خطوة نحو المجهول
في صباح جديد…
كانت أشعة الشمس بتتسلل من شباك الشقة الصغيرة بهدوء، تنور المكان بنورها الدافئ. في المطبخ كانت أمينة بتحضر الفطار، بينما ريحة الشاي مالية البيت كله. أما هنا فكانت واقفة قدام المراية بتظبط حجابها للمرة التالتة تقريبًا.
رغم إنها كانت بتحاول تبان هادية، لكن التوتر كان واضح في عيونها العسلية اللامعة. بصت لنفسها لحظة. كانت لابسة بلوزة سماوي بسيطة لكنها أنيقة، وبنطلون أسود واسع، وحجاب متناسق معاهم. جمالها كان هادي وراقي، من النوع اللي يخطف الانتباه من غير أي مبالغة، وملامحها الرقيقة كانت بتديها حضور مختلف.
خبط خفيف على الباب.
— هنا… الفطار جاهز يا بنتي.
ابتسمت بخفة وقالت:
— جاية يا ماما.
خرجت من أوضتها واتجهت للسفرة الصغيرة. كان عبدالعظيم قاعد قدام الجرنال وكوباية الشاي، بينما زياد بيأكل بسرعة كعادته.
أول ما شافها رفع حاجبه وقال:
— الله! هو كل ما تلبسي شيك كده لازم نفكرك إننا أهلك؟
ضحكت هنا وهي تقعد مكانها:
— يعني أروح المقابلة ببيجامة يعني؟
انفجر زياد ضاحكًا:
— والله فكرة!
أمينة ضربته بخفة على كتفه:
— اسكت يا ولد.
ثم بصت لهنا بحنان واضح:
— تعالي اقعدي كلي لقمة الأول قبل ما تمشي.
بقلمي/نسرين نادر
جلست هنا وهي تحاول إخفاء توترها، لكن أمينة كانت تعرف ابنتها أكثر من أي شخص.
— لسه خايفة؟
تنهدت هنا وقالت:
— شوية.
— شوية بس؟
ضحك زياد:
— دي من امبارح ماشية في البيت رايح جاي كأنها داخلة امتحان ثانوية عامة.
ابتسم عبدالعظيم وهو يضع الجرنال جانبًا وقال:
— طبيعي تخاف يا زياد. أول خطوة دايمًا بتبقى أصعب خطوة.
ثم التفت إلى هنا وأكمل:
— بصي يا بنتي… متفكريش كتير. إنتِ اجتهدتي واتعلمتي، والباقي على ربنا.
نظرت له هنا بابتسامة صغيرة وقالت:
— إن شاء الله يا بابا.
عبدالعظيم أكمل بهدوء:
— ولو متقبلتيش النهارده متزعليش. الفرص كتير. لكن أنا عندي إحساس إن ربنا مخبيلك خير كبير.
تأثرت هنا بكلامه، وحاولت تخفي دمعة صغيرة لمعت في عينيها.
أمينة لاحظت ذلك فورًا فقالت:
— إوعي تضغطي على نفسك. أهم حاجة صحتك وراحتك.
هنا ابتسمت وهي تمسك يد والدتها:
— متقلقيش يا ماما… أنا كويسة.
في تلك اللحظة رن جرس الباب.
قام زياد يفتح الباب.
وبعد ثوانٍ دخلت نسمة كعادتها بطاقة لا تنتهي.
— صباح الفل على أحلى عيلة في الدنيا!
ضحكت أمينة:
— تعالي يا نسمة.
اقتربت نسمة من هنا، وما إن رأتها حتى شهقت بمبالغة:
— يا نهار أبيض!
هنا ضحكت:
— في إيه؟
— في إيه؟! إنتِ رايحة شغل ولا رايحة تكسبي لقب ملكة جمال الموظفات؟
احمر وجه هنا قليلًا.
— بطلي هبل.
نسمة جلست بجوارها وقالت:
— والله بتكلم جد. إنتِ جميلة جدًا النهارده.
عبدالعظيم ضحك:
— النهارده بس؟
— لا طبعًا يا عمو… دي جميلة على طول.
ضحك الجميع، وشعرت هنا أن التوتر بدأ يختفي قليلًا وسط دفء عائلتها.
بعد حوالي ساعة…بقلمي/نسرين نادر
كانت تقف أمام مبنى شركة الحديدي جروب.
تجمدت خطواتها للحظات.
المبنى كان أضخم بكثير مما تخيلت.
