كانت تنظر من نافذة غرفتها حزينة، لم تسمع عنه أي خبر. مر شهر ونصف ولم يأتِ أي خبر يطمئن قلوبهم جميعًا. لقد أجلت موعد العملية نصف شهر؛ لأنها تريد أن يكون معها، ولكن لم يظهر حتى الآن. دلفت والدتها إلى الغرفة تحمل صينية بها طعام الإفطار، على الرغم من أن الساعة الثانية ظهرًا، فهي لم تتناول الإفطار، بحجة أنها لا تريد أن تتناول أي شيء. تحدثت روح بحزن عميق على حال ابنتها:
-ماسة، مينفعش تسيبي نفسك من غير أكل، أنتي بتأخدي دواء. نظرت إلى والدتها ولم تتحدث. هتفت روح بيأس: -مش جعانة. وضعت روح صينية الطعام أمامها: -كلي عشان تقدري تسافري. نظرت إلى والدتها باستغراب: -أسافر؟ أسافر أروح فين؟ وقبل أن تتحدث، دلف والدها إلى الغرفة وعلامات الصرامة تحتل وجهه: -المستشفى كلمتني وقالت إنه مينفعش تأخير أكتر من كده، لازم تكوني بكرة بالكتير هناك. -بس يا بابا أن... قاطعها كريم بحنية:
-أنتي كده يا حبيبتي هتضيعي كل اللي آدم عمله. اقترب منها وهو يكمل: -يعني هو حاجزلك عند أحسن دكتور وأهم لعمليتك، وأنتي تعملي في نفسك كده... فكرك كده هيكون فرحان؟ -مش عايزة أعملها وهو مش موجود. -هيرجع إن شاء الله. وأكمل بابتسامة: -هيرجع وهيكون بيشوفك بتمشي. هزت رأسها باستسلام: -حضّري يا روح شنط السفر، الطائرة ميعادها الساعة عشرة بالليل. هزت روح رأسها بسعادة، فخيرًا وافقت ابنتها على الخضوع للجراحة. خرج والدها وهي نظرت
إلى الخاتم الذي في إصبعها: -إن شاء الله هترجع يا آدم... واثقة من كده. وبدأت في تناول الطعام ببطء. ************* فتح باب الغرفة ودخل ليجدها تنظر إلى صورته، فهذه أول مرة يغيب عنها بهذا الشكل. -أسيل. رفعت رأسها ليرى يونس دموعها التي تنزل على وجنتها: -وح... شني... أووي... يا... يو... نس. كانت تتحدث بين شهيقتها. اقترب منها وجلس بجوارها وأخذها في حضنه وبدأ يهدئ من حزنها: -اهدي يا حبيبتي... الحزن مش هيرجعه...
وأنتي عارفة إنه قال قبل كده إنه مش عايزنا نزعل. -ليه... ليه سيبته يشتغل الشغل ده... قولته يسيبه بس هو مسمعش الكلام... أنا عايزة ابني يا يونس. ضمها له أكثر: -هيرجع إن شاء الله... خلي أملك في ربنا كبير. -يا رب رجعهولي. رن حينها هاتفها وكان المتصل شقيقها كريم. ********** -جوليا. -نعم مستر. -الملفات دي لما مستر يونس ييجي خليه يمضيها. -أوك. -مفيش أي خبر عن آدم لسه؟ هزت رأسها بالرفض: -محدش عارف هو فين ومامته منهارة يومين.
صمتت قليلًا: -ربنا يرجعه بالسلامة. -إن شاء الله... عارفة. نظرت له بتركيز: -أول ما يرجع هعمل خطوبتنا. خرج وتركها تبتسم بسعادة، فقد تقرب منها بشدة وهي تعلقت به... وسوف تخبره عن اسمها الحقيقي... نعم لقد عزمت على هذا. ************** كان جالسًا على شواطئ الإسكندرية حزينًا على شقيقه... نصفه الآخر الذي لا يعلم أين هو. سمع صوتًا يعرفه حق المعرفة من خلفه: -هيرجع بالسلامة. نظر ووجدها تتقدم للوقوف على مقربة منه:
-كنت عارفة إني هلاقيك هنا. -رغد. أخفضت بصرها تنظر له، فهو جالس وهي واقفة: -بتعمل إيه هنا لوحدك من غير دبلتك... عايزة واحدة تاخدك مني؟ نظر إلى يده، لقد نسي وضع دبلته في يده... لقد خطبها منذ أسبوعين وعمل خطوبة صغيرة فقط ليعلم الكل أنها له. ابتسم على غيرتها: -نسيتها يا ست رغد كنت مشغول. -أمممم... مشغول ولا عشان حلو عايز تشقطلك كام واحدة؟ -الله يخليكي مش غاوي نكد الأيام دي. -أنا نكدية شكراً أوي يا أيمن باشا. -رغووود...
