تحميل رواية أوار جنية الظلام بقلم ندي محمود توفيق pdf
بقلم ندي محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في تمام الساعة التاسعة مساءًا بأحد المناطق الأثرية كان يقف مجموعة من الأثريين والمنقبين عن الآثار والمرممين وعلى رأسهم المفتش العام لعملية الحفر والتنقيب هذه، وبعد انتهائهم من مسح المنطقة والتأكد من مكان التنقيب الصحيح، نظروا الحفارين المتخصصين للمفتش وقال أحدهم يأخذ الأذن ببدأ الحفر: _المكان هنا بظبط يادكتور فارس نبدأ الحفر ؟ دقق فارس النظر في تلك البقعة التي يشير عليها ثم هز رأسه يرسل إشارته لهم بالموافقة، ومرت الدقائق وهم مستمرين بالحفر مع نظرات فارس الدقيقة لكل حركة تشكلها أيديهم، نظراته مضط...
رواية أوار جنية الظلام الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندي محمود توفيق
رواية أوار جنية الظلام الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندي محمود توفيق
رواية أوار جنية الظلام الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندي محمود توفيق
رواية أوار جنية الظلام الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندي محمود توفيق
بصباح اليوم التالي في تمام الساعة التاسعة صباحًا، استيقظ فارس والتفت برأسه بجواره فرأى زوجته النائمة بعمق، أطلق تنهيدة صغيرة ثم رفع يده إلى وجهه يمسح عليه ويفرك عينيه ثم هب جالسًا في الفراش وظل جالسًا لدقائق حتى فاق تمامًا وتخلص من أثر النعاس ثم استقام واقفًا واتجه للحمام ليستحم، وبعد تقريبًا خمسة عشر دقيقة خرج من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة مرتديًا بنطال أسود فضفاض يعلوه تيشيرت ازرق، وإذا بـ ليلى لا تزال نائمة رغم كل ذلك الضجيج الذي أصدره منذ استيقاظه.. ضيق عينيه بحيرة من استغراقها في النوم هكذا وهي من عادتها الاستيقاظ من أقل صوت ودومًا تستيقظ معه، لكنه رجح أنها ربما مرهقة بسبب ما يمرون به ولهذا لا تشعر به ولا تستيقظ.
قرر هو أن يبدأ في العمل دون إهدار أي لحظة عازمًا على إيجاد السر في تلك البردية، فاتجه إلى المنضدة المجاورة للفراش حيث ترك البردية بالأمس، لكنه تسمر بأرضه عندما لم يجدها، ظل مكانه للحظات يحاول استرجاع ذاكرته فربما قد تركها بمكان آخر لكنه متأكد تمامًا أنه تركها هنا بالأمس، راح يبحث عنها بالادراج كالمجنون بعصبية وينظر أسفل السرير علها تكون سقطت، أخذ يبحث في الغرفة باستيفاء شديد وأنفاسه بدأت تتعالي حتى استيقظت ليلى أخيرًا على تلك الأصوات المزعجة نتيجة لبعثرته الغرفة بأكملها وهو يبحث عن البردية.
نظرت له ليلى بعينان نوعية وصوت خافت تسأله بتعجب:
_مالك يافارس بتدور على إيه كدا من الصبح
التفت لها فارس بعينان حمراء كالدم من فرط الغيظ وأطال النظر في وجهها بشك غريب راوده بتلك اللحظة فور سماعه صوتها، لكنه أجاب عليها بهدوء تام ومازالت نظراته الثاقبة لها:
_البردية اختفت قلبت عليها الأوضة كلها مش لاقيها
فغرت ليلى عيناها وشفتيها بصدمة والتفتت بجواره تجاه المنضدة وقالت بهلع:
_ازاي مش موجودة أنا شوفتها على الكوميدينو هنا امبارح قبل ما أنام، دور كويس يافارس اكيد وقعت في أي مكان
ثم استقامت واقفة وراحت هي أيضًا تبحث عنها بالادراج بخوف حقيقي وقلق أن تكون " أوار " قد أخذتها، بينما فارس فظل يتمعنها بتركيز وتفكير ثم أخذ نفسًا عميقًا وأخرج زفيرًا متهملًا محاولًا السيطرة على انفعالاته ثم تقدم إليها ووقف خلفها ثم حاوطها بذراعيه من كتفيها بكل حنو وأدارها إليه ونظر في عينيها بقوة وقال:
_البردية دي ممكن يكون فيها السر اللي يخلينا نخلص من "أوار " ولعنتها يا ليلى
هتفت بحيرة وقلق:
_ معقول تكون هي اخدتها؟
مال فارس برأسه للخلف وأخذ نفسًا عميقًا ثم عاد ونظر لوجهها وسألها بجدية لكنها تحمل اللطف:
_أنتي متأكدة أنك امبارح بليل طلعتي تشربي مايه يا ليلى افتكري كويس ياحبيبتي
ضيقت ليلى عيناها باستغراب وقالت ببراءة:
_ مايه؟!!.. أنا مصحيتش أصلا بليل يافارس من وقت ما نمت مصحيتش في نص الليل أنا مش فاكرة أني صحيت
اتسعت عيني فارس وتأكد من شكوكه تجاه زوجته أنها هي من أخذت المخطوطة تحت تأثير " أوار " عليها فعادت ملامحه تظهر الغضب مجددًا ولكن ليس منها بل من " أوار " التي قد تكون تمكنت من التغلب عليه والتخلص من السر، فعاد يسأل ليلى لكن بنظرة مخيفة وقوية كانت لا إرادية منه:
_ليلى افتكري كويس وقوليلى البردية ودتيها فين ياحبيبتي ساعديني عشان نخلص من اللعنة دي
لمعت عيني ليلى بصدمة وقالت بصوت مبحوح وخائف:
_أنا مخدتهاش يافارس والله مخدتهاش
ثم اخفضت رأسها أرضًا وانهارت في بكاء شديد فحدقها فارس بعدم فهم من بكائها الشديد الغير مبرر فقبض على كتفيها وهزها بعنف صائحًا بها عندما شعر أنها ليست طبيعية :
_ليلى فوقي بتعيطي كدا ليه وقوليلى عملتي إيه في البردية؟
لم تجيبه واستمرت في نحيبها العالي بينما هو فاستمر بالضغط عليها وهو منفعل لا إراديًا منه ويصرخ باسمها حتى تفيق وتستجيب معه، لكن ردها كان الصدمة الكبرى بالنسبة له، حيث وجدها فجأة دون سابق إنذار ترفع رأسها وتنظر في عينيه بشر وتصرخ به بصوت شيطاني مخيف وهي تدفعه بيديها التي من فرط قوتها العجيبة دفعته حتى آخر الغرفة وسقط على الأرض وهو يحدق بها مذهولًا وهي تصرخ:
_ !!ما قولتلك مخدتهاش
ثم انطلقت منها ضحكة شيطانية بصوت متحشرج ومرعب ونظرت له بابتسامة خبث كلها نصر وشر، ثواني معدودة وسط ذهول فارس وهو جالس على الأرض بعدما دفعته بهذه القوة التي لا يعرف ما أين حصلت عليها، وجد أعصاب ليلى ترتخي وتغلق عيناها ببطء لتسقط على الأرض فاقدة الوعي، فوثب واقفًا من على الأرض وركض إليه يمسك برأسها يرفعها عن الأرض ويضرب على وجنتها برفق صائحًا به في صوت مرتجف:
_ليلى فوقي.. فوقي ابوس ايدك يا ليلى
استقام واقفًا بهلع وحملها بين ذراعيه ثم وضعها على الفراش برفق شديد واسرع إيجاب عطره الرجالي ويثنر منه القليل على يده ثم يضعه بالقرب من أنفها، كرر الفعل مرة واثنين على أمل أن تستيقظ لكنها مازالت فاقدة الوعي، فتأملها بقهر وعيناه امتلأت بالعبرات ثم احتضن كفها ورفعه لشفتيه يلثمه بحب وقلق:
_فوقي عشان خاطري
لحظات طويلة نسبيًا وهو مازال محتضن بكفها ويضعه عند شفتيه وجدها تفتح عيناها وتنظر له بتيه وتسأله بكل عفوية:
_ إيه اللي حصل يافارس، لقيت البردية ولا لسا ؟
لم يتحمل رؤيتها بهذا الحال فأنهار باكيًا أمامها بصوت عالي كالطفل الصغير، ومال عليها يلثم جبهتها بأسف ويهتف من بين بكائه:
_أنا آسف سامحيني.. أنا السبب ياحبيبتي سامحيني
هبت جالسة وابعدته عنها برفق وراحت تحدق به بحيرة وقلق ثم احتضنت وجهه بكفيها وسألته بحنان جميل:
_بتتأسف على إيه ياحبيبي وليه بتعيط كدا متقلقنيش
تأملها للحظة بوجهه الغارق بالدموع ونظرات العجز والألم ثم ضمها لحضنه ودفن وجهه بعنقها يكمل بكائه، فمسحت هي على ظهره وشعره بغرام وقالت بخوف حقيقي وصوت مرتبك:
_كدا هتخوفني بجد يافارس قولي إيه اللي حصل طيب وأنا ازاي اغمى عليا
توقف عن البكاء وقال بصوته المبحوح لكنه كان صوت رجولي صارم ومهيب يحمل من الوعيد ما يكفي لإظهار رجولته:
_اوعدك أن الليلة دي هتكون آخر ليلة في الكابوس ده.. حتى لو قدرت تتخلص من البردية برضوا مش هتقدر تغلبني وهحبسها في سجنها من تاني للأبد
لم تجيبه لكنها كانت تدعو ربها أن يجمعه بالحقيقة ويساعده على إيجاد السر وتكون هذه الليلة هي الأخيرة حقًا كما يعدها...
***
داخل المستشفى.........
يقف " عز " أمام غرفة العناية المركزة يتابعها من الزجاج وهي طريحة الفراش لا يصدر منها أي حركة أو صوت سوى صوت الأجهزة التي تصدر صفير هادئ يدل على نبضات قلبها التي تنبض بالحياة وتمده هو بالأمل.. ربما أمله الوحيد الآن أن يتخلصوا من لعنة تلك الجنية علها تفيق من ثباتها الدائم وتعود للحياة مجددًا.. أو بالمعنى الأدق تعود له.
وصلت إحدى الممرضات له ووقفت بجواره ثم نظرت له بإشفاق على حالته وهي تراه يراقبها لساعات دون أن يبتعد عن الزجاج لدقيقة فهمست له بحزن :
_وقفتك دي مش هتفيد بحاجة يا بشمهندس، أن شاء الله تفوق قريب لكن لو افترضنا الاحتمال الاسوء وأن الغيبوبة تطول مش هتفضل واقف بتراقبها كدا بالأيام والشهور طبعًا
نظر لها عز بانزعاج وقال في ثقة وصوت رجولي غليظ:
_شهور إيه، أن شاء الله كلها يومين وتفوق أنا عارف كويس هي مش هتسيبني وتفضل غايبة وعايشة في عالمها وحدها
تنهدت الممرضة بأسى وسألته بلطف محاولة التخفيف عنه قليلًا:
_لو حابب ممكن ادخلك خمس دقايق تشوفها وتقعد جمبها ، بس خمس دقائق بظبط لأن الدخول ممنوع في العناية حاليًا ، فأنا هدخلك من غير ما حد يعرف
ابتسم "عز " لها بامتنان وقال بفرحة :
_ياريت تدخليني ده أنا أبقى مشكور ليكي جدًا والله
أشارت له برأسها وهي تهمس له مبتسمة:
_طيب تعالى معايا هديك لبس العناية عشان تدخل
تحرك خلفها ودخل من بوابة العناية ثم أعطته ملابس الخاصة بالتمريض والعناية المركزة متمثلة في غطاء للرأس والرجل وكذلك للجسد بالإضافة إلى قناع الوجه ( كمامة) ، ثم تركته وخرجت بعدما أعطته تعليمات صارمة بأنه لن يأخذ أكثر من خمس دقائق ثم ستخرجه فانصاع له بالموافقة.
