الفصل 1 | من 11 فصل

رواية اوركيديا الفصل الأول 1 - بقلم نورهان ابراهيم

المشاهدات
15
كلمة
1,331
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18


م



الفصل الأول. 

فى ليلة مطيرة من ليالي الشتاء الباردة و السماء تستعمرها الغيوم الرمادية ، و البرق يكاد يخطف الأبصار من شدة ضوءه ، و رعدت السماء رعدات قوية عندها انتفضت تلك الطفلة من مرقدها على سريرها الوردي تصرخ مجفلة ، فالرعد انتزعها من بين أحلامها الطفولية البريئة ، و أخذت تركض حتى غرفة والديها ، أدارت المقبض و أطلت برأسها الصغيرة ، و من ثم تقدمت بخطوات خفيفة سريعة حتى وصلت إلى جانب والدتها ثم هزتها مرددة فى صوتٍ ناعس خائف :
_ ماما ، أنا خايفة.
فتحت والدتها عينيها نصف فتحة و أمرتها بابتسامة طفيفة :
_ تعالي فى حضني يا قمري.
صعدت الطفلة على السرير و اندست ما بين والديها رامية برأسها على عضد أمها التى ضمتها فى حنان و قبلت قمة رأسها و من ثم سألتها بلين :
_ أثير حبيبة قلبي خافت من البرق مش كدة؟
طالعت الطفلة السقف ذو الملامح الغير بينة بسبب ظلام الغرفة و اومأت برأسها قائلة بخوف :

_ اه ، و الرعد ضرب الشجرة اللى قدام البيت.
انتفضت والدتها فجأة فوقعت راسها على الوسادة مما سبب لها قليلاً من الدوار ، و أتاها قول والدتها المرتعد :
_ إنتى متأكدة ، كدة ممكن تحصل حريقة.
أكدت "أثير" مخاوف والدتها حين قالت فى براءة خالصة : 
_ أه يا مامي ،دي الشجرة نورت.
هزت والدتها كتف والدها هاتفة بخوف :
_ قوم يا نديم ، الشجرة اللى قدام البيت بتولع ، قوم بسرعة.
هب جالسًا و لا زالت عيناه مغمضتان ، و قال مشدوهًا :
_ إيه؟ إنتى متأكدة؟ 
_ بنتك بتقول كدة.
_ أه يا بابي الشجرة نورت.
_يارب استرها يارب و متقومش حريقة ، أروح فين و آجي منين؟ ده أحنا نص الليل!
قالها "نديم" بفزع ، و قفز من فوق السرير فكاد أن ينكفأ لولا أن تماسك فى اللحظة الأخيرة ، وأخذ يعدو خارج الغرفة و الخوف يسكن نفسه ، و بعد أن استفاق قليلاً من أثر نومه ، فتح باب شقته ، و اندفع للخارج إلى الشجرة فوجدها كما هى ، تنهد بارتياح و نطق باستياء :

_ البنت و امها شكلهم اتجننوا ، العوض من عندك يا رب.
 ثم رجع إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه و قد بله المطر كليًا ، عاد إليهما محملاً بالماء و هو يرتعش من البرد ، ثم أخذته وصلة من العطاس :
 ‏_ ‏هاااااتشوووو ، ينفع اللى ... ها هاااتشوووو ، اللى حصل فيا ده.
 ‏سألته زوجته بلهفة : 
 ‏_ ها عملت إيه؟
 ‏_ قولى اتعمل فيا إيه ، منك لله إنت و بنتك يا ألاء !
 ‏_ هترد عليا و لا أخرج بخرطوم الماية و أطفى الشجرة بدل ما الحريق يوصل البيت؟
 ‏سألته "ألاء" بضيق ، فرد بغيظ قليل و لازال يعطس :
 ‏_ ها ... هاتشوووو ، خرطوم إيه بقى ، ممكن تعصريني أنا .
 ‏حين رأى الغضب يتسلل إلى قسماتها قرر أن يجيبها بما تريد :
 ‏_ الشجرة لا و لعت و لا حاجة ، تلقاه كان برق مش أكتر ، و بنتك قالت نورت مش ولعت.
 ‏تدخلت "أثير" مؤكدة على كلام والدها و مؤيدة :
 ‏_ اه ، أنا قولت كدة لمامي.
 ‏رجعت "ألاء" لتستلقي على السرير و تعيد "أثير" إلى أحضانها من جديد ، فى حين ذهب "نديم" إلى الحمام ليغير ثيابه و بعدها سيتناول مسكنًا فقد أصيب باحتقان.
 ‏................................

