عاد يوسف لمنزله الكبير، تنتظره هناك امه العاتبة، فرغم انه عاد من العمل منذ مدة قصيرة لكن اغلب وقته يقضيه خارجاً، تعلم انه يذهب لزوجته الاخرى ناسياً الزوجة الكبرى. لم تقلْ مريم عنها عتاباً، فهي تعرف ان غياب زوجها يحمل خلفه خيانة، منذ زوجها له قبل ما يقارب الثمان سنوات إعتادت على الخيانات الزوجية التي يعتبرها الرجال نزوة عابرة لكن هذه المرة شعرت أن الأمر أكثر جدية، فهو يخرج يومين أو أكثر دون الرجوع للمنزل و يقضي لياليه خارجاً و حتى الطفل الصغير الذي إعتاد غياب أبيه شعر أنه فاقداً للحنان فهو بين الحين و الآخر يسأل امه لم لا يلعب أبي معي، لما لا يأخذنا لنلعب و كل تلك الأسئلة البريئة الطفولية.
لم تلمح مريم بشيء عن مخاوفها؛ فقط عيونها الزائغة الغير مركزة كشفت شدة قلقها. ان مريم رغم خضوعها لزوجها و ضعفها بجانب قلة حيلة لم تمتنع عن حبه، كانت تحبه كما تحب اي زوجة زوجها، لقد استطاعت عبر السنوات أن تكتسب إحترامه لكنها لم تكسب قلبه، أنها تعرف بشيء من اليقين أنه رجل شرقي لا يفقه عن الحب مقدار ذرة و أن الاحترام اقصى ما يستطيع منحه لامرأته. كما إنها تلوم نفسها على برودة علاقتهم و تدرك أن يوسف ليس المخطئ فهو بطبيعته رجل شديد الصرامة و التزمت و عليها ان تتأقلم مع صفاته لا ان تخشاها، ان قلة ثقتها بنفسها و امتناعها عن المشاركة بأي شيء فقط حين يطلب منها هي ما اوصلتهم لما هم عليه الان.
لكنها الان تخشى من المجهول الذي ينتظرها، ان يوسف في الآونة الاخيرة أصبح مزاجي، شديد التقلب كثير النفور منها و كثير الإهمال لها ايضاً. كانت تعرف إن المجهول سيصبح حتماً في القريب العاجل لكنها لم تتصور ان يكون بهذه السرعة.
كان يوسف جالساً يلاعب شاهين، بينما عمته و ابنتها الوسطى جالستان مقابله ام امه على جانبه و مريم على الجانب الاخر في غرفة المعيشة، كانت أمه تحادثه بكلام مبطن لم تفهم مريم مغزاه فقاطعها يوسف قائلاً:
- اخبري احد الفتيات ان تحضر الغرفة التي بجانب مكتبي.
تدخلت العمة صفية سائله: هل سيأتينا احد الاقارب؟
- لا... ستكون غرفتي. (نظر لامه و مريم بنظرة خاطفة ثم قرر انه وقت اعلان الخبر للعائلة حتى يستعدوا لمجيء رفل) غرفتي و زوجتي.
تدخلت العمة بحشرية مرة اخرى: لما تغير غرفتك، انها أكبر من الغرفة التي بجانب مكتبك.
قال يوسف بنبرة مرحة ليقلل من هول ما سيقول : انا لا أغير غرفتي، مريم ستبقى في الغرفة الكبيرة و زوجتي الجديدة ستكون في الغرفة الاصغر.
توتر الجو بسرعة كبيرة ثم اصبح خانقاً، كانت مريم في غضون لحظات تسمع أزيز الدماء في عروقها و طنين نبضاتها جعلها شبه صماء، سلخت بقدرة عجيبة نظرها عن يوسف و وجهتهم نحو عمتها لتسألها ان كان الامر مزحة، سألت روان ابن خالها ان كان يمزح ليغيض مريم.
لكن جواب يوسف قطع الشك باليقين : لا أمزح، تزوجت منذ فترة قصيرة و عندما انتهى شهر العسل قررت احضارها لمنزلها.
تنهدت أمه ساخطة : و هل تظن ان الوقت الان مناسب لتعلن انباء زواجك.
