تحميل رواية «بقاء» PDF
بقلم رباب حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ بقاء بقلم رباب حسين.
رواية بقاء الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رباب حسين
ن
من أول نظرة
ذكرى ذلك اليوم الذي لم يتبدد من ذاكرته جعلت عقله يشتعل بالغضب مرة أخرى، لم يكن في حالة تسمح له بأن يسمع مبررها، وربما ذلك الشعور الذي بدأ يتولد داخل قلبه تجاهها قد أشعل فتيل الغيرة داخل صدره، وعندما سمعها تتحدث مع أحمد في غرفتها وتحدد موعدًا بينه وبين والدها، والأسوء أنها حددت مدة للزواج دون مبالاة منها بزواجه من غيرها؛ جعل الشك يزداد داخل قلبه، وهذا ما جعل غضبه يزداد ويقوم بطردها من المنزل.
فهل يعقل أن يحب تلك الفتاة التي تنحدر من أكثر عائلة يكرها، بل ولا تحبه وتفكر بالزواج بغيره، تفضل رجل آخر عليه جارحة كبريائه الذي لم يحاول أي شخص يقلل من شموخه.
لذا عاد صقر إلى غرفته غاضب، صدره يعلو ويهبط من شدة الغضب، وأخذ يفكر، فإذا كانت تريد الطلاق لتتزوج بغيره؛ فعليها أن تلتزم بحدودها كزوجة له حتى يطلقها، فهي من قالت ذلك مسبقاً؛ أن زواجهما هو زواج أمام الله، فكيف تضعه في هذا الموقف الآن؟ ماذا إن علم أو سمع أحد غيره حديثها معه؟ فهذه إهانة له لا تغتفر.
أخذ يسير ذهاباً وإياباً بالغرفة وعقله يفكر بالكثير.
أما هي فظلت تبكي حتى هدأت قليلاً، تفكر كيف تخرج وإلى إين؟
في أثناء ذلك، دخل حاتم من بوابة المنزل.
حاتم : أذيك يا قناوي.
قناوي : أهلا يا حاتم بيه.
دخل حاتم يحمل بيده ملف ،ثم لاحظ تساقط الأوراق من الملف خلفه، فالتفت ليأخذها، ووقعت عينيه على ليل التي تجلس تحت الشجرة، من هذه الحسناء الباكية؟ هو لم يراها من قبل.
تبدو من ثيابها البالية أنها من الخدم، ظل يطالعها وتحولت نظراته من التعجب إلى الشفقة على هيئتها الباكية، ثم نبض قلبه نبضة تنبأئه بأن هناك من يطرق حواسه الآن، تطلب الأذن بالدخول إلى ذلك القلب.
رفعت ليل وجهها للسماء، تطلب الصبر من ربها، تحت أنظار حاتم الذي رأى أشعة الشمس تنير وجهها الأبيض، تظهر جمال عينيها السوداء الواسعة، ابتسم رغماً عنه كأنه يرَ لوحة فنية متحركة، تحرك نحوها دون وعي.
لاحظت ليل أن أحداً يقترب منها، ظلت تنظر إليه وهو يبتسم لها، ثم تذكرت وجهه، هو من كان يجلس مع صقر بالحديقة، وأيضاََ له صورة معه على مكتبه. إنه صديقه.
وقف أمامها ثم قال.
حاتم : إنتي مين؟
وقفت وذهبت من أمامه دون رد.
لم يستطع حاتم ملاحقتها، ثم ذهب إلى الداخل.
وصلت ليل إلى باب المندرة الآخر المطل على الحديقة، دخلت منه ثم فتحت باب المندرة الآخر ودخلت إلى المنزل. أخرجت رأسها منه تطلع إلى الخارج بحذر، فرأت حاتم يصعد إلى الطابق العلوي مع هنية التي توصله إلى غرفة صقر.
انتظرت قليلاً، ثم تسللت إلى غرفة الهلالي، نظرت إليه وهي تُجاهد أن لا يلاحظ الهلالي حزنها.
ليل : صباح الخير يا راجل يا عجوز.
ابتسم الهلالي وقال : أحلى صباح يا دكتورة.
ثم نظر بعينيها ووجد آثار البكاء جالية عليهما، فقال
الهلالي :مالك يا ليل فيه إيه؟ حد زعلك؟ جوليلي.
ليل : لا يا جدي أنا كويسة، يلا ناخد الدوا.
الهلالي : لع كنتي عتبكي فهميني فيه إيه؟
ليل : الصراحة يا جدي، أنا عايزة أروح عند جدي بركات، أنا نفسي كمان أقعد مع نور شوية، سيبني أخرج يا جدي.
الهلالي : يا بتي ما أنا جولتلك جبل إكديه، أمرك بيد زوجك.
ليل : يا جدي إنت لو اديتني الأذن مش هيعترض ولا هيزعل، أرجوك يا جدي.
لاحظ الهلالي بكاءها ولم يستطع أن يحزنها أكثر فقال.
الهلالي :خلاص يا بتي روحي، بس خلي جناوي يوصلك، جوليله الحاج هلالي بيجولك وصلني.
وافقت ليل وأعطت الهلالي دواءه ثم أنصرفت.
أما عند صقر كان قد سرد لحاتم ما حدث بينه وبين ليل.
حاتم :أنا مش عارف يا صقر إنت متضايق كده ليه؟ اه هي مراتك وعلى اسمك، بس إنت بتعاملها أسوء معاملة، وكمان بتقول أنك هتخطب واحدة تانية، متوقع منها إيه؟
صقر بغضب : على فكرة أنا مكنتش هخطب أصلاً، بس أنا كنت بحاول أحرق قلبها مش أكتر، لكن زهرة بالنسبالي طول عمرها أختي اللي مربيها على إيدي، بس بعد اللي هي عملته أنا هحرق قلبها أكتر وأكتر.
حاتم : صقر كفاية لحد كده، اللي إنت بتعمله ده مش صح، روح كلمها يا صقر وحاول توصلوا لحل يريحكوا إنتو الاتنين.
صقر : أروح لمين؟ أنا طردتها.
قبض حاتم علي ذراع صقر وقال بصدمة : طردتها؟! طردت مراتك برا البيت يا صقر؟ أكيد راحت لأهلها. بتعمل مشكلة ما بينكو تاني ليه يا صقر؟/ إنت عايز تتقتل إنت كمان المرة ديه؟
صقر بتوتر : هي أصلاً مش هتعرف تروح، ديه متعرفش حاجة هنا خالص، ولا تعرف مكان بيت جدها.
حاتم : كمان! ولسه واخد بالك دلوقتي، شكلك مش هترتاح غير لما الطار يرجع تاني، روح دور على مراتك، أخرج وأنا هستناك هنا، شوفها يمكن مخرجتش من البيت أصلاً.
خرج صقر وذهب إلى غرفتها فلم يجدها نزل إلى أسفل.
صقر بصوت عالي : خالة هنية.
خرجت هنية من المطبخ وخلفها أمه جهاد.
هنية : نعم يا كبير.
صقر :شفتي ليل؟
هنية : لع لساتها منزلتش من فوج.
جهاد : خبر إيه يا صجر فيه إيه؟
صقر : ليل مش في البيت.
جهاد : واه راحت فين؟ دور عليها بس لول.
صقر : مش في البيت أنا طردتها.
جهاد : طردتها! يا واجعة مربربة، لو جدك خد خبر هيجوم الجيامة عليك، روح يا ولدي شوفها فين يمكن في الجنينة.
تركها صقر وخرج إلى الحديقة، وجد قناوي يدخل من الباب الخارجي.
صقر : قناوي تعالى.
ركض قناوي إليه وقال : أمرك يا كبير.
صقر : شفت دكتورة ليل؟
قناوي : أيوة يا كبير، لسه موصلها بيت جدها بركات وتني معاود، الحاج هلالي هو اللي أمرني.
زفر صقر بهدوء ثم قال : طيب يا قناوي، ارجع على البوابة.
دخل المنزل مرة أخرى، وأخبر أمه بأن ليل ذهبت إلى جدها، ثم صعد إلى غرفته وأخبر حاتم، ثم ذهبا إلى غرفة الهلالي ليطمئنا عليه.
حاتم : حمد الله على السلامة يا جدي.
الهلالي : الله يسلمك يا ولدي.
ثم ألتفت إلى صقر وقال : معلش يا صجر، ليل طلبت مني الأذن عشان تروح لجدها وأنا وافجت، تجريباً خافت تطلب منيك لترفض.
علم صقر أنها أرادت أن تنفذ أمره دون أن يشعر جده بشيء. فقال
صقر : أمرك نافذ يا جدي علينا كلنا.
أما عند ليل، كانت تقف أمام منزل جدها تحاول أن تهدأ قليلاً، ثم رسمت البسمة على وجهها وطرقت الباب، فتحت لها الخادمة ودلفت إلى الداخل، وجدت زينة زوجة عمها عمر؛ امرأة قعيدة على كرسي متحرك، لا تستطيع التحدث ولا تحريك جزعها الأيمن، بجانبها أختها سمر زوجة عمها خليل، وأم كلاً من نور وزياد وزيد، ابتسمت سمر إلى ليل وذهبت إليها وأحتضنتها، شعرت ليل بالراحة في حضنها، كم تحتاج إلى بعض الراحة بأحضان دافئة الآن، فقد أُرهق قلبها وعقلها كثيرًا، ثم قالت
سمر : أهلًا بالغالية، نورتي يا حبيبتي.
ثم قبلتها وقالت: متزعليش مني إني مجتش أباركلك، مجدرش أسيب خيتي زينة لحالها.
ليل : طبعاً مقدرة.
اقتربت من زينة ثم ربتت على يدها اليسرى وقالت.
ليل : إزيك يا عمتي زينة.
سمر بحزن : كيف ما هي يا بتي، الدكاترة رايحين جايين كلهم نفس الكلام، عندها صدمة شديدة وده اللي مأخر العلاج.
ليل : النفسية مهمة جداََ في علاج الحالات ديه يا عمتي.
ثم انتبهت إلى صوت زيد وزياد وهما يهبطان للأسفل زيد : يا عم تعالى معايا بقى بطل رخامة.
زياد : يا زيد سيبني بقى، مش عايز أخرج.
نور : بس يا زيد سيب أخوك، مش شايفه متضايق.
ثم انتبه زيد إلى ليل فقال
زيد : لييييل!!! إيه المفاجأة الحلوة ديه!
ذهب إليها وخلفه زياد ونور رحبو بها، وهبط بركات الدرج ورحب بها أيضاً، وتناولو الفطار سوياً.
جلست ليل وزيد وزياد ونور مع جدهم بركات، وأخذت سمر زينة لتعطيها أدويتها بالغرفة.
بركات : إنتي زينة يا بتي؟
ليل بابتسامة : أيوة يا جدي، أنا بس حبيت أطمن عليكو. والصراحة كنت عايزه أسأل على شوية حاجات كده.
بركات :جولي يا بتي.
ليل : عايزة أفهم يا جدي، إيه اللي حصل زمان بالظبط.
بركات :ما أنا جولتلك على واد أختي عزيز وانتصار بت هلالي.
ليل : اللي بعد كده يا جدي.
بركات : جعدنا فتره كبيرة يا بتي بنحاول نعرف مين اللي جتل عزيز، شكينا بلول في حد من عيلة الهلالي، بس مفيش حاجة توكد ديه، وبعد إكديه لما مات شداد لجينا البلد كلياتها بتجول إن خليل ولدي خد بطار إبن عمته منيهم، وكأن الناس كلها كانت خابرة إن حامد هو اللي جتل عزيز، ومن إهنيه بدأ الطار، بعدها ولدي خليل اطخ وهو معاود من الأرض لحاله، ومات يا بتي وساب عياله الصغار، كان زياد وزيد عندهم خمس سنين، بعد إكديه لجينا البلد كلياتها بردك بتجول إن حامد هو اللي جتله، وجتها الدم ضرب في مخي، كنت عايز أجتله بيدي، بس الموت رحمه مني، وجولت خلاص عاد ربنا خد جزاءه، وكفاية دم جتل لحد إكديه، مع إن ده عيب في حجي ويصغرني، بس خفت على الواد اللي فاضل، بعدها مات زين واد الهلالي، وجلت ساعتها خلاص عاد، الطار هيعاود من تاني، لأن مكنش فيه حد مستفيد من جتل زين غير عيلتنا، والطار بينتنا هو اللي معروف في البلد كلياتها، وفجأة حصله عمر اللي جتله صجر.
ليل : وبعد موت عمي عمر ب ٦ شهور حاول حد يقتل صقر صح؟
بركات : صوح.
زياد: مش أنا اللي عملت كده يا ليل.
زيد : ليلتها فعلاً أنا وزياد كنا بنذاكر سوا ومخرجناش خالص عشان كان عندنا أمتحان.
ليل : أنا مصدقاكم، بس أنا في حاجة عايزة أقولها.
زياد : قولي.
ليل : حامد مقتلش عمي خليل.
بركات : كيف؟! البلد كلياتها جالت إكديه، وهو كان مفكر إن خليل جتل عمه شداد.
ليل : اسمعني يا جدي أرجوك. حامد كان عنده حالة نفسية بسبب موت عزيز وكان عايش ميت، خصوصاََ لما أخته انتصار ماتت من حزنها عليه، هو ضربه اه بس مكنش يقصد يموته، وفضل ضميره يعذبه إنه كان السبب في موتهم، ولما مات عمه شداد كانت حالته ساءت أكتر، لأنه كان أقرب حد ليه، ولما أتذاع في البلد أن عمي خليل هو اللي قتله حس بالقهر أكتر، أظن واحد في الحالة ديه ميقتلش.
بركات : ماشي، لو حامد مجتلش طيب مين جتل ابني عمر؟
ليل : مش صقر يا جدي.
زياد : وعرفتي أزاي؟
ليل : لأن صقر لسه الغضب ماليه، وهو قالي بعضمة لسانه طار أبويا لسه مخدتوش، لو كان خده كان بقى أهدى من كدة. ولو فكرتو شوية وهتلاقو إن مفيش حد شاف جريمة القتل وشهد عليها، كل للي كان بيحصل إن الناس شايفة إن فيها مشكلة بين العيلتين، وده خلى التوقع يبقى سهل، وإنتو مشيتو ورا كلام الناس، سؤالي بقى دلوقتي؛ مين قتل عمي زين؟
بركات : هما عيجولو إن عمر هو اللي جتله، ويومها كان مختفي ومرجعش إلا وش الصبح، وكان شكله تعبان جوي، ولما سألته هو اللي جتله ولا لع؛ أنكر بس رفض يجول هو كان فين.
زياد : إنت بتقول إيه يا جدي! عمي عمر لا يمكن يقتل.
نور : أيوه، مكنش فيه في حنيته أبداََ، ده مراته من كتر زعلها عليه شايفة حالتها عاملة أزاي.
زيد : أكيد طبعًا هتزعل عليه، رفض يتجوز عليها مع إنها مبتخلفش من كتر حبه ليها.
بركات : ااه يا ولدي، حرجو جلبي يا بتي.
ليل : جدي اللي أنا فهمته منكم ومنهم بيأكد أن مفيش حد فيكم قتل التاني.
بركات : واه! ومين جتل عزيز عاد؟ وأختي اللي ماتت بحسرتها عليه، بتجولي إيه يا بتي؟!
ليل : يا جدي أنا متأكدة من اللي، بقوله حامد مقتلش حد غير عزيز وقتله غلط، وصقر مقتلش عمي عمر، وأنت بتقول أن عمي خليل مقتلش شداد، هو أنا لوحدي اللي حاسة إن فيه حاجة غلط؟!
زياد : لا معاكي حق يا ليل، خصوصاََ كمان أنهم كانو فاكرين أني حاولت أقتل صقر وأنا معملتش كده فعلاََ.
زيد : بس مفيش دليل بيقول إن عمي عمر مقتلش، خصوصاً إنه أختفي اليوم ده بالذات.
ليل : جدي إنت متأكد إن عمي خليل مقتلش.
بركات : يا بتي بجولك مكناش خابرين مين جتل عزيز عشان نروح ناخد بطاره.
ليل : فيه حد من مصلحته يوقع العيلتين في بعض. طيب فيه عداوة بينكو وبين حد تاني؟
بركات : لع مفيش.
ليل : لازم نثبت يا زياد كلامك وإن عمي عمر مقتلش.
زياد : وديه هنثبتها إزاي؟ وإيه الاستفادة أصلاً؟
ليل : لو جبنا دليل مش هيبقى فيه طار بينا وبينهم أصل، اً ده غير هنثبت أن فيه حد تاني بيقتل في العيلتين، وطول ما هو برا عايش براحته ومطمن يبقى إحنا كلنا لسه في خطر إنتو وبابا وصقر.
بركات : يعني أحفادي كمان لسه بخطر؟!
ليل : عشان كده لازم نثبت إن مش إحنا أللى قتلنا بعض، وده هيحصل لو عرفنا عمي عمر كان فين، ولازم نعرف الحقيقة بسرعة عشان القاتل ميحاولش يقتل حد فينا تاني.
نظرو بعضهم لبعض، هناك شكوك عديدة يجب التأكد منها، والخوف عاد يسيطر على قلب بركات مرة أخرى، ولابد أن يحمي عائلته من خطر مجهول.
رواية بقاء الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رباب حسين
في لحظة هدم ما كان يعتقدون الجميع، لحظة ظهور الحقيقة من بين الظلام، وكأن ليل هي أداة العدالة التي بدأت ترسم خطوطها بجدارة، تعلن عن وجود قاتل آخر طليق بالخارج، والأسوء أن لا يزال يترقبهم من بعيد.
لم تكن تلك اللحظة عابرة، بل زلزال لكل معتقد وظن، إعصار عصف بكيان بركات؛ الذي ضحى بالكثير حين تخلى عن أقرب الناس إليه بسبب ذلك الظن السيء.
لم يتخيل أنه بالنهاية سيكتشف أن كل ما قام به كان بسبب أواهم دون دليل، فوقف معترضًا وصاح قائلًا.
بركات : لع أنا مش مصدج أنهم مجتلوش ولادي.
ليل : طيب رأيك إيه في إن حامد مات مسموم مش زي ما أنت فاكر إنه مات موتة طبيعية، ودلوقتي هما شاكين إن عمي عمر قتل أتنين مش واحد.
زياد : لا طبعًا إستحالة، ومين أصلاً قال إنه مات مسموم؟
ليل : تقرير الطبيب الشرعي؛ اللي معرفش بيه جدي الهلالي إلا لما مات ابنه زين.
زياد : طيب وعمي عمر هيدخل أزاي جوا بيت الهلالية ويسم ابنهم؟!
ليل : يبقى معايا حق ولا لا يا جدي؟
صمت بركات قليلًا، وبدأ الشك الذي بداخله يزداد، ضاربًا كل غضبه وعاد العقل ليتحدث، فقال: إيوه يا بتي معاكي حج.
ليل : طيب عمي عمر كان فين يوم موت حامد؟
زياد :مش هقدر أفيدك، كنت ساعتها عندي ٧ سنين.
بركات : وأنا مش فاكر يا بتي أفتكر كيف؟
ثم غضب بركات وقال بألم وقال.
بركات : طيب مين جتل ولادي؟
ليل: أهدى يا جدي، إن شاء الله هنعرف الحقيقة.
شعرت ليل بأن بركات ليس على ما يرام، فأرادت أن تغير مجرى الحديث. فقالت.
ليل : بس صحيح يا جدي ليه عندك ولدين باسم عمر جدي أنا وعم بابا ؟ ومعلش يعني أزاي حضرتك جد بابا وشكلك يدي سن ٨٠.
بركات: زمان يا بتي كنا عنتزوج صغيرين، أنا تزوجت وأنا عندي ١٦ سنة، وخلفت عمر اللي هو جدك أبو حسن، وكمان عمر أتزوج وهو ١٦ سنة وخلف حسن، ولما بجي عنده ٤ سنين مات عمر ومرته في حادثة عربية، تعبت أم عمر جوي ومرضت، أتزوجت تاني؛ كان لازم واحدة تراعي حسن وتاخد بالها من مرتي، فا أتزوجت زينب، وأول واد خلفته سميته عمر، هي اللي ربت حسن، وبعد إكديه جابتلي خليل.
ليل وهي تضحك : أيوة مين يصدق إن زياد وزيد يبقو ولاد عم بابا وهما أصغر مني كده، كل ده بسبب شقاوتك بقى.
ضحكو جميعاً، وقضت ليل اليوم معهم، وقبل المغرب أخبرتهم بأنها تريد العودة إلى المنزل، وقبل أن تغادر أستوقفها جدها وقال.
بركات : ليل، أنا خابر إنك لابسة الخلاجات ديه غصباً عنك.
صدمت ليل من حديثه، وظلت تنظر إليه دون رد، كيف يعرف أنها مجبرة؟! فلم يتحدث بعد وظل ينظر إليها، فقالت بتردد.
ليل : غصب عني إزاي؟
بركات : اليوم ذكرى وفاة زين، وأكيد لازم تلبسي أسود، اشتري يا بتي عبايتين جداد، أنا خابر إنك معندكيش خلاجات غامجة.
ثم أعطاها مالاً وقال.
بركات : خدي يا بتي اشتري اللي إنتي عايزاه.
فهمت ليل سبب غضب صقر المبالغ فيه، من المؤكد أنه يشعر بالحزن، و ما زاد غضبه هذه المكالمة، لذلك كان غضبه مختلف عن كل مرة.
أمسكت ليل يد بركات وقالت.
ليل : لا يا جدي مش عايزة فلوس معايا الحمد لله.
بركات : عيب يا بتي ده إنتي حفيدتي، مترديش يدي.
ابتسمت ليل وأخذت المال ثم قال.
زياد : أنا هوصلك يا ليل، مش هتعرفي ترجعي لوحدك.
أومأت له بالإيجاب، وودعت الجميع. ذهبت وتركت خلفها جدها بركات متخبط بين أفكاره، وبقي السؤال، من قتل أولاده؟
وفي الطريق كان يتحدث زياد وقال.
زياد : ليل أنا عارف أنك مش مرتاحة، وأنا كمان مش عجباني الجوازة ديه خالص.
ليل : متقلقش عليا أنا كويسة.
زياد : صقر مش سهل، هيخرج غضبه فيكي، خصوصاً إنك بتقولي إنه مخدش بطاره.
ليل : صقر مش هيأذيني.
زياد :إنتي متأكدة كدة ليه؟ إنتي بتدافعي عنه إزاي؟
ليل : عشان أنا عشت معاه وعرفته. هو موت أبوه مأثر عليه، بس أنا متأكدة إن قلبه أبيض، ولما موضوع الطار ده يتكشف هيهدى من نحيتنا كلنا، ده غير إنه أكيد مش هياخد طاره مني.
زياد : أنا هساعدك نوصل لحل ونعرف عمي عمر كان فين يومها، وساعتها مش هيبقى في طار بينا، والجوازة كلها مش هيبقى ليها لازمة، وهطلقك منه.
ليل : أهم حاجة نوصل لمكان عمي عمر، أنا معتمدة عليك يا زياد، ساعدني متسبنيش.
دخلا إلى المنزل، وكان صقر في الحديقة في انتظار عودتها، لا يعلم سبب قلقه عليها، ولكنه يريدها أن تعود فقط.
رأها تدخل من البوابة ومعها زياد، غضب صقر من وجودها معه، ثم اقترب منهما وهو يرسم بسمه باردة على ثغره، وعقد كلا ذراعيه أمام صدره. وقال
صقر : حمد الله على السلامة يا هانم، ما لسه بدري.
زياد : فعلًا بدري، المغرب أذنت من شوية.
صقر : لو سمحت لما أتكلم مع مراتي متدخلش.
زياد : مراتك ديه تبقى أختي، ولما تكلمها كلمها بأحترام.
صقر بغضب وبدأ يعلو صوته : إنت جي تعلمني الأدب في بيتي؟
ليل : بس لو سمحتم إنتو الأتنين، ثم نظرت إلى صقر وقالت.
