الفصل 39 | من 44 فصل

الظالًِم الفصل التاسع وثلاثون 39 - بقلم ياسمين

المشاهدات
11
كلمة
4,630
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

(شكرا للانتظار يا اعز الناس)
●○●○●○


الايام التالية التي اعقبت ذهابها للمحامي كانت ايام كالحلم بالنسبة لرفل، بالجانب لشعورها بأن شخصية جديدة خلقت داخلها، كما يقولون الضربات التي لا تقتل تجعلك اقوى، شعور الخوف و الجبن الذي كانا يرافقها تبدلا بالجراءة و الشجاعة. و داست على كرامتها وذهبت لأهل حمزة، بعد كل تلك المشاكل التي حدثت لم يستقبلوها الا بعداء قوي وخشن لكنها تذللت لهم و توسلت ان يخبروا حمزة انها تريد رؤيته،


كان حمزة قد تغير تغييرا جذريا بعد كل الذي جرى، لم يعد لنفسه ابداً، لم ترتح روحه جراء التجربة التي مر بها وتغيير من انسان مسالم هادئ الى اخر غاضب ساخط متسكع، اخر ترك كل صفاته الجيدة و وارتدى محلها صفات ذميمة، حرقة في قلبه و نار مستعرة لا تنطفي و لا تخمد كلما دخل غرفته و تذكر حياته مع رفل. كانوا اهله يتقبلون تغييره بنظرات مشفقة عاطفية لا يعرفون سبيل لمواساته. لذلك عندما اتتهم رفل افرغوا بها كل الحقد و الغضب الذي يعتمل في صدرهم. لم تتأرجح او تتراجع عن موقفها ازاء صدهم بل اكملت توسلها بأن يهدوها سبيل للقاء حمزة. اخبرتهم انه سيرغب بسماع ما ترغب بقوله.


كان اهل حمزة يعلمون في قرارهم ان هذا اللقاء واجب ان يحدث، والقرار قرار حمزة ان رغبة في رؤيتها او رفض.


اخبروها انه يغيب لأيام معدودات عن المنزل و متى ما أتى سيخبرونها لكنها لم تكن تحتمل التأجيل او المماطلة لذلك طلبت رقمه. ولم تخرج من منزلهم و الا الرقم محفوظ في جهازها. و كانت قد سرقت ساعة صباحا وذهبت اليهم ولم يعجبها استمرار الوضع في اختلاس دقائق او ساعة او ساعتين و كأنها تفعل خطيئة و تواريها عن اعين الناس لكنها احجمت نفسها فقط هذه الفترة.


عادت لبيت خالها ولم تعرف اي وقت هو الافضل للاتصال بحمزة مع كل هذه العيون المراقبة و الاذان التي تسترق السمع و تحب التجسس. لم يكن لها بديل غير المراسلة، ارسلت له وقلبها ينبض قلقا بلا هوادة.


<حمزة انا رفل من فضلك اود الحديث معك بأمر مهم>


و انتظرت خمس دقائق ثم ثلاثون اخرى ثم ساعة لكن لم يأتها رد و لأنها لم ترسلهم عبر تطبيقات النت فلم تعرف ان قرأ رسالتها ام لا، دخلت للواتساب وفتحت و اعادت الكرة مرة اخرى و ارتجف قلبها عندما ظهر خطين ثم تحولا للخط الازرق لكن الشاشة لم تظهر رد، فعزمت ان تلح عليه حتى يرضخ لها.


<لا داعي لتجاهلك، ما لدي لا يحتمل التأجيل، حمزة حبا بالله أجبني اريد ان تساعدني، لا غيرك فقط انت من تستطيع، ستأخذ بحقك و حقي>


وتمت القراءة فورا و رأت انه يتم الكتابة و انتظرت و انتظرت لكنه مرة اخرى خذل قلبها المترقب.


