من رحم الظلم يولد الانتقام
بعد المداولة وتحت تأثير الصراخ وبضغط من هيئة المستشارين،
يضطر القاضي إلى إصدار حكم يرضي العامة، وينهي الجدل ربما
ليس الإعدام. لكنه كان لجابر حكما بموت العدالة.
كانت الكلمات ثقيلة على القاضي رامي أنور، بالكاد قرائها
خرجت من بين شفتيه ولم تمر على قلبه، وبصوت يائس متلعثم
-
بناءً على، ... لصالح أمن المجتمع واستقراره، ... تقرر المحكمة بإجماع الآراء
السجن المؤبد لجابر الأسيوطي، قصاصاً لما اقترفت يداه...
كان رامي أنور في قرارة نفسه يعترف بالفشل في تحقيق العدالة
بسبب قوة التآمر والكلمة الزائفة،
حينها أُدرك جابر أن عالمه الذي كان يحيا فيه قد انتهى.
ولحظة نطق الحكم هي اللحظة التي تحررت فيها روحه من سجن الجسد، ربما لاحقا يقول
الطبيب في تقريره أن سبب الوفاة هو الموت قهرا...
لكنه لم يكن موتا لجابر، كان تحول من وعيه كإنسان محطم إلى وعي أخر أشبه بآلة الانتقام.
— ✦ —
لم يمت جابر الأسيوطي فجأة،
بل كان موتا
تدريجيا قاسيا، بدأ منذ اللحظة التي وُجهت إليه فيها تهمة قتل زوجته… واتهموه في
شرفها قبل دمها
كان ذلك هو
الشق الأول في جدار روحه.
أما الشقّ الأخير… فجاء عندما نطق القاضي بكلمة
المؤبد.
في تلك اللحظة،
بدا الهواء ثقيلاً، مشبعا بالكذب، فامتنعت رئتاه عن التنفس، لم يعد قلبه قادرًا
على تحمل ثقل الظلم ...
خصوصًا ذلك
الظلم الذي لم يأت من عدو، بل من أقرب الناس لزوجته، صديقتها سهام التي لمح جابر
نظرة انتصار باردة تتبادلها مع محاميه فريد منصور، قبل أن يختنق صدره وينهار الجسد.
في قفص الاتهام، سقط جابر، وفي الخارج ماتت العدالة.
قال الطبيب سكتة قلبية... صدمة جعلت القلب
يتوقف،
لكن العارف بباطن الأمر سيقول شيئا أخر،
ليست سكتة. بل كانت صرخة.
صرخة غضب مكتومة. انطلقت داخل جابر ولم تجد طريقا للخروج،
فانكسرت الروابط بين الروح والجسد.
كانت كلمة
القاضي هي ضربة المطرقة الأخيرة… ليس على صدر جابر، بل على القيد الذي كان يشد
روحه إلى بدنه.. فكسرته. بدأ صوت القاعة يبتعد.
تحول الضجيج
إلى صفير، والمكان إلى نفق ضيق، والوجوه إلى بقع بلا ملامح.
رفع جابر رأسه
نحو نافذة عالية، كأنه يحاول اللحاق بآخر خيط من نور الشمس قبل أن يبتلعه الظلام.
كانت يده تبحث
عن شيء… عن هواء… عن الحقيقة.
وحين غامت الرؤية، بقيت صورة واحدة واضحة لا تتشوه
صورة عينان
تلمعان بالشماتة... عينا سهام.
في تلك اللحظة، أدرك جابر أنه لم يخسر القضية.
لقد خسر عالمه
كله في مؤامرة محكمة.
وتلك الصورة…
كانت الشرارة التي رفضت أن تطفئها الظلمة،
فصارت الوقود
الأبدي لوعيه الذي رفض أن يموت.
— ✦ —
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!