لم تمر اليومين بشكل طبيعي على رفل رغم أن يوسف لم يحضر للشقة، لكنها كانت تعي أن ما وعدها به قبل أن يذهب آخر مرة كان قابل لأن يصبح حقيقة في أي لحظة. تنهدت و هي ترى أن سعاد قد أعدت حقيبتين كبيرتين تحوي كل ملابسها. مشت بخطوات نحو المرآة في الغرفة تنظر لوجهها وجسدها العاري بعدما خرجت من الحمام، ان الكدمات التي تغطي جسدها أسوأ بكثير من وجهها المتورم و كانت تعرف بشكل مزري أن قرصة بعوضة و أثرها على جسدها يدوم أسبوع فما بالك بضرب مبرح.
كانت الكدمات الآن في أسوأ حالاتها، تحول لون بشرتها للأسود لكن التورم قد خف الان. كانت تكره ما ترى و تكره يوسف اضعاف مضاعفة، جاهدت تغطي وجهها بمستحضرات التجميل -بطبقات عديدة منها- كان المكياج يخفي القبح الحقيقي لما فعله يوسف و يترك آثار طفيفة لما فعلته يداه، وكان هذا أهون لها بكثير.
كأن إنذار قلبها،صوت للواقع فلم يحل المساء حتى أتى زوجها وعنجهيته المعتادة ترافقه، رمق الحقيبتين بنظرة رضا، تقدم بعدها لرفل التي كانت تحاول أن تبدو انها نسيت الموضوع، جالسه تدرس لامتحانتها النهائية و لم تكلمه وردت التحية فقط. لكن هذه اللامبالاة لم تنقذها مما هو آت.
قال يوسف مخاطباً إياها: هل أنتِ مستعدة؟
ابتلعت ريقها، حاولت ان لا تنفعل سريعاً، قالت بصوت غير مبال: مستعدة لماذا؟
اتكى زوجها على المنضدة يضلل جسدها بطوله الفارع و قال بصوت مشبع بالسخرية لتصرفها الواضح: للذهب لبيتك، انتهى شهر العسل حمامتي.
استقامت الفتاة من جلستها الكسول و رمقته بنظرة حادة و باردة و هي تقول: هذا بيتي و مرتاحة فيه و البيت الآخر الذي أعرفه حيث يسكن والدي.
بدأ المرح يغادر يوسف تدريجياً: بيتك حيث يسكن زوجك… عليك الاستعداد حالاٌ حتى لا نتأخر على العشاء لأن الجميع ينتظر وصول العروس الجديدة.
جمعت رفل كتبها بحركة عصبية سريعة ثم نهضت من السرير حيث كانت جالسه ثم وضعت الكتب في الأدراج و هي تقول:لا أستطيع الذهاب اليوم…
قاطعها : لماذا لا تستطيعين؟
بغضب التفت نحوه وهي تشير لوجهها: هذا ما يمنعني، هل ترى وجهي ام ان هناك خلل عندك في الرؤية. أي عروس يكون وجهها هكذا، أي عروس ستقابل ضرتها وهي تبدو كأن عجلات سيارة قد دعست رأسها؟
-عروس غير مطيعة...لا تجادلي كثيراً يا رفل و لا تعكري مزاجي، جهزي نفسك حتى نذهب.
-والله لن أذهب، إن شئت تقتلني او تذبحني لكنك لن تجبرني على الخروج من هنا.
مع كلماتها لم يبقى اي مزاج حسن ليوسف، تبدل صوته و تبدلت ملامحه لأخرى داكنة.
-لا تقسمي يا رفل يمكنني سحبكِ من شعركِ أن شئتَ و لن تستطيعي فعل شيء، الآن خذي الطريق الاسهل و جهزي نفسكِ افضل من ان تذهبي ووجهكِ متورم.
شعرت رفل بان مشاعرها كقط ركن في زاوية و مستعد ان ينفجر بهجوم مباغت؛ لكن صوت المنطق غلبها و هي تعلم أن عنادها سيتسبب بكارثة أخرى. سقطت دموعها كحبات اللؤلؤ و أخذت تمسحهم بعنف و تهدج صوتها وهي تتوسله.
-استحلفك بالله لا تجبرني، لا أستطيع مواجهة اهلك الان و بحالتي هذه.
استدار يوسف خارجاً و صوته يتبعه: لديكِ اقل من ساعة لتجهزي ان تأخرت سأخذكِ حتى لو كنتِ عارية.