ليل : كل حاجة بتمشي حسب أوامرك يا كبير. ثم نظرت في عينه فعلم صقر أنها تلمح بأنها فقط تنفذ أمر طردها من المنزل طوال اليوم.
وأردفت.
ليل : أنا داخلة أطمن على جدي، معاد أدويته دلوقتي، عن إذنكم.
ثم نظرت إلى زياد وقالت.
ليل : زياد لو سمحت روح مش عايزة مشاكل، وزي ما أتفقنا.
زياد : حاضر يا ليل.
نظرت ليل إلى صقر بغضب ودخلت المنزل.
نظر صقر إلى زياد الذي كان يهم بالخروج وقال
صقر : اتفقتو على إيه؟
التفت زياد له وقال
زياد : متخافش أكيد مش هنقتلك.
ابتسم صقر باستهزاء وقال :أخاف من مين؟ من حتة عيل زيك.
اقترب منه زياد وقال بحدة : العيل ده اللي محافظ على الجوازة ديه لحد دلوقتي وكاتم في قلبه كل حاجة، بس عشان الطار ميرجعش تاني، وتروح تقتل حسن ابن عمي وتحرق قلب الغلبانة اللي جوا، اللي إنت مستقوى عليها.
العيل ده اللي عارف جدك دخل المستشفى ليه، وإنك عايز تتجوز، ولولا عيا جدك كنت خربت الدنيا بين العيلتين.
العيل ده اللي عارف إن ليل جيالنا مطرودة من بيت جوزها ورجعهالك تاني، مع إنك متستاهلش ضفرها. بس لأول والآخر مرة هحذرك، لو حاولت تأذيها تاني يا صقر هتلاقيني واقف في وشك، ومش هيهمني حد، وقبل ما تلمس شعرة من حسن هكون قاتلك، وقاطع نسل الهلالية بإيدي.
ثم ذهب من أمامه وترك صقر المصدوم، فقط ينظر إلى أثره وعقله يحاول أن يستوعب ما قاله للتو.
هل أخبرته ليل بكل شيء؟ ماذا تحاول أن تفعل؟ لقد حذرها أكثر من مرة بإن لا تخبر أحداً بما يحدث هنا.
لم يتردد للحظة واحدة، فذهب إلى داخل المنزل يبحث عن ليل.
كانت ليل وضعت المحلول المائي في يد الهلالي، وحقنة المحلول ببعض الأدوية وهو نائم، ثم ذهبت إلى غرفتها. وما أنا شرعت لتبدل ثيابها، إلا أن فُتِحَ الباب ودخل صقر فجأة، وأغلق الباب خلفه، تراجعت ليل بخوف من هيئته، فاقترب منها وتحدث بنبرة تبث الالرعشة داخل أوصالها.
صقر : أنا حذرتك قبل كده إنك مطلعيش كلمة واحدة عن اللي بيحصل في بيتي هنا لعيلة بركات، بس واضح إنك مش عاملة حساب للراجل اللي إنتي متجوزاه، ولا أنا عشان أتساهلت معاكي اليومين اللي فاتو خلاص مبقاش ليا أعتبار وشايفاني طرطور، وتخلي عيل زي زياد يقف يهددني في نص بيتي، يهدد الكبير صقر الهلالي في بيته إنه هيقتله.
نظرت ليل إليه بدهشة، لا تفهم ما يقول، هل هدده زياد بالقتل؟! لماذا؟
ليل بارتباك : أنا مش فاهمة حاجة... وأنا نفذت أوامرك وما قلتش حاجة خالص لأي حد.
تحدث صقر من بي أسنانه : بطلي كدب بقى، إنتي إيه؟! متعرفيش تقولي الحقيقة مرة واحدة في حياتك.
ليل : أنا مش بكدب، ومعرفش إنت بتتكلم عن إيه.
صقر باستهزاء : فعلاً؟! طيب زياد عرف منين إني طردتك النهاردة؟ وعرف منين موضوع جوازي من زهرة؟ وعرف منين سبب عيا جدي وخناقتي معاه؟
ثم جذبها من ذراعها ودفعها نحو الخزانة وهو يقترب بقوة.
صقر : إنطقي قولي الحقيقة.
ضمت ليل يدها أمام وجهها وشرعت بالبكاء : معرفش، أنا ماقلتش حاجة، أحلفلك بإيه إني مقولتش حاجة.
صقر : كدابة ومش مصدقك، إذا كان الصبح سامعك بودني بتظبطي ميعاد مع حبيب القلب وبرده بتقوليلي محصلش.
ليل : أنا أنكرت إن فيه بينا علاقة لإني فعلاً فوجئت بطلبه مني، لكن موضوع الميعاد فعلاً حصل، بس أنا معرفتش أوضحله إني متجوزة، خفت أحرجه؛ خصوصاً إنه كلامه مكنش مباشر إنه عايز يتقدملي، وقلت أرد كده وبعدين أوصله بطريقة تانية إني أتجوزت.
صقر : مثلي... مثلي كمان، ما أنتي شايفاني أهبل صح؟!
ليل : أنا مش بكدب عليك، أنا مقولتش أي حاجة لأي حد.
صقر : ولما تروحيلهم بلبس الخدامين ده مش هيستغربو، إلا بقى لو هما أصلاً عارفين.
ليل : لا مش عارفين حاجة، أفتكروا إني لابسة أسود عشان ذكرى وفاة باباك.
صقر: لو حد فيكو جاب سيرة زين الهلالي تاني هيبقى آخر يوم في عمره، فاهمة.
تركها وخرج من الغرفة عينيه تطلق شرار الغضب.
أما هي ظلت تبكي بعد أن غادر الغرفة، أصابها اليأس، فكل محاولاتها فاشلة، وصقر لا يزال يبتعد عنها أكثر وأكثر، يظنها كاذبة، خائنة؛ وعلى علاقة بشخص آخر، والآن أصبحت توشي بما يحدث داخل منزله.
لم يعد هناك أمامها سبيل لكي تكون معه، لكي تجعله يراها كما هي، وليس بتلك الصورة التي كونها عنها دون دليل، كانت تظن أن هناك أمل ليكونا معًا ولكن اتضح بالنهاية أن ما ظنت به ليس سوى خدعة وأمل كاذب تحاول أن تتمسك به بكل قوتها.
ظلت تبكي طوال الليل لم تنام، وتفكر كيف علم زياد بكل هذا؟ لذا قررت التحدث معه لمعرفة الحقيقة.
رواية بقاء الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رباب حسين
بعيدًا عن منزل الهلالي، والصراع الذي لا ينتهي بين صقر وليل، هناك قلب نبض بحب خائن، يفكر بها ولا يعلم حقيقة هويتها، كان ينتظر نبض قلبه الأول، حبه الذي سيخطفه لعالم جديد، والآن... أصبح في مواجهة حب سيقضي عليه هو أولًا.
في الصباح الباكر، استيقظ حاتم من النوم سعيدًا، فالابتسامة لم تفارق وجهه منذ أن رأها أول مرة.
ظل يبحث عنها في منزل صقر قبل أن يغادر، عسى أن يتحدث معها أو يعلم من هي، ولكن لم يجدها. أخذ حمامه وارتدى ثيابه وخرج ليبحث عن أمه، فوجدها بالمطبخ، اقترب منها وقال
حاتم : صباح الفل على أحلى أم في الدنيا.
أمينة: صباح الخير يا حبيبي، والله البيت كان وحش من غيرك.
حاتم : البيت طول عمره حلو بيكي يا ست الكل.
أمسك يدها وقبلها ثم قال
حاتم :فين بابا؟
أمينة :تلاقيه بيصلي الضحى.
حاتم : طيب أنا جعان موت، يلا عشان عايز أنزل على الشغل، السماد جي النهاردة.
أمينة : حاضر يا حبيبي. بس أنا حاسة إنك متغير من ساعة ما جيت، هو فيه حاجة حصلت أنا معرفهاش.
حاتم بتوتر : هو أنا معرفش أخبي عنك حاجة أبداً؟
أمينة : تخبي عليا ليه؟ مفيش حد هيفرح لفرحك زيي.
جلس حاتم على طاولة المطبخ وقال
حاتم : عارف يا ست الكل، بس مفيش حاجة معينة، كل اللي أقدر أقوله أني لقيتها يا ماما، بس مش عارف هي مين.
جلست بجواره سعيدة وقالت: بجد يا حبيبي؟ أخيراً هفرح بيك بقى.
حاتم : بس الصراحة يا ماما خايف لترفضيها.
أمينة : أرفضها ليه؟ ده أنا ياما أتحايلت عليك وإنت تقولي ( وهي تقلد صوته) لا يا ماما مش عايز أتجوز صالونات، عايز واحدة تخطف قلبي.
حاتم : خطفتني يا ماما، حسيت أن الزمن وقف بيا، زي القمر، عينيها جميلة أوي بس حزينة معرفش ليه؟
أمينة : شفتها في القاهرة يعني؟ أحكيلي بقى.
حاتم : لا هنا في سوهاج في بيت صقر.
أمينه : مين في بيت صقر اللي عجبتك ديه؟
حاتم : معرفش بس باين من لبسها يعني.....
ثم تردد قليلاً وسكت.
أمينة : ما تقول يا حاتم فيه إيه.
قرر حاتم أن يقول الحقيقة : شكلها خدامة جديدة هناك.
أمينة بدهشة :خدامة؟! حبيت خدامة يا حاتم؟
حاتم : معرفش بقى، بس وشها بريء أوي يا ماما يشد أي حد.
أمينة : أيوة يا ابني بس مش لدرجة خدامة، يعني أنا عرضت عليك بنات كتير من العيلة وبرا العيلة ورفضتهم، تقوم تروح تحب خدامة.
حاتم : معرفش بقى يا ماما ده اللي حصل.
صمتت أمينة قليلاً ثم قالت : طيب يا ابني حاول تشوفها تاني واتأكد من مشاعرك، يمكن إعجاب ويروح لحاله.
حاتم : أنا نفسي أشوفها تاني وهسأل صقر عليها، ولو إني خايف يتضايق لو عرف إني ببص على حريم البيت.
أمينة : ربنا يقدم اللي فيه الخير.
أما صقر فاستيقظ ويستعد للخروج من البيت، ثم طرقت جهاد الباب ودخلت الغرفة وقالت
جهاد : صباح الخير يا ولدي.
قبل صقر رأسها وقال : صباح النور.
جهاد : إيه اللي حوصل عشية يا صجر؟ أنا سمعت أصواتكم عالية، وبعدين دخلت أوضتك مخرجتش منيها.
صقر : ولا حاجة يا أما متشغليش بالك.
جهاد : طيب منين عتجولي ملكيش صالح بيها ومتضايجهاش ومنين بتطردها من البيت؟
صقر : أما مش عايز أتكلم في الموضوع، وعندي شغل لازم أنزل.
هم بالخروج ثم أوقفته: طيب عتكلم عمك رفعت ميتا في موضوع زهرة؟
صقر : لما جدي يشد حيله ويقوم بالسلامة.
خرج صقر دون أن يمر بغرفة الهلالي أو يتناول الطعام، يتهرب من رؤيتها، فذلك العشور الذي بدأ يتخلل قلبه تجاهها جعله مشتت، والغيرة لم تترك له المجال بأن يتصنع أمامها بااجمود أكثر من ذلك، لذا فضل الهروب.
خرج وقاد سيارته، وحينها تذكر حديث جهاد عن زواجه من زهرة، كان ينوي التراجع عن هذا الزواج، ولكن حين تذكر ما تفعله ليل قال في نفسه : مكنتش عايز أكمل في الجوازة ديه بس لازم أوجعها زي ما وجعتني.
وصل إلى عمله، وانتظر وصول السماد من القاهرة، ثم قام بتوزيعه على منافذ البيع والأراضي الخاصة به.
أما ليل كانت تنام متعبة، فهي لم تنم بالأمس، وظلت تبكي حتى سطوع الشمس، ثم استيقظت على صوت هاتفها، فاستقبلت المكالمة بإرهارق وقالت.
ليل : ألو.
أمل : إنتي لسه نايمة يا حبيبتي؟
ليل : اه يا ماما هقوم دلوقتي.
أمل : مكلمتنيش أمبارح ليه؟
صمتت ليل قليلاً ثم قالت : أصل أمبارح كنت عند جدي بركات ونسيت تليفوني في البيت، معلش يا ماما حقك عليا.
أمل : ولا يهمك يا حبيبتي المهم إنك بخير. إيه الأخبار عندك، الحج هلالي عامل إيه؟
ليل : بخير الحمد لله بيتحسن كتير.
أمل : طيب يا حبيبتي، وأخبارك إيه مع جوزك كويسة؟
ليل : اه يا ماما متقلقيش عليا.
أمل : أبوكي بيصبح عليكي، هو نازل شغله أهوه.
ليل : صبحيلي عليه.
أمل : طيب هسيبك تفوقي وتقومي تفطري، مع السلامة يا حبيبتي.
ليل : سلام.
نهضت ليل عنوة، وأخذت حمام وارتدت ثيابها، ثم ذهبت للاطمئنان على الهلالي وإعطاءه الدواء، ثم نزلت المطبخ وقامت بصنع القهوة لنفسها دون التحدث مع أحد، وقد سمعت أن صقر ليس بالمنزل، صعدت إلى غرفتها مرة أخرى ثم قامت باحتساء القهوة، واتصلت بزياد ثم سمعته يقول.
زياد : صباح الخير يا ليل.
ليل بغضب : ممكن أعرف إيه اللي إنت عملته إمبارح ده؟
زياد : هو اللي استفزني، هو أصلاً مستفز أنا. معرفش إنتي عايشة معاه أزاي.
ليل : تقوم حضرتك تهدده بالقتل، ديه المساعدة اللي طلبتها منك يا زياد؟
زياد : أنا عارف إني غلطت بس أنا عندي وعدي وهساعدك.
ليل : لا مش عايزة مساعدة من حد، وبعدين ممكن تقولي إنت عرفت أخبار البيت منين؟
زياد : مش مهم منين، المهم إني عرفت.
ليل :وحتى لو عرفت يا زياد، إنت كده حطتني أنا في موقف وحش قدامه إني بخرج أسرار البيت برا.
زياد : أنا عارف بجد أني غلطت بس أنا هصلح كل حاجة.
ليل :لا ولا تصلح ولا تتدخل ما بينا تاني، أنا كدة خلاص أتأكدت إني لوحدى. لو سمحت يا زياد متدخلش بيني وبينه تاني أبداً.
أنهت ليل المكالمة وهي في قمة غضبها، لا تعرف كيف تصلح ما أفسده زياد، ثم أمسكت هاتفها ودخلت على أحد مواقع التواصل الإجتماعي (فيس بوك)، وأعلنت أنها تزوجت حتى يصل الخبر إلى دكتور أحمد دون أن تحرجه.
مر اليوم، لم يعود صقر عند وقت الغداء، مع تزايد معاملة جهاد السيئة لها، حيث أن صقر ليس بالمنزل والهلالي لا يستطيع التحرك حالياً، وأمرت جهاد ليل بتنظيف المنزل وحدها دون مساعدة الخدم، وأيضاً مساعدة الخدم في إعداد الطعام.
مر أسبوع وليل تتحمل دون شكوى، وما زاد حزنها هو تجنب صقر لها، لم تعد تراه أبداً، يأتي متأخر ويذهب في الصباح الباكر، ولا يأكل بالمنزل، حتى أنه أجل كل جلسات المندرة، أم يكن هناك أحد سوى زياد الذي يتصل بها دائماً ولكنها ترفض أن تتحدث معه.
في صباح يوم جديد، استيقظت ليل من النوم على صوت جهاد.
جهاد : ما لسه بدري! عاد مستنية الفطور في السرير ولا إيه؟
نهضت ليل وهي متعبة لا تستطيع فتح عينها، فهي ترعى الهلالي في مرضه، وتعمل خادمة ليل ونهار. فلم يعد جسدها يتحمل كل هذا الشقاء.
فتحت ليل عينيها بصعوبة وقالت : أرجوكي سيبيني أنام شوية وهقوم أعمل كل اللي إنتي عايزاه.
أطاحت جهاد بالغطاء، وقالت
جهاد : لع عتجومي دلوك، عشان تنضيف البيت، في ضيوف جايين بليل.
ليل : أنا لسه منضفاه من يومين.
جهاد : مسمعش صوتك وتجومي دلوك، خمس دجايج ألاجيكي تحت.
خرجت جهاد ونظرت ليل إلى أثرها بحزن، فهي فعلاً وحيدة الآن.
نهضت وأخذت حمام سريعاً، وارتدت ثيابها وخرجت إلى غرفة الهلالي.
ليل بابتسامة : صباح الخير يا جدي.
الهلالي : صباح النور.
ليل :لا أحنا إتحسنا خالص.
الهلالي :أيوة حاسس إني بجيت أحسن، وعايز أخرج من الأوضة ديه، زوهجت.
ليل : يلا بينا وريني هتقدر تمشي ولا لا.
ابتسم الهلالي وهم بالتحرك، ثم نهض من الفراش ووقف أمامها وقال.
الهلالي : يلا ساعديني بجى أنزل تحت.
أمسكت ليل ذراعه وقامت بمساعدته، ثم قالت وهي تمشي بجواره ببطء.
ليل : قولي يا جدي إنتاااا...... مش بتشوف صقر؟
الهلالي :بشوفه بليل، بيصحيني يطمن عليّ جبل ما ينام. ليه مش عتشوفيه؟
ليل : لا.... شكله مشغول أوي.
الهلالي : لع طالما طفشان إكديه يبجى متضايج من حاجة.
ليل : هو متعود على كدة؟
الهلالي : لما مات زين ولدي الله يرحمه، خلص العزا وأختفى شهر منعرفش عنيه حاجة، وعشان أبطله العادة ديه خليته يمسك الشغل كلياته، عشان ميعرفيش يوهرب تاني.
نزلا معاً ورأتهما جهاد وقالت بسعادة.
جهاد : واه يا عمي! نورت الدار والله، حمد على سلامتك.
قال الهلالي وهو يتنفس بصعوبة : الله يسلمك يا أم صجر.
ليل : تعالى أرتاح من السلم
أجلسته ثم قالت
ليل : هروح أشوف الفطار وأجيبهولك هنا.
ذهبت ليل إلى المطبخ وقالت.
جهاد : اليوم الفرحة فرحتين.
الهلالي : لساتكم عايزين تجرو فاتحة صجر النهاردة؟
جهاد : صجر اللي جال واتفج مع رفعت، حتى علي أخوها جاي النهارده، وأحلام بتي جاية هي كمان مع جوزها من سيوط.
الهلالي : طيب أعملوا اللي إنتو عايزينه. حد خبر ليل؟
جهاد : لع صجر جالي هيجولها هو.
الهلالي :هيجي ميتا صجر؟
جهاد : جالي عنده مشوار ساعتين وعيعاود.
الهلالي : طيب أما نشوف أخرتها إيه.
أما عند صقر كان يجلس بمكتبه مع حاتم يراجع الحسابات معه.
حاتم : كده تمام مفيش أي غلط، والسماد اتوزع على الأراضي كلها والحمد لله.
صقر بشرود: الحمد لله.
حاتم : مش عايز تقولي برده مالك؟
فزر وقال : قولتلك يا حاتم مية مرة مفيش.
حاتم :من إمتى بتخبي عليا يا صاحبي، وبعدين أنا حافظك.
رفع صقر عينيه بملل ثم تنهد ولم يجيب.
حاتم :طيب مش هضايقك أكتر من كده، بس واجبي كصاحبك وأخوك أقولك إن اللي إنت بتعمله ده غلط، وجوازك من زهرة هيعمل مشاكل بينك وبين عمك رفعت وكمان علي.
صقر : ليه هيعمل مشاكل؟
حاتم : عشان إنت بعضمة لسانك قولتلي إنك مش بتحبها يا صقر غير زي أختك.
صقر : حاتم أنا مكنش عندي أمل إني أتجوز أساساً بسبب الطار، فا متوقع مني إني هيفرق معايا لما أجي أتجوز يبقى عن حب ولا لا؟!
حاتم : وهي مراتك موافقة على كده؟
صقر : مش فارق معاها أصلاً، ديه هي اللي اقترحت الفكرة بتاعت قراية الفاتحة في السر.
حاتم : ما يمكن بتعمل كده عشان تحميك.
صقر : وهتحميني ليه بتحبني مثلاً؟ على العموم هي سنة وأطلقها وأخلص من الموضوع ده وأشوف حياتي.
حاتم : طيب يا صقر أنا عارف إن دماغك ناشفة ومش هتسمع مني.
ثم نهض وقال
حاتم : هروح أنا أجيب علي من محطة القطر، زمانه على وصول.
وتبعه صقر وقال : وأنا هروح عشان أرتاح شوية قبل بليل.
في منزل الهلالي، وبعد أن تناول طعامه جلس ينتظر عودة صقر، طُرق الباب وذهبت ليل لتفتحه، وجدت شابة جميلة ومعها رجل.
أحلام : إنتي أكيد ليل.
ليل :مين حضرتك؟
لما تجيبها، ثم دفعتها بيدها ودخلت وقالت: يا أماااا.... يا أم صجر أنا جيت.
نزلت جهاد من أعلى الدرج وهي سعيدة وذهبت لاحتضان إبنتها، ثم دخل زوجها بعدها ونظر إلى ليل التي تبدو حزينة للغاية من معاملة أحلام، ويبدو أننا تتحكم بدموعها بقوة.
حمزة وهو يشير إلى زوجته : ديه أحلام أخت صجر وأنا جوزها... حمزة.
لاحظت ليل ابتسماته الهادئة، فقالت
ليل : أهلاً نورت أنا ليل.
ثم ذهبت من أمامه إلى المطبخ، نظر إلى زوجته وهي تحتضن أمها وقال
حمزة : إيه اللي إنتي بتعمليه ديه يا أحلام؟
أحلام : عملت إيه يا حمزه؟
حمزه : ليه عاملتيها إكديه؟
أحلام : عايزني أخدها بالحضن إياك؟
حمزة : لع بس على الجليلة تعامليها باحترام، من ميتا وإنتي إكديه يا أحلام؟ أحلام اللي إتجوزتها مش إكديه.
جهاد : مش وجته يا ولدي، تلاجيها تعبانة من الطريج، سيبها ترتاح عشان الحمل.
الهلالي : تعالى يا حمزة.
انتبه إلى الهلالي الذي يجلس بالبهو، فذهب إليه معتذراً وقال : حجك عليا يا حاج هلالي، مجصدش أعلى صوتي وإنت موجود.
الهلالي : معذور يا ولدي، وبعدين ده بيتك عاد ومعاك حج، بس هنعمل إيه؟ أنا كمان تعبت مع حماتك وصجر من كتر ما بطلب منيهم يعاملوها زين.
حمزة : حمد الله على السلامة يا حاج، لولا حمل أحلام كنت جيت عندكم طوالي، بس أوامر الدكتورة مخلتناش نعرف نيجي.
الهلالي : ولا يهمك يا ولدي.
أقتربت أحلام وقبلت يد جدها وجلست بجوار حمزة الذي أشاح بعينيه عنها بضيق، فقالت.
أحلام : خلاص عاد يا حمزة
حمزة : لع مش خلاص، البت عتبكي من اللي إنتي عملتيه، المفروض تبجي أكتر واحدة حاسة بيها عشان سيبتي عيلتك أهنيه وروحتي معايا سيوط، وأد إيه كنتي خايفة تجعدي مع عيلتي في دار واحد، وهي كمان زيك جاعدة أهنيه لحالها، تجومي تعملي معاها اللي كنتي خايفة أهلي يعملوه معاكي؟
نظرت أحلام إليه بخجل وقالت : مش جصدي يا حمزة، بس الموضوع مختلف، فيه بيناتنا طار.
