الفصل 12 | من 43 فصل

رواية بعينك اسير الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
20
كلمة
6,071
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

رحبت عائلة مهران بعاصم وأسرته ترحيباً حاراً، خاصة أحلام التي لم تترك همس منذ أن جاءت، تحتضنها وتقبل وجنتها من حين لآخر، مادحة في جمالها وأدبها، مما جعل الجميع يتعجب مما تفعله. كان صلاح يلعب الشطرنج مع عاصم، تاركين للشباب مهمة شوي اللحم، وزوجاتهم بالمطبخ يشرفن على تجهيزات الطعام.

بينما همس كانت تقف بجانب يزن، تمسك بيدها مروحة يدوية مصنوعة من الريش، تهوي بها على الفحم، وهو بجانبها يقوم بتقليب اللحم على جانبه الآخر. كانت تتابعه بطرف عينيها باهتمام وإعجاب، كم يبدو وسيماً باللون الأبيض، وهدوؤه وقلة حديثه تجعلاه يكتسب كاريزما. كم يعجبها ذلك الطبيب ويجعلها تنجذب له، وهي التي كما تقول والدتها "لا يعجبها العجب".

دون أن تنتبه، لمست بأصبعها قطعة الحديد الساخنة بالشواية، فأنت بألم. وهي تضع يدها بأصبعها وتلقي الهواه من يدها. التفتت لها يزن مغمغماً بقلق وهو يمسك كف يدها يتفحصه: "انتي كويسة؟ أومأت له بنعم، لكنه لم يصدق، فيبدو أنه يحرقها من الألم المرتسم على ملامح وجهها. ردد سريعاً وهو يغادر لداخل الفيلا: "استني لحظة وراجعلك."

لكن ما إن غاب عن الأنظار، اقترب منها ذلك السمج كما لقبته بداخله، وهو نادر، زوج شقيقته ياسمين، الذي لم يتوقف منذ أن جاءت عن النظر إليها بطريقة وقحة. صمتت مضطرة، لأنها ليست بمنزلها، فلو كانت الظروف تختلف لكانت لقنت ذلك الحقير درساً قاسياً لن ينساه طوال حياته. وقف بحانبها مردداً: "ايه يا قمر واقفة لوحدك ليه؟ ملوش حق يزن ازاي يسيبك ويدخل كده، معندوش نظر صحيح عشان يسيب واحدة زي القمر واقفة لوحدها كده." جزت على

أسنانها قائلة بصوت خفيض: "وانت مال اهلك، اسمع يا بتاع انت، أنا ساكتة عن نظراتك وعينك اللي تدب فيها رصاصة دي عشان محترمة أصحاب البيت، لكن قسماً عظماً لو ما لميت نفسك ما هيهمني حد وهمسح بكرامتك الأرض، ده لو كان عندك كرامة من أصله." قالتها ثم غادرت من أمامه، دافعة إياه بيده باشمئزاز، جعلته يجز على أسنانه بغل متوعداً لها. أوقفها يزن قائلاً: "تعالي، جبت كريم للحروق. اقعد."

ثم جذبها لتجلس على المقعد، وهو انحنى هو على ركبتيه ماسكاً يدها، ثم بدأ بوضع الكريم برفق على إصبعها. رفع رأسه صدفه لينظر لها، فتلاقت عيناه مع خاصتها ليشرد بها و بجمالها. تلك الفتاة ما بها؟ ما المختلف بها؟ تشبه الكثير من الفتيات، ليست بمميزة، بل على العكس، رأى الكثير يشبهونها، لكن لما هي بالأخص تثيره بتلك الطريقة؟

لطالما كان تعجبه الفتيات الهادئات، وكان يحب ذلك. ببسمة التي تشبه شخصيته بدرجة كبيرة، وعند ذكر اسم حبيبته الراحلة، انتفض واقفاً، وقد عاد لوعيه، معنفا ذاته التي فكرت بأخرى غير حبيبته الراحلة!! توقفت هي الأخرى بخجل وحرج، لم ينقذها سوى رنين هاتفها برقم "كارم". أجابت على الفور ليأتيها صوته من الناحية الأخرى: "همس، عايز أشوفك، ممكنا؟ أجابته بتردد: "بس أنا بره البيت، هي حاجة ضرورية أوي يا كارم؟

