فـ بعد رحيل "أثير" رفض "معاذ" أن يترك المدينة مفضلاً البقاء فيها و العيش مع ذكرياتهما الحية الحبيبة ، و تلك الذكريات هى التى أعانت كلاً منهما على فراق الآخر.
إنشغلا بالدراسة سنة تلو سنة حتى مر بهما الزمن و قد قطعا شوطًا كبيراً فى حياتهما الدراسية ، و لم ينسيا _أبداً_ بعضهما.
💜💜💚💚💛💛🧡🧡💜💜💚💚💛💛🧡🧡💜💜💚💚
فى مطعم فاخر خاص بالأغنياء ، التقى "معاذ" بصديق جامعى مقرب إحتفالاً بحصائد أربع سنوات من الدراسة فى جامعة الحقوق ، فقد حصلا على تقدير إمتياز مع مرتبة الشرف ، و خلال تناولهما للمأكولات المختارة ، ابتدر "غزال" _صديق معاذ_ الحوار ماسحًا طرف شفاهه بظهر سبابته مما جعل "معاذ" يتأفف قائلاً بتوبيخ :
_ من قلة المناديل ! بتمسح بؤقك زي الأطفال كدة ليه؟!
قهقه "غزال" و لم يعقب ، ليخرج من حقيبة بلاستيكية أنيقة كتابًا مناولاً إياه لـ "معاذ" قائلاً بابتسامة مشرقة :
_ بالمناسبة السعيدة دي ، جايبلك هدية متواضعة.
وضع "معاذ" شوكته على جانب صحنه و انتشل منه الكتاب بلهفة ليقول بنبرة تواقة :
_ كتاب إيه ده؟
تأمل إسم الكتاب ، فتراقصت على شفتيه ابتسامة مردداً ببطئ :
_ معًا إلى الجنة ، معًا إلى الجنة.
و عقب على الإسم بسرور قائلاً :
ما شاء الله! إسم جميل!
تنحنح "غزال" ليلفت إنتباهه إليه ، ريثما يعدل جلسته و نطق بمزيج من استمتاع و مكر :
_ و لسة لما تشوف إسم الكاتبة.
إنعقد حاجبا "معاذ" بانزعاج مسيئًا فهمه ، حيث قال موبخًا :
_ معناه إيه الكلام ده؟ إتأدب يا غزال!
انفجر "غزال" ضاحكًا و ضاربًا بقبضته على فخذه و خرجت نبرته مهزوزة:
_ هههههه ، يابني دماغك راحت فين؟
و أضاف ممازحًا :
_ لو حد غيرك قال كدة يا معاذ كنت عزرته ، لكنك عارفني بتكسف من نفسي و بمشي فى الشارع وشي فى الأرض ، الدور و الباقي عليك يا روميو.
تأفف "معاذ" بغير رضا ، و زحزح عيناه عن وجه صديقه إلى الكتاب فوقعتا على الإسم ، إتسع جفناه حتى آخرهما ، و اهتزت يده الممسكة بالكتاب و قبل أن يقع إلتقفه "غزال" و نطق بعتاب مستاء :
_ بقى أنا عملت العجب العجاب عشان اجيبلك الرواية دي و إنت توقعها كدة بالساهل؟
تلجلجت نبرة "معاذ" و بانت مصدومة :
_ إن .... إنت متأكد من الإسم ، معقول ت ... تكون هى ؟!
حك "غزال" طرف ذقنه ، و أراح ظهره إلى الكرسي ، ليجيب بنبرة تحليلية بها شئ من جهل :
_ الصراحة مقدرش أفيدك ، لما صاحبي قالي على إسم الرواية عجبتني ، و جالي فضول أعرف مين الكاتب ، ساعتها إتفاجئت من الإسم و فرحت عشانك قولت يمكن تكون هى.
_ها و بعدين؟
_ طلبت النسخة دي من صديقي لكنه رفض لإنها آخر نسخة موجودة و لما أصريت عليه و جيبت سيرتك و إنى عايز اهديك بحاجة و مافيش احلى من الرواية دي بالنسبالك هو وافق ، و بس.
