كما وعدها بمفاجأة الأمس أوفى بوعده اليوم و أخذهما إلى حديقة عامة ، مليئة بزهور ذات رونق جذاب و بحيرة مياة صناعية بها مجموعة اسماك ملونة.
جلسا على المقاعد الخشبية يراقبان ابنتهما و هى تلهو بفرحة غامرة ، حين أخرج "نديم" علبة مغلفة من وراء ظهره و أهداها لـ زوجته "ألاء" ليقول بحبٍ خالص :
_ الهدية دي عشانك.
إلتمعت عيناها و ارتسمت على شفتيها ابتسامة و نبست بـ :
_ مكانش فى داعي.
_ لأ ، فى ، دي أبسط حاجة ممكن أقدمها ليكي.
و أضاف مشتاقًا لرؤية ردات فعلها التالية :
_ افتحيها.
فكت عقدة الشرائط بفضول لذيذ ، ثم رفعت الغطاء الكرتوني ، لتظهر لها الرواية التى تعشقها ، نظرت إليه ببسمة واسعة و قالت بامتنان :
_ روايتي اللى بحبها جبتها اإزاي دي غالية.
بادها البسمة بأحلى منها ، و تشدق بعيون لامعة :
_ مافيش حاجة تغلي عليكي ، و بعدين الغالي للغالي .
_ و عليها توقيع الكاتبة كمان.
نطقتها و سعادتها بلغت عنان السماء لتحتضنه ضاحكة ، لتضيف بنبرة رقيقة :
_ هفضل أحبك لآخر العمر.
_ ضمها إليه و رد بنفس الحب أو يزيد :
_ و أنا كمان ، هحبك لآخر نفس فيا.
........
تداخلها مزيج من المرح و الغبطة و هى تنتقل من مكان إلى مكان بفستانها الأحمر ذو الأكمام الطويلة ليناسب الجو البارد منقوش به ورود بيضاء ، ثم أخذها مظهر الحديقة الجذاب و تلك السمكات الملونة القافزة من الماء و العائدة إليه ، إلتقطت لها صوراً كثيراً بالكاميرا التى اشتراها والدها لها ، وصلت بها قدماها إلى بستان الزهرات الرقيقة ذات الألوان الزاهية و الروائح الشذية ، قطفت إحدى وردات الأوركيد و اشتمتها ، لتسمع صوتًا يقول :
_ الله! أنا كمان بحب الأوركيد.
ارتعشت "أثير" من المفاجأة فوقعت الوردة على الأرضية العشبية ، فـ مال الولد نفسه من المدرسة و أمسك بالوردة ليبتسم فى إعتزار حرج :
_ آسف ، مكنتش اقصد أخوفك.
زفرت بهدوء ، ثم حركت لسانها قائلة :
_ ماشي ، مش مشكلة.
تقدم نحوها و توقف على بعد خطوة واحدة ثم غمس ساق الوردة بين خصلاتها الحمراء قائلاً :
_ كدة هيبقى شكلها أحلى.
رفعت "أثير" كفها على شعرها تتأكد من وجودها فى طياته و كأنما ألبسها تاجًا ماسيًا لا مجرد زهرة ، و عقبت بـ حزن زين قسماتها الطفولية الناعمة :
_ بس أصحابي بيقولوا شعري لونه وحش.
_ لأ ، شعرك جميل ، هما اللى شعرهم وحش.
ابتسمت فى سعادة و سألته بتلقائية :
_ بجد؟ شعري حلو؟
_ اه ، حلو جدا.
مد كفه الصغيرة لها و قال ببراءة :
_ أنا مش عندي صحاب ، ممكن نبقى أصدقاء؟
قفزت السعادة من عينيها الزرقاوين و تكلمت :
_ أنا كمان معنديش صحاب ، عشان البنات بيتريقوا عليا.
صافحته مردفة بسرور :
_ أنا أثير و عندى ٦ سنين.
و قال هو الآخر و قد شع وجهها ضياءاً :
_ و أنا معاذ عندى ١٠ سنين.