الهلالي : كان يا بتي، ولولاها كان زمان أخوكي صجر مجتول هو كمان. أنا مخابرش أنتو بتفكروا كيف عاد! البت ديه هي اللي أنقذت حياة صجر من الموت لما وافجت تتجوزه وهي حتى متعرفوش، حتى صجر مكنتش أعرف إنه غبي إكديه، يختار زهرة ويسيب ليل، مش عارف كيف!
حمزة : هي زينة يا عمي؟ بنت حلال يعني؟
الهلالي : جوي.... ديه مراعياني كيف أبوها، وتجعد تتحدت معايا وبتنسيني همي، مع إنها شايلة حزن الدنيا في جلبها بس معتبينش، الله يستر مو اللي عيحصل اليلة، جلبي مش مطمن.
بالمطبخ عند ليل، جلست بجوارها هنية وقالت : يا بتي إبكي بترتاحي.
ليل بابتسامة : أنا كويسة عايزاني أعيط ليه يا خالة؟
هنية بحزن : عشان مش زينة يا بتي.... مش زينة.
تركتها ونهضت لتكمل إعداد الطعام.
عاد صقر إلى المنزل ووجد أخته بالبهو، قام بالترحيب بها وبزوجها ثم استأذن للذهاب لتغيير ملابسه، وطلب من جهاد أن تخبر ليل بأن تأتي إلى غرفته.
ذهبت جهاد وأخبرت ليل بسعادة، تترقب أن ترى وجهها المبتسم رغم كل ما يحدث لها بعد أن تسمع ذلك الخبر منه، فهي تعلم أنه سوف يخبرها بأمر الخطبة اليوم. وحين خرجت طلبت من هنية إعداد الحلوى، وأخبرتهم بأمر الخطبة، وضرورة التكتكم على الأمر.
أما بالأعلى، طرقت ليل الباب وهي تشعر بالخوف من مواجهته، تُرى هل لا يزال غاضب منها؟ أم سوف يعطيها فرصة لتشرح له كل شيء؟
دخلت الغرفة بعد أن سمح لها بالدخول، فقال صقر وهو يواليها ظهره ناظرًا عبر النافذة : إقفلي الباب وراكي.
أغلقت الباب وكادت أن تتحدث ولكن قاطعها صقر قائلًا: النهاردة بليل ياريت مشفكيش تحت خالص.
ليل : ليه؟
صقر : عشان فيه ضيوف جايين ومش هيبقى لطيف إنك تبقي موجودة وسطينا.
ليل : ليه مستعر مني مثلا؟!
نظر إليها صقر وقال ببرود وهو يضع يده أمام صدره : لا عشان النهاردة خطوبتي أنا وزهرة.
تفاجأت ليل من حديثه، شعرت أن قلبها ينكسر، ظلت تنظر إليه والألم يبدو على عينيها، نظرة عتاب وحزن جعلت الدموع تلمع داخل مقلتيها، وحين شعرت أنها لن تستطيع أن تتحكم بدموعها أكثر من ذلك؛ هربت من أمامه سريعاً، كاد أن يلحق بها لا يعرف لماذا؟ ولكنها تبدو حزينة ووجهها شاحب، وفقدت قليلاً من الوزن، هيئتها أضعفته، جعلت غضبه يتلاشى، بل أصيب بالقلق عليها وظل يفكر لماذا تبكي؟ وما هذه النظرة التي بعينيها؟
قد هزمت صقر الهلالي بنظرة عتاب باكية.
لم يكن يعلم أن الحب هو من جعله بهذا الوهن أمامها.
هل سيتراجع أم يتمم تلك الخطبة؟!
رواية بقاء الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رباب حسين
ن
مهزومة... تائهة كمن سقط في بئر لا قاع له ولا مهرب منه، لم تجد مكان تهرب إليه وسط كل الألم، فتسللت ليل إلى الحديقة الخلفية عبر غرفة المندرة، لا تريد أن يراها أحد تريد أن تبكي لتُخرج كل هذا الألم الذي بقلبها لعل في البكاء ما يجبر ذلك الكسر الذي حدث بقلبها، لم يكفيهم إهانتها وذلها في منزل زوجها، لم يكفيه ظلمه لها دون وجه حق، بل يعينها الآن كأنثى، ليت الألم شخصٌ أمامي فأقتله بيدي كي أرتاح.
جلس صقر في غرفته شارد الذهن، لا يعلم هل ما يفعله صح أم لا؟ تذكر كلام حاتم وشعر أنه حقاً يتسرع بالخطبة، ثم هم بالنهوض وكاد أن يخرج ليذهب إلى ليل، ولكن توقف عند الباب وتذكر أنها تكذب عليه وتهينه وعصت أوامره، وأيضاً تخطيطها للزواج بشخص آخر وهي زوجته وهذا يكفي لأهانة كبريائه أمام نفسه، فتراجع قبل أن يقبض على الباب ويفتح.
ظل الصراع ينمو بداخله، فبرغم من أنه لم يتحدث معها كثيراً ولكن شعر بالراحة عندما رأها وسمع صوتها، وعلم أن كل ما كان فيه من حزن بسبب أنه قد اشتاق إليها، وكأن روحه عادت إليه عندما رأى عينيها، أغمض عينيه في حزن.
يا لكَ من قلبٍ غَبي... تَعْشْقُ من يَطْعَنُك
الآنَ وقَد عَصِيتَ الحُبَ قَبْل... تَنْبُضُ لِقُلْبٍ يَطْعَنُكَ الغَدْرُ؟
ثم تذكر وجهها الشاحب، من المؤكد أن هذا الأرهاق بسبب أمه، لم تنفذ أوامره، نزل إليها ليبحث عنها بالأسفل، وجدها تجلس معهم بالبهو، دخل والغضب يتطاير من عينيه
صقر : أمي.
نهضت جهاد بفزع، فعلمت أن صوته لا يبشر بالخير، فنظر له وقالت بتوتر.
جهاد : أيوة يا ولدي.
صقر : ممكن أعرف هو أنا بقيت طرطور في البيت ده من أمتى؟
جهاد : ليه بتجول إكديه يا ولدي؟
صقر :عشان كلامي مبقاش يتنفذ.
خرج الخدم وتجمعو حول البهو متعجبين من غضب صقر ووقفو يشاهدون بصمت، والهلالي يراقب دون تدخل، وكأنه يعلم سبب غضبه.
جهاد : جولت إيه يا صجر منفذتوش عاد؟
صقر :ليل.
صمتت جهاد ونظرت بعيدًا عن وجهه.
ثم أردف صقر : هو أنا مش قلت الهدوم اللي هي لابسها ديه تبطل تلبسها؟ وقلت متعملش حاجة في البيت تاني؟ وقولتلك ديه ضيفة عندنا زي ما جدي أمر وواجب علينا ضايفتها؟ أقدر أعرف شكلها عامل كده ليه؟
جهاد : وإنت زعلان إكديه عليها كده ليه عاد؟
صقر بحزم : عشان ديه تبقي مرات كبير البلد صقر الهلالي، مراتي متمشيش في البلد بلبس زي ده، ولا تروح عند أهلها بالمنظر ده، ولا تخدم في البيت زي الخدامين، ولا تاكل في المطبخ معاهم، ديه مرات الكبير ومقامها من مقامي، وأي حد هيدوس على طرفها أنا اللي هقفله.
كل هذا تحت أنظار الهلالي الذي يراه ويبتسم، فقد راهن نفسه أن صقر سوف ينتفض لأجلها يومًا ما، وها قد أتى ذلك اليوم، والآن قد تأكد من شكوكه، صقر وقع في غرام ليل.
نظر حمزه إلى أحلام التي أخفضت نظرها خوفاً من غضب صقر إذا علم ما فعلته أيضاً،
ثم أكمل صقر وهو ينظر لكل من في المنزل
صقر : أي حد هيغلط فيها تاني يستحمل غضبي.
ثم تحرك إلى الأعلى، وقام الخدم بالركض نحو المطبخ خوفاً منه، ثم عادت جهاد لمجلسها بصمت، الابتسامة جالية على وجه الهلالي.
حمزة : إتإسفي لليل يا أحلام، إنتي خابرة غضب أخوكي وواضح إنها تهمه.
أحلام : فيه إيه يا أما مش جولتيلي أنه مطيجهاش؟ إيه اللي جد عاد؟!
أما الهلالي فنظر إلى الفراغ وتذكر.
فلاش باك.
عاد صقر متأخرًا من العمل، صعد ليذهب إلى غرفته، ثم توقف أمام غرفة ليل، ظل يتطلع إلى الباب يصارع قلبه، يريد أن يتحدث معها ولكن عقله يرفض، التفت وذهب إلى غرفة الهلالي ووجده نائمًا، جلس بجواره في الظلام و تحدث بصوت هامس.
صقر : أنا تعبان يا جدي... مش فاهم نفسي. أنا مالي يا جدي؟ ليه مش عارف أبطل تفكير فيها؟ ليه شاغلة بالي؟ ليه مشتاق لها؟ غضبان منها وفي نفس الوقت هموت و أشوفها، أنا خايف يا جدي، أول مرة أحس إني خايف.
تركه وخرج بعد أن قبل رأسه وهو يتصنع النوم، ثم أغلق الباب بهدوء وفتح الهلالي عينه ونظر إلى باب الغرفة وابتسم.
عودة من الفلاش باك.
أحلام : ياااا جدي رحت فين عاد؟
انتبه الهلالي لها وقال : موجود يا بتي. هي فين ليل عاد، مش كانت مع صجر ولا لساتها معاه فوج؟
جهاد : سخنته عليّ أكيد.
الهلالي : أنا كنت خابر باللي عتعمليه زين، بس سيبت صجر هو اللي يشوف ويحكم بعينه، عشان خابر زين أن غضبه أجوى من غضبي، وإنتي تستاهلي غضبه.
أما صقر ظل في غرفته حتى المساء، وجاءت زهرة ومع خالها رفعت وابتسام وأمها سعاد وجلسو بالأسفل، ثم هبط صقر وهو يرتدي بدله كلاسيكية، فظل ينظر إلى ما أعددته ليل له من ملابس من قبل ليخطب بها زهرة، ولكن رفض أن يرتديها، لا يريد أن يهينها أكثر.
ثم توجه إليهم وبعد تحيتهم جلس معهم
صقر :أنا أسف طبعاً إني طلبت أن الموضوع يتم هنا يا عمي رفعت، بس لو روحنا كلنا عندكم وحد من البلد عرف هيشك، لكن لو إنتو جيتو هنا محدش هيشك في حاجة.
ثم نظر إلى سعاد وقال : حضرتك عارفة طبعاً الظروف يا خالة؟ فا اتمنى إن حضرتك متزعليش من الطريقة اللي هيتم بيها الموضوع، بس طبعاً بعد ما الأوضاع تستقر إن شاء الله هاجي ومعايا الحج وأمي كمان.
أنا يا عمي رفعت طالب أيد زهرة بنت أختك قلت إيه؟
رفعت : مش هلاجي زيك يا صجر اطمن عليها معاك، وبعدين ده أنت اللي مربيها أكتر مني.
كل هذا وزهرة تنظر إليه بسعادة وحب، أما الهلالي فكان يطالعه بصمت، كان يتمنى أن يعدل صقر عن فكرة الزواج، ولا يفهم لماذا يصر على الزواج بأخرى وهو يحب ليل؟
صقر : نستني بس حاتم وعلي وبعدين نقرا الفاتحة.
أما بالخارج ظلت ليل تبكي كثيراً، ثم نهضت وأخذت تتجول بالحديقة. لا تريد الدخول حسب أوامره، ثم وقفت بجانب المنزل تستند على الحائط، تشعر بأنها فقدت معني الحياة، حتى أنها لا تعرف لما هي تعيش الآن؟ فقد فقدت كل شيء وتحطم قلبها، وها هو من أحبته يجلس الآن بجوار غيرها، يطلب يدها للزواج وهي من ينبض له قلبها.
كيف تتحمل أن تراه معها عام كامل؟ من يصدق أن زوجها يتزوج بغيرها بعد أقل من عشرين يوم زواج!
في هذه الأثناء دخل حاتم ومعه علي من الباب الخارجي، ظل حاتم ينظر حوله كأنه يبحث عنها فهو لم ينساها قط، وكان سعيد أنه سوف يأتي إلى هنا على أمل أن يراها مجدداً،
وقبل أن يدخل المنزل لمحها تستند على الحائط شاردة، ابتسم بسعادة ثم قال.
حاتم : أدخل يا علي أسبقني وأنا هعمل مكالمة تليفون وأجي.
علي :طيب متتأخرش عشان مستنينا جوا.
حاتم : حاضر.
انتظر حتى يدخل ثم ركض إليها، نظرت إليه ووجدها تبكي مجددًا، عيناها متورمتان من أثر البكاء.
حاتم : أخيراً لقيتك! وبرده بتعيطي.... طيب قوليلي إنتي مين؟
كان يتحدث وهي فقط تنظر إليه ولا تجيبه، ظل يطالعها بحب ويتأمل ملامح وجهها، تعجبت ليل من نظراته، وكاد يتحدث إلا إنه سمع صوت علي وهو يقول.
علي : يلا يا حاتم بتعمل إيه عندك.
نظر إليه وقال بصوت مرتفع
حاتم : جي أهوه.
نظر إليها وقال: هخرج تاني عشان عايز أسمع رد على أسئلتي.
كانت تتطلع إليه وهي تشعر بدوار شديد، وأصبحت رؤيتها مشوشة فهي لم تأكل اليوم، ولا تنام جيدًا، وبدأت تشعر بالأعياء الشديد.
دخل حاتم ثم جلسو جميعاً وقال.
رفعت : نقرا الفاتحة.
نظروا إلى صقر الشارد أمامهم، وانتظروا حتى يجيب ولكن لم يتحدث.
ربت حاتم على كتفه وقال.
حاتم : صقر... روحت فين؟
نظر إليه صقر وهو صامت لا يتحدث كأنه يفكر بأمراً ما، نظر إليه حاتم مطولاً فهم من نظراته أنه يشعر بالتردد.
جهاد : صجر.... مالك يا ولدي؟
نظر إليها ثم صمت قليلاً وتنهد وقال
صقر : نقرا الفاتحة.
انتهى الأمر وبدأت المباركات وذهب إلى زهرة وقال
صقر : مبروك يا صغيرة.
زهرة بخجل وسعادة : الله يبارك فيك.
جلسو قليلاً معاً وبدأ حاتم كعادته بالهزار مع علي وصقر، ولكن كان صقر لا يبدو على ما يرام، فقرر حاتم أن يبقى معه بعد ذهاب علي وعائلته.
همو بالذهاب بعد وقت ثم قال.
حاتم : صقر فيه حاجة في الشغل عايز أتكلم معاك فيها.
صقر : ماشي خليك متمشيش، أنا كمان عايز أتكلم معاك.
ودع عمته وزوجها وذهبوا جميعاً، وكاد أن يذهب صقر إلى غرفة المكتب إلا أنه أوقفه صوت.
الهلالي : فين ليل يا صجر؟
نظر إليه صقر مطولاً ثم قال
صقر : أنا قولتلها متنزلش النهاردة تحت.
الهلالي : واه يعني هي راحت فين؟
صقر : هي نزلت بعد ما كلمتها على طول.
الهلالي : أنا مشفتهاش من وجت ما طلعت عندي.
صقر : يمكن في المطبخ.... يا خالة هنية.
خرجت هنية إليه وقالت: نعم يا كبير.
صقر : ليل معاكي جوا؟
هنية : لع من وجت ما جالتلها الحاجة تطلع عنديك مشفتهاش.
ظهر على صقر القلق، وقال: دورو عليها فوق في أوضتها.
بحثو عنها ولم يجدوها نزلت هنية وقالت : مش فوج.
الهلالي : شوفها يا ولدي في الجنينة.
خرج صقر سريعاً وأخذ ينادي باسمها وهي لا تجيب، ثم لمحها مستلقية على الأرض، ركض إليها ووجدها فاقدة للوعي وجسدها بارد ووجها شاحب.
صقر بزعر وقلق : ليل.... ليل.
أخذ يضرب على وجهها ضربات خفيفة حتى تستيقظ ولكن لم تجيبه، فضمها إلى صدره ووضع رأسه على رأسها وأغمض عينيه، ثم حملها ودخل بها إلى المنزل، ركضو جميعاََ إليه عدا حاتم الذي اتسعت عيناه من الصدمة عندما رأها بين ذراعي صقر، وقال فيه نفسه
حاتم : لا مش ممكن.... لا مستحيل، أنا حبيت مرات صقر؟!
ركض كل من في المنزل حتى الخدم خلف صقر؛ الذي أخذ يطلب منهم إحضار الطبيب، وظل حاتم تحت بالأسفل دون حراك فقط ينظر إلى الفراغ.
وضع صقر ليل بغرفته وطلب من هنية أن تبدل لها هذه الثياب. وقفوا جميعاً بالخارج حتى جاء الطبيب وكشف عليها، ثم خرج إليهم و نظر إلى صقر وقال.
مصطفى : هي بقالها أد إيه مكلتش؟
نظر إلى هنية فقالت: من إمبارح الصبح.
تطلع إليها وإلى جهاد بغضب وعاد النظر إلى الطبيب وقال.
مصطفى : واضح كمان أنها مش بتنام كويس. هي بس محتاجة ترتاح وتتغذي وهتبقى كويسة. أنا أديتها دوا يرفع الضغط شوية عشان عندها هبوط، أول ما تفوق ياريت تاكل.
أومأ له صقر وطلب من فاطمة أن توصل الطبيب وبعد أن ذهب.
نظر الهلالي إلى جهاد بغضب وقال : لو كنت خابر أن حالتها هتكون إكديه كنت رجعتها لأهلها بإيدي.
جهاد : ماكنتش خابرة أنها مبتاكلش.
هنية : كنت بتحايل عليها وهي ترفض، وفي الآخر كانت تاكل لجمة بالعافية، والنهاردة مكالتش واصل وشكلها كان زعلان جوي بعد ما فتحت لأحلام.
نظر صقر بغضب إلى أحلام التي اختبئت خلف زوجها.
صقر : حتى إنتي يا أحلام؟
الهلالي : عتحاسبهم على إيه ؟ حاسب نفسك لول، طلبت منيها متنزلش عشان تخطب براحتك! إيه الجبروت ديه؟! هتروح فين البت، فضلت طول اليوم في البرد برا، شايف وشها كيف؟ إنت أول واحد جسيت عليها، ياما أتحايلت عليك تعاملها زين، وأدي أخرتها. متوجع إيه لما تشوف جوزها عيتجوز عليها جدامها وزواجكو مكملش شهر.
صقر : أهدى يا جدي أرجوك، مش هستحمل يجرالك حاجة تاني.
الهلالي : وأنا أستحمل كيف أشوفك ميت جدامي زي أبوك؟! أتحايلت عليك عشان أحميك، وهي جبلت بكل ده عشان تحميك إنت كمان، عملت إنت إيه؟ كسرتها.... ذليتها... خدمتها في بيت زوجها..... أهانتها، فاكر مكنتش عسمع كلامك وزعيجك معاها كل يوم؟!
صقر بحزن : هصلح كل حاجة يا جدي بس عشان خاطري أهدى.
الهلالي وهو يطرق عكازه بالأرض : لآخر مرة هجولها في البيت ديه، اللي هيمس ليل مرة تانية هطرده من البيت حتى أنت يا صجر.
ذهب من أمامه، وركضوا جميعاً إلى غرفهم خوفاً من صقر، فهو في قمة غضبه الآن وينظر إليهم جميعاً نظرة تحرقهم.
وقف أمام الباب وظل يحاول أن يهدأ من روعه ثم دخل، وجدها لا تزال نائمة، جلس بجوارها يتأملها بصمت، وجهها شاحب ولكن جميل، شعرها الأسود كالليل يحيط بوجهها الأبيض، لما يراها بشعرها منذ أن حكمت عليها جهاد بارتداء هذه الثياب البالية والحجاب الأسود.
تنام كالأطفال، يدعو من قلبه أن تسامحه على ما فعل، فجده محق، كم أهانها وأحزنها؟ كم بكت بسببه؟ يتذكر نظراتها له اليوم؟ شعر بالندم على إتمام الخطبة رغم نداء قلبه أن يتوقف عن هذا العبث، فهو ينبض لها هي ولا يريد غيرها.
كم شعر بالراحة عندما ضمها إلى صدره لأول مرة، وكأنها ملكته وأسرته في حب مشدد لا يستطيع الهروب منه.
اقترب منها ودنى بوجهه على وجهها، ينظر إليها وكأنه يحفر ملامحها بذاكرته، لم يستطع أن يتحكم مشاعره أكثر من ذلك، فنبض قلبه كان يعلن عن الاستسلام، ثم تنهض وقال بهمس: بحبك..
اعترف أخيراً ولكن من المؤسف أن ليل لم تسمع تلك الكلمة التي انتظرت سماعها طويلًا.
رواية بقاء الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رباب حسين
ن
كان اعترافه نقطة تحول، رعشة صوته وهو يقول تلك الكلمة لأول مرة تخترق القلوب، ليتها كانت تسمعه الآن، ليت ذلك القلب الذي تحمل من القسوة ما يكفي يسمع ذلك الاعتراف، يرى لهفة العيون، يسمع نبض القلب الذي كان أعلى من صوته حينها، ليته كان اعترافًا مسموعًا، بل كان أشبه بالهروب.
أما هي، فكان ينمو بداخلها شعور آخر، لحظة الإنكسار التي وقعت بها داخل الحديقة كانت بمثابة إعلان التحول بداخلها، وبداية قرار قد تأخر لبعض الوقت، فقد حان الآن موعد ظهور شخصية ليل الحقيقية وليس تلك العاشقة البائسة بعد رفض زوجها لها، وقررت أن تستخدم السلاح الذي بيدها: خوف العائلة من عودة الطار وقتل صقر.
قاطع تلك اللحظة الفاصلة في قلب صقر دخول هنية وهي تحمل الطعام، وضعته على الطاولة بالغرفة، ثم استدارت لصقر وقالت
هنية : تأمر بحاجة تانية يا كبير؟
اقترب صقر منها وقال: خالة هنية.... أنا ملاحظ إنك بقيت تقوليلي يا كبير. إنتي لسه زعلانة مني؟
هنية : لع وعزعل ليه؟ حتى لو ربيتك مش من حجي أعتبرك كيف ابني واتدخل في حياتك،
نظر لها الحزن يكسو وجهه، يرى الآن كم أغضب من حوله جميعًا وأقرب الناس إليه، ثم قال.
صقر : كنت فاكر إنك أكتر واحدة فهماني وهتعذريني يا خالة. فاكر زمان لما كنت أزعل من أي حد كنت أجرى عليكي وتاخديني في حضنك وأقعد أعيط وأنا عارف إن إنتي الأمان، كل اللي في البيت فاكرين إني عمري ما عيطت وأنا صغير، والحقيقة إنك دايماً بير أسراري.
بدأت الدموع تتجمع في عينيه ثم أخفض رأسه بخجل وقال.
صقر : أنا تعبان أوي يا خالة، وزعلان من نفسي أوي، موت أبويا على إيدي كسرني وأنا مينفعش أتكسر، وخدت عهد على نفسي هاخد حقه، وفي الآخر رحت أتجوزت اللي أهلها قتلوه.... غضبي عماني، حاسس إني خونته لما تخليت عن حقه.
مسح الدمعة التي فرت من عينيه سريعاً ثم نظر إليها وقال.
صقر : متزعليش مني.
الآن بدأت هنية تتفهم ألمه، كان الخذلان هو ما يتحكم به وليس الغضب، فاقتربت منه ووضعت يدها على وجهه وقالت.
