الفصل 18 | من 43 فصل

رواية بعينك اسير الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
15
كلمة
6,218
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

كان عاصم وعائلته أمام منزل كارم. الميعاد المتفق عليه. كانت همس تحمل بيدها باقة ورد جميلة، بينما والديها كلاهما يحملان علب حلوى. فتح كارم الباب قائلاً بابتسامة: أهلاً وسهلاً، نورتونا. ردت هبة، والدة همس، بحنان: تسلم يا ابنيا. أفسح لهم المكان للدخول، فأتت والدته من الخلف قائلة بابتسامة كبيرة: أهلاً، البيت نور والله. اقتربت هبة منها معانقة إياها بود ومحبة: منور بأصحابه يا حبيبتي، وحشاني يا فاطمة. ربتت فاطمة

على كتفها قائلة بابتسامة: انتي كمان والله وحشاني. بعد الغداء، كانت همس تجلس برفقة كارم بحديقة الفيلا، شاردة بعالم آخر. فسألها: مالك سرحانة في إيه؟ نفت برأسها قائلة: مفيش. سألها مرة أخرى قائلاً: إيه اللي محيرك أوي كده؟ قوليلي يمكن أعرف أساعدك. غيرت الموضوع، فما يشغل عقلها هو آخر شخص يمكن أن تخبره. ليس لعدم ثقتها به، بل لأنها لا تريد جرحه. فكيف تحدث رجلاً يحبها عن حيرتها بالموافقة على رجل آخر؟ هو عمار أخباره إيه؟

ميان مجتش النهاردة تشوفه؟ تقبل رغبتها وأجابها على سؤالها: لأ مجتش، بس أنا اتصلت بحد متخصص هيتابع حالته، وفي ممرضة هتكون ملازمة ليه علطول. رددت همس بداخلها بتعجب: غريبة دي، قالتلي إنها هتعدي عليه. ثم تنهدت بعمق قائلة بحزن: لينا صعبانة عليا أوي، حتى هو كمان صعبان عليا. نفسي أروح أطمن عليها، بس أنا عارفة نفسي أول ما هشوف دموعها وزعلها هقول كل حاجة. طولت هخلف بوعدي لميان. كارم بهدوء:

هيخف إن شاء الله ويعرفها ظروفه، وكل حاجة هترجع زي ما كانت. أومأت برأسها وهي تتمنى فعلاً ذلك. بينما بالداخل، استأذن منها عاصم ليجيب على هاتف خاص بالعمل. فسألتها هبة حينها: خير يا فاطمة، إيه الموضوع اللي كنتي عايزة تكلميني فيه؟ فاطمة بابتسامة:

من غير لف ولا دوران، أنا عايزة نقرب بين كارم وهمس. هو بيحبها وهي رفضته عشان شيفاه زي أخوها، لكن إحنا نحاول نخليها تشوفه بطريقة تانية. مش هنغلب يعني، وتبقى محاولة أخيرة. كارم بيحبها ولسه شاريها وعنده أمل إنها يعني تيجي يوم وتوافق. صمتت هبة بحرج، ثم ردت بحزن لأجل كارم:

مش عارفة أقولك إيه يا فاطمة، بس همس متقدملها عريس وحاسة إنها هتوافق. لو محصلش نصيب معاكي في اللي بتقوليه، لكن لو حصل كل الكلام اللي قولتي ده، هيفضل بيني وبينك. اختفت ابتسامة فاطمة تدريجياً وهي تدعو الله بداخلها أن ترفض همس، فهي لن تتحمل أن يكسر قلب ابنها. *** "اللي حضرتك تشوفه يا بابا." قالتها همس بحرج وخجل بعد أن قص عليها عاصم رغبة يزن في الزواج منها. ابتسمت هبة بتوسع قائلة بلهفة: يعني نقول مبروك؟ موافقة عليها؟

أومأت همس برأسها بخجل، فأطلقت بعدها على الفور هبة الزغاريد. فأوقفها عاصم قائلاً: استني بس يا هبة، ميصحش كده. هبة بضيق: هو إيه اللي ما يصحش ده؟ أنا مستنية اليوم ده من زمان. أخيراً بنتك عجبها حد ووافقت عليه. دي كانت بتقول لا للعرسان ولا كأنهم هدوما.

استأذنت همس وغادرت من أمامهم سريعاً بخجل لغرفتها، وأعين عاصم تتابعها بضيق. لقد ظن أنها سترفض. تنهد وبداخله قرر ترك الأمر للأيام، لربما كان ظنه خطأ، وإن كان ظنه بمحله، وهو مرغماً على الزواج بابنته، لكن تكتمل تلك الزيجة أبداً ولن يعطيه غاليته. *** كان يجلس بغرفته شارداً، يشعر بأنه اقترف خطأ فادحاً بإقدامه على تلك الخطوة. يشعر بالخيانة والذنب ينحر قلبه، وما أبشع ذلك الشعور.