عادت للسرير تبكي دقيقتين لكن نفسها التي تنذرها ان وراها الزوجة الاولى الشامتة التي ستقابلها في أقل من ساعة. هكذا بغريزة أنثوية بحتة نهضت ومسحت دموعها ثم وضعت طبقة مكياج أخرى لتغطي أكبر مقدار من الكدمات الظاهرة مع لون أحمر شفاه غامق ليشتت النظر السواد الذي أحاط عينها و الجرح تحتها. ارتدت الحجاب بشكل غطى الكثير ايضاً من صدغيها و جانبي وجهها. ارتدت فستان طويل قبل ثنايا جسدها لكنها ليس بدرجة فاضحة. استغرقها هذا العمل الساعة و عشر دقائق حتى خرجت ليوسف.
-تبدين اجمل عروس.
نهض حاول ان يلثم ثغرها بقبلة لكنها ابتعدت عنه.
قالت تشتته و تشتت نفسها عند شعور الغثيان او الكره الذي يملأ أحشائها عندما يقترب منها: بقت كتبي لم اجهزهم، هل تستطيع ان تخبر سعاد أن تجمعهم لي كلهم.
اومى لها بعدم اكتراث ثم نظر للساعه ووجدها قاربت السادسة.
-سأنزل الحقائب اولاً، علينا أن لا نتأخر أكثر.
سألت رفل اخيراً بتردد: هل تعلم بوجودي؟ أعني زوجتك و هل عائلتك سيرحبون بي ؟
-لا شأن لهم بقرارتي و سيرحبون بكِ رغم انوفهم لذلك لا داعي للقلق، أما مريم فهي إنسانة طيبة و سترين ذلك بعينك وهي لم تبد أي اعتراض عندما اخبرتها عنك.
كان يوسف يحاول ان يقلل من توترها الذي لم تلاحظه هي، فكانت يدها ترجف و تتحرك بكثرة كما أن كل جسدها غير مستقر و كأنها في حالة فزع حقيقية.
انزل يوسف الحقيبتين و تبعته رفل للسيارة و تعجبت من الصمت والخنوع الذي تبديه ليوسف فهي لا تكاد تنطق بكلمة اعتراضاً لما يقول كما أنها لم تتشبث برأيها مثل ما خططت في الاول، كانت قد هيئت خطه ان تحبس نفسها في الغرفة و لن يقنعها حتى صراخه في الخروج منها. لكن ما ان اتى حتى علمت مقدار ما تخشاه .
طوال الطريق كان الفزع و الخوف يأكل أحشائها لدرجة ان الدماء انسحبت من وجهها و اخضرت ملامحها و بين اللحظة والأخرى ترمي بيوسف -الذي سها عنها- بنظرات متوسلة حتى يعيدها للشقة لكنها ادركت ان الاوان فات عندما وقفت السيارة أمام فيلا كبيرة جداُ في منطقة فسيحة من البساتين.
جفلت عندما تكلم بعد صمت طويل: لقد وصلنا
ترجل من السيارة و فتح لها الباب حتى يرغمها ان تنزل ان اعترضت فهو لا يريد مشهد درامي أمام عائلته.
-حذار يا رفل ان تكسري كلمتي امام عائلتي، صدقيني سيأتيكِ ما لا يتوقعه عقلكِ الصغير هذا.
ترجلت هي الأخرى و حاولت أن تتبع خطواته و اعتقدت انها ستدخل مثل الضيوف -أي أن يفتح لها الباب بعد أن يدق الجرس- لكن أي من هذا لم يحدث، يوسف فتح الباب و دخل منزله بأريحية تامة وهي تبعته كلص يسير بالخفاء.
تفاجأت رفل من الجمع الغفير الذي كان ينتظرها، كان هناك الأم و حفيدها بحضنها تجلس بجانبها مريم، في أريكة طويلة تجلس العمة صفية و بناتها الثلاث -روان، ميسم و سارة- يقابلهم على كرسي منفرد انور و بجانبه على كرسي آخر أخيه الأصغر بهاء، كانت هذه العائلة كلها التي تسكن في الفيلا و يبدو أنهم جمعوا قسراً لاستقبالها أو هذا ما شعرت به رفل من وجههم المتجهمة العابسة لكنها لم تكن تعرف أن العمة صفية و بناتها جلسن بتهذيب مصطنع فقط لأن الفضول يلسعهن.
كان يوسف من قاطع الصمت الذي جرى عندما تولى زمام الكلام: هذه رفل يا امي، قبلي يدها رفل؛ فهي الآن بمثابة امكِ.
و كالمنوم مغناطيسياً تقدمت رفل و قد قبلت يد المرأة العجوز ثم وضعتها على جبهتها ثم قبلتها على خدها و هي تقول بصوت خفيض: كيف حالك يا خالتي؟
وأشار يوسف في هذا الاثناء لمريم و عمته بالنهوض حتى يسلموا -كانت هذه من آداب اللياقة العامة حتى لو كرهوا القادم- تقدمت العمة صفية من الفتاة المرتبكة لتقبل خديها وهي تدمدم بكلام معسول: اهلاً و مرحباً، انرتِ البيت بوجودكِ
ثم قبلتها الفتيات الثلاث و هن يرحبن باقتضاب، تقدمت اخيراً مريم و قبلتها ببرود و نفور حتى ان خديهما لم يتلامسا و هي تقول: مرحباً.