 ‏على الفطور
 ‏كانوا يجلسون ثلاثتهم و قد ألبست "ألاء" ابنتها "أثير" زي المدرسة الإبتدائية و رتبت لها خصلاتها الحمراء المجعدة و ربطتهما بشريطين ملونين و وضعت لها فى حقيبتها شطائر بمربى التوت البري و نوعين من الفاكهة ، ثم أطعمتها بيدها حتى شبعت.
 ‏نظرت "ألاء" إلى زوجها و حاولت كتم ضحكتها على ما جرى له بسببها و لكنها لم تكن تقصد ، رأت أنفه محمراً بسبب نزلة البرد التى أصابته أمس ، فدخلت إلى المطبخ و عادت و معها كوبًا ساخنًا من الشاي و طبقًا من الشوربة الساخنة ، وضعتهم أمامه فباشر فى الأكل بصمت و لم يحدثها.
 ‏أتت الحافلة لتقل "أثير" إلى مدرستها الخاصة ، لوحت لها امها و هى تبتعد ثم دخلت المنزل و جلست بجوار "نديم" تستعطفه بقولها :
 ‏_ لسة زعلان منى؟ و الله مكانش مقلب ، و هى طفلة فكرتها تقصد إن الشجرة ولعت.
 ‏تبسم قليلاً و تناول كفها مقبلاً ظاهره و قال برضا و صوته مبحوح من كثرة السعال :
 ‏_ مش هفضل زعلان الوقت ده كله ، لكن الاحتقان مبهدلني ، قهقهقه.
 ‏أنهى جملته بسعال خفيف ، فناولته كوب ماء دافئ ، انتظر هو بضع ثواني حتى خف السعال ثم شرب منه القليل ، فقالت له تستحثه بلطف :
 ‏_ طيب كمل الشوربة ، يارب تكون عجبتك.
 ‏ضغط على أصابع يدها برفق و رد صادقًا :
 ‏_ مدام اديكي لمست الأكل أكيد هيطلع خرافي.
 ‏ابتسمت بشئ من الخجل و سحبت يدها هاربة من نظراته البراقة ، ثم قالت بسرعة و قد لمحت الوقت على ساعة الحائط :
 ‏_ الشغل بتاعك ، هتتأخر على الشغل.
 ‏أزاح كرسيه سريعًا و وقف و هو يحمل حقيبته و أهداها قبلة على خدها قائلاً و هى يغادرها :
 ‏_ سلام يا حبيبتي ، أشوفك لما أرجع عندي ليكي إنتى و أثير مفاجئة بكرة إن شاء الله.
 ‏بدأت تتناول طعامها و هى تراقبه يذهب ، متسائلة :
 ‏_ يا ترى إيه المفاجأة دي؟