<لا تظلمني مرة اخرى يا حمزة لا تظلمني، لقد اكتفيت من الظلم، أرجوك اريد ان اتحدث معك، فقط اسمع ما لدي و ان لم يعجبك او يرضيك ارحل لن اعاتبك و لن الومك>


اتاها الرد فوراً: ما الذي تريدينه؟


-المساعدة منك، اريد ان التقي بك، أرجوك؟


حدقت بالشاشة وهي تناجي الله ان لا يرفض: وماذا عن الكلب زوجك؟ هل يرتضي ان نلتقي.


-الكلب الذي ذكرته طلقني، و لا تخشى مني ، اني لا احاول استعادتك او التأثير عليك، فقط اريدك ان تسمعني.


اتاها رد بعد دقائق شعرت انهم لن يمضوا: و ما فائدة الحديث الان، ما الذي ترجينه من اجتماعنا.


-صدقني ستعرف ما ان نلتقي، الا يمكننا التقاء غدا؟ في بيت اهلك أفضل!


لم يأتها رد فالحت: حمزة حبا بالله وافق.


-حسنا.


شعرت ان فمها سيتمزق من وسع ابتسامتها ردت بسرعة : شكراً شكرا جزيلا، انا لا استطيع الخروج الا صباحاً هل يمكننا اللقاء غدا الساعة التاسعة.


اتاها رد مقتضب: نعم.


-شكرا جزيلاً.


انتهت محادثتهم بهذا الشكل، اخبرت امها و اتفقت معها حتى يذهبوا سوية. انتظرت بفروغ صبر مجيء اليوم التالي و خرجت هذه المرة دون ان تبرر حتى سبب خروجها و صمتت زوجة خالها عندما رأت ان امها ترافقها.


توجهن لبيت حمزة و الساعة لم تحن التاسعة بعد و طرقت الباب و وقفت جامدة صلبة لا تخشى من لقاء طليقها الاولى، فتحت ام حمزة الباب و لم ترحب بهن بل اشارت لهن بصمت ناحية غرفة الاستقبال، جلست الام وقلبها حاقد على اصحاب هذا البيت فهي لا تزال تذكر انهم السبب في موت زوجها اما رفل فظلت واقفه تنتظر دخول حمزة بصرها معلق بالباب الداخلي لغرفة الاستقبال، رمشت عدة مرات عندما فتح الباب و دخل رجل لم يكن يشبه حمزة بشيء، هل سنتان كافية على تغيير الانسان الى هذه الدرجة، ملامح مظلمة و عيون مرهقة تعبة حزينة ووجهه مكفهر بانت عظامه بزوايا حادة و تقوس فمه و الخطوط حوله تظهر انه لم يعرف الابتسام يوما.


كانت رفل العكس في عينيه، بدت أكثر جمالا و نضوجا ورغم انه كان يعشق خديها الممتلئين الا ان نحولهما الان زادها فتنة و اغراء، ضخت الدماء في داخله بحرقة و التهبت شرايينه، رؤيتها الان و حتى البارحة عندما راسلته جعلتها يشعر بعجزه بضعفه و غيرته كرجل، كزوجها سحقت ببساطة.


اشاح بنظره عنها و جلس منزعجا و تكلم بفضاضة :ماذا تريدين؟


لم تجلس رفل بل بقيت بمكانها تود تجميع بعض الكلمات لتبادر بالحديث، نظرت ناحية امها فشجعتها المرأة بنظرة حنونة.


-اريدك ان تشهد لي في المحكمة..


رفع حمزة رأسه بنظرة مستفهمة فأكملت: اريد استعادة ابنتي و لا سبيل لذلك الا بشاهدتك، اعلم ان الامر صعب و اني اطلب منك بلا مراعاة لكن يا حمزة شهادتك مهمة.


قاطعها حمزة صارا على اسنانه بين كل كلمة واخرى: وهل مللتما من بعضكما و تريدين ادخالي مرة اخرى في اللعبة.


