الفصل 2 | من 12 فصل

رواية أنا من قتلهم الفصل الثاني 2 - بقلم آية عيسى

المشاهدات
91
كلمة
1,969
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

النور رجع، لكن دقات قلب ياسين لسه بتضرب طبول في دماغه. لف بسرعة، إيده على سلا.حه، بس ملقاش غير فراغ وأصوات العساكر اللي رجعت في الصالة و بس .
​مراد حط إيده على كتفه بقلق:
— مالك يا ياسين؟ وشك عرقان كدا ليه وبتنهج كأنك كنت بتجري في ماراثون؟ مفيش حد هنا يا صاحبي!
​ياسين زقه بعيد وهو بينهج، وبص لكتفه بذهول. الهمسة لسه محفورة في ودنه. قعد على طرف السرير، ضاغط بإيديه على دماغه ، و قال بهمس :
— معقول؟ معقول بدأت أخرف؟ خمس شهور من غير نوم.. صورهم اللي بتطاردني.. القا.تل ابن الـ… نجح يخليني أشك في ضلي؟
​قام وقف، طلع فردة الحلق من جيبه ورماها لمراد بضيق:
— اللهم طولك يا روح.. خد يا مراد، الحرز ده حطه في الكيس فورا.
​مراد خدها، عينه لمعت بطمع، وقرب من ياسين وقال:
— تمام يا فندم ، بس فكك من الميري دقيقة، فكر معايا في موضوع البيعة! عندي صايغ صاحبي.. مش نصـ.ـاب خالص بجد.. هو آه يعني حرامـ.ـي ابن حرامـ.ـية وبيتعشى مال حـ.ـرام وبيحلي بمال يتامى، وأبوه ميـ.ــت في السجن بتهم تودي ورا الشمس، بس مش نصـ.ـاب خالص بجد ، أمين جداً! ده بس نصــ.ـب على عمتي الحــ.رباية، ومرات أبويا العـ.ـقربة، ومرات عمي شفيقة البيـ.ـئة.. بس دول يستاهلوا الحـ.ــرق! أيوة والله ! المهم هيخلص لنا في الفردة دي بأعلى سعر.. دي فردة تقيلة توكلني وتجوزني وتأمن مستقبلي ومستقبل العيال اللي لسه ماجوش! فكر بس.. و تقسيمة العدل، هديك 18 جنيه وريالين صافي من غير ضرايب، والباقي عليا عشان أنا شايل الليلة مكانك!
​ياسين وشه قاد نار، عروق رقبته برزت، وزعق بصوت هز النجفة:
— باااااااس! اقفل بوقك ده خالص! أنت إيه يا بني معندكش دم؟ إحنا قدام جـُ.ـثة وأنا أعصابي بتتفرتك، وأنت بتكلمني في بيع حرز و 18 جنيه وريالين يا معفـ.ـن؟! غور من وشي بدل ما أخليك مكان الجـ.ـثة !
​مراد اتنفض لورا، ضرب تعظيم سلام مهزوز:
— أسف يا فندم! توبة، العتب على الجوع والضغط.. سكت خالص، والدهب في الحرز أهو، والريالين مسامح فيهم لخدمة الوطن!
​دخل عسكري:
— تمام يا فندم، الكهرباء رجعت في المنطقة.. والدكتورة دينا برا مستنية سعادتك.
​مراد وشوش ياسين:
— ستر ربنا.. العسكري ده نزل لي من السما!
​ياسين تجاهله وخرج لدينا:
— شوفي لنا يا دينا إيه المصيبة دي.
​مراد وقف ورا ياسين وشوشه تاني:
— بقولك إيه، الست دي شكلها مريب.. مش شايف مطلعة لسانها إزاي وهي بتفحص؟
​ياسين بنظرة حادة:
— مالكش دعوة.. أنت واقف ليه؟ تحب أخليها تشرحـ.ـك بدل الجثـ.ـــة؟
​مراد سكت بسرعة، ودينا قلعت الجوانتي وقالت بنبرة عملية:
— نفس اللي حصل مع باقي الضحايا.. نفس طريقة القتـ.ـل، آلة حادة ورفيعة، مفيش أي مقاومة، وده بيوضح إنها كانت عارفاه وانصدمت، والقتـ.ــل تم وهي مدياه ضهرها.. نفس القا.تل.. بس!
​ياسين ركز عينه عليها:
— بس إيه يا دينا؟ انطقي.
​دينا شاورت على رقبة الضحية:
— بس مش نفس الزوايا المرة دي!