فتح باب غرفتها ودخل ثم اقترب من فراشها وجذب مقعد بلاستيك صغير كان بجوار الفراش ليجلس عليه ويتمعنها بعينان دامعة، رؤيتها لها عن قرب وهي بهذه الحالة كان أصعب من خلف الزجاج.
خرج صوته خافتًا وهو يحدثها بقهر:
_سامحيني ياراندا أنا السبب ، " أوار " استخدمتك كبش فداء عشان تأذيني أنا وفارس ، بس خلاص هانت هنخلص منها وأنتي هتفوقي أنا واثق ، لأني مش هقدر اعيش واسامح نفسي لو مفقوتيش، مينفعش تسيبني بعد ما لقيتك خلاص وبقى أجتماعنا مع بعض سهل ، أنا ليا سنين مستني نجتمع أنا وأنتي .. مستني اللحظة اللي اعترفلك بيها بحبي وأكون جاهز أني ابني معاكي حياتي
سكت للحظة ثم سالت دموعه فوق وجنتيه وقال بندم وأسف:
_أنا مكنتش متخيل أني بحبك للدرجة دي، كل اللي حصل بينا اثبتلي أني مقدرش اعيش من غيرك، بس أنا ملحقتش اقولك ده.. ملحقتش اقولك أن مش فارق معايا زمان كان إيه ومستعد انسى أي حاجة ونبدأ أنا وأنتي صفحة جديدة، مستعد انسى حبك لفارس وأصدق أنك فعلًا نسيتيه وعايزة تبدأي من جديد معايا.. أنا مستعد أصدق لأني عايز اصدقكك، فوقي ياحبيبتي وأنا اوعدك أن كل حاجة هتبقى جميلة وزي ما أنتي بتتمني وهعوضك عن أي حاجة وهسعدك، من هنا ورايح هكون جمبك ومش هسيبك ابدًا.. بس هكون جمبك مش بصفتي صديق بس لا بصفتي حبيب وعاشق ولهان
دخلت الممرضة الغرفة وقاطعت حديثه وهي تخبره بحزم بسيط:
_كفاية ياشمهندس عشان محدش يشوفك وتحصلي مشكلة
هز رأسه له بالموافقة ثم استقام واقفًا ومال بجزعه للأمام يطبع قبلة دافئة فوق رأسها ثم يبتعد ويغادر الغرفة وينزع عنه ملابس العناية ويخرج من قسم العناية بأكمله، وفور خروجه بدأ يسعل بقوة واسرع للحمام عندما بأنه على وشك الاستفراغ وبالفعل أفرغ معدته كلها، لكن عيناه اتسعت بذهول ورعب عندما رأى أن ما خرج من جوفه كان سائل أسود اللون.
***
بالمساء بتمام الساعة العاشرة مساءًا تحديدًا داخل غرفة الدكتور سامي كان فارس يبحث بكتبه ومجلداته عن أي معلومة تصل به للحقيقة والسر الخفي لتلك المقبرة الملعونة.
سمع صوت طرق الباب فهتف يسمح الطارق بالدخول ظنًا منه أنها سمر لكنه وجده حارس المنزل وهو يلقي عليه التحية مبتسمًا:
_مساء الخير يابشمهندس
رد عليه فارس بلطف مبتسمًا:
_مساء النور يامحسن خير في حاجة ولا لا ؟
تنحنح الرجل باحراج بسيط وظهر عليه التردد قبل أن يهتف باستحياء وقلق:
_أنا في حاجة شوفتها امبارح بليل ومن الصبح متردد اقول لحضرتك ولا لا ، كنت خايف تكون حاجة خاصة واعمل مشكلة بينك وبين المدام بس قولت مبدهاش بقى ولازم اقولك لأني حاسس أن في حاجة غريبة كانت في الست هانم
ضيق فارس عينيه بتعجب وسأله بفضول وصوت رجولي غليظ:
_قول يامحسن متقلقش إيه اللي حصل وشوفت إيه ؟
تحدث محسن وهو يسرد له ما رآه بالامس كالآتي:
_امبارح بليل متأخر أنا كنت قاعد بشرب كوباية شاي زي عادتي وفجأة لقيت ليلى هانم طالعة من البيت وكان شكلها مش طبيعي ومشيت ناحية حتة متدارية في الجنينة وفضلت تحفر في الأرض ودفنت حاجة في التراب بعدين ردمت عليها وقامت ودخلت البيت تاني
اتسعت عيني فارس بدهشة امتزجت بفرح عندما وصله استنتاج أنه ما قامت بدفنه ليلى كان المخطوطة وراح يسأل محسن بابتسامة :
_أنت فاكر يامحسن المكان اللي دفنت فيه الحاجة دي
_ أيوة يابشمهندس فاكر طبعًا
اندفع فارس نحوه بلهفة وجذبه من ذراعه هاتفًا :
_مستني إيه تعالي وريني المكان بسرعة
سار محسن مع فارس الذي كان يجذبه بلهفة وهو لا يفهم سبب فرحته وتلهفه فلقد ظن أن الأمر سينتهي بكارثة بينهم، ظنًا منه أن ما قامت زوجته بدفنه كان سحر سفلي أو شيء من هذا القبيل.
ارشده محسن للمكان وأشار له بإصبعه على القطعة التي حفرت بها وقال في نظرات متعجبة لفارس:
_هنا بابشمهندس فارس دفنتها
جلس فارس على الأرض بسرعة وراح يحفر بيديه الاثنين متلهفًا أما محسن فقال باضطراب وخوف:
_يابشمهندس بلاش تطلع الحجات دي بنفسك احسن تتأذي الأفضل نجيب شيخ يطلعها
لم يكثرت فارس لأمره وربما لم يسمعه من الأساس من فرط فرحته عندما وجد البردية بالتراب واخرجها وهو يضحك بانتصار وخبث ثم وثب واقفًا وراح يربت على كتف محسن بسعادة غامرة ويعده:
_اخلص من اللعنة دي يامحسن وليك عندي أي طلب هيتحقق
ثم ابتعد فارس وقاد خطواته بسرعة إلى الداخل ليبدأ في مهمة بحثه عن السر داخل المخطوطة لكنه توقف عندما رأى " أوار " تقف بشرفة غرفة الدكتور سامي وتحدقه بشر فابتسم لها بنصر ووعيد حقيقي ثم أكمل طريقه للداخل واتجه للمكتب.
***
بمكان آخر بسيارة ماهر كان يقود سيارته بطريق عودته للمنزل وبجواره تجلس سمر، بعدما انتهوا من ليلة لطيفة بأحد المطاعم تناولوا فيها العشاء معًا، فقد قرر ماهر أن يأخذها في نزهة علها تخفف عن حزنها قليلًا وتكون مواساة لها وتنسيها فراق خالها.
بينما كانوا يتحدثون أو بالادق ماهر يتحدث وسمر تسمع، يسرد لها عن بعض مواقفه وحكياته المضحكة وهي تستمع له باستمتاع تارة تضحك وتارة تكتفي بابتسامة ناعمة وأثناء ضحكهم ومتعتهم أطلقت سمر صرخة عالية عندما وجدت ماهر ينحرف بالسيارة عن الطريق ويميل بها بطريقة مرعبة مما أدى إلى اصطدامهم باحدى السيارات المصفوفة بجانب الرصيف
***
عودة لفارس داخل الغرفة الذي جلس على الأريكة ووضع البردية أمامه على المنضدة وفتحها وبدأ يحاول مجددًا أن يجد التي ثغرة يمكنه من الوصول للسر لكن النتيجة كانت ذاتها، قضى وقتًا طويلًا يفسر كل كلمة وكل حرف فيها دون جدوى بينما " أوار " كانت تقف تتابعه دون أن يراها وهي تبتسم بشيطانية ظنًا منها أنه لن يكتشف السر مهما حاول، لكن فجأة ظهرت علامات الفزع والرعب على محياها عندما رأت فارس جرح أصبعه دون قصد وهو يلتقط سكين كان موضوعة فوق طبق من الفاكهة ويقطع ثمرة تفاح فجرح أصبعه.
ترك فارس السكين من يده بسرعة متالمًا ومال بجزعه للأمام ليلتقط منديل ورقي يضعه على جرحه الذي بدأ في النزيف لكن دون قصد سقطت نقطة دم على البردية، فنظر لها مزعورًا وبينما كان على وشك أو يقوم بمسح الدماء بسرعة قبل أن تفسد البردية تصلبت يده في الهواء واتسعت عيناه بذهول وصدمة وهو يرى البريدية تمتص الدماء وتظهر كلمات جديدة لم تكن مكتوبة من قبل!...............
يتبع
الفصل الخامس عشر من هنا
رواية أوار جنية الظلام الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندي محمود توفيق
قضى وقتًا طويلًا يفسر كل كلمة وكل حرف فيها دون جدوى بينما " أوار " كانت تقف تتابعه دون أن يراها وهي تبتسم بشيطانية ظنًا منها أنه لن يكتشف السر مهما حاول، لكن فجأة ظهرت علامات الفزع والرعب على محياها عندما رأت فارس جرح أصبعه دون قصد وهو يلتقط سكين كان موضوعة فوق طبق من الفاكهة ويقطع ثمرة تفاح فجرح أصبعه.
ترك فارس السكين من يده بسرعة متالمًا ومال بجزعه للأمام ليلتقط منديل ورقي يضعه على جرحه الذي بدأ في النزيف لكن دون قصد سقطت نقطة دم على البردية، فنظر لها مزعورًا وبينما كان على وشك أو يقوم بمسح الدماء بسرعة قبل أن تفسد البردية تصلبت يده في الهواء واتسعت عيناه بذهول وصدمة وهو يرى البريدية تمتص الدماء وتظهر كلمات جديدة لم تكن مكتوبة من قبل، عيناه ظلت تراقب المخطوطة وذلك السحر الذي يحدث أمام عينيه وهو يبتسم بخبث وسعادة.