عند ذكر اسمه، ذلك الضابط، نظر لها يزن يتابع المكالمة باهتمام. بينما كارم سألها على الفور: "انتي فين وأنا أجلك." أجابته بتردد وهي تبتعد عن أعين يزن التي تناظرها باهتمام: "إحنا عند صاحب بابا، بص هبعتلك العنوان وفي كافيه جنب الفيلا هقابلك فيه، وابقى أرجع تاني." بعد دقائق، وصلتها رسالة بتواجده بالكافيه. استأذنت منهم لتغادر، فسألها عاصم: "رايحة فين؟ أجابت ببعض التوتر:

"مفيش، في حد من صحابي في مكان قريب من هنا أوي، هشوفها وهرجع علطول." قالتها ثم غادرت، ويزن يتابعها بضيق لكذبها، وأيضاً أخذ يتساءل، لما تكذب؟ هل هناك علاقة بينها وبين ذلك الضابط!!!! دخلت همس للكافيه بعد دقائق لتجده ينتظرها، وما إن رآها توقف قائلاً: أعين لامعة وحب. تلك النظرة كما قالت والدته له ذات يوم، أنه يخصها بها وحدها دوناً عن غيرها. عيناه تلمع بالحب ما إن يراها، ويصبح سعيداً كالطفل الصغير الذي رأى والدته.

سألته بعد دقيقة أو اثنتين من السلام: "ها يا سيدي، أيه المهم اللي عايزني فيه وما يستناش لبكرة؟ ابتلع ريقه قائلاً بتردد، وهو خائف من رفضها له مرة أخرى: "همس، هو مفيش أمل إنك، إنك توافقي على جوازك مني؟ كل اللي محتاجة منك تديني بس فرصة، وأنا أوعدك هخليكي تحبيني." اخفضت وجهها بحزن قائلة: "مش كنا قفلنا الموضوع ده يا كارم، وقلنا إحنا صحاب وإخوات؟ ردد بحزن وحدّة: "اتقفل بالنسبة ليكي انتي، بالنسبة ليا أنا لأ." رددت بحزن

وهي تتخاشى النظر لعينيه: "أنا مش قادرة أشوفك غير كده يا كارم، ده مش تقليل منك، انت تستاهل الأحسن مني مية مرة." ردد بحزن ورجاء: "بس أنا عايزك انتي." "وبستنه" تنهدت بحزن قائلة: "كل شيء قسمة ونصيب يا كارم، عشان خاطري متزعلش مني، مش بإيدي والله. مش عايزة أخسرك كصديق، بس لو بعدك عني وإنك تبطل تشوفني هيخليك تنساني، يبقى ابعد يا كارم، لأني مش أنانية ومش عايزة أخليك رابط نفسك بيا. في مية بنت غيري وأحسن يستاهلوك."

أمسك يدها قائلا بحزن: "بس انتي مفيش زيك، ومفيش أحسن منك. يا انتي يا مفيش غيرك يا همس." لما يصعب عليها قلبها، يؤلمها عليه حقاً. لطالما كان لديه مكانة كبيرة بقلبها، رغم أن لقائهم الأول لم يكن لطيفاً أبداً، لكنه مع الوقت أصبح صديقاً لها بمكانة ميان وهمست. تنهد قائلاً بهدوء يخفي خلفه حزنه الكبير: "كل شيء قسمة ونصيب، زي ما قولتي، ومين عارف إيه اللي هيحصل بكرة. مش يمكن تكوني من نصيبي في الأخر؟

ثلاثة أشهر مروا على الجميع، منهم بسعادة، والبعض الآخر ما بين الحيرة والحزن. كان رأفت يرى ابنته تذبل يوماً بعد يوم، وهو ليس بيده شيئاً. لطالما كان سفيان لعنة وحلت على ابنته، ابت تركها لعنة تقتلها ببطء يوماً بعد يوم، وهو يقف مكتوف الأيدي. دخل لغرفتها، وجدها كعادتها كل يوم، تجلس بالشرفة شاردة بعالم آخر، تتناول طعامها بعد إلحاح كبير منه ومن والدتها، منذ أن أنهت اختباراتها منذ ما يقارب الأسبوعان، وهي على ذلك الحال.