​مراد بسخرية:
— يعني إيه يا دكتورة؟ ما البنت مقتـ.ـولة ومخنوقة أهي، تفرق إيه إذا كانت الزاوية منفرجة ولا حادة؟
​بصت له دينا بقرف وكملت لياسين:
— القاتل المرة دي حب يبتكر.. أو مجبر. في الـ 19 جر.يمة اللي فاتوا، كان بيستخدم إيده اليمين بقوة. المرة دي، الربطة والسحبة من الناحية العكسية تماماً، استخدم إيده الشمال! وبما إن القـ.ــطع طالع بدقة متناهية، فده معناه إنه بيجيد استخدام الإيدين الاتنين بنفس الكفاءة.. بس الشمال المرة دي كان أدق، يعني بنسبة كبيرة المجر.م ده “أشول” وبيتحكم في إيده الشمال أكتر!
​ياسين حك دقنه:
— مش يمكن دول اتنين؟ تنظيم؟ واحد باليمين والتاني بالشمال؟
​دينا هزت راسها:
— الطب الشرعي النهائي هيحدد.. بس زي ما قولتلك قبل كدا، القا.تل بيمتلك قوة جسدية كبيرة، وكل ضحاياه من النساء عشان يقدر يتحكم فيهم.. ومن ملاحظتي زى ما قولت لحضرتك قبل كدا ، المجر.م ده جراح خبير، أو على الأقل درس الطب والتشريح وعارف هو بيضغط فين وبيقطع إزاي بالميللي.. عن إذنك، هننقل الجثـ.ـــة.
بعد ما دينا مشت، بص مراد لأثرها بضيق ولوى بوزه وقال:
— غوري في داهية! ست نكد وبومة يا ساتر! دي لو اتجوزت إبليس هتنكد عليه وتخليه يلتزم ويصلي الفجر في جماعة من كآبتها! قال أشول قال! دي عيشة تقصر العمر يا جدع!
​ياسين ابتسم لأول مرة من ساعة ما دخل الشقة ، كتم ضحكته بصعوبة وضرب كف على كف، ولف لمراد وهو بيهز راسه بذهول:
— أنت إيه يابني بجد؟ إزاي عينوك ظابط وبقيت نقيب؟! أنا بجد مستغرب الحكومة كانت بتفكر في إيه وهي بتسلمك طبنجة وميري وتطلقك على خلق الله!
​مراد عدل جاكيت الميري بفخر وثقة و رد:
— بالبركة ودعاء الوالدين يا فندم! وبعدين النجوم دي أنا واخدها سحب في كيس شيبسي أصلاً، متدققش في السي في بتاعي عشان ميزعلش!
​ياسين ضحك يأس من طريقته، وبعدين ملامحه رجعت لـلجدية وسأله:
— طب اِتلم بقا وفوق معايا.. مين بقا الحلو اللي بلغ المرة دي؟
​مراد قلب جد فجأة بتمثيل متقن، وطلع نوتة الملاحظات بتاعته وفتحها ببطء وهو بيعدل نظارته الوهمية وقال:
— الحلو المرة دي مطلعش حلو خالص للأسف يا باشا، وشكله يسد النفس عن الحياة.. ده صاحب العمارة، الحج موسى. راجل كدا تحس إنه عاصر الحرب العالمية الأولى ومخزّن ريحتها في جلبابه، وجاي يشتكي من الريحة وهو أصلاً منبعها!
​ياسين قفل زرار جاكيته بنفاذ صبر وتحرك ناحية الباب وقال:
— تمام أوي.. جيبهولي فورا، وأنا غاير في داهية على المديرية أما نشوف آخرة القرف ده إيه!
مراد ضرب تعظيم سلام ورا ضهر ياسين وقال بهمس:
— مع السلامة يا فندم.. داهية تاخدكم كلكم وتجيب غيركم!
……………
​على الجانب الآخر، كانت بطلتنا “مريم” قاعدة في صالة بيتها، ماسكة الموبايل وبتتصل على سلمى (المرحومة اللي لسه متعرفش إنها أصبحت في ذمة الله). نفخت بضيق وهتفت:
— أوف بقا! ما تردي يا تـ.ـورة! مش لدرجة التُقْل دي يعني، ده لو خطيبك مش هتعملي فيه كدا!
​بصت في الساعة لقتها ٦ المغرب، قامت وقفت وزعقت بأعلى صوتها:
— يامااااااا!
​أمها “سلوى” طلعت لها من المطبخ وقالت بغيظ:
— بتجعري ليه يا بت؟ فزعتيني الله يحرقك! حد ينادي أمه كدا يا حمــ.ـارة؟
​مريم لبست طرحتها بسرعة وقالت:
— أنا نازلة رايحة لسلمى.. البت بقالها يومين مابتردش، وهي بنت وحدانية ملهاش حد يا عيني. هروح أطمن عليها، ساعة زمن وجاية، أوك؟
​سلوى لوحت بإيدها وقالت ببرود:
— ماشي يختي.. غوري في داهية ومتنسيش تاخدي كيس الزبا.لة وأنتِ نازلة!