هزت رفل رأسها بقوة ثم اقتربت ناحيته و كانت تنوي ان تمسك يديه توسلا ليفهمها و يصدقها لكنها لم تفعل بل قالت: اي لعبة بالله عليك، هل تظن انك الطرف المظلوم، لا يوجد احد مظلوم غيري، تجرعت المر بعد طلاقك لي، انظر يا حمزة انا لم أتي لألومك اليوم او اعاتبك، ما حدث قد حدث و ذكر الماضي او البكاء عليه لن يغير شيء، زواجي من يوسف لم يكن بإرادتي و لا برغبة مني، جعلك تطلقني ارغاما و تزوجني بحيلة منه، شخص مثله لا يخاف الله و لا يردعه شيء هل تظن أني كنت قادرة عليه....


-لما طلقك؟


تنهدت بحسرة و كأن الكلام يوجعها: تزوجني بلا سبب و طلقني بلا سبب، عندما تقابل المحامي ستعرف كل التفاصيل ربما لن تصدقني لو اخبرتك الان.


-اريد ان اعرف!!!


-الحقيقة لا اعرف بالضبط، هل شك بي، ام غار على زوجته من اتهامي لها، ام انه مريض.. لا اريد ان اذكر احد بسوء الان، ربما اكون قد ظلمت زوجته، الله يعلم لكن لم اظلم ابن عمته، رايته كيف يترصد لزوجته الاولى و عندما فلت لساني هددني السافل بأنه سيقلب الامر ضدي و اثناء حديثنا لا اعرف من سجل فيديو، الامر الذي يثير الضحك ان الفيديو لا يدينني بشيء. كما اخبرتك ستعرف التفاصيل كلها ان ذهبت للمحكمة.


تنفس حمزة بقوة و احمرت عيناه: لقد خنته كما خنتني؟


رمقته رفل بنظرة غاضبة معذبة كأنه قد صفعها صفعة صمت لها مسامعها، ابتعلت غصة في حلقها و اجابته بصوت ضعيف: هل هذا ما فهمته من حديثي، و هل ظنك كل هذه المدة اني خنتك، لو رغبت بيوسف لكنت طلبت الطلاق منك لم اكن لأشقى بتشوية سمعتي و موت والدي. يا حمزة كفاك ظلما أنت الاخر.


-ما الذي تريدينه بالضبط يا رفل، هل تريدين ان اقص على القاضي ما تعرضت له من مهانة وذل؟


ركعت امامه و امسكت يداه بقوة الدموع تنساب بلا هوادة و صوتها يستنجد به: من أجل أبنتي، أرجوك يا حمزة، لقد حرمني من طفلتي و كأن لا حق لي بها، لا تزال ترضع لا تزال متعلقة بي، لا زالت رضيعة و حرمني منها، ارجوك يا حمزة اقبل يدك لا تتخلى عني.


امسكت يديه تقبلها متوسلة لكنه سحبهم بسرعة انقبض قلبه لأجلها، كان يرى امامه ام سرق ابنه من حضنها فلا تعرف ماذا تفعل. لكن كيف له سبيل بمساعدتها، كيف يحكي للناس عن جبنه و ضعفه.


-ارجوك يا حمزة، فقط قابل المحامي و استمع له، اطلب منه ما شئت وربما لن يحتاج لحضورك و يكتفي بذكر التهمة التي لفقها يوسف لك.


طأطأ راسه مفكرا و لا يزال عقله يقول انها خائنة لا تستحق المساعدة اما قلبه فكان اطهر من تفكيره.
-انت لا تستحقين المساعدة، ربما هذا جزاءك لأنك خنتني.