سمع صوت طرقات على باب غرفته. سمح للطارق بالدخول، ولم تكن سوى والدته. جلست بجانبه على الفراش قائلة بتردد: فكرت في اللي قلتلك عليه يا يا يزن؟ تنهد بعمق قائلاً بحزن بعد صمت دام لدقائق: أنا روحت لوالد همس، طلبت إيديها منه. تهللت أسارير والدته قائلة بسعادة كبيرة: ألف ألف مبروك يا ابني. أنت عملت الصح. صدقني بسمة لو كانت عايشة ومكانك يعني بعد الشر، هتعمل نفس اللي أنت عملته. الحياة مش بتقف على حد. رد عليها بثقة وصرامة:

بسمة لو كانت عايشة وأنا اللي مكانها، عمرها ما كانت هتعمل كده. أنا حاسس إني بخونها وبخون حبي ليها. سألته بجدية: طب أنت كنتي هترضي ليها بالعيشة دي من بعدك؟ لو هترضي تبقى أناني ومش بتحبها. لأن الحب تضحية. الحب إنك تكون سعيد طالما حبيبك سعيد. تبقى مبسوط حتى لو بعيد عنك طالما هو مبسوط خلاص. تستحمل أي حاجة طالما في مصلحته. وبقولهالك وهفضل أقولها: الحياة مش بتقف على حد. صمت ولم يجيب. فتنهدت والدته ثم تابعت بابتسامة صغيرة:

على العموم، أنت أخدت خطوة كويسة. مع الوقت هتحب همس، أنا متأكدة. هي أصلاً تتحب. ثم عاتبته قائلة: بس غلط لما روحت لعاصم من نفسك من غير ما ترجع لأبوك ولينانعم. مخطئ ويعلم ذلك، لكنه بدلاً من أن يعتذر، رد بحدة غير مقصودة من شدة ما يمر به من ضغط: اللي حصل بقى. ما جاش في بالي. وبعدين عملت اللي انتوا عايزينه، المهم إنه اتعمل. إزاي بقى مش مهم، النتيجة واحدة. عاتبته والدته قائلة:

عندك حق، النتيجة واحدة. بس اللي بنعمله ده لمصلحتك، وبكرة تعرف معنى كلامي ده كويس. شوف هتعمل إيه لما أبوك، وأنت عارفه زعله وحش. المرة دي هيكون لي حق يزعل بجد. قبل يدها وجبينها معتذراً منها: حقك عليا يا أمي. أنا بس مضغوط وبجد مش متحمل. أنا هروح لبابا وأقوله وهعتذر منه. أنا فعلاً ما كنتش أقصد. أومأت له بصمت. ثم سألته بجدية: عاصم رد عليك؟ قالك إيه موافقته؟ تنهد بعمق قائلاً بضيق: هيفكر وياخد رأيها ويرد علي.

سألته بتفكير وقلق: تفتكر هيرفض؟ نفى برأسه قائلاً: أنا اتكلمت مع همس قبلها وهي وافقت، بس معرفش رأي والدها إيه. تمنى يزن بداخله أن يرفض. رفعت يدها للأعلى مرددة بدعاء: إن شاء الله هيوافق ونفرح بيك قريب يا حبيبي. لو الجوازة دي تمت، هعملك فرح كبير وأعزم فيه إسكندرية كلها والناس كلها تتكلم عنه سنة. تنهد قائلاً بضيق: إن شاء الله.

ثم التفت بوجهه ينظر لصورة حبيبته المعلقة بالحائط أعلى الفراش بحزن. كان ينبغي أن تكون هي العروس. هي من كان يجب أن يقام لها ذلك الزفاف الكبير، وليست همس. نظرت له والدته بضيق قائلة بصرامة: طالما نويت تبدأ بداية جديدة، لازم صورتها تنزل من على الحيطة وكل حاجة تخصها تخرج بره أوضتك يا يزن. محدش قالك إنساها، بس عيش حياتك يا بني. راعي مشاعر همس كمان.

أومأ لها بصمت وهو يشعر بالقهر والحزن الكبير. يا ليت الأمر بتلك السهولة التي تتحدث بها والدتها، لأنهم خارج الموضوع ولم يعايش منهم أحداً ما يشعر به. يتحدثون هكذا. *** "أي درب سلكت هي؟ "بماذا أوقعت نفسها؟ ليتها استمعت لوالدها وتركتها تموت. فضلتها على نفسها، وبالأخير غدرت بها. ليست بغبية حتى لا تعرف سبب فعلة فريدة. إنها تريد أن تكسرها، تريد أن تغلق كل الطرق أمامها لكي ترتضي بسفيان زوجاً لها وتكف عن طلب الطلاق."

