تحميل رواية «اوركيديا» PDF
بقلم نورهان ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
م الفصل الأول. فى ليلة مطيرة من ليالي الشتاء الباردة و السماء تستعمرها الغيوم الرمادية ، و البرق يكاد يخطف الأبصار من شدة ضوءه ، و رعدت السماء رعدات قوية عندها انتفضت تلك الطفلة من مرقدها على سريرها الوردي تصرخ مجفلة ، فالرعد انتزعها من بين أحلامها الطفولية البريئة ، و أخذت تركض حتى غرفة والديها ، أدارت المقبض و أطلت برأسها الصغيرة ، و من ثم تقدمت بخطوات خفيفة سريعة حتى وصلت إلى جانب والدتها ثم هزتها مرددة فى صوتٍ ناعس خائف : _ ماما ، أنا خايفة. فتحت والدتها عينيها نصف فتحة و أمرتها بابتسامة طفي...
رواية اوركيديا الفصل الأول 1 - بقلم نورهان ابراهيم
م
الفصل الأول.
فى ليلة مطيرة من ليالي الشتاء الباردة و السماء تستعمرها الغيوم الرمادية ، و البرق يكاد يخطف الأبصار من شدة ضوءه ، و رعدت السماء رعدات قوية عندها انتفضت تلك الطفلة من مرقدها على سريرها الوردي تصرخ مجفلة ، فالرعد انتزعها من بين أحلامها الطفولية البريئة ، و أخذت تركض حتى غرفة والديها ، أدارت المقبض و أطلت برأسها الصغيرة ، و من ثم تقدمت بخطوات خفيفة سريعة حتى وصلت إلى جانب والدتها ثم هزتها مرددة فى صوتٍ ناعس خائف :
_ ماما ، أنا خايفة.
فتحت والدتها عينيها نصف فتحة و أمرتها بابتسامة طفيفة :
_ تعالي فى حضني يا قمري.
صعدت الطفلة على السرير و اندست ما بين والديها رامية برأسها على عضد أمها التى ضمتها فى حنان و قبلت قمة رأسها و من ثم سألتها بلين :
_ أثير حبيبة قلبي خافت من البرق مش كدة؟
طالعت الطفلة السقف ذو الملامح الغير بينة بسبب ظلام الغرفة و اومأت برأسها قائلة بخوف :
_ اه ، و الرعد ضرب الشجرة اللى قدام البيت.
انتفضت والدتها فجأة فوقعت راسها على الوسادة مما سبب لها قليلاً من الدوار ، و أتاها قول والدتها المرتعد :
_ إنتى متأكدة ، كدة ممكن تحصل حريقة.
أكدت "أثير" مخاوف والدتها حين قالت فى براءة خالصة :
_ أه يا مامي ،دي الشجرة نورت.
هزت والدتها كتف والدها هاتفة بخوف :
_ قوم يا نديم ، الشجرة اللى قدام البيت بتولع ، قوم بسرعة.
هب جالسًا و لا زالت عيناه مغمضتان ، و قال مشدوهًا :
_ إيه؟ إنتى متأكدة؟
_ بنتك بتقول كدة.
_ أه يا بابي الشجرة نورت.
_يارب استرها يارب و متقومش حريقة ، أروح فين و آجي منين؟ ده أحنا نص الليل!
قالها "نديم" بفزع ، و قفز من فوق السرير فكاد أن ينكفأ لولا أن تماسك فى اللحظة الأخيرة ، وأخذ يعدو خارج الغرفة و الخوف يسكن نفسه ، و بعد أن استفاق قليلاً من أثر نومه ، فتح باب شقته ، و اندفع للخارج إلى الشجرة فوجدها كما هى ، تنهد بارتياح و نطق باستياء :
_ البنت و امها شكلهم اتجننوا ، العوض من عندك يا رب.
ثم رجع إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه و قد بله المطر كليًا ، عاد إليهما محملاً بالماء و هو يرتعش من البرد ، ثم أخذته وصلة من العطاس :
_ هاااااتشوووو ، ينفع اللى ... ها هاااتشوووو ، اللى حصل فيا ده.
سألته زوجته بلهفة :
_ ها عملت إيه؟
_ قولى اتعمل فيا إيه ، منك لله إنت و بنتك يا ألاء !
_ هترد عليا و لا أخرج بخرطوم الماية و أطفى الشجرة بدل ما الحريق يوصل البيت؟
سألته "ألاء" بضيق ، فرد بغيظ قليل و لازال يعطس :
_ ها ... هاتشوووو ، خرطوم إيه بقى ، ممكن تعصريني أنا .
حين رأى الغضب يتسلل إلى قسماتها قرر أن يجيبها بما تريد :
_ الشجرة لا و لعت و لا حاجة ، تلقاه كان برق مش أكتر ، و بنتك قالت نورت مش ولعت.
تدخلت "أثير" مؤكدة على كلام والدها و مؤيدة :
_ اه ، أنا قولت كدة لمامي.
رجعت "ألاء" لتستلقي على السرير و تعيد "أثير" إلى أحضانها من جديد ، فى حين ذهب "نديم" إلى الحمام ليغير ثيابه و بعدها سيتناول مسكنًا فقد أصيب باحتقان.
................................
على الفطور
كانوا يجلسون ثلاثتهم و قد ألبست "ألاء" ابنتها "أثير" زي المدرسة الإبتدائية و رتبت لها خصلاتها الحمراء المجعدة و ربطتهما بشريطين ملونين و وضعت لها فى حقيبتها شطائر بمربى التوت البري و نوعين من الفاكهة ، ثم أطعمتها بيدها حتى شبعت.
نظرت "ألاء" إلى زوجها و حاولت كتم ضحكتها على ما جرى له بسببها و لكنها لم تكن تقصد ، رأت أنفه محمراً بسبب نزلة البرد التى أصابته أمس ، فدخلت إلى المطبخ و عادت و معها كوبًا ساخنًا من الشاي و طبقًا من الشوربة الساخنة ، وضعتهم أمامه فباشر فى الأكل بصمت و لم يحدثها.
أتت الحافلة لتقل "أثير" إلى مدرستها الخاصة ، لوحت لها امها و هى تبتعد ثم دخلت المنزل و جلست بجوار "نديم" تستعطفه بقولها :
_ لسة زعلان منى؟ و الله مكانش مقلب ، و هى طفلة فكرتها تقصد إن الشجرة ولعت.
تبسم قليلاً و تناول كفها مقبلاً ظاهره و قال برضا و صوته مبحوح من كثرة السعال :
_ مش هفضل زعلان الوقت ده كله ، لكن الاحتقان مبهدلني ، قهقهقه.
أنهى جملته بسعال خفيف ، فناولته كوب ماء دافئ ، انتظر هو بضع ثواني حتى خف السعال ثم شرب منه القليل ، فقالت له تستحثه بلطف :
_ طيب كمل الشوربة ، يارب تكون عجبتك.
ضغط على أصابع يدها برفق و رد صادقًا :
_ مدام اديكي لمست الأكل أكيد هيطلع خرافي.
ابتسمت بشئ من الخجل و سحبت يدها هاربة من نظراته البراقة ، ثم قالت بسرعة و قد لمحت الوقت على ساعة الحائط :
_ الشغل بتاعك ، هتتأخر على الشغل.
أزاح كرسيه سريعًا و وقف و هو يحمل حقيبته و أهداها قبلة على خدها قائلاً و هى يغادرها :
_ سلام يا حبيبتي ، أشوفك لما أرجع عندي ليكي إنتى و أثير مفاجئة بكرة إن شاء الله.
بدأت تتناول طعامها و هى تراقبه يذهب ، متسائلة :
_ يا ترى إيه المفاجأة دي؟
................................
فى مدرسة ابتدائية خاصة راقية.
فى وقت اللعب المخصص فى المدرسة ، كان الأطفال بناتًا و صبيانًا يلعبون ألعبًا مختلفة ، جلست "أثير" على مقاعد الاستراحة تراقبهم و هم يلعبون و يلقون بالكرات هنا و هناك ، يركضون وراء بعضهم ، يلهون بالمراجيح ، و انشغلت عنهم بوجبة غدائها .
_ ممكن نتشارك فى الأكل؟
تلفتت حولها تبحث عن المتكلم فوجدته إلى جانبها على بعد شبرين ، كان ولداً صغيراً له كاريزما و وجه بسام ، أكبر منها بحوالى الأربع سنوات فهو فى الصف الخامس الابتدائي ، أعطته شطيرة من علبتها ، قائلة بترحيب :
_ اتفضل.
قضم من الشطيرة قضمة واحدة فاستحسن مذاقها و فاجأها حين تكلم بطلاقة : مين اللى عامل الشندوتشات دي ، طعمها لذيذ.
_ مامي .
أعطاها شطيرة من خاصته و بادرها بـ :
_ هى بتعملها على طول؟
_ اه ، كل يوم.
سألها مجدداً بقيل من تردد و حرج :
_ توافقى ناكلها سوا كل يوم.
ضحكت بلطافة و قالت :
_ طبعًا.
مد بصره إلى الأمام حيث الأطفال اللاهين المشاغبين منهم و الهادئين ، و هو يقول سائلاً إياها بنبرة مهتمة :
_ بتحفظي قرآن؟
انتبهت "أثير" لجملته و هزت رأسها سلبًا كإجابة صامتة بالنفي ، فأردف بسؤال آخر :
_ طيب باباكي و مامتك بيحفظوا؟
أومأت إيجابًا ، و أجابت بنبرة مسهبة :
_ أه ، بشوفهم كل يوم بيقرأوا و يسمعو لبعض ، بس أنا مش بحفظ معاهم القرآن صعب و مش بعرف أقراه ، لما أكبر احفظه.
حرك سبابته للجانبين و هتف نافيًا :
_ القرآن سهل خالص ، أنا حفظت سبع أجزاء و لسة مكمل لحد ما اختمه.
_ يعني إي تختم القرآن.
ضحك مجيبًا بنبرة غير مصدقة أنها لا تعى ما يقول :
_ يعنى أحفظه كله .
_ فهمت.
_ إيه رأيك نحفظ سوا؟
_ بتتكلم جد؟
_ جد و جدود كمان.
الآن هى التى ضحكت و قالت ببشاشة و تعلو خديها غمازتين :
_ إوك ، اتفقنا.
ناظرها باهتمام و قال :
_ عندك مانع نبدأ من دلوقتي؟
_ لا خالص.
_ تمام.
قالها الولد مبتسمًا ، و فتحت مصحفًا أخرجه من حقيبة الظهر خاصته ، ليبدأ بـ البسملة :
_ قولى ورايا ، بسم الله الرحمن الرحيم.
_ بسم الله الرحمن الرحيم.
_ قل هو الله أحد * الله الصمد * لم
قاطعته بسرعة بقولها :
_ استنى ، قول بشويش ، عشان نسيت أول آية.
و برحابة صدر آخذ يعيد عليه الآيات كلما استوقفته ، ليتلوا فى كل مرة أبطأ من التى تسبقها.
انتهت الاستراحة و قد أشارت لهما إحدى المدرسات كي يعودوا إلى صفوفهما بعد أن عاد الجميع سواهما.
فقال لها قبل أن يتركها مغلقًا مصحفه :
_ نكمل بكرة ، مع السلامة.
_ مع السلامة.
سارت ببطئ تجاه المبني الدراسي ، و هى تغلق حقيبة ظهرها المرسوم عليها بياض الثلج و الأقزام السبعة و تتبختر فى مشيتها كالفراشة التى لا تحط قدامها على الأرض ، فهى أكثر من سعيدة فقد حصلت على صديق جيد و حافظ للقرآن ، و الأهم من هذا لها أنه لم يضايقها كالبقية و لم يعلق على شعرها بتعليق ساخر
.....................
رواية اوركيديا الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان ابراهيم
كما وعدها بمفاجأة الأمس أوفى بوعده اليوم و أخذهما إلى حديقة عامة ، مليئة بزهور ذات رونق جذاب و بحيرة مياة صناعية بها مجموعة اسماك ملونة.
جلسا على المقاعد الخشبية يراقبان ابنتهما و هى تلهو بفرحة غامرة ، حين أخرج "نديم" علبة مغلفة من وراء ظهره و أهداها لـ زوجته "ألاء" ليقول بحبٍ خالص :
_ الهدية دي عشانك.
إلتمعت عيناها و ارتسمت على شفتيها ابتسامة و نبست بـ :
_ مكانش فى داعي.
_ لأ ، فى ، دي أبسط حاجة ممكن أقدمها ليكي.
و أضاف مشتاقًا لرؤية ردات فعلها التالية :
_ افتحيها.
فكت عقدة الشرائط بفضول لذيذ ، ثم رفعت الغطاء الكرتوني ، لتظهر لها الرواية التى تعشقها ، نظرت إليه ببسمة واسعة و قالت بامتنان :
_ روايتي اللى بحبها جبتها اإزاي دي غالية.
بادها البسمة بأحلى منها ، و تشدق بعيون لامعة :
_ مافيش حاجة تغلي عليكي ، و بعدين الغالي للغالي .
_ و عليها توقيع الكاتبة كمان.
نطقتها و سعادتها بلغت عنان السماء لتحتضنه ضاحكة ، لتضيف بنبرة رقيقة :
_ هفضل أحبك لآخر العمر.
_ ضمها إليه و رد بنفس الحب أو يزيد :
_ و أنا كمان ، هحبك لآخر نفس فيا.
........
تداخلها مزيج من المرح و الغبطة و هى تنتقل من مكان إلى مكان بفستانها الأحمر ذو الأكمام الطويلة ليناسب الجو البارد منقوش به ورود بيضاء ، ثم أخذها مظهر الحديقة الجذاب و تلك السمكات الملونة القافزة من الماء و العائدة إليه ، إلتقطت لها صوراً كثيراً بالكاميرا التى اشتراها والدها لها ، وصلت بها قدماها إلى بستان الزهرات الرقيقة ذات الألوان الزاهية و الروائح الشذية ، قطفت إحدى وردات الأوركيد و اشتمتها ، لتسمع صوتًا يقول :
_ الله! أنا كمان بحب الأوركيد.
ارتعشت "أثير" من المفاجأة فوقعت الوردة على الأرضية العشبية ، فـ مال الولد نفسه من المدرسة و أمسك بالوردة ليبتسم فى إعتزار حرج :
_ آسف ، مكنتش اقصد أخوفك.
زفرت بهدوء ، ثم حركت لسانها قائلة :
_ ماشي ، مش مشكلة.
تقدم نحوها و توقف على بعد خطوة واحدة ثم غمس ساق الوردة بين خصلاتها الحمراء قائلاً :
_ كدة هيبقى شكلها أحلى.
رفعت "أثير" كفها على شعرها تتأكد من وجودها فى طياته و كأنما ألبسها تاجًا ماسيًا لا مجرد زهرة ، و عقبت بـ حزن زين قسماتها الطفولية الناعمة :
_ بس أصحابي بيقولوا شعري لونه وحش.
_ لأ ، شعرك جميل ، هما اللى شعرهم وحش.
ابتسمت فى سعادة و سألته بتلقائية :
_ بجد؟ شعري حلو؟
_ اه ، حلو جدا.
مد كفه الصغيرة لها و قال ببراءة :
_ أنا مش عندي صحاب ، ممكن نبقى أصدقاء؟
قفزت السعادة من عينيها الزرقاوين و تكلمت :
_ أنا كمان معنديش صحاب ، عشان البنات بيتريقوا عليا.
صافحته مردفة بسرور :
_ أنا أثير و عندى ٦ سنين.
و قال هو الآخر و قد شع وجهها ضياءاً :
_ و أنا معاذ عندى ١٠ سنين.
جلسا سويًا قرب الزهرات على العشب مباشرة ، سألها "معاذ" بنبرة مترددة بعض الشئ :
_ ممكن تديني الكاميرا؟
عقدت "أثير" حاجبيها بإنزعاج و سألته فوراً :
_ ليه؟
_ عشان أصورك.
_ طيب .
وافقت على إعطائه الكاميرا حالما يصورها و من ثم تأخذها منه ، فهى لا نفترق عن كميرتها أبداً ، وقف أمامها و قرب الكاميرا من وجهه مغلقًا إحدي عينيه و أمرها بقوله الهادئ :
_ ابتسمي.
تبسمت "أثير" و قلبها يرفرف ، فالتقط لها "معاذ" أحلى الصور ، و قال لها :
_ تسمحيلي آخد نسخة من الصور دي.
لم تفكر حين أجابت بنبرة نقية :
_ ماشي.
استراح قاعداً بقربها و أخبرها :
_ إنتي بتيجي هنا كتير.
أزالت عوداً من العشب الطري الأخطر ، و قالت باسترسال عفوي :
_ باجي مع مامي و بابي فى الويك إند و بفضل ألعب و اصور الورد و السمك و كل حاجة حلوة بشوفها .
_ زيي ، ممكن نلعب سوا لما تيجي .
_ أكيييد .
فاجأها "معاذ" بإخراجه لمصحف صغير من جيبه ، قائلاً لها بحماسة :
_ إي رأيك نكمل النهاردة.
أجابته "أثير" بلا تأخر :
_ اتفضل اقرأ ، أنا حبيت الحفظ جدااا.
مازحها معقبًا :
_ ده عشان أنا اللى بحفظك.
عقدت حاجبيها بضيق و قالت بتأفف :
_ مكنتش أعرف إنك مغرور.
ضحك "معاذ" مكركراً و أمسك بطنه ليقول :
_ كنت بهزر معاكي ، بتاخدي الكلام جد ليه؟
إنفكت عقدة حاجبيها ثم رمقته بنظرة قصيرة فى عينيه البنيتان فرأت فيهما صدقًا و لمعانًا ثم إلى بشرته البيضاء و منها إلى خصلاته السوداء المتسمة بالنعومة ، صرفت نظرها عنه آمرة فى لين :
_ سمعنى عشان أردد وراك.
قرأ البسملة و شرع فى صورة الفيل ، و بعد إنتهائه سألته بفضول حبيب لقلبه :
_ ليه إسم الصورة على إسم الفيل؟
_ مفهمتيش من الآيات؟
_ فهمت حبة صغننين.
إتسعت إبتسامة "معاذ" حتى طالت عيناه لتبدوان أكثر بريقًا لينبس بـ :
_ هقولك إللى أعرفه ، و الله أعلم.
نظر لها ليجدها قد ربعت قدميها و أسندت إلي ٱحداهما مرفقها لتسند عليه خدها ، فأردف :
_ فى العام اللى إتولد فيه الرسول قرر إبرهة الحبشي يهدم الكعبة.
_إزاي يفكر يقرب من الكعبة بتاعتنا ؟
_ أصبري و انتى تعرفي .
و أكمل حديثه بنبرة مندمجة و كأنه يرى الأحداث بأم عينيه :
_ المهم إبرهة ده جمع جيش كبير و جاب فيل كبير قوى و أمره إنه يهدم الكعبة ، عارفة حصل إيه؟
_ إيه ؟
_ الفيل رفض ينفذ أمره مع إنهم فضلو يضربوه ، و ربنا سبحانه أرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل و بكدة إبرهة و جيشه إنهزمو و مقدروش يهدو الكعبة.
_ سبحان الله!
_ تسمحيلي أناديكي أوركيديا؟
_ يعني إيه؟
سألته بتجعب ممزوج بدهشة بعد أن باغتها بسؤاله الغريب.
تبسم بصفاء قائلاً بحماس :
_ ده إسم وردة الأوركيد اللى فى شعرك ، و عشان انتى جميلة زيها هسميكي على اسمها.
برقت عينيها بإعجاب لفكرته الرائعة و قالت :
_ الله! إسم حلو خالص! ، تمام ناديني بيه.
.............................
اشترى لزوجته و ابنته غزل البنات فلم يرى "أثير" فى مرمى بصره فسأل "ألاء" عنها :
_ مشوفتيش أثير ؟
تلفتت "ألاء" يمينًا و يساراً بحثًا عن طفلتها و هزت كتفيها ، و قالت بنبرة جاهلة :
_ معرفش ، هى كانت هنا من شوية ، عند البحيرة.
ناولها أكياس الحلوى ، و سار فى أرجاء الحديقة مفتشًا بعينيه عن طفلته هاتفًا ينادى باسمها بقلق قليل :
_ أثير ، يا أثير .
ابصرها تقبل تجاهه بخطوات راكضة و تجيب بنبرة ملهوفة :
_ نعم يا بابي ، كنت هنا فى البستان.
إطمأن "نديم" لرؤياها و أبشرها قائلاً :
_ جبتلك غزل البنات و شيكولاتة و نوجا و بونبوني.
وثبت "أثير" من فرط سعادتها ، و قالت بدون تصديق :
_ اشتريتهم كلهم؟
_ أه يا قلبي كلهم.
_ طيب وطى شوية.
حنى "نديم" قامته مخفضًا رأسه فى مستواها فقبلته على خده كـ مكافأة صغيرة ، فانشرح صدره و رد لها قبلتها قبلتان على خديها الزهريان ، إعتدل فى وقفته فلاحظ ولداً ينظر إليهما و فى يده الكاميرا الخاصة بابنته ، فنظر لها سائلاً :
_ مين الولد ده ، هو أخد منك الكاميرا؟
_ ده صديقي و زميلي فـ المدرسة.
ثم قالت مضيفة بنفي :
_ هو مش خدها ، أنا إديتها له عشان يصورني.
_ بس ده أكبر منك.
شرحت له أسباب قبولها لهذه الصداقة التى يستهجنها :
_ اللى معايا فى الكلاس مش بيحبوني ، و هو الوحيد اللى وافق نبقى صحاب.
تمسكت "أثير" ببنطال والدها لتصرف نظره عن معاذ كى يركز معها و قالت بنبرة استفهامية :
_ تعرف يا بابي.
إنتبه لها من شروده ، و حرك عيناه يتأمل صفحة وجهها المشع سروراً ، ليرد بنبرة فضولية :
_ إيه؟
استأنفت مردفة بنبرة إلتمس فيها صدق بهجتها الجلية فى عينيها :
_ طلع حافظ أجزاء كتير من القرآن ، و قالي هيحفظنى معاه.
علق "نديم" فى إعجاب و شعر بانجذاب نحو هذا الولد :
_ ما شاء الله!
أشار له "نديم" فاقترب يسير على استحياء ، مما جعله يبتسم على مظهره و يرتاح له ، صافحه و نطق بــ :
_ أنا عمك نديم ، و أثير تبقى بنتي ، إنت اسمك إيه بقى؟
لم تمهله "أثير" الفرصة كى يجيب ، لتجيب بدلاً منه :
_ إسمه معاذ يا بابي.