واجهات زجاجية ضخمة تعكس أشعة الشمس، وسيارات فخمة تدخل وتخرج باستمرار، وموظفون يتحركون بسرعة وكأن كل دقيقة في حياتهم محسوبة.
رفعت رأسها للأعلى.
شعرت فجأة أن المبنى أطول من أحلامها نفسها.
لكنها أخذت نفسًا عميقًا وقالت لنفسها:
— يا رب… سهلها.
ثم دخلت.
بمجرد أن عبرت الأبواب الزجاجية شعرت أنها انتقلت إلى عالم آخر.
إضاءة أنيقة، أرضيات لامعة، موظفون بملابس رسمية، وأجواء مختلفة تمامًا عن أي مكان دخلته من قبل.
تقدمت نحو الاستقبال.
ابتسمت لها الموظفة باحترافية:
— أقدر أساعد حضرتك؟
— أنا هنا الشناوي… عندي مقابلة النهارده.
راجعت الموظفة بعض البيانات على الكمبيوتر ثم قالت:
— تمام يا آنسة هنا. اتفضلي اقعدي شوية لحد ما يتم استدعاؤك.
— شكرًا.
جلست هنا في مكان الانتظار وهي تضم حقيبتها إلى صدرها قليلًا.
كانت تراقب المكان حولها بانبهار واضح.
كل شيء هنا منظم.
كل شيء مرتب.
كل شيء مختلف.
وبينما هي تنظر حولها…
كانت هناك في الطابق الأخير حكاية أخرى.
داخل مكتب واسع جدًا يطل على المدينة كلها…
كان آسر الحديدي يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، ينظر إلى الخارج بنظرات ثابتة.
بدلة سوداء أنيقة.
ساعة فاخرة.
وهيبة تجعل أي شخص يفكر مرتين قبل أن يتحدث معه.
وفي المقابل كان يجلس شاب على الأريكة المقابلة وهو يحتسي قهوته بهدوء.
— بقالك عشر دقايق واقف تبص برا.
لم يرد آسر.
فأكمل الشاب ضاحكًا:
— أنا أهو بحاول أفهم إزاي إنسان ممكن يبقى مكشر بالشكل ده طول الوقت.
التفت له آسر أخيرًا.
نظر إليه نظرة باردة جعلت الشاب يضحك أكثر.
— خلاص يا عم… بهزر.
ذلك الشاب كان عمر.
الصديق الأقرب لآسر.
والشخص الوحيد تقريبًا الذي يستطيع التحدث معه بهذه الأريحية.
جلس عمر معتدلًا وقال:
— عندكم مقابلات النهارده صح؟
— نعم.
— وأكيد الموظفين المساكين هيخرجوا منها مصابين نفسيًا.
رفع آسر حاجبًا واحدًا فقط.
— عندك شغل يا عمر؟
ضحك عمر وقال:
— عندي… بس التريقة عليك ممتعة أكتر.
ولأول مرة ظهرت شبه ابتسامة صغيرة جدًا على وجه آسر قبل أن تختفي سريعًا.
في الأسفل…
كانت هنا لا تعلم أن هذا الرجل الذي يدور الحديث عنه الآن…
سيصبح قريبًا جزءًا من حياتها.
وجزءًا من كل اختبار ستواجهه داخل هذا المكان.
وكان القدر…
يجهز لأول لقاء بين عالمين مختلفين تمامًا.
📖 بقلمي/نسرين نادر
جلست هنا في مكانها داخل صالة الانتظار وهي تحاول تهدئة نبضات قلبها المتسارعة. كانت تضم حقيبتها الصغيرة بين يديها وتراقب المكان حولها بصمت. كل شيء هنا مختلف عن عالمها؛ الموظفون يتحركون بسرعة، والهواتف لا تتوقف عن الرنين، والجميع يبدو وكأنه في سباق مع الوقت. أخذت نفسًا عميقًا وهمست لنفسها: “اهدي يا هنا… مجرد مقابلة شغل.”
بعد دقائق اقتربت منها موظفة أنيقة وقالت:
— آنسة هنا الشناوي؟
وقفت هنا بسرعة:
— نعم.
— اتفضلي معايا.
سارت خلفها عبر ممر طويل حتى وصلت إلى غرفة المقابلات. دخلت لتجد ثلاثة أشخاص يجلسون خلف طاولة كبيرة. رحبت بها إحدى السيدات وطلبت منها الجلوس، فجلست وهي تحاول إخفاء توترها.