شهقت البنت لكن الام تدخلت ولم تعد قادرة على رؤية ابنتها تذل اكثر: اسمع يا حمزة منذ زوجناك رفل حتى اليوم الذي طلقتها، هل رأيت منها شيء يسيء لك هل سمعت عنها ما لا يسر، ان ابنتي اطهر و اشرف بنت تعرفها، بعد طلاقك لها ظلت تنتظر و تتأمل بعودتك ربما ان ما حدث سوء فهم، و عندما اتى لعنة الله عليه و ملائكته ليساوم على حياة ابني بالسجن لم ندرك ما غايته، اتى متلبسا بدور الانسان الطيب المتسامح و لم يقبل بالمال بل بامرأة من عندنا و هكذا اجبرنا رفل، لقد توسلت و تشاجرت و كرهتنا نحن والديها عندما ارغمناها على الزواج. لا تتهمها باتهامات باطلة و انت لا تعرف ما حدث لها بهذا الزواج، كم تعرضت للإهانة و الضرب، للان هذه التي امامك لا تستطيع النوم بشكل طبيعي او التنفس بشكل طبيعي بعد ان كسر لها انفها و اجهض طفلا في بطنها. لم تكن رجلا و تخليت عنها مرة وهي في ذمتك فكفر ذنبك بمساعدتها الان.


مسه كلام امها في الصميم، لم يكن رجلا، الرجال لا يتخلون عن زوجاتهم، هذه الملامة هي ما جعلت حمزة بهذا الشكل، يتأكل من الداخل كالسرطان الذي يأكل الاعضاء.


انقبض يديه بشده و بانت عروقه و لم يستطع الوقوف أكثر امامهن: حسنا، سأقابل المحامي.


مشى خارجا يسارع بخطاه للابتعاد عنهن و عن عيونهن اللائمة و صعد لغرفته موصدا الباب بقوة، شعر انه يحترق يحترق بشدة لكن لا صوت له ليصرخ و يعبر عن المه و الوجع في صدره.


عادت رفل و امها بأمل، يارب سهل علي وقرب لي أبنتي، هذا ما كانت تدعو به رفل في كل خطوة تسيرها.


ارسلت لحمزة عنوان المحامي وموعد اللقاء، وفي غضون اسبوع وبعد ان اكمل المحامي كل الادلة و الاجراءات اللازمة قام برفع الدعوة. لقد تأكد ان يكون يوسف في بيته لا مكان عمله عندما ترسل اليه.
كان يوسف خارجا يقوم بحل مشكلة في احد عقود العقارات خاصته عندما اتاه اتصال من امه، شعر بالغضب عندما اخبرته ان شخص حضر يحمل تبليغ من المحكمة. ترك ما في يده و عاد لمنزله و اعطته امه الاوراق و عندما قرأ الدعوة زاد غضبه و عبوسه.
لم يكن يتوقع ان رفل لها الجرأة على القيام بشيء مماثل، زم شفتيه متبرما ثم قرأ تاريخ الحضور، كاد يمزق اوراق التبليغ الا ان صوت بكاء طفلته اوقفه. نظر ناحية المطبخ وتقدم باتجاهه وهو يرى مريم تحمل الصغيرة جنى تحاول تهدئتها بينما شاهين يقف حزين بجانب امه و الدموع على وشك السقوط من محجريه و كان يمسك بثوب والدته متشبثا، يتخيل ان والدته تخلت عنه من أجل الطفلة.


كانت الصغيرة جنى كثيرة البكاء و الصراخ و مهما حاولوا تعويدها بقيت الطفلة منزعجة مما جعل مريم تنشغل بها و تعتني بحاجتها مهملة لطفلها الذي كان يغار على امه، فطوال سنوات عمره الخمس كانت امه تحيطه برعايتها وحده و لم يشاركه احد بعواطفها، في البدا كان يحب جنى الصغيرة لأنه يراه لماما اما الان فبات يكرهها و يتمنى لو تختفي، كان تفكيره كأي طفل صغير و توجب عليهم احتوائه و جعله يفهم روابط الطفلة معه لكن المشاكل و مزاج يوسف جعلت الاهتمام بنفسية الطفل اخر اهتمامات العائلة.