حبيبتي... أنا مش فايق سيبيني أتفرج على غروب الشمس بسلام. -ادعيله يا أيمن... ربنا بيستجيب لمن يدعوه. -ربنا يجيبه بالسلامة. وقبل أن تتحدث هي مرة أخرى... رن هاتف أيمن وكانت والدته: -أيوه يا ماما..... عند الشط. وقف سريعًا: -ده بجد... ط... طب أنا جاي... ماشي... ماشي. أغلق هاتفه... ووضعه في جيبه. تحدثت رغد مستغربة منه: -في إيه؟ -ماسة هتسافر عشان العملية. ************* كانت تبكي وحيدة داخل منزلها على سجادة الصلاة...
تدعو من خلقها ورزقها بابنها الوحيد أن يعود لها سالمًا معافى. بعد أن انتهت من صلاتها رفعت يدها تدعو... لقول الله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾. دخل أنس عليها وهو حزين أيضًا على تأخر ولده في تلك المهمة. جلس على الكرسي ينظر لها... تحدثت هي بعد أن فرغت من الدعاء: -أول... ما... يرجع... إن شاء الله... مش هخليه يش... تغل... كده تاني... وهجوزه. ابتسم أنس علها: -يرجع إن شاء الله ونعمل اللي أنتي عايزاه. -وحشنييييي أووي يا أنس.
-وأنا كمان. رن هاتفه برقم كريم ليجيب. *********** في المطار كانوا يقف كل من يونس وأسيل وأيمن وماري... وعمر وضحى ورغد... وأنس وسلمى... يودعون كريم وروح وماسة. تحدث كريم: -تعبتوا نفسكم ليه؟ تحدثت أسيل: -تعب إيه، أنتي زي بنتي قبل ما تكوني بنتي... ثم إننا هنيجي لكم بكرة. تحدثت روح: -كده تعب عليكم. -رووح متزعلينيش منك... والله لو كان في طيارة كمان كنا جينا معاكم. ابتسم كريم على تصرفات أخته. أعطى يونس لكريم
مفتاح شقتهم في إيطاليا: -بص بقى اتصرف فيها كأنها بتاعتك. -مالهاش لزمة هنحجز في فندق. -وليه الكلفة... بنتك محتاجة كل جنيه وربنا يقومها بالسلامة... وبعدين إحنا إخوات ومتزعلنيش منك. بعد إصرار أخذ كريم المفتاح. تحدث عمر: -تروحوا وترجعوا بالسلامة. -إن شاء الله. وتحدث أنس: -ربنا يتمم شفاءها على خير. -بإذن الله. سمعوا النداء الخاص بالطائرة... ليودعوهم ويذهبوا. تحدث يونس: -يلا نروح عشان نلحق نجهز. -حاضر... يلا يا ماري.
-شيلني. -بنت أنتي كبرتي. دبدبت بقدمها: -شيلني... شيلني. حملها يونس: -أشيلك أنا ممكن. قبلت خده... وأخرجت لسانها لأسيل: -شوفتِ البت. ضحك يونس: -دي حبيبة بابا دي. -طيب يلا... يلا يا أيمن. -حاااضر. وقبل أن يتحركوا رن هاتفه ليجيب على الفور بعد قراءة اسم المتصل... لتعتليه الصدمة الكبرى. ***************** نهارًا في إيطاليا... كانت مستلقية على ذلك السرير الأبيض وتلك الغرفة المعقمة الباردة بفعل المكيف...
