجين حد، احنا جمب بعض وسند لبعض!
ردت عليها بصوتٍ مهتز وهي تحاول السيطرة على نوبة بكائها:
-أنا عارفة.. وبعدين خلينا نفرح، أنا عاوزة أتجوز، ودي فرصة كويسة، وبعدين كلها كام شهر وربنا يكرمني بعيال تبقي إنتي خالتهم.
بدت "فيروزة" غير مقتنعة بالمبررات الواهية التي تملأ بها مسامعها، كانت متأكدة أنها تختلق تلك الأعذار لتخفي معاناتها حتى وإن عاشت حبيسة تعاستها الأبدية.
............................................................
طرق بخفةٍ على باب غرفته قبل أن يفتحه ويطل برأسه عليه ليتأكد من استيقاظه، ابتسم قليلاً حينما وجد "تميم" جده جالسًا على مقعده الوثير بجوار النافذة، والمصحف الشريف بين يديه يقرأ فيه بصوته الخفيض، دخل بهدوءٍ وأغلق الباب من ورائه، ثم تحرك صوبه وجلس عند قدميه ليستمع إلى ترتيله العذب، شعر بالسكينة تتغلل جوارحه، لحظات من الاطمئنان والدفء غمرت كامل جسده وأوقفت تدفق الأفكار المزعجة في رأسه، بدا في حالة استرخاء وراحة تمنى أن تطول فلا يعود للواقع القاسي. دقائق أخرى قضاها في حالة خشوعٍ وإنصات حتى أنهى "سلطان" القراءة وأغلق المصحف ليقبله ويتمسح بجبينه عليه قبل أن يضعه على الطاولة، أخفض نظراته إلى حفيده، وسأله بصوته الهادئ:
-إنت كويس يا "تميم"؟
أجابه بعد تنهيدة مطولة مهمومة:
-لأ يا جدي.
سأله بتأنٍ:
-مالك؟
أجابه ببساطةٍ وكأنه بذلك يفرج عن مكنونات صدره:
-مخنوق.
دقق النظر فيه، وقال مباشرة:
-مراتك مزعلاك؟
أجابه نافيًا وقد بادر بالثناء عليها:
-لأ بالعكس، دي قايدة صوابعها العشرة ليا، بتعمل كل حاجة وأي حاجة عشان ترضيني.
رد عليه يدعو لها:
-ربنا يباركلك فيها، أومال في إيه؟
جاوبه باختناقٍ ووجهه يعكس حزنًا غريبًا:
-حاسس إني متكتف، مش عارف أتصرف.
تركزت عيناه معه، وسأله مستوضحًا:
-وده من إيه؟ أبوك كان قالي إنك حليتم المشاكل إياها، في حاجة جدت تاني؟
رد بالنفي:
-لأ.
-طب في إيه؟
أجاب بعد زفيرٍ طويل وبطيء:
-"هيثم" ابن خالتي هيتجوز.
وكأنه شعر بصعوبة الكلمات واختناقها وهي تخرج من جوفه، فسأله بتريثٍ عله يفهم ما يدور في رأسه:
-وده يزعلك يا "تميم"؟
لاذ الأخير بالصمت، فتطلع إليه جده بتفرسٍ، رأى أمارات الانزعاج متجسدة على ملامحه، هز رأسه في خفة، ثم استطرد يقول دون مراوغة:
-شكله مضايقك فعلاً.
تشجع "تميم" ليقول رغم اهتزاز نبرته:
-أصل .. الجوازة دي بالذات.. ليها علاقة بالحرمة اللي رفعت إيدها عليا
رد ساخرًا:
-ناوي يتجوزها عشان يربيها ولا إيه؟
شعر بتقلص يضرب معدته وكأن مصارحته قد ضغطت على جرحه الذي لم يندمل بعد، حملق فيه مدهوشًا قبل أن يرد مؤيدًا جملته وكل ما يظهر في عينيه قلق وتقرب:
-مش بعيد يا جدي!
علق "سلطان" في كلمات ساخرة:
-لأ و"هيثم" مش هيتوصى، جايز يدبحها ويرمي جتتها للكلاب.
جزع قلبه وأحس بالدماء تهرب من عروقه خوفًا عليها بمجرد اجتياح مشاهد خيالية تجسد ذلك لعقله المشحون، تفحص "سلطان" ملامح حفيده المبهوتة متسائلاً:
-إنت خايف عليها منه؟
ابتلع ريقه وضغط على شفتيه محاولاً تجاوز سؤاله الصريح، بينما تابع جده بلهجة مغايرة لتلك المازحة:
-شكلك بيقول كده حتى لو معترفتش بده.
قال متهربًا:
-أنا مابحبش الظلم ولا الافترا يا جدي، دي كل الحكاية
لاحت بسمة صغيرة على جانب شفتيه وهو يرى حالة التخبط الواضحة عليه، الأمر أعمق من مجرد ما يبوح به، حتمًا هناك شيء خفي يخفيه عنه، وهو لا يريد الاعتراف به، ومع ذلك لم يضغط عليه، سيتركه على راحته إلى أن يفصح له عن أسراره .. فكر "سلطان" قليلاً، ثم رفع يده ووضعها على كتف حفيده ليربت عليه، واستطرد يقول له بصوتٍ رخيم ليحفزه:
-إنت موجود عشان تمنع ده، خليك مع الضعيف قصاد القوى في الحق، سامعني اقف مع الحق مهما كان مين الظالم!
تطلع إليه بعينين تتوهجان بشكلٍ غامض، لكن منحته تلك التوصيات شعورًا مريحًا أسكن مؤقتًا ما يعتريه من هواجس وتوتر .. عندما قام "تميم" منصرفًا شد "سلطان" على يده ليعيد على مسامعه:
-إياك تظلم الغلبان حتى لو جنى عليك في يوم! ماشي يا ابني؟
ابتسم يقول له وكأنه يعده وهو ينحني ليقبل كفه:
-حاضر يا جدي.
........................................................
بعد مُضي أسبوع من إعلان موافقة العروس على الارتباط، كان الجميع مشغولاً بالترتيب لزيارة عائلية لإتمام الخطبة رسميًا .. وقفت "خلود" خلف أخيها في غرفة نومه تتأمل انعكاس هيئته المهندمة بمرآة التسريحة التي تحتل الحائط الأيمن بعد أن ارتدى السترة الرمادية الجديدة، كان مظهره مغايرًا لذاك السوقي الفظ، بدا راقيًا، ومقبول الملامح. ضبط "هيثم" رابطة عنقه، ومشط شعره ليثبت المتناثر منه، ظهر وميض الإعجاب جليًا في عيني أخته، ابتسمت الأخيرة في سعادةٍ وجابت بحدقتيها على كامل شكله المرتب، ثم رددت بتهليلٍ كبير مادحة إياه:
-الصلاة على النبي، الصلاة على النبي، قمر ياخواتي.
التفتت "بثينة" نحوها ترمقها بنظرة باردة قبل أن تنطق:
-ربنا يحميه من العين.
اعترضت عليها دون أن تخبو ابتسامتها المتحمسة:
-هو أنا هاحسد أخويا؟ ده الغالي عليا..
ثم ربتت على كتفه في رفقٍ وهي تدعو له:
-ربنا يتمملك على خير يا "هيثم"
رد مجاملاً:
-متشكر يا "خلود".
تابعت مضيفة وهي تخرج علبة حمراء مصنوعة من القطيفة من حقيبة يدها الجلدية اللامعة:
-شوفت جبتلك إيه على ذوقي، حاجة تحطها في الصينية تملى بيها عين عروستك.
أمسكت والدتها بالعلبة وفتحتها لتلقي نظرة متأنية على الخاتم العريض المليء بالفصوص البراقة، بدا الانبهار واضحًا على ملامحها، أدارته بين أصابعها وقالت في ثناء:
-ذوقك تحفة يا بت.
علقت في زهوٍ:
-من بعض ما عندكم يامه.
أعادت "بثينة" العلبة إلى ابنتها والتي دستها في الحقيبة لتتساءل بعدها باهتمامٍ حتى تشبع فضولها:
-أومال إنتي تعرفي العروسة؟ شوفتيها قبل كده؟ بيقولوا اسمها "همسة".
أجابتها بوجهٍ خالٍ من التعبيرات وهي تدير رأسها لتتجه نحو الفراش حتى تجلس على طرفه:
-مش فكراها أوي بصراحة، بس أعرف أمها، أصلها كانت جارة خالتك زمان قبل ما تعزل وتنقل على بيت "سلطان" الجديد.
هتف "هيثم" باستهجان، وتلك النظرة الناقمة تعلو تعبيراته:
-لعلمك أختها كانت عاملة مشاكل مع جوزك وجابتله البوليس.
ارتفع حاجبا "خلود" للأعلى، وحركت عينيها لتنظر في اتجاه والدتها التي استطردت محتجة:
-وإيه اللي يشبكنا معاهم؟
أوجز بغموضٍ دون أن تتغير قسماته المنزعجة:
-تحكمات بقى!
نظرات حائرة تبادلتها "خلود" مع والدتها لاحظت فيها تذمرها، توجست خيفة من إفساد الأمر، فهتفت بحذرٍ كمحاولة جادة منها لوأد أي خلاف قبل نشوبه:
-خلاص يامه الموضوع اتفض والكل اتصالح، وطلع "تميم" مالوش دعوة، ده سوء تفاهم وراح لحاله.
ردت عليها بنظراتٍ متنمرة:
-أنا قلبي مقبوض، بناقص منها الشبكة السودة دي.
اقتربت منها، وقالت مدافعة عن عائلة العروس:
-حرام، ده حمايا بيشكر فيهم.
نفخ "هيثم" بصوتٍ مسموعٍ ليضيف بعدها في سأمٍ:
-بأقولكم إيه أنا دماغي مصدعة، هاطلع أشرب سيجارة في البلكونة تكونوا خلصتوا لبس.
ردت عليه والدته وهي تومئ برأسها:
-ماشي يا ضنايا.
تابعته "خلود" بنظراتها إلى أن اختفى بالشرفة، فأدارت رأسها في اتجاه والدتها وسألتها:
-هو ماله يامه؟ هو مش مبسوط ولا إيه؟
جاوبتها بقليل من الضيق:
-والله ما عارفة، هو على دا الحال أديله كام يوم.
سألتها مستوضحة:
-مش الجوازة دي برضاه بردك؟
ردت دون تفكير:
-أيوه، هو حد يقدر يجبره على حاجة مش عايزاها، بس إنتي عارفة دماغ أخوكي، محدش بيفهمه.
اتسعت ابتسامتها العابثة، وقالت بوجهٍ شبه متورد:
-بكرة عروسته تدلعه ويشوف الهنا على إيديها.
تنهدت تقول لها في توجسٍ:
-يا ريت، ولو إني مش مرتاحة.
سرت عدوى القلق إليها، وتساءلت بتعابيرٍ تحولت للوجوم:
-ليه بس يامه؟
أجابتها بامتعاضٍ:
-جوز خالتك مابيجيش من وراه الخير
دافعت عنه "خلود"، فقالت:
-هو في زي عمي "بدير"، والله إنتو ظالمينه
نظرت لها بحدةٍ قبل أن توبخها:
-أيوه ياختي دافعي عن حماكي، ماهو أبو النبي حارسه وصاينه المعدول جوزك!
استاءت من هجوم والدتها غير المبرر على كليهما، فجلست إلى جوارها، وحاوطتها من كتفيها لتنصحها بأسلوبها السلس:
-بلاش يامه ندور على العكننة بإيدينا، خلينا نفرح ونتبسط، أخويا يستاهل كل خير، وأنا مستبشرة خير بالجوازة دي.
رمقتها بنظرة مستهزأة قبل أن تسألها في مكرٍ:
-أومال مافيش حاجة كده ولا كده؟
نظرت لها في عدم فهمٍ، انزوى ما بين حاجبيها متسائلة:
-حاجة إيه دي يامه؟
منحتها إجابة مباشرة:
-أمارة يا بت إن باطنك شايلة!
تضرج وجهها بحمرة قليلة، ونكست رأسها في حرجٍ قبل أن ترد على استحياءٍ:
-يادي الكسوف .. إيه الكلام ده بس، هو احنا لحقنا؟
ربتت على فخذها مشددة عليها بلهجة تعبر عن جديتها:
-لأ شيدي حيلك مع جوزك شوية، عاوزين نسمع البشارة قريب، دي الفرحة اللي بجد!
زفيرٌ بطيء أخرجته من بين شفتيها لتعقب بعدها بنبرة جمعت بين قليل من الرجاء والأمل:
-ربنا يسهل، دي حاجة في علم الغيب، ووقت ما ربنا يأذن هنفرح كلنا.
استندت "بثينة" بيديها على الفراش لتجبر جسدها على النهوض، ثم هتفت بزفيرٍ مرهق:
-ماشي يا فالحة، خليني أكمل لبس عشان منتأخرش، الحكاية مش ناقصة!
تحركت عيناها معها، ورددت بمرحٍ لطيف وهي تمد يدها إلى داخل حقيبتها لتخرج هاتفها المحمول منها:
-طيب يامه، وأنا هاكلم "تميم" أشوفه عمل إيه.
.....................................................................
وضعت تاجًا رقيقًا أعلى رأسها بعد أن صففته وعقصته كعكة كبيرة فيما عدا بضعة خصلات متناثرة على وجنتيها، مسحة ناعمة من مساحيق التجميل اتخذت مكانها ببشرتها لتزيدها تألقًا وجمالاً، تأملت "همسة" ثوبها الذهبي الذي اختارته لتلك المناسبة بنظراتٍ مبهورة، كان متماشيًا مع تفاصيل جسدها الممشوق، زحزحت بيدها أطرافه الطويلة للجانب حتى لا تتعثر فيها حين تقوم من جلستها، انخفضت نظراتها لتجول على عنقها وعظمتي الترقوة اللاتين اختبأتا خلف شالٍ رقيق شفاف يحمل نفس اللون اللامع، أحست بصدرها يعلو ويهبط في توترٍ، لكن تلك اللمسة المطمئنة من أختها على كتفها وهي تنحني عليها هدأتها قليلاً، أمعنت النظر في ثوب توأمتها الزيتي المتلألئ، كان يليق بها، ويغطي كامل جسدها فيما عدا مرفقيها، وعلى عكسها تركت "فيروزة" شعرها ينسدل على ظهرها ووضعت مشبكًا رقيقًا يمسك ببعض خصلاته عند الفارق الذي أحدثته فيه، اقتربت " منها وداعبتها بإعجابٍ:
-زي القمر يا "هموس" ، ماشاءالله عليكي.
نظرت إليها من خلال المرآة، وقالت بنبرة مرتبكة:
-قلبي بيدق جامد يا "فيرو".
ابتسمت وهي ترد عليها ساخرة:
-طبيعي، ما دي أول مرة هنشوف فيها ننوس عين أمه.
اكتسبت ملامح "همسة" تعابير مزعوجة، وردت تلومها وقد استدارت ناحيتها:
-إنتي بتتريقي؟
حاولت ضبط ضحكتها التي تسعى للانفلات من بين شفتيها، وهتفت متصنعة الجدية:
-أكيد، عريس مجهول الهوية، لا شوفناه ولا عرفناه، وجاية إنتي تتخطبي ليه، لازم أستغل الموقف.
نهضت من على الكرسي الصغير -منزوع الظهر- المستقر أمام المرآة، وقفت قبالتها لترد معاتبة إياها في خوفٍ محسوس:
-بلاش بالله عليكي توتريني بزيادة، أنا ماسكة أعصابي بالعافية.
علقت عليها أختها بجدية واضحة:
-عشانك مش مقتنعة باللي عملتيه.
تحركت الأولى من أمام المرآة لتوليها ظهرها، وردت في عصبيةٍ:
-هنرجع تاني للموضوع ده؟ مش قفلنا كلام فيه خلاص..
تطلعت إليها "فيروزة" في اهتمامٍ مراقبة ردات فعلها المتباينة والتي توحي بتخبطها وحيرتها، بينما تابعت "همسة" كلامها قائلة:
-وبعدين شوفتي خالك من ساعة ما وافقت على العريس وهو معاملته اتغيرت معانا 180 درجة، ده ناقص يشيلنا من على الأرض شيل
علقت عليها باستنكارٍ:
-ماهو مش ببلاش كل ده، ده أكيد طالع بمصلحة، خالك مابيعملش حاجة لوجه الله أبدًا!!!
وافقتها الرأي وإن لم تفصح عن ذلك علنًا.. استدارت الاثنتان معًا نحو باب الغرفة المفتوح ووالدتها تسألهما من الخارج:
-ها يا بنات، جهزتوا؟
لم تبادر إحداهما بالبرد، فقد وقفت "آمنة" عند أعتاب الغرفة تقول بصوتٍ منبهر وقد انفرد ذراعاها في الهواء:
-ماشاءالله ولا قوة إلا بالله، زي القمر يا حبيبتي
أسرعت "همسة" في خطواتها لترتمي في أحضان والدتها، أغمضت عينيها مستشعرة الدفء المنبعث من جسدها العطوف، وردت في امتنانٍ شاكر:
-ربنا يخليكي ياماما
أبعدتها عنها لتحتضن وجه ابنتها البشوش بكفيها، تأملت تفاصيلها الجذابة بعينين تلمعان بعبراتٍ فرحة وهي تغمغم بصوتها المنفعل فرحًا:
-ماشاءالله يا بنتي، ربنا يحميكي من العين.
رفرفت "همسة" برموشها في خجلٍ، في حين تابعت أمها تقول وهي تسحب شهيقًا طويلاً لتكبح به عبراتها:
-الجماعة جوم برا، أنا قولت أستعجلكم.
تساءلت "همسة" في اهتمامٍ:
-ومين قاعد معاهم؟
لاحت على شفتي "فيروزة" ابتسامة متهكمة، كانت تعلم الإجابة دون الحاجة لتخمينها، وبكل بساطة ردت على أختها تجيبها وقد كتفت ساعداها أمام صدرها:
-تفتكري هايكون مين غير مرات خالك "حمدية"؟!
.............................................................
في بقعة شبه معزولة عن أعين الآخرين تمتاز بخفوت الإضاءة، وقفت كلتاهما تختبئان خلف الستارة المنسدلة كمحاولة جادة منهما لاختلاس النظرات نحو العريس الغامض دون أن يمسك بهما أحد الضيوف، سعت الاثنتان للبحث عنه وسط الأجساد المتزاحمة والتي حجبت الرؤية بوضوح، امتلأت الغرفة بالحضور، أشخاص يصحبن زوجاتهن، وتبدو أعمارهم متفاوتة، ولكنهم يتشاركون في الضحكات المجلجلة .. وما إن ظهر وجه "هيثم" والإشارة بالترحيب له لكونه الخطيب المقصود حتى شهقت "فيروزة" مصدومة، لطمت برفقٍ على خدها هامسة في جزعٍ:
-يا نهار إسود، متقوليش إن هو ده العريس!
تجمدت "همسة" في مكانها، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها بمجرد أن أبصرته، ورددت هي الأخرى في ذهول لا يقل في صدمته عن توأمتها:
-"فيروزة"، أنا اتوترت بجد، مش معقول يكون نصيبي مع ده.
تطلعت إليها بفمٍ مفتوح، ثم ازدردت ريقها لتكمل حديثها بأنفاسٍ مضطربة:
-شكله هو..
تخشب جسد "همسة" وأمسكت بيد أختها، وكأنها تتشبث بها، التصقت قدماها في الأرضية لتعجز عن التقدم، حاولت جاهدة استيعاب الصدمة والتعامل معها، لكن تشوش ذهنها وارتبكت أكثر، وزاد توترها؟ خفقة قوية ضربت بصدرها حين سمعت "حمدية" تناديها:
-تعالي يا عروسة، واقفة بعيد ليه كده؟ تعالي سلمي على الضيوف
تعلقت بذراع "فيروزة" وهمست لها ترجوها:
-ماتسبنيش
هزت رأسها في تفهمٍ، وردت عليها:
-متقلقيش أنا جمبك..