بدأ في قراءة الرموز الهيروغليفية الجديدة بصوت خافت :
_قام الملك بلعن عشقيته أوار بعد قتلها وأصبحت روحها ملازمة لجسده داخل مقبرته، روحها المتعطشة للشر أن تحررت من سجنها لن ترحم أحد ، فقط دماء من نسلي تستطيع فتح مقبرتي ولن يتمكن من التخلص من شر روحها الملعونة وحبسها في المقبرة مجددًا إلا نفس الدماء ، إعادة البردية لمكانها هو سر التخلص منها
لمعت عيني فارس بالقوة معلنة عن بداية نصره الحقيقي، أما أوار فكانت تراقبه وهي تشتعل بنيران الغضب وتحولت لهيئة مرعبة بإمكانها أن تقذف الرعب في قلوب أي بشر، وفجأة انطفأت الاضواء وعم الظلام في أجواء الغرفة ، فتلفت فارس حوله مبتسمًا دون خوف وراح يحدثها بخبث:
_وصلنا للنهاية خلاص ، وهتكون نهايتك على أيدي زي ما وعدتك
وصله صوتها المرعب الذي لما يشبه أي صوت سمعه منها من قبل وهي تهدده:
_أن حاولت دخول المقبرة أعدك بأنك لن ترى زوجتك الحبيبة مرة أخرى يافارس ، قد لا استطيع أذيتك لكن استطيع أذية كل أحبابك
أنهت عباراتها واشتعل من العدم إضاءة شموع ضعيفة أظهرت له وجهها وهيئتها التي جعلت عينيه تتسع بارتيعاد وتصلب مكانه، عندما سمعها تكمل بابتسامة كانت كفيلة لقذف الرعب في أوصاله لأول مرة:
_أنت أيضًا لن تخرج معي وستكون نهايتك داخل المقبرة مثلي ، ستموت وتتعفن داخلها دون أن يشعر بك أحد
استعاد قوته وصلابة جأشه ورد عليها بابتسامة كلها ثقة ونصر:
_المقبرة دي نهايتك أنتي مش أنا ، هترجعي لسجنك وأنا هرجع لحياتي
انطلقت منها ضحكة شيطانية مرتفعة كلها سخرية وراحت تحدق في فارس بأسف وتقول بمكر:
_يبدو أنك لما تقرأ السطور الأخيرة في المخطوطة ، كم أنت مسكين يافارس
تلاشت ابتسامة فارس تدريجيًا ولاحت نظرات القلق في عينيه عندما رأى تلك الثقة التي تحدثه بها، وراح فورًا يلتقط البردية ويقرأ الكلمات من جديد فوجد أن هناك سطور أخرى ظهرت لم يقرأها ومعناها بالعربية ( لكن من وصلت تلك البردية ليديه وتعرف على سر مقبرتي ولعنتها ، كُتب عليه الهلاك مع تلك الروح الشريرة، من يدخل مقبرتي لن يخرج منها مجددًا، أنت الآن أمام اختيارين إما أن تعيش حياتك معذب بشر أوار أو أن تخسر روحك فداء لأنقاذ العالم من لعنتها )
احتلت الصدمة تعابير وجهه وراح ينظر لها مدوهشًا فهتفت هي بشر :
_لقد خرجت حيًا المرة السابقة لأنني كنت أحتاجك وأنا اخرجتك لكن هذه المرة لن يخرجك أحد
أنهت كلماتها واختفت من أمامه وعادت إضاءة الغرفة كما كانت فجلس هو على مقعده يحدق في الفراغ مذهولًا.. يحاول استيعاب ما قرأه للتو.. كأنه يقف على مفترق طرق أحدهم يؤدي إلى عذاب ابدي والآخر يؤدي إلى الجحيم، وما عليه الآن سوى اختيار إما أن يترك تلك اللعنة تسلب منه كل احبائه أو يضحي بنفسه من أجلهم.
***
داخل المستشفى تحديدًا في إحدى العنابر الخاصة بالمرضى كان ماهر ممد بجسده على فراش وقدمه ملتفة بشاش طبي بعد إن قام الأطباء بتضميدها وتجبيسها جراء الكسر الذي تعرض له أثناء الحادث، وكانن تجلس بجواره على مقعد صغير سمر وهي تتطلعه باهتمام وقلق، التف ماهر برأسه نحوها بعدما انتهي الطبيب من فحصه وانصرف وراح يتمعن في وجهها الممتلئ بالجروح والخدوش البسيطة جراء الاصطدام .. وبأعلى جبهتها يوجد جرح عميق فقام الأطباء بوضع لاصق طبي عليه بعدما انتهوا من تضميده وتعقيمه.
مد كف يده والتقط كفها يحتضنه بين كفه بنظرة كلها حنو واهتمام وهو يسألها:
_حاسة بألم أو أي حاجة ياسمر ، أنتي كويسة طمنيني ؟
ابتسمت له بحب وقالت في رقة ممتزجة باضطرابها:
_أنا كويسة الحمدلله ياماهر والله متقلقش دي جروح بسيطة مفيهاش حاجة ، أنت الأهم رجلك حاسس بألم لسا فيها
تمتم بهدوء وصوت رجولي رخيم:
_لا المسكن اللي ادهوني الدكتور ريحني وهدي الألم
رددت بصوت خافت مسموع ( الحمدلله ) ثم نظرت له بحيرة وتعبيرات وجه جدية كلها خوف وتعجب:
_ أنت إي اللي خلاك تميل بالعربية فجأة ياماهر ومكنش في أي حاجة قدامنا
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا عندما تذكر تلك المرأة العجوز المرعبة التي ظهرت من العدم في منتصف الطريق أمامه فجأة وهي تنظر له بوجه خالي من التعبيرات وبشرة شاحبة أشبه ببشرة جثة هامدة فرت الدماء منها، وكردة فعل لا إرادية انحرف بالسيارة عن الطريق حتى يتفادها وبتلك اللحظة تعرضوا للحادث.
كانت سمر تتمعنه بتركيز منتظرة تفسيره وأجابته لكنه شرد في لحظة تذكره للحادث وتلك العجوز التي لا يوجد لها تفسير سوى أنها " أوار " ، هذا اسوء سيناريو قد يتخيله أن ينال سمر من الأذى نصيب، فاق من محيط مخاوفه على صوتها وهي تهتف:
_ماهر أنت سرحت في إيه .. أنا بكلمك؟
التفت لها وابتسم بود وقال في رزانة مخترعًا كذبة حتى لا يفزعها بالحقيقة ويزيد من وضع الأمر سوءًا بالنسبة لها:
_مش عارف يا سمر بس الدركسيون فلت مرة واحدة ومعرفتش اسيطر عليه، الحمدلله أنها جات على قد كدا
تنهدت الصعداء وهزت رأسها بتفهم بينما هو فمد كفه والتقط كفها وراح ينظر في عينيها بندم وأسف وتمتم بانزعاج:
_مكنتش هسامح نفسي أبدًا لو حصلك حاجة واتأذيتي بسببي ، سامحيني أنا آسف.. من وقت ما مشيتي معايا في الطريق ده والأذى ملاحقك ، أنا السبب مكنش ينفع اخليكي تيجي معايا هنا أو ادخلك في كل ده
مال ثغرها معبرة عن بسمة رقيقة ونظرة كلها غرام ثم رفعت كفها الثاني واحتضنت به كفه الممسك بكفها بين كفيها وهمست:
_أنا اللي اخترت اكون معاك ياماهر لأني كنت عايزة كدا ومهما حصل ومهما يحصل عمري ما هندم على القرار ده، فمتتأسفش صدقني رغم كل حاجة أنا مبسوطة بوجودي معاك، سبق وقولتلك وهقولها تاني.. أنت دلوقتي مبقتش مجرد صديق عادي بقيت كل حاجة بنسبالي وبعد خالو مش فاضلي غيرك
لمعت عينيه بوميض السعادة الغامرة الممتزجة بالعشق، وهو لا يفهم هل ينبغي له أن يأخذ تلك العبارات كاعتراف صريح بالحب أم ماذا ؟.. لكنه لن يمهل نفسه التفكير في الخطوة القادمة وسيتبع ما يحسه عليه قلبه، وبلحظة كان يعتدل في نومته ويصبح نصف جالسًا ثم تأمل في تعبيرات وجهها بهيام ورفع أنامله لخصلات شعرها يمسح عليها بحنو نزولًا إلى وجهها ثم خرج صوت خافتًا يحمل من بحة الغرام ما يذيب القلوب:
_سمر أنا بـحـبك
فغرت عيناها وشفتيها بصدمة على أثر وقع تلك الجملة الغير متوقعة، واستحوذ عليها الذهول للحظات وهي تتمعنه بصمت ترى نظراته المفعمة بالهوي وهو يتبسم لها ويهز رأسه مؤكدًا اعترافه، فاجفلت نظراتها عنها بسرعة في استحياء شديد واطرقت رأسها أرضًا فسمعته يسألها بلهفة ودفء:
_مش هتقولي حاجة؟
فهمت ما يرمي إليه بسؤاله فاتسعت ابتسامتها بخجل أكثر وهمست بصوت ناعم بالكاد يسمع مجيبة:
_واللي قولته من شوية ده مش كفاية
ضحك بخفة وهو يهز رأسه بالنفي في خبث ثم بسط ذراعه أمامه ولفه حول كتفيها ثم ضمها لصدره في دفء مجيبًا:
_لا مش كفاية بس هعتبرها حاجة شبهها وهكتفي بيها دلوقتي مؤقتًا
ابتسمت بين ذراعيه في خجل شديد ونظرات تغمرها فرحة العشق، بينما هو فأخذ يمسح على شعرها بحنو وابتسامته السعيدة تعلو ثغره باتساع....
***
عودة لفارس....
خرج من غرفة المكتب وقاد خطواته البطيئة تجاه غرفة زوجته، لم يكن ذاهبًا ليطمئن عليها بل لتودعيها.. فربما سيكون هذا اللقاء هو الأخير بينهم.
وقف أمام باب غرفتها ثم أخذ نفسًا عميقًا و تمالك أعصابه وعبراته قبل أن ينهار باكيًا، فـ لا ينبغي له أن يظهر لها أي شيء، سيكون وداع صامت وغامض.. لن يعذبهم بحقيقة عدم عودته وموته المحتوم داخل تلك المقبرة الملعونة.
مد يده أخيرًا إلى مقبض الباب بعد وقت طويل من الاستعداد لذلك الوداع المؤلم وفتح الباب ودخل وهو يبحث بنظره عنها حتى تسمر بأرضه في ذهول وهو يحدق بزوجته التي وجدها تقف بالشرفة فوق السور وتنظر له بشيطانية مبتسمة في خبث، تسارعت أنفاسه ونبضات قلبه وبثانية كان يهم بالركض نحوها حتى يلحق بها قبل أن تسقط لكن هناك قوى خفية ربطت قدميه بالأرض فأصبح متصلبًا مكانه لا يتستطيع الحركة، فراح يصرخ بها في هلع:
_لــيــلــى بتعملي إيه انزلــي
ابتسمت له بشر وقالت بصوتها لكن لا الكلمات ولا النظرات لها، فقد كانت مسلوبة بسحر ولعنة " أوار " التي وصلت لذروة تمكنها منها:
_دي النهاية يا فارس زي ما قولت.. والنهاية يا هتكون بموتك أو موتي مفيش خيار تالت لازم واحد فينا يعيش والتاني يموت ، اختار أنت
رغم معرفته بأن تلك الكلمات عائدة لـ " أوار " لكن كونه يسمعها من زوجته كان وقعها على نفسه أصعب من حقيقة موته داخل المقبرة، فتمالك أعصابه وتجاهل الرد عليها ومناقشتها بل راح يخاطب زوجته المغيبة محاولًا إعادتها للواقع:
_ليلى ابوس إيدك فوقي ياحبيبتي فوقي متسمحلهاش تسيطر عليكي أنا خلاص عرفت السر وهنهيها للأبد، انزلي عشان خاطري انزلي
إجابته بقسوة وغضب وهي تلقي تهديداته الصريحة:
_سلم روحك وإلا هرمي نفسي من هنا
حاول الحركة من مكانه لكنه مازال متصلبًا بأرضه ولم يكن تهديدها له عبث بل وجدها تميل بظهرها للخلف تنوي أن تلقي بجسدها فصرخ في فزع وهو يرتجف ويقول:
_لاااا ، اوعي يا ليلى .. خلاص هعمل اللي هي عايزاه انزلي
ارتفعت ابتسامة النصر فوق شفتيها وراحت تتطلعه بشيطانية ثم ألقت أمامه سكين تحمل نقوش فرعونية وأشارت له بنظراتها أن يقوم بالتنفيذ، فراح ينقل نظره بينها وبين السكين بتردد يفكر في طريقة لخداعها حتى ينقذ زوجته ونفسه، فأذن له يسمع همس أوار في أذنه تقول بشر:
_مصير زوجتك بين يدي أن لم تنفذ ما أريد ستشهد على موتها أمام عينيك ، هيا نفذ فلم يتبقى أمامك الكثير من الوقت
مد يد المرتجفة للسكين بعدما لم يجد أمامه حل سوى التصرف كأنه خضع لها، التقطها من الأرض وتمعن بها فوجدها نفس السكين التي جرحته بها ليلى وقام بحرقها، تلألأت الدموع في عينيه ورفع السكين لرقبته ثم ثبت نظراته على نظرات " ليلى " يحدثها بلغة العيون وعيناه تذرف الدموع دون توقف، عيناه كانت تعرض كل لحظاتهم الغرامية معًا كأنها شريط سينما تتحدث عن مدى حبه له وشعوره بالقهر والعجز وهو يراها تقف تحمل حياتها بين يديها بأقل حركة ستفقد روحها للأبد.