اقترب منها ممرراً يده على خصلات شعرها بحنان، مردداً بابتسامة حنونة وصوت دافئ: "حبيبة قلب أبوها، مالها وإيه اللي واخد عقلها؟ اعتدلت بجلستها قائلة بابتسامة باهتة لم تصل لعيناها: "هو في حد يقدر ياخد عقلي غيرك يا جميل." داعب وجنتها بأصبعته قائلاً بابتسامة: "بكاشة من يومك، بس برضه مش هتزوغي من الإجابة، فيكي إيه يا بنتي؟ ابتعلت غصة مريرة بحلقها قائلة بكذب وهي تتهرب من النظر لعينيه:

"مليش، بس خايفة من النتيجة، هي خلاص احتمال تظهر بكرة أو بعده." تنهد بحزن قائلاً بعتاب: "بتكدبي وفاكرة إني مش هعرف، يعني؟ الأب اللي ميعرفش أولاده بيفكروا إزاي ولا إيه اللي شاغلهم وبيكدبوا ولا لأ، يبقى مش أب." ميان بحزن: "مش عايزة أتكلم ومش عايزة أكذب عليك، ممكن متسألنيش يا بابا، وأنا هحكيلك كل حاجة، بس مش دلوقتي، عشان خاطري." تنهد بحزن قائلاً:

"خاطرك غالي يا بنتي، بس من غير ما تحكي أنا عارف السبب، وهقولك كلمتين، حطيهم دايماً حلقة في ودنك: اشتري نفسك يا بنتي، وأوعي ترخصيها. انتي غالية وغالية أوي كمان. اللي ما ياخدكيش ويشيلك فوق رأسه ويكون مقامك عالي عنده، أو إوعي تشتريه. أنا أقعدك جنبي طول العمر، ولا إني أسلمك لواحد يقل منك وشايفك قليلة في نظره." كادت أن تتحدث ليقاطعها قائلاً بجدية:

"سفيان بايعك من زمان، بايعك من يوم ما اتجوز نرمين، ومن يوم ما بعد عنك وعنا لمجرد إنه والدته قريبتنا وخاف لتكوني زيها وتكون أمك زيها، باعك لما نسي الحلو كله والعيش والملح والعشرة، وافتكر بس موقف وحش وباع. فوقي لنفسك يا بنتي، ساعات الإنسان بيبقى أعمى وبيفكر إن الشعور اللي حاسه ده بيبقى حب، لكن بعدين بيكتشف إنه تعود أو تملك حب مراهقة." تنهدت بحزن قائلة بألم:

"ياريته ما كانش حب، ياريته يا بابا، زي ما بتقول، محدش بيحب وجع القلب." ربت على يدها بحنان قائلاً: "طب قومي يلا جهزي نفسك وضبي شنطتك، هتروحي القاهرة. جدك اتصل وحالف يمين إنك تكوني عنده بكرة الصبح، وحشتنيه ونفسه يشوفك، عمتك كمان ما بطلتش سؤال عنك، وأهو بالمرة تغيري جو بدل الحبسية دي." أومأت له قائلة: "حاضر، بس ممكن نأجلها يومين، تكون النتيجة طلعت وأبقى أروح علطول. وأنا هكلمه أقولها."

أومأ لها ثم قبل جبينها مغادراً الغرفة بحزن، حتى وقعت عيناه على صورة صغيرة معلقة على الحائط بجانب عدة صور بالممر، لأبنه الذي أخذه الموت على غفلة وبدون إنذار. لو كان حياً لأطمئن على ابنته، أنه ترك لها سنداً بالحياة من بعده.

بينما على الجهة الأخرى، كانت لينا تراسل عمار عبر تطبيق الواتساب، وابتسامة جميلة تزين ثغرها، وعيناها تلمع بسعادة وحب. كم تعشقه وكم تعشق أفعاله التي ربما تبدو بسيطة بالنسبة له وللآخرين، لكنها تعني لها الكثير. يجعلها تعشقه يوماً بعد يوم. أغمضت عيناها بسعادة وهي تلمس بيدها وجنتها، تتذكر كيف اعترف لها بحبه بكل رومانسية. **Flash Back**

تفاجأت ذات يوم بميان تدخل عليها بفستان ذو لون فيروزي جميل يصل لكاحلها بأكمام واسعة من الشيفون، وفتحة صدر مثلثة، جعلتها ترتديه بحجة ذهابهم لحفلة زفاف أحد أقربائها. لكنها تفاجأت ما إن وصلوا لهناك بميان تطلب منها الدخول، وهي ستلحق بها ما إن تصف السيارة. لتتفاجأ بأنوار تضيء الأرض تتخذ شكل ممر، مشت فيه، لتتفاجأ بالنهاية بدائرة كبيرة يتوسطها طاولة مزينة بالشموع، والأرض مليئة بالورد الأحمر المنثور.