تحركت الاثنتان سويًا في اتجاه غرفة الصالون التي امتلأت بالضيوف، ولكن وحده فقط من ارتكزت عيناه على عدوته القديمة، نسيبته الجديدة؛ فيروزة! تطلع إليها "تميم" في اهتمامٍ استغربه وقد بهتت أنفاسه، كانت فاتنة للغاية، خلابة تسلب العقول، ساحرة تخطف القلوب، حمد الله في نفسه أنها ليست العروس المنشودة، وإلا لا يعلم ما الذي كان أصابه حينئذ، تتبعها طوال سيرها المتهادي وهو يشعر بتلك الأحاسيس غير المفهومة تقتحم كيانه لتضاعف من تلبكه، وتهلك أعصابه .. أجبر حدقتيه على عدم النظر نحوها، لكن أبت حواسه الانصياع، بدا مأخوذًا بطلتها البهية، تدارك نفسه وأخفض نظراته ليشتت تفكيره عنها، التفت برأسه نحو زوجته الملتصقة به فوجدها محدقة بالعروس، تنفس الصعداء لكونها لم تنتبه إليه، مال نحوها ليهمس لها مدعيًا بالكذب:
-هاقوم أعمل تليفون وراجع.
نظرت له في اندهاشٍ مستنكر، وردت عليه بصوتٍ خفيض:
-وده وقته يا "تميم"؟ الكلام هيبدأ ولازم تبقى موجود
خشي من انفضاح أمر ارتباكه، فقال متحججًا:
-معلش يا "خلود" شغل ومش هاينفع يتأجل، هارجع كمان شوية.
كان جل ما يبحث عنه حاليًا هو الفرار ولو مؤقتًا من تلك الأجواء التي توتره بشكلٍ غير مسبوق، انسحب في هدوء من الصالون ليتجه إلى خــارج المنزل حتى يستنشق بعض الهواء عله بذلك يستعيد هدوئه المفقود.
لفت أنظارها وهو يسير مبتعدًا باحثًا عن المخرج، نظرت له "فيروزة" من طرف عينها متعجبة من ذهابه، لم تدع الأمر يحيرها، تجاهلته وكأنه نكرة لتركز كامل انتباهها مع خالها الذي بادر معرفًا وهو يحاوط توأمتها من خصرها ليقدمها للضيوف:
-دي بقى عروستنا الجميلة "همسة"، متكسفيش يا بنتي، سلمي على عمك الحاج "سلطان" الأول، كبيرنا وبركتنا.
مدت "همسة" يدها المرتعشة إلى الكهل الوقور الجالس على الأريكة المنفردة، رحبت به مرددة بصوتٍ شبه متذبذب:
-مساء الخير.
ربت على يدها وهو يرد:
-مساء النور يا بنتي، تبارك الله..
التفتت كالملسوعة إلى جانبها حين جذبتها تلك الأصابع الناعمة من ذراعها لتسحبها نحوها، حملقت في قلقٍ لوجه المرأة المبتهج وهي تقول:
-تعالي في حضني يا عروسة ابني.
لم تقاوم شدها القاسي، واستسلمت لحضنها الإجباري، لكن ما لبث أن اِربد بوجهها بعلامات الضيق حين شعرت بها تتلمسها بطريقة متجاوزة، وكأنها تتأكد من بروز مفاتنها وصلاحيتها، تراجعت للخلف رامقة إياها بنظرة حادة متأففة، وردت بوجهٍ مقلوب:
-إزي حضرتك يا طنط؟
زمت "بثينة" شفتيها لتسخر بعدها منها:
-طنط.. أنا أبقى خالتك "بثينة" يا روحي...
رمشت بعينيها في انزعاجٍ دون أن تنطق حتى لا تشحن الأجواء من لا شيء، ولكن أضافت "بثينة" كما لو كانت تملي عليها شروطها صراحةً:
-ولما تجوزي ابني هتناديني يا ماما!
ردت ببسمة متكلفة كنوعٍ من الترضية لها:
-أهـا.. إن شاءالله.
إشــارة واضحة من عيني خالها جعلتها تعود إلى مكانها لتجلس في المنتصف ملتصقة بوالدتها وأختها، نحنحة خشنة صدرت من "بدير" قبل أن يقول مستأذنًا بكل تهذيب:
-بعد إذنك يابا هاتكلم أنا .
أدار "سلطان" رأسه في اتجاه ابنه، وهتف مبتسمًا وغير ممانع:
-اتفضل يا "بدير".
ربتة رقيقة ممتنة حانت منه على كتف والده وهو يرد:
-شكرًا يا حاج..
جاب "بدير" بنظراته على الأوجه المنتبهة له، تنحنح من جديد ليزيح تلك الخشونة العالقة بأوتاره، واستطرد موضحًا:
-احم .. احنا مش محتاجين نتكلم في التفاصيل، الأمور واضحة، طلبات العروسة كلها مجابة، وماتشلش هم حاجة، و...
قاطعته "بثينة" قائلة بلهجة جادة وكامل عيناها مسلطة على وجه "همسة"
-اعذرني على مقاطعة كلامك يا حاج "بدير"، بس عشان نبقى على نور من أولها، أنا ابني هايعيش معايا.
هنا ردت عليها "فيروزة" من تلقاء نفسها بذهولٍ والرفض ظاهر على خلجاتها:
-أفندم.. تعيش معاكي؟
تحركت "بثينة" بعينيها نحوها لتقول وهي تجلس بخيلاءٍ في مقعدها:
-أه، مستغربة ليه؟ أنا أعدة لوحدي في بيت طويل عريض يرمح فيه الخيل، عاوزاه يتملى بأحفاد ولادي، وأنا معنديش إلا "هيثم"، ومش عايزاه يبعد عني، وهو الوحيد اللي بيشوف طلباتي، وبصراحة كده مقدرش أستغنى عنه!
استشعرت "فيروزة" من أسلوب حديثها لمحات من العدوانية المستترة، وربما طباع حادة غير مقبولة، لم تكن لتدع أختها تعاني، ستقف لمن يؤذيها بالمرصاد، لذا انتصبت في جلستها، وردت بنبرة مترفعة مليئة بالتحدي:
-حقك.. بس هنسأل العروسة الأول وناخد رأيها، ولو الكلام مش عاجبها يبقى آ....
نظرة قلقٍ تشكلت في عيني "خليل" وقد شاركت ابنة أخته المتهورة في الحوار، حتمًا ستوصل الأمور لطريق مسدود لتفسد الخطبة، وهو لن يسمح لها بذلك، ادعى الضحك ليجبرها على بتر باقي جملتها، وقال مرحبًا بحماس زائد:
-ده حماتها ست كُمل ومشهود بيها في كل الحتة، احنا عروستنا موافقة على طلبتها و...
اغتاظت "فيروزة" من فرض رأيه بطريقة سافرة، فقاطعته عن عمدٍ وقد ظهر التشنج عليها:
-يا خالي إديها فرصة تتكلم وتقول رأيها.
زجرتها "حمدية" بوجهٍ مكفهر قاصدة إحراجها أمام الضيوف:
-عيب يا "فيروزة"، خالك مش مالي عينك ولا إيه؟ ما تقوليلها يا "آمنة"! خليه يقول كلمتين على بعض.
لم تأبه لتسلطها الواضح، وقالت معاندة بإصرارٍ:
-لأ معلش، أنا مابقولش حاجة غلط، ده جواز، مش مصلحة.
رد عليها "بدير" ليمسك بزمام الحوار من جديد:
-واحنا مش هانضرها يا بنتي، كل حاجة هتتعمل وأحسن كمان، ولو هي هتعيش مع الحاجة "أم هيثم" البيت هيتفرش بأحلى عفش
هلل "خليل" مبتهجًا:
-أهوو، الحاج جاب من الآخر، يعني كله جديد في جديد!
بدت "فيروزة" متحفزة ومستعدة للمضي قدمًا في ذلك النقاش حتى نهايته، لن تتراخى فيما يخص شأن أختها، وإن جعلها ذلك مكروهة من الآخرين .. مصمصت "بثينة" شفتيها لتقول بتبرمٍ:
-المفروض دي اتفاقات رجالة، مش عارفة الحريم بيتحشروا ليه؟
استشاطت نظرات "فيروزة" وكادت ترد عليها بغلظةٍ لولا أن نهضت "حمدية" من مكانها لتلكزها في جانب ذراعها قبل فوات الآوان، ثم سددت لها نظرة قاسية وهي تأمرها بصوتها الخفيض:
-قومي هاتي الشربات للضيوف، يالا.. عيب نسيبهم كده، هايكلوا وشنا، مظبوط يا "آمنة"؟
شعرت "آمنة" بتوتر الأجواء واحتقانها فجذبت ابنتها من ذراعها وهي ترجوها:
-تعالي معايا يا بنتي.
ردت "فيروزة" على مضضٍ:
-ماشي.
أذعنت مضطرة لأمرها المستفز فقط حتى تنفرد بوالدتها، تركتها تتحرك أولاً ثم تبعتها في هدوء، لكن نظراتها المحمومة عادت لتلتقط صاحب الوجه الصــارم الذي أقبل عليها وقد بدا هو الآخر متفاجئًا لرؤيتها تخرج إليه وهو يتلمس طريق العودة، توقف "تميم" في مكانه مقاومًا حالة التخبط التي تشوش على تفكيره بشأنها، ابتسامة مستخفة صدرت من "فيروزة" قبل أن تهمس له وحنقها نحوه قد تجدد:
-خشلهم، أصلها كانت نقصاك إنت كمان!
أوقظت بنبرتها الخافتة مشاعره الغاضبة ناحيتها، تذكر إهانتها .. صفعتها .. تطاولها اللفظي .. إساءتها غير المقبولة .. وكل ما يوقد تلك النيران الحانقة فيه ويولّد فيه كراهية لا حدود لها لشخصها المزعج، كظم غضبه، وتنفس بعمقٍ ليحجم من انفعالاته قبل أن تخرج عن طور سكونها. عاود "تميم" أدراجه ليلحق بها، وقبل أن تطأ المطبخ أمسك بها من رسغها ليستوقفها، استدارت "فيروزة" نحو ذاك الذي أمسك بها دون استئذان، تفاجأت به قريبًا منها بمسافة خطيرة، كان جريئًا للحد الذي جعل تفكيرها يُشل لحظيًا، حدجته بنظرة نارية وهي تكز على أسنانها محاولة التملص منه وتحرير يدها، لكنه قابلها بنظرة مميتة خالية من الحياة، شدد من قبضته على جلدها الناعم وقد أخفض صوته للدرجة التي تصل إلى مسامعها ليقول لها عن عمدٍ حتى يستفز أعصابها:
-احمدي ربنا إنك مش مراتي، لأني ... مكونتش هارحمك ............................................. !!
..............................................................
يتبع >>>>>>>
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم Manal Salem
الفصل الحادي والعشرون
بالكاد تماسكت وقاومت تلك الرجفة التي اعتلت جسدها بعد تهديده العلني الخالي من أي شفقة، نظرت لعينيه القاسيتين محاولة إخفاء توترها، كانت حدقتاه تعكسان قوة، صرامة، غضبًا متعاظمًا، وكراهية مُعلنة، تلوت "فيروزة" بمعصمها بين أصابعه القابضة على رسغها، لكنه أبى تركها، استمتع "تميم" للحظة برؤيتها محاصرة منه، ومع حركتها الزائدة تناثرت رائحة عطرها لتعبق صدره، هنا أصابه التشتت، وارتخت أصابعه قليلاً عنها، ومع شحذها لكامل قواها انتزعت رسغها من قبضته انتزاعًا، وقالت في استبسالٍ وعيناها تتطلعان إليه:
-اتكلم على أدك، وفي اللي يخصك!
نظر لها بازدراءٍ، وقبل أن يرد عليها صاحت عاليًا:
-عجبك اللي بيحصل برا ده يا ماما؟
فهم "تميم" تلميحها الضمني باللجوء إلى والدتها لحمايتها منه، وكأنها تنذره بعواقب تواجده معها، استعادت ثقتها وجراءتها حين رأت صمته، أشــارت له بحاجبها في تحدٍ، فبادلها نظرات حانقة قبل أن يوليها ظهره وينسحب من أمامها حتى لا تثار المتاعب من لا شيء، زفرة خافتة أشعرتها بالارتياح بمجرد ابتعاده، التفتت بجسدها لتدخل المطبخ، ووقفت إلى جوار والدتها التي هتفت في تضرعٍ وهي تعاود ملء الكؤوس بالعصائر الطازجة:
-ربنا يعدي الليلادي على خير.
ردت في تهكمٍ:
-وهتعدي إزاي وده نفس البني آدم الحيوان اللي وقعك على الأرض؟
حدث ما كانت تخشاه "آمنة"، كانت واهمة حين ظنت أن ابنتها لن تتذكره، ابتلعت ريقها وردت وهي تدعي انهماكها في العمل:
-موقف وراح لحاله!
صاحت في استنكارٍ وقد اربد بها الغضب:
-ده أنا كنت ها ضربه وأوديه القسم، هو ده اللي عاوزه تجوزيه لبنتك
لمحة خاطفة من عيني "آمنة" لوجه ابنتها المتشنج قبل أن تدير رأسه وتقول:
-خلاص بقى يا "فيروزة"، مايبقاش قلبك إسود!
نظرت لها بغيظٍ وردت بنبرتها المتعصبة، وكأنها تلومها:
-بقى أنا اللي قلبي إسود؟ يا ماما بلاش السلبية اللي هتضيعنا دي!
حاولت "فيروزة" أن تضبط انفعالاتها فسحبت شهيقًا عميقًا ولفظته على مهلٍ لتضيف بعدها متسائلة:
-طب إنتي موافقة إن بنتك تعيش مع حماتها في بيت واحد؟
تركت والدتها ما في يدها وضربت براحة كفها على السطح الرخامي غير مكترثة بالألم الذي حل بعظامها المتعبة، ثم هتفت في نفاذ صبرٍ:
-لأ مش عاجبني، بس ما باليد حيلة، الست مش غلطانة برضوه، أنا لو أعدة لوحدي هافكر في كده، وهيبقى نفسي ولادي وأحفادي يقعدوا معايا يلموا عليا البيت.
ردت بعدم اقتناع:
-ده مش مبرر برضوه!
وقفت قبالتها وتنهدت قائلة:
-أنا تعبت والله.. مبقتش عارفة أعمل إيه
عقبت ابنتها بنزقٍ، وكأن مسألة إقناعها بتنفيذ ذلك أمر مفروغ به:
-خلينا نفض الجوازة دي، بناقص منها.
تطلعت إليها في اندهاشٍ، وعلقت عليها تسألها:
-وبعدين؟ تفتكري إيه اللي هيحصل؟ خالك هيسكت؟
وقبل أن تبادر بالرد تابعت "آمنة" باستياءٍ:
-لأ طبعًا، ده مش بعيد يقلبها حريقة ويهد البيت ده على اللي فيه، وأنا أنا مش هاستحمل يعمل فيكم حاجة
سألتها من جديد بنظراتٍ تلومها:
-وتضحي بينا؟
اكتسبت ملامحها قساوة غريبة، واستطردت:
-أختك اللي اختارت.
قالت بأنفاس متهدجة تعبر عن ضيقها:
-غبية ومابتفهمش، جت تنقذ موقف ضيعت نفسها، وأنا مش هاقف أتفرج على الـ....
قاطعتها بنبرة أقرب للتوسل وقد سئمت من جدالها المرهق:
-كفاية يا "فيروزة"، عشان خاطري بلاش تبوظي كل حاجة.
بهتت من كلماتها الأخيرة، شعرت بأنها تلقت قذيفة فوق رأسها، اختنق صوتها وهي تسألها:
-أنا يا ماما؟
لانت نبرة والدتها وغلفها الحزن حين أوضحت لها:
-افهمي، محدش هايقف معانا، وزي ما إنتي خايفة على أختك، فأنا خايفة على بنتي أكتر منك، بس هاعمل إيه قصاد جبروت خالك والناس القادرة اللي برا؟ إنتي خبرتك قليلة في الدنيا، ومتعرفهومش زي ما أنا أعرفهم..
رفض عقلها تصديق مبرراتها وإن كانت منطقية، في حين أكملت "آمنة" بنفس الصوت المرير:
-احنا عيشنا يومين جحيم بسبب تهورك، طب تفتكري هيعملوا فينا إيه واحنا بنقولهم معندناش بنات للجواز؟ مش هيسامحوا في ده، وهانكون فُرجة الحتة كلها.
ردت عليها بهدوءٍ رغم الثورة الدائرة بداخلها:
-بس كده احنا بنشارك في ظلمها، خلينا نفكر من تاني و..
أدارت ظهرها لها، وانحنت قليلاً لتمسك بطرفي الصينية وهي تقول:
-كل شيء قسمة ونصيب، ونصيبها جه مع الشاب ده!
حزنت "فيروزة" كثيرًا لافتقار والدتها للشجاعة، فقط لو منحتها الدعم لأنهت تلك الخطبة، لكنها تركتها وحدها تقاتل مع من هم أشد منها قوة، نكست رأسها في خزيٍ وأسف، اتجهت نحو حوض المطبخ لتملأ كوبًا فارغًا بالماء، لم تلتفت للخلف حين سمعت "حمدية" تتساءل بلهفةٍ:
-إيه الرغي ده كله، الناس بتسأل عليكم برا، عاوزين نقرى الفاتحة.
شعرت بنظرات أمها مرتكزة عليها وهي ترد:
-حاضر يا "حمدية"، طالعين وراكي.
دمعة حبيسة تشكلت في مقلتيها حسرة على خذلان والدتها لها، مسحتها بطرف يدها وتنفست بعمقٍ حتى تعود إلى الحشد المجتمع بغرفة الصالون وهي مرفوعة الرأس كما عاهدوها.
.................................................................
استقرت في منتصف الأريكة بجوار والدتها وعلى يسارها جلست أختها التي تشد من أزرها بقوة شخصيتها، أحست "همسة" أنها تُعايش حلمًا غريبًا، اختفى تورد وجهها، وحل الوجوم المتواتر على ملامحها، بقيت أنظارها مثبتة لحظيًا على وجه العريس الذي تذكر وجوههن المألوفة، عرفت ذلك حين تطلع إليهن باندهاشٍ قبل أن تبتعد عيناه عنهن ليحملق في ساعة يده لبعض الوقت، ارتخت في جلستها وتفحصت ملامحه بتمهلٍ، لكنه أمسك بها وهي تحدق به بعبوسها، تلبكت وأخفضت عينيها وتجنبت النظر نحوه ولو مصادفة ..
لم ينكر "هيثم" أن التردد ظهر على تعابيره في البداية حين ولجت الاثنتان للغرفة، والسبب بديهي، لم يكن يعرف من منهما عروسه، تغلله شعور كبير بالارتياح وقد تأكد من كونها تلك الفتاة الخجلة الهادئة؛ النقيض الكلي لأختها المتحفزة دومًا والتي على ما يبدو أنها تستعد للانقضاض عليه في أي وقت. تأملها بإمعانٍ مستغلاً التهاء الجميع بالحديث نيابة عنه، كانت رقيقة، جميلة، يظهر عليها الارتباك بشكلٍ فاضح وإن ادعت تماسكها، للحظة ظن أن الحظ لعب معه ومنحه فرصة ذهبية لتعويضه ولو بالقليل عن مآسيه المتعاقبة، بدا ممتنًا لـ "محرز" لأنه مهد له الطريق، لكن عاد التوتر ليحتل تفكيره وقد انتابه هاجس مزعج من احتمالية إنهاء الخطبة قبل أن تبدأ لمجرد التطرق للمشكلة الكلامية التي نشبت بينهم حين قام بالسرقة المشؤومة، تصلبت عروقه، وزاد توتره ..
أحس بجفاف مرير يضرب جوفه، بغصة علقت في حلقه، انحنى بجذعه للأمام ليمسك بكأس المشروب ويبلل به شفتيه، ارتوى قليلاً، لكن توتره لم يسكن بعد، لذا قرر أن يشعل سيجارة ليدخنها حتى يخفف من حدة اضطرابه، ظهر الامتعاض على محياه مع استمرار "فيروزة" في المقاطعة والتعليق، بالكاد حافظ على هدوء أعصابه إلى أن انسحبت وراء والدتها، هنا أخرج زفيرًا بطيئًا أزاح به الثقل الجاثم على صدره، ورويدًا رويدًا بدأ يشعر بالثقة والأمل حين تولى "خليل" زمام الأمور من جديد ورحب بالضيوف بكلماته المتملقة ليذيب الجليد ويزيد من جو الألفة والمحبة بين المتواجدين.