شرد "معاذ" يمنى نفسه بلقاء قريب معها و لكن فى الحلال فـ مثلها غالية تستحق أغلى المشاعر و بالطريقة العفيفة و أيضًا قلبه غالٍ ، لا تناله أى واحدة إلا برضا الله ، استفاق من شروده و سأله مجدداً :
_ متعرفش حاجة تانية ، تفصيلة نسيتها مثلاً؟
أكمل "غزال" تناول وجبته و قال بدهاء لطيف:
_ سمعت عن معرض للكتاب فى محافظة كدة ، جايز تحضر سندريلا.
"غزال" يعلم الحكاية بتفاصيلها لأن "معاذ" إئتمنه على سره و أودع معه كل مشاعره و أخبره بلا حرج عن حبه الوليد منذ الطفولة لـصاحبة الخصلات الحمراء المجعدة ، و حكى له عن هيامه بــ"أوركيديا"
🤍🤍💛💛🤍🤍🖤🤍🤍♥️♥️💖💖🤍🤍💞💞🤍🤍💓💓
_ مش ممكن يا روفان ! مصدقتش وداني لما صاحب دار النشر قالي إن النسخ كلها اتباعت ، غريب إن فى لسة ناس بيحبو الروايات اللى فيها طابع ديني!
قالتها شابة رائعة الجمال بملامح آسرة و صوت ناعم ساحر و شعرها الأحمر ثائر فى الهواء و عيونها الزرقاء تومض بالزهاء.
جاءتها الجملة هاتفيًا من صديقتها :
_ يا أثير الدنيا لسة فيها خير.
_ فعلاً ، استحضرني حديث للرسول عليه أفضل الصلاة والسلام....
قاطعتها "روڤان" بترديد مُحب لنبينا :
_ اللهم صلى على محمد ، حبيبي يا رسول الله!
فـ أكملت "أثير" باندفاع مستحب :
_ الحديث بيقول :الخير فى أمتى إلى قيام الساعة.
عقبت "روڤان" على الطرف الآخر بابتسامة رائقة :
_ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أردفت سائلة باهتمام حقيقي :
_ بيقولوا فيه معرض للكتاب فى اسكندرية ، هتروحي؟
جلست "أثير" على سريرها و أسندت ظهرها إليه ، و ضبطت الهاتف على أذنها مجيبة بوله تجاه أى شئ يخص الأدب :
_ أكيد يا بنتي ، أنا أول الحاضرين بإذن الله.
و أتبعت حديثها بـتساؤلها :
_ تنسيقات الجامعة نزلت ، قررتي تدخلي إيه؟
بغير تفكير يذكر صفقت "روڤان" بحماسة قائلة :
_ كلية هندسة مافيش جدال!
ضحكت "أثير" للمصادفة و قالت مدهوشة :
_ سبحان الله! نفس الإختيار ! طول عمرنا تفكيرنا واحد و ميولنا واحد.
ابتهجت "روڤان" لتطابق تفكيرهما ، و تباهت بقولها المغتر :
_ أه يا بنتي ، أومال أنا سميتك رفيقة الروح من فراغ.
إزدادت ضحكات "أثير" الآسرة و عيناها تضيآن بوهجٍ جذاب ، فـابتسمت "روڤان" لأنها مصدر هذه السعادة الواصلة إليها من خلال الهاتف ، حيث إنها
منذ تعرفت إليها و صارتا صديقتين مقربتين و هى تستغرب شرودها الطويل
و لمحة من حزن تطفو على نظراتها فــ تعكر صفاءها و الأغرب من هذا هو شعورها الدائم بالحنين لشئ أو شخص ما.
تسائلت "روڤان" كثيراً بينها و بين نفسها عن السبب و لم تصل لحل يفيدها فى مساعدتها لتخطو نحو الأفضل ، و انتظرت و ستظل تنتظر حتى تصرح لها بما يؤرق راحتها.
تثائبت "روڤان" عبر الهاتف و قالت بخمول :
_ طيب يا حبيبتي ، روحي نامي الوقت سرقنا.
رفعت "أثير" الغطاء الخفيف عليها و قالت بنعاس :
_ تصبحي على جنة عرضها السماوات والأرض.
_ اللهم آمين يارب العالمين، و إياكي ، سلام يا أثير.
_سلام يا أوفا.
أنهت "أثير" المحادثة و ارتمت على السرير متثائبة ، مدت يدها إلى "الآباجورة" و أطفأتها ليتثنى لها النوم بشكل مريح.