استفسر "نديم" عن اسمه الكامل :
_ معاذ إيه؟
قال "معاذ" بنبرة هادئة :
_ معاذ سمير الليثي.
_ اتشرفت بيك يا معاذ.
_ و أنا اكتر .
نبسها "معاذ" بأدب ، و استأذن الرحيل عندما اقترب والداه ، فأذن له "نديم" ، ليغادر بصحبة والديه بعدما ألقى إليهما نظرة أخيرة .
_ بابي فين غزل البنات و باقي الحجات اللى اشتريتها ليا.
_ مع مامتك ، يلا قبل ما تخلصها كلها.
مازحها ضامًا إياها إلى جنبه أثناء سيره نحو المقاعد حيث "ألاء" التى رأتهما ، تكلمت "أثير" بنبرة محبة :
_ أنا بحبك يا بابي.
_ و أنا أكتر يا عيون بابي و حياته.
أخفى "نديم" فى نفسه شعور الاستغراب نحو هذا الولد فلديه قدر كبير من التهذيب على نقيض أقرانه المشاغبين عادة ، فدعا له سراً أن يحفظه الله بحفظه ورعايته.
رواية اوركيديا الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان ابراهيم
تعلقت به ولداً حنونًا و ملتزمًا ، و تعلق بها فتاة رائعة و رقيقة و الأهم من هذا تلميذة متميزة فهى لم تتعبه فى تحفيظ القرآن إلا فى أول شهر ثم تدريجيًا أصبحت تقرأ بطلاقة.
و بإسدالها الصغير المناسب لسنها و حجمها وقفت "أثير" قرب والدتها ، و كلتاهما تقفان خلف "نديم" الذى كبر تكبيرة الإحرام :
_ الله أكبر.
ليدخلوا ثلاثتهم فى الصلاة منفصلين عن ما حولهم.
و بعد فترة رددوا التسليم ، لتجمع "ألاء" السجاد و تطويه تمهيداً لوضعه فى مكانه المخصص.
قررت "أثير" الإنفراد بنفسها فى غرفتها لمراجعة السورة كي تسمعها لـ "معاذ" كما اتفقا.
و أما "نديم" تحرك إلى الطاولة و هو يشعر بالجوع و شرع فى تناول فطوره ، بعد لحظات انضمت إليه زوجته "ألاء" و قالت مستعجبة :
_ البت أثير فين؟! دي بتهجم على الأكل على طول .
و طالعته متسائلة بتفكير :
_ إيه اللى إتغير النهاردة؟
أشار لها "نديم" إلى غرفة ابنتهما قائلاً بلهجة احستها غامضة :
_ هى عندك فى أوضتها ، شوفى بنفسك.
و كعادتها "ألاء" الفضول يتحكم بها و يحركها ، فتحت الباب بحذر و ألقت نظرة خاطفة فـ لمحتها على سريرها و لازالت بإسدالها و تقرأ فى المصحف الشريف، و لاإراديًا ابتسمت بغبطة و فخر ، ثم تحركت بعيداً و اتخذت مكانها بجانب زوجها الرافع لحاجبيه و سائلها :
_ أرضيتي فضولك خلاص؟
_يكونش فضولي مضايقك؟
لفظتها "ألاء" متأففة ، فضحك و رد بمشاكسة ظريفة :
_ أى حاجة من ناحيتك تسعدنى مش تضايقني!
لم تستطع التحكم فى بسمتها فـ طفت على شفتيها ، و التى أخذت تزول رويداً رويداً حين أختتم كلامه بمزاح أزعجها :
_ رغم إن فضولك ده أحيانًا بيكون مش فـ وقته أو زايد عن حده!
_ تمام ، هاخد فضولي و أروح عند بنتي ، و خليك إنت تفطر لوحدك.
تمتمت بها "ألاء" بقليل من حنق و خيبة ، و أزاحت كرسيها واقفة فسارع "نديم" بالوقوف و إمساك كفها تزامنًا مع ضمه إياها لـصدره مضيفًا بشغف و عتاب :
_ بردوا زعلتي؟ ده كان هزار يا حبيبتي!
استشعرت دفئ كلماته تمامًا كـ الحضن و لمست الصدق يفوح من حروفه ، لتومأ إيجابًا و تقول برضا و عيناها تلمعان :
_ خلاص ، مش زعلانة.
هكذا هن النساء مجرد كلمة تحزنهن و أبسط الكلمات ترضيهن.
_ مامي ! أنا جعانة.
سمعا صوت "أثير" الآتية من وراء امها و مرتدية كامل زيها المدرسي ، فـ تنحنحت "ألاء" مبتعدة عنه و حملت ابنتها و اجلستها على الكرسي بينهما و باشرت فى إطعامها ككل يوم.
..................................
خرج الولد "معاذ" من منزله مشيًا ، قاصداً درب المدرسة ، مر أمام منزلها فـ توقف مفكراً ، أيذهب لها و يصطحبها إلى المدرسة؟
مع العلم أن الحافلة لن تأتى لتقلهم ، فسائقها مريض و قد اتصل على أولياء الأمور و أبلغهم بالخبر ليصحبوا أطفالهم بأنفسهم ، أما هو رفض عرض والده فى إيصاله كى لا يأخره عن عمله.
دق باب منزلها و كل دقة يدق معها فؤاده إضطرابًا و حماسًا ، زفر بـ هدوء ليضبط توتره ، و حينها فُتِحَ الباب ليقابله صدر والدها.
أخفض "نديم" نظراته و حدق فى عيني معاذ سائلاً :
_ مش إنت معاذ؟
_ أه .. أه .. أ .. أنا.
ابتسم "نديم" بـ بشاشة ليخفف عنه ما يعانيه ، و رحب به قائلاً بحبور :
_ إدخل يا بني ، خير؟
نفى "معاذ" بتلعثم :
_ لأ ، م ..... مش جاي أقعد.
و قال مردفًا بطريقة عفوية :
_ كنت جاى آخد يعني ... أوركيديا.
ظن "نديم" أنه لم يسمع جيداً ، فـ استفسر بجهل مضحك :
_ هااا ؟! تاخد مين؟!!
صحح "معاذ" زلة لسانه محرجًا :
_ قصدي آخد أثير.
رفع "نديم" حاجبيه و ردد بصدمة :
_ تاخدها؟! ليه و فين؟
_ أصل يعنى الباص مش جاي النهاردة و أنا كدة كدة همشي فـ قولت آخدها فـى طريقى .
قالها "معاذ" بسرعة يزيح بها أثقالاً على ظهره ، و قبل أن يعطى "نديم" أى ردة فعل ، أطلت "أثير" من ورائه و أخبرته موافقة :
_ يلا بينا ، أنا موافقة نتمشي مع بعض.
نظر لها "نديم" بإندهاش لظهورها و ردها المباغتان ، ثم أعاد ناظريه إلى "معاذ" الذى يحارب ليمنع توتر نفسه ، فقال هو الآخر متنهداً :
_خلاص مادام موافقة فـ أنا موافق.
لاحظ تبدل تعبيرات "معاذ" للإرتخاء و الراحة ، و قفزت "أثير" ببهجة ، فسأله بنبرة جادة :
_ هتقدر تاخد بالك منها و توصلها للمدرسة بالسلامة؟
و بلا تردد أو إنتظار قال "معاذ" باندفاع :
_ إن شاء الله هتكون بألف خير ، مش هخلى أى حاجة تأذيها.
أوصاه "نديم" بقوله المشدد :
_ دي أمانة يا معاذ ، أوعى تضيع منك!
قال "معاذ" بصدق :
_ دي فى عنيا يا عمو.
إطمأن "نديم" قائلاً :
_ تسلم عنيك يا ابني.
ثم سار "معاذ" جنبًا إلى جنب مع "أثير" المتبخترة بـ فرحة ليس بعدها فرحة و يده لا تفارق يدها.
رآهما ولد من المتنمرين عليها ، فهو دومًا ما كان يراقبهما كلما صادفهما معًا ، نظر لها بغيظ و حقد فـ رغم محاولاته لتخريب علاقتها بكل زملائها وجدت صديقًا تركن إليه ، توعد لها بمصيبة قريبة :
_ هتشوفي يا أثير الكلب هعمل إيه!
...............
بقى "نديم" يراقب ابتعادهما و هو شارد ، فـ ربتت زوجته "ألاء" على كتفه و سألته بتعجب تستوضح منه :
_ سيبتها تروح كدة عادي؟!! و هو مين الولد ده أساسًا؟!!
إلتفت لها كليًا و قال بنبرة واثقة استغربتها :
_ ده ولد إسمه معاذ ، معاها فى المدرسة .
_ و لو ، إزاي تسيبه ياخدها ببساطة كدة؟! جايب الثقة دي فيه منين؟!
هو نفسه مستغرب من ردات فعله تجاه هذا الولد ، لا يعرف لماذا وافق على هذه الصداقة الغير متكافئة لإختلاف أعمارهما عوضًا عن أنه ولد و هى فتاة ، لكن ما يعلمه هو أن من يحفظ القرآن سيكون جديراً بحفظ ابنته و حمايتها حتى و إن كان طفلاً.
......................................
لم يدع "معاذ" كفها طليقًا إلا عند مدخل فصلها ، و ظل يملي عليها تعليماته :
_ الولاد و البنات اللى مش بيحبوكي اقعدي بعيد عنهم ، و لو ضايقوكي قولي للميس ، اتفقنا؟
_ اتفقنا.
_ أنا رايح اللجنة بتاعتى ، ركزي فى الأسئلة عشان ده آخر امتحان ، و بعدين نتقابل فى الفسحة.
_ حاضر.
فور مغادرته بدأت المضايقات من الفتيات و الفتيان و تنمرهم وصل بهم إلى حادث فظيع.
حيث كانت تهبط الدرج بعينين مليئتين بالدموع تأبيان البكاء من سخرية هؤلاء المشاغبين الجارحة لقبها النقى ، و أثناء هبوطها صدمها عدد منهم.
لا تعلم أبقصد أم لا!
مما أدى إلى تدحرجها على الدرجات العشر المتبقية لتقع أسفل الدرج و ينطرح جسدها على الأرض و مازالت تصرخ و تستغيث .
..............................
فى ظرف ثوانى أتاها "معاذ" بهرولة مزعوراً عليها ، و يصيح بــ :
_ إيه؟ حصل إيه؟
إرتمى بقربها و تفقدها بعينيه فوجد أنفها ينزف و عيونها دامعة و قدمها مكدومة و متورمة ، استنتج من ذلك أنها كُسرت ، أجلسها برفق ، فـ صرخت بألم باكية :
_ آآآي ، دي بتوجع!
ليتأسف لها بخفوت و خوف :
_ آسف ، و الله آسف!
أخرج منديلاً من جيبه ليوقف به نزيف أنفها بكفه المرتعش ، ريثما يأتى أحد المدرسين لنجدتها.
..............................
لم يأتيهما أى أحد ليسعف "أثير" و التى لم تنفك تبكي و تنوح و تتأوه ، غير أن عدداً من الطلاب المشفقين عليها و المتعاطفين معها إلتفوا حولهما.
زالت الغشاوة عن عيني "معاذ" و اهتدى إلى فكرة _غير مضمونة العواقب_ لإنقاذها لأنه لتوه تذكر أن المدرسين فى غرفة الإجتماعات و لن يعلموا بما حدث.
نظر إلى أعلى الدرج بعد أن قام من مكانه بجوارها ليلاحظ من دفعوها يشاهدون ، بعضهم قلقين على أنفسهم ، و بعضهم شامتين.
مرر "معاذ" يداً أسفل ركبتها و يداً تحت ظهرها و حملها ، فـ هو لا يأمن مكرهم فـلا ضامن له من ناحية عدم تعرضهم لها ، لربما استغلوا وجودها منفردة ليكملوا أذيتها.
.........................
حمل ثقلها حتى العيادة المدرسية ، و شعر أن وزنها _رغم خفته_ يضغط على أنفاسه لأنه طفل مثلها ، لكنه تحمل هذه المشقة صابراً فكل شئ يهون فى سبيل سلامتها.
هرولت إليهما الممرضة و حملتها عنه و وضعتها على سرير الكشف و قالت تنبهه لخطأه غير المقصود :
_ كنت ناديت لحد أكبر منك ، كدة ممكن يحصلها مضاعفات.
نهج بإجهاد ، و تلألأت عيونه بالعبرات و شرح لها بنبرة مرتجفة :
_ ملاقيتش حد من "التيتشرز" أو "الميسز" عشان هما فى إجتماع .
تنفس بعمق ليزيل تلك الغصة العالقة بحلقه من مظهرها المثير للشفقة ، و أكمل نادمًا :
_ و هى كانت تعبانة و بتعيط جامد و معرفتش أعمل إيه ، روحت جيبتها هنا.
بينما إرتخت جفون "أثير" تكاد تنغلق من شدة تعبها ، و لم تنطق بحرف.
تبسمت "الممرضة" فى وجهيهما بلطفٍ تحاول طمأنتهما و راودها شعور بالندم فهى بكلماتها زادت خوفه دون قصد ، تفقدت قدمها برقة فـ صرخت "أثير" متألمة :
_ آآآه.
إندفع "معاذ" لها لاهثًا ، و ضم كفها بين راحتيه ليجعل محور نظراتها صوبه هو ، و إخترع بعض القصص القصيرة كى لا تركز مع الممرضة و يخف ألمها.
تكلمت "الممرضة" بتعاطف :
_ الحمد لله هى كويسة ، يادوب بس فى جزع بسيط فى رجلها غير شوية كدمات ، بس هتبقى تمام.
تابع "معاذ" الممرضة و هى تعاين حجم الأصابات و مع كل دمعة أو أهة تصدر من "أثير" كان يتألم ، لم يتمكن من كبح جماح دموعه المناسبة على خديه بسخاء تضامنًا مع آلامها.
................
أقام والدها "نديم" شجاراً حاداً مع مدير المدرسة أفدى إلى سحبه لأوراق ابنته ، فيكفي ما أصابها من ضرر جسيم.
لم يكن يتوقع أن يفعل أطفال صغار هكذا بطفلة مثلهم ، و أنكشفت الحقيقة و علم الجميع أن زميلاً لها هو من قام بتحريض باقي زملائها عليها.
ما ضايقه حقًا أن "أثير" لم تذكر له سابقًا أى تصرف عنيف فعله زملاؤها لها إلا من بعض كلمات ساخرة و كم تناقش "نديم" فى هذا الشأن مع المدير ليمنع هذه التصرفات العنصرية .
و هو منذ أدخلها هذه المدرسة ما انفك يعمل بجد لينقلها إلى مدرسة أخرى فى محافظة مغايرة ، و هذا ما حدث بالفعل .
فـ بعد تماثل "أثير" للشفاء رحلت مع والديها _مجبرة _ و انتقلت إلى مدينة بعيدة ، و التحقت بمدرسة أكثر تطوراً و فخامة ، و كونت العديد من الصداقات و لكنها لم تجد أحداً يضاهى "معاذ" صديقها الفريد و الذى لازمها طوال فترة علاجها و حتى ميعاد رحيلها حيث شملها فى حضن برئ و ربت على خصلاتها حبيبته (الخصلات هى اللى حبيبته ) ، و ترك لها آخر كلماته الغالية :
_ كل حاجة هتبقى وحشة من دونك يا أثير ، خلى بالك من نفسك.
هذه أول مرة يناديها باسمها الحقيقي بدلاً من لقبهما المفضل و سرعان ما انزلقت من بنيتاه دمعة متمتمًا بــ صـوت حـزيـن صـادق :
_ هفضل فاكرك دايمًا يا أوركيديا.
بكت "أثير" تأثراً بمشاعرهما الغير ناضجة ذات البراءة و العفة ، و أبصرته يخرج من جيبه ورقة مستطيلة و قدمها لها ، أمعنت النظر فيها فــ وجدتها صورة له بزي مختلف عن زي المدرسة ، فـ ضمتها بين كفيها و إلى قلبها ، فـ قال "معاذ" بتعب معنوى مفسراً :
_ أنا معايا صور ليكي إللى وافقتي آخدها ، خلى الصورة دي معاكي عشان كل واحد فينا يحس إن التاني موجود معاه.
أرادت "أثير" أن تقول شيئًا ما و لكنها لم تجد الكلمات المناسبة فـ اكتفت بأيماءة صامتة .
لوحت له مودعة فلوح لها و كلاهما يبكيان ، و لا تفترق نظراتهما حتى بعد ركوبها سيارة والدها واصلت مشاهدته من الزجاج الخلفى و هى تبتعد عنه و هو يختفى عن ناظريها.
...........
رواية اوركيديا الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان ابراهيم
مرت سنون تصل لإثنى عشر سنة لم يلتقيا بهما بعد أن كانا لا يفارقان بعضهما لعام كامل كان الأحلى و الأكثر بهجة فى حياة كلاً منهما .
فـ بعد رحيل "أثير" رفض "معاذ" أن يترك المدينة مفضلاً البقاء فيها و العيش مع ذكرياتهما الحية الحبيبة ، و تلك الذكريات هى التى أعانت كلاً منهما على فراق الآخر.
إنشغلا بالدراسة سنة تلو سنة حتى مر بهما الزمن و قد قطعا شوطًا كبيراً فى حياتهما الدراسية ، و لم ينسيا _أبداً_ بعضهما.
💜💜💚💚💛💛🧡🧡💜💜💚💚💛💛🧡🧡💜💜💚💚
فى مطعم فاخر خاص بالأغنياء ، التقى "معاذ" بصديق جامعى مقرب إحتفالاً بحصائد أربع سنوات من الدراسة فى جامعة الحقوق ، فقد حصلا على تقدير إمتياز مع مرتبة الشرف ، و خلال تناولهما للمأكولات المختارة ، ابتدر "غزال" _صديق معاذ_ الحوار ماسحًا طرف شفاهه بظهر سبابته مما جعل "معاذ" يتأفف قائلاً بتوبيخ :
_ من قلة المناديل ! بتمسح بؤقك زي الأطفال كدة ليه؟!
قهقه "غزال" و لم يعقب ، ليخرج من حقيبة بلاستيكية أنيقة كتابًا مناولاً إياه لـ "معاذ" قائلاً بابتسامة مشرقة :
_ بالمناسبة السعيدة دي ، جايبلك هدية متواضعة.
وضع "معاذ" شوكته على جانب صحنه و انتشل منه الكتاب بلهفة ليقول بنبرة تواقة :
_ كتاب إيه ده؟
تأمل إسم الكتاب ، فتراقصت على شفتيه ابتسامة مردداً ببطئ :
_ معًا إلى الجنة ، معًا إلى الجنة.
و عقب على الإسم بسرور قائلاً :
ما شاء الله! إسم جميل!
تنحنح "غزال" ليلفت إنتباهه إليه ، ريثما يعدل جلسته و نطق بمزيج من استمتاع و مكر :
_ و لسة لما تشوف إسم الكاتبة.
إنعقد حاجبا "معاذ" بانزعاج مسيئًا فهمه ، حيث قال موبخًا :
_ معناه إيه الكلام ده؟ إتأدب يا غزال!
انفجر "غزال" ضاحكًا و ضاربًا بقبضته على فخذه و خرجت نبرته مهزوزة:
_ هههههه ، يابني دماغك راحت فين؟
و أضاف ممازحًا :
_ لو حد غيرك قال كدة يا معاذ كنت عزرته ، لكنك عارفني بتكسف من نفسي و بمشي فى الشارع وشي فى الأرض ، الدور و الباقي عليك يا روميو.
تأفف "معاذ" بغير رضا ، و زحزح عيناه عن وجه صديقه إلى الكتاب فوقعتا على الإسم ، إتسع جفناه حتى آخرهما ، و اهتزت يده الممسكة بالكتاب و قبل أن يقع إلتقفه "غزال" و نطق بعتاب مستاء :
_ بقى أنا عملت العجب العجاب عشان اجيبلك الرواية دي و إنت توقعها كدة بالساهل؟
تلجلجت نبرة "معاذ" و بانت مصدومة :
_ إن .... إنت متأكد من الإسم ، معقول ت ... تكون هى ؟!
حك "غزال" طرف ذقنه ، و أراح ظهره إلى الكرسي ، ليجيب بنبرة تحليلية بها شئ من جهل :
_ الصراحة مقدرش أفيدك ، لما صاحبي قالي على إسم الرواية عجبتني ، و جالي فضول أعرف مين الكاتب ، ساعتها إتفاجئت من الإسم و فرحت عشانك قولت يمكن تكون هى.
_ها و بعدين؟
_ طلبت النسخة دي من صديقي لكنه رفض لإنها آخر نسخة موجودة و لما أصريت عليه و جيبت سيرتك و إنى عايز اهديك بحاجة و مافيش احلى من الرواية دي بالنسبالك هو وافق ، و بس.
شرد "معاذ" يمنى نفسه بلقاء قريب معها و لكن فى الحلال فـ مثلها غالية تستحق أغلى المشاعر و بالطريقة العفيفة و أيضًا قلبه غالٍ ، لا تناله أى واحدة إلا برضا الله ، استفاق من شروده و سأله مجدداً :
_ متعرفش حاجة تانية ، تفصيلة نسيتها مثلاً؟
أكمل "غزال" تناول وجبته و قال بدهاء لطيف:
_ سمعت عن معرض للكتاب فى محافظة كدة ، جايز تحضر سندريلا.
"غزال" يعلم الحكاية بتفاصيلها لأن "معاذ" إئتمنه على سره و أودع معه كل مشاعره و أخبره بلا حرج عن حبه الوليد منذ الطفولة لـصاحبة الخصلات الحمراء المجعدة ، و حكى له عن هيامه بــ"أوركيديا"
🤍🤍💛💛🤍🤍🖤🤍🤍♥️♥️💖💖🤍🤍💞💞🤍🤍💓💓
_ مش ممكن يا روفان ! مصدقتش وداني لما صاحب دار النشر قالي إن النسخ كلها اتباعت ، غريب إن فى لسة ناس بيحبو الروايات اللى فيها طابع ديني!
قالتها شابة رائعة الجمال بملامح آسرة و صوت ناعم ساحر و شعرها الأحمر ثائر فى الهواء و عيونها الزرقاء تومض بالزهاء.
جاءتها الجملة هاتفيًا من صديقتها :
_ يا أثير الدنيا لسة فيها خير.