عادت "فيروزة" لمقعدها، والتزمت الصمت، ثم بدأت الاتفاقات الاعتيادية بين الطرفين دون أدنى اعتراض ليشرعوا بعدها في قراءة الفاتحة بعد الاستقرار على كافة الأمور، مسح "محرز" على صدغيه فور إنهائه للقراءة قائلاً بصوتٍ مرتفع وابتسامته اللزجة تنير وجهه:
-أمـــين، ألف مبروك يا جماعة، وعقبال الليلة الكبيرة..
هتف "بدير" بصوته الأجش وهو يشير بيده:
-إن شاء الله العروسة تحدد يوم تنزل تنقي فيه شبكتها مع حماتها، أحلى حاجة في محل الصاغة، ومايهمكوش الفلوس، دي هدية مني ومن أبويا الحاج "سلطان".
ردت "آمنة" تجامله بتهذيبٍ:
-ربنا يباركلنا فيك يا حاج، احنا هانشوف ظروفنا ونرتب مع الحاجة "بثينة".
نهضت "خلود" من جلستها لتضع علبة الخاتم الحمراء في صينية المشروبات الفارغة، وقالت بحماسٍ قبل أن تعود إلى مكانها:
-حاجة بسيطة نقاوتي، يا رب تعجب العروسة.
على الفور تحركت "حمدية" لتلتقط العلبة، فتحتها ونظرت إلى ما فيها بعينين مدهوشتين وفمٍ مفتوح في انبهارٍ، رفعتها نصب عيني زوجها لتقول بنبرة مادحة:
-ماشاءالله، ربنا يزيد ويبارك، الغالي ما يجبش إلا الغالي، بص يا "خليل" على الخاتم القيم ده!
حملق هو الآخر مبهورًا في الخاتم الذي عكس بريقًا جذابًا، سال لعابه قائلاً حين حمله بين أصابعه ليشعر بثقل وزنه:
-اللهم صلي على النبي، حاجة حلوة بصحيح ..
ابتلع ريقه والتفت نحو ابنة أخته يأمرها وهو يتصنع الضحك:
-تعالي يا عروسة، اشكري حماتك وعمتك الصغيرة على هديتهم الغالية.
نظرة سريعة من "همسة" إلى والدتها، وكأنها تستشيرها في صمتٍ، وجدتها تستحثها بعينيها لتنفذ طلبه، وعلى مضضٍ نهضت مجبرة من مجلسها، واتجهت إلى الاثنتين لتنحني عليهما وقبلت كل واحدة منهما على حدا من وجنتيها وهي تتمتم:
-ميرسي، ذوقكم جميل.
احتضنتها "خلود" بسعادةٍ قائلة لها:
-العفو يا عروسة، ولسه هتشوفي حاجات حلوة كتير، ده إنتي هتتجوزي أخويا.
ثم استدارت برأسها لتأمر أخاها بتسليةٍ وضحكتها المشرقة تصدح:
-ماتلبس عروستك الخاتم يا "هيثم"، ده إنت العريس والليلة دي كلها عشانك.
أيدها "محرز" الرأي قائلاً:
-مظبوط، ولا هو بيكسف
ثم كركر ضاحكًا باستظرافٍ غير مكترث بمشاعر الآخرين نحوه إن كانوا يتقبلون مزحه وطرفاته أم لا، تشجع "هيثم" ونهض من مكانه ليدنو من عروسه التي لم تنظر نحوه مطلقًا، مـد ذراعه أمامها وتنحنح قائلاً بصوتٍ خفيض:
-احم.. هاتي إيدك يا عروسة:
استجابت له "همسة"، وردت بصوتٍ بالكاد سمعه:
-اتفضل.
ارتعشت يدها أسفل قبضته التي لامست جلدها، وسحبتها على الفور حين ألبسها الخاتم، خجلتٍ وارتبكت وتصببت عرقًا وهي تفعل بالمثل له، شعرت بأنفاسه قريبة من وجهها وهو يهنئها:
-مبروك.
أسبلت عينيها نحوه ترد في تلعثمٍ مرتبك:
-الله يبارك فيك.
انطلقت الزغاريد عاليًا كتعبير عن فرحة النساء بإتمام الخطبة العائلية، والرغم من الإعياء الظاهر على "هاجر" إلا أنها شاركتهن في ذلك، مالت عليها "ونيسة" تحذرها:
-بالراحة يا بنتي عشان نفسك.
قالت في استحسانٍ وحبور:
-ده أخويا يا ست الكل، ومعزته عندي زي "تميم" بالظبط، ولازم كلنا نفرحله.
ربتت "بثينة" على كتف ابنة أختها تشكرها:
-ربنا يخليكوا لبعض يا حبيبتي، احنا كلنا عيلة مهما حصل!
اندفعت "حمدية" في اتجاه "فيروزة" لتدفعها من كتفها عنوةٍ حتى تجبرها على الوقوف وهي تأمرها بلهجة مزجت بين الجدية والمرح:
-تعالي يا "فيروزة" مكان العريس وخليه يقعد جمب عروسته شوية، خليهم يفرحوا ببعض.
زوت الأخيرة ما بين حاجبيها مرددة في ضيقٍ:
-أنا؟!!
أطلقت ضحكة مجلجلة وهي ترد عليها:
-يالا بقى، ماتبقيش زي العزول كده!
نهضت "فيروزة" مرغمة، وبحثت عن مكان شــاغر لتجلس به، فلم يكن هناك سوى ذلك المقعد الملاصق لـ "تميم"، حيث جلس "هيثم" في البداية قبل أن يحتل مكانها، تطلعت إليه في حيرة وضيق، بالطبع كانت الفرصة مناسبة لخصمها لينظر لها بتشفٍ، وكأنه يتحداها في صمتٍ أن تجلس بجواره، وبترفعٍ وغرور ســارت ناحيته، واستقرت قريبة منه، تعمدت أن تبدو كالصنم، متكلفة، متعالية إن دق التعبير، لا يظهر على قسماتها علامات الرضا، وعلى قدر الإمكان أجبرت عينيها ألا ينظرا إليه، التفاتة بطيئة حانت من رأسها حين هنأتها "خلود" ببسمتها المبتهجة:
-مبروك يا حبيبتي، عقبالك.
ردت عليها بنبرة موجزة وهي تشيح بوجهها المتجهم:
-شكرًا
في حين علق عليها "تميم" قاصدًا الاستهزاء بها:
-اللي زي دي ما بيعجبهومش العجب يا "خلود"، هيفضلوا كده من غير جواز...
-ومش بعيد يعنسوا!
أكمل جملته وهو ينظر لها بجمودٍ وتلك الابتسامة الساخطة تعلو شفتيه، إهانة حقيرة لشخصها في حضور زوجته لم تتقبلها منه، استدارت برأسها نحوه ترمقه بنظرة نارية، وقالت بصوت خفيض وهي تكز على أسنانها:
-يغور الجواز اللي يجي من ناس ماتستهلش!
ردت عليها "خلود" بمرحٍ:
-بس الجواز عن حب جنة.
عقبت "فيروزة" بما يشبه السخرية متعمدة الاستهانة بمشاعرها:
-زيك إنتي والـ .. الأستاذ! عايشين في جنة، صح؟
قست تعابير "تميم" من كلماتها الدلالية، ورد عليها بصوتٍ أجوف ليخفي غضبه، ولكنه أحرجها:
-ميخصكيش اللي بيني وبين مراتي، الزمي حدودك!
اختلج وجه "فيروزة" بحمرة ألهبت بشرتها على الفور لإحراجه لها بهذا الشكل السافر، نظرت له بعينين تشعان غيظًا قبل أن تتطلع أمامها وقد ازدادت عبوسًا .. مالت "خلود" على زوجها تعاتبه برقةٍ وبصوتٍ خافت:
-اهدى يا حبيبي، مالوش لازمة الكلام ده معاها، هي شكلها اتضايقت
رد بنفس الصوت الحانق:
-اللي مش عاجبه يشرب من البحر.
اخترقت كلماته الحادة أذني "فيروزة" فأطبقت على شفتيها بكل قوةٍ لتكتم اندفاع لسانها حتى لا تنقلب السهرة لمعركة يتراشق فيها الاثنين سويًا بالألفاظ .. هبت واقفة لتترك مكانها خاويًا واتجهت إلى والدتها وجلست على مسند أريكتها ومالت نحوها لتبدو كأنها تتبادل معها الحديث في شيء ما، مجرد وسيلة هروبية مكشوفة أشعرت "تميم" بالضيق، وضاعفت من انزعاجه، فبالرغم من انصرافها إلا أن أثر عطرها بقي يداعب أنفه ويوتر حواسه.
...............................................
نشوة عجيبة غمرت أحاسيسه وهو يجلس إلى جوار تلك الفاتنة، أمسك بطرفي سترته يشدها ليظهر مشدود الجسد، ومفتول العضلات فتعجب بقوته الذكورية المستترة، وجد "هيثم" لذة عجيبة في هذا الأمر، لذا نظر إليها بجراءة أكبر، وجاب بعينيه على تفاصيلها المشوقة التي تحاول حجبها عن عينيه مما زاده رغبة فيها، حتى أنها حفزت خيالاته الجامحة لتخيلها بشكلٍ أكثر تجاوزًا.. تدارك نفسه وتنحنح بخفوت وقد حرك عينيه في الجهة الأخرى ليمررها على أوجه المتواجدين، لم ينتبه إليه أحد فأشعره ذلك بالارتخاء، وتساءل مستنكرًا:
-أنا متوتر ليه، ما كله برضاهم وبموافقتهم.
تعاظمت بداخله الرغبة في الاستمتاع بما فُرض عليه، ولما لا الخطبة قد باتت رسمية الآن؟ سدد نظرة متفرسة لـ "همسة"، كانت تبدو كفتاة مطيعة، مرتعبة قليلاً، لكنها ناعمة، ربما ستمنحه بعض السعادة في حياته الرتيبة الفارغة، وستكون أيضًا وسيلته المشروعة لإشباع غرائزه التي تأزر من حين لآخر، ناهيك عن الاستفادة المادية من وراء زيجته. تشجع "هيثم" ومرر يده بتمهلٍ ليمسك بيد "همسة" التي انتفضت كمن لدغها عقرب بمجرد إحساسها بقبضته عليها، حملقت فيه في ذعرٍ وابتلعت ريقها، حاولت سحب يدها من بين أصابعه، لكنه أطبق عليها جيدًا، أحنى نفسه عليها ليبدو صوته قريبًا منها وهو يهمس لها:
-مش المرادي يا عروسة.
قشعريرة باردة سرت في أوصالها، أحست بمزيدٍ من الخوف والخجل والكل يتطلع إليها، التفتت تنظر إليه بما يشبه الرجاء قبل أن يخرج صوتها المتحشرج الخافت من بين شفتيها ليقول له:
-لو سمحت، أنا .. مش بأحب كده.
ابتسم وهو يرد عليها:
-بكرة تتعودي..
ثم مال عليها أكثر ليكمل همسه المداعب:
-وجايز تتخانقي معايا عشان مش ماسك إيدك.
استجمعت قوتها الهاربة لتستل يدها من بين أصابعه، وردت عليه بصوتها المرتبك:
-لأ مش هتخانق.
انزعج من عدم تجاوبها وقال بضيقٍ، وكأنه يحذرها:
-على راحتك، بس يا ريت ماتبقيش زي المحروسة أختك.
رفعت رأسها لتحملق فيه مصدومة، لم تكن تعابيره بالمازحة، بل أصبح إلى حد ما قاسيًا كالحجارة الجافة، شعرت "همسة" بقلبها يضطرم من الخوف، التفتت باحثة عن توأمتها علها تنجدها فوجدتها مشغولة بالحديث في هاتفها، كتمت شهقتها بصعوبة وقد شعرت بيده الخشنة تحتضن كفها من جديد، أدارت رأسها ناحيته فوجدته يتطلع إليها بتحدٍ وأصابعه تزداد شدة عليها، وكأنه يخبرها بشكلٍ غير منطوق أنه بات من تلك اللحظة يمتلك زمام أمرها، أدركت حينئذ أنها جنت على نفسها حين تسرعت بالقبول، وبدأ إحساسها الحقيقي بالندم يتسرب إليها.
...............................................
وُزعت حلوى الشيكولاته على الجميع، وامتلأت الأجواء ببعض الدعابات الفكاهية الجيدة أحيانًا، كما ظلت الأحاديث الودية تدور بين الأطراف في كافة المواضيع اليومية وما بالمنطقة من مشكلات تنغص ساكنيها حتى اقترب ميعاد انصراف الضيوف، هنا اقترح "محرز" بحماسٍ وهو يضع باقي الورق الفارغ من الحلوى على الطاولة أمامه:
-طب بالمناسبة الحلوة دي المفروض كلنا نطلع نتعشى برا في أحسن مطعم في المنطقة.
رد عليه "بدير" مبتسمًا:
-احنا عجزنا يا ابني على السهر!
قال بتملقٍ:
-عجزت إيه بس يا حاج؟ ده إنت لسه في عزك.
تدخلت "ونيسة" في الحوار، وقالت مازحة:
-خلي العرسان يطلعوا هما اللي يتعشوا برا..
ظنت أن حديثها لن يؤخذ بمحمل الجد، لكنها تفاجأت بـ "محرز" يرحب به ويؤيده، فأضاف بنفس اللهجة المتحمسة:
-والله فكرة، بس لازمًا ناخد رأي الخال، إيه رأيك يا عم "خليل"؟
فرك "خليل" طرف ذقنه مدعيًا التفكير، ثم أردف قائلاً ببسمة فاترة:
-ولو إني مابحبش السهر ولا التأخير، بس مافيش مانع، خلي "همسة" تتبسط مع عريسها.
ارتبكت "همسة" من ذلك الاقتراح، وظهر توترها على قسماتها، نهضت من مكانها واتجهت إلى أختها تهمس لها في خوفٍ:
-سامعة خالك، ماتسبنيش يا "همسة" لوحدي معاهم، أنا معرفهومش
ردت تطمئنها وقد استقامت واقفة:
-متقلقيش..
تقدمت خطوتين نحو خالها، وقالت بما يشبه الرفض، ولكن بأسلوب لبق:
-سوري يا جماعة، بس أختي ما بتخرجش لوحدها.
رد عليها "محرز" ضاحكًا بسخافة:
-تعالي معاها، مش معنى إنك مش مخطوبة زيها ماتجيش، ولا إيه؟
طُرفة مهينة نالت منها وأحرجتها على مرأى ومسمع الجميع، بل وكادت تشعرها بالانتقاص لولا أنها حركت شفتيها لتخبره بنفس أسلوبه السمج والمستفز، وقد وضعت يدها أعلى منتصف خصرها:
-لا شكرًا، مش محتاجة اتخطب عشان أخرج، أنا أعرف أبسط نفسي كويس.
تنهد "خليل" مبديًا موافقته حتى يكبح غضب ابنة أخته قبل أن يتفاقم:
-أنا معنديش مانع، روحي مع أختك.
نظرت إلى خالها في ضيقٍ، فبدلاً من أن تُخلص أختها تورطت معها، نهض "محرز" من مكانه ليتجه إلى حيث تجلس زوجته، وقف خلفها، وتابع:
-احنا معندناش أي مشكلة، الدعوة أصلاً للكل، وبالمرة "تميم" يفسح مراته، ما هما عرسان جداد بردك.
انتصب "تميم" في جلسته المتحفزة، وتلقائيًا اتجهت عيناه نحو "فيروزة" التي كانت تطالعه بكراهية بائنة، لمسة ناعمة من "خلود" على كفه جعلته يستدير نحوها ليجدها تقول له بدلالٍ وغنج:
-أيوه يا حبيبي، إيه رأيك؟ أهوو نغير جو، عشان خاطري وافق.
أبعد حدقتيه عن زوجته ليعاود تسليطهما على وجه "فيروزة" المتشنج وهو يرد غير مبالٍ:
-اللي يعجبك.
قال "خليل" بلطفٍ غير مستساغٍ منه ليظهر بمظهر الصرامة أمام أنسابه الجدد:
-خلاص يا "فيروزة"، روحي مع أختك، ماتأزميهاش، بس هي ساعة زمن بالكتير، وخليكي معايا على التليفون، مش عاوز تأخير
نظرت له بحدةٍ وقد بدا الاستنكار من كذبه السخيف مقروءًا على تعبيراتها .. قالت "هاجر" بتأويهة متعبة والإجهاد يبدو عليها:
-معلش يا جماعة، اعذورني مش هاقدر أروح معاكو، أنا يدوب "محرز" يوصلني البيت، الحمل تاعبني شويتين
قالت "آمنة" في ودٍ:
-ربنا معاكي ويقومك بالسلامة، ويقر عينك بمولود سليم
ردت مجاملة:
-تسلمي يا خالة..
استند "سلطان" على مسندي الأريكة بيديه المجعدتين، حركات حذرة قام بها حتى لا تئن عظامه بآلامها، نهض من مكانه، واستقام قائلاً:
-احنا كده خلصنا مهمتنا.
اعتبر "بدير" كلمات أبيه بمثابة إشارة ضمنية لانقضاء السهرة، فنهض هو الآخر ليقول مؤيدًا:
-مظبوط يا حاج "سلطان"، هنستأذنكم يا جماعة، وفرصة طيبة.
هتفت "حمدية" معترضة بضيقٍ مفتعل:
-ما لسه بدري؟ ده احنا عاملين حلويات شرقي تستاهل بؤكم، و...
قاطعها "بدير" بلطفٍ:
-بالهنا والشفا، ده كده رضا أوي، وبعدين احنا ورانا أشغال ومصالح كتير من الفجرية
رد عليه "خليل":
-كان الله في العون يا حاج.
ردد "محرز" عاليًا وهو يلوح بيده في الهواء حتى ينتبه له الجميع:
-إن شاءالله متجمعين في الخير، احنا هنستنى الشباب تحت، سلامو عليكم
دنت "همسة" من أختها بعد أن تحررت من حصار خطيبها، تعلقت بذراعها كالغريق، ونظرت لها في توترٍ حائر قبل أن تسألها بخفوتٍ يشير إلى ربكة لا بأس بها تحتل كيانها:
-هنعمل إيه دلوقتي؟
غامت نظرات "فيروزة" وتحولت للقسوة من جديد، أومأت لها بحاجبها وقد بدت مستغرقة في أفكارها العميقة، وكأنها تراجع ما ستقوم به في رأسها .. ابتسامة مزهوة لاحت على جانبي شفتيها للحظة، أعقبها تنهيدة هادئة انفلتت من جوفها لتنطق بعدها بغموضٍ وقد اكتسح نبرتها قوة أنثوية تليق بشخصها غير الضعيف:
-هنخرج، وهيعرفوا هما ناسبوا مين ................................... !!
............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم Manal Salem
الفصل الثاني والعشرون
توسطت في المقعد الخلفى بالسيارة لتجلس بين توأمتها وزوجته، استقامت في جلستها غير المريحة ليبدو انعكاس وجهها واضحًا في مرآة "تميم" الأمامية، عمدت "فيروزة" إلى النظر إليه بكل ما تعكسه عينيها من كراهية وبغضاء لتستفزه أكثر، كانت تبحث عن السبل المشروعة وغير المشروعة لاستثارة أعصابه وإخراجه من طور الجمود المتحجر الذي يحبس نفسه بداخله، وكأنها بذلك تتحين الفرص لإفساد الخطبة، إما عن طريقه أو عن طريق قريبه المشابه له، أبعدت نظراتها حين سألتها "خلود":
-تحبوا تروحوا مكان معين ولا تسيبوني أختار على ذوقي أنا؟
أجابتها ببرودٍ وهي تهز كتفيها:
-مش فارقة.
ابتسمت مضيفة في مرح:
-طب نسأل العروسة، إيه رأيك؟
أنابت عنها "فيروزة" في الإجابة:
-إن كان على "همسة" فهي مش عاوزة تروح في حتة.
تدخل "هيثم" في الحوار معلقًا بامتعاضٍ بائن على وجهه:
-والله محدش طلب رأيك، هي عندها لسان، خليها تتكلم
وقبل أن تبادر بالهجوم عليه، وضعت "همسة" يدها المرتعشة على قبضة أختها تستحثها في رجاءٍ صامت ألا تختلق أي مشكلة، وحركت شفتيها ليخرج صوتها مهتزًا وهي ترد بحيادية:
-أي.. حاجة، كله مناسب عندي.