بعد مرور وقت ليس بالقصير أبداً، كان كلاهما يجلس على طرف من الفراش، يعطي ظهره للآخر، شارداً بعالم آخر. يضع سفيان رأسه بين يديه، يحاول التحكم بغضبه واستيائه مما حدث. بينما ميان كانت تنظر للفراغ بشرود، ودموعها تنساب على وجنتيها، وجسدها يرتجف بشدة. التفتت ببطء تنظر للفراش خلفها، حيث تلك البقعة التي تتوسطه، والتي تعلن عن فداحة ما حدث وفقدانها أعز ما تملك برغبتها وغير رغبتها بنفس الوقت.

التفت هو الآخر ينظر لها بصمت مشفقاً، غاضباً، لكن الشعور الأكبر المسيطر عليه الصدمة. تعالى رنين هاتفها، وما إن التقطته ونظرت لاسم المتصل، والذي لم يكن سوى والدها، انتفضت مكانها بخوف وذعر. اقترب منها بهدوء، وما إن رأى اسم والدها، نظر لها مشفقاً، ثم التقط منها الهاتف قائلاً بجدية: متخافيش، هتصرف. هرد عليه أنا. قبل أن تعترض، كان يجيب على الاتصال، ليأتيه صوت والدها القلق: ميان، انتي فين لحد دلوقتي؟

مش عادتك تفضلي بره للوقت ده. انتي كويسة يا حبيبتي؟ يرد سفيان بهدوء: أنا سفيان. التأخير ده من عندي. كنا بنتغدى سوا، وإحنا راجعين العربية اتعطلت. وعلى ما لقينا حد يصلحها، إحنا جاين في الطريق أهو، مش هنتأخر. رأفت بضيق: ميان مردتش عليا ليه؟ سفيان بهدوء: في التويلت، إحنا في بنزينة وأنا رديت بداله. ردد رأفت على مضض وبضيق كبير قبل أن يغلق الخط معه: متأخرهاش أكتر من كده.

أعطى سفيان الهاتف لميان التي التقطته منه بتوهان. لحظات مرت، والتفت الاثنان على صوت حركة المفتاح بالباب، يليه دخول فريدة ترتدي قناع الجمود رغم رعبها الداخلي من ردة فعل الاثنين. اقتربت ميان منها ببطء، ثم ردت بدموع ونفور لأول مرة تراه فريدة بعينيها: انتي عملتي كده قصد؟ عملتي كده عشان تكسريني، وما يكونش غير قدامي حل غير إني أقبل بالوضع ده؟ فريدة بقسوة وحدة:

آه عملت كده قصد. انتوا الاتنين أغبياء. بكرة يجي اليوم اللي تشكروني فيه على اللي بعمله ده. صرخت ميان عليها بغضب: عمره ما هيجي. اليوم ده عمره ما هيجي. اللي عملتيه ده ما تستاهليش عليه شكر. دي جريمة في حقي وحقه. ضيعتي فرحة أبويا بيا وكسرتيني. ياريت لساني كان اتقطع قبل ما أقول موافقة عشان أنقذ بس حياتك. وياريتك قدرتي ده.

بقيت فريدة على جمودها ولم تتأثر بما قالت. ترى أنها فعلت الصواب، وسيأتي اليوم الذي يقدران الاثنان فيه ما فعلت لهما. كادت ميان أن تذهب، لكن ما إن فعلت وخطت عدة خطوات، شعرت بالدوار وكادت أن تسقط. لكن لحق بها سفيان يتمسك بها بشدة، ناظراً هو الآخر لفريدة بخيبة أمل ونفور، لأول مرة بحياته قائلاً:

حاجة زي دي ما تستاهليش الشكر عليها. اللي عملتيه ده هيفضل علامة سودة في حياتك يا فريدة. عمري ما هنساها ولا هسامحك عليها طول العمر. نزلتِ في نظري أوي وعمرك ما هتقدري توصلي للمكان اللي كنتي فيه عندي بعد اللي حصل. لم تبالِ بما قال ولم تنظر لهما بالأساس. ساعد سفيان ميان على السير حتى وصل لسيارته. صعدت ولم تجادل، استندت برأسها على النافذة تبكي بصمت، خائفة مما هي مقبلة عليه. ***

"ما إن دخلت ميان من باب المنزل، تفاجأت بوجود جدها لوالدها 'سالم' برفقة والدها." ما إن رأته، ركضت إليه تعانقه قائلة بصوت باكي: وحشتني أوي يا جدو. ربت على خصلات شعرها برفق وحنان مردداً باشياق مماثل: انتي كمان وحشاني يا قلب جدك. أبعدها عنه قليلاً ليرى وجهها قائلاً بقلق ما رآها تبكي بهذا الشكل: ليه الدموع دي يا غالية؟ مين اللي مزعلك؟ نفت برأسها قائلة بابتسامة زائفة لم تصل لعيناها: مفيش يا جدو، بس حضرتك كنت واحشني أوي.

