مشى الصبيان ناحية العين كما أخبرهم لسان البقرة. ولما وصلا، وجدا حمامة في انتظارهما، وأعطتهما شعرة من البقرة وقالت لهما: "ازرعاها فستنبت مكانها شجيرة صغيرة. كلما جرحتم جذعها، خرج منها حليب أحلى من العسل. فإربطا جرة، ولما تمتلئ اشربا منها. وستأتيكم الطيور بالثمار من الغابة، والأرانب بالفطر والكمأ. أما الآن، لقد اطمئن قلبي عليكما وسأرحل. وقولا لأبيكما أن لا يثق في تلك المرأة."
وضعا الصبيان الشعرة في الأرض وصبا عليها الماء، ثم رجعا إلى الدار. بينما هما ماشيان، سمعا أباهما ينادي عليهما، فذهبا إليه وعادوا جميعًا إلى الدار، ووعدهم بشراء بقرة أخرى لهما. ولما أخبر زوجته قالت: "من الأفضل أن تشتري عربة ننقل عليها الخضار ونبيعها في السوق ونربح قليلًا من المال." فأعجبته الفكرة. وذات يوم وجد قطة صغيرة بين الأشجار جائعة، فحملها للدار وأعطاها لفاطمة وقال لها: "اجعلاها رفيقتكما عوضًا عن البقرة."
فرح الصبيان بها، وصارت ترافقهما أينما يذهبان. ولما رأتها المرأة سخرت منها وقالت: "يا لها من قطة هزيلة! قريبًا تصبحون مثلها حين أحرمكم من الحليب واللحم." لكن مرت الأيام وازداد جمال الصبيين واحمر وجههما، حتى القطة سمنت وأصبح لونها براقًا. ولما ترمي لها زوجة الأب بقية الأكل تشمه ولا تلمس منه شيئًا، فاحتارت وتساءلت: "كيف يفعلون ليظلوا في صحة جيدة؟ وكيف سمنت قطتهم الهزيلة؟
طبعًا لا يمكن أن تكون البقرة، فقد طبخها الناس وعظامها أكلتها الكلاب. لا بد أن أعرف السر." طلبت من عيشة أن تراقبهم، لكنها غضبت وقالت: "أمي، إنهم إخوتي وأنا أحبهم، ومن يسيء إليهم سيعاقبهم الله." سألتها أمها: "من قال لك ذلك أيتها اللعينة؟ أجابتها: "رأس البقرة لقد همس لي إن أحببت إخوتك فستكبرين مثلهم." فقالت المرأة: "من هذه البقرة؟ لم أسلم منها حتى وهي ميتة. غدًا سأذهب بنفسي وأعرف سرهم."
في الصباح تسللت وراءهم حتى رأت الشجرة والطيور والأرانب وهي تحمل لهم الطعام. انتظرت حتى انصرفوا، وأشعلت النار في تلك الشجرة. أمسكت عودًا قلبت به أعشاش العصافير ونبشت جحور الأرانب وقالت: "سنرى الآن من سيطعمكم." ثم رجعت للدار كأن شيئًا لم يكن. وغدًا أعطت حسن غربالًا وقالت له: "املأه لي بالماء." وفاطمة صوفًا مبقعًا بالقطران وطلبت منها غسله في الوادي وقالت: "الويل لكما إن لم تنفذا ما طلبته منكما."
ثم جاءت المرأة زوجها وأعلمته أن هذا البيت لم يعد مناسبًا لنا، فقد كبرت البنات ويجب أن تكون لهن حجراتهن، ولا أريد أن تكون الزريبة بجانبي فرائحتها تؤذيني. وأخذت تلح عليه. فقال لها: "حسنًا، احزمي أمتعتك وسنرحل إلى دار جديدة، وأخبري الأطفال أن يستعدوا." لما ساروا في الطريق بأثقالهم سألها: "أين حسن وفاطمة؟ أجابته: "لقد وضعتهما في عدلين على جانبي الحمار وغطيتهما."
أما الطفلان فأمضيا كل الصباح قرب الوادي يحاولان دون جدوى تنفيذ طلبات زوجة أبيهم. ولما ذهبا للعين داخل الغابة، وجدا الشجرة محروقة والأعشاش مقلوبة وما فيها من بيض قد تهشم، ولم تأتِ لا الطيور ولا الأرانب. فجمعا بعض الثمار وشيئًا من الفطر، لكن فاطمة قالت: "لا أزال أحس بالجوع. فلماذا لا تأتي أمنا الحمامة لتعلمنا بما علينا فعله؟
بقيا حائرين حتى أظلمت الدنيا. ولما رجعا إلى البيت لم يجدا أحدًا، فلقد رحلوا وتركوهما وحيدين. شعر الصبيان بالخوف وبدآ يبكيان، لكن جاءت القطة والتصقت بهما فأحسا بالدفء والاطمئنان، فناما حتى الصباح. وفجأة...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!