تبادلت "فيروزة" معها نظرات لائمة، لم تحبذ الظهور بمظهر الضعف والتخاذل مع هؤلاء حتى لا يقتنصوا الفرصة ويتكالبوا عليها، لتدع الأمر لها لتضعهم في مقامهم الذي يليق بهم .. رنة خافتة صدرت من هاتف "فيروزة" جعلتها تنتبه له، وتعبث به للحظات، وكأنها وسيلتها المؤقتة للانشغال عن السخافة المحيطة بها، بينما هتفت "خلود" من جديد كمحاولة أخرى ناجحة منها لتقليل الأجواء المشحونة:
-في مطعم على البحر هنا الكل بيشكر فيه، إيه رأيكم نجربه؟
قال "تميم" غير ممانع ونظراته موجهة نحوها من خلال انعكاس المرآة:
-طالما عاجبك يا حبيبتي نروحه.
امتدت يدها لتلمس كتفه، وقالت في امتنانٍ رقيق:
-حبيبي ربنا يخليك ليا.
لم تستسغ "فيروزة" ما يدور بينهما من مشاعر متكلفة، شعرت وكأن كلاهما يستعرض محبة زائفة فقط لإغاظتها، أبعدت نظراتها في ضيق عن التحديق بالمرآة لتنظر إلى جانبها، كانت أختها تحملق بشرودٍ وتوتر في الطريق، تكاد تشعر بتأثير البرودة على بشرتها بالرغم من اعتدال الطقس، مسحت برفق على كفها فاستدارت "همسة" نحوها، رأتها تبتسم لها في لطفٍ ونظراتها تطمئنها، أحست بالارتياح لكونها إلى جوارها، وتمنت في قرارة نفسها أن تمضي الليلة على خير، وإن كانت غير متفائلة بالقادم.
لحظات وتوقفت السيارة على مقربةٍ من ذاك المطعم الشهير، صفها "تميم" بجوار الرصيف، وهللت "خلود" مشيرة بيدها:
-المكان أهوو، إن شاءالله يعجبكم.
ترجل زوجها من السيارة أولاً، ثم ألقى نظرة عابرة على الطريق من طرفيه حتى يفتح الباب المجاور لزوجته، نزلت وهي تبتسم له:
-تسلم يا حبيبي.
أدخل يده في جيب بنطاله القماشي البني الداكن، وانخفضت نظراته لتحملق في "فيروزة" متوقعًا أن تتبع زوجته، خاصة أنه ما زال يقف مستندًا بمرفقه الآخر على الباب، لكنها بادلته نظرة استخفاف غريبة، تقوست زاوية شفتيها ببسمة ساخطة، وأدارت ظهرها لتستعد للخروج من الجهة الأخرى؛ حيث ترجلت أختها، استشاطت نظراته، وشعر بالحنق من عدم تقديرها لذوقه وتعاملها الوقح معه باحتقارٍ وازدراءٍ بائن، صفق الباب بقوة وهو ينفخ عاليًا، ثم تنفس بعمقٍ ليكبح أي بوادر عصبية تلوح في الأفق بسبب طريقتها المستفزة، تأبطت "خلود" في ذراعه، رأت علامات الانزعاج مرسومة على وجهه، سألته في اهتمامٍ:
-مالك يا حبيبي؟ في حاجة مضيقاك؟
أجابها على مضضٍ:
-يعني.. إنتي عارفة ماليش في جو الخروجات والسهر برا.
داعبت طرف ذقنه وهي تتدلل عليه بنعومة:
-بس النهاردة غير، خطوبة أخويا وبعدين شكلك شيك خالص.
ثم ضبطت بيدها طرفي ياقة قميصه الأبيض الذي فضَّل ارتدائه بدون رابطة عنق تخنقه، ابتسامة ساخرة غير مقتنعة ظهرت على جانب ثغره، ورد بهدوءٍ:
-جو البدل ده مايلقش عليا
ردت معترضة وقد تقطب جبينها:
-لأ إزاي، ده مش بعيد تلاقي البنات بيحسدوني عليك
ابتسم لها في عذوبة، وربت برفقٍ على كفها المتعلق في ذراعه، واصل كلاهما السير متأخرين خطوتين عن "فيروزة" التي كانت تسير بمفردها بعد أن أصــر "هيثم" على الإمساك بيد خطيبته قليلة الحيلة، التفتت "همسة" برأسها نصف التفاتة، وهتفت من بين شفتيها بصوتٍ خافت للغاية:
-ماتسبنيش
ردت تطمئنها بصوت يماثلها:
-أنا جمبك.
لمسة وقحة من "هيثم" على وجه خطيبته ليديرها نحوه جعلتها تنتفض وتتطلع إليه في توترٍ، رأت "فيروزة" ما يفعله بجراءة وقد انعكس حنقها على خلجاتها، اضطرت أن تكظم مشاعرها المقيتة مؤقتًا، وتابعت مشيرها بتباطؤٍ وهي تزفر أنفاس الضيق.
............................................................
كعادة الأماكن الراقية كالمطاعم والمناطق الترفيهية يقف بعض الندلاء بالقرب من الأبواب لاستقبال الضيوف بتهذيبٍ ولباقة، وفور أن لمح أحدهم الزائرين الجدد حتى بادر بفتح الباب الزجاجي والإشارة لهم بيده الأخرى وهو ينحني قليلاً، تولى آخر يقف على مسافة قريبة مهمة إيصالهم لطاولة شاغرة، وبنبرة رسمية بحتة، وتلك الابتسامة المدروسة تساءل النادل:
-في حجز قبل كده يا فندم؟
أجاب "هيثم" بصوته الأجش:
-لأ مافيش
تابع النادل متسائلاً:
-تمام يا فندم، حضراتكم تحبوا تقعدوا هنا، ولا على البحر؟
نفخ "هيثم" في حيرةٍ والتفت يسأل "همسة":
-إنتي عاوزة إيه؟
ابتلعت ريقها، وأجابته بترددٍ:
-ممكن.. على البحر
هز رأسه في استحسان وهو يعقب عليها:
-يكون أحسن
ثم أشــار بيده للنادل آمرًا إياه:
-هنقعد هناك.
هز النادل رأسه ممتثلاً له، وعجل من خطواته ليبحث بشرفة المطعم الواسعة عن واحدة تناسب زبائنه، وجد ضالته المنشودة في إحدى الزوايا، اتجه إليها ورتب مقاعدها بما يتوافق مع العدد المتواجد؛ مقعدين متجاورين في كل جانب، وواحدٌ فقط يترأس المائدة التي اتخذت شكل المستطيل، ثم اعتدل في وقفته وقال مبتسمًا:
-دقيقة وهاتكون المنيو مع حضراتكم.
-ماشي
قالها "هيثم" وهو يشير بيده لخطيبته لتجلس إلى جواره على المائدة، اضطرت أن تستقر في ذلك المقعد، وعيناها تبحثان عن "فيروزة"، شعرت بالارتياح حين جلست بجوارها في المقعد المنفرد دون أن تدري أن "تميم" يجلس على يمينها .. صاحت "خلود" في حبورٍ مادحة ما يقدمه المكان من وجبات شهية:
-المطعم ده بيعمل كباب وكفتة حكاية، جربناه زمان واحنا صغيرين، بس شكله اختلف كتير دلوقتي.
علق عليها "تميم" وهو يجوب على تصميمه الحديث:
-اه فعلاً، اهتموا بيه.
أضافت في حماسٍ موجهة حديثها إلى التوأمتين:
-لأ ، ولسه زي ما هو، طعم الأكل خرافة، لما تدوقوه هتعرفوا إن عندي حق.
ردت "فيروزة" باقتضابٍ:
-كويس..
تنحنح "هيثم" مقترحًا بخفوتٍ وجسده يميل نحو "همسة":
-ما تيجي نقف جمب السور نتفرج على المياه
رفعت "همسة" عينيها لتحدق حيث أشــار بعينيه، وبدت في حيرة، حسم ردها عليه بنهوضه فجأة ليسحبها من كفها ويجبرها على الوقوف قائلاً:
-هنقف أنا وخطيبتي نشم هوا جمبكم
قالت "خلود" مبتسمة:
-وماله يا "هيثم"، خدوا راحتكم.
سـاد الصمت بين ثلاثتهم بمجرد رحيل الاثنين، وهنا عــاد النادل ومعه قوائم الطعام وأسندها بالترتيب على المائدة منتظرًا اختيارهم النهائي بالوقوف على بضعة خطوات منهم، انشغلت "فيروزة" بقراءة ما دون فيها من أطعمة مختلفة محاولة اختيار المناسب رغم كونها فاقدة للشهية، بينهما هتفت "خلود" مقترحة وحاسمة أمرها وهي تلكز بكتفها ذراع زوجها:
-ما تخلينيي اختارلك على ذوقي؟
نظرت لها "فيروزة" من أعلى طرف القائمة ودهشة مختلطة بالسخرية تعلو ملامحها، رأى "تميم" تلك النظرة المستهزأة وإن كانت أخفت وجهها، ابتسم لزوجته بعد أن أدار رأسه ناحيتها، وقال مجاملاً:
-ماشي، فاجئيني
تدللت عليه قائلة في مرحٍ:
-بس لو معجبكش متحرجنيش
مط شفتيه وقال:
-حاضر، هادفع الحساب وأنا ساكت.
ضجرت "فيروزة" من سماجة "خلود" وميوعتها الزائدة، وكأنها الوحيدة التي تحظى بحياة زوجية وردية وهانئة، نفخت في يائس من عدم انقضاء وقت تلك السهرة السمجة، انتبهت إلى صوتها المزعج حين سألتها:
-أطلبلك أنا كمان على ذوقي؟
ردت بوجومٍ قبل أن تبتسم بسخافة:
-لأ.. أنا بأعرف أطلب.
لم يستحسن "تميم" ردها المحرج لزوجته، والذي انسجم مع نظراتها الاحتقارية التي تدور في أرجاء المكان، لذا ابتسم يقول في سخرية:
-ما تسأليهاش يا "خلود"، دي بتاعة كبدة، أكيد مش هايعجبها حاجة
احتقنت نظرات "فيروزة" وتحفزت في جلستها، استدارت نحوه وحملقت فيه بعينين تقدحان بالغيظ، وردت مدافعة عن حلمها الذي أحرقه:
-لا معلش، احنا مش بايعين كبدة مع احترامي ليك ولأصحاب المهنة دي.. احنا قبل ما تولع في عربيتنا كنا بنبيع أكل مودرن.
شعر "تميم" بالضيق من اتهامها الباطل وهجومها الشرس عليه، لكنها نجحت في النيل منه حين تابعت:
-جايز ملكش خبرة في الحاجات دي عشانك كنت مسجون!
غلت الدماء في عروقه وشعر باهتياجٍ يجتاح خلاياه، وعنفها بحدةٍ:
-ليه الغلط طيب؟
ردت ببرودٍ وقد كتفت ساعديها أمام صدرها:
-إنت اللي بدأت الأول.
هتفت "خلود" قائلة لتساهم في الدفاع عن زوجها بكل قوةٍ:
-أنا عاوزة أقولك حاجة، جوزي اتسجن عشان خاطر أهله، ماسمحش لحد يهين أبوه ولا يدوس على طرفه، والكل عارف إنه بيعتبر حبسه وسام على صدره، مش عشان حاجة بطالة لا سمح الله.
أدارت "فيروزة" عينيها في اتجاهها، وردت بنبرة مهينة حملت بين طياتها الألم وهي تشير بسبابتها:
-والله اللي قولتيه عنه مايفرقش معايا، بس جوزك الشهم ده سلط البلطجية بتوعه على أكل عيشي وحرقه، وقصادكم عامل فيها ملاك بريء و...
لم يتحمل "تميم" المزيد من عباراتها اللائمة، وإلقاء التهم جزافًا عليه، بل وتذكيره بما ينغص عليه هدوئه، فضرب بقبضته المتكورة على المائدة صائحًا بلهجة خشنة ليقاطعها:
-خلاص، فضينها .. قفلوا سيرة في الموضوع ده!
قال كلماته الأخيرة ونظراته المحتدة ترتكز على وجه "فيروزة" المتضرج بغضبه، على الفور أحاطت "خلود" كتفيه المشدودين بذراعها، وتوسلته بحذرٍ:
-حبيبي اهدى، احنا جايين نقضي وقت لطيف هنا، وده سوء تفاهم حاصل بنحاول نشيله و..
قاطعها وهو يستدير برأسه نحوها:
-قولي للي بتجر شكل معانا بلسانها اللي زي المنشار.
ردت "فيروزة" على إهانته، فقالت بوجهٍ متجهمٍ:
-منشار على معدومين الأدب.
وقبل أن يحتدم الجدال بينهما عــاد "هيثم" ومعه "همسة"، جلسا من جديد على المائدة، فتساءل الأول:
-ها طلبتوا حاجة؟
مالت "همسة" على توأمتها تسألها:
-هو في إيه؟
حاولت الابتسام وهي تجيبها:
-مافيش يا حبيبتي
رنة أخرى صدحت من هاتف "فيروزة" لتعلن عن وصول رسالة نصية، تفقدتها على الفور، واعتلى ثغرها ابتسامة انتصارٍ، سألتها أختها بصوتها الخفيض:
-في حاجة؟
أجابتها بغموضٍ وقد عادت ملامحها لتشرق:
-هتعرفي دلوقتي.
اشرأبت بعنقها للأعلى وكأنها تبحث عن شخص بعينه، لمعت حدقتاها وقد أبصرت صديقتها "علا" تدخل المطعم وبصحبتها أخيها "ماهر" ورفيقه الضابط "وجدي"، غمزت لأختها بطرف عينها قبل أن تنهض لتقول بترفعٍ:
-أنا رايحة أسلم على "علا" صاحبتي..
لم تنتظر الرد منهم، وتحركت صوب رفيقتها التي كانت تلوح لها بيدها، استنكر "هيثم" تصرفها الوقح وعقب بضيقٍ:
-هي أختك مش محترمانا ولا إيه؟
ردت "همسة" في حرجٍ كبير مبررة ذهابها الفظ وهي ترفرف بجفنيها:
-معلش.. أصلها صاحبتها الأنتيم
رد عليها بوجهٍ مقلوب:
-خليها تراعي الناس اللي معاها شوية!
قال له "تميم":
-سيبك منها وشوف هنطلب إيه.
وبالرغم من إدعائه الانشغال بالتطلع في مشهد البحر المعتم إلا أنه استطاع أن يلمح بعينه ذاك الشخص الذي أتى بصحبة الفتاة، ولكنه لم يتبين ملامحه بعد، أحنى "هيثم" رأسه على خطيبته ليسألها في انزعاجٍ واضح عليه:
-هي أختك تعرف رجالة ولا إيه؟
ورغم استنكارها لطريقة سؤاله إلا أنها تحلت بقليلٍ من الشجاعة وأجابته بثباتٍ:
-ده الظابط "ماهر" مش حد غريب عننا، وأظن قريبك يعرفه.
تحولت نظراتها نحو "تميم" الذي هتف متبرمًا:
-أه عارفه، ما هي أختك خبرة في الأقسام.
لم ترتضِ "همسة" بذلك التلميح المهين، ودافعت عنها قائلة بصوتٍ شبه مختنق:
-على فكرة أنا أختي كانت بتدور على حقها، معملتش حاجة غلط، وأي حد في مكانها في بلد بيحترم القانون هيعمل كده.
قاومت تسللت العبرات إلى حدقتيها، فهي مرهفة الحس، لا تستطيع الصمود كثيرًا، تفضحها عبراتها ويخذلها صوتها، خشيت "خلود" من نشوب الخلاف واندلاعه مرة أخرى فقالت متصنعة الضحك:
-حصل خير يا جماعة، وزي المثل ما بيقول، ما محبة إلا بعد عداوة.
هدأت حمية الجميع نسبيًا مع حضور النادل الذي بدأ في تلقي الطلبات وتدوينها، وبقي زوج الأعين يختلس النظرات من حين لآخر لتلك التي تتمايل برشاقةٍ في وقفتها مع الغرباء بشكلٍ استثار أعصابه وكدر سكونه.
.....................................................................
وفق ترتيب مسبق بينهما هاتفيًا استجابت "علا" لطلب صديقتها المقربة وقررت الذهاب إلى نفس المطعم ولكن بصحبة أخيها ورفيقه ليس لقضاء سهرة لطيفة بالخارج فقط وإنما ليشدوا من أزر "همسة" ويدعموها بعد أن سردت لها رفيقتها ما حدث مؤخرًا، وكيف تم الضغط عليها للقبول بتلك الخطبة غير المتوافقة .. بغنجٍ وابتسامةٍ ناعمة أقبلت "فيروزة" على الثلاثة ترحب بهم:
-نورتوا المكان، فرحت أوي لما "علا" قالتلي إنكم هاتيجوا على هنا.
ردت عليها صديقتها بمحبة صافية وهي تحاوطها من خصرها:
-هو أنا أقدر أتأخر عنك برضوه
استطرد "ماهر" قائلاً بهدوءٍ يعكس جديته:
-ولو أني مش حابب الخطوبة دي، بس مبروك لأختك
تنهدت تقول له:
-ولا أنا والله حباها يا "ماهر" بيه، بس ده اختيارها.
علق عليها مؤكدًا وهو يشير بعينيه:
-عمومًا يا "فيروزة" إنتي عارفة إننا جمبك وقت ما تحتاجينا، دايمًا هتلاقينا في ضهرك
شعرت بمزيد من الارتياح يتغللها، وقالت ممتنة:
-الله يخليك لينا يا "ماهر" بيه.
ابتسم "وجدي" مضيفًا:
-وأنا موجود كمان، يعني إنتي في حماية
تضاعف إحساسها بالثقة والأمان، وردت في خجلٍ:
-مش عارفة أقولكم إيه
هتفت "علا" تقول:
-حبيبتي إنتي ليكي معزة غالية عندي و..
قاطعهما "وجدي" مستأذنًا:
-معلش يا جماعة لحظة وجاي، هاسلم على واحد صاحبي هناك
ردت عليه "فيروزة" بلباقةٍ:
-خد راحتك يا فندم.
أشعل "ماهر" سجارته، ودس الولاعة في جيب بنطاله الجينز مرددًا:
-شوفي أنا هاروح أبارك لأختك ولعريسها عشان يعرفوا إنكم مسنودين، وإنكم مش لوحدكم، وبالمرة أقرص ودن الواد إياه..
كان يقصد بكلامه الأخير "تميم"، لفتة خافتة حذرة حانت من "فيروزة" نحوه لتزداد عينيها توهجًا وهي تتخيل المشهد في رأسها، اعتدت بنفسها، واكتسبت المزيد من الثقة والغرور، تقدم "ماهر" في خطواته نحو المائدة، تعلقت الأعين به وقد وقف أمام المقعد الشاغر ليبدو حضوره مهيبًا وطاغيًا، نفث الدخان من بين شفتيه قبل أن يبادر مرحبًا:
-مساء النور عليكم جميعًا.
نظر له "تميم" شزرًا قبل أن يرد عليه بتعابيره التي غلفتها القساوة:
-أهلاً وسهلاً..
حافظ "ماهر" على ثبات تعابيره وهو يتابع:
-طبعًا أنا مش محتاج أعرفكم على نفسي، بس حبيت أجي وأبارك لعروستنا الجميلة..
واتجهت نظراته نحو "همسة" حين هنأها:
-خطوبة سعيدة عليكي.
تورد وجهها ونظرت له في خجلٍ قبل أن تقول بصوتها المرتبك:
-الله يبارك في حضرتك يا "ماهر" بيه.
أضــاف محذرًا بلهجةٍ تنم عن قوةٍ:
-شوف يا عريس، عروستك ليها غلاوة عند أختي، وأنا اللي أختى تقدره بأعتبره من العيلة، فيا ريت تاخد بالك منها وماتزعلهاش وإلا هتلاقيني واقفلك.
فـــارت دماء "هيثم" من طريقته الاستعراضية في إظهار القوة والسلطة، ورد عليه يسأله بعينين تقدحان بالشر:
-ده تهديد؟
ابتسم يجيبه في عجرفة:
-أنا بس بأوعيك، عشان تعرف إنت مِناسب مين.