يجذبها لأحضانه ولم يصدق ما قالت حتى والدها نفس الشيء، لكنه رد قائلاً بعتاب: طب ما كنتيش بتيجي ليه؟ ده أنا قولت لأبوكي يبعتك تقضي معانا كام يوم في البلد، بس قال إن الامتحانات قربت. كلهم هناك نفسهم يشوفوكي. بس خلاص أنا جيتلك أهو، وأول ما امتحاناتك تخلص هاخدك تقعدي معانا لحد ما تزهقي منا. أرغمت نفسها على الابتسام، فربت على خصلات شعرها بحنان. جاء صوت والدتها من خلفهم قائلة لسالم:

اتفضل حضرتك أوضتك جاهزة عشان ترتاح من السفر، زمانك تعبان. أومأ لها بابتسامة ثم صعد لأعلى برفقة علي. بينما رأفت سأل ميان بحدة: كنتي بتعملي إيه معاه؟ هربت من النظر لعينيه قائلة بكذب: جالي ع الجامعة وعزمني نتغدى سوا، بس وإحنا راجعين العربية اتعطلت عشان كده اتأخرنا. جز على أسنانه قائلاً بغضب وصرامة:

مرة تانية ماتخرجيش معاه في أي مكان من غير ما تعرفيني. كتب كتابك انتي وهو مش معناه إنك تخرجي معاه في أي وقت من غير إذني. طول ما انتي في بيت أبوكي تاخدي الإذن مني أنا. أومأت له بنعم واعتذرت منه قائلة: عند حضرتك حق، أنا أسفة. هتطلع أرتاح، تصبح على خير. ثم صعدت لغرفتها، وما إن دخلت، ارتمت بجسدها على الفراش تبكي بقوة وجسدها ينتفض من شدة البكاء حتى تعالت شهقاتها رويداً رويداً.

لم تشعر بباب الغرفة الذي فُتح ودخل منه جدها قائلاً بقلق وهو يربت على خصلات شعرها برفق: مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟ مين اللي زعلك؟ ثم تابع بحدة: اوعي يكون اللي اسمه سفيان ده؟ اعتدلت جالسة والدموع تنهمر على وجنتيها بغزارة، فتنهد هو متابعاً بحزن وعتاب: أبوكي حكالي وزعلت منك أوي يا بنتي. أياً كان السبب، مافيش حد بيتجوز بالطريقة دي. خسرتي كتير قوي وأنتي الوحيدة اللي هتطلعي خسرانة وتشيل الليلة. ثم تابع بضيق:

أنتي مش هتكوني عند فريدة أغلى من حفيدها. لو اتحطيتي في مقارنة معاه هتختاره هو وهتيجي عليكي عشانه. فريدة مش حقانية، واللي يثبتلك ده خي. عارفة سوء طبع حفيدها ومع ذلك قبلت تضحي بيكي. فريدة بتستخدمك كأداة عشان تصلح اللي هي وابنها ومرات ابنها فشلوا فيه. واللي هو التربية. تنهد متابعاً بضيق:

كتير أوي بيبقوا فاكرين إنهم لما يجوزوا ابنهم اللي فشلوا في تربيته وفقدوا الأمل فيه إنه يتغير، من بنت محترمة كده بقى هو هيتعلل، وإنها هتعمل اللي هما فشلوا فيه. ده على أساس إن بنات الناس مصحة. زفر بضيق قائلاً بحدة:

فريدة عملت معاكي كده بالظبط. اللي زي سفيان ده ناكر للعشرة يا بنتي. أبوكي بيحكيلي اللي بيعمله كله. اللي زيه ما يتعاشرش ولا يتوثق فيه. مش ده اللي الواحدة تأمن على نفسها معاه. باختصار، كل الزي بيعمله ده مش من تصرفات الرجولة أبداً. والله يا بنتي، حبك كتير على واحد زيه. انفجرت باكية وارتمت بين أحضان جدها قائلة بقهر كبير وندم: عارفة إني غلطانة، ويا ريتني سمعت من بابا. أنا في مصيبة يا جدو. أبعدها عن أحضانه قائلاً بقلق:

مصيبة إيه يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟ قلقتيني. صمتت لدقائق طويلة قبل أن تقص عليه بتردد ما حدث، خاتمة حديثها بقهر: يا ريتني سبتها تموت يا جدو. أنا ضحيت وقبلت بيه عشان هي في الآخر تعمل فيا كده. ثم تابعت بخوف: هتصرف إزاي دلوقتي؟ بابا لو عرف مش هيسامحني. هيلومني عشان وافقت من الأول. قبض سالم بيده على عصاه الخشبية التي يستند عليها قائلاً بغضب وصرامة:

سيبيلي فريدة، أنا هعرف أتصرف معاها. دلوقتي احكيلي كل حاجة حصلت من الأول. كل حاجة يا ميان من غير ما تخبي ولا حرف. مسحت دموعها وبدأت تقص عليه كل شيء تعرفه، بداية من رؤيتها لنرمين برفقة ذلك الرجل حتى ما حدث منذ قليل. ما إن انتهت، سألها بصدمة وعدم استيعاب: كاميليا؟ قتلت مروان؟ حفيدي؟ أومأت له بدموع قائلة: عملت حاجات كتير أوي يا جدو، دي مستحيل تكون بني آدمة. ليه بتعمل كده؟ معقول الطمع يوصل الإنسان للحال ده؟

طب ليه قتلت أخويا؟ ليه بتدمرنا؟ محدش فينا أذاها! سالم بتهكم وغضب: هستغرب ليه؟ طبع سفيان وما شاء الله واخد من الست الوالدة وجدته. اتربى وسط تعابين هيطلع إيه؟ يا خسارة، ما طلعش لأبوه الله يرحمه. ميان بدموع وحزن: عمار هو الوحيد اللي طالع لعمي شريف الله يرحمه. كاميليا ما رحمتش حتى ولادها. أذاهم. طالهم. عمار صعبان عليا أوي. ثم تابعت بدموع: أنا خايفة أوي يا جدو. قلبي بيقولي إن اللي بيحصل ده ولا حاجة من اللي داخلة عليه.

قبض بيده على عصاه قائلاً بصرامة: هنسرع في الجوازة على قد ما نقدر. حتى لو هيكون بعد امتحاناتك بيوم. ما بقاش ينفع تطلقي وأنتي كده. أما فريدة، خليها تحلم وتخطط وهتتصدم في الآخر. كل واحد فيهم هيدفع التمن. بداية من فريدة لحد اللي اسمه زاهر ده. *** "ما إن أوصلها، عاد للفيلا. وما إن دخل لغرفته، اعتدلت نرمين قائلة بلهفة: عملت إيه يا سفيان؟ خدتلي حقي منها؟

أومأ لها بصمت وشرود وهو يتحاشى النظر لعيناها. غادر الغرفة وتوجه للأسفل حيث بهو الفيلا. صدره يعلو ويهبط من شدة الغضب والانفعال. نظر لصورة كبيرة معلقة على الحائط تضمه هو وشقيقه وفريدة. التقط أحد التحف من جانبه وألقاها عليها، فوقعت متهشمة على الأخير.

جلس أرضاً يضع رأسه بين يديه وعقله لا يستوعب ما فعلته جدته وكيف أوصلت الأمور بينهما. صورتها وهي ترتجف وتبكي لا تفارق باله، مشفق، حزين عليها. ولربما يشعر هكذا لأنه تأكد من أنه الرجل الأول بحياتها. *** "بعد انعزال يومان بمنزلها، قررت أخيراً أن تخرج مما هي فيه. الوقت ليس بيدها. ما وراءها الكثير. عمار يجب عليها الاطمئنان عليه وعلاجه. تواصلت اليومان الماضيان مع كارم تتابع حالته من بعيد."

"عليها رؤية لينا والاطمئنان عليها. اختفت منذ تلك الليلة التي أخبرها عمار أنه لا يريدها." "عليها الالتقاء بهمّس لمعرفة معلومات عن نرمين. كانت قد كلفتها بالبحث عنها." "عليها العودة ومراقبة كاميليا ونرمين وذلك المدعو زاهر. يجب أن تعرف من هو." تجهزت ونزلت الأسفل. ما إن خرجت من البناية، تفاجأت بلينا تدخلها. سألتها بابتسامة حزينة: أنتي كويسة؟ نفت لينا برأسها عدة مرات، ثم ألقت بنفسها بأحضانها قائلة بندم وألم:

مكنش ينفع أثق فيه. ما يستاهلش. هو اللي قرب الأول وقال بيحبني. ليه مقالش إنه إعجاب؟ ليه مصارحنيش من الأول؟ ابتعدت لينا تمسح دموعها. فرددت ميان بحزن: أنا متأكدة إن عمار بيحبك. جايز يكون في حاجة أجبرته يبعد عنك. اتمسكي بيا لينا، صدقيني هو يستاهل حبك، وأنا واثقة مية في المية إنه بيحبك. خدي بنصيحتي، محدش يعرف عمار أكتر مني. سخرت لينا قائلة بحدة ودون وعي، مفرغة كل غضبها بميان: كنتي انصحي نفسك الأول وبعدين تشكي مين لمين؟