بدأت الأسئلة تتوالى. سألها أحدهم عن دراستها وتقديرها، ثم سألها:
— ليه عايزة تشتغلي؟
صمتت لحظة قبل أن تجيب بصدق:
— لأني محتاجة أعتمد على نفسي وأساعد أسرتي، وكمان عايزة أثبت لنفسي إني أقدر أتحمل المسؤولية.
تبادلت اللجنة النظرات، ثم سألتها السيدة:
— ولو اتحطيتي تحت ضغط؟
ابتسمت هنا ابتسامة صغيرة وقالت:
— هتوتر أكيد… لكن مش هستسلم.
استمرت المقابلة عدة دقائق أخرى، وبعد انتهاء الأسئلة أغلق الرجل الملف وقال:
— مبروك يا آنسة هنا… تم قبولك.
لثوانٍ لم تستوعب ما سمعته، ثم اتسعت ابتسامتها وهي تقول:
— بجد؟
ضحكت السيدة:
— بجد.
خرجت هنا من الغرفة وقلبها يكاد يطير من السعادة. وما إن وصلت إلى الخارج حتى وجدت نسمة في انتظارها.
— ها؟ طمنيني!
ضحكت هنا وهي تكاد تبكي من الفرحة:
— اتقبلت.
شهقت نسمة بسعادة ثم احتضنتها:
— كنت متأكدة والله إنهم هيختاروكي.
وقبل أن ترد هنا، اقتربت منهما سيدة أنيقة ترتدي بدلة رسمية راقية.
— آنسة هنا؟
التفتت هنا بسرعة:
— نعم.
— أنا مها، ومن النهارده هتكوني تحت إشرافي لحد ما تتعلمي نظام الشغل كله.
صافحتها هنا باحترام:
— تشرفت بحضرتك.
ابتسمت مها وقالت:
— وأنا كمان. يلا بينا.
ودعت هنا نسمة ثم تبعت مها إلى المصعد. طوال الطريق كانت مها تشرح لها نظام الشركة وأهمية الالتزام والدقة في العمل، بينما كانت هنا تستمع باهتمام وتحاول حفظ كل كلمة.
توقف المصعد أخيرًا في أحد الطوابق العليا. وما إن خرجت حتى شعرت أن المكان مختلف تمامًا عن باقي الشركة. هدوء، فخامة، وهيبة واضحة في كل شيء.
نظرت حولها بانبهار فسألت:
— المكان هنا مختلف أوي.
ابتسمت مها وقالت:
— لأن ده طابق الإدارة العليا.
ثم توقفت أمام باب كبير كُتب عليه اسم واحد فقط:
“آسر الحديدي”
شعرت هنا بتوتر مفاجئ وهي تقرأ الاسم. لا تعرف السبب، لكن مجرد الاسم كان يحمل شيئًا من الهيبة.
فتحت مها الباب ودخلت أولًا، ثم أشارت لها:
— اتفضلي.
دخلت هنا ببطء، لتجد رجلًا يجلس خلف مكتب ضخم. بدلة سوداء أنيقة، ملامح قوية، ونظرات حادة جعلتها تشعر بالارتباك فورًا.
رفع آسر عينيه عن الملف الذي أمامه ونظر إليها للحظات قصيرة قبل أن يعود لعمله.
— الموظفة الجديدة؟
— نعم.
— اسمك؟
— هنا الشناوي.
أغلق الملف ببطء ثم رفع نظره إليها مجددًا وقال بصوت هادئ لكنه حازم:
— اسمعي كويس… الغلط هنا ممنوع، والتأخير ممنوع، والشغل لازم يطلع كامل من أول مرة. مفهوم؟
هزت رأسها بسرعة:
— مفهوم.
ظل ينظر إليها لثوانٍ ثم قال:
— نشوف.
شعرت هنا أن مجرد الحديث معه يضعها تحت ضغط غريب، لكن قبل أن تقول أي شيء فُتح الباب فجأة دون استئذان.
دخلت فتاة شديدة الأناقة بثقة واضحة وكأنها صاحبة المكان. تجاهلت الجميع تقريبًا واتجهت مباشرة نحو المكتب.
— صباح الخير يا آسر.
رفع آسر عينيه إليها وقال ببرود:
— آيتن.
التفتت آيتن أخيرًا ناحية هنا، ونظرت إليها من أعلى لأسفل بنظرة لم تعجبها أبدًا، ثم سألت بحدة:
— دي مين؟
ساد الصمت داخل المكتب للحظات، بينما شعرت هنا أن أول يوم لها في الشركة لن يمر بهدوء كما كانت تتمنى
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!