تحميل رواية «بين الردي والهدي» PDF
بقلم نوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ي "الله أكبر.. الله أكبر" الفجر يا ليلى - صاحية يا بابا وهصلي اهو متقلقش كنت واقفة في شباك اوضتي اللي مبقتش افارقه كل ليلة، غمضت عيني بقهر وأنا ساندة جبيني على خشب الشباك البارد وبسمع الأذان، الصوت ده مش صوته، مش دة الصوت اللي كان بيصحيني من أحلى نومة ويطمن قلبي كان الإمام، صوته كان بيهز جدران البيوت بخشوع ويرجعنا لربنا بكلمة واحدة، دلوقتي في إمام تاني وصوت تاني، ومكانه في المحراب بقى فاضي زي مكانه في حياتي اتنهدت وأنا بفتكر زمان لما كنت اشوفه نازل قبل كل صلاة بشوية يفتح المسجد ويقعد فيه عقبال م...
رواية بين الردي والهدي الفصل الأول 1 - بقلم نوري
ي
"الله أكبر.. الله أكبر"
الفجر يا ليلى
- صاحية يا بابا وهصلي اهو متقلقش
كنت واقفة في شباك اوضتي اللي مبقتش افارقه كل ليلة، غمضت عيني بقهر وأنا ساندة جبيني على خشب الشباك البارد وبسمع الأذان، الصوت ده مش صوته، مش دة الصوت اللي كان بيصحيني من أحلى نومة ويطمن قلبي
كان الإمام، صوته كان بيهز جدران البيوت بخشوع ويرجعنا لربنا بكلمة واحدة، دلوقتي في إمام تاني وصوت تاني، ومكانه في المحراب بقى فاضي زي مكانه في حياتي
اتنهدت وأنا بفتكر زمان لما كنت اشوفه نازل قبل كل صلاة بشوية يفتح المسجد ويقعد فيه عقبال ميعاد الأذان، و لما كان بيقرأ القرآن وصوته يخليني أعيط من كتر الجمال، كان سيف بجد، سيف بيقطع طريق الشيطان .. بس الشيطان المرة دي كان أشطر منه وغلبه
فتحت عيني براحة وبصيت على أول الحارة، قلبي بدأ يدق دقات تقيلة ومؤلمة لما ظهر خياله من بعيد تحت نور العواميد الضعيف
كان جاي بيتطوح بيميل يمين ويسند بشماله على الحيطان، لسة عينيه بتبص للأرض زي زمان، بس المرة دي مش غض بصر، المرة دي خزي من نفسه وخجل أن حد يشوفه بالمنظر دة، هدومه مبهدلة وراسه مدلدلة في الأرض من جبال من الذنوب فوق كتافه
كل يوم نفس المشهد، وكل يوم قلبي بيموت ألف مرة، شوفته وهو بيوصل لباب العمارة، سند بإيده على الباب وهو بيحاول يفتحه ومش عارف
نزلت دمعة من عيني وانا شايفاه بالمنظر دة، دخل العمارة واختفى وأنا قفلت الشباك بسرعة وحبست نفسي جوا الأوضة كأني بقفل على جرحي عشان محدش يشوفه
دخلت الحمام اتوضى للصلاة، الماية كانت بتنزل على وشي باردة بتهديد سخونته، طب وقلبي اللي بيغلي من جوا؟
اتوضيت وأنا بستغفر بكل ذرة فيا وخرجت فرشت السجادة في ركني الهادي، كبرت وبدأت صلاة لما سمعت الإقامة، وفي لحظة اول سجدة لقيت نفسي بنهار، دفنت وشي في السجادة وبقيت أبكي بحرقة وصوت مكتوم، دموع كل ليلة اللي مبتخلصش ودعواتي اللي بقت ملازماني في كل صلاة
- يا رب .. يا رب ماليش غيرك، رده ليك يا رب، اهدي قلبه ونور بصيرته، سيف تاه وأنت الهادي .. يا رب ماتسيبهوش لنفسه ولا للشيطان، أنا قلبي واجعني عليه أوي يا رب .. اهديه عشان خاطري، واغفر له ورجعه لطريقك تاني