اقترب يوسف من مريم وسأل بانزعاج ظاهر: ما بها؟


-لا اعرف، لقد اطعمتها للتو ونامت دقائق في سريرها لكنها استيقظت صارخة.


مهما كانت مريم طيبة و مراعيه لكنها لم تكن ام الطفلة، كانت تخشى ان تفعل شيء خاطئ فيساء فهمها، تلبي حاجات الطفلة من غذاء و تبديل حفاض و نوم لكنها لم تكن ام ترضع او تحتضن، اليوم عندما جاهدت لجعل الصغيرة تهدأ و تنام تنهدت بارتياح عندما غفت الصغيرة و ذهبت لتغتسل و تضع ملابس الطفلة في الغسالة تاركه شاهين يلعب و الصغيرة نائمة، وما ان خرجت حتى تقدم شاهين من السرير و نظر لأخته بعصبية و بلعبته البلاستكية ضربها على بطنها. صوت صرختها جعلته يجفل و يريد البكاء ايضا قال لها بصوت متلعثم : سأضربك يوميا ان سرقتي ماما.


سارعت مريم وهي تتنهد بتعب و انهاك فبكاء الصغيرة لم يجعلها تنام الليل و لا النهار: ما بكِ يا صغيرتي، هل لازلتِ جائعة ام تريدين الاغتسال.


برطمت الطفلة وشهقاتها لا تتوقف ثم عادت للبكاء و الصراخ مما اضطر مريم للنزول للمطبخ و اعطائها ما ترغب. لم تكن مريم تتوقع عودة يوسف في هذا الوقت، كانت تشعر بعيونه اللائمة الغير راضية كلما بكت جنى، لا تعرف ماذا تفعل او كيف تتعامل مع ما تشعر.


يكفي انها تكتم مشاعرها، فأي امرأة تكون ان لم يكن لها اي احاسيس ناحية تربية طفلة ضرتها و زوجها الذي لا تعرف دواخله، فيوسف ازداد بعدا و صمتا و قسوة، قسوته زادت بعد رحيل رفل، جفائه قد صار لا يحتمل.


كان يوسف مجروح، ليس قلبه ما جرح بل كرامته، لم يشعر يوما بهذا الاحساس الكريهة، احيانا كان يتمنى قرب رفل و عودتها فجسده يخبره انه لن يذوق امراه بحلاوتها و قلبه يخبره ما الذي فعلته لك يا يوسف لتتركها و انت الذي فعلت الكثير لتنالها، لكن كبريائه اتهامات عمته و ابنها كانت تعميه و تظلل عقله. فيزداد كرها و بغضا و خبثا، يريد ان يوجعها كما اوجعته، يريدها ان تشعر بما يشعر الان، فلتذق القليل من الوجع.


كان من الانانية ما يجعله يمتنع عن التفكير بحاجة ابنته لوالدتها، لم تكن فقط حاجة مادية او حسية بل نفسية، و لكن كيف لأمثال يوسف ان يفهموا و يشعروا بمعاناة الاخرين.


قال يوسف لمريم و هو لا يستطيع احتمال بكاء الطفلة اكثر، بكاءها يذكره بامر التبليغ و ويجعلها يتردد في ما قد قرره، قد تكون الطفلة بحاجة امها بالفعل: هل تحتاج للطبيب؟


هزت مريم راسها بلا معرفة ثم نظرت لعمتها التي تبعت يوسف، ربما تفيدها فالمرأة اكثر خبرة منها مع الاطفال: عمتي هلا رأيتِ جنى، لا اعرف ما بها او ما يضايقها.
اقتربت المرأة من الصغيرة و حملتها بمحبة بين يديها و راحت تحدثها بصوت حنون هادى : ما بك يا حبيبتي، ما الذي يؤلمك؟ هشش لا بأس لا بأس. ٠


استكانت الطفلة قليلة بين يدي الجدة وخرجت منها عدة شهقات ثم ابتسمت ووهي تقول: مما مم.