وقبل أن ينطق بكلمة زائدة هتف "تميم" يرد عليه:
-خلاص يا "هيثم"، الرسالة وصلت يا باشا
هز "ماهر" رأسه في خفةٍ قبل أن ينهي حديثه بسخاءٍ:
-سهرة سعيدة عليكم، اطلبوا اللي إنتو عاوزينه، طلباتكم كلها على حسابي
اعترض عليه "تميم" بحذرٍ وقد رفع يده ليشير لـ "هيثم" حتى لا يتدخل:
-مالوش لازمة تكلف نفسك يا باشا، رجالتنا إيديهم فرطة مع حريمهم
قال "ماهر" غير مبالٍ بجملته الأخيرة:
-دي حاجة بسيطة، تحية مني للعرسان
ثم غمز له بطرف عينه، وألقى بسيجارته على الأرضية ليسحق بقاياها تحت قدمه، لوح لهم بيده مبتعدًا وهو يبتسم في طريقه لـ "فيروزة" التي بدت مبتهجة على الأخير، احتضنت رفيقتها "علا" التي تابعت بانبهارٍ قدرات أخيها وقالت:
-أخويا ظبط الدنيا
ردت تشكرها:
-بجد مافيش زيه، مش عارفة أقوله إيه
ابتعدت عنها لتنظر إليها، وأضافت مؤكدة عليها:
-دي مش حاجة يا "فيرو"، وماتنسيش إنتي معزومة على عيد ميلادي
أومأت برأسها ترد عليها:
-كل سنة وإنتي طيبة يا قلبي، أنا فاكراه طبعًا، وهاكلمك تاني وأعرف منك التفاصيل.
ودعتها بحرارةٍ قبل أن تعود للمائدة حيث بدأ النادل في رص الأطباق وتوزيعها عليهم، سحبت "فيروزة" مقعدها لتقترب من الطاولة، وقالت في عنجهية وتلك الابتسامة المغترة تتراقص على شفتيها:
-ذوق أوي "ماهر" بيه
صــاح بها "هيثم" محتجًا على إفساده لليلة:
-مكانش ليه لازمة الحركات القرعة اللي عاملها قصادنا
التفتت ناحيته، وقالت بحدةٍ وقد اكتسبت نظراتها قساوة شديدة:
-والله هو مش محتاج يتمنظر ولا يعمل حركات، هو راجل بيفهم وبيقدر اللي يعرفهم.
لم يتقبل "هيثم" ردها وشعر بالإهانة، فانتفض واقفًا وقد ألقى بمنديل المائدة القماشي على طبقه، ثم نظر إليها بنظراتٍ مغلولةٍ وهو يبرطم:
-أنا نفسي اتسدت، خلينا نقوم
توقع أن تغضب، لكنها ابتسمت في انتشاءٍ وأشارت له بحاجبها قائلة:
-أه يا ريت
نفخ هادرًا في غيظٍ:
-اللهم طولك يا روح.
نهض "تميم" من مقعده، ورمق "فيروزة" بنظرة نارية ثم اقترب من ابن خالته، جذبه بعيدًا عن المائدة ومال نحو أذنه يهمس له:
-اهدى، ماتخليش البت دي تحرق دمك
رد في حنق وهو يكز على أسنانه:
-اقسم بالله أنا ممكن أطبق في زمارة رقبتها، دي حقنة، يخربيتها، خميرة عكننة ونكد.
تجمدت نظراته على وجه "فيروزة"، وقال له بنبرة ذات دلالة مستترة:
-معلش، كل واحد وليه يومه!
....................................................................
أغلق صندوق السيارة بقوةٍ بعد أن رص أكياس الطعام البلاستيكية المعبأة بما رفضوا تناوله، سيجارة جديدة أشعلها ليسحب دخانها ويملأ بها صدره، لفظه دفعة واحدة قبل أن يتحرك للأمام ليفتح الباب ويستقر خلف عجلة القيادة، وتلك المرة أعــاد "تميم" ضبط المرآة حتى لا يجد وجهها ينظر إليه ويحفز دمائه لتهتاج بتلك الصورة المريبة .. بضعة أحاديث مقتضبة حاولت "خلود" التطرق إليها لتعيد روابط الود قبل أن يعود الجميع إلى منازلهم، للحظة دار في خلدها أن تنفرد بـ "همسة" وتستميلها بشكلٍ أو بآخر حتى تنجح في اكتساب أخيها دون عناء، ولهذا قررت فعل ذلك بمجرد توقف السيارة، ستتحدث معها لبضعة دقائق وتتبادل معها أرقام الهواتف بعيدًا عن تسلط أختها، وحين حانت اللحظة، وأوقف "تميم" السيارة أمام مدخل المنزل، هتفت بمرحها:
-"هموسة" عروسة أخويا ممكن أتكلم معاكي في حاجة..
استدارت ناحيتها تسألها في حيرة بادية على نظراتها وقسماتها:
-حاجة إيه؟
تنحنحت قائلة بابتسامتها التي لا تفتر:
-احم.. هاقولك.. لوحدنا.
فطنت "فيروزة" بذكائها للسبب البديهي الذي دفعها لفعل ذلك دون الحاجة للإفصاح عنه، نظرت بنوعٍ من الاستهتار إلى "خلود" التي ترجلت من السيارة، وبلطفٍ مالت عليها تطلب منها بتهذيبٍ:
-معلش ممكن تستنينا هنا خمس دقايق.
على مضضٍ وافقت فقط لتستغل الفرصة وتباشر هي الأخرى بتحذير "هيثم" من الإساءة لتوأمتها، ولما لا تفعل المثل من أجل أختها وقد باتت متأكدة من دعم أسرة رفيقتها "علا" لها؟ انتظرت ابتعاد الاثنتين، وتقدمت بجسدها للأمام قليلاً وهي في حالة تحفز واضحة، ثم هتفت دون مقدماتٍ ولهجتها مصطبغة بالقوة:
-كلمة ليك يا أستاذ إنت!
التفت "تميم" أولاً نحوها، لكنها تجاهلته ونقرت بأصابعها على كتف "هيثم" الذي أدار جسده نصف استدارة لينظر إليها، غامت عيناه وأظلمت ملامحه عندما تابعت:
-بأكلمك إنت..
سألها في استهجانٍ:
-عاوزة إيه؟
جاوبته بمزيد من القوة والجراءة:
-مش معنى إن أختي طيبة ومابتعرفش تتكلم كلمتين على بعض إن مافيش حد في ضهرها، لأ خد بالك هي مش لوحدها ولا عمرها هتتذل!
زوى ما بين حاجبيه متسائلاً في استغرابٍ:
-قصدك إيه؟
كانت مندفعة حد الجنون، ودمدمت بوضوحٍ ونظراتها مثبتة عليه:
-يعني مش هاسيبك تتهنى للحظة لو فكرت في يوم تزعلها
رفض "هيثم" ما تفعله وصاح بتشنجٍ:
-إنتي واعية لنفسك؟ إنتي جاية تهدديني؟
كادت يده أن تمتد نحوها لولا أن أمسك به "تميم" من معصمه ليثبته في مكانه، في حين ردت "فيروزة" عليه بتحدٍ ودون أن يرف لها جفن:
-أيوه، اعتبره تهديد!
توجس "تميم" خيفة من احتمالية تطاول ابن خالته عليها، شعر بتشنج رسغه أسفل قبضته، فهو أرعن لا يعي ما يفعل أو ما يقول، لا يزن الأمور بعقله حين تمس كرامته، وحتمًا سيتصرف بجهالة، ولهذا عمد إلى الاستخفاف بكلامها حتى لا يأخذه على محمل الجد ويتعامل بطيشٍ معها وربما بتجاوزٍ لن تقبله، فقال مبتسمًا، وكأنه يهزأ بها:
-سيبها تبعبع بالبؤين اللي مضايقنها يا عم! أصل في حريم مسترجلة وعاملة فيها سبع البرومبة!
اغتاظت من جملته التهكمية، والتفتت تحدجه بنظرة محتقنة، ثم هتفت فيه:
-متدخلش، محدش طلب رأيك!
سدد لها نظرة قاتمة عبرت عن غضبه الثائر، ورغم هذا قال ببرود يشبه الجليد في قساوته:
-وأنا مش مستنيكي تقوليلي امتى اتكلم، وامتى أسكت، بلاش تخربي على أختك عشان حقدك عليها.
تطلعت إليه في فمٍ مفتوحٍ عبر عن استنكارها، وعاجلته محتجة وهي تسأله بعصبيةٍ:
-أنا بأحقد على أختي؟
نظر لها شزرًا قبل أن يرد:
-أيوه، وباين إنك مفروسة منها.
-بلاش هبل!
نجح "تميم" ببساطة في توجيه دفة اللوم ناحيته ليتحول الهجوم عليه، بينما استل "هيثم" ذراعه من قبضته، وهتف بصوته المتنمر وهو يفتح باب السيارة ليترجل منها:
-أنا هاروح أجيب سجاير بدل ما أرتكب جناية هنا.
مجرد حجة واهية ليهرب من تلك الشخصية المستفزة حتى لا يفتك بها، ومع ذلك هتفت تغيظه:
-يالا، بالسلامة.
صفق الباب بانفعالٍ فانتفض جسدها من أثر الصوت القوي، ومع ذلك ظلت على وضعيتها المتحفزة تتنفس بصوتٍ أقرب للهاث حتى هدأت مُهاجها قليلاً، لكنها أحدث تأثيرًا خفيًا على "تميم" الذي شدد من قبضتيه على المقود، أدركت "فيروزة" أنها بقيت بمفردها في السيارة، ونظرات "تميم" مسلطة عليها من انعكاس المرآة، انتابتها حالة من النفور والانزعاج، فترجلت من سيارته تقول بتذمرٍ:
-الحمدلله إن الليلادي خلصت!
وأمسكت بهاتفها المحمول لتتحدث فيه ريثما تنتهي "خلود" من إملاء تعليماتها على أختها، انشغلت في محادثتها ونظراتها بين الحين والآخر تجوب على السيارة لتجد أنظاره ما زالت تصحبها أينما سارت، رمقته بنظرة متعالية وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه .. أحس "تميم" بالاختناق وبشعور لا يفقهه يصيبه بمزيد من الضيق والحنق، خاصة وهو يدرك أنها تعامله بازدراءٍ، لماذا هي بالأخص تنجح في قلب أحواله وتكدير سلامه؟ تحسس جبينه فوجده مرتفع الحرارة، ترجل من سيارته ليستنشق الهواء البارد، واستند بمرفقيه على سقفها يراقب الطريق بفتورٍ مقاومًا تلك الرغبة التي تداعبه وتدعوه للالتفاف والنظر إلى "فيروزة" .. أخرج من جيب سترته علبة السجائر وسحب واحدة ووضعها بين شفتيه، أعاد العلبة لمكانها بجيبه وفتش عن ولاعته ليشعلها، تلقائيًا تحولت أنظاره نحو تلك التي تتبختر في مشيتها البطيئة على الطريق، عاد دبيب الرغبة ليناوشه ويستفز مشاعره الحسية بشكلٍ أكبر مع حركاتها العفوية وهي تعبث بخصلاتها المتمردة، وهي تتلمس شفتيها لتتأكد من وجود أحمر الشفاه بهما. تصلب جسده واشتد تيبسًا مع تلك الضحكة الناعمة التي امتزجت بابتسامتها المتوردة، ببساطةٍ جعلته يحملق بها وهو يتساءل بحيرةٍ جلية عاقدًا تلك النوعية من المقارنة الغريبة:
-فيكي إيه مختلف عن "خلود" .............................................. ؟!
.............................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم Manal Salem
القراء الأفاضل، هستأذنكم الفصل هايكون قصير النهاردة لانشغالي طول اليوم بأعمال النظافة في المنزل ومكنش في وقت خالص أكتب الفصل لنهايته، أرجو تقبل تقصيري، وإن شاءالله أعوضكم مرة تانية..
ويا رب تكونوا جميعًا بخير
الفصل الثالث والعشرون (الجزء الأول)
لمسة مداعبة لشعرها المتناثر بفعل النسمات الباردة حانت منها لتجمع ما تمرد من خصلاته على جانب كتفها الأيسر، تبعتها بضحكة رقيقة ساحرة من شفتيها تصيب عقول الرجال بالفتنة، التفتت "فيروزة" لجانبها بتلقائية فوجدت "تميم" ما زال محدقًا بها بجمود، انزعجت من نراته المسلطة عليها، وأنهت مكالمتها لتطالعه بغلظةٍ قبل أن تسأله:
-في حاجة؟
تنحنح معتدلاً في وقفته وقد أخفى تلك الربكة التي كادت تظهر على ملامحه، انتصب بكتفيه وأنزل مرفقيه عن سقفية العربة ليجيبها بصوته الأجش وببرود وهو يدس كفيه في جيبي بنطاله:
-مستني مراتي، إنتي اللي في حاجة؟
نظرت له باستعلاءٍ، وأبعدت عينيها عنه لتسير بتعجلٍ على الرصيف لتعود إلى مدخل بيتها، لكن لفت ساقها حول الأخرى وتعثرت في مشيتها المتسرعة لتنكفئ كالخرقاء على وجهها في لمح البصر، انفلتت من جوفها صرخة متألمة وقد أدركت أنها طُرحت أرضًا، رفعت رأسها بحذرٍ وهي تستند على كفيها لتعدل جسدها، أخفضت نظراتها وتأملت الخدوش التي نالت من باطن كفيها بأنفاسٍ مضطربة، خرجت "همسة" و"خلود" ركضًا لنجدتها، تسألت توأمتها في قلقٍ:
-إنتي كويسة
نفضت "فيروزة" كفيها، وردت وهي تقاوم الألم الذي طال ركبتيها أيضًا:
-يعني..
سألتها "خلود" في اهتمامٍ:
-طب تقدري تقفي؟
أجابتها دون أن تنظر نحوها:
-أه.. مش حاجة مهمة
هتفت في مرحٍ محاولة تخفيف الأمر عليها:
-حصل خير، تلاقي بس حد حسدك
رفعت عينيها نحوها لتنظر لها باستخفافٍ، ثم علقت بتهكمٍ:
-أكيد، والصراحة هما كُتار.
لم تفهم "خلود" مقصدها، لكنها أصرت على معاونتها على الوقوف، ومدت لها ذراعها لتستند عليه، وإن كانت لم تنتبه لزوجها الذي تابع المشهد من مسافة قريبة وقد ظهر الذهول عليه .. بدا "تميم" مترددًا في الذهاب وتقديم المساعدة، حسم التخبط الدائر في عقله بعدم التحرك نحو ثلاثتهن، خاصة مع رؤيته لـ "هيثم" وهو يعود حاملاً كيسًا بلاستيكيًا في يده، وبالتالي لا يُعرضها للإحراج، نظر له الأخير متعجبًا وقد رأى في حالة من التحفز قبل أن يسأله:
-في إيه؟
أجابه وهو يتنحنح بصوتٍ خفيض:
-أخت خطيبتك وقعت على الأرض، خليك واقف شوية!
اعتلى ثغره ابتسامة انتشاءٍ، وقال في سعادة:
-ده خبر عظيم وزي الفل، عقبال ما رقبتها تتقطم
زجره قائلاً بضيقٍ ونظراته الغائمة تركزت عليه:
-مايصحش الكلام ده!
لوى جانب فمه معقبًا عليه بنفورٍ:
-يا عم اسمع مني، دي بومة، والجوازة دي لو اتخربت هيبقى بسببها!
قال منهيًا الحوار السخيف:
-قفل، الموضوع مش مستاهل.
رد بنصف ابتسامة:
-على رأيك..
ثم رفع يده بالكيس متابعًا جملته:
-هاروح أودي دي لخطيبتي وراجع
أومأ برأسه قائلاً:
-ماشي..
وبالرغم من حنق "تميم" المبرر ناحية "فيروزة" بسبب فظاظتها ولسانها السليط إلا أنه لا ينكر تلك اللوعة التي أصابت قلبه حين رأها تسقط هكذا، وهو يقف كالعاجز لا يستطيع مساعدتها، زاد ضيقه وانعكس على تصرفاته التي مالت للتشنج قليلاً؛ فركل بقدمه بعض الحصوات على الرصيف، ودعس عقب سيجارته حتى أفناه، حتى ولاعته لم تسلم من عصبيته ظل يعبث بها حتى علقت شعلتها فألقاها وحطمها بقدمه.
................................................................
بتبخترٍ وابتسامة عريضة ســار "هيثم" نحو ثلاثتهن ملقيًا نظرة شامتة نحو "فيروزة" التي كانت تتأمل حالة ثوبها بعد تمزق جزءٍ بسيط منه عند ركبتها وعند طرفه بسبب كعبها الحاد، لم يبذل أدنى مجهود ليخفي سعادته بالأذى الذي أصابها، نادى بصوتٍ تعمد أن يكون جافًا:
-يا عروسة!
التفتت نحوه "همسة" وهي تبتلع ريقها، أشــار لها بيده التي تحمل الكيس متابعًا بصيغة تميل للأمر:
-تعالي هنا لحظة.
وضعت "خلود" يدها على كتفها تستحثها وهي تهمس بابتسامتها اللطيفة، وكأنها تمزح معها:
-روحيله، متخافيش مش هايعضك.
استدارت نحو "فيروزة" تسألها بعينيها، فأجابت الأخيرة بنظراتها معلنة عن موافقتها وقد وقفت منتصبة في وقفتها تتابعها بعينين كالصقر، وكأنها تستعد للانقضاض على أحدهم إن لزم الأمر. تحركت "همسة" نحوه، تحاشت النظر إلى وجهه حين سألته بصوتها المرتبك:
-أيوه، إنت.. عاوز حاجة مني؟
مد يده بالكيس قائلاً:
-خدي دول، أنا جايب واحد ليكي، وواحد لأختك..
ثم أخفض من صوته مكملاً في ازدراءٍ وقد انقلبت تعابيره للعبوس:
-إياكش يطمر!
تناولت الكيس منه، وألقت نظرة خاطفة على محتوياته، فوجدت لوحين من الشيكولاته ذات الحجم الكبير، ابتسمت قليلاً وشكرته:
-ميرسي..
رد بنفس الوجه المتجهم:
-طب بصيلي وإنتي بتقوليها!
أسبلت عينيها المتوترتين نحوه، وشعرت بتوردٍ خفيف يعصف ببشرتها، بادلها ابتسامة عادية، وأشــار بيده متابعًا أوامره:
-يالا اطلعي فوق، مش هتقضيها واقفة كده كتير، وأنا مش ناقص كلمتين من خالك
هزت رأسها بإيماءة بسيطة قبل أن تقول:
-حاضر.
في تلك الأثناء، وقفت "خلود" إلى جوار "فيروزة" تتأمل أخيها وخطيبته بعينين لامعتين، مالت نحوها لتقول بتفاخرٍ:
-شكلهم لايق على بعض أوي، ماشاءالله ربنا يحميهم من العين.
نظرت لها من طرف عينها وهي تعلق باستهجانٍ:
-إنتي شايفة كده؟
أجابتها مدافعة عنه بنوعٍ من التحفز الطبيعي:
-على فكرة أخويا طيب جدًا، إنتي بس اللي مش عارفاه كويس
ابتسمت "فيروزة" في سخرية قائلة لها وقد استعادت مشهد دفعه لوالدتها في مخيلتها:
-ما هو واضح
فسرت "خلود" أسلوبها المتعالي معها في الحديث بأنه عجرفة وقحة المقصود منها احتقار شقيقها والتقليل من شأنها أيضًا، ولم تكن لتسمح بذلك، فإن كانت لا تتقبل بعض طباع شقيقها الطائشة، لكنه يظل من لحمها ودمها، لذا قالت بابتسامة متكلفة، وبنبرة ذات مغزى:
-ربنا يهنيهم، وعقبالك.. أصل أنا أعرف إن التوأم بيحبوا يعملوا كل حاجة مع بعض، حتى في الخطوبة، عشان الغيرة!
استشاطت عيناها من فظاظتها، والتفتت نحوها ترمقها بنظرة نارية، هتفت في استنكارٍ ووجهها مُربد بحمرة غاضبة:
-نعم؟ غيرة؟ على إيه إن شاءالله؟
ابتسمت في برود وهي تعقب:
-برضوه، الأمر مايسلمش!