فبدأ في قراءة بعض آيات القرآن والأدعية دون أن يحيد بنظره عنها وكانت أوار بدورها بدأت تنزعج وتثور من همهماته باسم الله وكلماته، أما ليلى فقد بدأ تأثير أواخر يضعف عليها و بلحظة قذف في ذهنها ذلك الكابوس الذي رأته منذ مدة والآن هاهو يتحقق بالضبط، حدقت في فارس ونظراته له ودموعه وتلك السكين التي فوق رقبته فصرخت بفزع وقد فاقت تمامًا وتحررت من السحر ونزلت من فوق السور وتهتف :
_لا يافارس
ابتسم بسعادة غامرة وانزل السكين من على رقبته فورًا وقد لمعت عيناه بالأمل مجددًا، أما ليلى فقد هرولت نحوه وارتمت بين ذراعيه وهي في حالة انهيار عصبي تبكي بحرقة وترتجف بين يديه، بينما هو فكانت عبراته تسقط ويبكي معها كالطفل الصغير وهو يوزع قبلاته على شعرها في ارتيعاد وفزع، راحت تهتف ليلى بين بكائها الهستيري:
_أنا ازاي كنت هخليك تعمل كدا في نفسك ، كنت هعيش من بعدك ازاي ، سامحني يافارس أنا مكنتش في وعي
أبعدها عنه برفق وراح يحدق في تعابير وجهها بعيناه الدامعة أخذ يتأمل ملامحها كأنه يحفظها في عقله لآخر مرة فربما تكون الأخيرة حقًا ، حاوط وجهها يكفيه ثم تمتم في صوت مبحوح:
_أنا اللي المفروض اطلب السماح، أنا السبب في كل اللي احنا فيه ده.. أنا اللي فتحت بوابة جهنم دي.. أنا السبب ، بس خلاص الليلة هي الأخيرة أنا وصلت للسر وهروح الليلة دي وهنهي اللعنة دي للأبد
تلألأت عيناها بوميض الحماس والفرح وهتفت له وهي تحسه على النهوض:
_بجد يافارس.. الحمدلله ، طيب ومستني إيه يلا بينا نروح حاليا
ظهرت ابتسامته الحزينة وهتف في ثبات يحمل خلفه انهيار عظيم:
_أنا هروح وحدي يا ليلى مينفعش تيجي معايا
اختفت بسمتها ورمقته باندهاش ثم هتفت بغضب معترضة:
_وأنا مش هسيبك تروح وحدك مستحيل.. هاجي معاك
مسح على وجنتيها بحنو وقال في صوت يحمل بحة القهر:
_مقدرش اخدك صدقيني في خطر عليكي ، أنا عايزك بس توعديني بكام حاجة قبل ما امشي
تطلعت له باستغراب فوجدته يكمل وقد امتلأت عينيه بالدموع وبدأت الكلمات تخرج بصعوبة من بين شفتيه من فرط حزنه وهو يلقي عليها وصياته:
_اوعديني أنك تكملي الحلم اللي كنتي بتسعيله ومتوقفيش لغاية ما توصلي ، وكمان حافظي على تواصلك مع بابا وماما أنتي عارفة أنهم بيعتبروكي بنتهم وهيكونوا سند ليكي
تسارعت أنفاسها بارتيعاد من كلماته المريبة وهتفت بعدم فهم :
_ أنت بتقولي الكلام ده ليه، أنت راجع تاني يافارس مش هتسيبني ويكونوا سند ليا ليه وأنت موجود معايا
سالت دموعه فوق وجنتيه وقال في أمل يحاول إبعاثه في نفسها ليطمئنها رغم انعدامه لديه:
_أن شاء الله هرجع ، أنا بقولك الكلام ده لأن الاحتمال ده موجود للأسف
نظرت له بثقة وشجاعة قوية رغم انهيارها ودموعها التي تنهمر بصمت وقالت:
_فارس لو فيها رجعة نبقى هنرجع مع بعض ولو مفيهاش نبقى برضوا هنكون مع بعض ، أنا طول الفترة اللي فاتت كنت بسمع كلامك وبنفذ اللي أنت عايزه بس المرة دي لو على جثتي مش هسيبك تروح المكان ده وحدك ، لو فيها موت يبقى هنموت مع بعض
أجابها فارس بحزم وهو يرفض رفض قاطع :
_المرة دي غير أي مرة فاتت ، لازم انهي اللعنة وحدي مينفعش تكوني معايا مستحيل اخدك معايا للموت ب ايديا
بتلك اللحظة كان ماهر وسمر وصلوا للمنزل حتى أنهم وصلوا للغرفة وكانوا يقفون أمام الباب فلمحتهم ليلى وشهقت بفزع عندما رأت وضعهم ، التفت فارس بدوره ينظر له لضيق عينيه بصدمة واقترب منهم يسأل بقلق:
_إيه اللي حصل مالك ياماهر
اجاب ماهر بهدوء مبتسمًا بعدما تقدم نحو أحد المقاعد وهو ممسك بعكازه يستند عليه ويتحرك به:
_مغيش حاجة حادث بسيط الحمدلله وعدي على خير
انفعل فارس من هدوء الأعصاب الذي يتحدث به أخيه وهتف:
_يعني إيه حادث بسيط ، أنت رجلك مكسورة وتقول بسيط ازاي متتصلش بيا
قال ماهر في نظرات ذات مغزى يرسلها لأخيه ليفهم معناها:
_ملوش لزمة يافارس هي كانت محاولات وباتت بالفشل
سكن فارس وارتخت عضلات وجهه ليظهر محلها اليأس والخنق، منذ قليل كان سيفقد زوجته والآن يكتشف أنها حاولت قتل أخيه أيضّا، جلس على اقرب مقعد أمامه ودفن رأسه بين كفيه وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة من فرط شعوره بالخنق، فمازال نفسه مذبذبة ولم يتخطي ذلك المشهد المرعب الذي حدث من قليل عندما ليلى حاولت قتل نفسها ، فلم يلبث ليستوعب حقيقة أن دخوله للمقبرة سيكون موته حتى شهد على محاولة انتحار زوجته نهاية بحادث أخيه.
رفع رأسه عندما شعر بكف ليلى وهو يمسح على شعره وتهمس بالقرب من أذنه في قوة تمده به:
_كل ده هينتهي الليلة دي ياحبيبي ، بس لازم نتحرك من غير تأخير ، لأن كل وقت بتاخده وهي حرة قوتها بتزيد اكتر
هب فارس واقفًا ثم ضم ليلى لصدره يحتضنها بحنو ثم ابتعد عنها وأشار لأخيه بأنه يريد التحدث معه فاستقام ماهر واقفًا وغادر الغرفة مع فارس بمساعدته ليجد فارس يتحدث بجدية :
_انا عرفت السر ياماهر المقبرة هتفتح بدمي ولازم ارجع البردية مكانها عشان أوار تتحبس من تاني
لمعت عيني ماهر بفرحة وقال في تعجب:
_ازاي اكتشفت السر
هتف فارس بحزم ونظرة رجولية وهو يوصي أخيه:
_مش ده المهم .. المهم أني هروح دلوقتي ومش عايز اسمع منك كلمة هاجي معاك ، أنت هتفضل هنا عشان تاخد بالك من ليلى وسمر ، لأن ليلى مش كويسة وممكن في أي لحظة تأذي نفسها
هتف ماهر بغضب:
_أنت عايزني اسيبك تروح وحدك ازاي يافارس
اجابه فارس بحكمة:
_عشان أنا مش هقدر اسيب ليلى وحدها ومفيش حد اقدر استأمنه عليها غيرك
حديقه ماهر بضيق لكنه التوم الصمت كدليل على موافقته وانصياعه لرغبة أخيه بيننا فارس فتلألأت عينيه بالعبرات واقترب من أخيه ليعانقه بحرارة عناق طويل ويهمس في بحة رجولية تدمي القلب:
_خدي بالك من نفسك ياماهر ، ومش هوصيك على مرات أخوك ليلى أمانه معاك خد بالك منها ومتسيبهاش
ابتعد بعد لحظات وتطلع في وجه أخيه فوجده ينظر له بقلق وحنق شديد فابتسم فارس وربت على كتفه متمتمًا بابتسامة مازحًا:
_متقلقش عليا ده مشوار مسافة ساعتين وراجع ياراجل أن شاء الله
هتف ماهر بصوت رجولي غليظ :
_لولا ليلى وسمر مكنتش سبتك تروح وحدك أبدًا
ابتسم فارس بأسى وقال في هدوء غريب:
_سيبها على الله ، أن شاء الله خير ، أنت بس متنساش اللي وصيتك عليه
***
بعد مرور ساعة تقريبًا كان فارس قد تجهز وأخذ كل شيء سيحتاجه معه واهمهم تلك المخطوطة وغادر المنزل بعدما ودع أخيه وكذلك زوجته التي أوهمته بأنها ذعنت لأوامره ولن تذهب معه، لكن فور رؤيتها له وهو يستقل بسيارته وينطلق بها تسللك دون أن يشعر بها أي من ماهر أو سمر وغادرت المنزل واستقلت بسيارة سمر بعدما تمكنت من سرقة المفتاح دون أن تشعر بها وانطلقت بالسيارة تشق طريقها بسرعة عالية لكي تلحق بزوجها......
يتبع
الفصل السادس عشر من هنا
رواية أوار جنية الظلام الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندي محمود توفيق
بعد مرور ساعة تقريبًا كان فارس قد تجهز وأخذ كل شيء سيحتاجه معه واهمهم تلك المخطوطة وغادر المنزل بعدما ودع أخيه وكذلك زوجته التي أوهمته بأنها ذعنت لأوامره ولن تذهب معه، لكن فور رؤيتها له وهو يستقل بسيارته وينطلق بها تسللك دون أن يشعر بها أي من ماهر أو سمر وغادرت المنزل واستقلت بسيارة سمر بعدما تمكنت من سرقة المفتاح دون أن تشعر بها وانطلقت بالسيارة تشق طريقها بسرعة عالية لكي تلحق بزوجها...