-يا حبيبة ماما، هل انت نعسة، هيا لننام.


اخذت الطفلة خارجا بينما يوسف سمع شاهين يقول لأمه: انتِ ماما الان.


جثت مريم تحادث ابنها: انا أمك دوما و جنى أختك عليك ان تحبها و تحميها، اذا تريد ان تصبح بطل عليك ان تحمي اختك.


بدون قصد برر شاهين فعلته: لقد ضربتها لأنها شريرة اردت سرقتك وهي تبكي دائما، اني اكره صوتها.


ارادت مريم ان تتحدث لكن يوسف بغير حكمة امسك اذن الصغير بشيء من القسوة: كيف تجرؤ على ضرب اختك؟ سأقطع اذنك ان مددت يدك عليها.


لم يشعر يوسف الا بضربة هوت على يده، نظرت له مريم بسخط و هي تجر ابنها الذي كان يبكي بصمت من انفعال ابيه لحضنها.


-لن اسمح لك بتعنيف شاهين، انه صغير و لا يفهم ما يحدث.


غضب يوسف اي غضب في هذه اللحظة لكن ليس بسبب مريم بل على نفسه، انه بات يتخبط لا يعرف ماذا يفعل او كيف يتصرف بروية مع عائلته. كان يعلم بقرارة انه المخطئ لكن لم يعترف بل وجه غضبه ناحية مريم والشرر يتطاير من عينيه : اياك يا مريم ان تعيديها، اياك!!!!


خرج من المنزل و التبليغ لا يزال في قبضته و ركب السيارة متجها لبيت رفل كل ظنه انها لا تزال في منزلها القديم لكن الجيران اخبروه بعدما مل من الطرق على الباب ان زوجة الاستاذ محمد تسكن مع اخيها الاكبر.


تذكر يوسف انه اوصل في مرة من المرات رفل الى بيت خالها حيث بقيت امها بعد وفاة الاب.
ولم تخب اماله هذه المرة عندما طرق الباب و سأل عن رفل، اخبره ابن خالها الصغير انها موجودة. ركض الطفل داخل البيت وهو يصرخ رفل هناك رجل في الباب يريدك.


انقبض قلب رفل وهي تتبادل النظرات مع امها فقد ابلغها المحامي اليوم عن رفعه للقضية.


-خالتي لتخرجي و تري من في الباب.


كانت زوجة الخالة منتظرة لهذه الكلمات لتخرج، وعندما عادت اخبرتها انه طليقها من ينتظرها على الباب.


-ماما اذهبي انت و تفاهمي معه، انا اعرف اسلوبه سيكون تهديد و ضرب.


اذعنت الام و خرجت و زفر يوسف بضيق عندما لم تأته رفل هذه المرة ايضاَ.


-ما الذي تريده يا يوسف؟


-اين رفل اريد التحدث معها هي لا غير.


-ابنتي لا تريد التحدث معك، المحاكم ما ستجمعكم فقط.


كتم يوسف غيظه و سلط انظاره على المرأة المسنة: اخبريها ان لم تأت خلال دقائق سأخذ جنى لغير مدينة و ستحلم برؤيتها مرة اخرى.


غضبت المرأة و هي تدمدم: لم تكذب رفل عندما قالت ان اسلوبك التهديد والوعيد.


كانت رفل تسترق السمع من خلف الباب و عندما سمعت ما قاله خرجت مسرعة لاهثة تخشى ان يفعلها حقا.
-اياك ان تجرؤ و الله سأقتلك و لن يرف لي جفن.


نظر يوسف باتجاه الصوت المنبعث ورأى صاحبة القد الرشيق و الوجه المستدير، ضاقت عينيه بانزعاج لأنه بدت جميلة و مغرية اكثر من اي وقت في عينيه.


-لا تهددي تهديدات فارغة، كيف تجرؤين على رفع دعوة ضدي، هل تريدين ان تثيري فضيحة اكبر لعائلتك.