_ فعلاً ، استحضرني حديث للرسول عليه أفضل الصلاة والسلام....
قاطعتها "روڤان" بترديد مُحب لنبينا :
_ اللهم صلى على محمد ، حبيبي يا رسول الله!
فـ أكملت "أثير" باندفاع مستحب :
_ الحديث بيقول :الخير فى أمتى إلى قيام الساعة.
عقبت "روڤان" على الطرف الآخر بابتسامة رائقة :
_ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أردفت سائلة باهتمام حقيقي :
_ بيقولوا فيه معرض للكتاب فى اسكندرية ، هتروحي؟
جلست "أثير" على سريرها و أسندت ظهرها إليه ، و ضبطت الهاتف على أذنها مجيبة بوله تجاه أى شئ يخص الأدب :
_ أكيد يا بنتي ، أنا أول الحاضرين بإذن الله.
و أتبعت حديثها بـتساؤلها :
_ تنسيقات الجامعة نزلت ، قررتي تدخلي إيه؟
بغير تفكير يذكر صفقت "روڤان" بحماسة قائلة :
_ كلية هندسة مافيش جدال!
ضحكت "أثير" للمصادفة و قالت مدهوشة :
_ سبحان الله! نفس الإختيار ! طول عمرنا تفكيرنا واحد و ميولنا واحد.
ابتهجت "روڤان" لتطابق تفكيرهما ، و تباهت بقولها المغتر :
_ أه يا بنتي ، أومال أنا سميتك رفيقة الروح من فراغ.
إزدادت ضحكات "أثير" الآسرة و عيناها تضيآن بوهجٍ جذاب ، فـابتسمت "روڤان" لأنها مصدر هذه السعادة الواصلة إليها من خلال الهاتف ، حيث إنها
منذ تعرفت إليها و صارتا صديقتين مقربتين و هى تستغرب شرودها الطويل
و لمحة من حزن تطفو على نظراتها فــ تعكر صفاءها و الأغرب من هذا هو شعورها الدائم بالحنين لشئ أو شخص ما.
تسائلت "روڤان" كثيراً بينها و بين نفسها عن السبب و لم تصل لحل يفيدها فى مساعدتها لتخطو نحو الأفضل ، و انتظرت و ستظل تنتظر حتى تصرح لها بما يؤرق راحتها.
تثائبت "روڤان" عبر الهاتف و قالت بخمول :
_ طيب يا حبيبتي ، روحي نامي الوقت سرقنا.
رفعت "أثير" الغطاء الخفيف عليها و قالت بنعاس :
_ تصبحي على جنة عرضها السماوات والأرض.
_ اللهم آمين يارب العالمين، و إياكي ، سلام يا أثير.
_سلام يا أوفا.
أنهت "أثير" المحادثة و ارتمت على السرير متثائبة ، مدت يدها إلى "الآباجورة" و أطفأتها ليتثنى لها النوم بشكل مريح.
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹💙💙🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
و مع شروق الشمس دخلت "ألاء" إلى غرفة "أثير" و ايقظتها هاتفة بضيق :
_ بت انتى ، قومي و فوقى عشان تفطرى.
_ يا مامي سيبيني حبة كمان بالله عليكي ، سهرانة من امبارح.
_ حد قالك تسهري؟
جذبت "ألاء" الغطاء رافعة إياه من فوق ابنتها و أضاءت أنوار الغرفة بالكامل مما أعاق نوم "أثير" التى استوت جالسة و فاركة عينيها ، مددت يديها قائلة بنبرة ناعسة :
_ مهو مجانيش نوم يا مامي ، فضلت سهرانة مع أوفا و نمت قبل الفجر بساعتين ده غير إنى صحيت و صليت الفجر و يادوب نمت و انتى صحيتيني.
عنفتها "ألاء" بنبرة أمومية بحتة :
_ تستاهلي عشان تبطلى سهر ، قومي يلا الفطار جاهز و باباكي مستنينا.
استنشقت "أثير" بعض نسمات الصباح العليلة فى محاولة لطرد النوم و الإفاقة من دوامة الدوار الذي صاحب استيقاظها ، و تمتمت بوجه مصفر قليلاً :
_ روحليله يا مامي و هتلاقيني فى ديلك.
حملقت فيها "ألاء" مصدومة ، و عبست قائلة بلهجة مستنكرة :
_ ديلي؟!
كتمت "أثير" ضحكة تكاد تنفلت منها لولا يدها ، ثم تحكت بنفسها و فسرت بقولها :
_ يعني هاجى وراكي.
💙💙💙💙💙💙💙💙💙❤️❤️💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙
لم تمضى ثواني على مغادرة والدتها الغرفة حتى ركضت إلى خزانتها و عبثت فيها و من ثم أخرجت منها صورة قديمة و تأملت تفاصيلها باشتياق و همست بشرود :
_ يا ترى يا معاذ لسة فاكرني زي ما أنا لسة فاكراك؟
تنهدت "أثير" بحرارة و ضربات قلبها وصلت لدرجاتها القصوى حين أكملت و كأنها تحدثه وجهًا لوجه :
_ و فاكر ذكرياتنا و لعبنا ؟!
إزدات خفقات قلبها جنونًا و هى تضيف بتقدير و ود :
_ و لسة فاكر لما كنت بتحفظنى القرآن و آجى كل يوم و أسمعه ليك.
أردفت بعينان ملأتا دموعًا و ببسمة حانية و عيناها على الصورة :
_ و فاكر لما كنا بناكل سوا فى الفسحة ، و ... و اللى عملته عشاني يوم ما وقعت من السلم لما زمايلي رموني؟!
تساقطتت دموعها على خديها الزهريان و هى تستكمل بلوعة و حرقة :
_ و لما افترقنا و عطيتني صورتك؟! لسة فاكرة كلامك ، يا ترى إنت لسة فاكر؟!
مسحت "أثير" دموعها قائلة بتصميم :
_ بس بردوا كل ده ميسمحليش أعترف ليك بحبي لإن ده حرام.
عزمت أن تخفى هذا الحب فى قلبها حتى يأتي الوقت المناسب للإعتراف به و أكدت تلك الفكرة لما قالت بحزم :
_ مش هتاخد منى إعتراف حتى و إنت مش موجود ، لو ربنا أراد يجمعنا فى الحلال هعترفلك ساعتها ، و ناخد بإيدين بعضنا للجنة.
💓💓💓💓💓💓💓💓💓💙💙💙💓💓💓💓💓💓💓💓💓
لازال على سريره مستلقيًا و لكنه مستيقظ ، و حاله تماما كحالها و هو مثلها يطالع إحدى نسخ صورها التى احتفظ بها بموافقتها منذ الصغر و حتى الآن و سيحتفظ بها فى المستقبل أيضًا.
ابتسامتها الخلابة تزين ثغرها و التى دومًا ما كان يخفق لها قلبه إنجذابًا ، و لمعة عينيها تكاد تطل من الصورة.
تنهد "معاذ" متسائلاً بنبرة ملؤها الحنين :
_ يا ترى شكلها زي آخر مرة شوفتها و لا اتغيرت؟
هز رأسه للجانبين و جاوب نفسه من فوره :
_ كل شئ بيتغير.
باغتته والدته حينما فتحت الباب على حين غرة فـ سرت بـ بدنه ارتعاشة كاد ينفضح لها ، ابتلع ريقه بوجل و هو يراها تقبل عليه و على محياها علامات تنذر أنها قبضت عليه بالجرم المشهود ، فـ رفع وسادته ملقيًا الصورة أسفلها و عيناه على عيني والدته التى بدورها رأت ما فعل ، فـ اهتزت حدقتاه بــ إضطراب حين قالت مباغتة إياه :
_ بتخبي حاجة عليا يا معاذ و لا بيتهيألي؟!!
زاد من ضغط كوعه على الوسادة و سايرها بقوله الحريص مغلف بالمرح الظاهري :
_ لأ بيتهيألك يا سمكة!
ضاحكته "أسماء" رافعة حاجبها بغير تصديق ، لترد بمزيج عجيب من حنان و تعنيف :
_ إتلم يا واد أنا مامتك!
قبل جبينها و خديها و كعادته قال لها :
_ أحلى ماما فى الدنيا.
قالت "أسماء" بعاطفة أمومية لامست قلبه :
_ تسلملي يا حبيبي.
تنحنح عابثًا فى خصلات شعره و سألها خائفًا من ردها :
_ كنتى جاية عشان حاجة يا ماما؟
رمته "أسماء" بنظرة ماكرة و قالت بخبث الأمهات المصريات :
_ هو ممنوع أدخل أوضة ابني ؟!
و لمحت لشئ تعله هى جيداً :
_ إلا إذا كنت مش عايزني أشوف حاجة!
ذاك الخبث اللذيذ فى نبرتها أضحكه حتى دمعت عيناه ، فـقال بمرح :
_ نظراتك مش مريحانى يا حجة!
ركزت فى عينيه مباشرة و أخبرته بتلميح آخر :
_ المثل بيقولك : اللى على راسه بطحة بيحسس عليها.
إنسابت حبات العرق على جبينه و تشاغل عن نظراتها بأثاث الغرفة و لم يعلم كيف يتصرف فى هذا الأمر الشائك.
جاء نداء والده "سمير" كنجدة له من هذه الورطة ، فقد وصل الحوار بهما إلى حائط سد :
_ يا أسماااااء ، يا أم معااااذ!
حثها "معاذ" على الذهاب بقوله المتسرع المتوتر الذى زايد من شكوكها :
_ إلحقي يا ماما ، أبو سمرة بينادي عليكي.
إنتبهت للقب الذي ينادى والده به كنوع من التدليل ، فقالت تحذره :
_ أه لو يسمعك!
مثل المرح بقوله :
_ بابا؟!! ده حبيبي ، ده إحنا مصاحبين بعض.
_ حاضر يا سمير جاية أهو!
هتفت بها "أسماء" ترد على نداءات زوجها المتصلة.
لم يكد "معاذ" يأخذ أنفاسه إلا و انحبست فى صدره فـ قبل إغلاق الباب إلتفتت إليه بوجهها البشوش النضر بعض الشئ رغم سنها الذى قارب الخمسين ،
و ألقت فى وجهه جملة كالحجارة و لم تخطئ التصويب :
_ بعد كدة أما تحب تخبي صور متخبيهاش تحت المخدة.
سقط فكه فانفرجت شفتاه ، و هتف مصعوقاً :
_ كانت عارفة ، كانت عارفة و بتحور عليا!
وضع "معاذ" كفه على جبهته من هول الصدمة فوالدته العزيزة لن تتزحزح عن التفتيش وراءه حتى تعرف القصة بحذافيرها .
قام من مكانه مسيطراً على مشاعره المضطربة الآن آخذاً صورتها هى ..... حب الطفولة و هيام الشباب و حنينه الأزلي ، تمعن فى تفاصيلها الغالية ، مطبطبًا على قلبه_مجازيًا_ و مؤازراً نبضاته المتلاحقة بعنفوان بقوله الحالم :
_ يمكن اللقاء يكون قريب!
تذكر "معاذ" آية قرآنية مريحة كأخواتها من الآيات الكريمات ، فـ تلاها بيقين :
لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. .................
.........................
رواية اوركيديا الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان ابراهيم
_ حبيتها إزاي؟
سأله "غزال" باهتمام ناظراً إليه بتركيز ، مما عقد لسان "معاذ" و جعل الكلمات تفر من عليه ، و لم يلبث أن قال مشدوهًا :
_ ها؟!
كرر "غزال" سؤاله بصيغة أخرى و هو يجاهد جهاداً كى لا يضحك :
_ بقولك حبيت أثير إزاي و انتو كنتو أطفال؟!
غمر الضيق ثناياه و استدرك صدمته ساخراً :
_ ليه يعنى ، هما الأطفال معندهمش مشاعر؟
دافع "غزال" عن رأيه مبرراً :
_ مش القصد ، أصل الأطفال تفكيرهم ميتعداش معدتهم أو لعبهم!
و حين رأى أن كلماته تضايق صديقه أكثر فأكثر سارع بقوله المكترث :
_ خلينا فى المهم ، إيه إللى جذبك ليها؟! أو إيه إللى يميزها عن غيرها؟!
رفرف فؤاد "معاذ" بشوق كبير ، و لمعت عيناه لمجرد التطرق لهذا الشأن الحبيب ، و راح يسبح فى نهر ذكرياته و يقتنص منه أغلى الجواهر و ترجم مشاعره على هيئة كلمات هائمة حائرة :
_ مش عارف بالتحديد إيه إللى جذبني ليها أو إحساسي المختلف معاها؟!!
رجع "معاذ" برأسه يريحه على كرسيه من فورة المشاعر التى تجتاحه اجتياحًا و تسلب منه تركيزه بسبب مرور ذكرياته البريئة_ معها _ أمام عينيه مردفًا بشرود و بنبرة عاشقة و حنونة يصف صاحبة الخصلات الحمراء كما رآها قلبه وقتها :
_ يمكن عشان هى مختلفة عن غيرها ، عفوية بزيادة إللى فى قلبها على لسانها و فى نفس الوقت راسية و كلامها موزون ، أنعم بكتير من الورود و أرق من نسمة الهوا الباردة فى الصيف ، و أخف من الفراشة ، و ألطف ألف مرة من العصفورة ، روحها جميلة و نقية ، و طبعها هادى و جميل ، جميلة من جوا و من برة.
راق ل "غزال" الحديث الودي لصديقه و قاطعه دون أن يشعر كلاهما :
_ يا سلام على الجو الشاعري إللى عايش فيه ده !!
لم يسمع "معاذ" عبارة صديقه المتأثرة ، و كيف له أن يسمع و صوتها يرن فى أذنيه كنوتة موسيقية عذبة؟!
قال مكملاً يمزج الغرام بالغزل العفيف واصفًا عينيها الآسرتان و التى حفظهما و هما صغار :
_ عينيها الزرقا زي بحر اسكندرية ، هادى و مايته صافية و هى هادية ، بيلمع زي الألماظ و هى فرحانة و مبسوطة ، و فجأة موجه يخبطك فى وشك لما تتعصب.
مازحه "غزال" بقوله المتهور :
_ على كلامك ده شكلى هحبها و اروح اتقدملها قبلك!
و أخيراً إنتبه إليه "معاذ" يحدجه بعينين مشتعلتين تطلقان السهام ، و الغيرة ملأت قلبه و هدر به ناهيًا يوقفه عند حده :
_ غزاااااال!
ازدرد "غزال" ريقه فهو لتوه أدرك أن كلماته تلك لا تليق رغم أنه قالها بحسن نية و بغرض المزاح فحسب ، و قال معتزراً بنبرة حملت كل معاني الخجل :
_ آسف يا صاحبي ، مكانش لازم أقول كدة.
"معاذ" على دراية كاملة أنه هو المخطئ لأنه سمح لنفسه أن يبوح له بتلك التفاصيل عن حبيبته الغائبة ، و أيضًا هو يحفظ صديقه جيداً و يعلم نواياه الطيبة ، صمت و هو يشتم نفسه بغضب على هفوته تلك.
و من باب التخفيف من حدة الموقف استأنف "غزال" قائلاً بقليل من مرح :
_ خلاص يا عم سحبت كلامي ، كمل يا عم العاطفي!
لانت ملامح "معاذ" و ارتخي فى جلسته و هام مجدداً بحسه و أخذه خياله بعيداً عن هنا...ثم تركه هناك عند فترة الطفولة و ما بها من أحداث.
و غفل مرة ثانية و تحدث بأريحية عنها حين أضاف متزكراً الحادث الذى تعرضت له محبوبته :
_ زمايلها مكانوش بيحبوها و دايمًا كانو بيتريقو على لون شعرها مع إنه يخطف عنيك من جماله ، فى البداية مكنتش اعرف هما بيكرههوها للدرجة دي ليه! بس مع الزمن أدركت إنهم كانو غيرانين منها ، و إللى كان بيخليهم يأذوها هو واحد زميلها من سنها كان صاحبي و انا قطعت علاقتي بيه عشان مشاغب و مش بيذاكر ، هو كان مغرور جداً و اناني كان عاوز الأطفال كلهم يبقوا صحابو لوحده و لما لاقى الولاد و البنات يبنجذبو ليها عشان شخصيتها الرقيقة و الطيبة كرهها و حقد عليها و قرر ينتقم منها و إللى زاد الطينة بلة إنى بقيت صديقها .
سأله "غزال" راغبًا فى الإطلاع على المزيد :
_ إزاي؟
تنهد "معاذ" بأسى عليها ، ثم قال باحتقار لعقلية ذاك الطفل الذى آذاها :
_ من وجه نظره إني فضلتها عليه و قال إيه كرامته نقحت عليه ! ده إللى قاله ليا بعد ما سألته عن سبب تصرفاته بعد ما أوركيديا سابت المدرسة.
حرك "غزال" رجله التى أصابها التنميل من طول جلوسهما ، و سأله مستغربًا و مستفهمًا :
_ إسم أور ... أوركيديا ده عجيب! أنا مستغرب إزاي طفل يجيب إسم بالغرابة دي ، دا أنا يادوب بنطقه بالعافية!
تناول "معاذ" رشفة من كوب الماء و ظل ممسكًا به و هو يجيب بشجن :
_ جيتلي فى الجزئية إللى بحبها ، أنا قرأته فى مرة مش فاكر فين بالتحديد و شدنى و بحثت عن معناه و حبيته كل ده قبل ما أشوفها و لما شوفتها إزاي جميلة زي الورد روحت مسميها على إسمه ، و بعدين أنا مكنتش أى طفل أنا كنت سابق سني!
ختم "معاذ" جملته الطويلة بمرح ، ليضحكا سويًا.
و يقول "غزال" بمرح مماثل :
_ ده إنت زينة الشباب يا بني !
و سرعان ما عاجله بسؤال آخر :
_ عايز أعرف حاجة محيراني .... إنت عمرك ما خوفت من الحب؟
ابتسم "معاذ" بهدوء و أجاب صادقًا :
_ أبداً ، ده أنا حتى صارحتك بمشاعري ناحيتها!
_ أصل دايمًا بسمع إن الحب ضعف.
هز "معاذ" رأسه باعتراض على عبارته ، و فاض عليه بكل أحاسيسه و معتقداته الراسخة :
_ لأ يا بني! إللى بيقول إن الحب ضعف محبش و لا يعرف حتى معنى الحب ، لإن الحب السليم العفيف قوة ، و لو كان الحب ضعف فهيكون إللى بنحبه نقطة ضعفنا و بكدة نقدر نستغني عنه عشان مافيش حد يقبل يكون ضعيف .
أخذ "معاذ" نفسًا عميقًا يضبط به مشاعره المبعثرة ، و هو يشعر أنه يلقى محاضرة عن الحب ، فأردف باسهاب و قلبه ينبض بقوة :
_ لكن لما يكون الحب قوة فى الحالة دي بيكون أخطر لإن ببساطة الشخص إللى بنحبه بيكون مصدر قوتنا و لو إتخليت عنه تبقى و لا حاجة ، مجرد جسم عايش بدون شعور أو روح ، عشان حبيبك هيكون خد روحك معاه و راح ، أو بمعنى أدق روحك هى إللى اختارته و سابتك و تحس إنها بتعاقبك لإنك قبلت تسيب حبيبك!
أحس "غزال" بحاسته السادسة _كما يسميها_ أن "معاذ" يقصد نفسه تحديداً بالجملة الأخيرة و كاد أن يصدمه بسؤال ماكر إلا أن "أسماء" ضيعت عليه فرصته حين جاءت لهما و معها مشروبات باردة و قطع من الكيك المحلى .
و لكن لا بأس فهو له طرقه مع صديقه و سيعرف منه عاجلاً أم آجلاً باقى التفاصيل ، عليه فقط أن يصبر قليلاً بعد.
☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
تمشت "أثير" برفقة صديقتها فى أرجاء مركز التسوق القريب من منزليهما ، بعد أن أذن لهما آباؤهما بالذهاب لشراء الثياب التى ستحصر بها ذاك المعرض.
توقفت "روفان" أمام إحدى الملابس المحتشمة و قالت بحماسة مفرطة :
_ الله! الأدناء ده روعة ، و هيبقى شكله تحفة عليكي.
ظهرت الحيرة على "أثير" قائلة بلا إقتناع :
_ إنتى بتبالغي يا أوفا ، لونه فاتح و أنا عايزة حاجة غامقة!
_ أوك يا بنتى مقلناش حاجة ، أدينا بندور.
قالتها "روفان" سريعًا و هى تجول بنظرها فى البضائع المعروضة ، و فجأة صاحت برعونة :
_ لقيته هو ده ، الرصاصي هادى و فى نفس الوقت شيك!
انتفضت "أثير" فى مكانها من علو الصوت ، ثم زجرتها بنظرة تحذيرية و وبختها بحنق :
_ وقعتي قلبي الله يجازيكي.
تلفتت حولها تتأكد من عدم ملاحظة البائعين لهما و أكملت تأنيبها:
_ لو الناس سمعوكي يقولوا علينا إيه؟ قولتلك ألف مرة تركزي و توطي صوتك!
زمت "روفان" شفاهها بتذمر هاتفة :
_ يوووه ، مخدتش بالي إن صوتي علي!
اغتاظت "أثير" منها و قالت يائسة :
_ أديه علي تاني! عليا النعمة مافيش فايدة منك!
تجاهلتها "روفان" قائلة و هى تشير لأغطية الرأس :
_ بصي الخمار ده هيليق مع الأدناء.
ركزت "أثير" نظراتها على الخمار و الأدناء ترى بعين خاليها مناسبتهما لبعضهما ، و دعمت رأى صديقتها بقولها الهادئ :
_ فعلاً مناسبين لبعض ، و ألوانهم مريحة .
_ يعني هتشتريهم؟
_ أه هشتريهم عشان حلوين قوى.
و بعد نهاية جولة التسوق و هما تخرجان من الباب الزجاجي الذى يفتح أوتوماتكيًا ، قالت "روفان" متسائلة بحماس :
_ المعرض خلاص قرب ، هيكون آخر الأسبوع ده.
توترت "أثير" و ردت بقلق :
_ أيوة ، باقي عليه يومين بس.
_ مالك يا أثير قلقانة كدة؟
_ حاسة بحاجات كتيرة ، قلبي بيقولي إن هيحصل حاجة هتقلب الموازين كلها.
نطقتها "أثير" بارتجاف و هى تشير إلى والدها ليقترب بالسيارة منهما .