توقف فارس بسيارته بالموقع المحدد بعدما استغرق الطريق ربع ساعة تقريبًا، أخذ نفسًا عميقًا وظل مكانه داخل السيارة يحاول الأستعداد نفسيًا لتلك المهمة التي قد لا يخرج منها حيًا كما تقول الأسطورة أو البردية الملعونة.
مد يده والتقط هاتفه وأجرى اتصال بصديقه " عز " ووضع الهاتف فوق أذنه ينتظر الرد، حتى وصله صوته العابس وهو يجيب:
_ايوة يافارس
أجابه فارس بصوت قوي وهو يدخل في صدر الموضوع فورًا دون مقدمات:
_ أنا عند المقبرة ياعز عرفت السر وهفحتها وادخل ارجع البردية لمكانها
هب عز واقفًا من مكانه بصدمة وهتف باندهاش وعدم استيعاب:
_عرفت السر ازاي وإيه اللي يوديك وحدك.. ازاي متقوليش حاجة زي كدا يافارس !!
أخذ نفسًا بهدوء وأكمل فارس برزانة:
_اسمعني مش وقته الكلام ده ، أنا عايزك دلوقتي تكون جمب راندا ومتسيبهاش لغاية ما كل حاجة ترجع لطبيعتها ونخلص من " أوار " لأن أوار ممكن تشتغل الفرصة وتحاول تأذي أي حد
انفعل عز وصاح بغضب يوبخه:
_راندا أنت كنت هتصرف ، لكن أنت ازاي تروح هناك وحدك.. أنا هجيلك دلوقتي
نهاه فارس فورًا بغضب هاتفًا:
_متجيش يا "عز " وافهمني راندا محتجاك اكتر مني دلوقتي ، أنا كدا كدا نهايتي معروفة
ضيق عينيه بتعجب وسأل بعدم فهم:
_يعني إيه نهايتك معروفة؟!
أطلق فارس زفيرًا حارًا وأجاب بأسى:
_البردية كان مكتوب فيها أني لو دخلت المقبرة مش هطلع منها يعني مفيش طريقة للخروج منها
فغر " عز " عينيه وشفتيه بذهول وراح يصرخ به به بعصبية متناسيًا وجوده داخل المستشفى:
_وأنت رايح تنتحر يعني ، أياك تدخل يافارس اكيد هنلاقي طريقة تاني يافارس نخلص بيها من الجنية دي
أجابه فارس بإصرار وهدوء:
_مفيش طريقة تاني يا " عز " هي دي الطريقة الوحيدة المقبرة مش هتفتح غير بدمي ومحدش يقدر يرجع البردية لمكانها غيري ، وخلاص مش بعد ما قطعنا الشوط ده كله ووصلت لغاية هنا هرجع .. لازم اتخلص الشر اللي حررته، وأنت إياك تيجي ورايا وتسيب راندا خليك جمبها ، أشوفك على خير سلام يا صاحبي
انهي عباراته وأغلق الاتصال دون أن يترك فرصة لـ " عز " يحاول فيها أن يعيده عن قراره ثم فتح باب السيارة ونزل ووقف يتلفت حوله يتفقد المكان ويتأكد من أنه وحيد بتلك المنطقة الأثرية الصحراوية، تقدم بخطواته في بطء تجاه النقطة المحددة التي يحفظها عن ظهر قلب ويوجد بها المقبرة ثم وقف عندها، وتنفس الصعداء متذكرًا كيف كانت البداية وكيف أصبحت النهاية، كان هو بداية اللعنة وسيكون نهايتها، بدأت الحكاية بفضول قاده إلى جحيم مُهلك وستنتهي بواقع مختوم بدماء الموت.
أخرج سكين صغيرة من جيبه وقربها من باطن يده ورفع رأسه للسماء وهو يأخذ نفسًا طويلّا ويخرجه زفيرًا متهملًا، ثم ضغط بالسكين على يده وسحبه بعنف فجرحته وبدأت الدماء تخرج من جرحه وتسيل من يده وتسقط على الأرض، كان هو يتابع لحظات سقوط الدماء من يده على الأرض منتظرًا ظهور المقبرة، لكنه انتفض مفزوعًا عندما شعر بكف يد يمسك بكفه فالتفت برأسه للجانب ليجد زوجته تنظر له مبتسمة بقوة وشجاعة، اتسعت عيني فارس بصدمة وهو يحدق بها.. ولم يلبث ليتفوه بكلمة واحدة حتى بدأت العاصفة الشديدة تهب والضباب والرمال ملأت كل مكان حولهم فلم يتمكنوا من رؤية شيء، ولا إراديّا هو ضمها لصدره خوفًا عليه من تلك العاصفة حتى رأى أمامه المقبرة قد ظهرت أخيرّا وفتحت بابها أمامهم، فابتعدت ليلى عن أحضانه ونظرت لفارس بدهشة امتزجت بفرحتها واحتضنت كفه وابتعدت خطوة أمامه وهي تجذبه خلفها هاتفة:
_يلا يافارس ندخل بسرعة
لكنه لم يتحرك ساكنًا وظل متصلبًا بأرضه يرمقها بغضب وخرج صوته الرجولي متحشرج ومرعب:
_أنتي مش هتدخلي معايا يا ليلى
اختفت ابتسامتها وحل محلها القوة والعزم وهتفت بشراسة:
_هدخل يافارس مش هسيبك وحدك
صرخ بها في صوت جهوري منفعلًا جعلها تنتفض بأرضها خوفّا منه:
_قولتلك مش هتدخلي أنتي مبتفهميش ليه، لو دخلتي مش هتطلعي وأنا ولا يمكن اسمح أنك تواجهيي المصير ده معايا ، هو أنا بعمل كل ده ليه مش عشان تعيشوا انتوا مرتاحين من غير خطر !!
استعادة رباطة جأشها وتحلت بحكمتها وهدوئها الساحر، ثم اقتربت منه بدفء ورفعت كفيها تحاوط وجهه بكفيها ومالت برأسها على رأسه لتتلاقي جبهتهم وتتلامس في مشهد رومانسي تملأة مشاعر الغرام والتضحية، وخرج همسها المبحوح مع عيناها الدامعة تقول:
_أنا لا يمكن الاقي الراحة والسلام في دنيا أنت مش موجود فيها يافارس، مصيرنا واحد لو مكتوبلنا منطلعش تاني فأنا راضية بالمصير ده، أنا قولتلك قبل ما تطلع من البيت لو فيها موت يبقى هنموت مع بعض، أنا مقدرش اعيش من غيرك ياحبيبي، لو أنت مطلعتش من جوا أنا هعيش ميتة.. فـ على الأقل خليني اكون معاك ولو هموت يبقى اموت جمبك
امتلأت عيني فارس بالعبرات الحارقة ثم راح يمطرها بوابل من قبلاته يوزعها على وجهها وضمها لصدره معانقًا إياها بشدة، ثم أبعدها عنه واحتضن كفها الناعم بين كفه الكبير بقوة فابتسمت هي له وهمست بعينان تملع بالأمل:
_هنخلص من اللعنة دي وهنطلع متقلقش
هز رأسه مؤيدًا الامل المنبعث في عيناها ثم تحرك معها باتجاه بوابة المقبرة ودخلوا معًا وفور دخولهم انغلق الباب خلفهم، فالتفتت ليلى خلفها بفزع امتزج ببعض الخوف بينما فارس فهمس لها بخفوت:
_متخافيش أنا معاكي
هزت رأسها بالموافقة وهتفت:
_ماشي يلا شوف مكان البردية فين ورجعها مكانها بسرعة
ابتعد عنها فارس وبدأ بالبحث في المقبرة عن تلك الزجاجة المعدنية الذهبية التي اخرج منها البردية، بينما ليلى فرأت " أوار " تقف أمامها بأحد زوايا المقبرة وتبتسم بشيطانية، فاتسعت عيناها بارتيعاد وكانت على وشك أن تنبه زوجها طالبة منه الإسراع في بحثه، لكن ارتفع صراخها المميت وهي تمسك برأسها وسقطت على الأرض جالسة وهي مستمرة في الصراخ وتقول:
_ابعدي عني كفااااية
التفت لها فارس مفزوعًا واسرع إليها يجثي على الأرض أمامها يمسك بيديها يحاول أبعادها عن رأسها ويسألها بهلع:
_ليلى مالك.. ليلى
صاحت به وهي تحاول السيطرة على نفسها وعدم الاستماع لوساوس تلك الجنية والوقوع تحت تأثير سحرها:
_ملكش دعوة بيا سيبني وروح حط البردية بسرعة
ظل متسمرًا يحدق في زوجته بمشاعر مختلطة ما بين الصدمة من ردة فعلها والقلق عليها حتى وجدها ترفع راسها وتنظر له بطريقة مرعبة وتصرخ به وهي تدفعه بعيدًا عنها:
_مستني إيه قوم يلا
التفت برأسه للجانب فرأي " أوار " تقف تتابعهم بهيئتها الشيطانية المرعبة وهي تزم شفتيها بأسى تتصنع الحزن عليهم، فاستقام واقفًا فورًا وترك زوجته تعاني من محاولاتها لمحاربة تلك الجنية ومنعها من السيطرة عليها، وأكمل بحثه عن الزجاجة بسرعة وتلهف وإصرار حتى وجدها أخيرًا فرفعها بفرحة انتصار قوية وقبل أن يضع البردية بالداخل اختل توازنه وسقطت الزجاجة والبردية من يديه عندما وجد ليلى تجذبه من الخلف وتضع السكين على رقبته، فبحركة احترافية منه تمكن من الإفلات منه ودفعها بعيدًا عنه والتفت برأسه ينظر لها فسرت القشعريرة في جسده من منظر زوجته التي أصبح وجهها يميل للسواد وممتلأ برموز وطلاسم فرعونية وعيناها سوداء كالليل الكاحل، فأدرك أنها لم تتمكن من مقاومة " أوار " كثيرًا وسقطت فريسة لسحرها بالنهاية.