تفاجأت بذلك الصوت الذي تحفظه على ظهر قلب، يهمس بأذنها بنبرة عاشقة محبة: "والله إن قلبي بكِ مفتون." التفتت تناظره بصدمة قائلة: "انت بتعمل ايه هنا؟ وفين الفرح وميان؟ أيه اللي بيحصل بالظبط؟ أنا مش فاهمة حاجة." ابتسم قائلاً بمرحه المعتاد: "مفيش ياستي، كل الحكاية إني قررت أخطفك، أخطفك ليا وبس، أخطفك زي ما خطفتي قلبي من يوم ما عيني وقعت عليكي. ولا انتي بس اللي من حقك تخطفي؟ ضحكت بخفوت ولا زالت الصدمة تؤثر عليها:

"بلاش هزار يا عمار، أيه اللي بيحصل بالظبط؟ ضحك بخفوت قائلاً بابتسامة وهو يلتقط يدها بين يديه برومانسية: "اللي بيحصل إني بحبك، وقلبي وعقلي ملكتيهم من أول نظرة." ثم تابع بابتسامة جذابة أسرت قلبها:

"مش عارف أقول إيه الصراحة، ومش عارف أعبر عن اللي جوايا وحاسه ناحيتك. ومكدبش عليكي، حفظت كلام كتير محضره، بس نسيت كل الكلام أول ما شوفتك وسحرتيني بجمالك. أنا بحبك يا لينا وعايز أتزوجك، ولو وافقتي هكون أسعد واحد وهفضل مخلص ليكي وأحبك طول العمر. ولو أطول هفرشلك الدنيا كلها تحت رجليكي، مش هتأخر." "تتجوزيني يا لينا؟ قال أخر كلماته بتوتر، وما إن انتهى تنفس براحة جعلتها تبتسم وتبكي من فرط سعادتها. أومأت برأسها عدة مرات.

ابتسم بتوسع قائلاً بسعادة: "موافقة." أومأت له مرة أخرى قائلة بخفوت وخجل: "بحبك." ابتسم بسعادة مقبلاً جبينها بحب، ويده امتدت لتزيل دموعها بحنان، ثم أخرج من جيب سترته علبة صغيرة من القطيفة، ما إن فتحها لمعت عيناها بسعادة عندما أخرج منها خاتماً غاية في الجمال، رقيقاً، واضعاً إياه بأصبعها، مقبلاً يداها بحب قائلاً: "بحبك."

لم تنتهي تلك الليلة على هكذا فقط، بل ظل قرابة الساعة يرقص معها على أنغام الموسيقى الهادئة تحت القمر، وتناولوا الطعام سوياً، بعدها أوصلها للمنزل، متفقاً معها على أن يتحدث مع والدتها بأقرب وقت. **Back**

سعادتها لم تكتمل للآن بسبب والدتها التي أصرت على أن تسافر لقضاء العمرة لمدة شهر، وزيارة شقيقها الذي يمكث هناك منذ سنوات طوال، وانشغلت معها قبلها في تحضير مستلزماتها للسفر. والآن هي وعمار منتظرين عودتها ليكون ارتباطهم رسمياً، وعن قريب تصبح زوجته. كان يجلس على الأريكة بجانب والدته يشاهدون التلفاز، لكنه لم يكن معها بالأساس، شارداً بعالم آخر. لم يفق منه سوى على صوت والدتها قائلة بحزن: "مالك يا قصي؟ حالك مش عاجبني."

زيف ابتسامة على شفتيه قائلاً بكذب: "أنا كويس يا ست الكل، مالي." تنهدت قائلة بحزن: "ما أنا بسألك مالك؟ ساكت ومقاطع ابن عمك، وكذا مرة يتصل ع البيت عشان يكلمك تخليني أقوله نايم. حتى جدتك مش بتروح تشوفها ولا تطمن على عمار غير بالتليفون، والشغل بتتابعوه من البيت. بتهرب من إيه يا قصي؟ قبل يدها قائلاً بمرح زائف وهو يتخاشى النظر لعينيه:

"مش بهرب من حاجة، بيتهيألك بس يا ست الكل. كل الحكاية إنك وحشاني، وقولت أقعد معاكي فترة في البيت عشان أعوضك على فترة غيابي عنك." نفت برأسها قائلة وهي تربت على قدمه: "ده أنا أمك، محدش في الدنيا دي يفهمك قدي. من صغرك، كل ما تكدب بتعمل الحركة دي وتهرب بعينيك مني." لم يجب، لتتابع هي بحزن: "حيرتني معاك يا بني، ومحير نفسك كمان. بنت خالتك موجودة وشرياك وريداك، وانت كمان رايدها. ليه المكابرة والعند؟