وضعت كلتاهما المشتريات بالحقيبة الخلفية للسيارة لتغلقانها و تركبا السيارة .
ناظرتها "روفان" و حاولت دعمها ببعض كلمات دافئة :
_ مش يمكن تكونى بيتهيألك؟
و فوراً نفت "أثير" برأسها و قالت بإيمان شديد :
_ لأ ، إحساسي عمره ما كذب.
أدخلت "روفان" الشاليموه فى علبة العصير لتقدمها لها بلطفٍ و على وجهها ابتسامة رفيقة :
_ أتفائلي بالخير تلاقيه ، و لو إحساسك صح جايز يكون إللى هيحصل يغير حياتك للأحسن ، مين عالم إيه مخبيالنا الأيام؟
_ الله أعلم بقى!
انتظر "نديم" بصدر رحب إنتهائهما من الحديث و أبى أن يقاطعهما ، ليسألهما بعد أن لازت كل منهما بالصمت :
_ جيبتوا كل حاجة محتاجينها؟
و نظر إلى ابنته عبر المرآة يحذرها بمرح :
_ مش عايز يحصل زي كل مرة و تجيبونى على ملا وشي من الشغل عشان طلباتكم!
قهقهت الإثنتان ، لتقول "روفان" بظرافة :
_ قول كلام غير ده يا عمو ، دا احنا كيوت خالص.
بينما اكتفت "أثير" بقول رزين :
_ إطمن يا بابي ، منسيناش حاجة الحمد لله.
رفعت يدها إلى قلبها المضطربة خفقاته و لا تعلم السبب.
ربما السبب هناك ، فى المعرض.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
_ ها يا غزال! عرفت حاجة عن المعرض بتاع الكتاب؟
سأله "معاذ" باهتمام بليغ ، و أصغى إليه لما شرع يروي له ما فى جعبته :
_ أه ، صاحبي إللى قولتلك عليه ، إللى عطاني الرواية ده فاكره؟
و سريعًا قال "معاذ" :
_ أيوة فاكره ، هى دي حاجة تتنسي؟ كمل.
إرتشف "غزال" بعضًا من فنجان القهوة التى قدمته "أسماء" والدة معاذ قبل أن تتركهما و كلها فضول ، و استرسل حديثه ب :
_ كل شوية كنت بسأله عن المعرض و يقولي لسة بدري أو معرفش ، لحد أما روحتله النهاردة و قالي فاضله يومين .
انتشرت علامات السرور على وجه "معاذ" من سماعه لهذا الخبر المبشر.
ليفاجئه بوقوفه شاكراً له أتعابه:
_ بجد شكراً يا غزال ، متعرفش إللى عملته عشاني مهم ليا قد إيه!
جاء رد "غزال" عليه كله ذوق و ود :
_ العفو يا بني، إحنا أخوة مش مجرد صحاب!
ثم أردف بمحبة صافية من أى نفاق أو رياء :
_ محدش عارفك أو فاهمك قدي ، عشان كدة ساعدتك ، لولا إن الموضوع ده مهم ليك مكنتش اهتميت ، لكن إللى يهمك يهمنى و سعادتك من سعادتي.
تبسم "معاذ" بانشراح و شعر أن له سنداً آخر فى هذه الحياة بعد والده بارك الله فى عمره ، ليجذبه ضامًا إياه و قائلاً براحة و تقدير لإحساسه المرهف :
_ تسلم يا غزال، فعلاً و نعم الصاحب!
_ مبراحة عليا شوية، كدة هتخنق و هيبقى زي ما بيقولوا و من الحب ما قتل!
مازحه بها "غزال" ضاحكًا و عيناه تضيآن كاللألئ ، ليبعده "معاذ" بتكشيرة مفتعلة تعلو محياه المنير ، ممثلاً الضيق بقوله الحاد:
_ طيب إنصرف بقى ، عايز آخد و أدى مع نفسي!
_ إنت بتطردني؟!!
نطقها "غزال" راسمًا على وجه تعابير الصدمة ببراعة.
قهقه "معاذ" من جودة تمثيل صديقه ، ف رد عليه بمرح :
_ أه بطردك ، عندك مانع؟!
بادله "غزال" مرحه بإجابته ذات اللمحة الكوميدية:
_ لأ معنديش ، و هو أنا أقدر أمانع بردو؟!
راقب "معاذ" إنصرافه ليستعيد صورتها بين راحتيه و يحدثها كما أعتاد فى السنوات الماضية :
_ يا ترى هنرجع نجتمع تاني و لا اتكتب علينا الفراق للأبد؟!
و لكن نصف روحه يقول له ربما لن تكون هى ، و النصف الآخر الذى تركه معها يوم رحيلها يخبره أنها ستكون هى.
سعيد هو ... بل إنه يشعر أنه أوفر الناس حظًا.
أخيراً سيراها رأى العين و يشعر بوجودها معه بعد طول غياب ، سيملئ أذنيه بصوتها و لكنه أبداً لن ينظر لها فهذا مستبعد نهائيًا فى قواعده التى يضعها فى تعامله مع النساء ، أما ضميره فهو يؤنبه تأنبيًا شديداً على إفصاحه بحبه لها أمام رفيقه ، كان عليه أن يصبر و يعترف لها بنفسه حينما تصير حلاله و يصير حلالها.
و رغم أنه لن يطالع ملامحها إلا أنه سيتعرف إليها بطريقة خاصة ..... خاصة بهما
و لا يعلمها سواهما.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
علقت "أثير" ثوبها و خمارها فى الخزانة فطالعها صندوق قديم تضع فيه كل ذكرياتها ، و بدون إرادة منها أخرجته لتضعه على السرير و تفتحه بمفتاح صغير.
أول ما ظهر لها كان ابتسامته البريئة فى صورته تلك.
ابتسمت لمجرد رؤيتها و قالت بنبرة عاطفية :
_ أحلى حاجة بتحصلي كل يوم إني أشوف ابتسامتك دي حتى و لو فى صورة!
ضمت الصورة إلى أحضانها و غامت عيناها بالدموع و أردفت بتوجس :
_ خايفة من إحساسي ده ، معرفش إيه هيحصل فى المعرض ، حاسة قلبي هيقف من غير سبب!
شهقت ببكاء تجهل أسبابه و راحت تغمغم بحيرة شديدة :
_ ربنا واحده إللى يعلم ممكن يحصل إيه ، مش يمكن ن.... نتقابل؟!
تسائلت بخفوتٍ و يقين هى نفسها تستغربه :
_ ساعتها هعمل إيه؟ مش هقدر اقولك حاجة و مش هسمحلك تقول حاجة تشيلنا بيها ذنوب أو تلوث حبنا النقي!
تركت صورته فى الصندوق و أخذت تتفقد باقي الصور التى تخصها هى و الذى التقطها هو لها بكميرتها بوضعيات مختلفة و لطيفة و بعد إنتهائها أعادت الصندوق مكانه و رتبت كل شئ به و لكنها تركت مشاعرها مبعثرة و مشتتة .
ألقت برأسها على الوسادة لتنام بعد عناء فى التفكير بما سيحدث فى معرضها.♡♡♡♡♡
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
رواية اوركيديا الفصل السادس 6 - بقلم نورهان ابراهيم
أيام المعرض تمر بسلام إلا من قلق يطفو على ملامح "أثير" من حين لآخر ، و ها قد أتى موعد حفلة التوقيع الذى حددته هى و أعلنت عنه للقراء ، و الذى نغص عليها إتزانها النفسي طيلة الأيام الماضية.
تأنقت و أرتدت ثوبها الجديد الواسع و المحتشم ، هندمت مظهرها المتألق ، و خرجت بكل ما بها من شتات قاصدة مكتب والدها و الذى تشكو إليه كلما أصابها إحباط أو فشل .... أو خوف كما تحس به الآن يغزو أوصالها المرتعدة.
رفع "نديم" رأسه ينظر لها باهتمام يترقب كلماتها التالية :
_ بابي ، عندك وقت ليا ؟ مافيش حد غيرك بيفهمنى و يفيدني ... و كمان برتاح لما بكلمك!
فرد ذراعيه لها لتلقى بنفسها بين أحضانه الدافئة و التى دومًا ما كانت تخفف عنها الكثير من منغصات الحياة ، و قال لها بحب أبوي :
_ دايمًا فى وقت لحبيبة باباها !
ثم سألها يريدها أن تفضفض له همها :
_ إيه إللى مزعلك يا عيوني؟!
رفعت إليه عينان متوترتان و قالت بتورية :
_ خايفة قوى من المعرض يا بابي و حاسة إن فى حاجة هتحصل!
تذكر "نديم" أنه سمع بعض كلمات من هذا القبيل عندما كانت تحادث صديقتها فى سيارته و لكنه وقتها لم يهتم كثيراً ، قطعت أفكاره و هى تستكمل بضياع و تعب :
_ حاسة إن فى نار فى دماغي ، حساها هتنفجر و بتضايق لأبسط حاجة و بحس إنى تايهة على طول ، ده كله غير الرواية إللى المفروض تخلص و أنا فى كلمات على طرف لساني و مش عارفة أكتبها ، و كمان الأحداث مش عارفة أجيب أحداث جديدة تشد القراء و تناسب اسلوبي ، و بقيت شايفة الكتابة زي واجب المدرسة إللى فرض عليا مش إختيار!
ربت "نديم" على خدها بتفهم و وضح لها وجهة نظره :
_ إنتى بتضغطي على نفسك ، سيبي الأحداث تيجي براحتها بعدين الرواية دي مش هتتسلم غير السنة الجاية و انتى بالفعل سلمتي روايتك التالتة دي إللى اسمها ....
فشل فى تذكر الإسم ، فضحكت و أخبرته هى :
_ معًا إلى الجنة يا بابي ! دي حتى إسمها سهل!
و أنبته على نسيانه لروايتها :
_ يعنى دي لو كانت قضية من القواضي بتاعتك يا سيادة القاضي مكنتش نسيتها!
ضحك "نديم" و قال بمرحه التى اعتادته فهما ليسا أبًا و ابنته فحسب و إنما
صديقين متفاهمين :
_ أه يا براوية إنتي!
و بنبرة فضولية و إحساس صادق سألها :
_ فى حاجة تانية غير الكتابة عايزة تسألي عليها؟!
_ لأ يا بابي ، هو ده بس.
قالتها كاذبة عليه و مخفية باقي الحقائق عنه و هو يعلم هذا و لكنه أحترم خصوصيتها و فضل مجاراتها بقوله الحنون :
_ طيب يا أغلى حاجة فى دنيتي ، يلا اسبقيني على العربية عقبال ما اجيب شوية أوراق للقضية الجديدة و احصلك.
رفعت مستوى حاجبيها بتعجبٍ و ردت بلا تصديق :
_ إى ده ؟! إنت هتوصلني؟! كدة هتتأخر على جلسة المحكمة !
ثم ضحكت بلطافة و هى تتخيل :
_ هتدخل موسوعة جينيس ، و هيكتبو بالبنط العريض "قاضى يتخلف عن موعد جلسته فى سابقة لم تحدث من قبل" .
قرص "نديم" وجنتها برفق و قال بضحك :
_ مش قولتلك براوية! و كمان مشاغبة! مكنتيش كدة و إنتى صغيرة إيه إللى غيرك؟
_ و بتسأل يا بابي؟! دي أوفا تغير بلد بحالها مش انا بس!
_ طيب يلا قدامي ، كان زمانك ركبتي العربية و مشينا !
_ حاضر متزقش!
جرجرت قدميها بكسل و سارت بخذلان من نفسها فهذه هى أول مرة تدخل فيها المكتب مهمومة و تخرج و معها همومها إضافة إلى ضيقها من نفسها على كذبتها تلك.
فهناك بعض الأمور لا يقدر الإنسان على إفشائها لأى أحد حتى أقرب الأقربين و أحن المحبين و يظل يحملها معه حملاً ثقيلاً يهد كتفيه و يضعف قوته ، ليصير من الداخل متزعزاً و واهنًا لا يملك أرضًا ثابتة يقف عليها.
♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧☆☆☆☆☆☆♧♧♧♧♧♧♧◇◇◇◇◇◇
إرتدى "معاذ" حلة رسمية راقية متألقًا فى أبهى صوره ، و على وجهه أوسع و أصفى ابتسامة ، فهو على عكسها كان ينتظر بشوق انتهاء اليومين الماضيين ليلقاها بعد كل هذه الأعوام من الفراق ، يكفيه أن يشعر قلبه بها ، و تعود إليه نصف روحه التى فارقته بفراقها ، و تعود الألوان تزين أيامه بعدما بهتت كلها فى عينيه .
طالع صورته المعكوسة بتباهٍ حسن ، و أثنى على نفسه بكلماته المازحة :
_ الله عليك يا معاذ! دايمًا ملك الأناقة و الكاريزما!
= يا لاهوى على الغرور!
قالها "غزال" من ورائه بسخرية مربعًا ساعديه و على وجهه علامات التحدي الممزوج بالمرح .
ليلتفت له "معاذ" قائلاً بتهكم :
_ محدش طلب رأيك ، بعدين أنا واثق من نفسي مش أكتر!
رفع "غزال" حاجبيه الأيسر و واصل مزاحه :
_ بهزر يا رمضان إيه مبتهزرش؟!
جلس "معاذ" على طرف سريره ليرتدي حذاءه الأسود اللامع ، ليقول بعدم تركيز فعلقه ليس معه تمامًا :
_ لأ يا خفيف ، مش وقت هزارك خالص !
تلاعب "غزال" بحاجبيه ، و أضاف ينتشله من أحلام اليقظة التى يغرق بها :
_ أه ، عارف ، ده وقت اللقاء الموعود بسيندريلا!
أحس "معاذ" بالضيق من صديقه ، فهو أصبح يتساهل معه فى الحديث عنها ، ف نهاه زاجراً :
_ مليكش دعوة ، شايفك بقيت بتتكلم عنها كتير ، اتلم احسنلك.
لاحظ "غزال" غيرته على محبوبته بسهولة ، فتراجع بقوله :
_ اهدى يا عم ، خلاص مش هجيب سيرتها لو ده يريحك!
_يستحسن برضو.
كانت آخر كلمات "معاذ" قبل أن يتخطاه خارجًا من الغرفة و هو لا يطيق صبراً للقياها.
فكل أمنياته توشك أن تتحقق أمام عينيه.
...........
وقفت "روفان" على الرصيف تمد بصرها عن جانبي الطريق و حين رأت السيارة تقبل نحوها ، هللت بحماس :
_ أنا جاية معاكم!
توقفت السيارة إلى جوارها ، لتمد يدها و تفتح الباب و من ثم تركب مغلقة إياه برفق ، فصدمها مظهر "أثير" المرتبك بوجهها المصفر كاليمون و يديها التى تفركهما ببعضهما و تشبكهما و من ثم تفكهما و كررت هذه العملية المتواترة طويلاً ، مما دفع "روفان" لسؤالها بجزعٍ :
_ مالك يا بت ؟! زي ما يكون رايحة تموتى؟! المفروض تكونى هتطيري من الفرحة!
_ نفس الإحساس يا أوفا بيق*تلني!
قالتها "أثير" برجفة و عيونها متلألأة بالدموع .
أخذتها "روفان" فى أحضانها تطبطب على ظهرها بحنان و تقول لها بتفهم :
_ معلاش يا حبيبتي ، أنا حاسة بيكي لكن مش بايدي حاجة اعملها.
لم تفصل الحضن و هى تضيف باقتراح :
_ لو عايزة ممكن نرجع ، و بلاه مرواحك!
هزت "أثير" رأسها رافضة رفضًا قاطعًا :
_ لأ ، مش هينفع ، أنا وعدت القراء و لازم أكون عند وعدي ، مينفعش خالص يحضروا بناءاً على كلامي و بعدين ميلاقونيش!
اخرجتها "روفان" من حضنها و سلطت أنظارها إلى أعماق عينيها و حاولت بعث الثقة إليها ، بكلماتها المشجعة :
_ مادام كدة ، سيبها على الله و هو يحلها من عنده ، و إنت ملتزمة مع ربنا أكيد مش هيخذلك و الرسول صلى الله عليه وسلم قال فى حديثه الشريف : ((تعرَّف إلى الله في الرخاء يَعْرِفْك في الشدة)).
هنا و فقط ابتسمت "أثير" بشئ من الراحة لمجرد سماع سيرة النبي "صلى الله عليه وسلم " و أزالت الدمعة التى سقطت على خدها و شحنت قواها قائلة بعزم :
_ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الحمد لله بقيت تمام.
مسحت "روفان" على خدها بحب ثم أهدتها عليه قبلة ، لتردد و هى ترى فى صديقتها التأثير الطيب لكلماتها :
_ الحمد لله ، ألف حمد و ألف شكر.
........
بعد مدة ، فى معرض الكتاب
و على كرسيها المخصص كانت تأخذ نسخ روايتها من الأشخاص الذين قاموا بشرائها و توقع عليها بإسمها ، و على محياها ابتسامة مهزوزة ، لم تعلم ما هى أشكال أو أعمار من توقع لهم و لم تتبين النساء من الرجال ف فكرها شارد فى هوة أفكارها المضنية.
تشعر باختناق عجيب و بغصة تقف وسط حلقها تصعب عليها البلع ، و كأنما "روفان"
أحست بها و بما تعانيه لتخبرها و هى تقف من جوارها :
_ أثير وشك لونه مخطوف، هروح أجيب عصير أو أى حاجة باردة تشربيها.
إلتفتت لها "أثير" و قالت بصعوبة :
_ ماشي ، بس متتأخريش.
_حاضر يا قلبي مش هتأخر.
ردت بها "روفان" و هى تربت على كتفها تطمئنها قدرما تستطيع ، لتحمل حقيبها و تعلقها على كتفها حتى تبحث عن أى مشروبات تحتسيها.
.............
و على بعد أمتار من هنا ، كان هو يتلتف حوله بحيرة لا يعلم مكانها بالتحديد ، أضطر أن يوقف أحد السائرين و يريه الكتاب سائلاً بلهفة :
_ الكاتبة دي ، متعرفش بتوقع للقراء فين ؟!
أشار له الرجل إلى ناحية معينة يتجمهر بها العشرات ملتفين حول كرسي ما ، فاقترب بقلب ملهوف و ولهان ، ظهر له طيفها نصب عينيه ، إنها هناك ، الحبيبة الغالية على بعد خطوات منه.
خف الجمع من حولها ، لتبدو له هيئتها أكثر وضوحًا و ما أراحه حقًا هى ثيابها الساترة ذات الألوان الهادئة ، و خمار رأسها الطويل ، تمامًا كما تخيلها.
سأل نفسه متى أرتدت الحجاب؟ لا بل الخمار؟
و لكن لا يهم ، المهم الأن أنها حقًا حبيبته التى قام بتحفيظها القرآن و الحمد لله لم يضيع تعبه هباءاً و أيضًا لم تضيع هى.
و فجائيًا نشبت الغيرة فى قلبه ، لمرآه لشابٍ ما يحدق بها بهيامٍ و يسبل جفونه كالأبله!
كيف ينظر هذا الشاب إليها بتلك النظرات المعجبة؟ و هو الذى يحرم نفسه من رؤية قسماتها التى اشتاقها حفاظًا عليها و على عفة قلبه.
كيف يقوم بهذا الفعل الجريئ؟
أما "أثير" فهى غافلة تمامًا عنهما لأن معاذ يقف بعيداً قليلاً عنها و أما الشاب يقف أمامها و هى تغض بصرها عنه فلم تلحظ تطلعاته إليها .
ماذا يفعل الآن؟ لا يريد أن يثير الشكوك حولها أو أذيتها إن تدخل و فى نفس الوقت يحترق كالبنزين المسكوب على نار متأججة ، أنتظر و كله غيظ و غيرة أن يذهب كل الناس و آخرهم هذا الشاب السمج ، ثم تقدم منها مندفعًا و ثائراً و بلا مقدمات قال بصوته المغتاظ :
_ أوركيديا!
خفق قلبهما بقوة حتى بلغ عنان السماء ، و ارتعشت يداها لتسقط روايتها على الأرض و هى فى قمة إنفعالها و توترها ، توقف عقلها لثوانٍ و هى لا تدري كيف تتصرف!
إنه هو صديق الطفولة و أحن البشر عليها منذ الصغر ، و أيضًا حب الصبا و الذى لم تدركه إلا متأخراً ، أفاقت أخيراً من تلاتطم أفكارها.ح
حان الآن موعد وفائها بوعدها الذى قطعته على نفسها حين تقابله، لن تترك له زمام الأمور لن تجعله يحملها سيئات و هى حتى لا تعلم أنه غض طرفه عنها حفاظًا على عفتها و خضوعًا لتعاليم الإسلام فلا يجوز له أن يستبيح النظر إليها و هى ليست حلاله بعد و لكنها سيتصير فى المستقبل بإذن الله.
و كان هروبها مفاجئًا له تمامًا كهروب سيندريلا ، باختلاف أنها لم تُسقط فردة حذائها السحري و إنما تركت له رواياتها ملقية على الأرض
و هو يقف مزهولاً و كأنما تمثال من طين لا يملك حراكًا و لا قدرة على الحديث..
فقد تأكدت أحساسيه كلها و صدق حدسه ، إنها فعلاً هى "أثيره" و إلا لما كانت ردة فعلها هكذا عندما نطق لقبهما ، نفض عن رأسه الشرود و فكر أن يلحق بها و لكنها مع الأسف كانت قد اختفت.
..................................☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆ ................................
قبلها بدقائق انتهت "روفان" من شراء علب العصير ، و سارت بتمهل تنوى العودة إلى صديقتها و قد أصيب قلبها بوخذة غريبة ، لتصتدم بدون قصد بشخص ما ، تأسفت بحرجٍ و هى تمنع عيناها عن معرفة هويته :
_ آسفة جداً ، مخدتش بالي.
و فجأة تذكرت أنها كانت تسير ببطئ ، إذاً ليست هى المخطئة و الذنب كله يقع على من اصتدم بها ، لتتحول لهجتها إلى الحدة حين قالت موبخة :
_ أنا بتأسف ليه ؟! إنت أو إنتي السبب ، ناس عجيبة صحيح!
أنفجر "غزال" مقهقًا على تحولها السريع و ردود أفعالها المتناقضة ، فعلمت أنه رجل مما جعل وجنتاها تحمران بخجلٍ و هى تسرع فى خطواتها هاربة .