جلسا سويًا قرب الزهرات على العشب مباشرة ، سألها "معاذ" بنبرة مترددة بعض الشئ :
_ ممكن تديني الكاميرا؟
عقدت "أثير" حاجبيها بإنزعاج و سألته فوراً :
_ ليه؟
_ عشان أصورك.
_ طيب .
وافقت على إعطائه الكاميرا حالما يصورها و من ثم تأخذها منه ، فهى لا نفترق عن كميرتها أبداً ، وقف أمامها و قرب الكاميرا من وجهه مغلقًا إحدي عينيه و أمرها بقوله الهادئ :
_ ابتسمي.
تبسمت "أثير" و قلبها يرفرف ، فالتقط لها "معاذ" أحلى الصور ، و قال لها :
_ تسمحيلي آخد نسخة من الصور دي.
لم تفكر حين أجابت بنبرة نقية :
_ ماشي.
استراح قاعداً بقربها و أخبرها :
_ إنتي بتيجي هنا كتير.
أزالت عوداً من العشب الطري الأخطر ، و قالت باسترسال عفوي :
_ باجي مع مامي و بابي فى الويك إند و بفضل ألعب و اصور الورد و السمك و كل حاجة حلوة بشوفها .
_ زيي ، ممكن نلعب سوا لما تيجي .
_ أكيييد .
فاجأها "معاذ" بإخراجه لمصحف صغير من جيبه ، قائلاً لها بحماسة :
_ إي رأيك نكمل النهاردة.
أجابته "أثير" بلا تأخر :
_ اتفضل اقرأ ، أنا حبيت الحفظ جدااا.
مازحها معقبًا :
_ ده عشان أنا اللى بحفظك.
عقدت حاجبيها بضيق و قالت بتأفف :
_ مكنتش أعرف إنك مغرور.
ضحك "معاذ" مكركراً و أمسك بطنه ليقول :
_ كنت بهزر معاكي ، بتاخدي الكلام جد ليه؟
إنفكت عقدة حاجبيها ثم رمقته بنظرة قصيرة فى عينيه البنيتان فرأت فيهما صدقًا و لمعانًا ثم إلى بشرته البيضاء و منها إلى خصلاته السوداء المتسمة بالنعومة ، صرفت نظرها عنه آمرة فى لين :
_ سمعنى عشان أردد وراك.
قرأ البسملة و شرع فى صورة الفيل ، و بعد إنتهائه سألته بفضول حبيب لقلبه :
_ ليه إسم الصورة على إسم الفيل؟
_ مفهمتيش من الآيات؟
_ فهمت حبة صغننين.
إتسعت إبتسامة "معاذ" حتى طالت عيناه لتبدوان أكثر بريقًا لينبس بـ :
_ هقولك إللى أعرفه ، و الله أعلم.
نظر لها ليجدها قد ربعت قدميها و أسندت إلي ٱحداهما مرفقها لتسند عليه خدها ، فأردف :
_ فى العام اللى إتولد فيه الرسول قرر إبرهة الحبشي يهدم الكعبة.
_إزاي يفكر يقرب من الكعبة بتاعتنا ؟
_ أصبري و انتى تعرفي .
و أكمل حديثه بنبرة مندمجة و كأنه يرى الأحداث بأم عينيه :
_ المهم إبرهة ده جمع جيش كبير و جاب فيل كبير قوى و أمره إنه يهدم الكعبة ، عارفة حصل إيه؟
_ إيه ؟
_ الفيل رفض ينفذ أمره مع إنهم فضلو يضربوه ، و ربنا سبحانه أرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل و بكدة إبرهة و جيشه إنهزمو و مقدروش يهدو الكعبة.
_ سبحان الله!
_ تسمحيلي أناديكي أوركيديا؟
_ يعني إيه؟
سألته بتجعب ممزوج بدهشة بعد أن باغتها بسؤاله الغريب.
تبسم بصفاء قائلاً بحماس :
_ ده إسم وردة الأوركيد اللى فى شعرك ، و عشان انتى جميلة زيها هسميكي على اسمها.
برقت عينيها بإعجاب لفكرته الرائعة و قالت :
_ الله! إسم حلو خالص! ، تمام ناديني بيه.
.............................