فضلت أصلي وأدعي وأنا مش شايفة من دموعي، وكأن كل سجدة هي طوق نجاة بحاول أرميهوله وهو غرقان في بحر ملوش آخر
فتحت باب الشقة أخيراً بعد معاناة، زقيته براحة لكن صوته كان في ودني زي صرخة عتاب، الشقة كانت ضلمة، بس ضلمة قلبي كانت أشد، قلعت جزمتي عند الباب عشان مطلعش صوت وبدأت أمشي على طراطيف صوابعي في الصالة اللي حافظ كل شبر فيها .. الصالة اللي ياما شهدت عليا وانا قايم اتوضى في عز البرد عشان انزل افتح المسجد
دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا بشويش، سندت راسي عليه وأنا بنهج نهجان واحد طالع من معركة خسران فيها كل حاجة، ريحة السهر والشرب كانت خانقة روحي قبل مناخيري، رميت نفسي على السرير بهدومي وبصيت للسقف، الأوضة كانت بتلف بيا، وصوت أذان الفجر اللي جاي من برا كان بيقطع في قلبي زي السكاكين
" الصلاة خير من النوم "
غمضت عيني وعصرتها بقوة، الجملة دي كانت بتدوي في ودني، مش مجرد نداء للصلاة، دي كانت كأنها بتقولي
فوق يا سيف .. فوق من الغفلة اللي إنت فيها
جسمي كله اتنفض وحسيت برغبة مرعبة إني أقوم، إني أرمي الهدوم دي عني وأغسل وشي وأجري على الجامع .. إني أرجع انا
لكن رجلي كانت تقيلة وكأن الشيطان رابطني بسلاسل في السرير، مكنتش قادر أتحرك، كنت واقف في نص الطريق، لا عارف ألبس توبي القديم وأصلي، ولا عارف أنام وأنسى القرف اللي أنا فيه
حسيت بكسرة ونغزة في صدري لما افتكرت كل حاجة ضاعت مني، وأهمهم كانت هي، ليلى .. أنا لسه بحبها، بحبها لدرجة إني مش طايق نفسي عشان مش عارف أكون سيف اللي هي حبته واختارته بأرادتها، حاولت أقوم، حاولت أفك الزرار اللي خانقني، بس مكنتش قادر أواجه نفسي في المرايا، أنا تايه، تايه في بحر ملوش آخر، كل ما أحاول ألمس شط التوبة، الموج بيسحبني تاني للقاع
خبيت وشي بين إيديا وبدأت دموعي تنزل، دموع ضعف، دموع واحد عارف إنه بيضيع ومش عارف يفرمل، فضلت على الحال دة لحد ما نمت مكاني بكسرتي، وصوت الإقامة كان آخر حاجة سمعتها قبل ما أغرق في نوم يشبه الموت
كنت لسة قاعدة على السجادة ودموعي على خدي، مش عايزة الكل ادعي ليه، مش عايزة ثانية تفوت من غير ما تكون بدعيله بالهداية، غمضت عيني عشان اخشع في الدعاء، بس عقلي سافر بيا لبعيد، للسنين اللي فاتت اللي كانت فيها كل حاجة صافية زي وقت الفجر
شوفتنا وإحنا لسه عيال صغيرة، سيف الولد اللي شعره دايماً متهندم وهدومه نضيفة، وأنا البنت اللي بتستخبى ورا ضهر أمها أول ما يدخلوا عندنا، أهالينا مكنوش مجرد جيران، كانوا عيلة واحدة بجد، طنط كريمة والدة سيف هي اللي مربياني، وأمي كانت بتعتبر سيف ابنها اللي مخلفتهوش، كنا بنلعب مع بعض على طول وكنا قريبين من بعض بحكم أننا في بيت ومدرسة واحدة، حتى الدروس كنا بناخدها سوا، لحد ما كبرنا و دخلنا اعدادي واتفصلنا عن بعض، ساعتها بابا قعد معايا وفهمني إن مينفعش نكون سوا خلاص عشان حرام وعشان كبرنا، ومبقيناش نشوف بعض غير في وجود اهلنا في أي مناسبة ونكتفي بالسلام وبس