و كأن من نصيبها أن تصطدم بالأشخاص كثيراً فى هذا اليوم ! حيث اصتدمت بها "أثير" و هى تنهج بقوة و رئتيها تكادا تتوقفان عن التنفس .
اتسعت عيون "روفان" و قد ذاب خجلها تدريجيًا لتسألها بنبرة قلقة و فضولية :
_ مالك يا بت ، إنتى شوفتي عفريت و لا آيه؟ مش سايباكي بتوق......
لم تدعها "أثير" تكمل أى حرف إضافى ، لتشدها من عضدها و تسحبها وراءها تكمل وصلة ركضها ، و حدثتها بنهجانٍ :
_ مافيش وقت ، لازم نمشى حالاً ، بعدين اشرحلك.
انقادت "روفان" خلفها بلا تبرمٍ ، فما بيديها حيلة كى تفعلها ، فلتسايرها الآن ثم ستعرف ماذا جرى فى أجواء أكثر هدوءاً من هذه.
تابعهما "غزال" رافعًا حاجباه بذهول ، فهذه أول مرة يشاهد فيها فتاتان ترتديان تلك الثياب الواسعة و الطويلة و تركضان بها ، رغم كونها غير مناسب للمشى السريع فكيف بالركض الماراثوني هذا!
_ ضاعت منى تاني!
لفظها "معاذ" مع زفرات يائسة ، و حاله أصبحت بائسة بعد أن كانت السعادة تقفز من عيونه و الحيوية تحتله .
أشار "غزال" إلى ناحية ركضهما و سأله بلا تصديق :
_ هى فى الإتين دول؟!
تهدل كتفي "معاذ" شاعراً بالفشل و أجابه بصوت خامل :
_ أه ، إللى لابسة رصاصي!
سانده "غزال" ببعض كلمات داعمة :
_ خلاص ، المهم إنك اتأكد إنها هى و الباقى أمره سهل.
إنتبه له "معاذ" يتهافت على أى معلومة توصله لها ، قائلاً :
_ يعني إيه؟! هتقدر تساعدنى ألاقيها؟!
و بكل غموض قال "غزال" :
_ قول بس إن شاء الله ، و متقاطعش.
لا بأس فقد انتظر سنينًا ، فلماذا يشعر أن صبره نفذ ، مضى الكثير و لم يبقى إلا القليل.
...............
رواية اوركيديا الفصل السابع 7 - بقلم نورهان ابراهيم
_ بصي بقى ، أنا سكت يوم حفلة التوقيع بتاعتك و انتي بتجر*جري فيا زي البهيمة و مسألتش ، دلوقتي بقى هتحكيلي بالتفصيل الملل إيه إللى حصل بالظبط و خلاكي تهربي زي حرا*مي الغسيل؟!
بدأت بها "روفان" وصلة تحقيقاتها بكل غيظٍ و هى تطالعها بنظرات المحقق (كرنبو) .
تلجلجت "أثير" و شحب لونها و هى تنفي بشدة :
_ لأ ... مح ... محصلش أى حاجة .. خ ... خالص.
زفرت "روفان" بضيق و قالت بتبرمٍ :
_ بلاش تلفي و تدوري عليا ، و من غير مناهدة كدة هتقوليلي كل حاجة زي الشاطرة.
اكتسى وجه "أثير" بحمرة الغضب ، من هذه النبرة التحكمية فى شؤونها الخاصة ، وقفت من فوق سريرها لتث*ور خصلاتها بفعل نسمات الهواء الليلية ، و هى تشير بسبابتها محذرة :
_ إلزمي حدوك يا روفان!
شعرت "روفان" بالإهانة من كلماتها و قالت تؤنبها :
_ حدودي؟! إللى أعرفه إن مافيش حدود ما بينا ، و إن كل واحدة مبتخبش أى حاجة عن التانية.
و قررت الإنسحاب من الغرفة بل من المنزل بأسره و هى تردد بمرارةٍ و خذلان :
_ لكن يبدو إن ليكي حسبة تانية ، على العموم أنا ماشية و آسفة لو أزعجتك و أوعدك مش هتعدى حدودي تاني .
أغرورقت عيون "أثير" الزرقاء بالدموع ، و أدركت حجم خطئها غير المقصود لتمسكها من يدها مانعة إياها من المغادرة و متأسفة منها بقولها النادم :
_ أنا إللى آسفة ، لكنى و الله مش قادرة أحكى مع إنى هطق من جوايا و الحمل تقيل عليا ، بس و الله مش هقدر أفضفض بسهولة كدة.
لم تستطع "روفان" مقاومة إحساسها بالإشفاق نحوها و قلبها يتمزق حزنًا على ما آلت إليه الأمور ، و هى جاهلة تمامًا بمصابها ، فضمتها إلى أحضانها تمسح على شعرها المتمرد تمامًا كصاحبته .
و الآن سمحت "أثير" لنفسها بالإنفج*ار فى البكاء حتى شاركتها "روفان" تبكي على حال صديقتها المثير لعواطفها الحنونة ، فزادت من ضمها و هى تقول مهدئة :
_ كفاية عياط يا حبيبتي ، و الله بتقطعي قلبي.
هما دومًا هكذا ، لا يخلوا يومهما من الشجار و لكن لا تلبث أن تعتذر إحداهما أو تمرر الأخطاء لصاحبتها و لكنهما أبداً لا تتركان اليوم ينتهى و بينهما خلاف دون حله و مناقشته.
و هذا أحلى ما فى صداقتهما السليمة ، و التى دامت لسنين طويلة ابتداءاً من السنة الثانية فى الإبتدائية و حتى السنة الثالثة فى الثانوية و سوف تدوم بإذن الله فى السنوات الجامعية التى بدأت منذ أيام قليلة.
قامت "روفان" بفصل الحضن برفقٍ و هى تهتف كى تلهيها عما يحزنها :
_ يا نهار أبيييض ، قاعدين بنعيط زي الأفلام الهندى و سايبين مذاكرتنا ، هو ده إللى اتفقنا عليه عشان ناخد الأمتياز من أول سنة؟!
انتبهت "أثير" أخيراً إلى دراستها التى أهملتها منذ البداية و تلك المحاضرات المتراكمة عليها ، و شغفها قد دفن تحت حزنها و قلقها ، فعبست بحزنٍ و هى تهمس نادمة :
_ فعلاً ، إزاي اسيب مذاكرتي كدة؟! أنا حتى نسيت كل المحاضرات إللى أخدتها!
جذبتها "روفان" بنعومة و أجلستها على السرير و هى تقول لها بنبرة شغوفة :
_ و لا يهمك خالص ، لسة قدامنا الوقت كله ، أنا ذاكرت كل المحاضرات و مُستعدة أشرحها ليكي لو حابة!
نظرت لها "أثير" بامتنان ، لترد سريعًا :
_ يا ريت و الله.
_ طيب ، نبدأ ب بسم الله الرحمن الرحيم ، عشان ربنا يبارك لنا.
قالتها "روفان" بنبرة حماسية و هى تتناول الكتب من "الكوميدينو" و ترصها بينهما لتشرعا فى استذكار الدروس الفائتة حتى تكونا على استعداد لتلقى باقى المحاضرات باستيعاب أكثر للمعلومات.
.............💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜
فرد "غزال" ذراعيه على الأريكة الجالس عليها مبادراً الحديث :
_ أول ما خرجوا من المعرض .. قصدي جريوا ، ركبو عربية كدة و لما استقصيت عنها عرفت إنها عربية والدها إللى شغال قاضي فى محكمة ال (.....) ، و هما ساكنين قريب من المحافظة دي إللى كان فيها المعرض .
سأله "معاذ" و قد ظهرت عليه علامات الذهول :
_ هااا؟! إنت بتقول قاضي؟!
رفع "غزال" حاجبيه بتعجب و قال بشكٍ :
_ ليه ؟! هو إنت مكنتش تعرف؟!
نفى "معاذ" قائلاً :
_ لأ و الله ، معرفش.
_ مش عارف إزاي حبيت واحدة و إنت متعرفش عنها حاجة ، لأ و كمان مدورتش عليها بعد ما سابت المدرسة و لا تعرف حتى هى ساكنة فين ؟!
قالها "غزال" ضائقًا منه و منكراً لجهله غير المُبرر.
تنهد "معاذ" بألمٍ و قال آسفًا :
_ لما هى مشيت كنت أنا لسة صغير يادوب ١١ سنة و هى كانت ٧ سنين ، عشان صداقتنا مكملتش غير سنة واحدة و بعدين حصلتها الحادثة إللى قولتلك عليها و من يومها و أنا معرفش ليها طريق و لا أى معلومة.
أغمض عيونه مردفًا :
_ حاولت كتير أوصل لها بس فشلت ، بعدين لما بدأت أكبر عرفت إن مافيش صداقة بين ولد و بنت لإنه لا يجوز شرعًا و باباها وافق على صداقتنا عشان كنا صغار ، و أنا نويت إنى مش هدور عليها غير لما أخلص دراستي و أكون نفسي ، لكن إللى غير ده كله روايتها إللى إنت جبتها ليا يوم التخرج.
ختم حديثه بزفرة حارة ، ثم طلب منه بقوله
الملهوفٍ :
_ عايز عنوانها بالتحديد.
شبك "غزال" أصابعه معًا و هو يهمس بمكرٍ :
_ هديك العنوان بشرط.
إكفهر وجه "معاذ" ، و تأفف قائلاً بغير رضا :
_ قول يا اخويا ، مانت مبتديش حاجة لله!
و بنبرة أخوية ناصحة حاوره "غزال" :
_ هديك كل المعلومات إللى تفيدك بس لازم تتقدم لها ، عشان إللى زيك و زيها ملهومش سكة غير حلال ربنا.
رحب "معاذ" بالفكرة بل إنها شغلت تفكيره لأيامٍ حتى قبل اليوم الذى قابلها فيه ، ليقول بتأكيد شديد :
_ هو ده إللى بفكر فيه من فترة ، صاحبك عارف حدوده كويس و عارف إيه الصح و إيه الغلط.
ركز "غزال" رأسه إلى الوراء نحو كفيه المشبكين الذى رفعهما ، و هو يتلو عليه أفكاره الصائبة :
_ حيث كدة بقى لازم والدك و والدتك يعرفوا إنك هترتبط و مش مهم التفاصيل .
كان يقصد بكلمة "تفاصيل" أى شئ يخص حب صديقه.
اقتحمت "أسماء" الغرفة مباغتة إياهما ، مما جعل الدماء تجف فى عروقهما ، و تكلمت بتحفزٍ و صدمة :
_ هتتجوز يا معاذ من غير إذني و لا مشورتي؟!
....💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙
ودعت صديقتها عند باب غرفتها و كأنها لا تقوى حتى على المشى أكثر من هذا ، تشعر بخمول عجيب و جسدها كله هامد ، حتى التنفس يبدو شاقًا عليها ، كيف للحب أن يصل بها إلى هذه الدرجة البائسة؟!
فبداية الحب تكون مشحونة بطاقات إيجابية و تجعل المحبين يرون الكون سعيداً و مزدهراً و ملونًا بألوان زاهية ، ثم الفراق يأتي و يهدم كل هذا ، يترك خلفه حطامًا لمشاعر تثقل القلوب و ذكريات تنهك العقول ، يدمر كل ما بناه يومًا ما و لا يبقى إلا ظلال حبٍ يصارع للبقاء ، حب لازال نقيًا كالماء .
لاحظت "روفان" شرودها الطويل ، فابتسمت فى وجهها قائلة بنبرة لطفية و صادقة لأقصى حد :
_ أثير ، لو حسيتي إنك مُهيأة نفسيًا عشان تحكي إللى تاعبك فأنا موجودة فى أي وقت و فى أي مكان ، حتى لو طلبتيني نص الليل هتلاقيني جاهزة أسمعك و أخفف عنك.
حاولت "أثير" أن تبتسم مراراً و لكنها فشلت فى ذلك أيضًا ، و أخبرتها بحبٍ صافي :
_ إن شاء الله ، أتمنى اليوم ده ييجي فى أقرب وقت.
بدت خيبة الأمل فى نبرتها و هى تردف :
_ ماشي يا حبيبتي ، عايزة حاجة.
هزت "أثير" رأسها بالسلب و أضافت قائلاً بصدق :
_ لأ ، عايزة سلامتك بس.
مازحتها "روفان" فهى تود أن ترى ابتسامتها قبل أن تتركها حتى و إن كانت ستعود إلى جوها الكئيب :
_ طيب أنا أمشى إزاي لما إنتي هتاخدي سلامتي؟!
قهقهت "أثير" بلا إرادة قائلة :
_ فظيعة يا أوفا !
فارتاحت "روفان" ، لتواصل مزاحها ممثلة عدم الفهم بقولها :
_ يعني إيه؟! حلوة و لا وحشة؟!
تقلصت الضحكات حتى صارت ابتسامة صغيرة على وجه "أثير" التى قالت بمشاعر مرهفة :
_ دايمًا جميلة يا أوفا! و أجمل من أى حاجة فى الدنيا .
تحركت "روفان" بعيداً ملوحة لها ، و هى تقول بلطفٍ :
_ إذا كان كدة أوك ، سلام يا حبوبي💜.
_ سلام يا أوفا.
قالتها "أثير" و هى تراها تبتعد شيئًا فشيئًا ، لتغلق الباب بعدها و تستند عليه منزلقة للأسفل و محيطة رأسها بكلا راحتيها و استبد بكيانها التشتت .
فما حيلتها فى هذه المعضلة ؟!
و ما فائدة الأشخاص من حولها و هى لا تستطيع أن تبوح لأى أحد منهم عن سرها الثقيل؟!
فلا هى قادرة على مواصلة كتمانه فى صدرها ، و لا هى مُستعدة لتبوح به لوالدها أو والدتها .... أو حتى أقرب صديقاتها و مستودع أسرارها.
🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡💖💖💖💖💖💖💖💕💕💕💕💕💕💕💕💕
ماذا دهاهما؟! كيف أصابهما الخرس هكذا فجأة ، بعدما كان يتحدثان كالببغاء؟!
ألحضورها كل هذا التأثير عليهما ، لدرجة تشل وعيهما و أبسط قدراتهما الذهنية؟!
نظر "معاذ" لصديقه بتوسلٍ و لم يخيب "غزال" رجاءه الصامت ، ليتنحنح محرجًا و يتولى أمر الرد عليها بدلاً منه :
_ إنتي عارفة يا طنط إن معاذ ميقدرش أبداً يعمل حاجة دون علمك .
غمز "غزال" لمعاذ بخفية ، و هو يكمل بارتباكٍ طفيف :
_ إحنا .... يعني .. كنا بس بنتناقش فى الموضوع و هو اعترفلي إنه مُعجب ببنوتة كدة ، و إنتى عارفاه و عارفة أخلاقه أكتر من أى حد فهو مش عايز يشيل ذنوب من ورا إعجابه ده ، قومت أنا اقترحت عليه يتقدملها ، ده بردو بعد موافقتك يا طنط.
ضيقت "أسماء" عينيها و قالت بنبرة تلميح :
_ آيوة آيوة ، البنت إياها؟!
رفرف "معاذ" رموشه مرتبكًا للغاية ، فيبدو أنه مُلزم بسرد كل تفاصيل حب طفولته.
ملئ صدره بالهواء و أخرجه ببطئ و شجع نفسه حين قال لها بنبرة صادقة :
_ أيوة يا ماما ، هى.
ض*رب "غزال" جبهته من تهور معاذ ، بعدما أقحمه فى الأمر و جعله يخترع من خياله تلك القصة التى حكاها ل أسماء و التى أبداً لن تغفر له فعلته.
واصل "معاذ" اعترافاته من تلقاء نفسه فيكفيه تكتمًا و تخبئة لحبه :
_ الصور إللى شوفتيها تبقى صورها و هى عندها ٦ سنين ، هى تبقى زيملتي فى ابتدائي ، فى البداية كنا مجرد أصحاب لكن الصحوبية دي اتطورت من دون ما نحس و أصحبنا أصدقاء مقربين ، كنت أنا صديقها الوحيد ، كانت بتشتكيلي من معاملة زمايلها القاسية معاها ، و هى كمان كانت صديقتي الوحيدة ، كنت كل يوم بقرألها صورة أو آيات صغيرة من القرآن و هى تجيني تاني يوم و تسمعلي و عيونها مليانة فرح ، فيوم زمايلها آذوها جامد و دفعوها من السلم ، و ده خلى والدها ياخدها و يمشي من هنا و يعيشوا فى محافظة تانية ، كل أخبارها اتقطعت عنى .
نظر "معاذ" لوالدته يرى تأثير ذكرياته عليها فوجدها مندمجة و قد جلست قبالته .
حينما توقف ابنها عن السرد أشارت له بيدها رغبة فى ربط كل الخيوط ببعضها و إكتمال الصورة المشوشة لها .
فرك "معاذ" جانبي عينيه بارهاق و هو يضيف شارداً :
_ و غزال جابلي رواية ك هدية و مكانش يعرف إنها هى و المفاجأة إنها كانت روايتها ، و عرفت موعد حفلة التوقيع إللى هى محدداها للقراء و روحت و اتأكدت بنفسي إنها هى.
تنفس "غزال" براحةٍ فهو كان خائفًا من هذه الجزئية تحديداً ، فلو علمت "أسماء" أنه يعلم كل شئ و يخفيه عنها فسيكون فى ورطة بالغة الصعوبة.
_ هى دي كل حاجة ؟! .... ياريت متكونش مخبي حاجات تانية عنى!
نطقت "أسماء" بهذه الجملة المتشككة فى ظاهرها و لكنها على يقين تام أنه لم يخفى عنها أى شئ .
أبلغها "معاذ" و هو يجهل ما يدور فى خلدها :
_ ربنا شاهد على كلامي ، و إن إللى قولته هو الحقيقة كلها.
وقفت "أسماء" من مجلسها و هى تسأله مستفسرة :
_ أهم حاجة الأخلاق ، البنت دي أخلاقها كويسة و لا إيه؟!
أجابها "معاذ" بتقدير و بتسرع كعادته فى أى شئ يخص محبوبته :
_ لو شوفتيها يا ماما هتوافقي على طول ، لبسها واسع و هى حتى لما روحتلها يوم المعرض مكلمتنيش بحرف واحد ، دي حتى جريت و سابتني مُذبهل!
قال آخر عبارة ضاحكًا ، ليردف موقنًا :
_ صدقيني يا ماما هترتحي ليها و هتحبيها.
صدمه رد والدته الحاد :
_ أنا إللى هحبها برضوا؟!
تنحنح "معاذ" خجلاً و هو يستشعر تلميحها عن حبه لتلك الفتاة ، و لم يقدر أن يتحدث.
بينما "غزال" يفهم كل همزة و غمزة تدور فى حديثهما و لكنه فضل آلا يتدخل ضمانًا للسلامة العامة.
ختمت "أسماء" حديثها الموتر له ، حين تمتمت بتكفير و ظهرت عليها علامات الاقتناع :
_ و ماله ، نروح و نطلب إيدها و كله بما يرضى الله
افترقت شفاه "معاذ" مصدومًا من موافقة والدته و نظر إلى " غزال" الذى بدوره بادله بنظرة اندهاشٍ ، فالأمور تأخذ منحنى آخر ، منحنى أجمل يوحى بمستقبل باهر ............
رواية اوركيديا الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان ابراهيم
_ تيرارا !
دندن بها "غزال" و هو يدخل عليه غرفة مكتبه بدون طرق الباب أو إنتظار الإذن ، فهما قد بدءا معًا تدريبهما كمحاميين فى شركة "سمير الليثي" المحامي الشهير والد معاذ.
رفع "معاذ" عيونه عن الملفات التى أعطاها له والده كى يفهم طبيعة العمل ، و سأله مستغربًا :
_ مالك منشكح كدة؟!
لوح "غزال" بقصاصة ورق في ده و هو يوضح له بمزيج من مكر و نصر :
_ جبتلك رقم والدها.
هب "معاذ" من مقامه واقفًا و سأله بلا تصديق :
_ ده بجد و لا بتهزر؟!
_ أهزر إيه يابني؟ هى دي حاجة فيها هزار؟
اندفع "معاذ" نحوه يحركه حماسه و شوقه لها ، قائلاً بلهفة يتداخل معها الاستعجاب :
_ و جبته إزاي؟
قوس "غزال" شفاهه منكراً ، و قائلاً بنبرة ساخطة :
_ إنت اللى عايش إزاي؟
قلب "معاذ" عينيه ، ناطقًا بتأفف :
_ إيه السؤال السخيف ده؟
رد له "غزال" الصاع صاعين بعبارته الممتعضة :
_ مش اسخف من سؤالك.
رفع "معاذ" حاجبه بحدة و هو يقول بضيق :
_ بمعنى؟!
دفعه "غزال" من طريقه برفق داخلاً ، ثم جلس مكانه على الكرسي مريحًا ظهره و أخذ يتأرجح باستمتاع ، ليجيبه بعد ثواني :
_ عشان جنابك متعرفش أى حاجة فى دنيتك .
اشتعلت فتائل الغضب فى عيون "معاذ" البنية ، تزامنًا مع قوله الحانق :
_ إيه يلا ، انت جاى تهزقنى و لا إيه؟
و أردف بنبرة كلها كبرياء :
_ لو جاي عشان كدة ، اتفضل هويني عشان عندي شغل.
ثبت "غزال" قدميه فى الأرض ، ليلف المقعد فيدور به و ما إن توقف الدوران ، حدثه بنبرة مهادنة :
_ مالك يا عم عصبي كدة ، و روحك فى راس مناخيرك؟!
و سرعان ما اضاف بايجاز :
_ أخدت الرقم من والدك .
ظهر التفاجؤ على محياه و هو يردد بذهول عجيب :
_ بابا ؟! و بابا يعرف رقم والدها منين؟
ضحك "غزال" قليلاً ثم استرسل باسهاب يسأل و يجيب على نفسه :
_ مش قولتلك متعرفش حاجة ، والدك شغال إيه؟ .... محامي مشهور ، مش كدة؟ طيب و والدها شغال إيه؟ ...... قاضي فى محكمة ، إيه الغريب بقى لما والدك المحامى المشهور يبقى على معرفة بقاضي محكمة ؟!
_ آه!
