الفصل 5 | من 5 فصل

رواية بلو تاتش الفصل الخامس 5 - بقلم مصطفى تقي

المشاهدات
24
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

شرارة في الجسد البارد

تم نقل جسد جابر إلى المشرحة القريبة من

المحكمة.

غرفة باردة، مُضاءة بضوء فلوريسنت أبيض يشبه

روحا باهتة، يلقي بظلال مشوهة على أجساد ممددة. وضعوه على منضدة معدنية، ولفوه

بقطعة قماش. ليالي كثيرة لم يعد يحصيها،

ففي عالمه هذا لا يقاس الوقت بنفس حسابنا نحن.

كانت رائحة الفورمالين والمعدن البارد، تلسع ما تبقى من حواسه.

شعر وعيه بأنه محبوس في تابوت من الجليد، عاجز عن الصراخ،

لكنه يرفض التسليم. ظل الوعي بداخله، كامنا

ومكثفا.

حقيقة مات الجسد، لكن الوعي رفض الموت،

صار كتلة من الطاقة الخام، تنتظر شرارة لتشتعل.

كانت هذه المشرحة، بكل برودتها وقسوتها، هي مختبر إعادة الميلاد الميتافيزيقي

لجابر. كان وعيه يرتفع، يلامس سقف الغرفة الباردة، ثم يعود ليصطدم بحدود الجسد البادئ

في التحلل، في دورة من اليأس والرغبة.

— ✦ —


أنا هنا... لم أمت. الظلم لم يقتلني،

بل أطلقني من القيود الجسدية. أنا الآن حر، بلا قيد، ...

ولا جسد يخنقه الغدر.

هناك أياد تكاتفت لسلب حياتي وحياة عايدة،

وسرقة حلمي، وقتل ابني الذي لم يولد.

هناك وجوه يجب ألا تنام بسلام.

لكن كيف أعود؟

لن أرضى بالعدالة العمياء،

بل أريد القصاص المبصر.

وإن كان جسدي هذا قد انتهت قدرته ... فيجب أن أجد جسرا للعبور،

للخروج من هذا الجسد المتعفن.

مرت الساعات ثقيلة. كان الجسد ميتا، يتجمد من البرودة.

لكن الوعي بداخله كان حيا، يشتعل بالرغبة في

الانتقام.

كانت طاقة وعيه المكبوتة قد تحركت نحو كفه

الأيسر المحترق، صانعة هالة خفية من الدفء.

في منتصف الليل، سمع صوت "مواء" خافت ومتقطع عند النافذة. كان قط شارع

هزيل، يدفعه الجوع والفضول،

تمكن من التسلل عبر فتحة تهوية مهملة.

كان القط أسود بلون الفحم، وبعينين تلمعان

بخبرة حياة الشارع وذكائه.

رأى القط الجسد الممدد على المنضدة، ورأى شيئا

آخر.

طاقة خفيفة تنبعث من كف جابر الأيسر، كأنها وعد

ببعض الدفء في هذا البرد القارس.

تردد القط للحظات، توقف عند حافة المنضدة، يستشعر

الخطر المحتمل والمجهول.

لكن غريزته الجائعة والمُتعبة قادته نحو مصدر

الدفء الغريب، المنبعث من هذا الجسد، كأنه وعد بنوع من الأمان النسبي. رفع مخلبه

الصغير بريبة، يمده نحو كف الجثة. وفي تلك اللحظة، استشعر جابر الحركة. عرف أن هذا

هو أمله الأخير، إرادة منه للهرب، وإرادة من القط للوصول. كان عليه أن يركز حتى لا

يحرق القط الصغير بضغط طاقة وعيه الهائلة.

— ✦ —


تعال... أيه القط. ألمس يدي... بإرادتك، فلتكن

جسرًا لي.

لعودتي للحياة. أُريد أن أرى! أن أعرف!. أن أنتقم!

اجعل فضولك يخدم عدالتي. سأمنحك القوة والحماية مقابل جسدك هذا.

ركز جابر وعيه بالكامل نحو نقطة التلامس المنتظرة. كانت إرادته للهرب من هذا القبر

البارد تتقابل مع إرادة القط للبحث عن الدفء والمأوى. حدث اللقاء. لمست مخالب القط

المدببة جلد جابر البارد. لم يكن الأمر تيارًا كهربائيًا صاخبا، بل انزلاقا سلسا

للوعي، كأن الروح انضغطت في ثقب إبرة ثم توسعت فجأة لتملأ جسدا جديدا.

تخيل جابر للحظة أنه يرى جسده الميت من زاوية

مختلفة، قبل أن تختفي طريقة رؤيته البشرية تماما.

كانت صدمة هائلة. لقد نجح الانتقال.

إحساس غريب، مزيجا من قوة الوعي وضعف الجسد الجديد.

فتح جابر عينيه، لكن الرؤية كانت مختلفة.

عريضة الزاوية، حادة ومركزة في الوسط، ضبابية قليلا في الأطراف، وقريبة جداً من

الأرض. وكأن العالم فجأة أمتلأ بضوضاء من الروائح،

حيث أصبح يستطيع تمييز رائحة الخوف الكامنة في جدران المكان،

ورائحة الدم القديم،

ورائحة الصدأ على المنضدة المعدنية. شعر بحركة مرنة في ذيل لم يكن موجودًا قبل لحظة،

وبفرو سميك يكسوه،

مرونة فائقة، ما منحه إحساساً غريباً بالخفة

والحرية. لقد أصبح جابر قطا شاردا، ومحققا

شبحيا ومنتقم فروي، يبدأ رحلته على أربع، انطلقا من منضدة تشريح الموتى.

قفز القط نحو النافذة، مشى متعرجا في الممر

الضيق كظل أسود. كانت خطوته الأولى على الأسفلت البارد، بداية رحلة لا يعرف

نهايتها،

لكنه

عرف بدايتها بوضوح مؤلم.

ستكونين أنت البداية يا سهام... أنت أول الخيط. سأجدك.

الكلمة الكاذبة التي نطقتي بها ستقتلك، وسيكون صوت موائي هو آخر ما تسمعين.

وسأعرف منك. من دبر لنا تلك المكيدة. الآن

سأستخدم هذه العيون لأرى كل خفاياكم، وبهذا الجسد سأدخل بيوتكم واحدا واحد.

— ✦ —

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...