وكبرنا ومشاعرنا تجاه بعض كبرت معانا، دقة قلبي تجاه سيف مكنتش وليدة لحظة ولا موقف واحد، دي كانت نتيجة سنين من العشرة والمواقف اللي بتتحفر في الروح، حبيته لإني شوفته بيكبر قدام عيني وهو مالي مكانه، شوفت فيه الرجل اللي بجد وهو لسه في أول شبابه، حبيته وأنا شايفة احترامه لأمي وأبويا، وغض بصره عني وعن بنات الحارة، حبيته لما كنت بسمع صوته وهو بيود جارنا الكبير في السن كل يوم بعد ما عياله سافروا وسابوه لوحده بين أربع حيطان، ولما كنت بشوفه واقف مع بابا برجولة تسبق سنه بكتير في أي أزمة كانت تحصلنا، وشيله لمسؤولية بيتهم بعد وفاة باباه، أخلاقه كانت هي اللي بتشدني، هدوء نفسه والتزامه اللي مكنش مجرد مظاهر، دي كانت فطرة واضحة في كل كلمة بيقولها وكل حركة بيعملها، كان بالنسبالي الأمان بعد ربنا سبحانه وتعالى وبابا، الشخص اللي لو الدنيا كلها مالت، هو هيفضل ثابت على مبادئه، مكنتش اتخيل إنه ممكن يبادلني الحب دة، لكن اتفاجأت في يوم ب بابا بيقولي إنه اتقدملي وطالب ايدي للجواز، ساعتها مكنتش مصدقة، معقول سيف يطلب ايدي، يعني هو عايزني؟بيحبني زي ما بحبه؟ ازاي ومكنش باين عليه؟ أول ما بابا سألني عن رأيي اتكسفت وابتسمت ف فهم على طول، قالي إنه مش هيلاقي انسب منه يآمن عليا معاه وأنه مبسوط إن ربنا رزقني بحد زي سيف، بلغه بالموافقة وبعد اسبوع كانوا عندنا هو وأمته وادهم اخوه الصغير، قرينا الفاتحة وأمهاتنا زغرطوا واتفق هو و بابا بعد موافقتي على خطوبة عائلية بسيطة من غير دوشة واغاني لكن هتتأجل شوية لحد ما يظبط حاله في الشغل الجديد وبالكتير شهر ونكون مخطوبين، لكن للأسف .. شهر جر التاني واتغير سيف تماماً ومبقاش زي الأول، ساب المسجد وصلواته وانتكس في كل العبادات واتجه لطريق بيغضب ربنا في كل خطوة بيمشيها فيه، بابا اداله فرص كتير وحاول يرجعه عن الطريق دة، لحد ما شافه في مرة راجع سكران، تاني يوم نهى موضوع الجواز وبلغه ومنع الكلام فيه تاني نهائي حتى معايا رغم محاولاتي المستميتة إننا نديله فرصة تانية، ومن ساعتها والحال زي ما هو متغيرش
فتحت عيني وبصيت لسجادتي اللي كانت لسه مبلولة بدموعي، كل يوم نفس القعدة ونفس الدعوات والذكريات، لا قدرت انساها .. ولا حتى انساه
الشمس كانت بدأت تدخل المطبخ، بس النور اللي مالي المكان كان غريب على قلبي المطفي، كنت واقفة قدام الرخامة بقطع الخضار بإيد مرتعشة وصوت السكينة وهي بتخبط في الخشب كان الصوت الوحيد اللي مسموع، عيني كانت تقيلة، والجفون وارمة من قلة النوم ودموع الفجر، وكأن كل دمعة نزلت سابت أثر تحت عيني
ماما كانت واقفة جنبي بتعمل الشاي، كنت حاسة بنظراتها وهي بتراقبني في صمت، ماما من النوع اللي بيفهم من غير ما يسأل، والوجع اللي في وشي كان واضح لدرجة إنها مكنتش محتاجة تسألني عن حالي، فضلت ساكتة كأنها خايفة إن كلامها يكون القشة اللي تقطم ضهري، لكن بعد شوية قطعت هي الصمت بصوت هادي وقالت