تم التعارف بعدها بشكله الروتيني و اخذت الام فاطمة الدور الرئيسي في الكلام وهي تسأل رفل اشياء عامة عن دراستها و عن أهلها بينما جلسن الفتيات الثلاث و امهن بالتهامس فيما بينهن على وجه رفل المكدوم! كل واحدة خرجت باستنتاج لكنهن اتفقن ان الجاني هو يوسف لا محالة.
كانت رفل تعاني من مغص من شدة التوتر والحرج الذي صاحب هذا اللقاء لكنه أقل درامية مما توقعته. حمدت الرب أن ضرتها انشغلت بابنها و لم توجه لها اي كلمة او ترمقها بأي نظرة.
اخذتها صفية و روان لغرفتها التي تم ترتيبها لها و قد وجدت أن الحقيبتين قد نقلت للغرفة، اقترحت العمة ان تساعدها بإخراج الملابس و ترتيبهم في الخزانة الملابس لكن رفل اصرت انها ستقوم بالعمل المطلوب دون ان تتعب احد معها، وهكذا وجدت نفسها قد انفردت في غرفتها الجديدة، تطلعت باسى لها، في المنتصف أمام السرير يوجد منضدة زينة كبيرة تم وضع ثلاث زجاجات عطور عليها و امامها مقعد صغير دون ظهر كما أن السرير الذي جلست عليه كان كبير فرش بغطاء بلون اللؤلؤ كمان ان خزانة الملابس تمتد على طول أحد أركان الغرفة. كانت هناك سجادة فارسية وثيرة غاصت قدامها فيها. كان كل شيء في الغرف ينطق بالفخامة و رغم أن اعتادت فخامة الشقة لانها عصرية و لم تبدأ أي تعجب لها لكنها لا تستطيع ان تخفي دهشتها من جمال الفيلا او الغرفة الموضوعة فيها، الأخشاب في الغرفة كانت تلمع بأصالة و الزخارف معقدة و عريقة.
جلست دون ان تفعل اي شيء فقط تحدق و تفكر حتى دخل عليها يوسف، نظرت له و كأنها تراه من جديد، بدا لها انه اكثر غرابة الآن خاصة و هو مندمج مع عائلته في لوحة ذات ألوان متشابهة فقط هي اللون النشاز.
-العشاء بعد ربع ساعة، عليك التصرف براحة ولا حاجة لك بالابتسام كثيراً بوجه اولاد عمتي.
نظرت له رفل بغير تصديق وهي تستنكر: ما الذي تقوله؟ ان لم ابتسم لهم فقط رددت التحية.
كانت قد وضعت وقتها ابتسامة مصطنعة حييت بها الجميع لكن يوسف الذي فقد ثقته بها كان يحذر من أشياء ليس لها وجود.
بدل الموضوع: هل أعجبتكِ غرفتكِ؟ انها بجانب مكتبي و بعيدة عن غرفة مريم و شاهين.
-ان الغرفة جميلة…
-لكنك لا تبدين راضية!
-افضل الشقة السابقة أكثر، أنها لا تشعرني بأني دخيلة.
لم يجادلها يوسف كثيراً فقط نظر لساعته ثم قال: إذا كنت مستعدة حري بنا الذهاب.
كانت مريم في هذه الدقيقة تعتمل نار في داخلها من الغيرة، حتى رؤية حالة رفل لم تخمد نارها فكل ما رأته فتاة صغيرة جميلة ستستحوذ على مكانها بسرعة خارقة.
كانت تضغط على يدها بقوة لتخفف من الاختناق الذي تشعر به، ذهاب يوسف لضرتها و اهتمامه بها قد جعلها مخنوقة تشعر بألم غير عضوية، تشعر كأنها على وشك الموت. لا شك أن مشاعرها قد تبدو لمن يراها مبالغ فيها لكن لن يشعر بلوعتها الا من ذاق مرارة ما تمر فيه.
انه شعور كل زوجة أولى قد تزوج عليها زوجها، تشعر انها ناقصة مليئة بالعيوب و العاهات و كأنها عاقر لا أولاد لها، وتلك الزوجة الجديدة ستمنح زوجها ما لم تستطع منحه هي.
لكنه لم تستطع أن تنكسر الآن، ليس من اول يوم محال ان ترى ضرتها مقدار الأضرار التي تعانيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!