-وهل يوجد وقت أفضل من هذا الوقت حيث اغلب العائلة مجتمعه، لا اعتقد ان عمتي ستبخل بنقل المعلومات لبقية الاولاد.
مع كل كلمة و حديث شعرت مريم بتكون كتلة من الحجارة في حنجرتها، أوشكت على الاختناق لذلك وقفت ثم انطلقت مسرعة تعبر الدرج حتى وصلت غرفتها. اوصدت الباب، ثم أجهشت بالبكاء، تدفعها رغبة ملحة للصراخ، لكنها لجمتَ نفسها، أنها حتى لا تستطيع ان تتفوه بحرف واحد اعتراضاً.
ان مصيبتها و طامتها الكبرى هو خنوعها، فلو كانت إمرأة اقوى لصرخت بوجهه، لعزفت عنه و عن منزله، لاخذت ابنها و غادرت تاركه كل شيء له و لزوجته الجديدة، لكنها أضعف من أن تفعل شيء. بكت حتى جفت مدامعها، كانت تأمل ان يأتي بين اللحظة و الاخرى ان يأتي يوسف ليعتذر أو ربما يواسيها . طال مكوثها في الغرفة لدرجة انها نست موضوع الزواج و ظلت تفكر ان لا احد يحبها، حتى عمتها تخلت عنها، كم ساعة مضت و لم يأتي احد ليحادثها و يطمئن نفسها؟ لم تعرف، حتى ابنها شاهين يبدو قد استغنى عنها.
في حين الام حاولت أكثر من مرة ان تذهب لتحادث مريم لكن يوسف اقنعها بمنطق اعوج أنها تحتاج للاختلاء بنفسها حتى تعتاد الامر، و انها حتماً ستنزل لتطمئن على شاهين في نهاية اليوم. و هل كان يوسف مخطئاً؟
لا لم يكن! ان مريم بصورة أدق يمكن إن توصف انها نقيض رفل. فهي طيبة، رزنة متواضعة، لا تتذمر و لا تطيل لسانها مع أحد. ليس من صفاتها الحقد او التشبث بموقف واحد. لذلك ما ان أتتّ فترة العشاء ادركت أنها لن تغير من الواقع بالانطواء على نفسها و الرثاء على حالها، غسلت وجهها، ارتدت ثياباً اكثر اشراقا مما كانت ترتديه قبل قليل. وضعت بعض المساحيق لتخفي اثار البكاء، بدت بصورة جيدة لكنها ليست مقنعة فنظرة واحدة يمكن ان تعرف انها كانت في نوبة بكاء هستيرية.
نزلت بهدوء تبحث عن شاهين متجنبه نظرات الشفقة من العمة صفية و بناتها الثلاث. كان شاهين جالساً بحضن أنور -ابن العمة صفية- يشاهد الرسوم المتحركة على التلفاز بينما الرجل الاكبر يحادث والدة يوسف.
هتفت مريم بصوت ابح باسم شاهين الذي نزل من حضن أنور راكضاً ناحية أمه، حضنها بوداعة طفل، معبراً عن اشتياقه لها. أبتسمت لصغيرها ثم حملته، توجهت به ناحية الاريكة ليتابع الرسوم المتحركة، كان كل من أنور و عمتها ينظران لها بشفقة لكن فضلا الصمت و هي تنفست براحة لذلك.
~~
كان الوضع مأساوياً وقت العشاء فالكل كان صامتاً ففي البداية و عندما زاد عدم الارتياح في الجو أخذوا يثرثرون باشياء لا طائل منها، فقط يوسف و مريم بقيا صامتين؛ لكن مع نهاية الوجبة التزم الجميع بالصمت؛ سارعت مريم للنهوض و حمل شاهين حتى تغسله ثم تذهب به لغرفته لتقضي معه ساعة او اثنين قبل أن يغط بالنوم.
عمتها الطيبة لم تتحمل كربها؛ لذلك لحقتها بعد نصف ساعة في غرفة شاهين و وجدتها تبكي بصمت و هي تشاهد ابنها يلعب بقطاره المتحرك على الارض. ابتلعت مريم شهقة عند رؤية المرأة الاكبر و استدرات بوجهها حتى تسمح سيل الدموع الحارقة.