ابوكي سألني النهاردة الصبح يا ليلى، مستني ردك على العريس اللي جيه الأسبوع اللي فات
إيدي وقفت بالسكينة، بصيت للفراغ اللي قدامي وشريط الذكريات مرة للمرة المليون قصاد عيني، غمضت عيني لحظة ورجعت كملت تقطيع وقولت بصوت حاولت أخليه ثابت
- أنا قولت قراري يا ماما .. ومظنش إنه هيتغير
سابت اللي في إيدها وقربت مني خطوة وقالت بحنان مختلط بقلة حيلة
يا حبيبتي، أبوكي عايزك بس تدي لنفسك فرصة، قابليه، اقعدي معاه، مش يمكن قلبك يتفتح؟ ده شاب كويس وشاريكي
رفعت راسي وبصتلها
- مش عايزة يا ماما، مش عايزة أقابل حد ولا عايزة أفتح باب اتقفل بالضبة والمفتاح
مقدرتش تسكت أكتر من كده، سابت المعلقة من إيدها وقالت بحدة
وآخرتها إيه يا ليلى؟ هتفضلي مستنية لحد إمتى؟ العمر بيجري بينا، و اللي إنتي حابسة نفسك عشانه غرقان في دنيته ومش حاسس بيكي، هتضيعي شبابك على وهم؟
سيبت السكينة خالص، وبصتلها وقولت
- هستناه لحد ما يرجع لطريق الهداية من تاني، لحد ما يرجع سيف اللي عرفناه
ضربت كف بكف وقالت بحرقة
وافرضي مرجعش؟ افرضي الطريق اللي مشي فيه ده ملهوش رجعة؟ هتفضلي جنبه وهو بيضيع؟
أخدت الطبق في إيدي واتحركت ناحية باب المطبخ وقبل ما أخرج التفتلها وقولت بابتسامة باهتة بس كلها يقين
- هيرجع يا ماما .. أنا واثقة في ربنا، واللي ربنا هداه مرة، مش هيسيبه للشيطان للأبد، سيف راجع، وأنا هكون واقفة في مكاني مستنياه
خرجت وسيبتها واقفة في مكانها مذهولة من قوة قلبي اللي بيتحطم كل يوم الفجر بس بيقوم تاني الصبح وهو ماسك في أمله في ربنا
في شقة سيف، كان السكون له صوت يشبه الأنين، الشمس كانت داخلة من الشباك وريحة النعناع والريحان اللي في البلكونة مالية المكان، كريمة كانت قاعدة على ترابيزة السفرة الصغيرة، قدامها اطباق الفطار ورغيف عيش مقطوع منه حتة صغيرة، وكأن نفسها اتسدت من قبل ما تبدأ
بصت لأدهم اللي كان قاعد قدامها بياكل بهدوء، قطعت الصمت وقالت
صحيت أخوك؟
رفع عينه يبصلها واتنهد وقال
حاولت يا أمي، حاولت كتير بس هو مش عايز يصحى خالص، مش بيرد عليا أصلاً
سكتت لحظة وإيدها بدأت تترعش وهي بتمسك كوباية الشاي، وكأن السؤال اللي جاي خايفة من إجابته، لكنها سألته بهمس
وهو .. هو حالته عاملة إزاي النهاردة؟
مرفعش عينه المرة دي، فضل باصص للطبق اللي قدامه بخزي وكأنه هو اللي عامل الجرم مش أخوه، سكت كتير، والصمت في اللحظة دي كان أبلغ من مية كلمة، كان بيفتكر شكل سيف وهو نايم بهدومه، وريحة الأوضة اللي كلها سُكر، ومنظر اللي كان قدوته وهو بالحالة دي، ساب المعلقة من إيده وقال
زي كل يوم، مفيش حاجة اتغيرت، بالعكس الحال بيبقى أسوأ