هنية : صجر اللي ربيته معيظلمش واصل. صلح غلطك يا ولدي عشان الندم مينهش في جلبك بعدين، ومتحاسبش حد على غلط غيره، ولو على حج أبوك أكيد لو خرج من تربته عيجولك عيش حياتك وبلاش تفكر في الطار تاني، عشان حياتك عنديه أغلى من حياته بكتير، ولو كان الحج زين عايز ياخد بالطار كان جال على حجيجة موت حامد الله يرحمه، أظن ديه كفاية يا ولدي عشان تنسى زي ما أبوك كان رايد.
أمسك صقر يدها وقبلها وقال
صقر : حاضر يا خالة، بس سامحيني؟
هنية :مجدرش أزعل منيك أكتر من إكديه.
صقر بابتسامة حزينة : يبقى بلاش يا كبير ديه تاني.
هنية : حاضر.
ثم نظرت هنية إلي ليل وقالت : خلي بالك منيها. بنت حلال وغلبانة.
نظر صقر إلى ليل نظرة عشق حزينة، فهو يعلم أن قلبها ملك أحداً آخر، فدفن ذلك العشق بداخله وقال.
صقر : متقلقيش عليها يا خالة.
ذهبت هنية وتركته بجوارها، بعد فترة قصيرة انتبه صقر أنها بدأت تستعيد وعيها، فاقترب منها حتى فتحت عينيها ونظرت حولها، وجدت نفسها بغرفته فانتفضت بذعر وحاولت النهوض، فمنعها صقر على الفور وقال.
صقر : لا متقوميش، خليكي مرتاحة.
نظرت ليل إليه ثم انتبهت إلى ثيابها، لم تعد ترتدي هذه الثياب البالية. قالت بذعر
ليل :مين غيرلي هدومي؟!
صقر : خالة هنية.
صممت ليل على النهوض وقالت.
ليل : أبعد عايزة أمشي من هنا.
حاول صقر إيقافها وقال
صقر : أنا قلت أرتاحي.
ليل :وأنا عمري ما هرتاح هنا، ولا هحس براحة طول ما أنت قدامي كدة.
شعر صقر بالحزن، إلهذه الدرجة تكرهه ثم قال.
صقر :طيب لو عايزة تمشي كلي الأول، الدكتور قال إنك مش بتاكلي ولا بتنامي.
ليل : مش جعانة.
ثم نهضت لتخرج من الغرفة، أوقفها صقر وأمسك ذراعها وقال.
صقر : إنتي عنيدة كدة ليه؟
دفعت ليل يده وقالت بغضب.
ليل : عشان مش كل حاجة لازم تمشي تحت أمرك، إذا كنت نفذت أوامرك لحد دلوقتي فا ده بس عشان كنت مقدرة الظروف والوضع اللي إنت فيه، لكن مش مطلوب مني إن أنا بس اللي أقدر وكل اللي في البيت يدوسو عليا. لو إنت مش واخد بالك إني وجودي هنا هو رحمة بيك وإني السبب في إنك لسه بتتنفس، وحضرتك عمال تذل فيا وتهيني بكل الطرق يبقى أسفة، كلامك مبقاش يهمني خلاص ولا بقى فارق معايا، ولو مش عاجبك أنا همشي، ولو على بابا أنا هعرف أحميه كويس أوي.
كان ينظر إليها بصدمة، لم يكن غضبها شيء مستبعد بالنسبة له، ولكن هذا الألم الذي في صوتها جعله متخبط، هل هذا فقط بسبب إهانتها أم بسبب غيرة؟
صقر بهدوء : طيب أنا مقدر كل اللي إنتي بتقوليه، ومقدر الغلط اللي عملته النهاردة، بس متنسيش إني جوزك ومش مسموح إنك تتكلمي معايا بالأسلوب ده، فا لو سمحتي إهدي وتعالي كلي.
ليل : الكلام ده تقوله لخطيبتك مش ليا أنا، وتنسى موضوع الجواز ده تماماً، وقريب أوي هينتهي.
شعر صقر بالحزن أكثر، كم أصبحت المسافة بعيدة بينهما. وبدأ القلق يتخلل قلبه، هل سيستطيع أن يجعلها ملكه أم أنه تأخر كثيرًا؟ وحقًا هناك من يشغل قلبها عنه؟
حاول صقر أن يمتص ذلك الغضب وكل ما يهمه الآن أن يطمئن عليها، فقال: طيب أكيد حضرتك بصفتك دكتورة عارفة وحاسة بحالتك كويس، وعارفة إنك لازم تاكلي، أنا مش عايز غير إني اطمن إنك كلتي،ومش هطلب منك أي حاجة تاني.
تعجبت ليل، لأول مرة يتحدث معها بهذا الهدوء، والأكثر عجبًا هو هذه النظرة التي بعينيه، فقالت.
ليل بهدوء : خلاص هاكل وهمشي.
جلست على الطاولة، ثم شرعت بالأكل وهو يراقبها، أما هي لم تنظر إليه أبداََ، ثم انتهت وذهبت من الغرفة دون أي كلمة.
في مكان آخر، بعد أن اطمئن حاتم من الطبيب على حالتها، ظل يسير بالشوارع، يحارب القلب الدامي المكسور، لا يصدق! هل عشق زوجة رفيق عمره وأخيه؟! كان عقله لايزال في صدمة ولا يعلم ماذا يفعل، ثم قال في نفسه : ليه بس؟ يعني يوم ما قلبي يدق لواحدة تطلع آخر واحدة ينفع ابصلها! بس صقر مش بيحبها وعايز يطلقها وهما متفقين على الطلاق. لا لا مقدرش أتجوزها، أتجوز من عيلة بركات اللي قتلو عمي زين.... لا لا. هي أتعقدت كده ليه؟ لازم أنساها مفيش حل تاني.
في الصباح، نهضت ليل وهي تشعر بالغضب من كل شيء حولها وأولهم جهاد، وقررت أنها لن تخضع لأحد مرة أخرى وأن تجعلهم يذفعون ثمن ما فعلوه بها، فكل شيء انتهى وأصبح وجودها بهذا المنزل هو فقط لحماية صقر وعليهم الآن أن يدركو حجم الخطر الذي سيقع عليه إذا غادرت، وليهنأ صقر بزواجه من زهرة، فحان وقت رد الفعل الذي تأخر كثيرًا.
ارتدت فستان أزرق اللون وحجاب أبيض، ثم خرجت بثقة من الغرفة، توجهت إلى أسفل ووجدت أنهم مجتمعين حول مائدة الطعام.
نظر لها الهلالي متفاجأً وقال : نزلتي ليه يا بتي عاد؟! أنا جولتلهم يطلعو الوكل فوج عنديكي.
ليل : لا ملوش لزوم أنا كويسة.
ثم نظرت إلى أحلام التي تجلس على يسار الهلالي و أمامها صقر على يمينه ثم قالت.
ليل :لو سمحتي قومي من الكرسي ده مكاني.
عقد صقر حاجبيه الذي لم يستطيع إبعاد عينيه عنها منذ أن نزلت من أعلى الدرج، كم هي جميله والحجاب الأبيض ينير وجهها. وتحولت نظرته من الأعجاب إلى الصدمة، تبدو حازمة بوجه وأسلوب آخر.
قاطع تلك النظرات المصدومة صوت أحلام وهي تقول : مكانك كيف؟ طول عمري بجعد أهنيه.
ليل : ده قبل ما أنا أكون موجودة، وده مكاني من هنا ورايح واللي مش عاجبه يتفضل يقوم.
ثم نظرت نحو جهاد التي كانت تكتم غضبها بداخلها.
نهض حمزة من على الكرسي وانتقل إلى الكرسي المجاور ثم أمسك يد أحلام وجذبها وقال.
حمزة :تعالي يا أحلام، سيبيها تجقد مكان ما هي عايزة، ده بيتها بردك.
شعر الهلالي بتوتر الأجواء، فحاول أن يمتص غضب ليل الجالي في تصرفاتها، فابتسم وقال
الهلالي : أجعدي يا بتي، خليكي جاري طمنيني عنيكي.
ليل بوجه عابس على غير عادتها : أنا بخير يا حج هلالي، وهبقى أحسن متقلقش.
انتبه الهلالي إلى الصفة الجديدة، لم تعد تقول جدي كعادتها، أصبح الأمر واضحًا الآن، ليل قررت أن تعبر عن غضبها وهذا سيشكل خطر عليهم جميعًا، فقال : أنا خابر يا ليل إنك زعلانة...
قاطعته وقالت
ليل : مين قال إني زعلانة؟! هو بس واضح أن طيبتي أتفهمت غلط، وواضح إني قدرت الظروف أكتر من اللازم، وده خلاكو تفكرو إني ضعيفة بقى وهتدوسو عليا، براحتكم. بس حبيت أقولك كلمتين على الفطار كدة عشان أفتح نفسكو. من هنا ورايح أي تصرف معايا مش هيعجبني همشي وأرجع عند أهلي ومش هبقى على حد، وميهمنيش مين يعيش ومين يموت.
ثم نظرت إلى صقر الذي لم ينطق بكلمة واحدة، وبدى وكأنها تهدده، ثم نهضت من على الطاولة وعادت إلى غرفتها.
كاد صقر أن يلحق بها ولكن أوقفه قائلًا.
الهلالي : لع يا ولدي مش دلوك، مبين عليها إنها مش عتستحمل كلمة من حد، حتى أنا جالتلي يا حج هلالي. اللي عملته فيها واعر على أي ست، سيبها تهدى وهي عترجع لجلبها الطيب.
صقر بغضب قليل وهو يمسح على وجهه
صقر : ديه بتهددني يا جدي.
الهلالي : مجروحة يا ولدي أتحملها شوي.
حمزة : جدي معاه حج يا صجر.
زفر صقر وقال : أنا طالع أغير هدومي، فيه جلسة في المندرة النهاردة.
ثم ذهب إلى المطبخ وأمرهم بإعداد الطعام لها وأرساله إلى غرفتها، ثم ذهب إلى غرفته وبدل ثيابه ونزل إلى المندرة، كان ينتظر وهو يفكر بشيء واحد فقط، هل أنهى كل شيء بينهما قبل أن يبدأ؟!
تذكر أن حاتم كان بالمنزل أمس ولم ينزل إليه بعد مرض ليل، فأمسك هاتفه واتصل به، نظر حاتم إلى الهاتف ولم يستقبل المكالمة، فهو لم ينم منذ أمس، يشعر أن أحلامه ذهبت هباءاً، والأسوء أن لا يستطيع نزع صورتها من خياله.
إذاً كانت تبكي أمس لأنه يتزوج بأخرى، وتذكر أول مرة رآها فكانت تبكي لأنه طردها من منزله، وفسر كل هذا الحزن تفسيراً واحداً، ثم
تنهد والدمعة تهرب من عينيه وقال بصوت مرتفع: بتحبه.
أغلق عينيه بألم يحاول الهروب من تلك الحقيقة.
أما زياد، فقد قرر الذهاب لرؤية ليل بمنزل الهلالي، يشعر بالضيق بسبب تجاهلها لمكالماته، وهناك أم يجب أن يخبرها به ضروري، عدا معرفته بأمر الخطبة بالأمس.
ذهب إلى منزل الهلالي وطرق الباب وفتحت فاطمة وقالت.
فاطمة : أهلا يا زياد بيه أتفضل.
زياد : شكرًا، لو سمحتي بلغي ليل إني عايز أشوفها ضروري.
فاطمة : حاضر أتفضل أدخل.
زياد : لا هستناها هنا.
تركته فاطمة وذهبت إلى ليل في غرفتها، كانت تتناول الطعام بهدوء، ثم أخبرتها بوجود زياد بالأسفل، فنزلت إليه وقالت بضيق.
ليل : خير يا زياد.
زياد : عارف إنك مش طيقاني، بس أنا وصلت لحاجات مهمة ولازم تسمعيها.
وجدت ليل في يده ملف كبير فقالت.
ليل : أدخل طيب.
زياد : لا تعالي برا في الجنينة أحسن.
خرجت معه ثم أخذ يبتعد عن باب المنزل إلى أن وصل إلى جواره وقال.
زياد : أنا جيبت الدليل. عمي عمر مقتلش.
ليل بسعادة : بجد ؟! عرفت أزاي وفين الدليل؟
زياد : من ساعة ما إنتي بطلتي تكلميني وأنا كنت متضايق من نفسي جدًا، ورحت من كام يوم قعدت مع خالتي زينة وبدأت أحكيلها وهي سمعاني بس، وبعدين جيه في بالي أن أكيد هي عارفة هو كان فين يوم قتل زين الهلالي، سألتها وحاولت أشرحلها الموضوع وفهمت مني أن لو اللي إنتي بتقوليه صح يبقى أنا وزيد في خطر، لقيتها فاجأة بتطلب بأيديها ورقة وقلم، وكتبت الورقة ديه.
أعطاها زياد الورقة وقرأتها.
ثم أكمل : هي طبعاََ مقدرتش تكتب أوي عشان كانت بتكتب بإيديها الشمال، بس لقيتها بتقرب على الدولاب بكرسيها وطلبت مني أفتحه، وشاورت على درج، فتحته لقيت الملف ده. وبعد كده خدته ورحت للظابط اللي ماسك قواضي القتل اللي بتحصل هنا في البلد، وقالي معلومات خطيرة يا ليل، وجبت كل الأدلة اللي جمعتها هنا في الملف ده، أقريه والقرار ليكي.
أخذت الملف منه وقالت.
ليل : هقراه وأرد عليك.
كادت تذهب ولكن منعها وقال بصوت عالي قليلاً
زياد : ليل.
سمع صقر صوت بالحديقة وهو ينتظر داخل المندرة، فخرج من الباب وطل بوجهه إلى الخارج، وجد زياد يتحدث مع ليل، فاختبأ حتى يسمع ما يقولان.
زياد : أنا عارف إني غلطت وبحاول أصلح غلطي، بس أديني فرصة وأفهميني. إنتي ليه مش مصدقة إني عملت كل ده عشان خايف عليكي؟!
ليل : مش هسمع منك أي حاجة غير لما تقولي مين بيطلع أسرار البيت ده، أنا من ساعة ما حسيت أن ليك جاسوس جوا وأنا مش بتكلم مع حد خالص، وخصوصاً الخدم، عشان متأكدة أن حد منهم هو اللي بيقولك.
زياد : الصراحة اه.... سعيدة هي اللي قالتلي، بس هي مكنتش موافقة في الأول، لولا أنها حست بقلقي عليكي وقدرت فعلاً إن وجودك هنا أذية ليكي.
ليل : ولو، مش مسموح أبداً أنها تخرج أسرار البيت برا، ثم مفكرتش في منظري قدام صقر وإنت بتقوله إنك عارف كل حاجة؟
زياد : أيوة قولتله إني عارف كل حاجة لأن عمايله ميتسكتش عليها، إنتي فاكرة إني مش عارف باللي حصل إمبارح، وأنه خطب وإنتي تعبتي بعدها؟
ليل بتحذير : لآخر مرة يا زياد بقولك متدخلش، كفاية شكلي بقى زفت قدامه.
زياد بتعجب : وإنتي فارق معاكي إيه؟!
أرتبكت ليل وقالت : أيوة... أيوة طبعًا شكلي إيه قدامه دلوقتي؟! لا وكمان مش هقدر أقول على سعيدة هانم لأنه لو عرف أكيد هي قتلها.
زياد : يعملها عادي.
زفرت ليل وقالت: زياد لو سمحت متتكلمش عليه كده.
زياد : أنا مش فاهمك يا ليل.... مش فاهم! اللي يشوفك كده يقول بتحبيه وبتدافعي عنه.
ظهر على وجهها الإرتباك، وظلت تبعد عينيها عنه وتقول بتردد.
ليل : لا... لا طبعاً مش صح.
لاحظ زياد هروب عينيها منه، فدنى بوجهه لها قليلاً يحاول أن ينظر إلى عمق عينيها، وقال
زياد : ليل فيه إيه؟ إنتي بتهربي بعنيكي ليه؟ إنتي بجد حبتيه؟
أخذت ليل تتهرب أكثر وقالت
ليل : زياد حل عني، سيبني أشوف الهم ده.
ثم رفعت الملف بوجهه وأشارت إليه ثم قالت
ليل : أستنى مني تليفون أقولك هنعمل إيه، وروح دلوقتي.
تركته وذهبت، وأيضاً غادر زياد المنزل، كل ذلك كان على مسمع من صقر، فظهرت ابتسامة سعيدة على وجهه، وتسائل: هل فعلاً تحبه؟! ما هذا الإرتباك الذي وضح عليها في صوتها وأيضاً لاحظه زياد؟ دب الأمل في قلبه من جديد، وعزم على معرفة حقيقة شعورها نحوه، ثم تذكر سعيدة وما فعلته، وأنها السبب في أنه ظلم ليل، شعر بالضيق منا فعل.
ثم تذكر هذا الطبيب أحمد، وهذا ما كان ينهش بقلبه أكثر، يريد أن يتأكد من مشاعرها نحوه، فقرر أن يعرف الحقيقة مهما كان الثمن.
رواية بقاء الفصل السادس عشر 16 - بقلم رباب حسين
ن
دائمًا هناك أمل... ذلك الضوء الذي يومض في نهاية الطريق المظلم، بعد الظن بأن لا سبيل لديك ولا وجهة تصل إليها؛ يظهر الأمل ويعيد لك نبض الحياة مرة أخرى.
هذا ما شعر به صقر حين سمع حديث ليل وزياد.
أما ليل فذهبت إلى غرفتها ومعها الملف، ثم أخذت تقرأه، ومع كل ورقة تظهر علامات الدهشة على وجهها أكثر وأكثر.
وبعد فترة من الوقت، تركت الملف ونزلت إلى أسفل، ثم سمعت أصوات وهي تمشي في ممر الغرف، وإذا بالخدم ينظرون من النافذة مرة أخرى إلى المندرة، دخلت الغرفة وقالت.
ليل : أظن اللي حصل المرة اللي فاتت وإني مردتش أقول على رقية أن هي اللي ضحكت يخليكو تحرمو تقفو هنا تاني، عشان المرة الجاية مش هخبي وهقول.
انتبهوا حميعاً إليها واقتربت رقية منها وقالت.
رقية بخوف : لا يا ست الدكتورة، لو الكبير عرف هيجتلنا، بلاش.
ليل : يبقى بلاش الوقفة ديه.
فاطمة : يا ست الدكتورة أحنا مفيش هنا أي حاجة تسلينا غير حواديت المندرة، ومتجلجيش مش هنفتح خشمنا عاد.
ابتسمت ليل كالأطفال واقتربت منهن بسعادة وقالت : خلاص خدوني معاكم.
اقتربن من النافذة وظلت ليل تراه من خلاله، كم تعشق رؤيته بهذه الثياب، وكيف لا تعشقه وهو ذو شخصية فريدة وقوية، ولمست حكمته وعدله وخوف الرجال منه، وتذكرت كلامه أن كل من يعرفه يهابه.
انتهت الجلسة، وجلس صقر وحيداً شاردًا، لا يستطيع إيقاف عقله عن التفكير بها. هل فعلاً تحبه؟! ثم بدأ الأمل يكبر بداخله أكثر، وظهرت بسمة العشق على ثغره، من يراه يعلم أنه متيم، لاحظ الخدم شروده وأيضاً ليل التي ظهر عليها الضيق عندما رأت كيف هو متيمًا الآن.
انتبهت فاطمة إلى نظرة ليل الحزينة فحاول أن تشتت ليل عنه وقالت : يلا يا ست الدكتورة، خلاص الجلسة خولصت.
ليل بحزن: أخرجو إنتو.
خرجن وظلت سعيدة معها وقالت وهي ترتب على كتفها : مبين عليه بيحبها، لازم تمشي من إهنيه يا دكتورة، بكفياكي عاد.
نزلت دمعة من عين ليل وعادت سريعاً إلى غرفتها.
أما بالأسفل كانت جهاد تشتعل غضباً، وأحلام تتحدث معها بالحديقة.
جهاد : شايفة كيف بتتحدت معانا؟! كنها بتطردني من بيتي، وصجر متحركش ولا نطج بكلمة، معدتش فاهمة حاجة واصل.
أحلام : يا أما إهدي مش إكديه، وبعدين ما صجر كان رايح يتحدت معاها وجدي وجفه، إهدي عاد ليجرالك حاجة.
جهاد : أنا مش طايجاها، كل أما بشوفها بفتكر موت أبوكي وبينهش في جلبي، كيف عاد أعيش معاها وتاكل معايا في طبج واحد؟! لع مش عيحصل، لازمن أشوف حل عشان أخلص منها.
هدأت ليل قليلاً، ثم قررت النزول إلى الهلالي، كان صقر يخرج من المندرة وحين رأها ظهرت الابتسامة على وجهه، تطلعت ليل إليه بتعجب ثم ذهبت من أمامه، كأنها لم تراه.
ذهبت إلى الهلالي الذي يجلس مع حمزة وقالت.
ليل : جدي عايزة اتكلم معاك لوحدنا.
ابتسم الهلالي وقال : تعالي يا بتي، خدي بيدي ندخل الأوضة.
ساعدته ليل وأخذته إلى غرفة، وهي ترى صقر يتابعها بعينيه، ثم أغلقت الباب فقال.
حمزة بابتسامة : صحيح مرت الكبير صوح، هي ديه اللي تليج بيك يا صجر، جوية زيك تمام.
صقر : وزهرة؟
حمزة : مش شبهك يا صجر، مش شبهك واصل، فكر تاني يا خوي.
أما بالغرفة.
الهلالي : طيب فهميني عاد عايزاني أجمعهم ليه؟
ليل : هتعرف بليل يا جدي، بس لازم كلهم يبقوا هنا، عمتي وجوز عمتي وأحلام وجوزها وصقر كلهم يا جدي، وأعمل حسابك عيلتي كمان هتيجي بليل لازم كلهم يبقو هنا بعد العشا.
الهلالي : طيب فهميني، أوعاكي يا بتي تكوني عتجوليلهم على حاجة وترجعي الطار بيناتنا، أنا خابر أن صجر غلط بحجك، بس معلش يا بتي عشان خاطري أنا مش عستحمل يجراله حاجة.
ليل : متخافش يا جدي مش هأذيه أكيد.
الهلالي : طيب يا بتي عخبر ابتسام تجي هي وزوجها بعد العشا، وعجمعهم كلهم، وربنا يسترها.
عادت ليل إلى غرفتها واتصلت بزياد، وأخبرته بضرورة قدومهم اليوم جميعًا، ووافق زياد.
أما الهلالي فقد أخبر الجميع بضرورة تجمع العائلة بالمساء، وحاول صقر معرفة السبب ولكنه رفض إخباره بناءاً على رغبة ليل.
حل المساء، ونزلت ليل وهي تحمل الملف، وفي أثناء ذلك طرق أحدهم الباب، فتحت ليل ورحبت بجدها وزيد وزياد ونور، وطلبت منهم الدخول والجلوس معهم بالداخل، ثم نظرت إلى هنية وقالت.
ليل : خالة هنية، خدي البنات ومش عايزة ولا واحدة هنا في البيت، أطلعو أقعدو في الجنينة، ومش عايزة ولا واحدة تدخل.
هنية : طيب والضيافة يا دكتورة.
ليل : مش وقت ضيافة، اسمعي كلامي وروحي دلوقتي.
جمعت هنية الخدم وخرجو من المنزل، وأغلقت ليل الباب ودخلت إليهم.
كانت جهاد تشعر بالرعب من التجمع، تخشى أن تتحدث ليل ويُقتل ابنه،ا وبدأت تنظر إلى أحلام وصقر الذي رحب بهم وأجلسهم، ثم ظل يتطلع بجده ولا يعرف ماذا يحدث، وابتسام ورفعت أيضاً يشعرون بالتوتر من هذا الجمع.
ظل السكوت حليفهم حتى دخلت ليل وقالت.
ليل : أهلاََ بيكو كلكو، طبعاً مش عارفين إيه سبب التجمع ده، مع أن التجمع ده إتأخر كتير، ويمكن لو كان حصل قبل كده مكنتش بقيت هنا دلوقتي.