كلمة واحدة قالها "معاذ" بإدراكٍ ، و أوقن أن نظرة صديقه عنه صائبة إلى حد ما ، فكيف لهذا الأمر أن يغيب عن عقله؟ فوالده محامى مشهور تأتيه قضايا شائكة من أنحاء الجمهورية و كان يكسبها بمهارته الفذة و خبراته فى هذا المجال.
أخرجه "غزال" من غمرة شروده معطيًا إياه الورقة و هو يردف باقتراحٍ و تفكير :
_ الرقم معاك أهو ، كدة عندك خيارين الأول إنك تتصل بوالدها و تحكيله كل حاجة من طقطق لسلامو عليكو ، أو تاخد الطريق الأسهل و الأضمن و تخلى والدك يكلمه و ياخد معاه معاد للمقابلة .
استمع إليه "معاذ" بتركيز و انصاتٍ و قد رجح الخيار الثاني بقوله المتمهلٍ به كثير من ترقبٍ ممزوج بوجس :
_ أنا هطلب من بابا يكلمه ، و نشوف فيه نصيب و لا لأ !
اطلع "غزال" على الملف المفتوح الذى كان يدرسه صديقه ، و كلمه بنبرة ملؤها الأمل :
_ تمام ، خير البر عاجله ، و إللى فيه الخير يقدمه ربنا.
.................☺💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
فى كلية الهندسة
فى المدرج
كانت "أثير" جالسة بقرب صديقتها و زرقاويها مثبتتان للأمام ترى الدكتور يشرح لهم و هو مندمج أما هى عقلها شارد فى آخر لقاء معها مع حب طفولتها و الذي لم يدم إلا لدقائق قليلاً ، لم يقل هو فيها إلا لقبهما العزيز على قلبيهما "أوركيديا" ثم بعدها لم تدري كيف حملتها قدماها و كيف ركضت ... لا بل طارت كعصفور جميل طال حبسه فى قفص.
هى أبداً لا ترغب فى لقياه إلا عندما يدخل البيت من بابه و يتقدم لها طالبًا يدها من والدها كالفتايات الغاليات .
لكزتها "روفان" فى كتفها كى توقظها من هذا الشرود الغير مناسب لا للمكان و لا للزمان و هى تهمس لها بحنقٍ :
_ ركزي يا زفتة ، الدكتور هياخد باله ، و إن سألك و مجوبتيش انا مش مسؤولة عن إللى هيحصلك .
و بعيونٍ لامعة كعيون الأطفال استعطفتها "أثير" بصوتٍ رقيق مازح:
_ و أهون عليكي بردو!
لم تؤثر نظراتها و لا كلماتها فى "روفان" القائلة بإباء :
_ و لا أعرفك!
فعلت "أثير" كل ما بوسعها كى تركز فى المحاضرة حتى لا تقع فى مأزق و يحرجها "الدكتور" أمام زملائها و الذين وقتها سيشبعونها سخرية منها و ضحكًا عليه.
و تحكمت قدر استطاعتها بإضطراباتها النفسية و قلقها الغير مسبوق ، و لا تنكر أن هناك جزء منها سعيد بلا مبرر أو سبب ملموس.
............❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣❣
بين بنانه فنجانًا من "النسكافيه" الساخن فهذا هو مشروبه المفضل و الذى اعتاد أن يحتسيه و هو يراجع أوراق قضاياه ، لا يكاد يأخذ قسطًا كافيًا من الراحة فمهنته ك "قاضي" محكمة تحتم عليه التأنى فى كل كلمة يقولها أو حكم يصدره ، فأرواح الناس و مستقبلهم يتعلق بحكمه هو ، و يجب أن يرضى الله فى كل أحكامه ، فهو الذي سيقف بين يدي الله و يحاسب على كل شئ بلا استثناء .
فماذا بأرواح الناس؟
هو يحفظ حديثًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه : «القضاة ثلاثة، اثنان في النار، وواحد في الجنة : رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار 》
ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيره في المفتي ، كما رواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة رضي الله عنها أنها ذكر عندها القضاة فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط }
و هو منذ أن سمع بهذا الحديث الشريف و قلبه يرتجف رعبًا ، رغم أنه يتقى الله فى عمله ، إلا أنه سيحاسب ككل البشر و حسابًا سيكون عظيمًا.
رن هتافه الخلوي الحديث فرفعه على أذنه يجيب بصوتٍ هادئ مريح :
_ ألو ، مين معايا؟
......💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝💝
و على الجانب الآخر كان "معاذ" يقف بقرب والده يكاد يلصق أذنه بالهاتف ليتبين أى حرف تلتقطه أشارة الهاتف .
و كاد "سمير" أن يضحك على تصرفاته الطفولية و هو يزجره بخفوت :
_ كدة مينفعش ، وسع عشان أعرف أكلم الراجل.
و بعنادٍ لذيذ رفض "معاذ" أن يبتعد و هو يقول له ببساطة :
_ كلمه و أنا كدة ، آسف يا بابا بس مش هتحرك.
هز "سمير" رأسه ليس راضيًا عما يفعل و لكنه يستشعر من أفعاله المندفعة و الغير عقلانية تلك حبًا نقيًا و طاهراً ، لذلك هو وافق على أن يحدث هذا القاضي الذي له معه علاقات سطحية لأنهما تعاملا معًا فى بضع قضايا فى الآونة الأخيرة.
و بعدما حياه تحية الإسلام ، تحدث معه بنبرة عملية يمتزج بها الود :
_ أنا سمير الليثي ، المحامي المشهور ، أرجو تكون حضرتك فاكرني!
اتته الإجابة أسرع مما تخيل بنبرة شديدة الترحيب و الحبور :
_ أيوة فاكرك يا سمير ، هو إنت بردو تتنسي ، دا إنت أكتر محامي شوفته بيراعي ربنا فى حقوق الناس و بيتقي ربنا فى شغله..
استراح "معاذ" و راق له رد والدها ، فيبدو أن مسألة زواجه ستكون يسيرة إن شاء الله.
بينما شقت الإبتسامة طريقها مزينة شفاه "سمير" خائضًا فى مراده الأساسي بهذه المقدمة :
_ شكراً لحضرتك ، ده شرف كبير ليا ، المهم كنت عايزك فى موضوع كدة و أتمنى يتم على خير.
استولت كلماته على إنتباه "نديم" ، حيث سأله بكل فضول :
_ أى موضوع ، عايز المفيد يا سمير و بلاش شغل التنطيط بتاع المحاميين دول.
قهقه "معاذ" بدون أن يشعر ، و لكنه تخشب فى مكانه عندما لاحظ تجهم والده ، فالحديث أخذ سياقًا غير محمود أبداً ، ابتلع ريقه متوجسًا خيفة من انتهاء زواجه قبل أن يبدأ.
تطلع إلى والده يرجوه بنظراته أن يرد ، فزفر "سمير" بقوةٍ و أكمل بهدوء ظاهري :
_ عايز أناسبك و أطلب أيد بنتك لأبني.
لم يصلهما شئ عبر الهاتف إلا صمت جعل من خفقات "معاذ" تضطرب و تسجل درجاتها القصوى .
تراه سيرفضه أم سيوافق مبدئيًا على هذه الزيجة؟
إن رفض طلبه فلن يندم فهو اتخذ فى طريقه لها كل سبل الحلال الممكنة ، أولها أنه تخلى عن رؤية قسماتها حفاظًا عليها ، ثم أفصح لوالدته بقصته معها منذ الطفولة و أخفى مشاعره التى تجيش بصدره عن والدته لها ، مروراً بصلاته صلاة الاستخارة ، و أخيراً إخبار والده بقراره فى الإرتباط بها.
و بعد أن احترق قلب "معاذ" بنيران الإنتظار الكريهة ، فاجأهما "نديم" برده الذى لم يظهر به أى تأثير لا إيجابي و لا سلبي :
_ تمام ، هقول لبنتي و هاخد رأيها حسب الشرع و لو قدر الله و وافقت هنحدد موعد للرؤية الشرعية.
توسم "سمير" خيراً و هو يردد قبل أن يغلق الخط :
_ إن شاء الله ، سلام !
و أما "معاذ" أصابته حالة من السرحان المفاجئ و هو يسترجع كل حرف وصله من والدها ، إذاً فهناك أمل فى موافقتهم ، هناك أمل كبير فى أن يصيرا معًا على سنة الله و رسوله.
قريبًا سيكون من حقه أن يطالع عينيها كيفما يشاء .
قريبًا سيسمح لنفسه أن يري كل ملامحها التى كل يوم يزداد بها تعلقًا.
قريبًا سيسمع أنغام صوتها الطبيعية و التى لم تزده الأيام لها إلا شوقًا.
قريبًا سيكون كل هذا متاحًا و حلالاً خالصًا ، فقط لو توافق هى ... كل شئ متوقف على كلمة منها ، و ما عليه إلا أن يتحلي بالصبر .
لم يشعر إلا و والده يضمه ضمًا شديداً و يبارك له بنبرة مستبشرة :
_ مبروك مقدمًا يا بني!
وضع "معاذ" يده على ظهر والده يابدله العناق قائلاً بيقين :
_ الله يبارك فيك يا بابا!
...................💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕
أمامها الحاسوب تنقر عليه كلماتها الخاصة بروايتها التى هى قيد الكتابة و هى تكتب خطر ببالها هذه الكلمات و كأنها تصف شعورها الآن :
☆ بعض الذكريات تبقى فى القلب كالنقش على الحجر ، لا يمكن التخلص منها إلا باستئصال الجيذ الذى تشغله ، و هذا يعنى فقدان جزء من القلب فلا يعود يصلح بعدها لا لضخ الدم أو النبض ، و لربما تخبط فى قفصه الصدري كطيرٍ ذبيح تسحب منه روحه سحبًا حتى يسكن و تسكن بعده الحياة☆
تنهدت بتعبين معنوى و مادى ، فماذا عساها تفعل حيال هذا القلب المشتاق ؟
ماذا تفعل فى دقاته التى تخونها و تزداد كلما تذكرته أو رأت صورته بملامحه الصغيرة آنذاك .
ثم روادها شعور غريب بمعرفة تفاصيل وجهه و هى تتسائل بخفوتٍ :
_ يا ترى شكله عامل إزاي؟ أكيد كبر دلوقتي و بقى عنده شنب و دقن.
ضحكت من سذاجة قولها ، هى تهز رأسها للجانبين و تكمل كتابتها بحروفها التى تتضافر مع كل أمنايتها
فالبطل فى قصتها كان يقول لمحبوبته :
☆☆☆☆ أنا لا أقف أتلفت يمينًا و شمالاً تحت الشرفات
حتى استرق من الحياة معكِ حلو اللحظات
و لا أختلس إلى بهاء وجهك النظرات
بل إنى أدخل البيوت من أبوابها
و سأظل أطرق بابكِ حتى تفتحين
اتظنيني سأكل عن ملاحقتكِ أينما تذهبين؟
لا ما حذرتي خلفكِ حتى تصفحين
فأنا العاشق المشتاق
و كل شئ بدونك لا يطاق
فأعطيني بسمة واحدة تنير وجهكِ
فينعكس نوركِ على وجهي
أم تظنيني لا استحق رؤيتك تضحكين؟
إنى على استعداد لدفع عمري
كاملاً فى سبيل فرحتكِ ، فهلا ترين؟☆☆☆
أغلقت حاسوبها لتغادر السرير و تأتى بالمصلاة و تتخذ القبلة ثم تكبر و تبدأ صلاتها و مع كل سجدة كانت تدعو الله أن يكون من نصيبها و أن يجمعهما معًا فى حلاله ، و أن يقيه شر هذا الحب و يدفع عنها أذاه و طلبت من ربها أن يبعده عنها إن كان فيه شراً لها و أن يوفقه له إن كان فيه خيراً لها.
فهى إعتادت أن تكون غالية الغاليات فلن ترخص نفسها ما حيت ، لهذا لم تتركه يحدثها رغم اشتياق قلبها له و الذى دومًا ما تقاومه و تعاقبه أغلظ العقاب....
يا تراه المستقبل ماذا يخبأ لها فى أيامه تلك؟!!!!!
رواية اوركيديا الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان ابراهيم
طرق "نديم" باب غرفة ابنته و على وجهه أوسع ابتسامة ، فهو موقن أنها ستوافق ما إن تعلم من المتقدم لطلب يدها ، لأنها منذ صغرها لم يخفى عليه إحساسها بالراحة و التعلق الشديد ب "معاذ" ذلك الولد الذى حفر لنفسه مكانًا فى قلبه هو و ابنته ، لمروءته و عفويته و خجله النادر وجوده فى الصبيان ، و التمس بداخله نوراً يكاد يغشى أنظاره ، نور مُستمد من حفظه للقرآن.
أفاق "نديم" من خيالاته لما فتحت "أثير" الباب و عينيها مشتتين شاردتين و ما أحزنه أنهما منطفئتين ، لا يوجد بهما ذلك اللمعان الخاص بهما ، لمعان زرقة الماء و السماء .
تفهم ما تمر به ، فمن غيره سيفهما؟
هى الآن تحتاج لحضن قوي و آمنٍ من أحضانه الرائعة الغنية بعواطف الحب الأبوية كلها ، و تلقائيًا غامت زرقاويها بالعبرات لتدفع مندسة فى أحضانه تطلب أحتوائه و حنانه الذان دومًا يغدق عليها بهما .
و بصمتٍ مراعى لكل تقلباتها المزاجية و حزنها المتصل ضمها "نديم" بذراعيه الحنونتين و ترك لها حرية البكاء كيفما تشاء ، علها تفرغ على صدره كل طاقاتها السلبية !
فالإهتمام لا يطلب و إنما يُحس.
حرك "نديم" كفه على شعرها المتحرر من أى رباط بتموجه الآسر ، و همس لها بنبرة تضم فى ثانياه التأثر :
_ حبية بابي ، مأنش الأوان تقوليلي إيه إللى تاعبك؟
اندست "أثير" أكثر بين طيات "تيشيرته" تخفى تلون وجنتاها خجلاً ، و معدتها أصابها اضطراب لذيذ يدغدغ حواسها ، فهى صارت تميل لفكرة البوح بما بداخلها ، و لكن ما يجعلها مترددة هو ردة فعل والدها ، ترى ماذا ستكون؟
هل سيقابلها بالرفض و الهجوم؟
هل سيسخر منها و ينكر مشاعرها؟
هل سيوبخها على حبها لصديق طفولتها؟
أم تراه كعادته فى كل شئ سيفهما و يقدر شعورها الجياش؟
و لكنها رغم ترددها قالت له بخفوتٍ متوجس :
_ توعدني يا بابي تسمعنى للآخر و متتريقش عليا أو تتعصب؟
ابتسم "نديم" فهو يكاد يجزم بما فى عقلها من أسرار ، ثم حدثها بلينٍ :
_ أكيد يا عمري ، زي كل مرة بتقوليلي فيها سر بحطه فى بير عميق عمقه زي بحر عنيكي و بفهمك و مش بتعصب أبداً منك ، بالعكس بتفرحيني لما بتحكيلي كل حاجة بدون خوف.
ليس الخوف فقط هو عقدتها فى هذا الأمر و إنما الحرج أيضًا ، فى أقصى تخيلاتها لم تفكر يومًا أنها سيأتي عليها زمان و تقول ما تريد أن تقول!
و قبل أن يتصاعد خجلها أكثر من هذا ، ابتعدت عنه قليلاً و هى تشده برفق من كفه نحو داخل غرفتها و هى تردف :
_ طيب ادخل جوة ، مش عاوزة مامي تسمع.
نظر لها "نديم" للحظة ثم انطلق ضاحكًا ، ليأتيهما صوت "ألاء" من وراءه واضعة يدها فى وسط خصرها :
_ إيه بقى إللى مش عايزة مامي تسمعه؟!
حدقت "أثير" فى وجهها ثم فى وجه والدها مبتلعة ريقها الجاف بصعوبة و عيونها حائرتان ، و عقلها توقف عن العمل .
كانت خجلة من إخبار والدها و الآن عليها أن تخبر والدتها أيضًا ثم بعدهما لن تدعها صديقتها إلا و معها كل التفاصيل ، فليعينها الله على القادم.
....❤❤❤❤❤
شعر بها "نديم" و لاحظ اصفرار وجهها و بهتانها الذى يوحى بإغماءة ستصيبها من خوفها.
فتحرك صوب زوجته "ألاء" يدفعها للسير رغمًا عنها و هو يضع ذراعه حول كتفيها و يلهيها بكلماته المتغزلة :
_ إنت احلويتي فجأة كدة امتى؟!
ضيقت "ألاء" عينيها ترمقه بنظراتها الماكرة و حاولت تخليص نفسها منه تعانده بذكاء :
_ مش هتعرف تبلفني بالكلمتين دول ، أنا بقى مصرة أعرف كل حاجة و حالاً!
تابعتهما "أثير" تترقب ما ستؤول إليه محاولات والدها ، و قدماها لا تكادان تحملانها.
استمر "نديم" فى إجبارها _وديًا_ على السير مردفًا بدهاء :
_ يعنى فى الحالة دي أرجع الهدية إللى جبتها و لا ليكي رأى تاني؟
و بشغفٍ تألق فى عينيها الزرقاوان كابنتها هتفت بلهفة :
_ هدية؟! هدية ايه؟
الآن دفعها "نديم" هامسًا بنبرة محبة تخفى بداخلها خبثًا فقد توقع ردة فعلها هذه و هكذا يضمن ذهابها :
_ اكتشفي بنفسك ، هتلاقيها فى أوضتنا.
ابتسمت "ألاء" مدركة تمامًا أنه يريد أن ينفرد بابنتهما لأمر ما و لا يريدها أن تتواجد معهما ، نظرت إليه قليلاً لتسير قاصدة غرفتهما ، لا بأس فهو سيخبرها عما قريب ، فلا داعى لأن تتعجل الأمور.
تهاوت "أثير" مكانها سامحة لجسدها بالإصطدام بالأرض و أنفاسها متلاحقة .
هرول "نديم" ناحيتها و أوقفها مسنداً إياها حتى غرفتها كى تقر له بكل شئ ، و كلمها مشفقًا :
_ خلاص يا قلبي مشيت ، مالك اتفزعتي كدة؟!
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
و هناك.
فى شركة المحاماة المملوكة ل"سمير الليثي"
كان هائمًا فى بحور خياله ، و هو يفكر ، أستوافق عليه أم لا؟
هل ستكون من نصيبه أم أنه لن يلتقيها أبداً ؟
كم سيكون سعيداً لو وافقت مصدر سعادته!
ساعتها سينام قرير العين هانئًا ، و يعيش أحلى اللحظات .
و إن لم تفعل سيكون أكثر أهل الأرض كآبة و حزنًا .
سينطفئ نوره للأبد.
فرقع "غزال" أصابعه لينتشله مما هو فيه من عدم تركيز فى كلمات هذا المحامي الذي يدربهما.
انتفض "معاذ" و عاد إليه وعيه ، ليسأله فى ضيقٍ :
_ فى إيه؟ قطعت حبل أفكارى !
رفع "غزال" كتفيه و أنزلهما قائلاً بسخرية و غير مبالاة :
_ خلاص اربطه تاني!
نفخ "معاذ" أوداجه بحنقٍ ، و حينها لاحظ أن المحامي يطالعهما بنظرات مستغربة فقال له يحثه على المتابعة :
_ إتفضل كمل!
وقف "المحامي" و حدثه بهدوء :
_ كلامنا خلص للنهاردة نكمل وقت تاني.
و سار تاركًا إياهما يتناقشان على راحتهما.
حاصره "غزال" بهذا السؤال :
_ بتفكر فى إيه لدرجة إنك مش مركز معانا خالص و عنيك باصة فى مكان واحد؟!
أكمل بعدها بنصف ابتسامة ماكرة :
_ للدرجه دي سندريلا واخدة عقلك؟
و على غير العادة لم يغضب "معاذ" منه بل كان قلقًا و هو يقول بنبرة متذبذبة :
_ تعبان قوى يا غزال ، دماغى مش بتبطل تفكير ، معرفش رد فعلها هيكون إيه؟!
ربع "غزال" ساعديه يريحهما على سطح المكتب و تمتم مقتربًا منه :
_ هى تعرف إن إنت إللى متقدم لها؟!
بدا الجهل جليًا على قسماته و هو يجيب محتاراً :
_ مش عارف ، بس والدها يعرف والدي يمكن لما يجيب سيرتى و يقول اسم بابا تعرفني.
أخبره "غزال" بالإحتمال الثاني :
_ و يمكن متعرفكش.
و بحيرة كبيرة رد "معاذ" :
_ معرفش بقى.
تشدق "غزال" مبتسمًا :
_ خلاص يا بني سيبها على الله .
عقب "معاذ" بنبرة إيمانٍ :
_ و نعم بالله.
أكمل "غزال" دعمه نفسيًا بقوله العقلاني :
_ لو مكتوبالك يبقى هتكون من حظك و نصيبك .
دعا "معاذ" ربه و كله أمل و عزيمة :
_ يا رب يا رب.
حقًا ما أجمل أن تحدث شخصًا يحبك و يفهمك!
و هل هناك شخص سوى غزال يفهمه؟
لم تخبو من على محياه الإبتسامة و هو يضيف بغموضٍ :
_ مين عالم يمكن احصلك فى جمعتك!
صدم "معاذ" للغاية و طرح سؤاله مدهوشًا :
_ هااا ! إنت بتفكر تتجوز؟
امتلأت معالم "غزال" بالانشرح و أفضى سره الصغير قائلاً :
_ تسمع عن الحب إللى من أول نظرة؟!
كتف "معاذ" ساعديه و هو يطالعه بنظراته النافذة لأعماقه ليرد بقوةٍ :
_ بس ده مش طريقنا يا غزال.
_ رد على سؤالي ، سمعت و لا لأ؟
نفث "معاذ" أنفاسه الحارة و نطق بقنوطٍ :
_ أه اتنيلت سمعت.
أنير محياه كاملاً و هو يضيف شارداً :
_ أنا بقى حبيت من أول خبطة.
رفرف "معاذ" رموشه غير مستوعبٍ و خرجت كلماته متحيرة :
_ أول خبطة؟!
سرح "غزال" بعقله بعيداً ليوم المعرض حينما صدمته تلك الفتاة التى كانت متواجدة مع محبوبة صديقه ، وقتها منع نفسه من رؤية ملامحها تمامًا كما فعل صديقه ، إلا أن صوتها كان كفيلاً بأن تهدم كل أسوار قلبه العالية الشامخات و الذي أبداً لم يتصور أن تنهار هكذا بسهولة ، منذ ذاك اليوم و هو يؤنب نفسه على تفكيره المتواصل بها ، حتى اهتدى إلى فكرة الزواج بها ، فإن كان صديقه سيتزوج من سندريلا ، فماذا لو تزوج هو الآخر من أميرته الآسرة ذات الشخصية المرحة و المنطلقة و ذات الاحتشام؟!