ليه بتضيع حياتك ومعيش نفسك في حزن وحيرة، وسعادتك قدامك؟ تنهد بحزن وهو يبعد عيناه عنها، لتدير هي وجهها إليها قائلة بحزن: "بعد ما أبوك الله يرحمه مات، بقيت ندمانة على كل لحظة ضيعتها معاه في خصام وزعل. صحيح هو مكنش بيعدي اليوم قبل ما يصالحني، بس ندمانة عشان ضيعت اللحظات دي كمان." ردد بحزن وخذلان منها: "اللي عملته سيلين ملوش مبرر، ومش سهل أسامح فيه. مش هقدر يا أمير." ربتت على يدها قائلة:

"هتقدر، لو بتحبها هتقدر تسامحها. روح عاتبها واتصافوا، وخلوا الماضي على جنب، وابتدي معاها صفحة جديدة. ريح قلبي يا بني، وريح قلبك وقلبها. المتاهة اللي انت فيها دي حلها عندك وبكلمة واحدة بس." لم يجب، لتقف هي قائلة قبل أن تغادر لغرفتها: "هسيبك تفكر، ومتأكدة إن ابني عاقل زي أبوه، مش هيضيع حياته وسعادته من إيده." طوال الليل وهو يفكر بحديث والدته، وما إن حل الصباح، وجد قدماه تأخذه إليها. لكنه تفاجأ ما إن ذهب وسأل عنها:

"هي سيلين مش موجودة، ولا إيه؟ فردوس بابتسامة: "لا يا بني، دي في الشغل من صباحية ربك." سألها بصدمة: "شغل إيه؟ هي رجعت تشتغل في الكافيه تاني؟ كمال بهدوء: "لأ، دي بقت تشتغل سكرتيرة دلوقتي، وناوية تدخل الامتحانات السنة دي إن شاء الله." سألهم بهدوء زائف: "بتشتغل عند مين بقى؟ فردوس بابتسامة واسعة: "عن أبو قريبة ابن عمك ميان." ردد بصدمة: "ميان!!!! رسم ابتسامة زائفة على شفتيه، مستأذناً منهم ليغادر. لتمنعه فردوس قائلة:

"على فين يا بني؟ انت جاي في إيه وماشي في إيه؟ "أنا كنت جاي بس أطمئن عليكم قبل ما أروح." كمال بابتسامة: "تسلم يا بني، خليك شوية، استنى اتغدى معانا، زمان سيلين على وصول، وناكل كلنا سوا." رفض بأدب وغادر، لكنه توقف بمدخل البناية عندما شاهد من الخارج سيلين تقف برفقة شاب يراه لأول مرة. فاقترب منهما قائلاً بحدة: "سيلين." توترت من نبرته الحادة وصدمت من وجوده: "قصي!!!! سألها بحدة: "مين حضرتهم؟ مد الشاب يده ليصافحه قائلاً

بابتسامة: "أنا صالح، زميل سيلين في الشغل، وحضرتك... رفع قصي يده وبادله السلام، فتنحنح الآخر بحرج قائلاً: "احم، طب عن إذنكم، متنسيش بكرة يا سيلين الساعة عشرة الصبح، متتأخريش." ما إن غادر، سأله قصي بغضب وغيرة: "هو إيه اللي الساعة عشرة الصبح؟ وإزاي تسمحيله يناديلك باسمك كده من غير ألقاب؟ زمّت شفتيها قائلة بضيق: "متزعقش واتكلم بصوت واطي، أنا مش طرشة." صرخ عليها بحدة: "سيلين." رددت بحدة هي الأخرى رغم توترها، لكنها تفعل

ما نصحتها به ميان ولينا: "بردو بتزعق؟ راعي إننا في الشارع، وميصحش كده، على فكرة." عنفها قائلاً بحدة: "يعني ميصحش أعلى صوتي، ويصح تقفي مع واحد غريب في الشارع وبيتفق يقابلك بكرة؟ زمّت شفتيها قائلة بحدة: "مش غريب، ده صالح." سخر منها قائلاً: "إيه صالح ده؟ كيس شيبسي وأنا معرفش؟ ولا كان جوز أمك ولا أخوكي؟ يطلع إيه البتاع ده؟ زفرت بضيق قائلة:

"زميلي من أيام الجامعة، وطلعنا بنشتغل سوا في نفس المكان، وصالح محترم جداً وابن ناس." سألها بحدة: "كملي الباقي. هتتقابلوا بكرة ليه؟ وفين؟ كادت أن تخبره، لكنها تراجعت عندما انتبهت أنه يشعر بالغيرة عليها، فقررت أن تشعله أكثر: "مش ملاحظ إنك زودتها يا قصي، وعمال تسأل في حاجة متخصكش؟ سألها بحدة: "مالك بتتكلمي كده ليه يا سيلين؟ ومتغيرة كده ليه؟ سألته بهدوء: "متغيرة إزاي يعني؟ تردد قبل أن يخبرها أنه ظن أنها ستكون منهارة:

"كنت فاكر... لم يستطع أن يكمل حديثه، لتكمل هي بدلاً منه: "كنت فاكر هتلاقيني قاعدة ببكي ومكسورة، مستنية منك تتعطف عليا بنظرة وكلمة. بس اتصدمت لما لقيتني اتجاوزت اللي حصل وبطلت أطلب منك السماح كل شوية، وبدأت أشوف حياتي من غيرك." صمتت لتتابع هي بحزن:

"أنا مش عايزة أكون كده، ومش ناوية أضيع عمري على الندم من خسارتك، والندم من جوازتي من الزفت راغب. اللي حصل حصل، ومش هقدر أغيره، بس أقدر أكمل حياتي وأتعلم من غلطي. كلنا بشر وبنغلط، وأنا غلطت، بس ما أجرمتش عشان أقضي حياتي كلها في حزن ودموع وندم. غلطت فيك أه، بس اعتذرت كتير، وكل مرة بلقى نفس الرد إنك مش هتقدر تسامحني." تنهدت متابعة حديثها بهدوء:

"مش هطلب منك تاني حبك، ومش هطلب السماح. اللي انت شايفه صح اعمله. مش معنى كده إني بطلت أحبك، بالعكس. أنا والله حبيتك من قلبي، بس أنا مش ناوية أذل نفسي تاني ليك، وفي الأخر يكون نفس الرد: مش قادر أسامحك ومش عاوزك." اقترب خطوة منها قائلاً بحزن وحب:

"خليكي جنبي وبس، حبيني زي ما بحبك. بطلي تجرحي قلبي اللي ما شافش الوجع غير على إيدك. هنسى كل حاجة يا سيلين، وهقفل الصفحة دي، بس دي فرصتك الأخيرة معايا. متخسريهاش عشان هتخسريني بعدها العمر كله." سألها بحب: "تتجوزيني يا سيلين؟ بينما على الناحية الأخرى، كان سفيان مع زوجته في عطلة خارج البلاد منذ أسبوع تقريباً. كم عانى ليحصل على غفرانها بعد اتهامه الشنيع لها، لكن بالنهاية مضت تلك الحادثة واستطاع أن يصالحها.

كان يجلس على طرف الفراش ينتظر خروج زوجته من المرحاض، وعقله لم يتوقف عن التفكير. لم يراها منذ ما يقارب الشهرين، يريدها أن تبتعد ويريد قربها. يشعر بأنه داخل متاهة لا يعرف كيفية الخروج منها، أو ربما يعرف، لكنه أبداً لن يرضى بذلك الحل. أن يعيش هكذا أهون عنده من قبول هذا الحل!!! كان شارداً ولم ينتبه لخروج زوجته ومناداتها عليه أكثر من مرة، لكنه لا يجيب. لم يشعر بها إلا حين جلست على قدمه محاوطة عنقه بيديها قائلة بدلال:

"سرحان في إيه يا روحي؟ ابتسم بزيف قائلاً: "الشغل يا حبيبتي." ابتسمت قائلة بتردد: "حبيبي، ممكن أتكلم معاك في حاجة؟ بس متتعصبش، خلينا نتناقش بهدوء، ممكنا؟ أومأ لها منصتاً لما ستقول باهتمام، لتتابع هي بتردد: "كاميليا، والدتك عايزة تشوفك." كور قبضة يده قائلاً بغضب كبير: "اقفلي الموضوع ده." "بس يا سفيان، ما ي... صرخ عليها بغضب وحدّة: "مش قولت اقفلي الزفت؟ يبقى تسكتي خالص."

نظرت له بعتاب قبل أن تدخل للشرفة وتتركه وحيداً يعنف نفسه على عصبيته عليها، فهي ليس لها ذنب. يكفي الخطأ الفادح الذي ارتكبه بحقها. تنهد بعمق ثم دخل للشرفة ليجدها تبكي بصمت. يا ليته يعلم أنها كاذبة ونتيفة كصاحبتها تماماً. ليته يرى كم هي تشبه الحية تماماً، تتلون بمئة لون لتصل لما تريد. حملها بين يديه ثم جلس على المقعد وجعلها تجلس على قدمه، مردداً باعتذار:

"حقك عليا يا حبيبتي، بس انتي المفروض عارفه إن الموضوع ده مش بحب سيرته تتجاب، وأي حاجة ليها علاقة بالست دي مش بطيقها ولا تلزمني من الأساس. كفاية حياتنا اللي باظت بسببها وقسوة قلبها وطمعها اللي كانوا سبب في موت أبويا." ثم تابع بسخرية مريرة: "هو أنا بردو اللي هحكيلك ده؟