ليكي وإنتي بنت خالته وهتكوني في صفه. لازم هتدافعي عنه وتبرري ليه عشان خاطر حبيب القلب. ميان بحدة: أنا مش كده وإنتي عارفة كويس. لو مكنش بيحبك بجد، عمري ما كنت هقولك الكلام ده. عمار بيحبك. اسأليه سبب اللي عمله. لينا بغضب من دفاعها عنه: أنا مش زيك يا ميان. هفضل أجري ورا واحد مش عايزني ورفضي صريح كده. عايزاني أفضل أقنع نفسي إنه بيحبني وأجري وراه؟

أنا كرامتي قبل أي حاجة. ولو حبي لعمار هيقل منها يبقى يغور الحب ده، مش عاوزاه. كلمات لينا شقت قلب الأخرى لنصفين. لمعت عيناها بدموع أبت النزول، قائلة بصوت مختنق: عندك حق، أنتي مش زيي يا لينا. ندمت لينا على ما تفوهت به من حماقة قبل أن تعتذر منها. التفتت ميان لتغادر، لتقع عيناها على همس الواقفة خلفها، والتي وصلت منذ لحظات لترى الاثنتين واستمعت لما قالته لينا أخيراً.

غادرت ميان وتركتهما، وما إن أعطتهم ظهرها، انسابت دموعها على وجنتيها من الحزن والقهقرة. اقتربت همس من لينا قائلة بغضب وعتاب: جرا لك إيه يا لينا؟ إزاي تكلميها كده؟ جرحتيها أوي. أسلوبك كان وحش جداً، وقولتي كلام ما يصحش يتقال. لينا بغضب: إنتي متعرفيش حاجة. هي بتدافع عنه، واقفة معاه. هي مش شايفة وجعي؟ هو خان ثقتي ومع ذلك بتقولي مجبور؟ قوليلي إيه اللي يجبر واحد يعمل كده؟ ليه مصارحنيش من الأول وقالي إنه مجرد إعجاب؟

كنت ساعتها هتعامل على الأساس ده. همس بتوتر: ما يمكن عندها حق يا لينا. بس إنتي أكتر واحدة تقدري تحددي هو فعلاً كان بيحبك بصدق أو بيخدعك. كل واحد يقدر يعرف اللي قدامه بيحبه أو بيكرهه. القلب بيحس بكل ده. صمتت لينا للحظات تسترجع بعقلها مواقفها معه، كلماته ونظراته الهائمة لها كلما رآها. لكن قبل أن يلين قلبها، عصفت كلماته برأسها، خاصة حين أخبرها أنه لن يحارب لأجلها ويخسر شقيقه. فصرخت على همس بغضب ودموع:

حطاله عذر وهي كمان حطاله عذر. فكرتوا فيه هو؟ طب وأنا إيه؟ هو أناني وما يستاهلش. قرب لما شاف إنه معجب بيا وقال لك هيقلب بحب بعدين قالي بيحبني وهو مش كده. لما شاف إن مقلبش بحب بعد. طب وأنا فين من ده كله؟ مفكرش فيا ليه؟ مصارحنيش من الأول؟ حتى إنه قالي أخويا مش موافق ومش هخسر أخويا عشانك. صمتت قليلاً ثم قالت بخذلان: حتى لو حبه لأخوه أجبره إنه يبعد عني، أثق فيه إزاي؟ أنا محاربش عشاني ومن أول موقف. إزاي آمن على نفسي معاه؟

ياريتني ما شفته ولا عرفته. احتضنت همس قائلة بدموع وألم: أنا تعبانة أوي يا همس وموجوعة. حتى ميان قولتلها كلام يوجعها وهي مش ناقصة. أنا مش عارفة بقول إيه، بس مش طايقة نفسي ولا طايقة حد. مش عارفه أقول لماما إيه لما يجي ميعاد زيارتهم عشان يطلبوا إيدي. أقولها رفضت بنتك ورجعت في كلامه وقالت مش عايزها؟ مش قادرة أقولها كده بعد ما شوفت فرحتها لما عرفت. ترددت همس، لكنها حسمت أمرها وأبعدتها عنها قائلة بحزن: لينا، عمار مظلوم.