تركها واسرع لكي يلتقط الزجاجة والبردية مرة أخرى لكنها عادت وقفزت فوق ظهره تحاول منعه، بينما هو فحاول أبعادها عنه بكل قوته الجسدية لكن كانت قوتها تفوق قوتها أضعافًا رغم نعومة وضعف عضلات جسدها الأنثوية إلا أنها اكتسبت قوة غير طبيعية وتستخدمها ضده لمحاربته ومنعه، وسط محاولاته في الإفلات منها سقط على الارض وسقطت هي فوقه، دفعها بعيدًا عنه فسقطت بعيدًا عنه ومال هو الجانب يمد يده ليلتقط البردية لكنها عادت تشكيله وتشل حركته مجددًا وبيده السكين تنوي قتله فصرخ بها في صور جهوري:
_ليلى فوووووقي
لكنها كانت مغيبة تمامًا لا تراه ولا تسمعه فقط تنفذ ما تطلبه منها " أوار " ، رفعت السكين في الهواء وقالت بابتسامة شر وصوت مرعب وغليظ:
_سأقتلك قبل أن تفعلها، حتى لو لن اتمكن من العودة للحياة وأخذ روحك لكنني سأعيش حرة لن اعود لسجني وأنت ستموت هنا وبإيدي زوجتك
تقوصت تعابير وجه فارس واحتدت بالغضب العارم وهو يجز على أسنانه بوعيد حقيقي، ورغم أنه لم يتخيل قط أن يرفع يده ويأذي ليلى، لكن الضرورة تبوح المحظورات فرفع كفه في الهواء وهوى به فوق وجه ليلى التي ارتدت بعيدًا عنه عن أثر صفعته لها وسقطت على الأرض، بينما هو فوثب واقفًا دون أن يكترث لها وهرول يلتقط البردية ثم الزجاجة ويضع البردية بداخلها وأغلقها وهو يبتسم بانتصار وشر، فور إعادته البردية إلى مكانها الاصلي تحررت ليلى من سحر " أوار " وفاقت وهي مازالت ساقطة على الأرض وإذا بها تشاهد " أوار " أمامهم وهي تصرخ وتهتز بشكل مرعب وهيئتها تزداد بشاعة وسوءًا ورعبًا، أما فارس فكان يتابع ما يحدث بها بنشوى وسعادة غامرة على عكس ليلى التي كانت مضطربة وخائفة ولا تفهم شيء أو ما الذي حدث لها، استمرت معاناة " أوار " للحظات وهي تصرخ حتى تلاشت تدريجيّا واختفت من أمامهم، فتنفس فارس براحة وفرحة والتفت تجاه زوجته التي تجلس فوق الأرض وتحدث حولها بارتيعاد، فهرول نحوها وجلس أمامها ثم حاوط وجهها بكفيه في حنو متمتمًا:
_ليلى أنتي كويسة ياحبيبتي ؟
هزت رأسها بالايجاب وهي ترمقه بتيه ثم سألته:
_هو أنا إيه حصلي وأنت ازاي حطيت البردية وامتى لقيتها.. أنا مش فاكرة حاجة
تذكر صفعته القاسية لها ونظر في وجهها فرأى أن الصفعة قد تركت آثارها على وجنتها فمال بوجهه نحوها وطبع قبلة دافئة فوق وجنتها وهمس معتذرّا بندم:
_أنا آسف ياحبيبتي غصب عني عملت كدا والله
ضيقت عيناها باستغراب وسألته بعدم فهم:
_عملت إيه أنا مش فاهمة حاجة .. احكيلي يافارس حصل إيه بالتفصيل
تنهد فارس الصعداء ونظر لها بضيق بسيط وقال:
_ أوار قدرت تسيطر عليكي وبقيت مغيبة مش حاسة بنفسك وكنتي بتحاولي تمعنيني ما ارجع البردية لمكانها
اتسعت عيني ليلى بصدمة وهتفت بلتهف تسأله في قلب واهتمام:
_أنا أذيتك أو عملتلك حاجة.. أنت كويس ؟
ابتسم لها بعشق وقال مبتسمًا مازحًا بلطف:
_معملتيش حاجة اطمني أنا كويس، رغم أنك كنتي هتعملي بس أنا لحقت نفسي
ارتمت ليلى بين أحضانه تعانقه وهي تتنفس بسرعة وقالت في صوت آسف وحزين:
_أنا حاولت والله يافارس اخليها متتمكنش مني بس مقدرتش
مسح على ظهرها بدفء وقال في عبوس بعد أن تلاشت ابتسامته:
_خلاص كل ده انتهى خلينا في الخطوة الجاية رغم أنه مفيش أمل والبردية كانت بتقول مفيش خروج من المقبرة بس يمكن نطلع
ابتعدت عنه وقالت في ثقة وعينان تلمع بوميض الأمل:
_هنطلع يافارس .. أنت دائمًا كنت بتقولي الاستسلام يعني النهاية الفعلية لكن طول ما أنت بتحاول يبقى في طريق موجود أكيد وفي أمل
عادت الابتسامة لوجهه مجددًا وهو يتمعنها بنظرات إعجاب وغرام كأنه يقع في حبها للوهلة الأولى، بينما هي فاستقامت واقفة وجذبته ليقف معها وتهتف بجدية:
_خلينا ندور ونقرأ الرموز الموجودة في النقبرة يمكن تلاقي طريقة نقدر نفتح بيها الباب
هز رأسه بالموافقة وبدأ في البحث معها، كل منهم يبحث من جهة مختلفة والهدف كان واحد هو النجاة بأرواحهم من تلك اللعنة التي حبسوا داخلها...
***
داخل منزل سامي....
كان ماهر واقفًا أمام النافذة الزجاجية بالصالون ينظر إلى الحديقة بالخارج في شرود وحزن شديد، يشعر بأن قلبه يتمزق أربًا خوفًا على أخيه الذي تركه يذهب للموت وحده، والآن الندم ينهشه نهشه وصوت عقله لا يتوقف عن توبيخه والصراخ به أنه كيف ترك أخيه وحده.. قد لا يراه ثانية ويفقده للأبد وهو لن يكون معه سيواجه مصيره وحيد.
فقد ترك بين أصعب اختيارين في حياته من جهة أخيه ومن جهة حبيبته وزوجة أخيه، فتحتم عليه أما أن يرافق أخيه أو يقوم بدور الحماية لتلك الأمانة التي تركت له، لكنه الآن يشعر بأن عقله سينفجر من شدة التفكير في أخيه وهو يتساءل ماذا يفعل الآن هل انهي تلك اللعنة واستطاع الخروج أم أصبح هو أيضًا سجين داخل ثنايا الجحيم.
التفت بزعر للخلف فجأة على أثر صوت صياح سمر وهي تنادي عليه وتركض فوق الدرج هاتفة :
_الحقني ياماهر .. ليلى مش موجودة
أجاب ماهر بصدمة وارتيعاد:
_مش موجودة ازاي يعني راحت فين ؟
وصلت سمر إليه وهي تلهث من الركض وهتفت بصوت متقطع وهي تلتقط أنفاسها :
_عربيتي من موجودة شكلها اخدت عربيتي وطلعت ورا فارس
راح يرفع كفه يمسح على وجهه وهو يطلق زفيرًا ناريًا بغضب وقلق ثم صاح بسمر:
_انتي سبيتيها وحدها ليه ياسمر أنا مش قولتلك عينك متغفلش عنها
قالت سمر بقلة حيلة مبررة تصرفها الخارج عن إرادتها:
_أنا كنت معاها معرفش إيه اللي حصلي ونمت إزاي مصحيتش غير دلوقتي ولقيتها مش موجودة
تأفف بغيظ وتمتم:
_أكيد أوار هتسيطر عليها وتخليها تحاول تمنع فارس ومش بعيد تأذيه
صمتت سمر وهي تحدقه باندهاش واضطراب، أما هو فأخذ يجوب يمينًا ويسارًا بعصبية شديدة، فهتفت سمر وهي تقترح عليه فكرة بشجاعة وجزم:
_طب واحنا هنقعد مستنين كدا هنا وحاطين أيدينا على خدنا يلا نروح وراهم ونطمن عليهم
التفت لها وحدقها مطولًا يفكر في اقتراحها فوجد أنه الحل الأنسب في وضعهم ولا يوجد أمامهم غيره فإجابها مؤيدًا وموافقًا لرأيها:
_طيب يلا بينا
أسرعت إلى غرفتها بالأعلى واحضرت حقيبتها وهاتفها وعادت له مسرعة وغادروا معًا المنزل واستقروا بسيارته التي انطلق بها بسرعة مرعبة يشق بها الطرقات في عجالة...
***
داخل المستشفى تحديدًا داخل حجرة واسعة تضم عدد من الأفرشة وفوقها المرضى ( عنبر )، كان " عز " مسطحًا على أحد تلك الأفرشة فاقدًا للوعي، وعندما فتح عيناه واستعاد وعيه وجد فتاة من ضمن طاقم الممرضين تقف بجواره تقوم بتركيب محلول علاجي له، نظر له بتعجب ولا يفهم ماذا حدث له وكيف انتهي به الحال فوق فراش المرضى بتلك الحجرة، حاول تذكر ما حدث بعد مكالمته لفارس، فآخر ما كان يتذكره أنه كان ينوي الذهاب لصديقه وسيترك راندا تحت رعاية أحد أصدقائه بالمستشفى.. لكنه لا يتذكر ما الذي حدث بعدها !.
خرج صوته بخفوت وسأل الممرضة في فضول:
_هو أنا إيه اللي حصلي ازاي اغمى عليا وجيت هنا؟
ابتسمت له الفتاة بود وقالت في لطف:
_فضلت تكح ياشمهندس بشكل مش طبيعي فجأة ونفسك مكنتش قادر تاخده وبعدها اغمى عليك بس الدكتور لما كشف عليك قبل ما تفوق لقي أنك بقيت أفضل ومبقيش في أي حاجة في الصدر
رفع " عز " حاجبيه بدهشة وحدقها بعينان متسعة وهو لا يفهم كيف اختفى ذلك المرض الذي صابه فجأة ثم سألها وهو ينظر إلى المحلول:
_لما أنا مبقيش فيا حاجة بتعلقي المحلول ده ليه ؟
إجابته الممرضة موضحة له:
_ده محلول فيتامينات متقلقش الدكتور كتبه ليك
مال برأسه للجانب الآخر بعيدًا عنها وهو يتنفس الصعداء بأسى متذكرًا مكالمة صديقه وأنه لم يتمكن من اللحاق به أو حتى توديعه، جذبه من همومه صوت الفتاة وهي تبتسم له وتقول بعينان لامعة:
_في خبر حلو كمان
التفت لها وركبها بحيرة وسأل :
_ !خبر إيه ؟
هتفت الممرضة في نبرة ودودة وفرحة:
_مرات حضرتك المدام راندا فاقت وحالتها مستقرة كمان وهينقلوها غرفة عادية كمان شوية
نزل الخبر عليه كالصاعقة التي سمرته مكانه ففغر شفتيه بذهول واتسعت عينيه بعدم تصديق وسرعان ما حلت السعادة الغامرة معالمه بدلًا من الصدمة وقال بتلهف وهو يحاول نزع المحلول عن يده:
_شليلي المحلول ده طيب هقوم اشوفها
هتفت بالرفض نافية نفي قاطع:
_لا لا مينفعش خليك لغاية ما تخلص المحلول، أنت كدا كدا مش هتقدر تدخل العناية دلوقتي ولغاية ما المحلول يخلص هتكون اتنقلت لغرفة عادية وتقدر تشوفها
أخذ يردد الحمد لله مرارًا وتكرارًا وهو يبتسم باتساع ولا يطيق الانتظار حتى يراها ويسمع صوتها ويضمها لأحضانه ويروى روحه المتعطشة لقربها.
***
عودة إلى فارس وليلى داخل المقبرة.....
مر وقت ليس بقصير داخل تلك المقبرة وهم يحاولون العثور على مخرج لكن دون جدوى، حتى أن الوهن بدأ يظهر على محياهم وانفاسهم بدأت تضيق وأصبح الأكسجين شبه معدوم.
