الفصل الســــادس والسابع والثامن
بقلم علا محمد فائق
"فقـــــــد"
____________
إنتفض "زين" من مكانه مذعورًا من صراخها وعويلها بذاك الشكل وأضاء مُفتاح النور بجانبه ونظر لها ليرى ما يخلع قلبه من مكانه ،،كانت "سيدرا" واضعه كفها على بطنها وتصرخ صرخات مقهورة ورسمت دماء طفله لوحة على ملاءة فراشهما لن ينسوها أبدًا .....
في الأسفل كانت جالسة في المطبخ شاردة ،،تنظر للحديقة عبر ذاك الزجاج الشفاف ،،إرتشفت من كوب الشاي بيدها وشردت في الفراغ مرة أخرى حتى إخترقت أذنها تلك الصرخة التي شقت سكون الليل ،،إرتجف قلبها ولم تستطع حمل ذاك الكوب ،،نهضت من مكانها بسرعة وتوجهت إلى غُرفتها ووقفت خلف الباب تسترق السمع ...
________________
في القاهــــرة (في منزل سليم العيــاد)
-بنتـــي ،،سيـــدرا ،،سيـــدرا يا سليم ،،بنتي فيها حاجه ،،خدني لبنتي يا سليم.
فتح "سليم" عينيه بثقل ونظر إليها بإستغراب واستقام في جلسته ووضع يده على كتفها وسألها بقلق:
-في ايه يا سلوى سيدرا مالها
وضعت يدها على قلبها وأجهشت في البكاء قائلة بنبرة متألمه من مرارة ذاك الوجع الذي تشعر به في قلبها:
-بنتي يا سليم ،،بنتي مش بخير ،،بنتي حصلها حاجه ..خدني عند بنتي يا سليم .
ضمها إلى صدره بحنو وقبّل جبينها قائلًا بهدوء منافيًا لداخله المُتبعثر:
-اهدي يا سلوى ،،اول ما النهار يشقشق هننزل على الصعيد على طول بس إنتِ اهدي الوقتي
-لا يا سليم أنا عايزه اروح لبنتي الوقتي ،،بنتي مش بخير يا سليم ...
بتر حديثهم طرقات عنيفه على باب الشقة ،،إنتفضا على أثر هذه الطرقات العنيفه واتجه "سليم" مُسرعًا نحو الباب ليرى من الطارق في هذه الساعة المتأخره من الليل ،،فتح الباب ليرى "رامي" يأخذ أنفاسه بصعوبه ويستند بيده على الحائط ويبدو وكأنه عداء وخرج للتو من مُسابقة للجري،،نظر "رامي" داخل عيني "سليم" فقرء سليم جميع ما يجول في خاطره قبل ان ينطقه لسانه شعر وكأن قلبه سقط بقدميه وذلك الشعور بالخطر أصاب إبنته حقًا ..
-قول لماما تجهز لازم نروح الصعيد الوقتي حالًا ،،أنا هروح أعرف هاني وهنستناكوا تحت ،،بسرعة يا بابا ،،سيدرا محتاجنا ....
كانت "سلوى" واقفه خلفهم واضعه يدها على قلبها وقالت بصوت مبحوح ودموعها تسيل كالشلالات :-
-بنتي ،،سيدرا .
_________________
كان واقفًا في شرفته ينظر لنقطة فارغة وكأنه ينتظر شئ ما ،،نظر في هاتفه إلى تاريخ اليوم وقال لنفسـه :-
-المفروض اللي مخططله كان يحصل امبارح او اوله ،،هي إتأخرت كدا ليه ،،معقوله يا سميه ضميرك صحى ورجعتي عن اللي في دماغك لو دا حصل فالمرة الجايه هتجيلي ومش هترجعي خالص همحي اسمك من على وش الدنيا...
أعاد نظره مرة أخرى للشارع عندما شعر بحركة غريبه في البلدة ومن ثم رأى سيارة الاسعاف تشق سكون الليل بصفارتها وتتوقف عند سرايا "الصياد" ،،أحكم غلق الستارة جيدًا ونظر من خلفها ليرى "زين" بهيئة مختلفة عن التي يراها ،،فكان يرتدي تيشرت أسود وبنطال رياضي باللون الرصاصي وهيئته مبعثره ،،كان يراقبه من مسافة بعيده لكنه كان يراه بوضوح يرى كسرته يرى خوفه من الفقدان ..
كان "زين" يضع يده حول رأسه ويشعر بالعجز والدموع تسير كالبحور في حدقتيه ،،كانوا يحركونها أمامه كالجثة التي لا روح فيها ،،شاحبه ،،بارده ،،مُستسلمة ،،صعد معها إلى السيارة بعد رفض شديد من الممرضات ولكن هو لا يُبالي بهم ،،أمسك كفها البارد بكفيه وقبله ودموعه الساخنه هبطت على كفها ..
______________
مرّ أسبوع على تلك الحادثة وهي مازالت على حالها ،،دموعها تسيل بصمت وجالسه كالصنم لا تتحرك ،،وجهها باهت كالموتى لا حياة فيه ،،دلفت "سمية" إليهـا وبيديها صنية الطعام ووضعتها بجانبها وتظاهرت بترتيب الغُرفة وقامت بدفع الصندوق الخشبي الذي به جميع أغراض طفلها ليتبعثر ما في داخل الصندوق على الأرض ،،رأت "سيدرا" التي وجهت أنظارها إلى الصندوق وظلت تنظر إليها ولكن دلف "زين" في تلك اللحظه على أثر ذلك الضجيج وعندما رأى الثياب والألعاب مُبعثرة جُن جنونه وصاح في "سُمية" وجذبها من ذراعها خارج الغُرفة وإلتفت إليها ليجدها تركت الفراش وجالسة على رُكبتيها وتحتضن تلك الثياب الصغيرة جداً ولأول مرة منذ تلك الحادثة يسمع صوتها ،،كانت تبكي بصوت عالٍ مُرتجف ممزوج بالقهر ومرارة الفقد وتردد إسم إبنها ،،نزل على رُكبتيه هو الأخر وإحتضنها وأسند رأسه على رأسها ،،سالت دموعه بصمت فمازال قلبه ينزف دمًا على فراق إبنه ...