​مريم لفت راسها وبصت حواليها بتساؤل:
— أومال أخويا كريم “العــ.ـاق” فين؟ مش شايفاه يعني، بقالي ساعة مسمعتش صوت خناق؟
​سلوى برقت لها وحدفتها بفردة شبشب :
— أخرسي يا بت! متقوليش على ابني حبيبي عـــ.ـاق! ده دكتور قد الدنيا ومالي مركزه، مش فاشل وقاعد في قرابيزي زيك! على العموم راح شغله في المستشفى، واخلصي امشي ومتتأخريش عشان العشا!
مريم وهي بتلبس بسرعة برطمت بصوت واطي:
— طيب ربنا ياخده.. أنا هلبس و ماشية!
……………..
​على الجانب الآخر، في غرفة التحقيق الضيقة بالمديرية، كان الحج موسى قاعد على الكرسي بيرتجف كأنه راكب مرجيحة، ووشه جايب ألوان. ياسين لف حواليه لفة كاملة ببرود مميت، ومراد واقف وراه بيعدل حزامه الميري بنظرات تخوف .
​وفجأة.. “بببببم!”.. ياسين هبد بكل قوته على الترابيزة الخشب!
​الحج موسى اتنطط من على الكرسي وصرخ:
— يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! في إيه يا باشا؟ ركبي سابت!
​ياسين قعد قدامه وهدى نبرته فجأة:
— وحد الله يا حج موسى.. احنا مش جايين ناكلك، احنا جايبينك تتكلم عشان نجيب حق البنت الغلبانة دي اللي اتقـ.ـتلت في ملكك وعمارتك.
​الحج موسى رفع إيديه وهو بيرتعش:
— لا إله إلا الله.. والله العظيم يا سعادة الباشا ما ليا دعوة! سلمى دي قد حفيدتي، وكنت برعاها وبشوف كل طلباتها من ساعة ما أهلها ماتوا، دي بنت طيبة ونسمة وملهاش في المشاكل.. أنا استغربت إنها بقالها يومين مش بتنزل ولا بتشتري فطار، وكنت يعني.. أستغفر الله العظيم.. عايز أحصل الإيجار منها برضو عشان الدنيا غلا، فـ اتصلت عليها وطلعت فوق، لقيت تليفونها بيرن جوا ومحدش بيرد، قربت من الباب أسمع، شميت الريحة الوحشة دي واتفزعت، وعشان كدا اتصلت وبلغت.. والله ما ليا دعوة ولا أعرف طريق الأذى!
​ياسين ضيق عينيه ودرس ملامح الراجل؛ كانت صادقة وبتبكي من الخوف، بس حاسته السادسة بتقول إن فيه خيط تايه وسط الكلام. قرب منه وقال بحدة:
— ماشي يا حاج.. قولي بقا، كان فيه حد بيجيلها؟ بيزورها؟
​قعد الراجل يفكر ويهز راسه، وفجأة قال:
— أيوة! أيوة يا بيه.. فيه واحدة صاحبتها أوي، هي الوحيدة اللي كانت بتيجي معاها وتقعد بالساعات.
​ياسين مال عليه بسرعة:
— اسمها إيه؟ انطق!
​الحج موسى بلع ريقه:
— والله العظيم ما أعرف يا بيه!
​ياسين وقف وزعق:
— أنت بتستظرف يا حج موسى؟! مش عارف مين اللي داخل و اللي خارج من ملكك وعمارتك ؟!
​الراجل خبى وشه بإيديه:
— وربنا ما أعرف يا سعادة الباشا! كانت بتيجي علطول وتمشي معاها وتروح معاها، فـ مكنتش بسألها عيب يعني.. بس بقالها ٤ أيام مش بتجيلها خالص، اختفت فجأة!
​ياسين أخد نفس طويل وبص لمراد، وبعدين التفت للحج موسى وبذكائه الثعلبي قرر يعمل خدعة :
— تمام يا حاج موسى.. احنا مصدقينك وهنسيبك تخرج تعيش حياتك، بس لو عرفنا إنك فكرت تهرب برا المحافظة، أنا هجيبك وأطبخك في حلة مكان البنت اللي ماتت دي! سامع؟
​الحج موسى كش في نفسه:
— لا يا سعادة البيه، تحت أمرك! أنا قاعد وموجود ومش هتحرك عشان حق الغلبانة دي يطلع.