انتي عارفه اللي حصل كله وعارفاني أكتر من نفسي. حزني وقهري على أبويا عيشتيه معايا. ميان ولما قررت أصالحها واللي عملته وعرفاته عنها. وجع قلبي منها، كل ده عيشتيه معايا. قاسمتيني كل حاجة من سنين يا نرمين، كنتي معايا في المر قبل الحلو. ليه بتفتحي في القديم وإنتي عارفه إنه كله هيجيب وجع قلب؟ سألته بحزن زائف:

"قاسمتك في كل حاجة، ومع ذلك لسه مقدرتش أوصل للمكان اللي ميان وصلتله في قلبك. هي رقم واحد وأنا رقم اتنين، مهما عملت لسه مش عارفة أملى قلبك كله." كاد أن ينكر، لكنه لم تمهله فرصة للحديث وتابعت: "زي ما بتقول، قاسمتك كل حاجة، يعني حبك الكبير ليها مش بسهولة تنساه ولا تتخطاه، وفي يوم وليلة تحبني زي ما بتقول." نفى قائلاً بحزن:

"بحبها، ما أنكرش، وأنا متعودتش أكدب عليكي. حبيتك وحبيتها، بس انتي أغلى وكسبتي احترامي. رصيدك في قلبي أكبر بكتير منها." ثم تابع بتردد: "فريدة طلبت مني أتزوجها عشان تسامحني وترضى ترجع الفيلا، بس رفضت واختارتك إنتي. وكل مرة هتكوني في اختيار مع حظ، اتأكدي إن كل مرة هختارك إنتي وبس." احتضنته قائلة بحب زائف وابتسامة رقيقة قادرة على أن تخدع مئات الرجال وليس هو فقط: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي. أنا بحبك أوي." أبعدها عنه قائلاً

وهو يقبل جبينها: "وأنا بموت فيكي." ثم بلحظة حملها بين يديه قائلاً بمكر ومشاكسة: "تعالي بقى أقولك بخوت فيكي إزاي." ضحكت بدلال وهي تحاوط عنقه بيدها، بينما هو دخل بها للداخل دافعاً الباب خلفه بقدمه. باليوم التالي، عاد سفيان ونرمين من سفرتهم بعد ذلك الخبر المفزع، حيث تم نقل فريدة للمستشفى. لم ينتظر وأخذ أول طائرة عائداً.

يركض بممر المستشفى و خلفه نرمين التي تدعو بداخلها أن تموت تلك العجوز التي لا تكف عن تعكير صفو حياتها وهدم مخططاتها. سفيان بتساؤل وقلق: "حصل إيه؟ فريدة مالها؟ طمني عليها يا عمار." تدخل الطبيب المشرف على حالتها، والذي كان يقف برفقة عمار قائلاً: "فريدة هانم، من الواضح إن حالتها النفسية مش كويسة خالص، وفي عندها مشاكل في القلب، غير طبعاً إنها مكنتش مهتمية بأكلها وصحتها والأدوية مكتتش بتتاخد في ميعادها وضغطها مش متظبط."

"تفضل في المستشفى فترة واحنا هنعتني بيها، بس أهم حاجة تبعد عن أي ضغوطات وأي زعل. حياتها في خطر بجد بالمعنى الحرفي." غادر الطبيب، فضرب سفيان الحائط بقبضة يده، منعنفا ذاته على إهماله لها بالفترة الأخيرة. دخل إليها بعدما سمح له الطبيب بخمس دقائق فقط، مقبلاً جبينها قائلاً بحزن: "حمد الله على سلامتك يا ديدا." رددت بتعب وصوت خفيض: "سفيان، عايزة ميان، ضروري تيجي." تحكم في غضبه بصعوبة، وكاد أن يعترض، لكنها لاحظت

ذلك وسبقته قائلة بتعب: "سفيان، أنا مش قادرة أتكلم، نفذ اللي بقوله، هاتلي ميان ضروري." تنهد بضيق ومسح وجهه بيديه، ثم خرج من الغرفة بغضب لا يعرف ماذا يفعل. لا يريد رؤيتها بعد أخر حديث بينهما، ولأنه لا يعرف رقمها، أخذه من عمار الذي أعطاه له باندهاش. اتصل بها ثواني وجاءه صوتها تتساءل عن هوية المتصل. تنحنح قائلاً بضيق وغضب: "أنا سفيان، إنتي فين؟ صدمت بشدة وسألته: "أفندم؟ إنت بتسأل ليه؟ زفر بضيق مردداً بحدة:

"انجزي قولي إنتي فين." جزت على أسنانها قائلة بغيظ وغضب: "إنت مفكر نفسك مين عشان تزعق فيا كده وتتكلم بالأسلوب ده؟ مي... قاطعها قائلاً بنفاذ صبر: "فريدة في المستشفى وعايزة تشوفك، وقالتلي أروح أجيبك. إنتي فين؟ اخلص." ميان بقلق وخوف: "أنا في مطعم...... فريدة مالها؟ هي كويسة؟ أغلق الهاتف بوجهها ورحل لمكان تواجدها، هو يزفر بضيق من حين لآخر.

تقف تنتظره أمام المطعم، وتعنف نفسها هي الأخرى على إهمالها لها. كانت شاردة ولم تنتبه لوقوفه بسيارته أمامها إلا حين سمعت صوته الساخر: "أسف لو هقطع عليكي فقرة التأمل دي." ثم تابع بحدة: "انجزي اركبي." ميان بحدة هي الأخرى: "اتكلم عدل معايا، قولي اسم المستشفى وأنا هروح على هناك لوحدي من غير ما أضطر أتكلم مع واحد كلامه كله مفتقر للذوق." زفر بضيق، ثم نزل من السيارة وجرها للداخل بالقوة، ثم التف وصعد مكانه، لتصرخ هي عليه:

"إيه الهمجية دي؟ وإزاي تسمح لنفسك تمسكني كده؟ انطلق بسيارته قائلاً بسخرية: "متعمليش فيها شريفة أوي، ولمستي مضايقاكي، ده إنتي سمعتك سبقاكي يا شيخة ميان." لم تنظر له حتى، وقالت بنبرة ظهر فيها مدى ما تشعر به من قهر وألم منه: "إنت بتصعب عليا يا سفيان....

بتصعب عليا أوي من اللي إنت فيه ومن اللي هيحصل بعد كده. الندم وحش أوي، نصيحة مني متجربوش. أنا يأست منك ومبقتش عايزراك يا سفيان. الكلام معاك زي قلته، فالأفضل ليا إني اسكت وأريح نفسي." ضحك بسخرية قائلاً: "مش على أخر الزمن هاخد النصيحة منك إنتي؟ ضحكتيني بجد. ده إنتي كفاية بس إنك تقربي كامليا دي لوحدها ماركة مسجلة إن الواحد يقلق منك ومن أي نصيحة وكلام تقوليه." ابتسمت بسخرية قائلة بتحدي:

"أنا حيالله بنت اختها، الدور والباقي على اللي هو ابنها من لحمها ودمها، واللي أكيد هيبقى شارب منها أكتر. وإذا كانت بنت اختها شاربة منها زي ما بتقول، هيجي ابنها اللي من دمها مش هياخد منها ده حتى عيب. ده أنا حتى من النهاردة لازم أحذر منك، وشكراً إنك لفتت نظري للجزئية دي، وهي إنك ابن كامليا، يعني هتبقى أكيد واخد نسبة كبيرة أوي من رخصها وقلة أصلها، ولا إيه يا بن كامليا؟ قبض على عجلة القيادة بقوة قائلاً

بغضب وهو يجز على أسنانه: "تتكلمي بأدب أحسن، وديني وما أعبد هنسى إنك بنت وإيدي هتنزل على وشك." غمغمت بتهكم: "لا راجل." ثم تابعت بغضب: "طب وديني وما أعبد لو إيدك اترفعت لأكسرهالك. جرب وشوف كده. عايزني أتكلم بأدب؟ اتكلم إنت كمان بأدب، عشان لو حصل غير كده إيدي هتنزل على وشك بردوا. أنا مبخافش ومبقولش كلام في الهوا، وهنفذ فعلاً. فتحترم نفسك في الكلام أحسنلك."

نظر لها بغضب، تلك سليطة اللسان دائماً تسكته بكلامها الذي يجعله يعجز عن الرد. زفر بضيق وغضب شديد، ولم يرد عليها، وفعلت هي نفس الشيء، وشرد كلا منهما بأفكاره. بعد وقت، توقف بسيارته أمام المستشفى، نزلت هي سريعاً بلهفة، وهو بجانبها، إلى أن وصلا لغرفة فريدة. دقائق والاثنان بالداخل، وعمار ينتظر بالخارج، سرعان ما انتفض على صوت صراخ سفيان بغضب: "على جثتي ده يحصل يا فريدة!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...