مش زي ما إنتي فاكرة. قطبت لينا جبينها بعدم فهم. فتنهدت همس بعمق ثم بدأت تقص عليها كل شيء أخبرتها به ميان، والأخرى تستمع لها بصدمة والدموع تنساب من عينيها، وقد تضاعف شعورها الخذلان منه. *** "توقفت ميان بسيارتها بمنتصف الطريق تبكي بقوة. كلمات لينا ألمتها وحطمت قلبها. لكن لحظة وشهقت بقوة عندما فتح باب سيارتها وسحبها أحدهم بقوة. لكن قبل أن تصرخ وتصدر رد فعل، كان يقوم برش مخدر على وجهه، فسقطت بين ذراعيه فاقدة للوعي." ***

"دخل كارم لمكتب عاصم ليأخذ توقيعه على بعض الأوراق. وما إن انتهى، قال عاصم بابتسامة: لو في أي ورق تاني محتاج توقيع هات، لأن بكرة إجازة يا كارم." "قطب كارم جبينه قائلاً: مش من عوايد سيادتك، يعني حضرتك مش بتحب الإجازات." "عاصم بهدوء: عقبالك يا سيدي. همس قراية فتحتها بكرة." تصنم بمكانه، ووقعت الكلمات على أذنيه كالصاعقة. نظر عاصم له مشفقاً عندما رأى الصدمة ترتسم على ملامح وجهه الشاحب. فردد بحزن:

كارم، أنا مش هقولك إنك زي ابني، لأ، إنت ابني يعني فعلاً. والله لو بنتي بس كانت وافقت، ما كنت اترددت ثانية واحدة إني أوافق. بس زي ما أنت عارف، كل شيء قسمة ونصيب وربنا يرزقك الأحسن. ابتلع غصة مريرة بحلقه قائلاً بصعوبة: شرف ليا إن حضرتك بتعتبرني زي ابنك. همس زي أختي وربنا يتمم لها على خير. أومأ له عاصم بحزن، فاستأذن منه كارم قائلاً بصعوبة: ألف مبروك، وإن شاء الله لما أشوفها أبارك لها بنفسي. عن إذن حضرتك.

غادر كارم المكتب، بل المكان بأكمله يشعر بألم بشع يعتصر قلبه. عن قريب ستصبح ملكاً لغيره، اختارته بإرادتها، وهذا يعني أنها... تحبه. *** "كانت فريدة تجلس بمنزلها تحاول التواصل مع عمار، لكنه كالعادة لا يجيب على هاتفه. حتى أنها اتصلت بقصي، لكنه لا يعرف عنه شيء منذ يومان هاتفه مغلق."

"تملك الخوف من قلبها، وارتدت ثيابها لتذهب لسفيان حتى يبحث عنه، فهو لا يجيب على اتصالاتها. لكن ما إن فتحت الباب، تفاجأت أمامها بآخر شخص توقعت رؤيته. ابتلعت ريقها قائلة: سالــم! *** "بتلك الغرفة التي تم تفريغها من كل شيء حاد، أصبحت تلائم غرف المستشفى." "كان عمار يجلس أرضاً يضم قدمه لصدره، ينظر للفراغ بشرود حزين، يفكر بها وحدها من تشغل عقله وباله. ترى كيف حالها؟ بماذا تشعر الآن؟

"انتبه لصوت فتح باب غرفته، يليه دخول ذلك الشاب الذي رآه عدة مرات. حديثهما يقتصر فقط على كيف يشعر الآن." "جلس بجانبه أرضاً قائلاً بهدوء: بتحبها؟ "أومأ له عمار دون حديث." "فقال

كارم بهدوء: تعرف إنك بتفكرني بواحد قريب على قلبي أوي، صاحب عمري. غدروا بيه، وبرود ودخلوه في الطريق ده. غدر بس مكنش قوي كفاية وعنده إرادة عشان يتعالج. كان بيضعف ويطلع يجري طول الوقت للسم ده من تاني. لحد ما في مرة أخد جرعة كبيرة واتوفى. بس هو كان وحيد زي ما تقول كده، عايش في الدنيا بطوله." "ثم نظر لعمار متابعاً

بتشجيع: بس أنت عندك اللي تحارب عشانه. عيلتك وحبيبتك وحياتك اللي لسه مبدأتش. اللي حصل ده درس ليك عشان تتعلم ما تثقش في أي حد." "أومأ له عمار قائلاً بحزن: أنا قلقان عليها، جرحتها أوي. عمرها ما هتسامحني." "كارم بابتسامة: طالما بتحبك، هتسامحك. في النهاية أنت عملت كده عشان مصلحتها. بصراحة مش عارف أقول لك لو مكانك كنت هعمل إيه عشان مش في الموقف. يمكن أعمل زيك أو العكس." "عمار بابتسامة: بتحب؟