​ياسين ابتسم ابتسامة غامضة وقال:
— تمام يا حاج.. بس عشان الإجراءات والروتين، عايزينك تنورنا هنا في المديرية ساعتين زمن نخلص الورق وبعدين تتفضل.
​لَف ياسين وبص لمراد وأمره بلهجة صارمة:
— مراد.. خليك مع الراجل هنا ومتتحركش من جنبه ثانية واحدة.. ها؟ فاهم؟
​مراد عدل وقفته بسرعة وأومأ براسه وضرب تعظيم سلام من سكات وهو بيبص لياسين بنظرة فهم منها اللعبة:
– علم وينفذ يا فندم.. محبوسين سوا!
ياسين وهو بيركب عربيته، طلع موبايله وكلم رجالة المعاينة بلهجة آمرة:
— بلاش تشمعوا الشقة خالص! ولو شمعتوها رجعوا كل حاجة زي ما هي و خلوا الباب موارب.. سيبوا الوضع كما هو عليه ، فاهمين؟
​قفل الخط، وداس بنزين وهو بيبتسم ابتسامة غامضة.. كان رامي طُعم ومستني الصيدة!
…………..
​بعد ساعة.. وصلت مريم قدام العمارة، فضلت تتصل للمرة الألف ومفيش رد. نفخت بضيق:
— أوف! مفيش حل غير إني أدخل وأخلص من التُقْل ده!
​دخلت وملمحتش البواب، فبرطمت بسخرية:
— هيهيهي.. هربت منه! كان هيقعد يسألني رايحة فين وجاية منين، مع إنه حافظ إننا مش بنفارق بعض!
​طلعت السلالم ووقفت قدام الشقة، لفت انتباهها إن الباب موارب ومفتوح سنة صغيرة. بربشت بعينها واستغربت:
— إيه ده؟ هي البت دي هبلة ولا إيه؟ ولا يكونشي الهبلة نزلت تشتري حاجة وسابت الباب كدا؟ هبلة والله وتعملها!
​فتحت الباب ودخلت، وفي ثانية ضربت في مناخيرها ريحة نتـ.ـانة قوية قذ.رة كتمت نفسها. حطت إيدها على بوقها بقرف:
— يععع! إيه القرف ده يا سلمى؟ أنتِ ضاربة غطس في مجاري ولا إيه؟
​نادت عليها كذا مرة ومفيش رد . نفخت بملل ودخلت وقفت في نص الصالة، وقعدت على الكنبة (كنبة المرحومة!)، مستنية صاحبتها تظهر.
​وفجأة.. عيونها لمحت حاجة غريبة على طرف السجادة في الصالة. قامت وقفت بذهول وقربت.. عيونها برقت برعب وهي بتشوف بقعة د.م جافة وغامقة مغرقة الأرض!
​قلبها سقط في رجليها، وبدأت تنادي على سلمى بهستيريا ورعب وهي بتجري في الصالة من غير ما تشوف قدامها.. إيدها اترعشت، ورجلها اتكعبلت في رجل الترابيزة بقوة.. “ببببم!”
​اتقَلَبت مريم واتخبطت دماغها بحافة الترابيزة الخشبية الحادة.. ألم رهيب شق نفوخها، ود.م دافي بدأ يسيل على وشها، وقبل ما تستوعب، الدنيا اسودت في عينيها وأغمى عليها!
​بعد ربع ساعة..
فتحت مريم عينيها ببطء شديد، حاسة بدماغها هتنفجر من الوجع، والرؤية مش واضحة وضبابية. حاولت ترفع راسها وتستوعب هي فين، وفجأة اتجمدت الدورة الدموية في عروقها..
​فيه “بوط” أسود عسكري لامع واقف قدام وشها بالميللي.. وببرود مرعب، اترفع سن الجزمة وبدأ يرفع وشها لفوق بقوة وقسوة عشان تبص له!
​رفعت مريم عينيها برعب يتكتب فيه قصائد.. لقت ظابط واقف فوق راسها بملامح حادة كالسيف، وعينيه بتلمع بـ شر غريب، ووراه قوة عساكر مدججين بالسلا.ح و ماليين الصالة !
​ياسين مال عليها، وبص لها بابتسامة صفرا باردة لا تبشر بأي خير، بل كانت أقرب لابتسامة قا.تل متسلسل لقى ضحــ.ــيته، وقال بنبرة فحيح مرعبة هزت كيانها:
— أهلاً وسهلاً يا قطة! .. مساء الخير يا كتكوتة! .. نورتي مسرح الجر.يمة يا نونة!
​مريم من هول المنظر والرعب اللي شل أطرافها، صرخت فجأة بأعلى صوتها وهي بتبكي:
— يا لهوي! غطيني وصوتي ياما!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...