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹💙💙🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
و مع شروق الشمس دخلت "ألاء" إلى غرفة "أثير" و ايقظتها هاتفة بضيق :
_ بت انتى ، قومي و فوقى عشان تفطرى.
_ يا مامي سيبيني حبة كمان بالله عليكي ، سهرانة من امبارح.
_ حد قالك تسهري؟
جذبت "ألاء" الغطاء رافعة إياه من فوق ابنتها و أضاءت أنوار الغرفة بالكامل مما أعاق نوم "أثير" التى استوت جالسة و فاركة عينيها ، مددت يديها قائلة بنبرة ناعسة :
_ مهو مجانيش نوم يا مامي ، فضلت سهرانة مع أوفا و نمت قبل الفجر بساعتين ده غير إنى صحيت و صليت الفجر و يادوب نمت و انتى صحيتيني.
عنفتها "ألاء" بنبرة أمومية بحتة :
_ تستاهلي عشان تبطلى سهر ، قومي يلا الفطار جاهز و باباكي مستنينا.
استنشقت "أثير" بعض نسمات الصباح العليلة فى محاولة لطرد النوم و الإفاقة من دوامة الدوار الذي صاحب استيقاظها ، و تمتمت بوجه مصفر قليلاً :
_ روحليله يا مامي و هتلاقيني فى ديلك.
حملقت فيها "ألاء" مصدومة ، و عبست قائلة بلهجة مستنكرة :
_ ديلي؟!
كتمت "أثير" ضحكة تكاد تنفلت منها لولا يدها ، ثم تحكت بنفسها و فسرت بقولها :
_ يعني هاجى وراكي.
💙💙💙💙💙💙💙💙💙❤️❤️💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙
لم تمضى ثواني على مغادرة والدتها الغرفة حتى ركضت إلى خزانتها و عبثت فيها و من ثم أخرجت منها صورة قديمة و تأملت تفاصيلها باشتياق و همست بشرود :
_ يا ترى يا معاذ لسة فاكرني زي ما أنا لسة فاكراك؟
تنهدت "أثير" بحرارة و ضربات قلبها وصلت لدرجاتها القصوى حين أكملت و كأنها تحدثه وجهًا لوجه :
_ و فاكر ذكرياتنا و لعبنا ؟!
إزدات خفقات قلبها جنونًا و هى تضيف بتقدير و ود :
_ و لسة فاكر لما كنت بتحفظنى القرآن و آجى كل يوم و أسمعه ليك.
أردفت بعينان ملأتا دموعًا و ببسمة حانية و عيناها على الصورة :
_ و فاكر لما كنا بناكل سوا فى الفسحة ، و ... و اللى عملته عشاني يوم ما وقعت من السلم لما زمايلي رموني؟!
تساقطتت دموعها على خديها الزهريان و هى تستكمل بلوعة و حرقة :
_ و لما افترقنا و عطيتني صورتك؟! لسة فاكرة كلامك ، يا ترى إنت لسة فاكر؟!
مسحت "أثير" دموعها قائلة بتصميم :
_ بس بردوا كل ده ميسمحليش أعترف ليك بحبي لإن ده حرام.
عزمت أن تخفى هذا الحب فى قلبها حتى يأتي الوقت المناسب للإعتراف به و أكدت تلك الفكرة لما قالت بحزم :
_ مش هتاخد منى إعتراف حتى و إنت مش موجود ، لو ربنا أراد يجمعنا فى الحلال هعترفلك ساعتها ، و ناخد بإيدين بعضنا للجنة.
💓💓💓💓💓💓💓💓💓💙💙💙💓💓💓💓💓💓💓💓💓
لازال على سريره مستلقيًا و لكنه مستيقظ ، و حاله تماما كحالها و هو مثلها يطالع إحدى نسخ صورها التى احتفظ بها بموافقتها منذ الصغر و حتى الآن و سيحتفظ بها فى المستقبل أيضًا.
ابتسامتها الخلابة تزين ثغرها و التى دومًا ما كان يخفق لها قلبه إنجذابًا ، و لمعة عينيها تكاد تطل من الصورة.
تنهد "معاذ" متسائلاً بنبرة ملؤها الحنين :
_ يا ترى شكلها زي آخر مرة شوفتها و لا اتغيرت؟
هز رأسه للجانبين و جاوب نفسه من فوره :
_ كل شئ بيتغير.