أتمنى أنكم تسمعوني للآخر وتحاولو تستوعبو اللي هقوله بهدوء وبدون أي إنفعال، واللي عنده سؤال هيعرف إجابته.
أنا جمعتكم النهاردة عشان أقولكم على حاجات كتير إنتو متعرفوهاش. جدي هلالي.
الهلالي : نعم يا بتي.
ليل : حامد قتل عزيز إزاي؟
الهلالي بارتباك وهو ينظر إلى بركات : خبطه على راسه بجالب طوب.
ليل : تمام.... بس عزيز مماتش من ضربة حامد.
انتبهوا جميعاً إليها وتحدثوا جميعاً معاً يعترضون على حديثها.
ليل بصوت مرتفع قليلاً :أظن إني طلبت منكم الهدوء واللي عايز يسأل يسأل.
صمتو جميعاً ثم قال.
صقر : عرفتي منين؟
أخرجت ليل ورقة من الملف وأعطتها له، وقالت : ده تقرير التشريح لجثة عمي عزيز، اتضرب ٤ مرات على راسه في أماكن متفرقة.
بركات : صوح ده اللي جاله الدكتور وجتها.
نظر صقر إلى الورقة ثم قال : جدي، هو عمي حامد قال إنه ضربه مرة واحدة؟
ابتسام : صوح، هو جالي إكديه. يعني إيه؟! حامد مجتلوش مين اللي جتله عاد؟!
ليل : لسه بدري يا عمتي على السؤال ده. جدي بركات.
بركات : نعم.
ليل : إنتو كنتو عارفين إن حامد هو اللي قتل عزيز؟
بركات : لع يا بتي.
صقر : إزاي ده البلد كلها كانت بتتكلم.
الهلالي : البلد مجبتش سيرة الموضوع ديه غير بعد موت شداد.
صقر : يعني إيه؟
ليل : يعني عيلة بركات مكنوش يعرفو أصلاََ بهروب عزيز وإنتصار مع بعض، عشان كده معرفوش إن عيلة الهلالي ليها علاقة بالقتل، وده اللي مخلاش حد فيهم يحاول ياخد بالطار.
صقر : إنتي عايز تقولي إن عمك خليل مقتلش جدي شداد؟
ليل : لا مقتلوش، زي ما جدي الهلالي بيقول أن عمك حامد مقتلش عمي خليل.
صقر : إنتي عايزة توصلي لإيه؟!
ليل : اسمعني وإنت هتفهم. عمتي ابتسام أكدت أن عمي حامد مقتلش حد، لأنه كان مكتئب وعايش في تأنيب ضمير من ساعة موت عزيز، وبعدها أخته التوأم، صح يا عمتي؟
ابتسام : أيوة، عشان إكديه كلنا كنا متأكدين إنه مجتلوش، خصوصي إنه مكنش بيخرج من البيت واصل.
ليل : كده حامد مقتلش عزيز، وخليل مقتلش شداد، وحامد مقتلش خليل صح؟!
صمتو جميعاً ثم قال صقر : كل ده تحليل مفيش دليل.
ليل : تمام تعالو بقى نروح لقتل عمي زين. عمي عمر مقتلوش.
صقر : ليه مكنش يعرف بالطار، ولا كان عنده إكتئاب هو كمان؟
ليل :لا كان في العمليات.
بركات : عملية إيه يا بتي؟
تنهدت ليل وقالت بخجل : أنا آسفة يا جدي إني هقول حاجة زي كدة قدامكم كلكم، بس أرجع وأقول ده مش عيب في حقه، العيب إنه يتقال عليه قاتل وهو نايم في تربته. طبعاً كلكم عارفين إن خالة زينة مش بتخلف. الحقيقة إن العيب كان من عمي عمر مش منها. وهي دارت على الموضوع عشان متحرجوش قدام الناس، ويوم قتل عمي زين كان عمي عمر بيعمل عملية محاولة منه عشان يخلف، عشان كدة اختفي طول اليوم ورجع تعبان، لأنه راح قنا ورجع في نفس اليوم عشان محدش يشك فيه، واللي كشف الموضوع هي مراته، وإدت الملف ده لزياد، ولما رجعنا لتاريخ العملية لقيناه نفس تاريخ قتل عمي زين، يعني عمي عمر مكنش في سوهاج أصلاََ، وده ملفه اللي زياد راح سحبه من المستشفى.
أخذ صقر الملف ونظر إلى التاريخ ثم قال
صقر : يعني إيه أمال مين اللي قتل أبويا؟
ليل : معرفش، كل اللي أعرفه و متأكدة منه أن محدش في العيلتين قتل التاني.
الهلالي : طيب ابني حامد ابلي مات مسموم؟!
ليل : أهوه ده أكبر دليل على كلامي، عمي عمر هيدخل بيتك أزاي ويسم ابنك في أوضته يا جدي؟! وغير كده لو فعلاََ قتل حامد ليه هيقتل عمي زين؟
صقر : أنا كنت شاكك في الموضوع، لأن محدش يقدر يدخل البيت ويسم حد عايش فيه، طيب مين اللي حاول يقتلني وصاب عمي رفعت ؟!
زياد: مش أنا يا صقر، أنا معملتش كده وقولتلك ده في مكتبك وزيد شهد معايا.
ليل : أظن وضح دلوقتي كل حاجة، ودلوقتي نيجي للأهم، مين اللي بيقتل فينا كلنا ومصلحته إيه إنه يوقع العيلتين في بعض بالشكل ده؟
صقر : جدي هو أنت ليك عداوة مع حد من زمان وناسي؟
الهلالي : لع يا ولدي مفيش.
صقر : وإنت يا حج بركات؟
بركات : ولا أنا يا ولدي، أنا وجدك كنا دايماً في حالنا صوح يا هلال.
الهلالي : ياااااه يا بركات عاد، بجالي زمن مسمعتش الاسم ده منيك.
بركات : الزمن فرج عشرة السنين يا خوي، مين اللي عمل فينا إكديه يا هلال؟ مين اللي جتل ولادنا وفرجنا عن بعضينا؟!
ليل : إيه ده ثواني، هو إنتو كنتم صحاب؟!
الهلالي : أعز من الخوات يا بتي، بس لو أعرف مين ود المحروج اللي عمل فينا إكديه.
ليل : أنا عندي طريقة نقدر نعرف هو مين.
صقر : قولي.
ليل : أولاً اللي كان بيقتل كان مطمن إن محدش هيشك فيه، لأن العيلتين فاكرين إن بينهم طار، بس الجوازة اللي تمت بان قدام الناس كلها إن خلاص الطار خلص، وده أكيد وقفه، لأنه لو قتل تاني حد مننا أو منكم هيتعرف إن القاتل برانا كلنا. يبقي مفيش حل غير إن إحنا نرجع الطار تاني، أنا خليت زياد يتفق مع الظابط إنه يحط حراسة مشددة علينا كلنا، عشان لو القاتل حاول يقتل تاني يتمسك.
صقر : لا ثواني بس، يعني إيه نرجع الطار تاني، وده هيحصل إزاي؟
ليل : زي ما أتجوزنا عشان الصلح وأجبرنا أنا وإنت على الجوازة ديه؛ واللي خلاص مبقاش ليها أي لزوم، لأن مفيش عداوة من الأساس، يبقى الجوازة لازم تخلص على كدة... طلقني يا صقر.
وقف صقر وقال بغضب : إنتي بتقولي إيه؟! لا طبعاً مش هيحصل.
ليل : طول ما أحنا متجوزين القاتل هيفضل مستخبي، لازم يظهر.
صقر : فيه طريقة تانيه أكيد.
ليل : إيه هي؟
صقر : مش عارف، بس أكيد في طريقة تانية، ثم لو ده حصل تضمني منين إن القاتل ده ينجح في إنه يقتل حد فينا فعلاً ولا لأ؟ ولا إنتي مش خايفة على أبوكي.
ليل : بابا برا البلد، أنا فهمته كل حاجة وطلبت منه يخرج برا مصر، وهو دلوقتي في الطيارة، وأنا أول ما هطلق هحصلهم.
صقر : وإحنا مش فارقين معاكي؟!
ابتسمت ليل بسخرية وقالت : وأنا فرقت مع مين؟! ده حتى جدي رماني هنا وسطكم عشان ينقذ أحفاده زياد وزيد وأنا مش مهم. خسرت شغلي واترميت في بلد لوحدي، كل من هب ودب بيلطش فيا ومحدش فكر بس يحس بيا.
هبطت الدموع من عينها وقالت: كلنا نبحث عن البقاء.
جدك عايز يحافظ على اسمه إنه يفضل باقي في الدنيا ويفضل هو الكبير، ويحافظ عليك طبعًا ما أنت حفيده الوحيد، وجدي برده بيحافظ علي اسم عيلته اللي شايله زياد وزيد، وأنا؟! حد فيكم فكر فيا، ده أنا حتى اتحاسبت على أخطاء معملتهاش، شيلت الليلة كلها وحاسبت على المشاريب في الآخر.
ثم اقتربت منه ونظرت في عينيه وأشارت إلى وجهه وقالت : اللي بيحصل ده مشكلتكم إنتو، أنا عملت اللي عليا وكشفت الحقيقة، الباقي عليكم.
صقر بحزم : وأنا مش هطلقك.
ليل : همشي ومش فارق معايا أبقى على ذمتك ولا لأ، أنا كرهت الرجاله كلهم.
مسح صقر على وجهه وقال : ليل أسمعيني، خلينا نفكر بهدوء. طب على الأقل إديني فرصة أعرف هو مين عشان أقدر أحميكم.
اقترب زياد وقال : صقر معاه حق يا ليل، الطلاق مش حل على الأقل دلوقتي، أنا عارف إنك أستحملتي كتير، ويمكن غضبي وزعلي كان بسبب إنك ضحيتي بنفسك عشنا، عشان كده ساعدتك عشان تخرجي من هنا وترجعي لحياتك، بس بلاش طلاق دلوقتي، خليني ارجع للظابط وأشوف هيقول إيه، خليه يتحرى في كل الإتجاهات يمكن نوصل لحل، وأوعدك لما نوصل للقاتل كل اللي إنتي عايزاه أنا هنفذه، ومحدش هيغصبك على حاجة تاني.
نظر صقر إلى زياد وكأنه يشكره للوقوف بجانبه، ومحاولة إقناعها.
رفعت : يا دكتورة فكري، لو حد منينا اتجتل بسبب الطلاج ديه عتعيشي مرتاحة؟
هدأت ليل وتنهدت ثم قالت : طيب نأجل الطلاق، بس لازم كلنا نتعاون عشان نوصل للقاتل ده.
تنفس صقر بهدوء، يحمد الله بداخله أنه قد أعطاه فرصة ليصلح كل ما فعله سابقًا، وقرر أن يجعلها ملكه مهما حدث، ولن يفرقهما إلا الموت.
رواية بقاء الفصل السابع عشر 17 - بقلم رباب حسين
ن
كانت لحظة كافية بأن تنهي كل شيء، من يصدق أن مع ظهور الحقيقة التي اختبئت جيدًا بين الأيام؛ قد تكون نهاية الرحلة بينهما، وفين الوقت الذي تفاجأ الجميع بوجود قاتل آخر، لم يجعل ذلك صقر يتزعزع عن ثباته، ولكن كلمة واحدة منها كانت كافية بانتفاضته، كلمة الطلاق كانت هي الأقسى على قلبه، وحين شعر بإنه على وشك خسارتها كانت هذه بداية إعلان التمسك بها، وكأن كل الكبرياء والقوة التي بداخله انهارت تحت أقدامها، فهل سيستطيع أن يجعل ليل تعدل عن قرارها؟ أم لم يعد هناك فرصة له بقلبها.
صمت ساد بالأجواء، قاطعه صوت الهلالي حين قال: تعالى معايا يا بركات عايز اتحدت معاك.
ثم مر بجوار صقر وربت على كتفه وقال: اهدى يا صجر.
ظل صقر ينظر إلى ليل، ثم حاولت الهرب من عينيه، وقع بصرها على نور التي تبكي في صمت وتتمسك بذراع زيد.
زيد : خلاص يا نور بقى إهدي.
نور ببكاء : مين اللي قتل بابا وحرمني منه وخرب حياتنا وقتل عمي عمر وعمل في خالتي كده؟! مين بيكرهنا أوي كده؟
اقترب صقر منها وجلس بجوارها وقال : أنا مقتلتش عمك يا نور.
نور : عارفة ليل قالتلي، أنا مش شاكة فيك عشان ليل أكدتلي إنك مقتلتش، وأنا مصدقاها.
نظر إلى ليل، هل حقاً دافعت عني؟! كم كنت أحمق وأنا لا أرى ما تحاولين فعله؟
لاحظت ليل نظرات صقر إليها فقالت
ليل : نور تعالي معايا.
جهاد : لع استني.
نظرت إليها ليل وقالت جهاد : إنتي متأكدة من اللي عتجوليه؟
ليل : الورق مع ابنك تقدري تسأليه.
ثم حاولت الذهاب فقالت
جهاد : استني يا بتي عاد.
نظرت إليها ليل بصدمة؛ هل قالت بنتي؟!
جهاد : خابرة إنك مستغربة بس اسمعيني، يمكن إنتي شايفني الست الجوية اللي معندهاش جلب، بس أنا مش إكديه، ولا كنت أفكر إني أعامل مرت صجر بالطريجة ديه، بس يا بتي حطي نفسك موكاني، أنا شفت زوجي بيموت جدام عنيا، وبعدين جالولي هنجيب اللي جاتوله يجعدو معاكي.
ليل : أنا مقتلتش حد.
جهاد : خابرة يا بتي بس زعلي على زين خلاني مش شايفة أنا بعمل إيه، بس اللي جولتيه وجعني يا بتي، وحسسني أد إيه جسيت عليكي، حجك عليا يا بتي.
ذهبت وقامت باحتضانها ثم نهضت أحلام واحتضنتها أيضاً.
أحلام : متزعليش مني عاد، حجك عليّ. وأعتبريني من أهنيه ورايح كيف أختك.
ثم حتضناها وبكت ليل.
جهاد : واه ليه البكي؟ عتخليني أبكي أنا كومان.
وبكت جهاد إيضاً حزناً على ما فعلته بها.
صقر : خلاص بقى يا ليل بطلي عياط، وأوعدك محدش هيضايقك تاني.
لم تنظر إليه ثم تركتهم وأخذت نور من يدها وذهبا إلى غرفتها. دخلت نور الغرفة وقالت.
نور : إيه ده الاوضة كئيبة كده ليه؟
ليل : عشان تليق على الايام اللي عشتها هنا.
نور : واضح من إعتذارهم إنهم كانو متوصيين بيكي أوي.
ليل : اه على الآخر بصراحة. قوليلي يا نور، هو جدي بركات خلاني أنا أتجوز صقر ليه وإنتي لا؟!
نور : عشان وجعي أنا وصقر واحد، ولو كنا أتجوزنا كانت الجوازة مش هتكمل يومين، لكن إنتي وجعك مش زي وجعي يا ليل، أنا بابا مات وأنا ٩ سنين، وعمي عمر هو اللي رباني بعديه، وكنت بعتبره زي أبويا بالظبط، عايزاني أتجوز من اللي قتلو أبويا مرتين، لا وكنا شاكين كمان إن صقر اللي قتله، وبعدين ده كبير عليا أوي.
ابتسمت ليل : صح معاكي حق.
نور وهي تخفض صوتها : وبصراحة هو مرعب، ده مفيش حد في البلد كلها مش بيخاف منه، يلهوووووى عايزاني أتجوزه؟! أنا أصلا مش عارفه إنتي بتتعاملي معاه أزاي، ولما شفتك بتزعقي قدامه وكلمتيه أزاي تحت قدمنا كلنا أتصدمت، وصدمتي الأكبر إنه مفتحتش بقه معاكي، واضح إنه طب.
ليل : طب في مين؟!
نور : في مين إزاي يعني؟ هو أنتي فكرك لو أي حد فكر يبص في عينه بس هيسيبه كده عادي؟! ده صقر الهلالي يا بنتي.
ليل : لا فكرك ميروحش لبعيد، هو بيحب واحدة تانية.
نور : واحدة تانيه؟ مين ديه وعرفتي منين؟
ليل : عشان خطبها إمبارح.
نور : إنتي بتقولي إيه؟! صقر خطب! ده أنتو مكملتوش شهر جواز.
ليل : ليه هو أنتي متوقعة إنه جواز حقيقي؟
نور : لا بس على الأقل توقعت إنه لما يقرب منك هيحبك، وحاسة أن توقعي صح.
ليل : لا مش صح.
أما بالأسفل كانت ابتسام تشعر بالتخبط، وطلبت من رفعت الرحيل، وصعدت جهاد مع أحلام حتى تستريح فحملها متعب جدًا، وظل بالأسفل صقر وزياد وزيد وحمزة.
صقر : أنا متشكر يا زياد على إنك أقنعت ليل إنها تفضل هنا، وكمان عايز أعتذرلك على طريقتي معاك.
زياد : حصل خير يا صقر أنا مقدر وضعك، كلنا كنا فاهمين غلط، الحمد لله أن ليل جت وكشفت الحقيقة، قدرت تعمل اللي محدش فينا قدر يعمله، لا وفي أقل من ٢٠ يوم.
زيد : إحنا بس كنا محتاجين همزة وصل بينا وليل عملت ده.
حمزه : صوح بس دلوك كلنا بخطر، لازم تحطو إيدكم بإيد بعض، وأهم حاجة تعرفو مين اللي عمل إكديه والسر ميطلعش برانا.
صقر :صح وأنا مش هعرف أعمل ده من غير مساعدتك يا زياد وإنت يا زيد.
زيد : الفكرة أن مفيش خيط حتى نمشي وراه.
زياد : اه بس الظابط وعدني إنه هيحقق تاني، يمكن يظهر حاجة جديدة.
صمت صقر وظل يفكر
حمزة : رحت فين يا صجر؟
صقر : تفتكرو حد من الخدم هو اللي سم عمي حامد؟
زياد : أيوة صح، أكيد حد من الخدم ساعده، لإنه ميقدرش يظهر هنا ويسمه بنفسه.
صقر هو ينظر إلى زياد نظرة شك : اه، وخصوصاً إن الخدم هنا محافظين على أسرار البيت أوي.
نظر له زياد وفهم ما يرمي إليه وقال : تعالى دوغري يا صقر متعودتش منك اللف والدوران، مش إنت يا كبير اللي تعمل كده.
صقر : ما إنت فهمت أهوه.
زياد : أنا عملت كده خوف عليها مش أكتر، بس إنت عرفت منين؟
صقر :مش مهم.
زياد : لا مهم، إستحالة تكون ليل قالتلك. ليل متقدرش تبقى السبب في إذية حد، إنت سمعتنا صح؟
صقر : اه.
زياد : كل الكلام؟
صقر : اه.
زياد : يعني عرفت؟
صقر : ياريت شكي وشكك يطلع في محله.
زياد : مش فاهم ليه عايزه يطلع صح؟
صقر : كده.
زياد :لا أنا كده مش فاهم حاجة، معلش بقى فهمني. طيب رحت خطبت ليه؟
صقر : هصلح كل حاجة يا زياد بس ياريت هي تديني فرصة.
زيد : إنتو بتقولو إيه متفهمونا.
زياد : هفهمك بعدين. صقر كفاية كدة سيبها تمشي.
صقر : لا مش هقدر.
زياد : ليل مش هتسامح بسهولة يا صقر.
صقر :عارف بس أنا صبور لأبعد حد واللي خربته هصلحه.
تنهد زياد وقال : ليل مكانها مش هنا سيبها تشوف حياتها ومستقبلها.
صقر : لما أتأكد الأول منها، لكن لو طلع كلامي صح يبقى مكانها هنا ومستقبلها هنا، معايا أنا وبس.
حمزة : أنا جلت من وجت ما زعجت مع الحجة أم صجر إنها تهمك، بس مفهمتش ليه بتخطب غيرها.
زياد : عشان يذلها.
شعر صقر بالخجل وتذكر ما فعله بها،لم يستطع أن يغير تلك الأفكار أو يعترض، صمت ولم يجيب.
خرج بركات والهلالي من الغرفة، ثم اقترب منهم بركات وقال.
بركات : يلا يا ولاد نمشي.
صقر : ما بدري يا حج بركات.
بركات : لع يا كبير الوجت أتأخر.
وقف صقر أمامه وقال : حج بركات، أنا عايز أعتذرلك عن طريقتي معاك لما جيت هنا، حقك عليا.
ثم قبل رأسه نظر بركات إليه وقال
بركات : هجبل أسفك لما أشوف حفيدتي فرحانة معاك، مش عايز أشوفها أكديه مرة تانية، كفاية أنا خليتها تعيش العشية ديه، والله أعلم عملتو فيها إيه وصلها للحالة ديه.
صقر : أوعدك أني هعوضها عن كل ده.
أومأ له، ثم نزلت نور وأنصرفو جميعاً وعاد الخدم إلى المنزل مرة أخرى، وذهب كل من في المنزل إلى غرفته.
ظل صقر يفكر ماذا يفعل مع ليل كي يصلح كل ما فعله، وهل هي تريد الذهاب حقًا ولا تبالي به فقط لتصبح مع الدكتور أحمد؟ جفى النوم عينيه، أصبح الآن يبحث عن إجابة أسئلته ولن تجيبها سواها، لذا قرر أن يتحدث معها.
ذهب إلى غرفتها وفتح الباب
فوجئت بدخوله الغرفة، وكانت تستعد إلى الخلود للنوم، فنهضت وقالت وهي تزفر.
ليل : ياريت بعد إذن حضرتك تخبط على الباب قبل ما تدخل.
اقترب منها قليلاً وقال.
صقر : أستأذن عشان أدخل لمراتي.
حركت ليل عينيها بملل وقالت : مؤقتاً.
صقر : قولتلك قبل كده مش هطلق، وطالما قلت كلمة أعرفي إنها هتتنفذ.
ليل : إنت لسه متعرفش ومجربتش عنادي، وقلت همشي من هنا يعني همشي من هنا.
صقر : طيب ممكن تسمعيني، أنا مش جي أتخانق.
ليل : لا مش عايزة أسمع منك حاجة، وأتفضل عشان عايزة أنام.
تنهد صقر يحاول أن يسيطر على غضبه، وقال: ليل لو سمحتي متستفذنيش، أنا أصلاََ عديت طريقتك معايا تحت قدام الناس عشان مقدر إللي مريتي بيه، بس لازم نتكلم.
ليل : وأظن أني قولتلك قبل كدة أنسى إني أنفذ أوامرك تاني.
تنهد صقر واقترب منها، ونظر في عينيها ثم قال : طيب بلاش نتكلم، جاوبي على سؤال واحد بس.
أرتبكت ليل من نظرته، وبدأت تهدأ وتتأمل عينيه وهذه النظرة الجديدة بها، فقالت
ليل : أسأل.
صقر بتردد : عملتي إيه... في موضوع دكتور أحمد؟
عقدت ليل حاجبيها بتعجب وقالت.
ليل : بتسأل ليه؟
صقر : أرجوكي جاوبيني، ريحيني وقوليلي، لأن الإجابة اللي هتقوليها هيترتب عليها حاجات كتير.
شعرت ليل بالحيرة، لما هو مهتم؟! وظلت صامته تنظر إليه، لو تكن تتخيل أن تراه بهذه الهيئة، أيستجديها الآن لمعرفة فقط ما حدث مع دكتور أحمد؟!
طال الصمت وصقر يتأملها، ويشعر بقلبه يتراقص داخل صدره، فحرك صقر يده تجاه شعرها، إرتدت ليل إلى الخلف فورًا، وظهر الخوف عليها، فظنت أنه سيجذبها من شعرها مرة أخرى.
أوقف صقر يده وقبضها بحزن، ثم أغمض عينه وقال بندم.
صقر : أكتر حاجة ندمان عليها إني مديت إيدي عليكي، أوعدك إنها مش هتتكرر تاني أبداً.