ليس حبًا بعد و إنما نوع فريد من الإعجاب.
هزه "معاذ" من كتفًا بغيظ لسرحانه و سكوته و هو الذى يتحرق شوقًا للإطلاع على جوانب هذا الأمر العجيب.
احتلت البهجة قسمات "غزال" و هو يقول مغرمًا :
_ ركز معايا كويس و أنا هفهمك كل حاجة.
...........💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙💙
استمع إليها "نديم" باهتمامٍ و كان هادئًا طوال حديثها ، و لم يقاطعها أبداً ، الآن هو مرتاح للغاية لفكرة هذا الزواج فكل ما سردته له من مشاعر عفيفة تكنها فى قلبها لهذا الصبي و الذى أصبح شابًا يافعًا لا يثبت إلا شيئًا واحداً و هو أنها ستوافق بالثلث ، هو يعلم أن المتقدم لها هو نفسه ذلك الشاب لأنه منذ تعرف إلى "سمير الليثي" أثار الإسم فضوله و استغرابه و لكنه ظن أنه مجرد تشابه بالأسماء و عندما تحرى عنه عرف أنه والد "معاذ" ، و من وقتها و هو يخفى عن ابنته الأمر حتى لا يعطيها أملاً زائفًا ، و ها هو سيزف إليها الخبر مسروراً .
رفعت "أثير" زرقاويها بخجلٍ شديد مترقبة ما سيفعل ، فوجدته غارقًا فى شروده ، استحت أن تحدثه و عادت تطرق برأسها من جديد .
نفض "نديم" رأسه و هو يمسح وجهه بكفه ، ثم مد يده جاذبًا ابنته لجنبه ليضمها صامتًا مما عزز استغرابها ، أهكذا يقابل كل ما باحت به؟!
قبل جبينها و نصحها بقوله اللين :
_ إللى عملتيه يوم المعرض مينفعش ، كنتى استنيتي هيقول إيه!
و حينما لاحظ دفعها له برفقٍ تحاول الابتعاد و قد تلاشى جزء كبير من خجلها و احتلت العصبية مكانه ، لأنها على يقين أنها على صواب.
ضحك "نديم" و لم يفلتها مردفًا :
_ و إللى بتعمليه دلوقتي غلط ، مش تسمعى باباكي للآخر.
ارتخت " أثير" و همهمت معتذرة :
_ آسفة يا بابا ، بس انا واثقة إنى صح ، يعنى كنت عايزني اسيبه يقول كلام فارغ يشيلنا ذنوب؟!
ابعدها "نديم" ناظراً إلى عينيها و هو يضيف بنقد بناء :
_ مقولتش كدة ، و بعدين معقولة معاذ إللى كان بيحفظك القرآن من صغركم هيقول كلام زي إللى متصوراة؟!
لوحت "أثير" بيدها قائلة بتشتت :
_ و أنا إيه يضمنلي أنه ميقولش ، الدنيا ياما بتغير.
وضح لها "نديم" الصواب من الخطأ :
_ ايوة يا بنتى بتغير لكن إللى معدنه أصيل زى معاذ ميتغيرش غير للأحسن ، ده غير إنك كان الأولى تسمعيه لإن غرضه شريف.
رمشت "أثير" بعيونها و هى تحاول فك شيفرة كلماته و تسائلت ببلاهة :
_ يعنى ايه؟ و انت يا بابا تعرف غرضه منين.
امسكها "نديم" من أنفها برفقٍ قائلاً بجدية قليلة :
_ الواد طالب ايدك.
نزعت يد والدها بلطفٍ منزعجة من حركته تلك و التى منعت عنها الهواء ، و سألته بنبرة أكثر غباءاً و هى لا تصدق :
_ و هو هيعمل ايه بايدي؟
كركر "نديم" ضاحكًا و هو يقول بمرحٍ :
_ هو الصراحة مش عاوز ايدك بس ، هو عاوزك كلك على بعضك.
..........💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜
من هول الصدمة لم تقوى حتى على النطق لمدة تقرب من عشر دقائق .
أحقًا ما قاله والدها صحيح؟!
هل حبيب طفولتها تقدم لها طالبًا يدها كالأميرات؟
أتحقق مناها و استجاب ربها لدعائها كل ليلة ؟
هل اقتربت أفراحها بعد أن جرف الحزن حدائق قلبها؟
أحان الوقت لتذوق حلاوة الحلال بعدما تجنبت بكل جوارحها الحرام و قاومته؟
بالفعل إن الله كريم ، أكرم بكثير من ما نتوقع!
أخذت شهيقًا عميقًا تملئ به رئتيها بعد أن انسحب الهواء فجأة من الغرفة ، و غمرت دموع الفرح مقلتيها لتهمس بلا تفكير :
_ أنا موافقة يابابي.
احتضنها "نديم" مجدداً قائلاً برزانة :
_ طيب فكري يا حبيبتي متتسرعيش.
أراحت "أثير" ثقل رأسها على صدره و هى تستنكر هاتفة :
_ أفكر؟! أومال أنا بعمل ايه طول السنين إللى فاتت؟! كفاية تفكير يا بابي ، قلهم موافقة.
طبطبٍ "نديم" على خدها ، و تنهد مسترسلاً نصحه لها :
_ على الأقل صلى الاستخارة و شوفى هترتاحي ولا لأ.
كان ردها جاهزاً حين قالته بتعجلٍ :
_ صليت يابابي ، بصلى الاستخارة كل يوم و بدعى ربنا.
خيرها "نديم" لآخر مرة حتى لا تتسرع فى قرارها المصيري :
_ يعنى ده قرار نهائي؟!
_ أيوة يا بابي.
قالتها "أثير" سريعًا و هى تخفى وجهها المحمر فى ثيابه ، و ضربات قلبها تسارعت بجنون.
.......🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡
مساءاً فى غرفة الضيوف.
جاؤه اتصال هاتفى ليستقيم سائراً ببطئ حتى وصل إلى المدخل ، فالهاتف الأرضى أمام الغرفة مباشرة ، رفع السماعة مجيبًا بتهذيبٍ :
_ ألو ، السلام عليكم.
_ و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، إزيك يا ابنى إنت معاذ مش كدة؟!
صعق "معاذ" و خفق قلبه بعنفوان و هو يميز الصوت ، إنه صوت والدها ، هل آن الأوان ليرد عليهم و يبرد نيران قلبه أو ربما يزيدها اشتعالاً؟!
وقعت السماعة من بين أنامله و عيونه متوسعة حتى آخرها .
و لم تكن السماعة هى التى تقع وحدها و إنما انحدر قلب "سمير" هاويًا فى رجليه و هو يرى ابنه فى مواجهته على هذه الحال و التى تنبأ بوقوع كارثة أو مصيبة ستدك قلوبهم دكًا.
هرول إليه يصرخ فيه مزعوراً :
_ إيه يا معاذ ، حصل حاجة لا قدر الله؟!
حرك "معاذ" لسانه بصعوبة متمتمًا :
_ أبوها ، أبوها على الخط.
و سرعان ما هدأ "سمير" و تنفس بعدما حبست أنفاسه ترقبًا .
بينما أتت "أسماء" راكضة يتبعها "غزال" فهما تفاجآ بقيام "سمير" المباغت ، و راقبا بصمت ما يجرى.
امسك "سمير" السماعة المتدلية ليجيب بأنفاسٍ لاهثة مما عايشه منذ لحظات :
_ أيوة ، لا لا مافيش حاجة ، يعنى هى قالت كدة؟ طيب ربنا يقدم اللي فيه الخير.
صمت مستمعًا ل"نديم" الذى يقول :
_ عايزين نحدد موعد للرؤية الشرعية.
نظر "سمير" إلى ابنه الذى بدوره سمع ما قيل ، و قد تخلص أخيراً من صدمته ليهتف باندفاعٍ :
_ ياريت يكون بكرة ، أو بعده أكتر من كدة مش هستنى!
جادله "سمير" بلا إقتناع :
_ بس كدة بدري قوى!
_ لا مش بدرى ، ده انا من كتر الإنتظار قربت أخلل.
كانت عبارة "معاذ" مغتاظة ، و لكنها راقت ل "غزال" الذى قهقه على أفعال صديقه.
و أما "سمير" فقد نطق بإحراج و الحروف تأبى أن تخرج من فمه بسهولة :
_ مدام العروسة موافقة فأنا شايف ان مافيش داعى نستنى ، هنجيلكم بكرة إن شاء الله ، عشان الولاد يتعرفوا على بعض و يشوفوا هل هيناسبوا بعض ولا لأ.
و كيف لا يناسبان بعضهما و هو يشعر بأيامه مرة بدونها؟
كيف يظن والده أنهما ربما لا يتناسبان و أرواحهم معلقة ببعضهما؟
و كيف يعيش هو و نصف روحه معها؟
كان هذا حديث قلب "معاذ" الخافق بعشقٍ لها.
وصلت الكلمات ل "أثير" لأن والدها يشغل مبكر الصوت منذ بداية الحديثة و لما نظر لها "نديم" نظرة متسائلة يأخذها رأيها و مشورتها فالشأن شأنها ، فخفضت رأسها تومأ بموافقة على الميعاد .
فابتسم "نديم" براحة نفسية و بلغه برأيهم :
_ على بركة الله.
ضمه "غزال" مهنئًا :
_ ألف مليون مبروك يا صاحبي!
رد عليه "معاذ" و هو يكاد يطير فرحًا :
_ الله يبارك فيك يا غزال ، عقبالك.
و بنبرة تمنى علق "غزال" :
_ اللهم آمين يارب العالمين.
مازحته "أسماء" قائلة :
_ أوعى كدة خليني أبارك لأبني!
ابتعد "غزال" قائلاً بصدر رحبٍ يلقى طرفته :
_ اتفضليه كله يا طنط .
حنى "معاذ" رأسه مقبلاً كف والدته و التى باركت له :
_ مبروك يا ابني ، ربنا يتمملك على خير.
ضحكت عيونه و قائلاً و سعادته ملأت ما بين الأرض و السماء :
_ الله يبارك فيكي يا ست الكل!
من شدة فرحه يشعر أنه فى حلم ، حلم جميل لا يود الاستيقاظ منه أبداً ، فأمنياته تتحقق نصب عينيه واحدة واحدة.
شكر الله و حمده فى سره على عوضه الحلال و الذى سيغنيه عن كل حرام .
.............
رواية اوركيديا الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان ابراهيم
_البنت لسة صغيرة يا نديم ، دي يادوبك ١٨ سنة ! ده غير أنها لسة بتدرس ، إزاى عايزها تشيل مسؤولية جواز و بيت و عيال؟!
صاحت بها "ألاء" رافضة رفضًا باتًا فكرة زواج ابنتها فى هذه السن المبكرة فى نظرها .
فرك "نديم" وجهه بإرهاقٍ زافراً أنفاسه ببطئ ، ثم بنبرة هادئة حاول أن يقنعها :
_ أهدى يا ألاء و اعقلي الكلام ، مانتى كمان متجوزانى فى سن مقارب لده ، و شيلتي مسؤولية كل حاجة و اتقلمتي فى وقت قصير ، و كنتى بتذاكرى محضرات الجامعة و هى أثير كانت سنتين .
أخذ نفسًا طويلاً ليردف ظنًا منه أنه يفهم أسباب رفضها :
_ و لو على المستوى الإجتماعى فاطمنى عيلته متقلش عننا ، و والده صاحب شركة كبيرة و مشهور فى شغله ، و كمان الولد أخلاقه عالية و ملتزم و بيتدرب فى شركة والده!
تجهمت كل قسماتها ، فما يقوله لها هو آخر همها ، هزت رأسها يائسة و هى تستأنف كلماتها بتوضيحٍ :
_ مجيبتش سيرة حاجة من دي ! و انا مش بقول على المستوى الإجتماعى كل ده ميفرقش معايا ، أهم حاجة بنتى و مستقبلها ، و بعدين انا اتجوزتك عشان بحبك!
جلس "نديم" على سريرهما تمامًا بقرب مكان وقوفها ، و قد أحس ببصيصٍ من أمل ليكمل حديثه رافعًا عينيه إليها ناظراً فى عينيها :
_ مستقبلها محفوظ و محدش هيمنعها تكمل تعليمها و إللى متعرفيهوش إنها كمان بتحبه !
بدت للحظاتٍ مصدومة ، حتى لملمت حروفها المبعثرة لتقول مبهوتة :
_ إيه ؟؟؟!
ارتخت عضلات وجهه ، و لانت نبرته محاولاً تلطيف الأجواء بينهما مشيراً إلى مقعد التسريحة المفرود عليه فستانها و الذى يمثل هديته لها :
_ عجبتك الهدية؟ أنا اختارته بنفسي عشانك.
ثبتت "ألاء" عيونها حيث يشير فرأت فستانًا أسوداً أنيقًا يليق بعمرها و يتناسب مع ميولها و سرعان ما حسبته يسعى إلى تشتيت تركيزها عن هدفها الأصلى فهتفت متجهمة :
_ و ده وقت الكلام ده؟
جذبها "نديم" من يدها فاختل اتزانها لتتهاوى جالسة بقربه تزامنًا مع قوله الحازم :
_ اقعدى افهمك عشان الناس على وصول .
تناثرت خصلاتها الحمراء _التى ورَّثتها لابنتها_ حول وجهها ، مد يده يزيحها عن عينيها ، بينما ثارت هى هاتفة بعصبية و استهجان :
_ نعم؟! دا انتا متفق معاهم بقى و جاى تبلغنى زى أى واحدة غريبة و لا كأنى مامتها .
طالعها "نديم" بعينيه الحنونتين المتسمتين باللمعان و هو يقول مهدئًا إياها :
_ استهدى بالله و اسمعيني الله يهديكي.
نفخت "ألاء" أوداجها بامتعاضٍ و لفظت بملامح مكفهرة :
_ هديت أهو ، أما نشوف آخرتها معاك .
♡♡♡♡♡♡♡♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♡♡♡♡♡♡♡
وقف "معاذ" فى غرفته يرتب أفكاره التى تعج فى عقله ، و يتفقد كل حاجياته و أغراضه التى سيحتاجها فى هذه المقابلة المنتظرة مع رفيقة فؤاده و حبيبة عمره و نبع أفراحه كلها.
ثيابه منظفة و مكوية و موضوعة فوق الفراش و بجانبه على الأرض حذاءه ملمع و جاهز للإرتداء ، رابطة العنق هناك متدلية على حامل الملابس.
لا ينقصه سوى باقة الورود و التى سيحضرها صديقه حين يجيئ.
تبسم و سعادته لا توفيها كلمات و لا تصفها كل أوصاف الدنيا .
و أما قلبه فقد اضطرب على اضطرابه و عصفت به مشاعر فوضاوية بعثرت كل ترتيباته .
ألقى نظرة لساعة الحائط فوجدها لم تتجاوز الرابعة مساءاً .
لما الوقت لا يمر فى هذا اليوم؟
لما يشعر أن عقرب الدقائق لا يدور؟
أكل هذا جراء اشتياقه لها ؟
ربما ، فبعض الإنتظار يزيدنا شوقًا و بعضه من اليأس يقتلنا ، و هو قد انتظر أثنى عشر عامًا و لازال ينتظر و انتظاره كل هذه المدة الطويلة كان ذا فائدة و ضرر ، ففائدته أن أشواقه فى ازدياد ، و أما الضرر أن فؤاده فى تألمٍ و كدر ، فمجرد غيابها عن ناظريه و عن محيطه تضيق له أنفاسه و يدمى له فؤاده ، لأنها و ببساطة نعيمه على الأرض.
أحاط "معاذ" نفسه بذراعيه يحضنها من كم المشاعر الضاربة لفؤاده بلا توقف ، مشاعر أصفى و أنبل من كل المشاعر التى قد يعايشها سواه ، ربما لأنها تتضافر مع براءة تفكيره و نقاء روحه و خلوها من أى تلوث ، ربما لأنه يتقى الله فى أفعاله و أقواله ، و ربما لأنه عاشق وجد الحب الحلال .
اقتحم "غزال" خلوته و انتشله من أنهار العسل التى يتشربها بكل جوارحه ، هاتفًا :
_ جبتلك إللى طلبته.
تأفف "معاذ" بانزعاجٍ فما كان فيه منذ لحظاتٍ كان شعوراً رائعًا و قد قطعه عليه صديقه ثقيل الظل ، فك ضمة ذراعيه لجسده ليربعهما قائلاً بحنقٍ :
_ يا عديم البصر و البصيرة ، شايفني مندمج و سرحان تقوم تخرجنى من المود بالطريقة دي؟!
كظم "غزال" غيظه قاضمًا شفاهه ، و سخر منه مستهزئًا :
_ أومال كنت عاوزنى أخرجك بطريقة ايه؟
و حدجه بعدها بنظراتٍ نارية ليهدده بنبرته التحذيرية :
_ و ألا أقولك هروح أرجع بوكيه الورد إللى صدعتني بيه و أروح أبركلي!
و بتجهمٍ تامٍ أخذ منه "معاذ" الباقة ، ملقيًا فى وجهه عبارة مقتضبة ملؤها الاستهجان :
_ ترجع ايه؟ هاتها كدة !
رفع "غزال" هامته بإعتدادٍ ، و أثنى على مجوداته التى بذلها فى سبيل شراء تلك الزهرات المورقة :
_ لفيت فى كل المحلات على الأوركيد بتاعك ده لما اتقطع نفسي !
انكمشت قسمات "معاذ" غير مقتنع و قال له بلهجةٍ يتغلغلها التهكم :
_ ليه يعنى كنت فى سباق و لا ايه ، مانتا معاك عربيتك كنت يعنى ماشى على رجليك ؟!
ضاقت نفس "غزال" من طريقته التى لا تطاق فى نظره ، و تمتم بصوتٍ مغتاظ يشبه التأنيب :
_ فعلا على رأى المثل خيراً تعمل شراً تلقى !
لوح "غزال" بكفه فى وجهه مباشرة ، مستوقفًا إياه عن كثرة اللغو غير المجدى ، فالوقت يمر و لن يتركه ينفذ هباءاً ، و قاطعه هاتفًا على عجالةٍ :
_ بس ، كفاية دراما و تعالى شوف معايا فى حاجة ناقصة و لا لأ .
انصاع له "غزال" فلا مجال للمناورات الآن ، لينتهى من أمر الزواج هذا ثم بعدها سيفعل ما يحلو له :
_ ماشي يا عريس .
◇◇◇◇◇◇◇◇♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧◇◇◇◇◇◇
"فى تمام السادسة مساءاً "
_ مش قادرة يا بابا ، مش هقابل حد .
ترقرقت عبراتها و أغشت عيونها مع خروج تلك الجملة المتلعثمة بتذبذبٍ من بين شفتيها .
تنهد "نديم" مرهقًا من طول جداله مع زوجته حتى أقنعها فى نهاية الأمر ، و الآن عليه أن يجعل ابنته المتوترة تهدأ و تستقر فكرة الخروج إلى أهل "العريس" و الجلوس معهم فى رأسها المتحجر هذا ، فرك مقدمة رأسه المتصدع يسترسل بنبرة تفوح سخطًا يتغلغلها الاستغراب :
_ يا بنتى ميصحش كدة ، الناس جوم برة و لازم تقابليهم و بعدين مش كنتى مبسوطة و هطيري من الفرح و تقوليلي مش هفكر يا بابي فكرت كتير ؟
أحاطت "أثير" وجهها بين يديها تخفيه و تحتويه من دوارٍ داهمها ، و أضطرابات معدتها الغريبة و التى تزيد من دوارها و كأنما أصابها هبوط فى مستوى الدم ، و أصفر وجهها بدلاً من أن يتورد خجلاً ، لم تكن تعلم أن الأمر يشكل هذه الصعوبة عليها ، كلمته قائلة بلهجة مشتتة ممزوجة بتوترات حادة :
_ ايوة قولت كدة ، بس صدقني مش هقدر اطلع ، مش عارفة اتلم على اعصابي .
تقدم "نديم" نحو "الكوميدينو" حاملاً سماعة الهاتف الأرضي يخط أرقامًا يحفظها عن ظهر الغيب ، مُضيفًا بهدوء واثق :
_ أنا هعرف إزاى أخليكي تسمعي الكلام و تغيري رأيك .
تابعته "أثير" عاقدة حاجبيها و لم تُزل يديها عن وجهها و هى تشاهده من الثغرات التى بين أصابعها .
♡♡♡♡♡♡♡♡♤♤♤♤♤♤♤♡♡♡♡♡♡♡♡
مستلقية على سريرها و فى يدها الهاتف الخلوى تتصفح وسائل التواصل الاجتماعى و بخاصة "الفيسبوك" ، كركرت ضاحكة بصوتٍ عالٍ عندما وقع ناظريها على إحدى الطرف المتداولة و التى يشاركها الألوف .
انتفضت بقوةٍ بسماعها لصوت صياح والدتها فكادت أذنيها أن تصم من حدته و قربها منها :
_ هو أنا كلامي مبيتسمعش ليه ؟ ، هتتعمى قريب بسبب المخروب إللى فى ايدك ده ، يا بت سيبيه شوية و اطلعى اقعدى معانا.
أغمضت "روفان" عينيها تضغط عليهما بجفنيها منزعجةً فقد آذاها صوت والدتها ، و سدت مداخل الصوت براحتيها ، قائلة بتنهيدةٍ عميقة :
_ يا ماما بالراحة شوية ، هى القيامة قامت و لا إيه؟
فتحت عينها اليمنى فى حركةٍ ظريفة و قهقهت مردفة بمرحٍ يتعانق معه الصدق :
_ مكانوش ٢٤ ساعة فى اليوم إللى بقعدهم على الفون !
عضت والدتها على شفتيها كى لا تضحك من طريقتها المضحكة و التى تتعمدها ، ثم جاهدت لتحافظ على صرامة نظراتها و استعدت لسلسة من التوبيخات بقولها :
_ نفسي أعرف بتستفادي إيه من الفون و قعدتك ليل نها....