وقفت امامه كجبل قوي لا يهزه ريح، صامدة قوية غير حالتها قبل دقائق: نعم اريد اثارة فضيحة و ما همك انت؟


-لا تثيري اعصابي يا رفل، لقد تركتك بلا ضرر فلا تجعليني اسخط عليك و اريك ما انا قادر عليه.


كادت رفل ان تفرط من الضحك سخرية مما قال لكنها التعقل منعها و اجابته بنفس النبرة اللامبالية: لقد احدثت ضرر بالغ فلم يعد يخيفني شيء، ما الذي تريده يا يوسف و لما أتيت هنا؟


نظر لها يوسف محذرا فأكملت: ان كان الحق معك ستأخذه في المحكمة ام انك خائف ان لا حق معك و لا ذرة منه؟


استفزته و كاد يلطمها الا انها تراجعت و قد رأت نيته لإيذائها في عينيه و قالت له محذرة: كلما مددت يدك علي كان الحق بجانبي، لن يخيفني ضربك او تهديدك بعد الان بل سيزيدني قوة و الان اخرج من بيتي اخرج.


-لنرى يا رفل لنرى.


خرج متوعدا. ذهب لمحامي العائلة كان صاحب خبرة طويلة وهو من قام بإجراءات الطلاق ليوسف. كان شخص داهية يستطيع قلب الامور لصالح موكليه. عندما اخبره يوسف بأمر التبليغ و دعوة الحضانة جعل يوسف يطمئن. فيوسف كان يستطيع توفير المعيشة و المال اللازم للطفلة كما ان الطليقة كانت موجه ضدها تهمة خيانة و كان يوسف قد حكى القليل يومها.


تمنى يوسف ان لا يذهب للمحاكمة الا ان المحامي نصحه بعدم فعل ذلك فهذا سيؤثر سلبا بانطباع القاضي عنه.


اما رفل فواجهت عاصفة هوجاء من خالها الذي كاد ان يضربها ضربا مبرحا للذهاب للمحامي و رفع دعوة دون علم احد. لكن الام وقفت مع ابنتها.


احتدم الامر و جاء اعمام رفل و لم تكن ردة فعلهم اقل من خالها لكنها هذه المرة وقفت في وجههم : لقد سكت كثيرا، لا احد يتدخل بعد الان بي، رفعت دعوة و هذا حقي، لم افعل ما يعيب او حرام، انت لا تعرفون شيء عن زواجي و لا عن اسباب طلاقي، وبما انكم لم تنصفوني و لم تكونوا سند لي فلا خيار لي سوى الالتجاء لقانون و سينصفني لأني مظلومة و لأن الحق معي، سترون ذلك قريبا.


صرخ بها عمها: كل هذه البلبلة للحصول على طفلة ذلك الرجل، في الاخير مرجعها لأبيها.


-انها طفلتي انا قبل كل شيء، هل تظن اني بلا مشاعر و لا قلب لترك طفلتي لا اعرف تأكل ام تنام، لا زالت لحمة صغيرة و لم يشتد عودها فكيف اتركها بيد ناس ظالمين لا يخافون الله.


رغم اصرار الجميع وصياحهم لم تتراجع رفل بل و اخبرتهم انها ستعود للعيش في منزل والدها فبيت خالها لا يكاد يكفي عائلته و انها متضايقة في العيش هنا. رغم انها بدت فضة جدا لكنها لم تقل الا الحقيقة.
كان لإصرارها و عنادها تأثير صادم على اقاربها فلم يكونوا متوقعين ردة فعل كهذه، و ما الذي باستطاعتهم فعله يقتلوها ام يسجنوها.


عندما اتى يوم المحكمة الكل رضخ لعنادها و اذعن و باتت تخرج بلا اذن و لا تهتم للحسيب و لا الرقيب.
دخلت القاعة و هي تقرا الادعية و الآيات القرآنية تناجي ربها ليكون نصيرها و معينها في هذه المواجهة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...