توحشت نظراتها حين ردت تنكر ذلك:
-إنتي غلطانة! مش أنا و"همسة" اللي نغير من بعض
ربتت على كتفها ترد:
-ما تخديش الموضوع على أعصابك بس، كله في الأول والآخر قسمة ونصيب!
نجحت "خلود" في إحراقها بكلماتها الناقمة، ولم يكن فقط ينقصها إلا نعتها بـ (العانس) لتتلذذ أكثر برؤيتها تتلوى من الحنق .. ضحكت بتصنعٍ قبل أن ترد عليها وهي تدعي احتضانها لتودعها:
-مش هاعطلك بقى...
وزادت من تلك البسمة السخيفة وهي تكمل بغنجٍ مائع مستخدمة عينها اليمنى في الغمز:
-زمانت جوزي قاعد على نار مستنيني، بيحبني موت، ولما بأغيب عنه بيقلق، لما تتجوزي هتفهمي .. يالا أشوفك على خير، مع السلامة
أطبقت "فيروزة" على شفتيها تمنع نفسها بصعوبة من شتمها وتلك السمجة تكركر ضاحكة بصوتٍ مجلجل لتستفزها، وكأن شأنها مع زوجها يعنيها حقًا، انتظرتها حتى خطت مبتعدة عنها، وكزت على أسنانها تغمغم في ضيقٍ متعاظم:
-يا رب تولعوا إنتو الاتنين.
ثم استدارت رافعة طرفي ثوبها لتسير بتعصبٍ نحو الدرج متحملة الألم الذي يضرب بركبتيها حتى لا تنفجر غيظًا أمامها فتظن بذلك أنها فازت في جولتهما الكلامية وتزيد من شماتتها بها.
............................................................
جلس القرفصاء على تلك الوسائد العريضة التي تفترش جانب الشرفة المغلقة بنوافذ الألومينيوم ذات الوجهين، وأمسك بخرطوم نرجيلته يدسه بين شفتيه، سحب بعمقٍ الدخان، وحبسه للحظة في صدره، ثم أخرج سحبًا كثيفة منه عبقت المكان من حوله، تجشأ "محرز" وألصق هاتفه المحمول بأذنه ليتابع باقي مكالمته الجادة:
-مافيش مشكلة، بس زودلنا الأصناف دي في التوريد المرادي كمان يا حاج "لطفي".
عاد ليدخن النارجيلة وهو يصغي للطرف الآخر قبل أن يرد:
-ما هو الطلبات كتيرة عليهم
تحولت تعابيره للقتامة، وزاد احمرار حدقتيه المتهبتين مسبقًا من كثرة التدخين حين قال له بنبرة تعبر عن شيء غير مريح يخفيه:
-لا مالوش لازمة تعرفه..
لانت نبرته قليلاً عندما ادعى كذبًا:
-يا حاج هو مشغول مع الجماعة بتوعه، خليه يفرحله يومين ويدلع بعد الهم اللي كان فيه
نفث سحب الدخان مرة أخرى قبل أن يضيف:
-أيوه، على الدكان التاني.
سعل بصوتٍ متحشرج وهو ينهي مكالمته معه:
-كتر خيرك .. ده العشم بردك .. الله يكرمك.. وعليكم السلام
فـــرد ساقه بارتياحٍ على وسادة أخرى وقد أغمض عينيه لوهلةٍ ليستغرق في أفكاره الطامعة، تكدر صفوه الوهمي عندما سمع "هاجر" تسأله مباشرة وكأنها تلاحقه:
-دكان إيه ده اللي بتتكلم عنه؟ شغل تبع أبويا؟ ولا في حاجة تانية أنا معرفهاش؟
انتفض في جلسته المسترخية وسحب ساقه ليثنيها نحو صدره، غامت نظراته نحوها، وحك بإبهامه كفه متسائلاً بلهجة مستنكرة تحقيقها الحذق معه:
-وإنتي من امتى بتسأليني عن شغلي يا "هاجر"؟
كتفت ساعديها أمام بطنها المنتفخ، وأجابته بمسحة من العنجهية في صوتها:
-عادي.. مش مال أهلي اللي إنت شغال فيه؟ مغلطتش لما بأطمن عليه!
اغتاظ "محرز" من جملتها الأخيرة، وتمتم بصوتٍ خفيض يلعنها:
-أبو.. أهلك!
لم تفهم صوته الخافت، فاقتربت منه لتسأله من جديد:
-بتقول إيه؟
تجشأ بشكلٍ مقزز، ثم استرخى في جلسته، وطالعها بنظرات باردة ليبتسم بعدها بسماجةٍ وهو يخبرها كذبًا:
-يا ستي ده واحد مستقصدني أتوسطله في مصلحة أقضيهاله بس مش معاه يدفع كاش، وشغلنا ده زي ما إنتي بنتربط فيه من كلامنا، وأنا وعدته أتدخل وأسهله الأمور، ها في حاجة تانية؟
نظرت له في امتعاضٍ وهي ترد:
-لأ.. بس مكنش في داعي للنرفزة دي
هتف بضيقٍ لم يخفه:
-ما إنتي كان ناقص تسرقيني يا "هاجر"، إيش حال مكونتش شايل شغل أهلك على دماغي 7 سنين ومحدش كان بيحاسبني بأعمل إيه!!
ردت عليه موضحة:
-يا "محرز" دلوقتي الوضع اتغير، و"تميم" بقى موجود، ومش ناقصة أسمع كلمة بايخة من أبويا لما يقولي ده جوزك مقصر في حاجة
أشاح بوجهه بعيدًا عن عينيها المراقبتين له، وقال بتأففٍ:
-لا ياختي اطمني، كله تمام!
شعرت "هاجر" بالغثيان يضرب معدتها من الدخان الذي لوث رئتيها، وضعت يدها على أنفها لتكتم الرائحة الكريهة التي تستنشقها، وسألته:
-هتنام ولا هتعمل إيه؟
لم ينظر نحوها حين أجابها:
-هاخلص الحجرين دول وأحصلك
هزت رأسها تحذره قبل أن توليه ظهرها:
-طيب، بس ابقى اتأكد إنك طفيت الفحم بدل ما تقوم حريقة
رد بتبرمٍ:
-ربك يسترها.
ظلت نظراته الساخطة مرتكزة على أثرها بالرغم من رحيلها، وهمس يقول لنفسه وخرطوم النارجيلة يتراقص بين شفتيه:
-هانت، كل واحد هياخد حقه .. قريب!
...........................................................................
مسحت بظهر كفها دمعاتها الحارقة التي اغرورقت بها مقلتيها حين رأت العلامات بارزة في ثيابها القطنية، أدركت "خلود" أنه لا أمل ذلك الشهر في حدوث الحمل، ستنتظر على أعصابٍ متوترة ما سيحدث الشهر القادم، بالإضافة لبعض الجمل التوبيخية من والدتها، وكأنها المسئولة عن عدم حدوثه .. أكملت ارتداء ملابسها، ووقفت أمام مرآة الحمام تتطلع إلى وجهها الذابل، فتحت الصنبور وبللت أصابعها بالماء لتغسل به وجنتيها حتى تمحو آثار البكاء من عليهما، ثم قرصت خديها لتظهر توردهما بعد تنشيفهما، وابتسمت رغم حزنها حتى لا تشعره بالقهر الذي انتابها لمجرد تأكدها من زيارة ضيفتها الشهرية. خرجت من الحمام وتساءلت بمرحٍ زائف:
-حبيبي، إيه رأيك في عروسة أخويا؟ تنفع؟
أجابها "تميم" ساخرًا وهو ينظر لها:
-هو أنا هتجوزها؟
ضحكت قائلة وهي تقف أمام التسريحة لتمشط شعرها وتعقصه:
-بطل هزار، لأ بجد، رأيك فيها إيه؟ بنت كويسة؟ حلوة؟ شبهنا كده؟
لم يحبذ أبدًا التطرق لذلك الموضوع بعد الحالة المريبة التي انتابته تلك الليلة، لذا شوش على ما يناوش عقله مرددًا على مضضٍ ليظهر لها عدم اكتراثه:
-معرفش، اسألي أخوكي.
تنهدت معلقة عليه وهي تضع المشط في مكانه:
-هو شكله مبسوط، والبنت عجباني.. بس أختها لأ!
تقلص وجهه واشتدت تعابيره قليلاً حين نطقت بما لا يرغب، استلقى على الفراش، وضغط على شفتيه محاولاً ألا يشاركها الحوار، لكنها استمرت في ازعاجه وتشويش أفكاره قائلة:
-أنا مش بأقول عنها حاجة وحشة لا سمح الله، بالعكس هي جميلة، بس تحسها مش مريحة كده، أخدة الدنيا على صدرها، مش هاممها حد، وبيني وبينك شكلها غيرانة من أختها، والحدق يفهم!
أخفت ضحكة عبثية تشكلت على شفتيها بيدها، وكأنها بذلك قد نجحت في تحليل شخصيتها المعقدة باعتبارها خبيرة محنكة في أنواع النساء، أولاها ظهره ليتقلب على جانبه، وقال بفتورٍ:
-هما أحرار في بعض، احنا عملنا الواجب وخلصنا
استلقت "خلود" بجوار زوجها بعد أن نزعت روبها عنها، مالت نحوه لتحتضن كتفيه، ثم قبلت صدغه، وتنهدت بحرارة على جلده ليشعر بلهيب أنفاسها، داعبت طرف أذنه بأناملها، وقالت له معتذرة:
-معلش يا حبيبي، إنت هتاخد كام يوم أجازة مني، يعني.. إنت فاهم بقى
فطن "تميم" إلى ما ترمي إليه، لم ينكر أنه شعر بالارتياح من تلك النجدة الإلهية لافتقاده الرغبة في ممارسة أيٍ من طقوس الحب حتى وإن قام بواجبه على أكمل وجه، ابتسم وقال بنبرة تميل للنعاس:
-مافيش مشكلة.
تابعت بمرارةٍ:
-كان نفسي أبشر باللي يفرحك، بس ربنا مأردش
تنفس ببطءٍ ورد عليها وجفناه مطبوقان:
-أنا مش مستعجل، لسه قدامنا العمر كله
قبلت جبينه، وتمددت على ظهرها لتحدق بعينين تستدعيان الدمع وهي تتابع:
-يعني.. أنا عارفة إن أهالينا نفسهم يفرحوا بالأخبار دي و...
قاطعها بجديةٍ وقد جفاه النوم فجأة:
-"خلود"!
ثم استدار نحوها ليقول:
-محدش ليه الحق لا يتدخل ولا يتكلم في الموضوع ده غيرنا، والوقت المناسب هيحصل، متحطيش إنتي في بالك.
التفتت ناحيته برأسها فرأت نظراته تجوب على وجهها المنكسر، مد يده ومسح تلك العبرات المتسللة من طرفيها، فاندفعت تقبله كالعمياء من شفتيه، احتضنها وبادلها قبلة مطولة، ثم حاول إبعادها لكنها أصرت على الالتصاق بجسده ليشعر بما يختلج صدرها، مسح على ظهرها بودٍ، وقال مبتسمًا عله يخفف من حزنها:
-سبيها على الله، وخلينا في فرحة أخوكي.
تطلعت إليه بعينين تلمعان بقوةٍ، ولاحت تلك البسمة المنتقصة على شفتيها، وردت في يأسٍ:
-نفسي أقدملك كل حاجة عشان تكون جمبي على طول، خايفة تبعد عني!
تقلصت عضلاته فجأة، شعر لوهلة بالقلق وكأنها ترتاب لأمره، ورد بانزعاجٍ ونظراته تلومها:
-هابعد أروح فين بس؟
-يعني ممكن تسافر، أو تتجوز..
-لأ ماليش في السفر..
حاول مداعبتها فمازحها بتلقائية دون أن يدرك أنه يحرر أفكاره التي تراود رأسه في لا وعيه:
-ولو يا ستي فكرت أتجوز هابقى أجيبها تعيش معاكي
نظرت له بحدةٍ وقد قست ملامحها، فابتسم ليخفي حالة التوتر التي عصفت بكيانه لتلك الذلة المميتة، لم يقصد ذلك أبدًا، كانت مجرد طرفة عابرة، لكن ظهر تأثيرها المقلق على قسمات زوجته، أحنى رأسه عليها ليلتقط شفتيها بشفتيه، وطبع قبلة أشد عمقًا وأقوى تأثيرًا عليها علها تتأكد من مشاعره نحوها وتنسى ما باح به العقل، وكأنها نالت المسكن المؤقت لأحزانها الحالية بإشباع توقها لحبها الشغوف به، بقيت مستقرة في أحضانه وإن لم تغمض جفنيها. انتظمت أنفاس "تميم" وغرق في نومه، بينما ظلت "خلود" ساهدة، ساهمة حتى الساعات الأولى من اليوم الجديد، حينها خرج من جوفها تنهيدة بائسة محملة بالآمال والأحلام، تمنت فيها بكل أعماقها وعيناها معلقتان بالسماء قبل أن تغمضهما أن يحدث ما ترجوه عما قريب لتبشره وتنال الحظوة الكبرى لديه أولاً ولدى كامل عائلته، فتتربع على عرش عائلة "سلطان" بحفيدهم.. والوريث المنتظر ......................................................... !!
............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم Manal Salem
أحبائي القراء في كل مكان، دي تكملة فصل امبارح زي ما وعدتكم، إن شاء الله تستمتعوا مع الأحداث
الفصل الثالث والعشرون (الجزء الثاني)
أنهت جزءًا كبيرًا من المقرمشات والتسالي التي كانت تحتفظ بها شقيقة زوجها في المنزل وهي تتابع بنهمٍ الأحاديث الجانبية التي تلت الخطبة حتى تستأثر بكامل الأخبار، لم تصعد إلى منزلها وأخبرت زوجها بقضائها لباقي السهرة في منزل "آمنة" التي لم تمانع من وجودها وتعاملت معها بكل ودٍ ومحبة. افترشت "حمدية" الأريكة العريضة بجسدها تاركة أطفالها يلهون حتى أصابهم النعاس وغفلوا على السجاد غير مكترثة بحالتهم المحزنة، فضولها كان يدفعها لمعرفة المزيد، كانت نظراتها كالأفعى تتربص بالتوأمتين وتتابع ما يصدر منهما من كلمات أو تلميحات، حتى عندما غابت الاثنتان بالداخل ليبدلا ثيابهما بعد عودتهما من الخارج لوقت لا بأس به على أمل أن ترحل، كانت في انتظارهما بأعصاب جليدية. لم تمنحها "فيروزة" أي معلوماتٍ وتركتها تتخبط في حيرتها، و"همسة" لم تملك سوى القليل من الحديث لتقوله، وذلك لم يكن كافيًا لإرضائها ..
تثاءبت "فيروزة" بصوتٍ مسموع وهي تنظر إلى ساعة الحائط التي تخطى عقربها الثانية والنصف بعد منتصف الليل عل الضيفة السمجة ترحل، لكنها كانت مُصرة على البقاء، أفرغت زوجة خالها ما في يدها من قشرٍ وقالت وهي تنفض راحتيها:
-قومي يا "هموس" هاتيلي بؤ مياه، لأحسن اللب الأبيض نشف ريقي
ردت عليها "همسة" بنبرة مرهقة وهي تحاول تحريك جسدها المتعب لتنهض:
-مش كفاية كده يا مرات خالي؟ الفجر قرب يأذن.
استرخت "حمدية" أكثر في الأريكة، وقالت وهي تسحب الوسادة الصغيرة خلف ظهرها:
-ياختي ورانا إيه، أدينا سهرانين.
هتفت فيها "فيروزة" بامتعاضٍ ونظراتها المزعوجة مسلطة عليها:
-بس احنا تعبانين وعاوزين ننام، دماغنا مصدعة.
نهرتها والدتها لانعدام ذوقها معها فأردفت قائلة:
-عيب كده يا "فيروزة"، ما يصحش!
ردت عليها "حمدية" وذلك العبوس يجتاح ملامحها:
-قوليليها يا "آمنة"، هو أنا غريبة؟
ثم وجهت حديثها لها مهاجمة إياها بوقاحةٍ:
-أهي طولة لسانك دي اللي هاتطفش العرسان منك، وتخليكي زي البيت الواقف محدش راضي يبصلك، ما تخليكي كده زي أختك حلوة وفي حالها.
هبت واقفة، وزجرتها بعصبيةٍ:
-أنا مبسوطة كده، ومش عاوزة أتجوز
مطت "حمدية" شفتيها لتهمس بتنمرٍ:
-يا ساتر على تقل دمك، ابقي تفي على وشي لو جالك حد أصلاً!
نظرت لها شزرًا، والتفتت تقول لوالدتها:
-أنا داخلة أنام، تصبحي على خير يا ماما.
ردت "آمنة" مبتسمة:
-وإنتي من أهله يا حبيبتي، اقفلي الإزاز كويس عشان الهوا جامد برا.
هزت رأسها قائلة بتثاؤبٍ:
-حاضر.. على الله الناس اللي عندها دم تحس!
كزت "حمدية" على أسنانها في غيظٍ وهي تدرك أنها المقصودة من ذلك التلميح الفظ، حاولت إخفاء حنقها الذي انعكس سريعًا على تعبيراتها ونظراتها، وضحكت مستطردة بسماجةٍ:
-لما تروحوا تنقوا الشبكة ابقيي قوليلي يا "آمنة"، أنا خبرة عنك في الحاجات دي، وعشان محدش يضحك على بنتك، ويجيبولها حاجة أي كلام، برضوه حماتها مش سهلة، واسم الله عليها "همسة" تتاقل بالدهب، وإنتي عارفاني في الحق زي السيف.
تنهدت معلقة عليها:
-ربنا يسهل
احتقنت نظرات "فيروزة" من تدخلها المستفز في شئون العائلة وفرض سطوتها بطريقة مبالغ فيها، فمالت على أختها لتقول لها بتذمرٍ:
-شايفة الفشر؟
ردت عليها "همسة" مبدية انزعاجها:
-أنا معرفش هي حاشرة نفسها ليه؟ الموضوع ميخصهاش من الأساس.
عقبت عليها بنبرة اكتسبت العصبية:
-لأ إزاي، ده مش بعيد تذلنا طول عمرنا، وأمك مش هاتقولها لأ طبعًا، رِجلها هتسبق رجلنا، ومرات خالكم والكلام اللي لا يودي ولا يجيب
أمسكت "همسة" بها من ذراعها ودفعتها برفقٍ نحو الردهة وهي تتابع:
-خلينا نبعد عن وشها، أنا مش هاجيبلها حاجة، على الله تحس على دمها وتمشي
ردت باستنكارٍ:
-دي لازقة بغرا، مش هاتمشي بالساهل!
ظلت الاثنتان تتهامســان حتى دخلتا الغرفة، توقفت "همسة" عن السير لتغلق الباب من ورائها، بينما تقدمت "فيروزة" نحو الدولاب لتفتح ضلفته، أخرجت منامتها المريحة من على الرف العلوي، وبدأت في خلع ثيابها، لمحت الأولى تلك التحززات الحمراء التي أصابت الندبة الموجودة على كتف توأمتها الأيمن لارتدائها حمالة الصدر الجديدة ذات الأربطة الحادة لفترة طويلة، فقالت على الفور لتثير انتباهها:
-العلامة اللي عند كتفك شكلها ملتهب خالص.
تحركت الأخيرة نحو التسريحة مديرة كتفها للجانب حتى تتمكن من رؤيته تاركة منامتها على الرف، نظرت إلى الالتهاب الذي أصاب الندبة الباقية لها من آثار حريق الماضي، وقالت على مضضٍ وهي تتحسس جلدها بحذرٍ:
-منها لله "حمدية"، هو أنا كنت ناقصة!
وقفت توأمتها خلفها، وعرضت عليها بودٍ:
-خليني أدهنهالك، أنا عندي كريم ملطف.
هزت رأسها موافقة:
-ماشي يا "هموس".