___________________
في القاهرة خصوصًا في إحدى الشركات الكُبرى ...
دلف كُلًا من "هاني"و"رامي"كتفًا إلى كتف بحُلتهم الرسمية السوداء وساروا بخطى ثابته شامخه وأفترقوا بنصف المبنى ليذهب كُلًا منهم إلى مكان عمله ،،
كان يسير "رامي" بطوله المهيب وملامح جادة وشعره المصفف لأعلى بعناية شديدة وخطوات واثقه ثابته إلى المكان الذي سيكون به إجتماع الموظفين الجُدد بالمدير ..
طرق طرقات خفيفه وبعدها دلف إلى الداخل وجلس بجانب زملائه بالعمل مُنتظرين مُدير الشركة ،،لاحظ تلك صاحبة الشعر الأحمر الناري التي تنظر إليه ولا ترفع عينيها عنه ،،زفر أنفاسه بضيق فهو يشعر وكأن ملامحها مألوفه لديه ولكنه لا يريد أبدًا أن يلتقى بإحدى الفتيات الذي كان يعرفهن سابقًا وخصوصًا إن كانت على شاكلتها ..
تنحنحت برقة ورفعت أنظارها عنه قائلة بنبرة واثقه حد الغرور وهي تنظر لهم جميعاً بأنف مرفوع :-
-أنا نادين سكرتيرة مستر أدهم مُدير الشركة ،،هو للأسف حصل عنده مُشكلة في فرع تاني فأضطر أنه يروح يحلها وعشان كدا أنا اللي هابدأ الإجتماع بس قبل أي حاجه حابة أتعرف عليكم ..
قالت تلك الكلمات وعلى وجهها إبتسامة متكلفة وعادت بنظرها إليه ونظرت له نظرة ذات معنى ...
________________
في الصعيـــــــد
كان جالسًا على فراشه ويتصفح هاتفه بيد وسيجارته باليد الأخرى ،،سمع طرقات خفيفه على الباب فأستقام في جلسته ورمى تلك السيجارة على أرضية الغرفة ودعسها بحذائه وتوجه نحو الباب وقبل أن يفتح نظر في المرآه على هيئته وإبتسم بغرور وقام بفتح الباب ....
أشرف عليها من خلف ذلك الباب الخشبي الُمتهالك بإبتسامة واسعة ،،تعرف تلك الإبتسامة جيدًا تلك لذة الانتصار ،،رجع بجسده بعض الخطوات للخلف ليفسح لها الطريق فدلفت هي بخطوات ثابته وجلست على إحدى المقاعد فجذب هو مقعد ووضعه مقابل لها وجلس ...
نظرت له مطولًا وبذرة الخوف تلك التي زُرعت بقلبها بمرور الوقت تنمو كثيرًا في حضوره وضعت كف فوق كف وتنهدت بعدم راحة وقالت بنيرة غليظة عكس الخوف بداخلها الذي بات ظاهرًا جدًا بالنسبة إليه :
_ايه هانفضل ساكتين اكده كتير ،،ورايا مصالح والسرايا فيها جلج ولو اتمسكت هجولهم عليك من جبل اول جلم وفي دجايج تلاجي زين الصيا.......
بترت كلماتها عندما أشار أمام ثغرها بالصمت ورسم على وجهه إبتسامة متكلفة وقال بنبرة لينه تنطوي على خبث دفين:
_مش كل شوية تعكري مزاجنا بالسيرة دي النهارده حققنا اول انتصاراتنا وحطينا رجلينا على اول طريقنا ونجحنا سوا وعشان كدا قررت اجيبلك الهدية البسيطة دي ..
أنهى حديثه واضعًا يده في جيب بنطاله وأخرج من عُلبة قطيفة باللون الأحمر وفتحها أمامها لتظهر قلادة صغيرة بها شكل عشوائي تبدو من الذهب الخالص ...
نظرت لها مطولًا نظرة مبهمة ثم أعادت نظرها إليه مرة أخرى وقالت بنبرة جافه :
_ايه دي
_هدية بمناسبة نجاحنا اقصد نجاحك ...
إستقامت من جلستها وسارت للأمام قليلًا وولته ظهرها وقالت بنبرة مُستنكرة :
_وانا معايزاش هدايا انا مبعملش اكده عشان الفلوس انا بعمل دا عشان ابرد نار جلبي واشفي غليلي منيهم مش عشان ارضيك ولا تچازيني ...
حاول التبرير لها قدر المُستطاع مُتصنعًا الود وهو يقترب منها وقال بصوت هادئ ونبرة حب زائفه :
_يا حبيبتي انا فرحان بس مش اكتر وحبيت افرحك معايا وانتِ متعرفيش يا سمية انت غالية عليا قد ايه عشان كدا هدايتك بالدهب مع ان دهب الدنيا كله ميكفكيش ...
إستدرات لتكون بمواجهته ونظرت داخل عينيه تريد الوصول لتلك البؤرة السوداء بداخل عينيه ،،تأثرت حقًا بتلك الكلمات اللطيفه التي لم تسمع مثلها من قبل بل كانت دائمًا ما تستمع إلى ال
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!