كانت ليلى مازالت تقاوم وتحاول الصمود على العكس من فارس الذي أصبح جسده هذيل ولا يقوى على الوقوف أو التنفس فسقط على الأرض وهو يحاول أخذ أنفاسه بصعوبة، التفتت ليلى نحوه بهلع على أثر سماعها لصوت ارتطام جسده بالأرض فهرولت نحوه وجثت بجواره وهي ترفع رأسه تحاول جعله يقف على قدميه لكن لا يقوي فهتفت برعب وصوت مرتجف:
_ لا يافارس ابوس ايدك ياحبيبي قاوم وحاول أنا متأكدة هنلاقي طريقة وهنخرج
أجابها بصوت ضعيف بالكاد يسمع:
_مفيش طريقة يا ليلى حاولنا ومفيش أي أمل، سامحيني ياحبيبتي أنا السبب في كل ده
هتفت ليلى بغضب وجسد يرتجف من الخوف عليه:
_متقولش كدا عشان خاطري
التقط كفها ورفعه لشفتيه ولثمه بقبلة دافئة مبتسمًا لها بحزن كأنها ابتسامة وداع، بينما هي فامتلأت عيناها بالعبرات وسالت كالشلالات فوق وجنتيها وهي تهز رأسها بالنفي وتبكي وتهتف له تتوسله:
_لا يافارس لا خليك معايا .. فارس
وجدته بدأ يغلق عينيه معلنًا عن قرب نهايته وخروج روحه فعانقته وهي تبكي بهستيريا وتصرخ وإذا بها فجأة يقذف في ذهنها لحظة جرحه ليده وانفتاح البوابة بدمائه، فابتعدت عنه بسرعة واسرعت تبحث في الأرض عن السكين وعندما وجدتها التقطتها وعادت إليه ومسكت بكف يده ناوية جرحه في محاولة لاستخدام دمائه مجددًا في فتح البوابة، ودون تردد أو تضييع وقت جرحته وطبعت كفها فوق كفه لتملأ يدها بدمائه وركضت باتجاه الباب وطلعت كفها فوق الباب وانتظرت إلى ما يقارب خمس ثواني تقريبًا وإذا بعيناها تتسع بصدمة وهي ترى الباب يفتح أمامها ويظهر المخرج والدرج حتى رأت السماء المزينة بالنجوم فضحكت بفرحة غامرة وهي تلتقط أخيرًا اكسجين نقي فعادت بسرعة إلى زوجها وحاولت سحبه إلى قرب الباب حتى يتمكن من التقاط بعض الأكسجين ورغم ثقل جسده إلا أنها حاولت بكل ما اوتيت لديها من قوة حتى نجحت، وكل ذلك فعلته في حوالي ثلاث دقائق فجلست بجوار فارس وبدأت في محاولة إنقاذه بالأنعاش الرئوي والتنفس الصناعي وهي تتوسله ببكاء:
_يلا افتح عينك ابوس ايدك يا فارس قوم متسبنيش وحدي
استغرقت وقت طويل وهي مستمرة في جلسة الأنعاش لقلبه ودموعها تنهمر بغزارة فوق وجنتيها، توقفت عن الأنعاش ومالت علي وجهه وبدأت في التنافس الصناعي ، فجأة وجدته يفتح عينيه ويلتقط نفسًا عميقًا ممتلأ بالاكسجين فابتعدت عنه وحدقته بدهشة امتزجت بسعادتها الغامرة، وراحت تفتح له ازرار قميصه العلوية حتى يتمكن من التقاط من أنفاسه جيدًا، بينما هو فكان صدره يعلو ويهبط من سرعة تنفسه ودخول الأكسجين لقلبه الذي توقف بالفعل وعاد للحياة مجددًا، كانت تراقبه ليلى وعيناها تضحك قبل شفتيها من فرط فرحتها بعودتها للحياة ثم ارتمت عليه تعانقه بقوة وهي تهمس:
_الحمدلله يارب ، كنت عايز تسيبني لمين وحدي يافارس
انتبه للباب المفتوح بجواره فالتفت برأسه للجانب وإذا به يرى السماء والحياة بالخارج فابعد ليلى عنه وسألها بصوت ضعيف مذهولًا:
_!فتحتي الباب ازاي ؟
ابتسمت له بثقة وقالت في حب:
_أنا مش قولتلك هنطلع مكنتش هقبل بالنهاية دي ، جرحتك وفتحت البوابة بدمك
رمقها بهيام وإعجاب للحظات متأملًا في ملامحها وبلحظة تساءل هل كان احمق وساذج للدرجة التي جعلته يفكر في الانفصال عنها، بينما هي فاستقامت واقفة ومدت يديها له لتساعده على الوقوف وهي تهتف له بحماس:
_يلا بينا نطلع عشان نرجع بيتنا
استقام واقفًا بمساعدتها وهو يبتسم لها بعشق ثم سار معها للخارج صعدوا الدرج حتى وقفوا على الرمال في الصحراء والتفتوا برأيهم للخلف ليجدوا البوابة تغلق وتختفي المقبرة ويصبح لا وجود لها، فالتفتت هي تجاه فارس وقالت ضاحكة بعدم تصديق:
_احنا طلعنا يافارس وخلصنا من اللعنة وأوار أخيرًا
كان هو يجوب بنظره حوله في محاولة لاستيعاب أن كل شيء انتهي بالفعل وعادوا لحياتهم الطبيعية مجددًا، التقطت عيناه سيارته وهي مازالت بنفس المكان الذي تركها به، فأدرك أن ما يعيشه الآن واقع وليس وهم أو حلم، عاد بنظره إلى ليلى يرمقها بوجه تغمره الفرحة ، ودون وعي كان يميل عليها ويضمها لحضنه ويرفعها عن الأرض يدور بها في حركة دائرية وهو يضحك بهستيريا، شاركته الضحك وهي متشبثة برقبته بقوة ، حتى انزلها على الأرض وحاوط وجهها بين كفيه هاتفًا بنظرة مفعمة بالهوى والحب:
_لولاكي أنا كان زماني ميت دلوقتي ، أنتي النور والأمل اللي خرجني من الضلمة ، قوتيني ورفضتي تستسلمي وحاربتي لآخر لحظة ، اللي مرينا بيه خلاني اقع في حبك للمرة الألف وأدرك فعلًا أنك نور حياتي ومن غيرك حياتي ملهاش لون ولا تتعاش، ربنا يخليكي ليا يا لؤلؤتي
ابتسمت له بسعادة شديدة امتزجت بمشاعر العشق والحياء من تغزله الجميل بها فوجدته يميل عليها ويلثم وجنتها بقبلات حارة ثم يمسك بكفها بين كفه الكبير ويهمس لها مبتسمًا وهو يجذبها معها:
_يلا بينا
تقدموا بخطواتهم تجاه السيارة فإذا بهم يجدوا كل من ماهر وسمر وهو يقفون ويتلفتون حولهم ويبدو عليهم أنهم يبحثوا عنهم، فصاح فارس مناديًا على أخيه الذي التفت تجاهه وفور رؤيته له اسرع إليه شبه ركضًا وعانقه بحرارة وهو سربت على ظهره بقوة في فرحة ويهتف:
_الحمدلله أنك طلعت كويس
كانت سمر بدورها تعانق ليلى وتطمئن عليها أما ماهر فابتعد عن أخيه وسألهم بفضول:
_خلاص خلصنا من الشر وأوار
هزت ليلى رأسها له بالأيجاب وهي تبتسم باتساع وفرحة شديدة، فابتسم ماهر بسعادة مماثلة وربت على كتف أخيه متمتمًا:
_طيب يلا بينا نرجع البيت و احكولنا التفاصيل
***
داخل المستشفى...
كان " عز" جالسًا على أحد المقاعد بردهة المستشفى ويحدق فيرالفراغ بشرود وهو عابس وحزين ففرحته بشفاء راندا ناقصة بغياب صديقه وقلقه عليه، أخرج هاتفه وقرر الاتصال بماهر هله يعرف أي شيء ويطمئنه.
كان ماهر يقود السيارة بطريقهم للمنزل وجميعهم يتبادلون الأحاديث بمرح وضحك ، عندما ارتفع صوت رنين الهاتف التقطه وقرأت اسم المتصل في الشاشة فابتسم ومد يده بالهاتف لفارس يقول:
_ ده " عز " رد عليه أكيد متصل بيا عشان يطمن عليك
التقط الهاتف من يده وأجاب على صديقه بمرح هاتفًا:
_لسا مموتش متقلقش قاعد على قلبك
تملكت الدهشة من " عز " للحظات وهو يستوعب صوت فارس حتى أجاب بعدم فهم:
_!أنت مدخلتش المقبرة ولا إيه ؟
هتف فارس ضاحكًا بصوت ينبض بالحياة:
_دخلت ورجعت البردية ونهيت كل حاجة الحمدلله
تهللت أسارير " عز " وأخذ يحمد ربه من شدة فرحته ووراح يسأله:
_وطلعت ازاي طيب ؟
فارس بإيجاز:
_لا دي حكاية طويلة أما اشوفك هبقى احكيلك
هتف عز براحة وسعادة:
_حمدلله على سلامتك يابشمهندش أو حمدالله على سلامتنا كلنا ، وليك عندى خبر حلو كمان
أجابه فارس بثقة وصوت رزين يحمل من السرور ما يكفي ليشعر به:
_من غير ما تقول متوقع، راندا فاقت أكيد صح
_ أيوة الحمدلله
تابع فارس بود وحب أخوي صادق:
_سلملي عليها وأنا بكرا هاجي اشوفها واطمن عليها أن شاء الله
رد عليه بالموافقة ثم ودعه وأغلق الأتصال وهو يضحك بفرحة وراحة فقد اكتملت سعادته الآن ، الجميع بخير وتلك اللعنة أنتهت أخيرًا، دقائق معدودة وجاءت إليه الممرضة وهي تخبره بأن راندا تم نقلها للغرفة ويمكنه الذهاب لرؤيتها.
وصل إلى غرفتها في ظرف لحظات من فرط تلهفه وسرعته إليها، فتح الباب ودخل فوجدها متسطحة فوق الفراش وتحدق في الفراغ وهي ساكنة وهادئة تمامًا، لكنها التفتت عندما سمعت صوت الباب يُفتح وابتسمت بحب فور رؤيتها له، بينما هو فظل يتمعنها بعينان تقول بلغة العشق ما لا يمكن للسان أن ينطقها من كلمات، ثم تقدم نحوها واقترب منها وجلس على طرف الفراش بجوارها ، رفع أنامله ومسح على شعرها بحنو ثم مال عليها وطبع قبلات متتالية بدفء فوق وجنتها هامسًا بكلمة يتفوهها لأول مرة:
_حمدلله على السلامة ياحبيبتي
حدقته راندا باستغراب وذهول من تصرفه وما قاله فابتعد هو عنها ونظر في وجهها مبتسمًا وقال مازحًا في مرح:
_إيه مصدومة ليه ما أنتي عارفة كل حاجة ، شيلي الصدمة دي للي جاي عشان هو ده الصدمة بجد
خرج صوتها الناعم والضعيف أخيرًا وهو تجيبه مبتسمة:
_مفيش صدمة أكبر من كدا بنسبالي
شعر كأن صوتها أعاد لقلبه الحياة فراح يلتقط كفه ويلثمه بحرارة متمتمًا:
_صوتك وضحكتك وعيونك وكل حاجة فيكي وحشتني أوي يا راندا
اتسعت عيناها بحيرة ممتزجة بالخجل الشديد منه وقالت في عدم استيعاب:
_ عز هو أنت بجد بتقولي الكلام ده ولا أنا بحلم
هز رأسه لها بالنفس مبتسمًا وقال غامزًا بعشق:
_لا مش بتحلمي ده حقيقة ويلا شدي حيلك كدا عشان تخفي بسرعة وترجعي تقفي على رجلك لأن وراكي تجهيزات كتير يا عروسة
تجمدت تعبيراتها بصدمة وهتفت بعدم فهم:
_ممكن واحدة واحدة عليا وتفهمني أنا واحدة طالعة من غيبوبة ولسا تعبانة .. مين دي اللي عروسة أنا اتجوزت مين وأنا نايمة ؟
قهقه عاليًا وقال موضحًا لها وهو يبتسم بخبث ويشير لنفسه في ثقة:
_لسا متجوزتيش بس هتتجوزي العبد لله أن شاء الله ولا مش موافقة
رمشت بعيناها عدة مرات تحاول استيعاب ما تسمعه ثم إجابته ضاحكة بخفة واستحياء شديد:
_أنا حاسة هدخل الغيبوبة تاني ، أنت بتعرض عليا الجواز ياعز في المستشفى وأنا يدوب مفتحة عيني مكملتش ساعة !!