ليل : ومين قال إني هسمحلك بده تاني؟! إنت فاكر حاولت كام مرة وأترجيتك عشان تسمع إجابة السؤال ده؟ مع إنك مسألتوش، والغريب إنك لما سألته دلوقتي مش حاسة إني عايزة أجاوب عليه.
صقر : بتحبيه؟
صدمت ليل من السؤال وارتبكت، ثم هربت بعينيها منه، لاحق صقر عينيها وقال
صقر : بصيلي و جاوبيني يا ليل.... بتحبيه؟
ليل : أظن ده شيء يخصني، ومش من حقك تتدخل في حياتي زي ما أنا مش بتدخل في حياتك، ولا بسألك عن حاجة.
صقر : إسألي وأنا مستعد لأي إجابة.
ليل : مش مهتمة.
صقر : كدابة.
نظرت إليه بغضب وقالت : لو سمحت بطل الكلمة ديه، أنا مش كدابة.
صقر : أسف متزعليش، بس أنا مش مصدق إنك مش مهتمة. طيب ليه يوم قراية الفاتحة قعدتي برا في الجنينة ومطلعتيش أوضتك هنا؟
ارتبكت ليل ولم تجيبه، فابتسم صقر وقال : عشان كنتي زعلانة صح؟
ليل برتباك : هزعل ليه؟! أصلاً مش فارق معايا.
صقر : ليل جاوبي بس على سؤال واحد وريحي قلبي.... بتحبيه؟
ليل : مش عايزة أجاوب، ولو سمحت أطلع برا
صقر وهو يتحكم بهدوءه : ياااااه عنيدة.
بدأ صقر حقًا يتعرف على ليل التي لم يعرف عننا شيء، ومقابل هذا العند زاد تعلقه بها أكثر، هي فقط أثارت فضوله، ولكن ما شعر به حين وقف أمامها أكد ما كان يهرب منه، هو عاشق.
أما هي، فتحكم بها كبريائها، فهي لم تنسى ما فعله معها ولن تسامحه على طلب الزواج من غيرها بسهولة.
يبدو وأن صقر لايزال أمامه تحديات أكبر كي يحصل على إعتراف صريح بحبها.
رواية بقاء الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رباب حسين
متمردة، كفرسٍ عربيٍ أصيل، بعيون مهر دابحة، وشعر أسود كليلٍ هادر.
غضبكِ إعصارًا يضرب ولا يبالي، وقلبي في ذروة العاصفة متوجع.
يا ليل... ألا تعلمين عذاب النفوس؟ ألا تشعرين بنبض القلوب؟ فإن كان عنادكِ هو سلاحكِ، فأصبح قلبي قتيل هواكِ.
خرج صقر وعاد إلى غرفته بعد محاولاته الفاشلة في معرفة حقيقة مشاعر ليل؛ التي ظلت تفكر في هذا الإهتمام المفاجئ من قبل صقر، ولكن ما يحزنها أن هناك من تشاركها فيه، فكان هذا هو ما يزيد عنادها.
مر الليل وسطعت شمس الشتاء، كان الجو رائعاً والهواء ممتزج برائحة العشب والورود التي تحيط بالمنزل، وهذا ما بعث الراحة في قلب ليل.
ارتدت ثيابها؛ وهو ثوب للمحجبات بلون الكشمير وحجاب زهري اللون، ونزلت للطابق السفلي، ثم انتبهت لصوت صقر الذي نزل قبلها ورأى سعيدة تضع الأطباق على الطاولة. ثم قال.
صقر : سعيدة.
سعيدة : نعم يا كبير.
صقر : بكرة الصبح مشفش وشك في البيت ده تاني.
تفاجأت سعيدة وركضت إليه وهي تبكي، وقالت : ليه يا كبير، أنا عملت حاجة زعلتك مني؟
الهلالي بتعجب : خبر إيه يا ولدي، حوصل إيه؟ عملت إيه البت ديه عشان تجطع عيشها؟
صقر : هي عارفة كويس هي عملت إيه.
لمحت سعيدة ليل وهي تقف عند أسفل الدرج، فركضت إليها وقالت.
سعيدة : إلحجيني يا ست الدكتورة.
ربتت ليل على كتفها ثم اقتربت من صقر وقالت : عايزها تمشي ليه؟
نظر صقر إليهم وهم مجتمعين حول الطاولة وقال : مش وقته.
ليل : طيب ممكن نتكلم في المكتب بتاعك.
صقر : أكيد، تعالي.
أمسك صقر يدها في حركة مفاجأة مما جعل ارتباك ليل يظهر عليها، وبدأ قلبها يتراقص داخل صدرها.
نظرت ليل إلى سعيدة وهي تسير خلف صقر وقالت : متخافيش، هحاول أقنعه.
ثم ذهبت معه إلى الغرفة وما أن دخلت حتى أغلق صقر الباب على الفور.
حاولت ليل أن تظهر الجمود على وجهها لتهدأ من حالة قلبها الملعون. ثم قالت.
ليل : عايزها تمشي ليه؟
أخذ صقر يقترب منها شيئاََ فشيئاََ وهي تبتعد عنه وتعود إلى الخلف ثم قال : مش عارفة ليه؟
فهمت ليل ما يرمي إليه ثم قالت بشك : هو زياد قالك حاجة إمبارح؟
أخذ يقترب أكثر حتى ارتطم ضهر ليل بالمكتبة، واقترب صقر منها ولم يعد بينهم مسافة عدا سنتيمترات قليلة، وضع صقر كلا ذراعيه حولها حتى لا تستطيع الهرب، شعرت ليل بأنفاسه ترتطم بوجهها، هنا وقد انهار ذلك الجمود المزيف من على وجهها، وشعرت بالدماء تنسحب من جسدها ولم تعد تقوى على الحديث أكتر.
ثم قال صقر وهو ينظر إليها بسعادة من اقترابه هكذا منها : لا مش زياد اللي قالي.
أخرجت ليل صوتها بصعوبة وهي تبتلع ريقها : طيب عرفت منين؟!
كان صقر يتأمل وجهها الذي تصبغ بالحمرة، يراقبها وهي تحاول الهروب من نظراته،
ثم قال صقر بابتسامة : إنتي حذري عرفت منين!
صمتت ليل وقالت في نفسها لا مش ممكن يكون سمعني إمبارح، أكيد لا.
فهم صقر من نظراتها ما تفكر به فقال
صقر : أيوووووة هو ده.
ليل بصدمة : إنت سمعتنا إمبارح؟!
صقر : كنت في المندرة وسمعته وهو بينده عليكي خرجت، من باب الجنينة وسمعت كل حاجة.
ارتبكت ليل وحاولت الإبتعاد عنه، ولكنه أوقفها ووضع يده اليمني على وجهها، ثم ظل ينظر إليها بعشق وهو يتحسس وجهها بأنامله، فأغمضت ليل عينيها دون شعور، ثم حاول أن يقترب منها، ولكن تفاجأ من رنين هاتفه، انتبهت ليل لما يحدث فأخفضت وجهها بخجل، زفر صقر وأخرج هاتفه، وجد زهرة من تتصل به، وقع عين ليل على الاسم، ثم نظرت إليه بضيق ودفعته وخرجت من الغرفة من على الفور.
نظر إليها صقر وحاول أن يمنعها ولكن قد ركضت سريعًا، فترفع هاتفه ورد بضيق وقال.
صقر : أيوة يا زهرة.
زهرة بابتسامة : صباح الخير.
صقر : صباح النور.
زهرة : استنيتك تتصل عشية متصلتش، جلت اتصل أطمن عليك.... إنت زين؟
صقر : اه الحمد لله. زهرة أنا عايز أشوفك النهاردة، ينفع تيجي؟
زهرة : علي خوي كان جاي عنديك النهاردة، لو إكديه عاجي معاه.
صقر : طيب هستناكم، مش هخرج النهاردة.
أنهى المكالمة وقد عزم الأمر على إنهاء هذه الخطبة، فهو أصبح متأكد من شعوره نحو ليل، ولا يريد أن يظلم زهرة معه.
خرج صقر وجد ليل تتحدث مع سعيدة.
ليل : خلاص هكلمه متقلقيش.
أقترب صقر ثم همس في أذنها : متحاوليش.
ثم نظر إلى سعيدة وقال : هي عارفة كويس إن صقر الهلالي معندوش فرص تانية، وأظن تحمد ربنا إنها خارجة من هنا سليمة.
ثم ذهب إلى الطاولة وجلس بجوار الهلالي وتناول الطعام، ذهبت سعيدة دون أن تقول أي كلمة خوفاََ منه، ثم توجهت ليل إلى طاولة الطعام وقالت.
ليل : صباح الخير.
الهلالي : صباح النور يا ليل.
ليل : مالك يا جدي شكلك تعبان، حاسس بحاجة؟
الهلالي : جلجان يا بتي، جلت خلاص اطمنت على صج،ر بس الظاهر إكديه مكتوب عليا أعيش في جلج على طول.
صقر : متقلقش يا جدي، وياريت محدش يتكلم قدام الخدم أو أي حد برا العيلة.
جهاد : على سيرة الخدم يا ولدي، عملت إيه البت سعيدة؟!
صقر : مش مهم.... المهم أديها حسابها وخليها تمشي.
صمتت جهاد ثم نظرت إلى الهلالي وقالت : عمي.
ثم أومأت برأسها نحو ليل.
الهلالي : اه يا بتي، كنت عايز أجولك على حاجة.
ليل : إتفضل يا جدي.
الهلالي : مش عايزك تزعلي من أم صجر ولا أحلام، هما طلبو مني اتحدت معاكي.
نظرت ليل إليهما وابتسمت وقالت : لا خلاص يا جدي حصل خير، هما راضوني إمبارح وأنا نسيت الموضوع.
نظر إليها صقر وابتسم، ثم أنهى طعامه ونهض ومر بجانب ليل، ثم أخفض راسه وهمس في أذنها.
صقر : بلاش اللون ده تاني عشان شكلك زي القمر.
اتسعت عينيها بصدمة، وظلت تنظر إليهم بخجل، حاولو أن يتحكمو بضحكاتهم ونظرو بعيداََ عنها حتى لا تخجل أكثر، فلم تتحمل ليل ما يحدث وعادت إلى غرفتها سريعًا.
أما صقر دخل مكتبه وحاول الاتصال بحاتم مجددًا،فهو لا يتلقى مكالماته منذ يومين، لذا ألح بالاتصال حتى سمع صوت حاتم يقول.
حاتم : صباح الخير يا صقر.
صقر بقلق : إيه يا حاتم إنت فين؟
حاتم : معلش كنت تعبان شوية.
صقر : ألف سلامة عليك، أنا قلقت قلت أكيد زعلت عشان سيبتك وطلعت مع ليل وانشغلت عنك، بس مقدرتش أسيبها لوحدها.
أغمض حاتم عينيه بألم ثم تنهد وقال : لا هزعل ليه يا صقر؟ الوضع كان باين يعني.
صقر : مالك يا حاتم؟
حاتم : مفيش يا صقر قولتلك تعبان شوية.
صقر : طيب أنا هجيلك بليل عشان زهرة وعلي جايين دلوقتي، أنا أصلاََ كنت بكلمك عشان تيجي نقعد مع بعض إحنا التلاتة، لكن طالما تعبان أنا هجيلك.
حاتم : أنا كويس يا صقر متشغلش بالك بيا.
صقر : إزاي يعني ده أنت أخويا. يلا ارتاح وأنا هشوفك بليل.
جلس صقر ينتظر قدوم علي وزهرة.
أما زياد فذهب إلى قسم الشرطة ليتحدث مع الضابط، وما أن سمح له بالدخول دخل إلى المكتب ورحب به الضابط ثم قال.
زياد : أنا بعتذر لحضرتك على الازعاج، بس حبيت أعرف فيه أخبار جديدة؟
سليم : لا طبعاََ مفيش إزعاج، ديه أكبر قضية في البلد هنا وأكيد تركيزي عليها أكتر. المهم طبعاََ إحنا كنا مركزين إن عمليات القتل ديه بسبب الطار، ويمكن عشان كده محدش دقق في التحقيقات أوي، لأن إنت عارف لما بيبقى فيه طار محدش من العيلتين بيشتكي أو بيتهم حد، وعشان كده كان كل تركيزنا إن إحنا نصلح بينكم وبين بيت الهلالي، بس بعد الادلة والكلام اللي قلته هنحقق في كذا جهة تانية، و هنبدأ باستدعاء الشهود اللي كان ليهم علاقة بمكان الحوادث اللي حصلت عشان نوصل لأي خيط.
زياد : أنا قعدت إمبارح مع صقر الهلالي، وحاولنا نشوف أي طريق نمشي فيه، بس للأسف فيه حوادث كتير قديمة منعرفش عنها حاجة، يمكن أقرب حادثتين موت زين الهلالي وعمي عمر.
سليم : وفيه كمان محاوله قتل صقر.
زياد : أيوه صح.
سليم : بس أهم حاجة إن صقر الهلالي فهم الموضوع، وجوده هيفرق جداََ، متنساش إن أهل البلد كلهم ميقدروش يكسرو كلمة للكبير هنا.
زياد : أيوه طبعاََ. بس فيه حاجة كمان، حامد الهلالي إتسمم أزاي، ومين اللي سمه؟ لأن الحادثة ديه المفروض تضيق الشكوك في الناس اللي حواليهم عشان مش أي حد يقدر يدخل بيت الهلالي ويعمل عملة زي ديه.
سليم : ممكن حد من الخدم يكون ساعده.
زياد : فكرنا في كده كمان أنا وصقر.
سليم : على العموم أنا طلبت الإذن، وقدمت طلب فتح التحقيق مرة تانية، وأول ما يجيلي الرد هبدأ تحقيقات فوراََ.
في منزل الهلالي، يقف علي وزهرة أمام المنزل يطرقان الباب، فتحت هنية ورحبت بهما ودخلا غرفة الضيوف، ثم أخبرت هنية صقر بحضورهما، وذهب صقر إليهما على الفور، وعندما دخل وقفت زهرة تنظر إليه بسعادة مما أربك صقر ثم قال : أهلاً يا علي، والله ليك وحشه. إزيك يا زهرة؟
زهرة : الحمد لله يا صجر.
على : يا بت عيب قوليله يا كبير.
زهرة : ليه عاد ما هو خطيبي دلوك، مش عجول غير يا صجر.
ابتسم علي وقال : ربنا يعينك يا صاحبي عليها.
صمت صقر وعقله يفكر بشيء واحد، كيف سينهي هذه الخطبة دون أن يجرح زهرة ويخسر رفيقه؟!
علي : مالك يا صقر فيه ايه؟
صقر : لا أبداََ بس بالي مشغول شوية.
علي : كالعادة بالشغل. اه بمناسبة الشغل، فيه شوية حاجات كده عايز أخد رأيك فيها إنت وحاتم، ما تكلمه يجي.
صقر : لا حاتم عيان وأنا هروح أزوره بليل.
دخلت جهاد : أهلاََ أهلاََ يا مراحب إزيك يا علي؟
حياها علي واحتضنتها زهرة، فنظرت جهاد إلى صقر نظرة شفقة عليها، فقد أصبحت مشاعر صقر نحو ليل جالية للجميع، وهذا ما أربك صقر أكثر.
علي : أزيك يا خالة وحشاني.
جهاد : إنت اللي جاعد في مصر وكن خلاص بجيت من أهلها.
على : أعمل إيه بس، خالي مش عاتقني، كل أما يشوف وشي إتجوز إتجوز.
جهاد : معاه حج، ده حتى صجر أتجوز خلاص، فاضل إنت وحاتم.
نظرت لها زهرة وعقدت حاجبيها بضيق، فما تعرفه أن هذا الزواج مؤقت وليس زواجًا حقيقيًا، فلماذا تتحدث جهاد عنه كأنه حقيقي الآن! لاحظت جهاد ما قالته وحاولت أن تغير مجرى الحديث، فقالت بارتباك.
جهاد : فين حاتم يا صجر؟
علي : بيقولي إنه عيان. إنت هتروح أمتى بليل؟ عايز أروح معاك.
صقر : مش عارف لسه، نبقى نظبطها سوا.
جهاد : متعودتش أشوف علي أهنيه وحاتم لع.
ابتسم علي وقال : اه طبعًا.
صقر : علي تعالى معايا على المكتب خلينا نشوف الشغل، وبعدين نخرج نقعد معاهم تاني.
علي : طيب يلا.
ذهبا إلى المكتب وتركا جهاد مع زهرة.
جهاد : تعالي نجعد برا يا بتي مع أحلام.
زهرة : حاضر يا خالتي.
خرجا معًا، أما عند صقر كان علي يتحدث بخصوص العمل، وصقر شارد الذهن، يفكر أن يفاتح علي بالموضوع أولاً حتى لا يخسره، وأيضاً يحاول أن يقنع زهرة بالأمر حتى لا يجرحها، فمن الواضح حب زهرة له.
علي : صقر... يا صقر رحت فين؟
صقر : معاك معاك.
علي : لا مش معايا مالك فيك إيه؟
صقر : الصراحة يا علي أنا عايز أتكلم معاك في موضوع.
علي : فيه إيه يا صقر قلقتني؟
صقر : بخصوص موضوعنا أنا وزهرة. إنت عارف طبعاََ إن زهرة طول عمرها من وهي صغيرة وهي بتعاملني زيك بالظبط، وأنا دايمًا كنت شايفها أختي الصغيرة، وعشان متأكد من أخلاقها وتربيتها وإن مفيش زيها في البلد كلها، قلت هي ديه اللي هتحافظ على اسمي، وده اللي خلاني أفكر فيها وأطلب أيدها، بس من ساعة ما قرينا الفاتحة وأنا مش عارف أنقلها من خانة الأخت لخانة الزوجة، دايماََ شايفها أختي اللي كانت بتيجي تعيط وأطبطب عليها وأجبلها شيكولاتة عشان متزعلش، صدقني يا علي حاولت بس مش قادر، وخايف أكمل أظلمها واخسرك.
تنهد علي وقال : فهمتك يا صقر.
صقر : متزعلش مني يا علي، أنا فعلاََ مش عايز اخسرك.
على : أنا مش زعلان منك، يكفي أنك صريح معايا، وكويس إنك أدركت الموضوع بدري، أنا كل اللي قلقان عليه هو زهرة، اليومين اللي فاتو كانت عاملة زي الفراشة في البيت وهي طايرة من الفرحة.
صقر : عشان كده أنا مقدرتش أقولها، مقدرش أكسر البنوته الصغيرة اللي ربتها على أيدي، وبطلب منك إنك تقولها إنت.
علي برفض : كمان؟! لا صعب.
صقر : صدقني تعرف منك أحسن مني، لو أنا قولتلها هتتجرح يا علي.
أدرك علي أن صقر محق فقال : طيب أنا هقولها.
بالخارج،كانت ليل تنزل الدرج فوجدت زهرة تجلس مع جهاد وأحلام، مما جعلها تشعر بالغضب والغيرة، وما أن نزلت حتى رأتها زهرة وهي ترتدي ثياب مختلفة وتبدو غاية في الجمال ولا تعمل بالمطبخ، غضبت زهرة وقالت.
زهرة : ليل، روحي جيبيلي مايه من المطبخ.
اتسعت عيني جهاد وأحلام، وأمسكت جهاد يد زهرة حتى تنتبه وتصمت. فقالت بتعجب.
زهرة : خبر إيه يا خالة، عتمسكيني إكديه ليه؟! ولا مجدرش أمرها عاد!
جهاد بهمس: أسكتي يا بتي الله يرضى عليكي.
حاولت أحلام أن تهدأ الوضع فقالت : تعالي يا مرت أخوي أجعدي معانا.
نظرت زهرة إلى أحلام بضيق، ثم قالت.
ليل : لا أنا هخرج الجنينة شوية.
وقفت زهرة أمام ليل وقالت بصوت مرتفع : كانك مسمعتنيش زين عاد! جولتلك هاتي مايه من المطبخ.
ليل بهدوء : تقدر تطلبي من الخدم، بعد إذنك.
قبضت زهرة على يدها وقالت : شكلك نسيتي إني خطيبة الكبير، ومجامي من مجامه، وكلمتي لازم تمشي.
ضحكة ليل باستهزاء وقالت : خطيبته اه، بس أنا مراته. مرات الكبير، ومفيش حد يمشي عليا كلمته غيره.
ثم دفعت يدها عنها وهمت بالخروج من المنزل وما أن فتحت الباب توقفت عند سماع صوت زهرة الغاضب الذي صدى بإنحاء منزل ووصل إلى صقر وعلي.
زهرة : كانك مصدجك نفسك إنك مرته، كليتها كام شهر وتغوري من إهنيه، وأنا اللي هبجى مرته، ولا نسيتي عاد أنك إهنيه بس عشان الموصلحة، وإن هو لا طايجك ولا طايج يبص في وشك؟ أنا لو منيكي كنت دفنت نفسي بإيدي لو جوزي فكر يتجوز عليّ بعد كام يوم بس من جوازنا، لع وكومان في شهر العسل، فوجي... جوازكم على الورج وبس، بليه و اشربي مايته.
خرج الجميع وسمعو حديثها، لم يتمالك صقر غضبه فقال : زهرة!
صمتت زهرة ونظرت إلى الأسفل بخجل، فاقترب منها صقر وقال : إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟! وإزاي تقولي حاجة زي كده وتهيني مراتي في بيتي، وإيه إللي دخلك في خصوصيتنا بالشكل ده؟! إنتي اتجننتي!
أمسكه علي من ذراعه وجذبه نحوه حتى يهدأ وقال: خلاص يا صقر أهدى، أنا هتصرف معاها.
نظر صقر إلى ليل التي تجمعت الدموع في عينيها، فذهب نحوها على الفور.
وقال علي : زهرة... اعتذريلها فوراً.
زهرة : لع معتذرش، خطيبة الكبير متعتذرش.
علي : إيه الهبل اللي بتقوليه ده، بقولك اعتذريلها.
زهرة : وأنا جلت لع، أنا خطيبة صجر الهلالي ومجامي من مجامه.
تزايد غضب صقر، وكاد أن يرد إلى أن أوقفه صوت حسن الذي يقول بصدمة : هو كمان خطب؟!
التفتت ليل إلى الصوت، فوجدته يقف أمام باب المنزل، ونظر اه صقر الذي أتسعت عيناه من الصدمة، وبدأ الجميع ينظرون إلى بعضهم البعض، وحل الصمت عليهم، عدا الهلالي الذي جلس على أقرب كرسي، فالآن قد شغلت حرب جديد بينهم.
تُرى... كيف سيصلح صقر ما حدث؟!
رواية بقاء الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رباب حسين
ما كان يخشاه الجميع قد حدث وأسوء الطرق، لم يستطع أحد أن يتكلم ردًا على حسن، وظل الصمت يخيم على المنزل والكل ينظر إلى عضهم البعض بتوجس، نظر صقر إلى ليل وهو يرتعش من داخله، يخشى أن يأخذها حشن ويذهب خاصة بعد أن انتهى أمر الطار بينهم، لاحظت ليل ارتباك الجميع فتشجعت وتحدثت هي وقالت.
ليل : بابا... ماما! بتعملو إيه هنا؟
حسن : جي أصلح الغلطة اللي عملتها في حق بنتي.
نظر صقر إليه ثم التفت وقال: علي، خد أختك وأمشي من هنا.
زهرة باندفاع : أنا مغلطش يا صجر، ديه الحجيجة، أنا خطيبتك.
لم يتحمل صقر حديثها، فقال من بين أسنانه : خلاص بقى، قلت روحي يبقى تروحي.
ركضت زهرة إلى خارج المنزل، ثم نظر صقر إلى علي وقال : روح وراها.
خرج علي أيضاً ثم أغلقت ليل الباب.
نظر حسن إلى الهلالي الذي يتابع ما يحدث بصمت وقال بحدة.