جلست العمة بجانبها و احتضنتها قليلاً تواسيها، كان لديها كلام كثير مع بنت أخيها لكنها تعرف الكلام لن يداوي جرح كرامة المرأة.
قالت العمة تجبر خاطرها المكسور: أن يوسف مثل أبيه الراحل، عندما ينون شيءٌ لن يثني عزمهم أحد لكنهم مع ذلك لا يتغيرون، لا تظني للحظة أن يوسف سيتغير من أجل الزوجة الجديدة، او أنه سيمنحها قيمة اكبر من قيمتك يا مريم. دعيني أخبرك و انا أعلم الناس بأبني انه تزوجها لنزوة، معروف عن الرجال نزواتهم و تذرعهم بالشرع لتحقيق هذا النزوة لذلك سيخبرك أن الدين حلل أربع، اعلمي لا هي و لا عشرة غيرها سيغيرون مقامك، أنك الأولى في كل شيء، زوجته الأولى و والدة طفله البكر، محط ثقته و إحترامه. رغم انه لا يبدي ذلك غالباً لكنك تدركين أنه يأتمنك على حياته لو أضطر...
قاطعتها بصوت ملئه الشقاء : لكني الاخيرة في قلبه، أنه يعاملني كمربية أمينة تعتني بطفله.
نظرت لعمتها تشكي جراح قلبها "لم يقم لي أي اعتبار، ناهيك عن أنه تزوج لكن اليس لي قيمة ليجعلني أضحوكة الجميع و محل شفقتهم في الوقت ذاته، الم يستطيع أن ينفرد بي و يخبرني أنه تزوج، ولله لكان الامر أهون.. انه عديم الاحساس"
مسحت العجوز رأسها بحنية ثم قالت بصوت ملئه الرجاء : كفكفي دموعك بنيتي، ما كان الامر ليفرق، دعيهم يعلمون الان أفضل من معرفتهم يوم وصولها، تحملك شفقتهم الان افضل من يومها...
صمتت برهة ثم اردفت: أبكي اليوم كله لكن غداً دعِ الكل يعرف أنكِ لم تكسري، أنكِ سيدة المنزل و ان أي امرأة ستكون دخيلة في منزلك.
قاطع اللحظة وثوب شاهين في حظن امه، متسائلاً عن سبب بكائها.
أبتسمت له من بين دموعها، فكرت إن لديها شاهين و هذا يغنيها عن العالم أجمعه.
*******
مرحباً -تدخل بخجل و تنظر لكم ببراءة-
رجاءً لا تقذفوا الاحذية او البيض او اي شيء بيدكم..
ما كان عندي نت 😭😭😭.
كمان اعتقد في عين صابتني -لا يحسد المال الا صاحبه- هههه كنت متحمسة اكتب يومياً بارت ما اعرف بعد وفاة الوالد (لله يرحمه) خف حماسي.
اقروا علي المعوذتين او اي شيء عشان ارجع مثل أول و أحسن.
اسفة يا ورداتي يا عسلاتي يا ضوء عيوني عن الغياب و الانقطاع الطويل..
اتمنى تعذروني، اسفة أني متأخرة في الرد ع التعليقات. في ناس فاهمين الموضوع غلط، تأخري مش عن عمد. انا احب الكتابة و اكتب للمتعة مو مشان اي شيء اخر، لذلك من اتاخر فتكون لدي اسبابي، اتمنى تتفهموها مثل ما اتفهم انو الكثير يقروا على الصامت. انا اقدر انهم مش يحبوا التعليق او الدعم، و يكفيني انهم يقرؤا؛ في حين البعض حرفيا هم سبب سعادتي بالوتباد. يعني بعد غياب طويل و احد يقولك اشتقنالك حقيقة شعور حلو، يجعلني اتمنى اكتب مئة بارت من أجل هذا الشخص فقط.
احبكم و اتمنى ما يزعل مني احد و يتفهم ظروفي او اسبابي للانقطاعي.
قبلات لكم واحد واحد 😘
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!