فهمت الإجابة من غير ما يكمل، نزلت راسها ودمعة سخنة شقت طريقها على تجاعيد وشها اللي رسمها الحزن، مكنتش قادرة تنطق، مكنتش قادرة توصف الوجع اللي بياكل في قلبها وهي شايفه ابنها الكبير، بكرها، والراجل اللي كانت بتتسند عليه وهو بيضيع منها وبيرمي نفسه في النار بإيده
غمضت عينيها وبدأت شفايفها تتحرك بحركة خفيفة، كانت بتدعي في سرها، دعاء الأم اللي ملهوش ساتر بينه وبين ربنا
يا رب .. يا هادي الضالين اهديه، يا رداد الغيب رد لي ابني رداً جميلاً .. يا رب مش قادرة أشوفه كده
قام ادهم من على الأكل وهو بيبصلها بقلة حيلة، سابها مع دموعها ودعائها وخرج عشان يلحق درسه وهو بيحاول ينسى منظر اخوه
فتحت قفل المحل اللي بشتغل فيه، صوت الباب الحديد وهو بيترفع لفوق عمل صرخة في هدوء الشارع، أول ما دخلت، استقبلتني ريحة الورد، حطيت حاجتي وبدأت أرش المية عليه ببطء، لمست الورق الناعم بإيدي وأنا شاردة وكأني بسأل الورد
- انت كمان بتدبل لما اللي بيحبك يغيب؟
شيلت الدبلان منه ورميته وقعدت أرص شوية في الفازات الكبيرة، لحد ما باب المحل اتفتح ودخلت طنط نرجس صاحبة المحل اللي اسمها كان لايق عليها أوي، ست في قمة الرقة والحنان، بتعتبرني بنتها مش مجرد واحدة شغالة معاها
صباح الفل والياسمين على أحلى وردة في المحل
قالتها بابتسامتها المعهودة وهي بتبوسني من خدي ف رديت بابتسامة باهتة مقدرتش اجملها
- صباح الخير يا طنط
قعدنا سوا، هي مسكت المقص وبدأت تهندم عيدان الورد، وأنا قعدت قدامها بجهز شرايط الستان، كنت بحاول اتكلم واضحك، بس عيني كانت دايمًا بتخوني وتروح للفراغ، سابت المقص من إيدها وبتصلي وقالت بهدوء
مالك يا ليلى؟ مش حساكي كويسة
حاولت أهرب بعيني وقولت
- لا كويسة الحمد لله
مسكت إيدي وقالت
إحنا بنخبي على بعض برضو؟ قوليلي اية اللي حصل
اتنهدت تنهيدة طويلة كأني كنت مستنية حد يسألني عشان أطلع اللي جوايا
- بابا جايبلي عريس، شاب شغال معاه في الشركة، وضاغط عليا أوي المرة دي وعايزني أفكر بجد
هزت راسها بأسى وقالت
وطبعاً إنتي رافضة كالعادة، صح؟
هزيت راسي وأنا حاسة بدموعي على وشك النزول، بصتلي بقلة حيلة وقالت
وبعدين يا ليلى؟ وآخرتها يا بنتي؟ هتفضلي قافلة على نفسك لغاية إمتى؟
بصتلها وقولت
- لحد ما سيف يرجع يا طنط، لحد ما يرجع سيف اللي أنا عارفاه
يا حبيبتي بقالك سنين على الحال ده، والجدع كل مادا بيغرق أكتر، افرضي مرجعش؟ هتضيعي عمرك في انتظار سراب؟
رجعت ابص للشرايط اللي في إيدي وقولت بجمود مغلف بالوجع
- يبقى خليني زي ما أنا أحسن، لو سيف مرجعش يبقى مفيش حد تاني يستاهل إني أفتحله باب قلبي
في اللحظة دي، دخلت بنت، مسحت عيني بسرعة ورسمت ابتسامة مزيفة
- اهلاً بيكي، أقدر اساعدك ازاي
قومت أشوفها محتاجة إيه وأنا حاسة بنظرات طنط نرجس ورا ضهري، عارفة انها بتبصلي بقلة حيلة دلوقتي و عينيها اكيد مليانة شفقة على حالي، وكأنها شايفة وردة بتدبل بإرادتها عشان خاطر غصن اتكسر ومبقاش فيه روح