قامت "همسة" بفتح الدرج الجانبي للتسريحة لتخرج منه علبة كريم مرطب تستخدمها كل فترة، نزعت الغطاء، ووضعت كمية معقولة بين أناملها، ثم لامست بحرصٍ جلدها المشتعل بحمرته الملتهبة لتدهنه حتى تسكن آلامه، ومع كل لمسة عليه كانت "فيروزة" تتصلب وتتوتر، ما زالت آثار تلك الليلة المحزنة مختومة على جسدها ومحفورة في ذاكرتها، يتنشط عقلها بين الحين والآخر بلمحات منه ليزداد هلعها وانقباض قلبها، لكنها تناضل لإغراق ما يطفو على السطح في ظلمات عقلها علها تنسى ما رأته آنذاك، اقشعر بدنها وهتفت فجأة وهي تزيح يدها:
-كفاية يا "همسة"، أنا بقيت كويسة.
لم تترك لها الفرصة للاعتراض عليها، تحركت من أمامها وعادت إلى الدولاب لتسحب منامتها وترتديها، تأملتها شقيقتها في حزنٍ وإشفاق، كانت تعلم مدى قســاوة تلك التجربة عليها وإن لم تفصح عن ذلك.
.............................................................
استلقت على ظهرها على الفراش عاقدة يديها خلف رأسها، حملقت في سقفية الغرفة بعينين متسعتين بالرغم من الظلام الذي احتل الغرفة مستعيدة تفاصيل خطبتها وما دار فيها من شد وجذب، ومحاولات التودد وخلق العلاقات الأسرية الطيبة، أدارت رأسها للجانب لتتأمل "فيروزة"، كانت تعلم أنها لم تنم بعد؛ بسبب تقلباتها المتعاقبة على الفراش، تنهدت ببطءٍ، وهتفت تسألها:
-إنتي لسه صاحية؟
أجابتها بصوتٍ شبه متحشرج:
-بأحاول أنام
عضت على شفتها السفلى في ترددٍ واضح، ثم سألتها بربكةٍ محسوسة:
-عاوزة اسألك في حاجة؟
لم تتطلع إليها أو تتحرك من مكانها وهي ترد:
-خير؟
سحبت شهيقًا عميقًا طردته من صدرها على مهلٍ قبل أن تتابع:
-إيه رأيك في "هيثم"؟
أجابتها دون تفكيرٍ:
-مش مستريحاله لا هو، ولا أخته، ولا جوزها!
ابتسمت "همسة" في تهكمٍ، كان ردها واضحًا ومفهوم الأسباب، اعتدلت "فيروزة" في نومتها بعد أن استدارت نحوه شقيقتها، مدت يدها لتضيء المصباح الجانبي الصغير الموضوع على الكومود إلى جوارها، وسألتها دون مراوغة ونظراتها مثبتة على وجهها:
-إنتي عاوزة تكملي الخطوبة دي ولا لأ؟
جاوبتها "همسة" في حيرة وهي تفرك أصابعها لتخفي حرجها:
-مش عارفة لسه؟
قالت بلمحة تعبر عن السخرية:
-ما أكيد ملحقتيش تحبي عريس الغفلة
ردت مستنكرة:
-لأ طبعًا
أضافت "فيروزة" بجديةٍ وهي تشير بيدها:
-بصي يا "همسة"، ساعات الواحد في لحظة تسرع بياخد قرارات غلط، مش عيب إننا نرجع فيها طالما ...
لم تكن توأمتها راغبة في إنهاء الخطبة أو التراجع عن ذلك الارتباط غير المتوافق، فقاطعتها دون ربكةٍ:
-أنا مش ندمانة على فكرة، وعايزة أقولك إن "هيثم" اعتذرلي عن الموقف البايخ اللي عمله مع ماما!
رفعت "فيروزة" حاجبها للأعلى في اندهاشٍ:
-بجد؟ حصل امتى ده؟ ولا ده دفاع منك عنه
هزت رأسها بالنفي:
-أه والله، واحنا واقفين لوحدنا، اعتذرلي..
قالت في استحسانٍ:
-كويس!
أضافت "همسة" بابتسامة صغيرة وهي تلمح للحلوى التي اشتراها لكتليهما:
-وبعدين إنتي شوفتيه جابلنا إيه قبل ما نطلع البيت
علقت ساخرة منها وقد أولتها ظهرها:
-اه .. والظاهر إنه هياكل بعقلك شيكولاته.
التفتت "همسة" بجسدها للجانب الآخر من الفراش لتولي ظهرها لشقيقتها، وتابعت هامسة بتنهيدةٍ:
-مظنش.. بس بأحاول استبشر خير.
ثم أغمضت عينيها لتستعيد في مخيلتها مشهد بقائها مع خطيبها بمفردها على الشرفة المتسعة بالمطعم، حينها كانت في حالة لا تُحسد عليها من الخجل، والارتباك، والتلعثم، والارتجاف. مد "هيثم" يده ليمسك بكفها المستند على الحافة، لكنها سحبته في سرعة وقلبها يدق بعنفٍ، استاء مما ظنه نفورها، وعاتبها بضيقٍ:
-لعلمك أنا بأتنرفز من اللي يطنشني.
اعتذرت منه باستحياءٍ وكامل نظراتها مرتكز على الأمواج المتلاطمة:
-أنا أسفة.. بس مش متعودة حد غريب يقرب مني.
نفخ بصوتٍ مسموعٍ كتعبير عن ضجره من حذرها قبل أن يستأنف قائلاً:
-ماشي، هاسيبك لحد ما تتعودي عليا، بس كنت عاوز أقولك حاجة؟
ابتلعت ريقها وردت:
-اتفضل.
تنحنح بخشونةٍ، وتابع بترددٍ بائن في صوته، وكأنه يحاول استدعاء الكلمات لتنصفه:
-فاكرة اليوم إياه.. ساعة لما وقعت أمك على وشها
ورغم استيائها من ألفاظه الفظة في محاولته للإشارة للموقف السابق -والذي دفع فيه والدتها بعنفٍ وطرحها أرضًا خلال فرح أخته- إلا أنها ردت بهدوءٍ:
-أهــا، ماله؟
اخشوشنت نبرته وبدت خافتة حين بادر معتذرًا:
-أنا محقوقلها، مكنش قصدي.
هزت رأسها مبتسمة في رضا:
-تمام.
أكمل مفسرًا بتشنجٍ طفيف:
-أصلي يومها كنت مضايق شوية من كام حاجة حصلت، ويعني دخلت فيكم زي القطر، ومكنش ليكم ذنب
اتسعت بسمتها أكثر، والتفتت ناظرة نحوه وهي تقول:
-كويس إنك بتعترف بغلطك، دي حاجة بأحترمها.
تأمل ابتسامتها بعينين تعبران عن اهتمامه بها، للمرة الأولى تمتدحه فيها، لم ينكر أن تصرفه ذلك -وإن كان متأخرًا- قد أتى بنتائج طيبة معها، ورأى ذلك يظهر بوضوح في تعبيرات وجهها لوح بيده مكملاً حديثه معها:
-يعني مش عايز نبدأ مع بعض وكل واحد فينا شايل من التاني.
لعقت شفتيها، وقالت:
-أها، كده أحسن
استرسل "هيثم" مضيفًا بابتسامة متسعة معبرًا بصراحة مطلقة عن مكنونات صدره:
-تعرفي، أنا حمدت ربنا إنك طلعتي من بختي، مش أختك!
قست نظراتها وحل الوجوم على ملامحها عقب جملته تلك، ووبخته بانزعاجٍ بائن:
-لو سمحت ممكن ماتكلمش عنها، أنا بأزعل من الأسلوب ده
برر لها مقصده بوصفها بتلقائية:
-يا ستي هو أنا قولت حاجة وحشة، بس هي عاملة فيها فتوة الحتة، وإنتي شكلك غيرها.
استاءت من طريقته غير المستساغة في اكتساب ودها بتلك الصورة الفظة، وهتفت محتجة:
-برضوه هتغلط فيها؟
قال ملطفًا وهو يغازلها:
-خلاص فكك منها، وقوليلي إنتي حلوة كده إزاي؟ الصراحة قمر واقف قدامي.
تورد وجهها في خجلٍ، أخفضت نظراتها الساهمة، وردت تشكره:
-ميرسي
تأمل تلك الحمرة التي اكتسحت بشرتها وزادت من إشراقة ملامحها، فواصل تغزله بشكلٍ أكثر جراءة:
-إنتي بتكسفي، يا لهوي يا جدعان، طب أوعى الجاز ليولع في الغاز!
أبعدت وجهها عن نظراته التي تخترقها وهي تخفي ضحكة عابثة تسخر فيها من كلماته التي تعبر عن فطرته الشعبية البحتة .. عــادت "همسة" لواقعها المحيط وتلك الابتسامة لا تزال مرسومة على محياها، ربما فشل بشكلٍ ذريع في التعبير عن إعجابه بها واستمالتها نحوه، لكنه بطريقة ما استحوذ على قدر بسيط من تفكيرها.
.....................................................................
برقت حدقتاها واتسعتا في نشوةٍ حين وضع الحقيبة الجلدية على الطاولة الرخامية أمامها وفتحها لتظهر رزم النقود بوهجها المحفز للنفوس، أحست "بثينة" بعنف نبضاتها المتحمسة، فلم ترَ مثل ذلك المبلغ الضخم في حياتها مطلقًا، سال لعابها، وظهرت بوادر الطمع على محياها، ادعت جمودها وتساءلت بعدم اكتراثٍ:
-إيه ده يا حاج "بدير"؟
أجابها بهدوئه وهو يجوب بنظراته على وجهها ذي الملامح الزائفة:
-ده عشان جوازة ابنك يا "بثينة".
ازدردت ريقها وتساءلت بحماسة جاهدت لإخفائها:
-مش فهماك؟
عبث برأس عكازه براحة يده، وقال موضحًا:
-زي ما اتفقنا قصاد نسايبك الجداد، فلوس تجهيز البيت وعفش جديد والشبكة للعروسة.
ابتسمت في رضا، وردت بامتنانٍ:
-الصراحة عداك العيب يا حاج، كده ابني يقدر يخش ومافيش حاجة نقصاه.
هز رأسه يؤيدها:
-مظبوط
ولكن تحولت نبرته للجدية حين تابع منذرًا إياها:
-وخدي بالك يا "بثينة" لو عاوزة ابنك يفلح!
زوت ما بين حاجبيها متسائلة بقسماتٍ متجهمة:
-قصدك إيه؟
أوضح ببساطة وتلك النظرة المحذرة تنطلق من حدقتيه:
-ماتفحيش في ودانه زي تملي وتشقلبي كيانه.
اِربد وجهها بالحنق، وصاحت تنفي ما قاله:
-هو أنا بأحرضه ضدك لا سمح الله؟ مش حق أبوه اللي راح وآ....
قاطعها رافعًا يده أمام وجهها لتصمت:
-احنا قفلنا على السيرة دي خلاص، وكل واحد خد حقه من زمان، وأنا رميت ورا ضهري اللي عمله "هيثم"، قومي بدورك إنتي كأم معاه، وخليه يستقر عشان حاله يتصلح، وإياكي تظلمي بنات الناس
مصمصت شفتيها قائلة بتذمرٍ:
-أنا زي البلسم يا حاج، بأتحط على الجرح يطيب
رد عليها وهو يستعد للنهوض:
-هنشوف.
نهضت بتكاسلٍ من مقعدها، وقالت مجاملة:
-ما تقعد شوية يا حاج، ده إنت منورني
نظر لها بجمودٍ من طرف عينه قبل أن يرد:
-ورايا مصالح، سلامو عليكم
ســار متجهًا نحو باب المنزل، وتبعته في سكونٍ حتى خرج وأغلقت الباب، التفتت لتلصق ظهرها به، وحملقت بعينين تتوهجان بخبثٍ ماكر على حقيبة النقود محدثة نفسها:
-أل أنا اللي هاخربها على ابني، يا حسرة عليه من يوم ما أبوه مات واحنا متلطمين، ده أقل من حقه بكتير!
...................................................
-اعدل الرصة يا ابني، ده مال ناس!
هتف "محرز" بتلك العبارة عاليًا محذرًا إياه بلهجة صارمة وهو يلوح بيده لأحد العمال الواقفين أعلى تلك الشاحنة، تابعه بنظراته أثناء رصه للأقفاص البلاستيكية التي تم ملؤها بثمار الفاكهة الطازجة بعد وزنها ليتأكد من أداء عمله على أكمل وجه، التفت برأسه يمينًا ويسارًا ليتابع حركة المارة، لمح "هيثم" وهو يركن سيارة الربع نقل عند ناصية الشارع، ابتسم في مكرٍ وهو يمسح على صدره بحركة دائرية متكررة، تحرك صوبه قاصدًا الحديث معه، ترجل الأخير من سيارته ليتفاجئ به أمام ناظريه، سأله بوجهٍ جاد التعبيرات:
-خير يا صاحبي؟
غمز له قائلاً بلؤمٍ وهو يلكزه بخفةٍ في كتفه:
-هنيالك يا عريس، أنا شايف الحاج من صباحية ربنا فاتح الخزنة الكبيرة وبيعبي الشنطة فلوس بالأكوام، زمانته راح عند الست الوالدة
سأله بنبرة ساخطة وقد توحشت نظراته:
-وإنت عاوز نصيبك من الفلوس دي ولا حاجة؟
رد نافيًا ووجهه يكسوه مسحة من الغموض المخيف:
-لأ، دول حلال عليك، وبعدين مش أنا اللي يملى عيني شوية الملاليم دي، أنا عاوزك في حاجة أكبر.
تطلع إليه في استغرابٍ وهو يسأله:
-حاجة إيه دي؟
جاوبه "محرز" بمزيد من الغموض:
-بعدين هاقولك لما أظبط كل حاجة..
وزاد من ابتسامته اللزجة وهو يتابع ليتوه عن تلك المسألة المثيرة للريبة:
-ركز إنت في الجوازة اللي جاية على كفوف الراحة دي
منحه نظرة ناقمة قبل أن يعقب عليه بامتعاضٍ:
-ما هي شورتك يا أبو نسب.
افتعل الضحك وتساءل بعدها:
-أومال فين "تميم"؟ مش شايفه يعني
حك "هيثم" أذنه وهو يجيبه:
-أبوه بعته مشوار، أنا طالع على القهوة شوية، جاي ولا؟
رحب باقتراحه قائلاً ببسمة غير مريحة:
-معاك.. هو احنا لينا إلا بعض!
.......................................................................
ألزمه "بدير" بالذهاب في المرة الأولى مع ذلك العامل ليدله على منزل العروس الجديد باعتباره حديث العهد بالعمل في تلك المنطقة التي تعد جديدة عليه، وعلى مضضٍ اضطر أن يوافق حتى لا يرد أمر والده، وبضغطة بسيطة على المكابح أوقف "تميم" السيارة بجوار الرصيف الملاصق لمدخل البيت. سدد نظرة متأملة متأنية لنوافذه الموصدة عله يلمحها واقفة، لا يعرف لماذا تبحث عيناه عنها تحديدًا؟ لم يكن ليهتم هكذا برؤية زوجته التي تغدق عليه بالمشاعر الشغوفة، ناوشته تلك الأحاسيس الحماسية العجيبة واجتاحت وجدانه، أحس بدبيب قلبه يرتفع، تنحنح بخشونة مقاومًا ما يعتريه من أوهام استنكرها ونفضها عن عقله، ثم ترجل وساعد العامل في إنزال الأقفاص المليئة بالفواكه من المقعد الخلفي، اعتدل في وقفته، ومسح بيده العرق الذي تجمع عند جبينه متسائلاً:
-عرفت الدور ولا هتبوظ الدنيا؟
لم يكن العامل ممن يفهون سريعًا، قدراته الاستيعابية إلى حد ما محدودة، فأجابه بترددٍ:
-هاشوف يا معلم.
توتر "تميم" من إفساده للأمر، وقال مرغمًا:
-أنا جاي معاك، إياكش تفهم.
ثم انحنى ليحمل واحدًا من تلك الأقفاص الثقيلة، وتقدم في خطواته المتعجلة نسبيًا ليسبقه في الصعود على الدرج، يكاد يجزم في نفسه أنه لم يكن متحمسًا هكذا في بادئ الأمر، ولكن حين بات على مقربة من منزلها نشبت بداخله رغبة مُلحة للتحجج بأي سبب ورؤيتها وإن كان ذلك على سبيل المصادفة، أيعقل أن يصل به الأمر ليتصرف كالمراهقين؟ لام نفسه بشدة على سذاجته وتصرفاته الطفولية، وردد بصوتٍ خفيض وهو يزفر:
-مش هاتحصل تاني! أنا هاسيب الحاجة وأمشي.
أنزل القفص على أعتاب باب المنزل، وانتظر صعود العامل حتى يملي عليه أوامره. همَّ بالتحرك نحو الدرابزون لينظر إليه من خلاله، ولكن صوت صرير فتح الباب جمد قدميه، التفت عفويًا برأسه نحو من أطلت عليه من الداخل، ببساطةٍ مربكة فَسد ما خطط له حين رأى "فيروزة" تتطلع إليه بنظراتها المدهوشة ورائحة عطرها الأنثوي قد فاحت في المكان واقتحمت أنفه لتملأ صدره بها، جف حلقه كليًا، وشعر بتلك الخفقة العنيفة تضرب أوتار قلبه وهو كالأبله ينظر لها مصدومًا، بدا وكأنه قد فقد القدرة على النطق أو التحرك، تخشب في مكانه لحظيًا وصوتها الناعم يردد بابتسامة لا يعرف إن كانت ساخرة أم مرحبة:
-إيه المفاجأة دي ............................................ ؟!
..............................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الأول) ✅ الفصل الثلاثون 30 - بقلم Manal Salem
للساهرين قبل منتصف الليل وبعده، استغليت وقت الفراغ ساعتين عموري نام فيهم وكتبت فصل صغير على أدي كده ..
إن شاءالله تعجبكم الأحداث
الفصل الرابع والعشرون
تعلقت عيناه بعينيها المتطلعتين إليه وكأنها نفذت إليه فاخترقت كيانه، ربكة أخرى أشد وطأة عصفت بداخله، وذبذبت ما ظن أنه يملك زمام أمره؛ قلبه .. تدارك نفسه سريعًا، وأبعد حدقتيه عن تأمل تفاصيلها القريبة منه ليتنفس ببطءٍ شديد حتى يضبط ما أصاب عقله من تخبط غير مفهوم، وفي أقل من لحظاتٍ كان وجهه قد اكتسب طابعًا مهنيًا جادًا، تراجع "تميم" خطوة للخلف ليفسح المجال للعامل لوضع باقي الأقفاص، وتجنب النظر إليها ليبدو كمن جاء لأداء مهمة محددة حين هتف آمرًا:
-حطهم عندك
رد العامل بامتثالٍ:
-حاضر يا معلم.
لكن صوت "فيروزة" الرنان اقتحم أذنيه عندما قالت بنفس النبرة الساخرة:
-بنفسك يا معلم، احنا مش واخدين على كده.
عقب عليها بتجهمٍ طفيف وقد خالف عهد نفسه ونظر ناحيتها:
-كان عندي أمانة من الحاج بأوصلها.
تساءلت بتهكمٍ ونظراتها تتفحص أقفاص الفاكهة التي احتلت عتبة المنزل:
-أها، وعريس الغفلة فين؟ مش هو المفروض يجي بدالك!
انزعج من تطاولها، ورد بحدةٍ، وكأنه يلومها:
-مش فاضي وراه شغل.
قالت مبتسمة في استخفافٍ محسوس:
-وإنت بقى اللي باعتك بتقوم بدوره، غريبة!
زفــر "تميم" عاليًا، وضرب كفه بالآخر في ضيقٍ قبل أن يرد عليها بوجهه الممتقع:
-لا إله إلا الله، هي مش ضاربة معايا نرفزة على الصبح، أنا عملت اللي عليا وخلاص..
ثم التفت نحو العامل يأمره من جديد بلهجة منفعلة:
-يالا يا ابني.
سبقه العامل في خطواته، وقبل أن يمضي "تميم" في طريقه استمع إلى صوت "آمنة" المتسائل:
-مين يا "فيروزة"؟
وما إن أبصرته حتى نادت عليه بلهفةٍ لترحب به:
-أهلاً يا ابني، اتفضل شوية.
استوقفته عبارتها، فاستدار نحوها يشكرها:
-كتر خيرك يا حاجة.
ردت "فيروزة" على والدتها، فقالت بما يشبه التهكم:
-رحبي بنسايبنا المعلمين.