اشترى لزوجته و ابنته غزل البنات فلم يرى "أثير" فى مرمى بصره فسأل "ألاء" عنها :
_ مشوفتيش أثير ؟
تلفتت "ألاء" يمينًا و يساراً بحثًا عن طفلتها و هزت كتفيها ، و قالت بنبرة جاهلة :
_ معرفش ، هى كانت هنا من شوية ، عند البحيرة.
ناولها أكياس الحلوى ، و سار فى أرجاء الحديقة مفتشًا بعينيه عن طفلته هاتفًا ينادى باسمها بقلق قليل :
_ أثير ، يا أثير .
ابصرها تقبل تجاهه بخطوات راكضة و تجيب بنبرة ملهوفة :
_ نعم يا بابي ، كنت هنا فى البستان.
إطمأن "نديم" لرؤياها و أبشرها قائلاً :
_ جبتلك غزل البنات و شيكولاتة و نوجا و بونبوني.
وثبت "أثير" من فرط سعادتها ، و قالت بدون تصديق :
_ اشتريتهم كلهم؟
_ أه يا قلبي كلهم.
_ طيب وطى شوية.
حنى "نديم" قامته مخفضًا رأسه فى مستواها فقبلته على خده كـ مكافأة صغيرة ، فانشرح صدره و رد لها قبلتها قبلتان على خديها الزهريان ، إعتدل فى وقفته فلاحظ ولداً ينظر إليهما و فى يده الكاميرا الخاصة بابنته ، فنظر لها سائلاً :
_ مين الولد ده ، هو أخد منك الكاميرا؟
_ ده صديقي و زميلي فـ المدرسة.
ثم قالت مضيفة بنفي :
_ هو مش خدها ، أنا إديتها له عشان يصورني.
_ بس ده أكبر منك.
شرحت له أسباب قبولها لهذه الصداقة التى يستهجنها :
_ اللى معايا فى الكلاس مش بيحبوني ، و هو الوحيد اللى وافق نبقى صحاب.
تمسكت "أثير" ببنطال والدها لتصرف نظره عن معاذ كى يركز معها و قالت بنبرة استفهامية :
_ تعرف يا بابي.
إنتبه لها من شروده ، و حرك عيناه يتأمل صفحة وجهها المشع سروراً ، ليرد بنبرة فضولية :
_ إيه؟
استأنفت مردفة بنبرة إلتمس فيها صدق بهجتها الجلية فى عينيها :
_ طلع حافظ أجزاء كتير من القرآن ، و قالي هيحفظنى معاه.
علق "نديم" فى إعجاب و شعر بانجذاب نحو هذا الولد :
_ ما شاء الله!
أشار له "نديم" فاقترب يسير على استحياء ، مما جعله يبتسم على مظهره و يرتاح له ، صافحه و نطق بــ :
_ أنا عمك نديم ، و أثير تبقى بنتي ، إنت اسمك إيه بقى؟
لم تمهله "أثير" الفرصة كى يجيب ، لتجيب بدلاً منه :
_ إسمه معاذ يا بابي.
استفسر "نديم" عن اسمه الكامل :
_ معاذ إيه؟
قال "معاذ" بنبرة هادئة :
_ معاذ سمير الليثي.
_ اتشرفت بيك يا معاذ.
_ و أنا اكتر .
نبسها "معاذ" بأدب ، و استأذن الرحيل عندما اقترب والداه ، فأذن له "نديم" ، ليغادر بصحبة والديه بعدما ألقى إليهما نظرة أخيرة .
_ بابي فين غزل البنات و باقي الحجات اللى اشتريتها ليا.
_ مع مامتك ، يلا قبل ما تخلصها كلها.
مازحها ضامًا إياها إلى جنبه أثناء سيره نحو المقاعد حيث "ألاء" التى رأتهما ، تكلمت "أثير" بنبرة محبة :
_ أنا بحبك يا بابي.
_ و أنا أكتر يا عيون بابي و حياته.
أخفى "نديم" فى نفسه شعور الاستغراب نحو هذا الولد فلديه قدر كبير من التهذيب على نقيض أقرانه المشاغبين عادة ، فدعا له سراً أن يحفظه الله بحفظه ورعايته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!