رنين الهاتف الأرضى بجوارها قطع عليها استرسالها ، و قبل أن تخطو نحوه سبقتها "روفان" تجيب بملامح مرتخية يعلوها المرح :
_ ألو ، إزيك يا عمو نديم ، أنا محظوظة النهاردة إنى سمعت صوتك .
جاءتها قهقهات "نديم" يشاكسها بودٍ :
_ يا بكاشة ، بتحبي تكروتيني بالكلام الحلو عشان مصلحتك.
ضيقت "روفان" ما بين حاجبيها تنفى قوله بقولها الصادق :
_ الله يسامحك يا عمو ، بقى أنا كدة ؟
تنحنح "نديم" مجيبًا على سؤالها بمزاحٍ :
_ و أكتر من كدة كمان .
رفعت "روفان" وجهها نحو والدتها التى تراقبها عن كثبٍ ، لتردف بهمسٍ مسموعٍ :
_ لولا إنى عارفة إنك بتقول كدة بهزار كنت زعلت منك .
تحفزت حواسها و تنشطت خلايا عقلها بسماعها لقوله الحذر و كأنه يلقى على مسامعها سراً خطيراً :
_ سيبك من الكلام ده و فتحى مخك معايا ، لازم تيجي دلوقتي حالاً عشان أثير منشفة راسها و مش راضية تطلع للعريس و عليته و هما بدأو يحسو أن فيه حاجة غلط ، مش عارف ليه اتغيرت بسرعة كدة ، دي إمبارح كانت طايرة فى سابع سما ، إيه إللى جرالها فى مجرد ساعات معرفش !!
أحس قلبها بما تعانيه صديقة دربها و توأم روحها ، حتمًا هى الآن فى أوج خجلها و توترها فما هى مقبلة عليه ليس هينًا بالمرة ، بل سيتشكل به مستقبلها و ستقضى حياتها إما سعيدة هانئة لو كان اختيارها صائبًا و إما تعيسة خاسرة إن كان اختيارها خاطئًا ، و رغم كل ذلك جادلته "روفان" بنبرة شديدة الحرج و لأول مرة تخرج عقلانية عكس طبيعتها المرحة :
_ و الله يا عمو كان على عيني ، بس هاجى بصفتى ايه ؟ كمان لسة مافيش حاجة رسمي ، لو خطوبة أو كتب كتاب أكيد هكون عندها من بدري ، آسفة و الله مش هقدر !
خاب أمل "نديم" ليستجديها بنبرة يائسة :
_ عشان خاطرى يا روفان ، و بعدين انتى هتحضري بصفتك صاحبتها ده غير إننا بنعتبرك من العيلة بأمارة مابتقوليلي عمو .
سكت "نديم" حائراً و مشتتًا ، ليستطرد متوجسًا خيفة من انقلاب الأمور :
_ هيبقى شكلى ايه قدام الناس بعد ما اديتهم كلمة و العروسة متطلعش؟
أضاف بعدها بلوعةٍ :
_ البنت شكلها مش طبيعي خالص و أنا قلقان عليها !
كان لكلماته فى نفسها عظيم الأثر ، فرفعت عينيها مجدداً ناحية والدتها و
تشدقت بقلةٍ إرادة :
_ خلاص يا عمو ، استنونى ، أنا جاية على وجه السرعة .
_ ربنا يحفظك يابنتي .
قالها "نديم" ممتنًا لها على وقوفها معه ، ليغلق الخط بعدها .
تركت "روفان" سماعة الهاتف مكانها متصنعة ابتسامة بلهاء و هى تطالع والدتها فأمامها أمراً شاقًا ، و هو الحصول على موافقتها كى تذهب لبيت صديقتها .
♤♤♤♤♤♤♤♧♧♧♧♧♧♧♧♧♧♤♤♤♤♤♤♤♤♤
_ أنا قربت أخلل من القعدة ، فين العروسة بقى ؟
غمغم بها "معاذ" بخفوتٍ شديد مائلاً على أذن صديقه ، و قد نفذ صبره من كثرة الإنتظار ، فوالد مخطوبته ذهب لإحضارها منذ ما يقارب الربع ساعة و لم يعد حتى الآن .
حدجه "غزال" بنظراتٍ محذرة قائلاً بصوتٍ خفيض :
_ حط لسانك فى بؤك و نقطنى بسكاتك ، الدنيا مش هطير ، السندريلا زمانها جاية .
_ أووووف ، مش قادر استنى و حضرتك مش حاسس بيا .
زفرها "معاذ" مع أنفاسه الضائقة مرجعًا رأسه بعنفٍ إلى مسند الأريكة التى يجلس عليها منذ ساعة إلا دقائق .
ربت "غزال" بيده على فخذ صاحبه ، هو يجوب بعيونه فى الجالسين فرأى والدته "رقية" مندمجة مع السيدتين "أسماء" و "ألاء" تتحدثن ثلاثتهن كسيدات مجتمع راقي ، و بعيداً قليلاً عنهن يجلس والده مع والد صديقه المحامى "سمير" و الذى بدت بوادر القلق تتضح على وجهه .
كرر تربيته مجدداً مضيفًا بتضامنٍ معه :
_ أنا أكتر حد حاسس بيك ، و بعدين فات الكتير و مش باقى إلا القليل ، أصبر إن عقب الصبر خير .
تبدلت تعابير الضيق عن محيا "معاذ" لتتحول للراحة ، و استطرد فى ابتهاجٍ :
_ و أخيرا بعد سنين حاسس قلبي بيرفرف من السعادة .
☆☆☆☆☆☆☆☆☆❤❤❤❤❤❤☆☆☆☆☆☆☆☆☆
وصلوا الثلاثة أمام بابٍ غرفة الضيوف ، فتلك "روفان" لها قدرة خارقة فى التأثير على "أثير" و نجحت محاولاتها فى تهدأة روعها و رغم صعوبة الأمر إلا أنها أخيراً اقنعتها بمقابلتهم و لم تكف عن إلقاء النكات لجعلها تضحك .
خفق قلبها فى صدرها و أهتز بعنفوان حتى ظنته سيخلع من مكانه !
إنه هنا ... تشعر به .... بنبضات قلبه .... تسمع صوته ... تكاد تحصى عدد أنفاسه !
إنه هنا ... حب طفولتها على بعد أقدامٍ منها ... تبعثرت مشاعرها و تخبط قلبها
من شدة سعادتها و خجلها و .... قلقها المتأزم و الذى يطيح فى طريقه شوقها له ، لرؤياه ، للتنعم بسماع صوته الشجى.
رجحت كفة القلق و الخجل بينما كفة السعادة ارتفعت و خف وزنها و قل تأثيرها ، فكادت "أثير" أن تتراجع حينما التفت حول نفسها محاولة منها للفرار إلا أن "روفان" لم تترك لها مجالاً لذلك ، لتمسكها من كتفيها و تديرها و تدفعها برفقٍ سائرة معها تدخلان للغرفة ، هامسة لها فى أذنها تطمئنها و تبث فى روحها الثبات :
_ مينعش تتراجعي دلوقتي ، خلاص المستقبل قدامك و السعادة فاردة دراعاتها خديها بالحضن و متصديهاش و إلا هتندمي .
و مع ذلك فإن "روفان" أيضًا تشعر بمشاعر غريبة ، تتدرج ما بين قلق ، أضطراب و الأعجب ... خجل تجهل مصادره و أسبابه !
أخذت الأثنتان أنفاسًا عميقة تكتمان بها ما يجيش فى صدريهما ، لتخطوان معًا للداخل قدم بجانب قدم ، فيبدوا أن المصير سيصير واحداً لكلتيهما.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡💞💞💞♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
تراقص قلبه على أنغامٍ العشق العتيقة ، و عزفت أوتاره أشجى الألحان ، و تلونت الدنيا فى عينيه بأزهى الألوان ، و ها هو ذا يسمع وقع خطاها على رخام الأرضية .
ثقلت أنفاسهما ، و بلغت دقات قلبيهما للضعف ، و أما أرواحهما فأخيراً تلاقت !
تحركت "أثير" بفستاها الوردى مع خمار أسود ، و بقدمين كسولتين تأبين السير نحو أبعد أريكة عنه لتجلس ما بين والدتها "ألاء" و والدته "أسماء" و التى رحبت بها خير ترحيب و ظلت محيطة إياها بذراعها تضمها بحنو و عواطف أمومية .
ارتاحت لها "أثير" رغم استغرابها من طريقتها الحميمية معها و هى تراها للتو لأول مرة فى حياتها ، و زال أصفرار وجهها ليكتسى بالأحمر الوردي من الخجل .
مشت "روفان" على استحياء و بخطواتٍ متلبكة فى ثوبٍ أزرق أنيق و خمارٍ أبيض ، لتجلس باربتباكٍ إلى جوار "أسماء" من الناحية الأخرى على مقربة من الجانب الآخر من والدة "غزال" السيدة "رقية" و التى بدورها طالعتها بنظراتٍ متفحصة و تحدثت معها بعبارةٍ فضولية مقتضبة :
_ و إنت اسمك إيه يا بنتي ؟
تبسمت "روفان" بتصنعٍ ، و أجابتها بإيجاز متحفظ :
_ روفان .
ربتت "رقية" على كتفها قائلة :
_ بسم الله ماشاء الله ! إسمك جميل و شكلك أجمل !
رفعت "رقية" عينيها ترمق "غزال" بنظراتٍ تحمل رسالة ، فابتسم "غزال" بهدوء و قد فهم مغزى نظرات والدته و أيقن ما يدور فى خلدها ، و هذا أكثر ما يفرحه ، فهو قد سمع صوت "روفان" رغم أنه كان منخفض النبرات و تأكد أنها هى نفسها ... الفتاة من المعرض ، إضافة أنه علم اسمها أيضًا ، يستغرب كيف لقلبه أن يحب فتاة لم ترها عيناه و لم يكن يعلم اسمها ؟
و لكن القلوب لا سلطان عليها .....
............💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
بعدما تبادل الجميع الأحاديث و رتبوا الأفكار و ما ينتوون فعله ، تركوهما وحدهما ليتعرفوا على عقول بعضهما ، مع قلبين مرتجفين و أعصابٍ منفلتة ....
فركت "أثير" كفيها ببعضهما من شدة توترها ، و أزدادت حمرة خديها ، و تعالت نبضات قلبها و اضطربت أنفاسها .
و لم يكن "معاذ" بحالٍ أفضل من حالها ، و خجله قد بلغ ذروته ، خجل نادراً ما تراه مرسومًا على وجوه الشباب ، لاحظ كل ما تحسه و تفعله فقرر أن يبدأ هو الحوار ، شحن قواه و استجمع فتات شجاعته ليوصل لها كل مشاعره عن طريق حروفه المتناغمة مع الحنين للماضي :
_ لسة فاكرك ، فاكر عنيكي الزرقا إللى سحرتني ، فاكر شعرك الأحمر إللى خطف عنيا ، فاكر عفويتك و رقتك و هدوئك و جنانك إللى دوبونى و خادونى لعالم تانى ، عالم كله جمال و فرح و سعادة ، و فاكر كمان يوم الحادثة ، ساعتها حسيت قلبي اتخلع من خوفي عليكي ، و حسيت دمى بيغلى من إللى عملوه فيكي زمايلك ، و فاكر كل حرف من كلامنا قبل ما تركبي عربية والدك و تمشي ، و فاكر حزنى بعدها و الإكتئاب إللى جالي بسبب إنك مشيتي .
ألا يكفيها ما هى فيه من توترات لتزيده كلماته تلك ؟
ألن يرأف بقلبها المنتفض فى صدرها ؟
ألن يرأف بروحها التى تهفو إليه ؟
أرفعى رأسك و أنظرى فى عينيه التى اشتاقتكِ و اشتقتها ، طالعي ملامحه التى حرمتِ من رؤيتها لسنوات ، حدثيه و قولي له عن ما يكمن فى قلبكِ ،
الآن صار كل هذا متاحًا ، هيا تحركى !
أرفع عيونك فى عينيها الآسرتان و أنظر لهما حتى ترتوى و ينطفئ ظمأ قلبكَ ،
هيا تشجع !
رفعت "أثير" رأسها بتردد ، و أجبرت عيناها أن تجعله فى مرمى بصرها ، و لحظها وجدته يطالعها ، و خُطِفَ قلبها من قبل الوهج الساحر فى بنيتيه .
نظراته المريحة تشابه بقدرٍ كبير نظرات والدها بما فيها من أمانٍ بلا حدود مع حنانٍ فياض ، كل هذا بمذاقٍ الغرام أحلى ، غرامُ يطل من بنيتيه كالسحر !
و بخجلٍ كبير تجرأت لتجوب ببصرها فى قسماته الحبيبة ، تملأ عينيها منها ،
و هو كذلك الأمر ، هام فى بحور زرقاويها .
حتى فصل نظراتهما يجبر بنيتاه على الاكتفاء من التحديق متنحنحًا ، ضم باقة الزهور الأوركيدية ليهديها لها بحروفٍ بعثرها الشوق :
_ ده الورد المفضل عندى و إللى سميتك عشانه ، اتفضليه يا أوركيديا.
رباه رحماك بهذا القلب المرتجف !
أخذتها منه تومأ برأسها شاكرة بتلعثم :
_ ش.... شكراً ، مكانش في داعي لتعبك.
لم يعقب على جملتها اليتيمة ، فما يعنيه الآن أنها تحدثت !
رن صوتها فى أذنيه أخيراً بعد سنوات العجاف !
_ و دي علبة شوكولاتة بيضة من إللى بتحبيها !
هتف بها و هو يناولها علبة أنيقة متوسطة الحجم ملفوفة بشرائط حمراء ، امسكتها "أثير" من حوافها تحسبًا لملامسة يده بالخطأ ، و قد دمعت عيونها و تألقت بعبراتٍ الفرح و لم تقوى حتى على شكره أو الثناء عليه بأبسط الكلمات .
لم يتحكم "معاذ" فى زمام نفسه ، فوجد عيناه تطالعها ، وصله شعورها كاملاً بلا نقصانٍ أو مبالغة .
يجد روحه متعلقة بروحها ، يجد عقله يفسر و يفهم تصرفاتها، يجد بنيتاه تحل شيفرة زرقاويها ليصل لليقين بلا أى شكوك ، إنها حتمًا تحبه كما يحبها ، و لكنه يتخطاها بمراحل فهو شرب من ينابيع الغرام حتى ارتوى ، و أما لسانه فتحرك تلقائيًا :
_ مش هكذب عليكي و أقولك إنى حاولت أدور عليكي و ملقتكيش ، بالعكس أنا عملت بالحديث الشريف إللى بيقول "من ترك شيئًا لله عوضه الله خيراً منه"
و أنا تركتك لله و استودعتك وديعة عنده و الحمد لله ربنا مخذلنيش عشان سبحانه بيقول فى كتابه العزيز "إن وعد الله حق" ، فى البداية مكنتش عارف إيه إللى بحسه ناحيتك ، بس مع الوقت فهمت إنى .... إنى .....
صمت و لم يكمل كلامه ، ماذا دهاه ، كيف يصرح بكل هذا و هى حتى الآن لم تصبح حلاله و إنما لازال الطريق طويلاً ......
و من منا يضمن الظروف ؟
تدفق الأدرنالين فى عروقها و أرتفعت حمرة وجنتيها ، و رغم ذلك سألته بتلجلج :
_ إنك إي .... إيه؟
هو متيم بها ، و لكنه يخاف عليها من حبه ، خائف من أن يؤذيها بلا قصد أو أن يحملها و يحمل نفسه الذنوب جراء حبه هذا ، فلسانه طليق يقول كلامًا يخرج من أعماق فؤاده مع أجزاء من روحه ، و هذا ما يخشاه !
لذلك ابتلع ريقه بصعوبة فائقة و استرسل بنظراتٍ حانية مترقبة مغيراً دفة الحديث :
_ أنا بفكر فى فكرة مجنونة و عاوز أشاورك فيها ، و يارب توافقى .
هزت "أثير" رأسها ايجابًا و حاجبيها معقودين من تحوله المفاجئ ، لتسايره الآن و بعدها ستعلم كل شئ فى وقته ، أردفت قائلة بهدوء :
_ أتفضل ، و أنا هشوف إذا هتناسبني الفكرة أو لأ .
.....................💛💛💛💛💛💛💛💛💛💛
كل رجل و زوجته اخذو جانبًا من هذه الصالة بحيث يكونوا فى مقابلة باب غرفة الضيوف ، كان التجهم الصدارة على قسمات "ألاء" بينما "نديم" يبدو للناظرين سعيداً مرتاحًا ، و أما "روفان" فقد غابت فى المطبخ لتحضر بعض المشروبات المطلوبة فى مثل هذه المناسبات .
مال "غزال" على أذن "رقية" يفصح لها عما يدور فى خلده و ما يعتمل فى قلبه من مشاعر ، و "محمد" والده يجلس جوارها يركز فى كلماته و يعقلها فى عقله حتى استراح إلى فكرة أبقاها فى عقله حتى يأخذ الأشارة من ابنه دليلاً على الموافقة و قد لمح له عنها فى حديثه المقتضب معهما .
..........................💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
دخلوا عليهم فالباب مفتوح كما تركوه وجدوهما جالسين كلاً منهما فى مكان ، ف "أثير" تجلس فى نهاية الأريكة و أما "معاذ" يجلس فى المقعد المجاور للأريكة قريبًا من الجزء الخالي .
طافت أطياف الفرح فى عينيه و بدت قسماته كالوردة المتفتحة ، قالبًا كل الموازين بقوله المبتهج و المندفع :
_ عندنا ليكم خبر مبشر و مفرح جداً ، اتفقنا أنا و أورك.... أنا و أثير إن الفرح و كتب الكتاب يوم الخميس بإذن الله .
انفرجت أفواههم مصدومين جميعًا ، لا بل مصعوقين و انعقدت ألسنتهم ، إلا أن "نديم" بدا غير مستوعب سائلاً بترقبٍ :
_ الخميس إللى فى آخر الشهر مش كدة يا معاذ ؟
ابتسمت "أثير" بخجلٍ على أشكالهم الظريفة ، بينما "معاذ" عض فمه من الداخل كى لا يضحك ، و تكلم بنفي :
_ لا ، الخميس الجاي بإذن الله .
شهقت "روفان" بصدمة كبرى ، معلقة بعينين متسعتين :
_ ده بعد تلات أيام بس ، أكيد بتهزر مش كدة ؟ و انتى يا أثير ما تقولى حاجة .
كل هذا و "أثير" العروس محور الحديث صامتة خجلة سعيدة و لا سيما ... راضية عما يحدث ..... فالأقدار تقف فى صفها ، و حلمها الذى كان يلوح هناك فى الأفق صعب المنال يكاد يصير فى قبضتيها الناعمتين.
فرصة العمر لا تأتى للإنسان إلا مرة واحدة ، و لا يضيعها إلا الغبي ، و "غزال" يفضل أن يكون مجنونًا مثل صديقه على أن يكون غبيًا و يضيع فرصته الذهبية .
فقرر أن يضرب على الحديد و هو ساخن ، لذلك رمى إلى والده السيد "محمد" نظرة تطوى بداخلها مغزى فأومأ له الوالد فقد اطلعته زوجته على تفاصيل الأمر حينما تركوا العروسين معًا .
ضبط "محمد" وضعية "الجرافات" ليقول مفاجأته الكلامية فى وجوههم و هم بالأساس لم يفيقوا من صدمتهم الأولى :
_ بما إن سمير هينسايبكم ، فحابب أطلب أيد الأنسة روفان لأبنى غزال على سنة الله و رسوله.
كانت ترتشف من كوب العصير فى يدها ، عندما صعقتها تلك الكلمات ، فغص حلقها بقطرات العصير لتسعل بقوةٍ فى محاولة لطردها من قصبتها الهوائية منعًا للاختناق ....
حدج "غزال" والده بنظراتٍ مؤنبة لأنه لم يمهد للأمر قبل أن يخوض فيه .
تجاهله "محمد" و هو يردف بجدية تامة :
_ خدو وقتكم و فكروا .
ثم حول نظراته لروفان يحدثها :
_ و انتى يا بنتى فكرى براحتك و على أقل من مهلك ، احنا مش مستعجلين .
هى حتى لا تعلم من هذا الرجل أو حتى ابنه الذى يطلبها له ، غير أن معرفتها بهم لا تتعدى ما روته لها صديقتها ، التفتت إلى "ألاء" تناولها كوبًا من الماء بعد أن خف السعال أخذته "روفان" منها بأيدي مرتعشة .
تقدم "غزال" من "معاذ" يناقشه فى قراره و لم يلاحظ نبرته التى ارتفعت دون شعور :
_إزاى تاخد القرار ده من غير ما ترجع لوالدك أو والد العروسة أو أى حد فينا .
بصقت "روفان" ما بفمها من مياه قبل أن تقف فى حلقها كحال العصير ملتفتة ناحية "غزال" و عيونها جاحظة ، كيف ذلك ؟
كيف يكون هو نفس الشخص الذى قابلته فى المعرض ؟
كيف يكون صديق عريس صديقتها و هى لا تعلم ؟
ليتها ما خطت بقدميها أرض هذا المنزل !
طبطبت "ألاء" على ظهرها بحركاتٍ حانية و سألتها باستغرابٍ قلقة عليها :
_ مالك يا أوفا ؟ عمالة تشرقي !
ثم فى نفسها قالت بتصميم :
_ استحالة اسيبهم يجوزو بنتى بالسرعة دي ، استحالة! انا مش هسكت .
ربع "معاذ" ساعديه مستريحًا فى جلسته يطالعهم جميعًا بعيون ملؤها التحدى تحسبًا لأى تذمر أو رفض لزواجه السريع لا بل الخارق ، و رد عليه بعنادٍ و أصرار متقد :
_ أولاً دى حياتنا أنا و أوركيديا ، و الفرح هيتم فى الموعد إللى حددناه ، طبعًا بموافقتكم كلكم ، و بعدين متتكلمش إنت بالذات و تناقش فى الموضوع ده .
آخر جملة عقبها بغمزة يلمح لأمر ارتباط "غزال" ب "روفان" و الذى فاجأه هو شخصيًا ، و هو الذى لم ينتهى من أمر زواجه بعد !
و أضاف مكملاً كلامه بكل عزيمةٍ و أقبال يطالع ذات العينين الزرقاوين بشغفٍ :
_ و انا مش هتنازل عن قراري ، أنا مش مصدق لحد دلوقتي إنى لاقيت أثير ، و مش مستعد نهائي تضيع منى تانى ...........