حسن : هي ديه الأمانة اللي سايبها عندكم يا حج؟
ليل : بابا أنا طلبت من حضرتك تطلع برا مصر، وأظن إني فهمتك أنك في خطر، تقوم تيجي برجليك لحد هنا؟!
أمل : حاولت معاه يا بنتي وهو رافض.
حسن : أيوة رفضت، مين فينا اللي المفروض يحافظ على التاني! أنا رميتك بإيدي هنا عشان أنقذ نفسي، بقيت شايف نفسي أناني ومعنديش دم، بتعذب كل يوم وأنا عارف إنك متجوزة واحد مش عايزاه وكل ده عشاني، ولما أعرف إن مفيش طار أصلاً عايزاني أهرب واسيبك هنا؟ خلاص الجوازة ديه ملهاش أي لازمة ومش همشي من هنا غير وإنتي في إيدي.
فتح صقر عينيه بصدمة ثم قال بتوتر : عمي بس اسمعني.
نظر له حسن بعيون غاضبة وقال: إنت تسكت خالص، رايح تخطب واحدة تانيه وبنتي مكملتش شهر جواز! إيه البجاحة والجبروت ده؟! أنا بنتي ميتعملش فيها كده أبداً، إنت فاكر إن مفيش وراها رجالة؟
الهلالي : اهدى يا حسن بس وأنا عفهمك.
حسن : لا بنتي مش هتقعد ثانية واحدة في البيت ده.
مسح صقر على شعره الكثيف في محاولة لتهدأت نفسه ثم قال: وأنا مش هطلق بنتك، ومحدش يقدر يجبرني إني أطلق مراتي ولا حتي إنت يا عمي.
اقترب منه حسن وقال بصوت يحمل التهديد : أوعى تفتكر إني من أهل البلد اللي بيخافو منك. أعلى ما في خيلك أركبه، ووريني هتمنعني أخد بنتي إزاي عشان أقتلك بأيدي، ويبقى فيه طار المره ديه بحق وحقيقي.
ركضت إليه ليل : بابا حبيبي، بس أهدى وتعالى نتكلم جوا في المكتب.
حسن : مفيش كلام.
ليل : بابا عشان خاطري تعالى.
أمل : أهدى يا حسن وتعالى نتكلم معاها جوا وتوصلوا لحل.
نظر حسن إلى صقر باشمئزاز، ثم انصرف وذهب مع أمل وليل إلى المكتب.
نظر الهلالي إلى صقر وقال بغضب : شايف عمايلك وصلتنا لفين؟! لو كنت سمعت كلامي من لول مكنش حوصل فينا إكديه.
صقر بضيق: جدي، خلاص أرجوك أنا مش مستحمل.
حمزة : يا جدي نحل المشكلة لول ونشوف عنجنع أبو ليل بالموضوع كيف؟ وبعدين إبجى عاتبه على راحتك.
أمسك صقر هاتفه ثم اتصل بزياد، وحين استقبل المكالمة قال: أيوة يا صقر.
صقر : إنت فين يا زياد؟
زياد : أنا في القسم مع حضرة الظابط، ليه فيه حاجة حصلت ولا إيه؟
صقر : إبن عمك هنا وعايز ياخد ليل ويمشي، تعالى يا زياد حاول تهديه شوية، الدنيا هنا والعة وهو مش متقبل مني ولا كلمة.
زياد : حسن عايز ياخدها! طيب أنا جي دلوقتي.
ظلت ليل تحاول تهدأت حسن ولكن غضبه يزداد، ومازال يصر على أخذها وإنهاء هذا الزواج.
ليل : يا بابا أنا مش هستحمل حد يتأذي بسببي. طيب بس نعرف مين بيقتل ويتقبض عليه وهطلق منه.
حسن : مش هسيبك ولا دقيقة معاه في بيت واحد، انسي، ده مفيش حد في البلد كلها إلا لو سمع اسمه واترعب منه.
ليل : يا بابا هما بيخافو منه مش عشان هو شراني وكده؛ هما بيخافو عشان هو صارم جداََ، وهما عارفين إن الغلطة معاه مفيهاش تساهل.
أمل : يا بنتي أبوكي معاه حق، أنا مرعوبة منه والله اعلم بيعمل فيكي إيه.
ليل : ولا أي حاجة.
حسن بصوت عالي : إنتي هتجننيني! ده راح خطب وجايب خطيبته تهزأك في بيته وهو واقف يتفرج.
ليل : لأ مكانش بيتفرج، كان بيدافع عني.
حسن : بأمارة إيه يدافع عنك؟! إذا كان رايح يخطب في شهر العسل. لا يعني لا.... أنا بنتي مش قليلة، بنتي دكتورة ليل بركات مش قليلة أبداََ عشان يحصل فيها كده.
دخل زياد المنزل ركضًا، ثم ذهب إلى صقر الذي يبدو في غاية القلق والتوتر، كاد التحدث إليه، إلا إنه انتبه إلى صوت حسن الخارج من غرفة المكتب. هتعجب زياد وقال.
زياد : إيه ده! هو متعصب أوي كده ليه؟
صقر بيأس : عشان جيه وسمع زهرة وهي بتقول إنها خطيبتي وكانت بتزعق لليل.
زياد : يا نهار مش فايت! وده ههديه إزاي؟! ده عايز معجزة.
صقر : اتصرف يا زياد، حتى لو هنتصل بالحاج بركات، أنا مش هخلي ليل تخرج من هنا.
خرج حسن من الغرفة وهو يمسك ليل من ذراعها يدفعها نحو الدرج وقال : قلت اطلعي لمى هدومك.
تعثرت ليل ووقعت أرضاً، فركض نحوها صقر وساعدها على النهوض، ثم التفت إلى حسن وقال.
صقر بغضب : أنا ساكت بس عشان مقدر اللي إنت فيه، لكن أكتر من كده صدقني غضبي هيعميني ومش هيفرق معايا مين واقف قدامي، هي بنتك اه بس مراتي، ومش من حقك تمد أيدك عليها ولا تأمرها في بيتي، وقلت طلاق مش هطلق، ومفيش خروج من البيت ده.
لاحظت ليل تصاعد الموقف، وخافت من بطش صقر وغضبه، لذا حاولت أنت تهدأ الموقف بينهما فقالت.
ليل : بابا... أنا حامل.
صمت صقر ونظر إليها بتعجب ونظرو جميعاََ إلى بعضهم البعض. ثم قال
صقر : حامل إيه؟ حامل من مين؟
قامت بدفع يده كي يصمت، ونظرت إليه وهي تغلق عين واحدة كإشارة له بإنها كذبة، ففهم أنها تكذب حتى لا تذهب مع حسن، ثم قالت.
ليل : منك طبعاََ. هيكون من مين يعني؟!
حسن : حامل إزاى يعني؟! إنتي لحقتي؟!
ليل بتردد : أيوه يا بابا عادي. احنااااا بقالنا ٢٠ يوم متجوزين، وأكيد مش همشي من هنا غير على الأقل لما اطمن إن أبو ابني عايش، ولا أكون سبب في موته؟! أقول إيه لابني لما يتولد؟
صمت حسن وهدأ، ثم نظر إلى صقر بكراهية، فقال.
صقر : عمي أنا كل اللي طالبه تديني بس فرصة تسمعني بس.
لم يجيب
زياد : اهدى يا أبو ليل وروح معاه واسمعه، صدقني مش هتندم.
اتجه إلى المكتب، ثم نظر صقر إلى ليل وحرك شفتيه دون صوت : حامل.
رفعت ليل كتيفيها إمأة بأنها لا تعرف، فابتسم وذهب خلف حسن إلى المكتب.
جهاد : اتفضلي يا أم ليل نورتي، أجعدي ارتاحي، أكيد تعبانة من السفر.
ذهبت معها ثم ذهب زياد إلى ليل وهمس لها وهو يضحك : لا عرفتي تسكتيه صح.
ليل بخجل : بس بقى.
دخل صقر المكتب ثم أغلق الباب، وقال
صقر : أرجوك يا عمي اسمعني وحاول تفهمني.
تنهد صقر ثم قال : قبل أي حاجة ليل مش حامل، عشان بس مبدأش كلام معاك على كدب.
كاد يتحدث...
قاطعه صقر : ليل كذبت عشان تهدي الوضع، هي عارفة إن غضبي وحش ولو وقفنا قدام بعض وحضرتك بالعصبية ديه العواقب هتبقى مش كويسة أبداً.
عمي، أنا عارف إنك متعرفش عني حاجة غير اللي سمعته من أهل البلد، بس صدقني أنا عمري ما ظلمت حد ولا جيت على حق حد، ومش هكدب عليك؛ أنا في الأول مكنتش طايق ليل نهائي، عاملتها وحش بس هي استحملتني، وبرغم كل المعاملة السيئة إلا أنها كانت دايماََ بتبتسم في وشي وكمان بتخاف عليا، غلبتني بطيبتها وقلبها الكبير وضحكتها اللي بتملى عليا حياتي، وقدرت تكسب الكل بصبرها وتحملها وحكمتها. ليل شبهي يا عمي، نسخة مني، عمري ما فكرت اني هلاقي واحدة زيها أبداََ.
حسن بستهزاء : وده اللي خلاك تخطب؟!
صقر : ديه الغلطة اللي مهما هقعد أعتذر عليها لليل طول عمري عارف إني مش هعرف أراضيها، أنا جرحتها وغلطت يا عمي، أنا بشر بيغلط بس، وقبل ما تدخل بدقايق كنت لسه بكلم أخوها وبنهي الخطوبة، وهي أصلاََ قراية فاتحة بس، والموضوع خلاص انتهى ومفيش أي حد في حياتي غير ليل، وأنا مش عايز غيرها.
أنا عارف إن الجوازة غلط من الأول بس عندي يقين دلوقتي أن ربنا عمل كده عشان ليل تبقى مراتي، القدر جمعنا ومش هسيبها تضيع من إيدي.
رأى حسن حب صقر الصادق في عينيه، فهدأ قليلًا وقال.
حسن : بس يا ابني يمكن مشاعرك من ناحيتك بس، هتجبرها تعيش معاك بالعافية؟
عقد صقر حاجبيه وقال : ليه بتقول كده؟!
حسن : عشان من فترة بعد ما رجعت مصر بيومين كده، كلمني واحد وطلب مني إنه يقابلني، ولما سألته عن السبب قالي إنه عايز يتجوز ليل وإنها موافقة عليه، وقالتله هتحدد ميعاد بينا.
صقر وهو يتحكم بغضبه: دكتور أحمد؟
حسن : إنت عارف؟
صقر : أيوه .... إنت قولتله إيه؟
حسن : قولتله إنها متجوزة، بس استغربت أن ليل قالتله إنها هتحدد معاد بينا وهي مراتك، ده اللي خلاني أتأكد إنها مش عايزاك وعايزة تطلق منك، ولما عرفت إن مفيش طار أساسًا صممت أخدها عشان تروح تعيش حياتها زي ما هي عايزة.
صمت صقر، وها قد عرف إجابة السؤال الذي كان يؤرق عقله لوقت طويل، شعر بفقدان الأمل، هي حقًا لا تريده ثم قال بحزن : أوعدك يا عمي، لو حسيت للحظة إن قلب ليل فيه حد غيري؛ هبعد وهسيبها تعيش حياتها زي ما هي عايزة، بس لو سمحت قرار الطلاق ده قراري أنا وهي بس، أرجوك إديني فرصة أصلح كل حاجة، يمكن أقدر أعمل حاجة،
حسن : طيب، زي ما إنت عايز، أنا هديك فرصة بس عشان شايف إنك حبيتها بجد.
صقر : ممكن أطلب من حضرتك طلب؟
حسن : قول.
صقر : متقولش لليل إنك عارف إنها مش حامل.
حسن : حاضر.
صقر : شكراََ يا عمي.
خرجا من المكتب، ولكن الحزن كان يخيم على وجه صقر، نظرت إليه ثم تطلع بعينيها بانكسار ثم أشاح بعينيه عنها، وذهب إليهم جميعاََ ثم قال : قبل أي حاجة أحب أقولكم إني فسخت خطوبتي مع زهرة، ومبقاش فيه خطوبة خلاص.
الهلالي : عين العجل يا ولدي، خلاص يا حسن عاد مبجاش فيه حاجة تعكر على بتك.
نظرت إليه ليل وتعجبت من هيئته، وكأن الأمل يرفض أن يدخل حياتها، ففي اللحظة التي عرفت إنه عاد ملكها هي فقط؛ تغيرت معاملته معها، والآن... صقر لا ينظر إليها.
مضى الوقت، وأصر الهلالي أن يضل معهم حسن وأمل وتناولو الغداء معًا، وحين حل الليل قال.
حسن : أظن يا حج هلالي نقدر نمشي دلوقتي؟
صقر : لا طبعاََ إنتم ضيوفي النهاردة، الخدم حضرو أوضة ليكم تقدرو تطلعو ترتاحو فيها.
أمل : لا مفيش داعي.
صقر بابتسامة : واضح إن ليل مش وحشاكي.
أمل : لا طبعاََ وحشاني أوي.
ليل : خلاص خليكي معايا النهاردة يا ماما.
حسن: خلاص يا أم ليل خلينا عشان خاطر صقر.
زياد : طيب همشي أنا يا ابن عمي وهستناكم بكره.
ذهب صقر ليودعه عند الباب
زياد : مبروك يا كبير عقبال ما تفرج بيه.
صقر : بس بقى.
وضحك أيضاً ثم قال.
زياد : بس متنكرش إنها حلت الموضوع.
صقر : هي غريبة بس بتعرف تتصرف.
زياد : عايز أشوفك بكره عشان أقولك على اللي قاله الظابط.
صقر : تمام نتقابل بكره.
زياد : أنا فرحان إنك فسخت الخطوبة، حاول تصلح الوضع مع ليل بقى.
تنهد صقر وقال : ربنا يسهل.
غادر زياد وعاد صقر للداخل وقال: ليل، يلا عشان ننام، أنا تعبان وعندي شغل الصبح بدري.
ارتبكت ليل ثم نظرت إلى إبيها وقالت : حاضر جاية.
قال حسن : أنا كمان تعبان وعايز أنام.
صقر : تعالو أوصلكم الأوضك يا عمي.
صعدو جميعاََ ،ثم أرشد صقر حسن وأمل إلى غرفتهما، وهمت ليل بالذهاب إلى غرفتها فقال
صقر بوجه عابس : إنتي رايحة فين؟
ليل : رايحة أوضتي.
صقر : مش هينفع، إيه اللي يخلي واحدة تنام في أوضة تانية بعيد عن جوزها اللي حامل منه! اتفضلي، هتنامي في أوضتي النهاردة.
ارتبكت ليل وقالت : لا مش هينفع.
صقر : أدخلي من سكات، مش عايز أعلي صوتي.
تحركت ليل أمامه ثم دخلا الغرفة وأغلق الباب، لاحظ إرتباك ليل فقال
صقر : متقلقيش مش هعملك حاجة، مش أنا اللي ألمس واحدة قلبها مش ليا.
نظرت إليه ليل بتعجب وقالت : يعني إيه؟
صقر : يعني أنا عرفت إجابة السؤال يا دكتورة، وعرفت ليه مردتيش تجاوبي عليه، مش سهل برده واحدة تقف قدام جوزها وتقوله إنها بتحب واحد تاني.
ليل : إنت ليه بتقول كده؟! وعرفت الإجابة منين؟
صقر : أبوكي هو اللي قالي إنك عايزاه.
ليل : بابا؟! وعرف منين؟
صقر : عشان راح إتقدمله، إتقدم لمراتي.
لاحظت ليل غضب صقر المتزايد وأنه يحاول السيطرة على صوته، ولكن عينيه تطلق شراراً. فقال بخوف.
ليل : أنا.... أنا معرفش إنه.... إنه راح لباب.
صقر : ليل أنا بكره الكدب، متكدبيش، خلاص مش هعملك حاجة ومش هضايقك في أي حاجة بعد كده، وأوعدك أول ما ألاقي بس طرف خيط يوصلني للي عمل فينا كل ده هطلقك.
ليل : طيب اسمعني بس، أنا بجد مش بكدب عليك، أنا فعلاََ معرفش إنه كلم بابا، ليه مش مصدقني؟
صقر :عشان سامعك بودني ديه بتقوليله إنك هتوصليه بأبوكي، ده معناه إيه؟! أقولك أنا معناه إيه، أنا اللي طلعت حمار وغبي، أول مره أحس إني مغفل، كنت فاكر إنك بدأتي تحبيني وقلت معلش يا صقر استحمل شوية، اللي عملته فيها مش شوية، وإنت غلطت كتير في حقها.
وقفت قدام أمي عشانك، هددت كل اللي في البيت إن اللي هيقربلك أو هيضايقك تاني هيشوف غضبي. لا وكمان لما لقيتيك واقعة في الجنينة تحت قلبي إتخلع من مكانه، بقيت عايز أقطع لساني اللي طلب واحدة تانية غيرك وقرى فاتحتها، كل ده وأنا عارف من جوايا إنك بتحبي واحد تاني، ومع ذلك فضل عندي أمل في قلبي إنك في يوم من الأيام تحبيني زي ما حبيتك، بس طلعت غبي.
كل هذا وليل تنظر اليه بزهول، توقف عقلها عند تلك الكلمة:"حبيتك." هل صقر يحبها حقاً؟!
كاد يخرج من الغرفة ولكن أوقفته وقالت.
ليل : لا استنى، يعني إنت عايز تقولي إنك بتحبني؟ طيب وزهرة خطبتها ليه؟ ليه قولتلي إنك بتقول كلام حلو لحبيبتك بس وبعدها خطبت زهرة، ووقفت قدام جدك عشان تتجوزها.
صقر : أنا عمري ما حبيت حد، وزهرة ديه أختي، وإنتي السبب إني أخطبها، الأول كنت عايز أحرق قلبك بأي شكل، بس بعد اللي حصل لجدي رجعت عن الفكرة، وقدرت وقفتك معاه، و إن لولاكي كان زمان جدي ميت ولا مشلول بسبب الجلطة، لكن لما سمعتك بتكلمي حبيب القلب، قلت لا لازم أخطب أنا كمان، زي ما مراتي رايحة تتفق على خطوبتها.
ليل : أنا متفقتش على خطوبة.
صقر : يا بنتي حرام عليكي كفاية كده، لو إنتي بتعملي كده عشان تاخدي حقك مني، فأنتي خدتيه وبزياده كمان. قلبي مبقاش مستحمل بقى أرحميني. أيوه حبيتك، وقلبي عمره ما دق غير ليكي، ولا عايز واحدة في الدنيا غيرك، وانتقمتي من قلبي أسوء انتقام، هسلمك بأيدي لواحد غيري، عايزة تعملي فيا إيه تاني، إرحميني بقى، على الأقل خليكي صريحة معايا،
دفعها قليلًا وخرج من الغرفة، وهي تنظر إلى الفراغ بصدمة، عقلها لا يصدق تلك الجملة، صقر يحبها.
لحقت به وجدته يخرج من باب المنزل، ركضت خلفه ووقفت عند الباب وقالت.
ليل :صصصصصقر.
توقف صقر مكانه، هل نطقت باسمه الآن؟ إلتفت إليها وجدها تركض نحوه، ثم اقتربت منه ونظرت في عينيه وقالت.
ليل : أنا مش بحبه. أنا كمان عمري قلبي ما دق لحد غيرك، حبيتك من أول مره شفتك فيها، أول ما دخلت الأوضة وعيني وقعت على عينك أسرت قلبي. استحملت كل حاجة وأنا جوايا أمل يمكن تحس بيا، حبيت كل حاجة فيك؛ غرورك.... قسوتك.... غضبك. حبيت الراجل اللي بشوفه في المندرة من الشباك، قلبي كان بيتكسر ١٠٠ حتة لما قولت إن عندك حبيبة، ولما طلبت مني منزلش عشان تخطب براحتك، حسيت إن حياتي مبقاش ليها لازمة.
ثم اغمضت عينها بألم وفرت دمعة من عينيها، ثم اقتربت منه أكثر وأمسكته من قميصه وقالت.
ليل : كنت بموت وأنا بتخيل إن فيه واحدة تانية جمبك دلوقتي وبقيت ملك غيري.
دكتور أحمد يبقى الدكتور بتاعي في الجامعة، وقف جنبي كتير وساعدني كتير لكن عمره ما لمح إنه فيه حاجة من ناحيته ليا، لما طلب يقابل بابا معرفتش أحرجه وأقوله إني أتجوزت، وكمان هو مكنش صريح في الكلام كل اللي طلبه مقابلة بابا بس من غير ما يقول السبب، فكرت ساعتها إني بس محرجوش، فا وافقت على المقابلة وبعدين قلت هوصله بطريقة تانية إني أتجوزت من غير ما أجرحه.
ثم أخرجت هاتفها وفتحته وقالت : بص رفعت على الفيس بوك إني اتجوزت، وزمايلي في الجامعة كلهم عرفو، وقلت أكيد هو عرف خصوصاََ إنه متصلش بيا تاني، حتى محاضرات الماجستير بطل يبعتها، صدقني يا صقر أنا معرفش إنه راح لبابا.
أمسك صقر ذراعيها واقترب منها أكثر وقال: قوليها تاني.
ليل : هي إيه ؟
صقر : يا صقر.
ابتسمت ليل ونظرت بعيدًا عن عينيه، حرك وجهها نحوه مرة أخرى وقال : متبعديش عينيكي عني، ده أنا ما صدقت شفت النظرة ديه فيهم.
حاول أن يقترب منها أكثر ولكن توقف عندما صوت ينادي باسمه.
قناوي :يا كبير.... يا كبير.
أغمض صقر عينيه وزفر، ثم نظر إليه وقال بابتسامة وهو يطبق على أسنانه : نعم.
قناوي :حضرة الظابط برا عايز يجابلك.
نظر إلى ليل ثم قال : خليه يدخل يا قناوي.
دخل سليم وذهب إلى صقر وقال : أنا أسف على الأزعاج يا كبير، بس كان لازم أجيلك بنفسي.
صقر : مفيش إزعاج أبداََ حضرتك تشرف في أي وقت.
سليم : أنا كنت قدمت على طلب فتح التحقيق مرة تانية بناءاً على الأدلة الجديدة اللي جاتلي من زياد، وجات الموافقة، ودلوقتي عايز أطلب كل اللي في البيت للتحقيق من أول الحاج هلالي لحد الخدم.
صقر : تمام، طيب تقدر حضرتك تيجي تحقق معاهم هنا؟
سليم : أنا كنت جي أطلب كده عشان محدش يشك والفت النظر في البلد، وجيت أطلب منك إني أجي بكرة هنا وأحقق معاهم.
صقر : تنور في أي وقت يا حضرة الظابط.
سليم : تمام أستأذن أنا دلوقتي وأشوف حضرتك بكرة.
ودعه صقر، ثم انتظر حتى يخرج من باب المنزل، ثم عاد النظر إلى ليل التي تطلع إليه بعشق، ثم قالت.
ليل : نظرتك وطريقتك بتختلف تماماً مع أي حد برا.
صقر : إنتي الوحيدة اللي هتشوفي صقر مختلف، صقر اللي بيحب وهايم في عيونك اللي شبه اسمك. هو إحنا كنا بنقول إيه بقى؟!
ليل : صدقتني يا صقر ؟
ضحك صقر وقاا : يلهوووي على صقر ديه، بت أرجعلي قولي يا كبير تاني.
ضحكت ليل فتأملها صقر وقال،
صقر : أول مرة أشوف ضحكتك، لا والأجمل أن عيونك بتضحك معاهم، دلوقتي عرفت إن أنا كنت سبب الحزن اللي كان مرسوم جواهم.
ليل : إنت سبب فرحي، مفيش حزن تاني.