قال ضاحكًا في فرحة:
_خير البر عاجله المواضيع دي التأجيل فيها مش حلو وبيجيب الفقر ، المهم أنتي قولتي إيه ياعروسة؟
انزوت نظرها عنه وهي تضحك بخجل ثم رفعت رأسها ونظرت له بغرام واعتدلت في نومتها ثم مالت عليه وارتمت بين ذراعيه وهي تجيبه دون تردد:
_موافقة طبعًا
***
بعد مرور ثلاث أشهر ........
داخل احدى قاعات الأفراح الضخمة بالقاهرة كان يجلس فارس بجوار ليلى على مقاعدهم حول إحدى الطاولات الصغيرة ويشاهدون العريس والعروس وهم يرقصون على إحدى الأغاني الرومانسية، فمالت ليلى تجاه فارس واقتربت منه ليتمكن من سماعها وقالت:
_رغم صدمتي وأني لغاية دلوقتي مش مستوعب فكرة أن عز وراندا اتجوزوا وأن محدش أبدًا كان يتوقع حاجة زي كدا بس فرحانة جدًا ليهم وبالأخص لعز
ابتسم فارس وأجابها مؤيدًا وهو يتذكر راندا كانت غارقة في مشاعرها المسمومة تجاهه ومتجاهلة ذلك العاشق المسكين المتيم بحبها:
_فعلًا مين كان يصدق ، ربنا يسعدهم ويهنيهم
رددت خلفه " أمين " وهي مستمرة فى متابعتهم باستمتاع وفرحة، ثم التفتت برأسها تجاه الطاولة التي يجلس عليها ماهر وسمر وقالت ضاحكة:
_أخوك لولا أن سمر أصرت أن يبقى في خطوبة الأول لفترة صغيرة كان مستعد يكتب الكتاب في لحظتها
رد فارس مبتسمًا برزانة:
_معلش ياحبيبتي لهفة البدايات بقى خليهم يعيشوها شوية
التفتت له وحدقته بصدمة ثم هتفت مغتاظة:
_قصدك إيه يعني أن الجواز وحش بعدين وأنك مش مبسوط دلوقتي
اتسعت عيني فارس بدهشة وراح يضحك بسرعة في خوف متداركًا ما قاله وهو يقول مازحًا:
_لا الكلام ده يجيب نكد لسنين قدام مين قال أني مش مبسوط ، هو حد يبقى متجوز القمر ده ومش مبسوط بس الجواز في الاول بيبقى ليه لهفة وفرحة مختلفة عشان كدا بقولك خليه يعيشوا يومينهم
مالت برأسها بعيدًا عنه وهي تتصنع عدم الرضا عن كلامه رغم أنها تضحك على خوفه وحالته.
على الجانب الآخر كانت سمر تراقب تعبيرات وجه ماهر العابس وسألته بضيق:
_مالك مضايق ليه يا ماهر ؟
أجابها بتذمر أشبه بتذمر الأطفال:
_كان لازم يعني الخطوبة دي مش كان زمانا عاملين فرحنا زيهم دلوقتي
كتمت ضحكتها وردت عليه برقة وحنو محاولة مسايسته كالطفل:
لازم الخطوبة أنا في حجات كتير لسا مش جاهزة معايا ومحتاجة اجيب واعمل حجات كتير عشان لما نتجوز أكون مبسوطة بفرحي وبشقتنا .. يرضيك يعني مبقاش فرحانة وجايبة كل اللي نفسي فيه قبل فرحي وفي بيتي
زم شفتيه بحنق وقال في صوت رجولي غليظ:
_ لا ميرضنيش وأنتي يرضيكي الحال ده اللي أنا فيه
إجابته ضاحكة بقوة:
_ماله حالك ياحبيبي اسم الله عليكي ، معلش كلها شهرين ونتجوز أنت مستعجل كدا ليه ياماهر مسيرنا نتجوز أن شاء الله ونبقى العمر كله مع بعض
نظر لها مغتاظًا وقال بوقاحة مقصودة منه وهو يرميها بطرف عينه :
_لما نتجوز هبقى اقولك مستعجل ليه !
فغرت شفتيها بصدمة واشتعلت نيرانها من الغيظ ثم قالت وهي تهب واقفة:
_تصدق أنا غلطانة أني قاعدة جمبك أنا هروح اقعد جمب ليلى وخليك وحدك
قهقه عاليًا ثم قبض على ذراعها واجلسها مكانها عنوة هاتفًا بحدة:
_اقعدي مكانك بلا ليلى
جذبت ذراعها من قبضته وأخذت ترمقه بوعيد ثم اشاحت بوجهها بعيدًا عنه وهي تبتسم بخجل...
***
بعد انتهاء الحفل عاد فارس وليلى إلى منزلهم، فتح فارس الباب ودخل هو أولًا ثم لحقت هي به ووقفت مكانها للحظة وهي تتذكر لحظاتهم الأخيرة كيما كانت مشحونة بالاضطرابات والخلافات التي كادت تنهي علاقتهم للأبد، لكن رغم أن ما مروا به في الفترة السابقة يبدو في مظهره الخارجي أنه شر إلا أنه يحمل الخير أيضًا لهم في طياته، فقد كان لـ " أوار " الفضل في اشتعال الحب في قلوبهم تجاه بعضهم مجددًا، أدركوا أن كلاهما لا يستطيع الانفصال عن الآخر، كلاهما قدر الآخر ومصيره المحتوم.
همست تحدثه وهي تبتسم برقة:
_فاكر يافارس كنا ازاي قبل ما نسافر ويحصل معانا كل اللي حصل ونمر بالمحن ده مع بعض
فهم ما ترمي إليه فاقترب منها وقال في ضيق وهو يحاوطها ذراعيها يكفيه في حب:
_ليه السيرة دي يا ليلى وليه بتفتكري الذكريات الوحشة دي
:قالت في رزانة تامة وهدوء
_بالعكس احنا كل اللي مرينا بيه ده بداية من مشاكلنا للمقبرة واللعنة خلانا ندرك قيمة بعض ويمكن لو مكناش مرينا بكل ده مكناش هنكون دلوقتي مع بعض مكملين ولسا حبنا موجود وأكبر من الاول كمان
سكتت للحظات ثم أخذت نفسًا عميقًا وسألته بفضول واهتمام:
_ممكن أسألك انت ليه كنت رافض نجيب أطفال وصدقني أنا بجد محتاجة اسمع السبب ده دلوقتي واعرف وهقولك ليه بعد ما تقول
تنهد فارس بضيق وقال وهو ينوي الرفض تجنبًا لاي خلاف قد ينشب بينهم:
_....ليلى ملوش لـ
قاطعته وهي تتوسله بحكمة ولطف:
_ارجوك قولي ومتقلقش مش هنتخانق ولا هزعل منك والله بس أنا عايزة اعرف
تنفس الصعداء بقوة وأخرج زفيرًا حارًا ثم تحدث وهو يخبرها مغلوبًا:
_الدكتور قالي أن فرصة أنك تجيبي أطفال شبه مستحيلة والأفضل أنك متعرفيش الكلام ده لأنه ممكن يأثر على نفسيتك ولو في نسبه بسيطة للحمل يمحيها تمامًا وخليتك تاخدي العلاج على أنه مشاكل بسيطة وبالعلاج هتخفي ويحصل الحمل ، ولما العلاج مجبش نتيجة فكرت أني اقولك اني مش عايز أطفال على أساس أن ده ممكن يخفف عنك شوية لما تعرفي أني مش فارق معايا ومش عايز أطفال بس أنتي للأسف فسرتي كل ده بطريقة تاني خالص وقولتي أني بخونك ومتجوز عليكي، حاولت احل المشاكل بينا من غير ما اقولك واخليكي تقتنعي اني مش بخونك لكن انتي كنتي مصممة ووصلت بيكي أنك قررتي الطلاق وبعدها الوضع بقى يزداد سوء بينا زي ما أنتي عارفة ومكناش بتعرف نتكلم خمس دقايق على بعضهم من غير خناق فمعرفتش اقولك بالحقيقة
تلألأت عيناها بالعبرات حزنًا عليه وعلى نفسها وما فعلته بهم بسبب سذاجتها وعدم ثقتها بزوجها، في الوقت التي كانت فيه ترسم هي سيناريوهات في عقلها عن خيانته لها كان هو يفكر في طريقة لإخفاء مرضها حتى لا تكتشفه ويؤثر على نفسيتها، جرحته بالكلمات وأهانته في كرامته وأصرت على هجره والانفصال عنه ورغم كل هذا تحملها ولم يبغضها.
اقترب منها وارتمت في حضنه وهي تبكي وتختفي معاشرة بأسف وحزن شديد:
_أنا آسفة ياحبيبي سامحني أنا جرحتك كتير أوي بسبب غبائي كان لازم اثق فيك اكتر
مسح فارس على ظهرها بحنو وهو يبتسم ويلثم شعرها بقبلاته الدافئة ويقول:
_خلاص الماضي خلص يا ليلى وملوش لزمة نعيط عليه دلوقتي ، احنا الاتنين غلطنا كتير في حق بعض وفي النهاية عرفنا قيمة بعض والحمدلله لسا مع بعض أهو ومفيش حاجة قدرت تفرق بينا، وبإذن الله هنكمل العلاج وربنا هيكرمنا بطفل قريب
ابتعدت عنه وجففت دموعها بعينان لامعة بوميض مختلف ومميز وعلى ثغرها ابتسامة ساحرة وهمست له بنظرة ذات معنى:
_مش محتاجين علاج خلاص المستحيل بقى حقيقة
احتلت الصدمة تعابيره وسرعان ما ارتفعت البسمة لثغره وراح يسألها بعدم تصديق:
_بتتكلمي جد ولا بتهزري
ليلى بضحكة تثبت فرحتها الغامرة:
_لا مش بهزر أنا حامل
فغر شفتيه وهو يبتسم باتساع وما لبث أن تحولت ابتسامته لقهقهة عالية وهو يحملها ويدور بها فرحًا.
كانت البداية بائسة لا يرى من خلالها أي بصيص أمل والآن كُتبت النهاية بخطوط السعادة التي تزين الأمل من جديد وتصنع المستقبل .
............... تمت الحمدلله ..............