باغتته والدته حينما فتحت الباب على حين غرة فـ سرت بـ بدنه ارتعاشة كاد ينفضح لها ، ابتلع ريقه بوجل و هو يراها تقبل عليه و على محياها علامات تنذر أنها قبضت عليه بالجرم المشهود ، فـ رفع وسادته ملقيًا الصورة أسفلها و عيناه على عيني والدته التى بدورها رأت ما فعل ، فـ اهتزت حدقتاه بــ إضطراب حين قالت مباغتة إياه :
_ بتخبي حاجة عليا يا معاذ و لا بيتهيألي؟!!
زاد من ضغط كوعه على الوسادة و سايرها بقوله الحريص مغلف بالمرح الظاهري :
_ لأ بيتهيألك يا سمكة!
ضاحكته "أسماء" رافعة حاجبها بغير تصديق ، لترد بمزيج عجيب من حنان و تعنيف :
_ إتلم يا واد أنا مامتك!
قبل جبينها و خديها و كعادته قال لها :
_ أحلى ماما فى الدنيا.
قالت "أسماء" بعاطفة أمومية لامست قلبه :
_ تسلملي يا حبيبي.
تنحنح عابثًا فى خصلات شعره و سألها خائفًا من ردها :
_ كنتى جاية عشان حاجة يا ماما؟
رمته "أسماء" بنظرة ماكرة و قالت بخبث الأمهات المصريات :
_ هو ممنوع أدخل أوضة ابني ؟!
و لمحت لشئ تعله هى جيداً :
_ إلا إذا كنت مش عايزني أشوف حاجة!
ذاك الخبث اللذيذ فى نبرتها أضحكه حتى دمعت عيناه ، فـقال بمرح :
_ نظراتك مش مريحانى يا حجة!
ركزت فى عينيه مباشرة و أخبرته بتلميح آخر :
_ المثل بيقولك : اللى على راسه بطحة بيحسس عليها.
إنسابت حبات العرق على جبينه و تشاغل عن نظراتها بأثاث الغرفة و لم يعلم كيف يتصرف فى هذا الأمر الشائك.
جاء نداء والده "سمير" كنجدة له من هذه الورطة ، فقد وصل الحوار بهما إلى حائط سد :
_ يا أسماااااء ، يا أم معااااذ!
حثها "معاذ" على الذهاب بقوله المتسرع المتوتر الذى زايد من شكوكها :
_ إلحقي يا ماما ، أبو سمرة بينادي عليكي.
إنتبهت للقب الذي ينادى والده به كنوع من التدليل ، فقالت تحذره :
_ أه لو يسمعك!
مثل المرح بقوله :
_ بابا؟!! ده حبيبي ، ده إحنا مصاحبين بعض.
_ حاضر يا سمير جاية أهو!
هتفت بها "أسماء" ترد على نداءات زوجها المتصلة.
لم يكد "معاذ" يأخذ أنفاسه إلا و انحبست فى صدره فـ قبل إغلاق الباب إلتفتت إليه بوجهها البشوش النضر بعض الشئ رغم سنها الذى قارب الخمسين ،
و ألقت فى وجهه جملة كالحجارة و لم تخطئ التصويب :
_ بعد كدة أما تحب تخبي صور متخبيهاش تحت المخدة.
سقط فكه فانفرجت شفتاه ، و هتف مصعوقاً :
_ كانت عارفة ، كانت عارفة و بتحور عليا!
وضع "معاذ" كفه على جبهته من هول الصدمة فوالدته العزيزة لن تتزحزح عن التفتيش وراءه حتى تعرف القصة بحذافيرها .
قام من مكانه مسيطراً على مشاعره المضطربة الآن آخذاً صورتها هى ..... حب الطفولة و هيام الشباب و حنينه الأزلي ، تمعن فى تفاصيلها الغالية ، مطبطبًا على قلبه_مجازيًا_ و مؤازراً نبضاته المتلاحقة بعنفوان بقوله الحالم :
_ يمكن اللقاء يكون قريب!
تذكر "معاذ" آية قرآنية مريحة كأخواتها من الآيات الكريمات ، فـ تلاها بيقين :
لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. .................
.........................
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!