(كان نفسي يا بنتي والله😭)
اقترب صقر منها ووضع وجهها بين يديه، ثم بدأ يتقرب منها، وإذا بصوت عيار ناري يدوي بالأرجاء. فتحت ليل عينيها بصدمة، ورأت عيون صقر يكسوها الأل،م حاول الإتكاء على كتيفيها حتى لا يقع، ولكن خارت قواه وأغمض عينيه وانهار أمامها.
وقفت ليل تنظر إليه بصدمة وقالت بصوت مكسور ينعي ذلك الحب الذي يأبى أن يكتمل، وقالت ببكاء : صصصصصقر.
رواية بقاء الفصل العشرون 20 - بقلم رباب حسين
لا تَرْحًََلْ وَتَكْسِرُ فَرْحِي
فَإِنَ فُرَاقُْكْ يقْتِلُ عِشْقِي
بَعْدُكَ من يُشْفِي جُرحِي
وَبِكَ وَحْدُكْ ينْبِضُ قَلْبِي
كانت لحظة تحبس الأنفاس، نظرت إليه وهو فاقد الوعي وكأنها ترى حياتها تنتهي أمام عينيها، ففي اللحظة التي تمنت أن تعيشها معه كانت لحظة إنهياره قتيلًا أمامها.
هبطت ليل على ركبتيها وأمسكت برأس صقر وقالت وهي تبكي : صقر فتح عينيك.... صقر متسبنيش.
ركض إليها قناوي وهو ينظر إلى صقر وقال : يا نهار مش فايت، يا حوسة سودا يا ولاد.
حاولت ليل كتم الدماء بيديها حتى توقف النزيف، ثم قالت بفزع : إنت هتندب! أطلب الأسعاف.
خرج حمزة وحسن والهلالي وأحلام وجهاد وأمل من المنزل وركضو نحوهما بعد سماع صوت الرصاص، وحين رأت جهاد حالة صقر بدأت في الصراخ والبكاء، ركض حمزة إلى ليل على الفور وقال.
حمزة : مين اللي طاخه؟ وطخه منين ؟
قناوي : حضرة الظابط كان أهنيه وراح وراه، بس ملحجوش، كان معاه مكنة وهرب بيها.
أما أحلام فلم تتحمل خسارة أحد آخر فسقطت أرضًا فاقدة للوعي، وما أن رأتها جهاد صرخت عاليًا : أحلاااااام.
التفت ليل وحمزة إليها، وجدا أحلام فقدت الوعي وسقطت أرضاً، والهلالي نظر إلى ما يحدث ثم أمسك قلبه بألم، كاد يسقط لولا أن أمسكه قناوي ورفعه بقوة.
ركض حمزة نحو أحلام، وحاولت أمل أن تهدأ من روع جهاد، أما حسن فوقف ينظر حوله بصدمة ولم يحرك ساكناً، إلا أن قالت ليل : بابا.. فوق وتعالى ساعدني، أرفعه عشان أشوف الرصاصة دخلت فين.
انتبه حسن إليها، وذهب إلى صقر ورفعه، رأت ليل أن الرصاص بمكان الرئة، فطلبت من حسن إعادته على ضهره، ثم لاحظت إنه يتنفس بصعوبة أخذت تجري له تنفس صناعي وهي تصيح أن تأتي الإسعاف سريعاً، بدأ أهل البلد يتوافدون عند المنزل، والضابط سليم يحاول بتسريع قدوم الأسعاف، حتى جاءت وأخذت صقر، ثم جاءت سيارة أخرى وأخذت أحلام، أما حسن فأخذ سيارة صقر ومعه أمل والهلالي وجهاد ولحقو بهم، وتركو الخدم يبكون حزناً على ما حدث بالعائلة دفعة واحدة.
أوصلت ليل الأكسجين لصقر فور دخوله سيارة الإسعاف، حتى وصلو إلى المشفى وركضت معه إلى الداخل، وجدت الدكتور مصطفى في إنتظارهما، ثم نظر إلى ليل وقال.
مصطفى : فيه إيه يا دكتورة؟
ليل : طلق ناري والرصاصة شكلها في الرئة على العمليات بسرعة يا دكتور التنفس ضعيف وفقد دم كتير.
كانت تبكي وهي تجري خلفه ثم حاولت الدخول معه إلى غرفة العمليات ولكن أوقفها مصطفى وقال: لسه بدري على العمليات يا دكتورة، وبعدين مينفعش تعملي عملية وإنتي في الحالة ديه.
ليل : أرجوك يا دكتور هدخل بس أقف معاك، مش هعيط ومش هعطلك، هقف بس أرجوك يا دكتور.
شعر مصطفى بالحزن والشفقة عليها فوافق ودخلت ليل معه بعد التعقيم.
حضرت سيارة الإسعاف التي تحمل أحلام ودخلت إلى الطوارئ.
ثم حضر باقي العائلة، وأيضاً زياد وزيد وبركات الذي أخبارهم سليم بما حدث، ثم جاءت ابتسام ورفعت.
أما عند زهرة فكانت تبكي وتتذكر ما أخبرها به علي، ورغبة صقر في إنهاء الخطبة، وما يؤلمها أكثر قول علي لها، فأخذت كلماته تصدي داخل عقلها.
فلاش باك
علي بغضب : زهرة، أنا عارف إنك مش بتحبي صقر، إنتي بس عايزة تبقي مرات الكبير.
زهرة ببكاد : لع أنا عحبه.
علي : يا بنتي أنا أكتر واحد فاهمك، طيب لو بتحبيه كنتي مقولتيش كده قدام حماه إنك خطيبته، وإنتي عارفج إن الموضوع لو أتعرف الطار هيرجع تاني وساعتها صقر هيتقتل، لو بتحبيه بجد كنتي خفتي عليه. وإيه خطيبة الكبير ديه اللي عمالة تقوليها في كل حتة! اسمعي يا زهرة الموضوع انتهى ومش عايز اسمع كلمة عنه تاني، فاهمة؟
عودة من الفلاش باك.
ظلت تفكر وهي تنظر إلى الفراغ بشرود، ثم سمعت علي وهو يتحدث بصوت عالي، خرجت من غرفتها واستمتعت لما يحدث.
علي : يعني إيه يا خالي اتقتل! إزاي يعني؟ هو مش كنا خلصنا من الطار ده.
.
.
.
علي : طيب أنا هاجي حالاً.
أنهى علي المكالمة وقالت سعاد بقلق.
سعاد : فيه إيه؟ حوصل إيه؟
على : صقر إتقتل.
وضعت سعاد يدها على فمها من هول الصدمة وقالت : أنا عاجي معاك يا علي.
علي : لا مش وقته، البلد كلها مقلوبة.
ثم أجرى إتصال هاتفي واتصل بحاتم.
حاتم : الو
علي : حاتم بسرعة حصلني على المستشفى.
حاتم بصدمة : ليه فيه إيه؟
علي : صقر أتقتل وهو في العمليات دلوقتي.
وقف حاتم فورًا وقال: إزاي ده؟! ومين عمل كده؟ طيب أنا جي يا علي مسافة الطريق.
خرج علي ركضاً وأيضاً حاتم
وصلا إلى المشفى، وجدو كلا العائلتين متواجدين، ذهب علي وحاتم إلى رفعت وقال.
حاتم : إيه حصل ؟ مين عمل كده؟
رفعت ببكاء : محدش عارف، بس الظابط سليم كان هناك عند البيت لما أطخ، وبيجول إنه راح وراه بس معرفش يشوفه في العتمة، وركب مكنة وهرب.
وجد علي الضابط سليم يتحدث مع زياد،
ذهب إليهما وأمسك زياد من أعلى ثيابه وصاح قائلًا.
علي : قتلته بعد ما عرفت إنه خطب صح؟!
أنزل زياد يده وقال : إنت بتقول إيه! قتلت مين؟
وضع الضابط كلا ذراعيه بينهما وقال : اهدو بعد أذنكم، علي إنت فاهم غلط، اهدى وهتفهم كل حاجة.
علي : ما هي واضحة زي الشمس، يا هو يا ابن عمه اللي عرف النهاردة بالخطوبة.
سليم : لا هو ولا حسن، ممكن نسكت عشان الجو مش ناقص توتر، خلينا نطمن على حالة الكبير الأول وبعدين نتكلم وهفهمك كل حاجة.
تدخل حاتم وقال : اهدى يا علي، خلينا نطمن على صقر وبعدين لينا كلام تاني.
ثم ذهب إلى الهلالي وقال
حاتم : بقاله أد إيه جوا؟
الهلالي : نص ساعة.
حاتم : طيب والرصاصة جات فين؟
حسن : ليل قالت إنها في الرئة، إن شاء الله خير ويقوم منها بإذن الله، اهدو يا جماعة وادعوله. أم ليل روحي طمنينا على أحلام.
علي بفزع : مالها أحلام؟!
حسن : تعبت لما شافت صقر بالمنظر ده واغمى عليها وخدوها الطوارئ.
نظر علي بعيدًا بحزن، وأغمض عينيه حتى لا يظهر ألمه من ذلك الجرح القديم، حتى لا يشعر به أحد.
أمل : أنا هروح اطمن واجي.
مر الوقت ببطء، وقد أستعادت أحلام وعيها وطلبت أن تبقى بجانب غرفة صقر تنتظره، وظلوا جميعاً ينتظرون بالخارج.
بعد ساعتين، خرجت ليل من عرفك العمليات، فركضو نحوها سريعًا فقالت
ليل : خير متقلقوش، خرجنا الرصاصة للأسف كانت مستقرة بين الرئة، وطبعاََ التنفس فيه مشكله كبيرة، ونقص الأكسجين أثر عليه، بس متقلقوش هيبقى كويس، أنا خرجت عشان اطمنكو وارجع أدخل تاني.
نظرت إلى الهلالي وقد بدى عليه التعب كثيراً، فذهبت إليه وجثت أمامه وقالت.
ليل : جدي متقلقش، خلي أملك في ربنا كبير، وأرجوك اهدى عشان لو بعد الشر جرالك حاجة هو ده اللي هيأذي صقر بجد.
قال الهلالي والدموع في عينيه : هيعيش يا بتي؟
حاولت ليل التحكم بدموعها وقالت : هيعيش يا جدي، بس لازم اطمن عليك إنت كمان.
ثم نهضت وقالت : حد ينادي على أي ممرضة تيجي تقيس له الضغط.
حاتم : أنا هروح.
ثم احتضنت جهاد التي تبكي وقالت : إدعيله.
تركتهم وعادت إلى غرفة العمليات، وبعد نص ساعة خرج صقر وذهبو جميعاً نحو دكتور مصطفى فقال: متقلقوش الحالة دلوقتي مستقرة، إن شاء الله يقوم منها، بس هو محتاج يفضل في الرعاية لأنه محتاج أكسجين، وكمان فقد دم كتير، إحنا نقلنا دم بس الجسم في حالة صدمة، هيفضل تحت الملاحظة ومش عايزكم تقلقوا لأنه بوضعه الحالي مش هيستعيد وعيه قريب، لازم نستنى شوية. حضراتكم تقدرو تروحو لأن الزيارة ممنوعة في العناية المركزة.
ليل : أنا هفضل معاه.
مصطفي : يستحسن تروحي يا دكتورة إنتي شكلك مرهق جداََ، أنا هفضل معاه النهاردة.
ليل : لا مش هسيبه وامشي.
مصطفي : إنتي عملتي اللي عليكي وزيادة، لولا التنفس الصناعي اللي عملتيه كنا دخلنا في مشاكل أكبر بكتير من الرصاصة، كفاية كده وروحي.
ليل : لا مش همشي.
حسن : متحاولش، بنتي وعارفها، عنيدة ومش هتسمع كلام حد.
ابتسم مصطفي وقال : خلاص خليكي يا دكتورة. حمد الله على سلامته، عن إذنكم.
طلبت ليل منهم أن يذهبو جميعاً إلى المنزل قالت.
أمل : أنا هاخد معايا زياد وابعتلك معاه هدوم غير ديه عشان كلها دم.
ليل : طيب يا ماما، وياريت تزودي في الهدوم لأن القعدة هطول هنا.
امل : ليه يا بنتي هي الحالة صعبة؟
ليل : هي مستقرة، بس مش عارفين هيفوق امتى، نقص الأكسجين قصر عليه، الحمد لله أن رسم المخ سليم، وكمان مينفعش يخرج إلا لما يبدأ يتنفس طبيعي وده هياخد وقت.
أمل : طيب يا بنتي ربنا يستر.
ذهبو جميعاً عدا علي وحاتم اللذان ذهبا مع سليم إلى قسم الشرطة، دخلا المكتب عند سليم وقال: إتفضلو.
علي : أنا عايز أعرف مين عمل كده؟
حاتم : شكل حسن وزياد ملهمش علاقة بالموضوع، مين عمل كده؟
سليم : فعلاََ ملهمش علاقة بالموضوع.
أخذ سليم يسرد إليهما ما حدث و الأدلة التي قدمها زياد، وأيضاً بأن ما قيل بشأن الطار ملفق، والقاتل هو شخص آخر.
حاتم بصدمة: مش معقول، مين يصدق إن كل ده كلنا كنا عايشين في كدبة كبيرة زي ديه؟
علي : يعني دلوقتي العيلتين في خطر.
حاتم : إزاي زياد عرف كل ده؟
سليم : حقيقة هو مش زياد اللي كشف الموضوع، اللي عرفته إن دكتورة ليل هي اللي قدرت تحل اللغز ده. الظاهر إنهم كانو محتاجين حد بينهم يسمع من هنا ومن هنا، للأسف القاتل استغل الأوضاع كويس أوي لمصلحته.
طُرق الباب ودخل العسكري وأخبر سليم أن زياد بالخارج، سمح له بالدخول و حين دخل قال : أنا أسف على التأخير، بس كان لازم أرجع المستشفى تاني.
سليم : مفيش مشكلة.
زياد : أنا فيه حاجة هتجنني، دلوقتي إزاي القاتل يغامر ويقتل وهو عارف إن الطار انتهى؟
سليم : تحليلي للموقف إن العداوة كانت مع عيلة الهلالي مش عيلتكو يا زياد، ولو افترضنا ده فا القاتل مكنش فاضل عنده غير صقر، وخصوصاََ إنه حاول قبل كده وفشل لما رفعت اتصاب مكانه.
حاتم : طيب وبعدين هنعرف إزاي؟
سليم : أنا كنت هبدأ بالتحقيق من بكرة، بس بسبب الظروف هأجل التحقيق يوم على ما عيلة الهلالي تكون ارتاحت وفاقت من صدمة قتل صقر ويطمنو عليه، وساعتها هبدأ تحقيق مكثف، لازم القاتل يتجاب، وأهم حاجة إني حطيت حراسة على أوضة صقر في المستشفى، كده صقر في خطر كبير.
بعد وقت قصير، غادر حاتم وعلي وزياد القسم، وقبل ذهاب زياد.
قال علي : استنى يا زياد، أنا عايز أعتذرلك عن اللي حصل، بس طبعاََ إنت عارف كلنا كنا شايفين الوضع إزاي.
زياد : حصل خير، أنا مقدر طبعاََ، بس أهم حاجة دلوقتي نقبض عليه، لازم نتحرك ونساعد.
حاتم : إزاي صقر مقاليش أي حاجة عن الموضوع ده؟
زياد : صقر مكنش يعرف، ومن ساعة ما عرف والدنيا عمالة تتعك على دماغه، خصوصاََ كمان إن حسن جيه وكان عايز ياخد ليل ويجبره يطلقها، وكانت مشكلة كبيرة بس الحمد لله قدرنا نحلها.
علي : أيوه فعلاََ، كل ده بسبب زهرة.
زياد : لا مش زهرة، هو شايف إن الجوازة ديه مبقاش ليها لزوم، المهم أنا هروح أنام ساعتين واطلع على المستشفى.
ودعهم وذهب وقبل ذهاب حاتم قال
علي : صحيح يا حاتم، يوم قراية فاتحة زهرة وصقر إنت كنت واقف مع ليل في الجنينة صح؟
ارتبك حاتم وقال: اه.... شفتها صدفة.
لاحظ علي ارتباك حاتم وشعر أن هناك خطبٍ ما
حاتم: ب... بتسأل ليه؟
علي : استغربت أنها لابسة زي الخدم كده، وإنت قولتلي ساعتها ديه واحدة من الخدم.
حاتم :اه... اه ما أنا كنت فاكرها كده.... طيب أنا هروح بقى.
أما بالمشفى، ظلت ليل بجوار صقر تبكي تارة وتارة أخرى كانت تتمسك بيده وهي في حالة خوف، لا تصدق أنه كاد أن يموت أمام عينيها وبين يديها، كانت جالسة بجوار الفراش متمسكة بيده كأنه طوق النجاة لها، لا تريد أن يتركه ويذهب. ثم نظرت له ببكاء وقالت.
ليل : قوم يا صقر، مش مستحملة أشوفك كده. أنا كنت عارفة إني بحبك بس مكنتش أعرف إني بحبك أوي كده، مش مصدقة إني سمعت منك الكلام اللي قولته، لكن اللي واجعني إنك كنت هتروح مني في نفس اللحظة اللي بشوف فيها الحب في عينيك، وإنت بتضحكلي من قلبك، فيه حاجات كتير لسه معشنهاش مع بعض، أوعى تستسلم وتسبيني.
ظلت تتحدث معه وأخذت تقص عليه الكثير من أحداث حياتها بالماضي.
سطع النهار وظلت هي بجواره لا تفارقه، ولكن لم يستيقظ بعد.
بالصباح عاد كل أفراد العائلة للأطمئنان عليه ولكن لاجديد في حالته.
بعد يومان.
في مكتب سليم، وقد جاء الهلالي حسب طلب سليم لشهادته.
سليم : بس أنا متأكد يا حج هلالي إن العداوة معاكم إنتو.
الهلالي : بس معنديش عداوة مع حد، مين اللي هيكون عايز يخلص على عيلتي كليتها؟
سليم : على العموم التحقيق شغال وإن شاء نوصل لحل.
خرج الهلالي ودخل رفعت : حضرتك طالبتني للشهادة؟
سليم : إتفضل يا حج رفعت ريح رجلك.
جلس رفعت ثم قال.
سليم : كنت عايز أسألك على اللي حصل بالظبط يوم ما اتصبت بدل صقر.
رفعت : كان صجر ماشي بليل حدا الأرض، كان عيطمن على فلاح شغال عنده في الأرض عشان وجع يومها الصبح وخدناه على البيت، وأنا كنت معاود على البيت عندي ومريت من هناك، كان الجو عاتمة، وفجأة سمعت صوت ضرب نار، لجيت حد بيحاول يطخ صجر، وبعدها لمحت حد بيجري، لما أتحججت منه شفت زياد، بس معرفتش اتأكد لأنه ضرب عليا نار وهرب، والرصاصة جات في رجلي.
سليم : وعرفت تشوفه في الضلمة إزاي؟
رفعت : كان في نور جريب جاي من البيوت، وهو كان مستخبي وراه.
سليم :بس بالادلة اللي قدمنا ديه بتقول أن زياد معملش كدة.
رفعت : يمكن عشان شكنا كله كان في علية بركات فكرته هو، وخصوصاً إن الطار كان عنديهم.
سليم : فاكر يوم قتل حامد؟
رفعت : أنا مكنتش في البلد وجتها، كانت مرتي عند الدكتورة في مصر، وأنا كنت معاها، ولما جالنا الخبر رجعنا طوالي.
تنهد سليم وقال: شكرًا يا حج رفعت، نورتني.
ذهب رفعت.
أخذ سليم يحقق مع كل من في المنزل، وحقق مع الخدم عدا سعيدة التي تركت العمل حسب رغبة صقر. وبآخر التحقيقات قال.
سليم :طيب يا هنية كده تمام، بس إنتو ٣ بس بتخدمو في البيت؟
هنية :لع كان فيه سعيدة معانا، بس راحت.
سليم : مشيت امتى؟
هنية : تاني يوم لما أتصاب الكبير.
سليم بتعجب : ليه؟!
هنية : الكبير طردها في اليوم اللي أطخ فيه الصبح، بس مجالش السبب ولا هي جالت، وتاني يوم راحت.
سليم :طيب هي كانت موجودة معاكم وقت موت حامد الهلالي ولا زي رقية؟
هنية : لع كانت موجودة.
سليم : طيب يا هنية تفتكري مين آخر واحد طلع الأكل لحامد قبل ما يموت؟
هنية : اليوم ديه كانت فاطنة بعافية شوي، حتى أنا فاكرة زين إني خدتها على الحكيم في الصحة، ولما رجعت فضلت جمبها، كانت محمومة وسعيدة هي اللي خدمت على البيت كلياته، وعملت الأكل لحالها.
سليم : إنتي متأكدة؟
هنية : أيوة يا بيه، أني متذكرة أول يوم عزا كنت أنا وسعيدة بس اللي، عنخدم لأن فاطنة كانت راجدة.
سليم :طيب أنا عايز نمرة تليفون سعيدة وكمان عنوانها.
أعطت هنية الرقم إلى سليم واتصل بها على الفور، ولكن الخط مغلق. فعاد النظر إليها وقال.
سليم : أحكيلي كل حاجة تعرفيها عنها.
هنية : هي بت وحيدة من غير أب ولا أم، ملهاش حد غير أختها الصغيرة، ولما جت تشتغل حدى الحج هلالي كانت بتصرف على علاجها لأنها كانت مريضة.
سليم : تعرفي كان عندها إيه؟
هنية : كان عندي مشكلة بالكبد، وكانت عايزة حد يتبرعلها.
سليم : الكلام ده من امتى تقريباً؟
هنية :من زمان جوي، أيوة جبل موت شداد بيه بفترة صغيرة.
سليم : طيب أختها خفت؟
هنيه :اه جالت إنها لجت حد يدي لأختها الفص ديه اللي بيجولو عليه وخفت، ودلوك بجت عروسة.
سليم : إديني عنوانها.
أخذ سليم العنوان وذهب إليه ولكنه لم يجد أحداً بالمنزل، سأل أحد الجيران قال أنها ذهبت في الصباح الباكر هي وأختها وتركت الغرفة ولن تعود.
حاول سليم أن يبحث عنها بكل مكان، وقد أصبحت هي موضع الشك، عمم صورها على جميع مخارج البلد ومداخلها، ولكن لا أثر لها.
بعد ٤ أيام، وقد انقضى أسبوع على إصابة صقر الذي لم يستعيد وعيه حتى الآن، وليل ما زالت بجواره لم تتركه لحظة واحدة. كانت نائمة على الكرسي بجوار الفراش ممسكة بيد صقر، وفجأة شعرت بيده تضغط على يدها، فتحت عينيها على الفور ونظرت إليه، فجدته يبتسم لها، وقفت بسعادة وقالت.
ليل : صقر.... فقت أخيراً.
نزع قناع الأكسجين من على فمه ليتحدث، ولكن أخذ يسعل بشدة، أعادت ليل القناع وقالت.
ليل : مش هينفع تتكلم دلوقتي، خلي الأكسجين موجود، الرئة لسه مش مستقرة وفيه مشكلة في التنفس.
رفض صقر ونزع القناع وقال بصوت مرهق
صقر : مش عايز.
ليل : صقر أرجوك.
صقر : عيون صقر وقلب صقر.
بكت ليل وقالت : أنا فرحانة أوي إنك رجعت ليا تاني، وحشتني أوي.
صقر وهو يتنفس بصعوبة : خفي عليا يا دكتورة، أنا مريض مش هستحمل الكلام ده كله.
ليل : يبقى ترجع الماسك عشان تخف بسرعة.
أعادت ليل القناع على وجهه وقالت.
ليل : هروح أبلغ العيلة إنك فقت عشان مش هعرف اتصل هنا.
كادت تذهب إلا أن أوقفها صقر وأمسك يدها، نزع القناع مرة أخرى وقرب يدها إلى فمه وقبلها.
كانت عينيه تبوح بالكثير، وها قد الحبيب مرة أخرى، فهل سيجد الفرصة كي يظل بجوارها؟!