وتنظر إلى ثوبها الخاص بالمرضى... رفعت يدها ونظرت إلى الخاتم: -هتشفي بسببي يا آدم. دلفت الممرضة حينئذ تخبرها بقدوم الأطباء استعدادًا للعملية. ***************** كان التوتر يحل على والديها اللذين يجلسان بالخارج. كانت روح ممسكة بمصحف صغير تقرأ فيه لتهدأ من توترها وتدعي الله بين الحين والآخر. وصل يونس وأسيل وأيمن وماري. تحدث يونس: -بقالها قد إيه؟ -لسه داخلة من شوية. تحدثت أسيل: -هتخرج بخير إن شاء الله.
كانت الثواني والدقائق تمر عليهم ببطء شديد. كانوا ينظرون تقريبًا كل دقيقة إلى الساعة. مرت حوالي أربع ساعات ونصف، فهي عملية دقيقة وتستغرق وقتًا طويلًا. وبعد مرور نصف ساعة أخرى... لتكمل الخمس ساعات في الداخل. خرج أخيرًا الطبيب بوجه بشوش هادئ... تحدث العربية لأنه مصري: -الحمد لله... نجحت العملية. ******************* كانت مستلقية على الفراش في الغرفة البيضاء ومعلق في يدها محلول.
بدأت تفتح عينها ببطء بعد زوال تأثير المخدر عنها. فتحت عينها ولكن أغلقتها من شدة الضوء... ثم فتحتهما بعد أن تعودت عينها على الضوء. دارت ببصرها لتدرك أنها في غرفة بالمشفى بعد إنهاء الجراحة... لكن هل نجحت العملية أم لا؟ حركت بصرها في الغرفة لترى شخصًا واقفًا عند نافذة الغرفة التي هي فيها، كان يعطيها ظهره ويتحدث بالهاتف بصوت منخفض لم تسمع ما يقول... ولكن كانت تشعر بشيء غريب تجاه ذلك الشخص...
ظلت تنظر له على أمل أن ترى وجهه. وأخيرًا استدار لتصدم... وتحاول النهوض... أسرع لها وساعدها على الجلوس ووضع الوسائد خلفها: -خلي بالك. كانت غير مصدقة أنه يقف أمامها حقًا، هل يا ترى هو خيال أم تتوهم وجوده؟ رفعت يدها ببطء وقامت بقرص خده: -أي أي... عملتي كده ليه؟ -أنت حقيقي؟ -أومال هزار؟ وضع يده على خده المحمر من قرصتها: -دي بتوجع على فكرة. -أنا مش بحلم؟ -أنا بتكلم في إيه وأنتي في إيه؟ -آدم أنت بجد موجود؟
-أختفي عشان تفرحي. بدأت تدرك حقًا أنه موجود لتطير من السعادة... كانت تريد أن تنهض ولكن منعها: -براحة على نفسك... الدكتور قال همشي بعكاز فترة وبعدين هتمشي طبيعي. لم تكن تكترث لكلامه أو لم تسمعه أصلًا، كانت سعيدة أنه معها. عندما رآها تبكي من سعادتها مسح دموعها وهو يتحدث: -بحبك. لتحمر خدودها: -بتتكسفي يا ماستي؟ -بطلي رخامة. -هههه... ماشي. -هفضل هنا كتير؟ -لأ يومين وهننزل مصر. -أنت حليت كل حاجة؟ كانت تقصد علي جابر.
-وأنتي بتعملي العملية كان هو في المشنقة. تنهدت براااااحة فقد زاح هم عنها. ************* كانت جالسة تدعو ربها مثل كل يوم. فتح الباب ودخل... ولكنها لم تنتبه على من دخل، ظنته زوجها: -أنس أنت جيت بدري... نظرت له... نهضت سريعًا واحتضنته: -وحشتنيييي يا زفت كنت فين؟ -إيه يا ماما ده... غايب بقاله شهر ونص... وأسمع منك كلمة زفت. -ازعل بقي وأغيب شهرين! -ولا يوم واحد بعد كده. احتضنت وجهه بيدها: -متغبش كده تاني يا حبيبي.