ارتفع حاجبا والدتها للأعلى في استنكارٍ من فظاظتها الزائدة، ونهرنها بعبوسٍ:
-عيب يا بنتي، الراجل في بيتنا.
رد "تميم" ينصح أمها بلهجةٍ جافة:
-شكرًا يا ست الكل، بس يا ريت تعلمي الأبلة الذوق مع الناس بدل ما لسانها فيه حتة زايدة.
احتقنت بشرتها بحمرة مغتاظة من تطاوله الفج، وتطلعت إليه بنظرة احتقارية شملته من رأسه لأخمص قدميه قبل أن تنطق مهاجمة إياه:
-ما في أشكال ماينفعش معاها إلا قلة الأدب!
هدرت "آمنة" تعنفها لتجاوزها غير المحتمل:
-"فـــــيروزة"!
اشتعل وجه "تميم" بغضبه، ورد بزمجرةٍ بائنة في صوته يهددها بها وهو يلوح بسبابته أمام وجهها:
-للمرة التانية بأحذرك وإنتي بتتكلمي معايا، يا تخرسي وتحطي لسانك في بؤك، يا إما هاوقفك عن حدك!
أهانته باندفاعٍ، معتقدة في نفسها أنه لن يجرؤ على المساس بها في حضرة والدتها:
-ما إنت بلطجي و....
بترت باقي جملتها، وتأوهت من الألم المفاجئ الذي أصاب جانب ذراعها، وكأن شيئًا حادًا قد اخترق ثيابها وغرز في لحمها، التفتت إلى الجانب لتجد والدتها تقبض بأصابعها عليها وكامل نظراتها مشتعلة غيظًا منها، ثم وبختها بلهجةٍ قوية قاصدة إحراجها:
-ما تتلمي شوية! هو أنا معرفتش أربيكي ولا إيه؟ عيب أسلوبك ده مع ضيفنا، ولا عوزاني أمد إيدي عليكي قصاده؟!!!
أطبقت على شفتيها في حنقٍ وهي تكاد لا تصدق ما تفوهت به من تهديد عدواني بحت، وأمامه تحديدًا لتنصفه وتتخذ موقفًا معاديًا لها .. غالبت بصعوبة دموعها التي كانت تقاتل للتسلل إلى مقلتيها ومشاهد الإيذاء البدني واللفظي تتراقص في مخيلتها، راقب "تميم" ما يحدث بعدم رضـا، وهتف معترضًا بوجومٍ:
-عمومًا يا حاجة أنا كنت بأوصل أمانة.. مافيش داعي للمشاكل..
تركزت عيناه على وجه "فيروزة" المتعصب، تبين من نظراتها الكارهة نحوه مدى ازدرائها له، ولم يشعره ذلك سوى بالانزعاج وعدم الراحة، تابع بمسحةٍ من الضيق في صوته:
-ومش هتشوفوا خلقتي تاني.
أدركت "آمنة" أن ابنتها قد تسببت في إحزانه، فاعتذرت منه على الفور:
-حقك عليا يا معلم، بنتي متقصدش.
حنقٌ مُضاعف غطى قسمات "فيروزة" عقب جملتها تلك، لم تتحمل وداعة والدتها مع من تسبب في إيذائها، استلت ذراعها من يدها، وكبتت مضطرة غضبها في نفسها، ثم قالت بصوتٍ مختنق لتنفر من المكان:
-مع السلامة يا ماما، أنا رايحة مشواري.
ودون أن تنتظر الرد منها اندفعت كالطلقة هابطة الدرجات ركضًا وأنفاسها تلهج، يكاد يُجزم "تميم" أنها ستبكي قهرًا، اصطحبتها نظراته تلقائيًا إلى أن اختفت، لكن شعوره بالانزعاج ما زال متعاظمًا، وكأنه ازداد قوة بابتعادها وهي في تلك الحالة الناقمة، تصنعت "آمنة" الابتسام وقالت ملطفة حين لاحظت شروده:
-والله بنتي طيبة، بس هي ساعات مابتبقاش واعية للي بتقوله، فمتزعلش منها.
تنهد قائلاً لها بأسفٍ:
-حصل خير يا حاجة، أنا عاوز أفهمك إني حاولت أراضيها وأعوضها عن اللي حصل، بس هي مرضتش
علقت عليه بنبرة متمهلة، وقد ظهرت التعاسة على محياها:
-نفسها عزيزة عليها، وأنا بتأسفلك تاني.
هز رأسه مرددًا:
-ولا يهمك يا حاجة، سلامو عليكم.
ألقت عليه التحية، فأولاها ظهره وتحرك هابطًا الدرج بخطواتٍ ثقيلة، ووجه "فيروزة" المحتقن لا يزال عالقًا في ذهنه.
.........................................................................
تناقلت ثمرة التفاح غير المأكولة بين يديه بلزمة متكررة وكأنها كرة تتأرجح في سلاسة دون أن يفقدها أو تسقط من راحته وهو جالس أمام دكانه غارقًا في أفكاره العميقة، شــرد عمن حوله، وكأنه في عالم خاص به، ما زال طيف وجهها العابس يحتل جزءًا من تفكيره، حز في قلبه أن يراها مجروحة الكبرياء أمامه وإن كانت سليطة اللسان، أوشك عقله على الانفجار من كثرة ما يعتريه من صخبٍ يخصها وحدها، لم ينشغل هكذا بالتفكير بأحدهم منذ حبسه، حتى "خلود" لم تستحوذ على مقدار بسيط من اهتمامه طوال تلك الفترة المشؤومة، نفخ كمن أصابه السأم وتوقف عن العبث بالتفاحة .. حملق فيه والده مطولاً وقد جلس إلى جواره، لم ينبس بكلمة أو يعلق بشيء، كان صامتًا لدرجة أثارت فيه الريبة، فسأله "بدير" مستوضحًا:
-إنت كويس يا "تميم"؟
ظل صامتًا ولم يجبه، فأعاد على مسامعه السؤال بنبرة أعلى:
-يا "تميم" أنا بأكلمك، إنت كويس يا ابني؟
انتبه لصوته وقبض على الثمرة بيده، وكأنه يعتصرها، ثم استدار نحوه، وقال بوجهٍ غير مقروء:
-أنا بخير يابا.
سأله في اهتمامٍ وقد تقطب جبينه:
-عملت اللي طلبته منك؟ وصلت الحاجة للجماعة نسايب ابن خالتك؟
رد على مضضٍ وأمارات الضيق بادية عليه:
-أيوه.. كله تمام.
حرك رأسه في استحسانٍ، وتابع:
-كويس، مش عاوزين نقصر معاهم، هما بردك محسوبين علينا
قال غير مبالٍ وهو ينهض عن كرسيه الخشبي:
-اللي يريحك.
أوقفه "بدير" قبل أن يتركه بالإمساك به من ذراعه، وسأله وهو يتفرس في ملامحه الغريبة:
-مالك يا ابني؟ في إيه مضايقك
رد ضاغطًا على شفيته، وكأنه يبتسم، وهتف بزفيرٍ بطيء:
-مافيش حاجة
أرخى قبضته عنه، وأضاف بجديةٍ:
-طب اعمل حسابك هتتغدى عندنا إنت ومراتك النهاردة
نفخ في تذمرٍ:
-مالوش لازمة يابا، ده احنا تقريبًا يوم بعد يوم عندكم، يا إما عند أمها.
قال بإصرارٍ:
-يا سيدي أمك عاوزة تشوفك، وليها حق عليك، هتكسفها
لم يكن يمتلك طاقة للجدال أو التفسير، فأومأ برأسه مستسلمًا:
-حاضر.
ابتسم له والده في حبورٍ، ودعا له قائلاً:
-ربنا يهديك راحة البال.
وكأن تلك الدعوة تحديدًا هي ما كانت يحتاج إليها عل الطبول التي تقرع في رأسه تكف عن ضجيجها، فدمدم برجاءٍ صادق:
-يا رب.
أقبل عليه "محرز" بسماجته المعهودة، وتساءل بظرفه اللزج:
-إيه يا عم "تميم"، شكلك مكلضم ليه كده؟ الجماعة مزعلينك ولا إيه؟ ما هي أيام العسل معدودة، وأيام البصل متعدش.
نظر له بعينين متنمرتين، ورد نافيًا:
-لأ يا سيدي، ربنا ما يجيب بصل!
لكزه في جانب كتفه مازحًا:
-الجواز كله كده، مهما دوقت من العسل.
لم يستلذ أسلوبه الثقيل في المزاح، وأشــاح بوجهه بعيدًا عنه ليشرع في التحرك نحو داخل الدكان، فهتف والده عاليًا ليستوقفه:
-ده المعلم "لطفي" جاي من بعيد أهوو
ارتسمت علامات الفزع على وجه "محرز" بمجرد التفوه باسمه، اتسعت حدقتاه بشكلٍ مريب، وتوترت أنفاسه .. أدار كالملسوع رأسه في كافة الاتجاهات وهو يردد بذهوله المرتعد:
-هــاه، مين؟
أشــار "بدير" بيده يأمر ابنه:
-روح يا ابني ناديله، مايصحش نشوفه ومانسلمش عليه.
كان من الأدب ألا يتجاهل الضيف حين يراه، فرحب بودٍ:
-ماشي يابا
انقض "محرز" بعنفوانٍ يدعو للشك على ذراع "تميم" يشده منه وهو يقول بصوتٍ مرتبك:
-استنى يا "تميم"، أنا رايح بدالك ماتتعبش نفسك.
نظر له الأخير بغرابةٍ، وانتزع معصمه من قبضته، ثم قال بإصرارٍ وتلك النظرة المستهجنة تكسو حدقتيه:
-لأ يا عم "محرز".
حبس الأول أنفاسه في ذعرٍ، خشي من افتضاح ما يدبر له، بهتت تعابيره، وبدا كما لو كان قد قابل شبحًا للتو، ما أنقذه حقًا من تلك الكارثة الوشيكة هي تلك الأصوات التي صدحت فجأة لتعلن عن مشادة كلامية حادة بين العمال بداخل الدكان، استدار "تميم" برأسه نحوهم، وصاح متسائلاً بصوته الأجش:
-في إيه يا رجالة؟
احتدمت المشاجرة فتدخل سريعًا قبل أن تتطور للتشابك بالأيدي، في حين تنفس "محرز" الصعداء لحدوث ذلك، وكأنها طوق النجاة له، وقبل أن يفكر مرتين، ردد حاسمًا أمره وابتسامته المهزوزة مرسومة على شفتيه:
-هاروح أنا.. للمعلم يا حاج.
علق عليه "بدير" وكامل انتباهه مع العمال المتلاحمين:
-طيب يا "محرز".
تعجل في خطواته ليتجه إليه ودقات قلبه المتلاحقة تكاد تصم أذنيه، اعتصر عقله ليختلق الحجج المناسبة ليستغلها ويقنعه بالذهاب قبل أن تنتهي المشاجرة، نجح بلؤمٍ في استدراجه بعيدًا عن محط أنظار عائلة "سلطان"، سأله بصوتٍ شبه لاهث من فرط التوتر:
-خير يا معلم "لطفي"، في حاجة حصلت؟
أجابه بعفويةٍ:
-أنا كنت جاي أراجع معاك الطلبية الأخيرة، في حاجات ناقصة، وطلبتك في الدكان مكونتش موجود.
رد في عصبيةٍ ظاهرة على محياه:
-يا معلم ما إنت معاك موبايل، كنت اتصل عليا و..
قاطعه ليبرر سبب حضوره:
-فصل شحن يا "محرز"، وأنا كنت قريب منكم هنا، فقولت أشوفك ونتكلم..
ثم تحولت نبرته للشك حين سأله:
-وبعدين مش كله بعلم الحاج ولا ...
رد "محرز" مقاطعًا بارتباكٍ:
-لأ ما هو عارف وباعتني ليك.
أشار له بيده وهو يتابع حديثه:
-طب بينا على الدكان
هتف فجأة كالمذعور:
-لأ!!!
اندهش "لطفي" من ردة فعله الغريبة، وسأله في استغرابٍ حائر:
-نعم؟ ليه؟
ابتلع ريقه وحاول أن يبدو هادئًا وهو يخبره:
-قصدي احنا هنقعد على القهوة، أصل.. في خناقة للركب هناك، العمال ولاد الهرمة ماسكين في بعض، وإنت مش ناقص وجع دماغ.
تساءل الأخير مهتمًا:
-يا ساتر يا رب، طب والحاج "بدير"، و"تميم"
أجابه مبتسمًا وقد استعاد ثباته الانفعالي:
-بيحاولوا يهدوا الدنيا قبل ما توصل للأقسام، بينا يا معلم، أما الدنيا تروق هنروح عندهم.
تنهد معقبًا عليه، وقد ارتضى باقتراحه:
-طيب.
وببضعة جمل منمقة، وكلمات مقتضبة تأكد "محرز" من انطلاء كذبته عليه، واستطاع أن يتحدث معه بأريحية عن كافة الأمور المتعلقة بشأن تجارته السرية، ونجا ببدنه من فضيحة وشيكة، وكُتب لخطته المدروسة بعناية النجاة أيضًا.
.................................................................
انقضت بضعة أيامٍ وحان موعد اللقاء المرتقب بين العائلتين في وقت الظهيرة لشراء المشغولات الذهبية للعروس، رفضت "فيروزة" الذهاب مع توأمتها لانتقاء ما يعجبها حتى لا تتلقى بضعة عبارات غير لطيفة من زوجة خالها أو ظرافة غير مقبولة من شقيقة خطيبها، كانت في غنى عن تلك السخافات غير المرغوبة، فلن تستطيع كبح نفسها من الرد، لذا فضلت البقاء في المنزل والالتهاء بترتيب دولابها حتى يمر اليوم بسلام ..
وأمام تلك الواجهة الزجاجية انعكس الوهج البراق والخاطف للأنظار لتلك السلاسل الذهبية، انفرجت شفتا "حمدية" عن انبهارٍ واضح ونظراتها تجول على كل واحدة من المعروض أمامها بتفرسٍ طامع، ســال لعابها وتهدجت أنفاسها مع رؤيتها لواحدة كبيرة حتمًا ستتكلف الكثير، امتلأت عيناها بصورتها الوهاجة، خُيل إليها أنها تقتنيها ويتزين بها عنقها، تلمست ياقة بلوزتها بحركة لا إرادية، بدأت الخيالات تراودها وهي تظن أنها ملكتها، وهتفت بحماسةٍ مضاعفة:
-اختاري دي، حلوة أوي.
على عكسها لم تكن "همسة" منجذبة لبريق الذهب المغري، كانت تنظر بفتورٍ لكل قطعة على حدا، بحثت عن البسيط غير المتكلف، أشـارت بيدها نحو واحدة رقيقة تحتل الركن السفلي من الواجهة، وتساءلت بترددٍ:
-إيه رأيك يا مرات خالي؟ دي شكلها أحلى و...
نظرت باستنكارٍ لما اختارته، ولكزتها في جانبها بغيظٍ، فتأوهت من الوجع المباغت، رفعت عينيها لتتطلع إليها في عتابٍ، وقبل أن تعترض على تصرفها العنيف معها، كزت "حمدية" على أسنانها لتهمس لها، وكأنها تحذرها:
-إنتي عبيطة يا بت؟
حملقت فيها مصدومة، في حين واصلت زوجة خالها القول بنفس اللهجة الساخطة:
-عاوزة تختاري حتة بتاعة ماتسواش تلاتة مليم؟ إنتي مِناسبة عيلة ليها شنة ورنة، يعني لازم اللي تختاريه يكون قيم وغالي
ردت محتجة بصوتٍ أقرب للبكاء:
-بس أنا مش عاوزة.
لمحت "حمدية" حماتها وهي تخرج من محل المشغولات، فهمست محذرة:
-اتكتمي دلوقتي وما تفتحيش بؤك بكلمة!
تبخترت "بثينة" في خطواتها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مغترة، وكأنها حقًا تمتلك ذلك المال، ألقت نظرة متأنية على وجه العروس المتجهم، وسألتها في فضولٍ:
-في إيه يا عروسة ابني؟ مبوزة كده ليه؟
وقبل أن تبادر بالرد عليها، تدخلت "حمدية" بشكلٍ سافر في الحوار، وادعت كذبًا:
-زعلانة إن أختها مش معاها، بس هنعمل إيه يا ست "أم هيثم".
زمت شفتيها مُبرطمة، وقد ارتفع حاجبها للأعلى لتبدي اعتراضها:
-هو كل الموجودين دول مش كفاية؟!
وقامت بالتعداد لها مستخدمة يدها في الإشارة:
-ده أنا، وأمها، وخطيبها، وأخته، ده غيرك طبعًا يا ست "حمدية".
ضحكت "حمدية" بسخافةٍ، وردت عليها مُعللة:
-أصلهم توأم، متعودين يعملوا كل حاجة مع بعض!
لوحت بيدها تقول بصراحةٍ:
-إلا في الجواز يا إدلعدي، كل واحدة لصاحب نصيبها، وأنا ابني ربنا بختهاله!
هزت رأسها تؤيدها:
-مظبوط
أطبقت "همسة" على شفتيها في ضيقٍ، لم تحبذ ذلك الأسلوب الرخيص المبتذل في إدارة الحوار، أبعدت وجهها عنها، وعادت لتحدق بحيرة في المشغولات التي تحتل الواجهة وهي عاقدة لساعديها أمام صدرها، رعشة مُربكة انتابتها حين أمسك "هيثم" بذراعها فجأة ليسحب يدها نحوه ويمسك بها، التفتت ناظرة نحوه في توترٍ، ابتسم لها متسائلاً باهتمامٍ:
-ها يا عروسة في حاجة عجبتك هنا؟
بخفةٍ استلت كفها من بين أصابعه، وأوشكت على أن تجيبه لكن دفعة عنيفة نسبيًا من "حمدية" أزاحتها قليلاً من مكانها، نظرت لها شزرًا وقد وقفت في المنتصف بينهما، ثم ضحكت مهللة بحماسٍ مائع أصابها بالنفور:
-طبعًا يا عريس الهنا.
وضع "هيثم" يده على مؤخرة عنقه يفركه وهو ينفخ بانزعاجٍ من أسلوبها المستفز، وتساءل باقتضابٍ:
-إيه هي؟
تصنعت "حمدية" الخجل، وأخفضت من نبرتها لتقول وهي تضع إصبعيها على طرف ذقنها:
-بس هي خايفة متعجبكش
تساءل في فضولٍ ونظراته تدور بحيرةٍ على المعروض:
-وريني كده، فين بالظبط؟
تعلقت "همسة" بذراعها لتمنعها، لكنها نفضت يدها وأشــارت بسبابتها نحو تلك القلادة البراقة التي أعجبتها، وتلك النظرة الخبيثة تكسو عينيها، بدا وجه "هيثم" غريبًا، بالطبع لم يكن راضيًا عن اختيارها الذي أوحى بجشعها، ومع ذلك زفر بصوتٍ مسموع، وقال على مضضٍ:
-ماشي.. طالما عجباها هنشتريها.
تفاجأت "حمدية" من موافقته دون جدالٍ، واجتاحتها نشوة عارمة، اعتقدت في نفسها أنه من النوع المغفل الذي يمكن استغلاله واستنزافه بسهولة، اتسعت بسمتها اللئيمة بشكل كبير وهي تمتدحه:
-ابن أكابر بصحيح!
بينما حملقت فيه "همسة" بذهولٍ صادم، لم تشعر بالفرحة لشرائها، تأملت تعابيره الممتعضة، وحركة جسده المتعصبة قليلاً، حينها انتابها هاجس مقلق بأن ما حدث الآن لن يأتي عليها بالخير، انقبض قلبها واختفت ملامح السرور من محياها، وتضرع راجية في نفسها:
-استرها من اللي جاي يا رب.
رمقت "بثينة" الاثنتين بنظرات نارية مغلولة، أدركت من التمثيلية الهزلية المكشوفة أمامها معدن تلك العروس وطينة أهلها، كزت على أسنانها تلعنها في سرها:
-آه يا بنت الطماعة! لأ وعملالي فيها غلبانة وزعلانة على أختك، وحركات قرعة، وإنتي عينك هتطلع على المشاءلله دي..
توحشت نظراتها أكثر وهتفت تتوعدها بحنقٍ كاره بدأ يتكون ضدها:
-بكرة أطلعه على جتتك، هتروحي مني فين ......................................... !!
.......................................................................