ساد الصمت لثوانٍ بعد كلام سيا.
دانا كانت تنظر لها بصدمة خفيفة، بينما نصف الكافيتيريا تقريبًا توقف عن الأكل ليراقب.
أما جيو…
فكان ينظر لقطعة البطاطس التي سرقتها سيا مرة أخرى وكأنه يعيد التفكير بكل قرارات حياته.
ابتسمت دانا أخيرًا.
لكن ابتسامتها هذه المرة لم تكن لطيفة أبدًا.
— “واضح إنك لا تفهمين قوانين المدرسة.”
سيا شربت العصير ببرود.
— “واضح إني لا أهتم.”
ارتفعت همسات الطالبات فورًا.
— “انتهت.”
— “دانا ستقتلها.”
لكن بدل ما ترد…
دانا نظرت لجيو مباشرة.
— “ألن تقول شيئًا؟”
رفع جيو عينه ببطء.
ثم قال بكل هدوء:
— “عن ماذا؟”
تجمد وجه دانا.
أما سيا…
فكتمت ضحكة بصعوبة.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعرت دانا بالإهانة أمام الجميع.
قبضت يدها بقوة.
ثم قالت لسيا بابتسامة باردة:
— “استمتعي بوقتك إذن.”
واستدارت وغادرت.
وفور خروجها…
انفجرت الكافيتيريا بالهمسات.
سيا تنهدت.
— “أشعر أني دخلت عصابة وليس مدرسة.”
جيو أخذ بطاطسه أخيرًا بعيدًا عنها.
— “أنتِ تخلقين المشاكل بسرعة.”
— “المشاكل تحبني.”
نظر لها لثوانٍ.
ثم قال فجأة:
— “لماذا لا تخافين؟”
رمشت باستغراب.
— “من ماذا؟”
— “الناس هنا.”
سكتت لحظة.
ثم ابتسمت بخفة.
— “لأني عشت مع أناس أسوأ.”
شيء ما في نبرتها جعل جيو يصمت.
كأنها لم تكن تمزح هذه المرة.
لكن قبل أن يسأل…
دوى صوت إنذار حاد فجأة داخل المدرسة.
الجميع انتفض.
— “ما هذا؟!”
ثم انطفأت الأنوار.
الكافيتيريا غرقت بالظلام.
صرخات خفيفة ارتفعت من بعض الطالبات.
أما جيو…
فتغير وجهه فورًا.
أنفاسه اضطربت بشكل واضح.
سيا لاحظت ذلك بسرعة.
— “جيو؟”
لم يرد.
كان يحدق أمامه بعينين فارغتين وكأن الصوت أعاده لشيء سيئ جدًا.
صوت الإنذار استمر يضرب المكان بعنف.
وفجأة—
دخل أحد الموظفين بسرعة وهو يصرخ:
— “الجميع يخرج حالًا! يوجد حريق بالمختبر الشرقي!”
تحول المكان لفوضى.
طلاب يركضون.
صراخ.
دفع.
وفي وسط كل هذا…
جيو لم يتحرك.
كان جالسًا مكانه، يضغط على حافة الطاولة بقوة حتى ابيضت أصابعه.
سيا اقتربت منه بسرعة.
— “هي! لازم نخرج.”
همس بصوت متقطع:
— “لا أستطيع.”
نظرت له بصدمة.
لأول مرة…
بدا خائفًا فعلًا.
ليس باردًا.
ليس متعجرفًا.
فقط…
خائف.
أمسكت يده بدون تفكير.
— “إذن سأخرجك أنا.”
رفع عينه لها فورًا.
صوت الانفجار البعيد هزّ المكان فجأة.
والطلاب صرخوا بذعر.
لكن سيا شدّت يده بقوة.
— “تحرك!”
لثانية…
تردد.
ثم وقف أخيرًا.
كان يمشي خلفها وسط الفوضى بصمت، بينما يدها ما زالت تمسك يده بقوة.
الكل كان يركض نحو الخارج…
لكن فجأة—
توقفت سيا.
— “لينا!”
جيو التفت بسرعة.
لينا كانت واقفة قرب الممر، تسعل بقوة بينما الدخان بدأ ينتشر من الجهة الشرقية.
والأسوأ؟
قطعة خشب كبيرة سقطت وأغلقت طريقها.
— “ساعدوني!”
صرخت بخوف.
الطلاب تجمدوا.
لا أحد اقترب.
الدخان كان يزداد بسرعة.
لكن سيا أفلتت يد جيو فورًا.
— “ابق هنا.”
ثم ركضت نحو لينا بدون تردد.
عيون جيو اتسعت.
— “سيا!”
لكنها كانت قد دخلت وسط الدخان بالفعل.
—
السعال مزق صدرها فورًا.
الحرارة خانقة.
ولينا كانت تبكي بخوف وهي تحاول تحريك الخشبة الثقيلة.
— “لا أستطيع…”
سيا أمسكت الخشبة بكل قوتها.
— “ساعديني بدل البكاء!”
دفعت الاثنتان معًا بصعوبة…
لكن فجأة—
صدر صوت تكسير مرعب فوقهما.
رفعت سيا رأسها.
قطعة حديد ضخمة كانت تسقط مباشرة نحوهما.
تجمدت لينا مكانها.
أما سيا…
فدفعتها بعيدًا بسرعة.
وفي اللحظة الأخيرة—
يد قوية جذبت سيا للخلف بعنف.
اصطدمت بصدر أحدهم بينما قطعة الحديد سقطت أمامهم بثانية واحدة.
صوت الارتطام هز الأرض.
سيا رفعت رأسها بسرعة.
جيو.
كان يلهث بقوة، وذراعه ملفوف حولها بإحكام.
عيناه كانتا مليئتين بالغضب والخوف بشكل مرعب.
— “هل أنتِ مجنونة؟!”
صرخها لأول مرة.
سيا رمشت بصدمة.
— “كنت أحاول—”
— “كنتِ ستُقتلين!”
صوته ارتجف بآخر كلمة.
وهذا ما صدمها أكثر.
لأنه بدا…
مرعوبًا عليها فعلًا.
وصل بعض المدرسين أخيرًا وسحبوا لينا للخارج.
أما جيو…
فما زال ممسكًا بسيا وكأنه لو تركها ستختفي.
ثم فجأة…
تجمد.
نظره سقط على ذراعها.
دم.
جرح طويل بسبب قطعة زجاج صغيرة.
وجهه فقد لونه فورًا.
أنفاسه تسارعت.
سيا شهقت.
— “أوه لا… ليس الآن.”
لكن هذه المرة…
جيو لم يسقط.
رغم الرعب الواضح بعينيه…
ورغم ارتجاف يده…
ظل واقفًا.
ينظر للجرح.
ثم إليها.
وكأنه يحارب نفسه.
همست سيا بدهشة:
— “أنت… لم تفقد الوعي.”
رفع عينه لها ببطء.
ثم قال بصوت متقطع:
— “لأنكِ تنزفين.”
— “…وهذا المفروض الشيء الذي يخليك تموت.”
اقترب خطوة فجأة.
— “لو كنتِ تأخرتِ ثانية واحدة…”
سكت.
وكأنه لا يستطيع إكمال الجملة.
لأن الفكرة وحدها كانت تخنقه.
وخلفهم…
كان شخص يراقب كل شيء بصمت.
ريان.
واقف عند مدخل الممر المحترق.
عيناه مثبتتان على يد جيو…
التي ما زالت متمسكة بسيا.
ببطء شديد…
اختفت ابتسامته الباردة المعتادة.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة جدًا…
ظهر شيء أخطر في عينيه.
القلق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!