-حاضر يا ماما... مش هغيب تاني. دخل أنس: -نورت البيت يا رائد. -بنورك. -عندي ليكم مفاجأة. نظرا إليها. -أنا حامل. فرح أنس كثيرًا ودَار بها، وفرح رائد أخيرًا فسيكون له أخ أو أخت. *********************** مرت أيام وشهور وسنوات عليهم... مرت عليهم ثماني سنوات. تزوج فيها أيمن ورغد، وآدم وماسة. أنجب أيمن طفل "يحيى"، أربع سنوات ونصف، وأنجب آدم بعده "سما" لديها أربع سنوات... وأنجبت سلمى فتى عمره ثماني سنوات اسمه "مهند".
واليوم هو خطبة ماري ورائد بعد بلوغها التاسعة عشرة من عمرها. كانت واقفة في الغرفة متوترة للغاية، كانت ماسة تزينها لأنها خبيرة. كانت رغد تساعدها، وأسيل واقفة تنظر إلى ابنتها بحب شديد. -شكلي حلو يا ماما؟ -عسل يا قلب أمك. تحدثت رغد: -بعد عسل دي يلا بينا على تحت. ********** كان يقف مع أصدقائه الذين يعتنون بأطفالهم. تحدث أيمن: -ولد... يحيى... متقلعش الشوز. تحدث الطفل بعصبية: -شكله وحش يا بابا... هقلعه. -أمك هتزعقلك.
-مش عايزة. -معلش لحد ما نروح. كانت سما تمسك بيد والدها آدم. -بابي بص... ولد نوتي... مش بيقعد ساكت. -كوني شاطرة ومتعمليش زيه. -المفروض عمو أيمن يضربه. -أنت مالك بيه؟ -مش عاجبني. -متبصيش عليه. -عايزة واحد تاني. -واحد تاني من إيه؟! -عايزة ولد تاني يا بابي... ده وحش. -اسكتي يا بت... أنتي جبتي الكلام ده منين... ده أمك هتعلقك. ضحك رائد عليهم. -الله يعينكم أنت الاثنين. تحدثوا بصوت واحد: -عقبالك.
نزلت ماري وكانت في قمة الروعة. علت الزغاريد من أسيل وسلمى... وضحى وروح وماسة ورغد. تحدث رائد: -ما شاء الله... قمر. خجلت كثيرًا. وضع كل من أيمن وآدم أيديهما على كتف رائد... انفزع. -في إيه؟ تحدث آدم: -عارف يا رائد... لو عرفت بس إنك زعلتها... أكمل أيمن: -يومك ساعتها مش هيعدي. بلع ريقه. -مقدرش أعمل كده أصلاً. كان الكل سعداء... وكان هو جالس بعيد عن الحضور بجوار أنس وكريم وعمر. -الحمد لله شفت بنتي عروسة. تحدث كريم:
-الحمد لله. كان مهند جالس معهم. تحدث أنس مع ولده: -أنت يا ولد مش معهم ليه؟ -أعمل إيه هناك؟ -روح العب مع العيال اللي هناك. -أنا راجل... ألعب معاهم ليه؟ جاءت حينها سما تركض على جدها كريم. -جدو! -إيه يا قلبي؟ -وحشتني. -وأنت كمان. اقتربت من مهند. -تعالى نلعب. -ماشي. تحدث أنس: -الله مش أنت راجل رايح تلعب ليه؟ -طلبت مني أرفض يعني؟ -لأ يا خويا روح. ضحكوا الأربعة. اقتربت أسيل من يونس...
وهو أخذها للحديقة الخلفية بعيدًا عن الضجة. -أممم... جايبني هنا ليه؟ -كنت عايز نقضي وقت بعيد عنهم شوية. -ماري كبرت وبقت عروسة. -الحمد لله إننا شفناها. -الحمد لله. -أسيل. -أممم. -وحشتينيييييي. -وأنت كمان. -بقولك وحشتينيييييي. -وأنت كمان وحشتني. -بجد والله؟ -أعمل إيه يعني؟ ضحك على براءتها التي لم تفقدها مع كل هذا العمر. -ولا حاجة يا بريئة. -أنا بريئة. هز رأسه. -أنتِ "بريئة يونس". تمت الحمد لله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!