 ‏................................
 ‏فى مدرسة ابتدائية خاصة راقية.
 ‏فى وقت اللعب المخصص فى المدرسة ، كان الأطفال بناتًا و صبيانًا يلعبون ألعبًا مختلفة ، جلست "أثير" على مقاعد الاستراحة تراقبهم و هم يلعبون و يلقون بالكرات هنا و هناك ، يركضون وراء بعضهم ، يلهون بالمراجيح ، و انشغلت عنهم بوجبة غدائها .
 ‏_ ممكن نتشارك فى الأكل؟
 ‏تلفتت حولها تبحث عن المتكلم فوجدته إلى جانبها على بعد شبرين ، كان ولداً صغيراً له كاريزما و وجه بسام ، أكبر منها بحوالى الأربع سنوات فهو فى الصف الخامس الابتدائي ، أعطته شطيرة من علبتها ، قائلة بترحيب :
 ‏_ اتفضل.
 ‏قضم من الشطيرة قضمة واحدة فاستحسن مذاقها و فاجأها حين تكلم بطلاقة : مين اللى عامل الشندوتشات دي ، طعمها لذيذ.
 ‏_ مامي .
 ‏أعطاها شطيرة من خاصته و بادرها بـ :
 ‏_ هى بتعملها على طول؟
 ‏_ اه ، كل يوم.
 ‏سألها مجدداً بقيل من تردد و حرج :
 ‏_ توافقى ناكلها سوا كل يوم.
 ‏ضحكت بلطافة و قالت :
 ‏_ طبعًا.
 ‏مد بصره إلى الأمام حيث الأطفال اللاهين المشاغبين منهم و الهادئين ، و هو يقول سائلاً إياها بنبرة مهتمة :
 ‏_ بتحفظي قرآن؟
 ‏انتبهت "أثير" لجملته و هزت رأسها سلبًا كإجابة صامتة بالنفي ، فأردف بسؤال آخر :
 ‏_ طيب باباكي و مامتك بيحفظوا؟

 ‏أومأت إيجابًا ، و أجابت بنبرة مسهبة :
 ‏_ أه ، بشوفهم كل يوم بيقرأوا و يسمعو لبعض ، بس أنا مش بحفظ معاهم القرآن صعب و مش بعرف أقراه ، لما أكبر احفظه.
 ‏حرك سبابته للجانبين و هتف نافيًا :
 ‏_ القرآن سهل خالص ، أنا حفظت سبع أجزاء و لسة مكمل لحد ما اختمه.
 ‏_ يعني إي تختم القرآن.
 ‏ضحك مجيبًا بنبرة غير مصدقة أنها لا تعى ما يقول :
 ‏_ يعنى أحفظه كله .
 ‏_ فهمت.
 ‏_ إيه رأيك نحفظ سوا؟
 ‏_ بتتكلم جد؟
 ‏_ جد و جدود كمان.
 ‏الآن هى التى ضحكت و قالت ببشاشة و تعلو خديها غمازتين :
 ‏_ إوك ، اتفقنا.
 ‏ناظرها باهتمام و قال :
 ‏_ عندك مانع نبدأ من دلوقتي؟

 ‏_ لا خالص.
 ‏_ تمام.
 ‏قالها الولد مبتسمًا ، و فتحت مصحفًا أخرجه من حقيبة الظهر خاصته ، ليبدأ بـ البسملة :
 ‏_ قولى ورايا ، بسم الله الرحمن الرحيم.
 ‏_ بسم الله الرحمن الرحيم.
 ‏_ قل هو الله أحد * الله الصمد * لم
 ‏قاطعته بسرعة بقولها :
 ‏_ استنى ، قول بشويش ، عشان نسيت أول آية.
 ‏و برحابة صدر آخذ يعيد عليه الآيات كلما استوقفته ، ليتلوا فى كل مرة أبطأ من التى تسبقها.
 ‏انتهت الاستراحة و قد أشارت لهما إحدى المدرسات كي يعودوا إلى صفوفهما بعد أن عاد الجميع سواهما.
 ‏فقال لها قبل أن يتركها مغلقًا مصحفه :
 ‏_ نكمل بكرة ، مع السلامة.
 ‏_ مع السلامة.
 ‏سارت ببطئ تجاه المبني الدراسي ، و هى تغلق حقيبة ظهرها المرسوم عليها بياض الثلج و الأقزام السبعة و تتبختر فى مشيتها كالفراشة التى لا تحط قدامها على الأرض ، فهى أكثر من سعيدة فقد حصلت على صديق جيد و حافظ للقرآن ، و الأهم من هذا لها أنه لم يضايقها كالبقية و لم يعلق على شعرها بتعليق ساخر
 ‏.....................


 
ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...