"تنهد كارم بحزن قائلاً: بحب، بس ملناش نصيب مع بعض." -ليه؟ "ردد كارم بحزن وألم يعتصر قلبه: بتحب غيري." "صمت عمار مشفقاً عليه. وقبل أن يقول شيئاً، دخلت همس للغرفة وظهرت من خلفها لينا. انتفض عمار واقفاً مردداً بصدمة وحزن: لينا! "غادر كارم الغرفة مشيراً برأسه لهمس لتتبعه لخارج الغرفة، وتركوا الاثنين معاً." *** "ما إن أبصره أمامها، بقت تنظر له بأعين تلمع بالدموع وهي تضغط على شفتيها بقوة وجسدها يرتجف. بعد صمت دام للحظات،

سألها بصوت حزين متألم: جيتي هنا ليه؟ "نطقت بصعوبة وبصوت مختنق: عايز تعرف إن جيت ليها." "أومأ له بصمت. سرعان ما تحول لصدمة عندما هوت بيدها على صدغه تصفعه. تنهد بعمق مبتلعاً غصة مريرة بحلقه ولم يعلق على فعلتها." "فسألته بدموع فشلت في كتمانها أكثر من ذلك: مش عايز تعرف ضربتك ليه؟ "كل ما خرج من شفتيه ثلاث كلمات: أكيد عندك سبب." "صرخت عليه بغضب وحزن: أسباب مش سبب! عملت فيا كده ليه؟

"دفعته بصدره عدة مرات وهي تملي عليه أسألتها بلا توقف والدموع تغرق وجهها: ليه اخترت الحل الأصعب؟ وليه رفضت تشاركني وجعك وتحكيلي؟ ليه اتعاملت معايا كأنِ غريبة وأنا اللي المفروض أكون أقرب لك؟ ليه لما قررت تبعد اختارت أكتر حاجة بتوجعني وعملتها؟ "توقفت بجسد مرتجف عن الحركة تنظر لداخل عينيه. بينما هو ساكن تماماً يتقبل ضرباتها بصمت وقلبه يتألم ويدمي لأجلها." "فسألته بضعف وعتاب: ليه يا عمار؟ "نزلت دموعه بصمت مردفاً

بعذاب وقلب متألم: غصب عني، مش بإيدي." "ضحكت بسخرية وهي تمسح دموعها بيدها بعشوائية: مش بإيدك؟ لأ، كان بإيدك يا عمار. كان بإيدك تيجي تحكيلي. كان بإيدك تحدد أنا إيه بالنسبة ليك. كان بإيدك تبعد بطريقة تانية من غير ما تعمل أكتر حاجة بتوجعني. كان بإيدك تعمل حاجات كتير بس انت اخترت الأسهل." "جذبها من كتفها لتصبح أمامه مباشرة، صارخاً عليها بغضب وصوت معذب: مين قالك إنه كان الأسهل؟

ده كان أصعب قرار فيهم. آه، كان فيه كذا زفت حل، بس أنا اخترت عذابي في بعدك. اخترت إنك تكونِ مع واحد أنضف مني يستاهلك مش زيي. أنا كل اختياراتي كانت بس عشانك ولمصلحتك يا لينا." "صرخت عليه هي الأخرى بغضب ودموع، دافعة يده بعيداً عنها: ومين طلب منك تختارلي؟ مين قالك إني هبقى مبسوطة مع غيرك؟ مين قالك إن مصلحتي مش معاك؟ مين قالك إني مش شيفاك أنضف راجل في الدنيا وإني ممكن غيرك يملا عيني؟ "ثم

تابعت بحزن وألم: كان ممكن تنهي كل ده وما توجعناش إحنا الاتنين. كان ممكن بس تسألني. إنتي عايزة إيه؟ هتختاريني ولا لأ؟ وكنت سيبني أنا أقرر وأختار." "اخفض وجهه بحزن ودموعه تنهمر على وجنتيه بصمت. وما إن أنهت حديثها، رفع رأسه قائلاً بوجع: اخترتي إيه؟ "صمتت للحظات قبل أن تتراجع للخلف قائلة بدموع: بعد اللي عملته ده مستحيل أختارك يا عمار. 💔" *** "بعد ساعات قليلة."

"كانت غافية على ذلك الفراش لا حول لها ولا قوة، بينما تلك اليد تتلمس جسدها وتتحسس ملامح وجهها بهوس وأعين لامعة بحب كبير. اقترب بوجهه منها، ممرراً أنفه على خصلات شعرها يشتمها مردداً بسعادة: إنتي في أمان معايا. مش هسمح لهم يأذوكي. إنتي أغلى حاجة في حياتي. مستحيل أخليكي تضيعي من إيدي. مش هخسرك زيهم."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...