فتحت عيني بعد ما سمعت الميكرفون اللي مع الراجل بتاع الروبابيكيا، حسيت بالدنيا بتلف بيا خفيف و صداع رهيب في دماغي كأن في شاكوش بيخبط في نفوخي من جوا، والريحة .. ريحة الشرب كانت لسه لازقة في هدومي ومنفراني من نفسي
قومت قعدت على السرير بالعافية وانا ساند راسي بين إيديا وبحاول أجمع، بصيت للشباك لقيت خيوط الشمس قوية وحامية، بصيت للساعة اللي كانت لسة في ايدي لقيتها بعد الضهر، قلبي وقع في رجلي، ميعاد الشغل فات و ضاع منه نص اليوم
قومت مفزوع والدوخة خلتني أطوح وأنا خارج من الأوضة، شوفت أمي قاعدة في الصالة في ركنها اللي مابتغيروش، قدامها قماشة وبتبتكر فيها أشكال بالخياطة، وقفت قدامها وقولت
* مصحيتنيش ليه يا أمي؟ الشغل ميعاده عدى
مرفعتش عينها ولا وقفت اللي بتعمله وقالت
وده على أساس إنك كنت هتصحى؟ ولا إنك كنت فايق أصلاً عشان تسمعني لو ناديت؟
سكت، الجملة لجمت لساني، حاولت أداري خيبتي في نبرة حادة وقولت
* كنتي صحيني وخلاص يا أمي، كنتي خبطتي حتى على الباب
ركنت القماشة على جنب وبصتلي بنظرة خالية من أي مشاعر وقالت
قولتهالك كذا مرة يا سيف وهقولهالك تاني، أنا مليش دعوة بيك ولا هرضى عنك ولا هعرفك طول ما إنت ماشي في السكة دي
حسيت بنار قادت في صدري، لكن مقدرتش ارد عليها ولا اجادلها، إذا كنت أنا مش راضي عن نفسي يبقى هرد اقول اية، دخلت أوضتي ورزعت الباب ورايا بكل قوتي كأني عايز أهد البيت على اللي فيه، كنت محتاج أطلع غلي في أي حاجة، مديت إيدي وهبدت أول حاجة قابلتني على المكتب و وقعت على الأرض وعملت صوت كسر خفيف، نزلت عيني واتجمدت مكاني .. كان برواز شهادة حفظي للقرآن
نزلت على الأرض ببطء وكأن رجلي مبقتش شيلاني، مسكته بإيد مرتعشة وانا ببص لأسمي المكتوب بخط عريض
سيف عز الدين .. لإتمامه حفظ كتاب الله
شريط ذكريات هجم عليا و وجعني أوي، افتكرت اليوم ده، فرحة أبويا الله يرحمه اللي كانت دموعه بتسبق ضحكته، والناس اللي كانت بتهنيه هو وأمي، حسيت بحسرة كبيرة، سيف اللي في الشهادة ده غريب عني، ده واحد طاهر، لكن النسخة اللي قاعدة دلوقتي على الأرض دي مسخ منه
سيبته على المكتب بإهمال وأنا بحاول اقنع نفسي إني مش مهتم، رجعت رميت نفسي على السرير و غطيت وشي بالملاية عشان أهرب من نور الشمس، ومن عين أمي، ومن اسمي اللي في الشهادة، نمت وأنا بهمس لنفسي اني بكرة هبقى أحسن وأنا عارف إني بضحك على نفسي
في مكتب محاسبة، كان مصطفى قاعد ورا مكتبه الصغير، لابس النضارة وإيده ماسكة قلم بيراجع بيه ورق قدامه، كان مندمج لدرجة إنه مسمعش خبط الباب في الأول، رفع راسه لما اتفتح ودخل يحيى قدامه
يحيى الشاب اللي شغال تحت إيده، محاسب شاطر، لبسه مهندم، وملامحه فيها طموح وهدوء، الشخص اللي أي أب يتمناه لبنته، والنسخة اللي مصطفى كان شايفها زمان في سيف قبل ما يتبدل حاله
مساء الخير يا استاذ مصطفى .. آسف لو جيت في وقت مش مناسب
قالها وهو واقف بأرتباك قدام المكتب، قلع مصطفى نضارته و فرك عينيه بتعب وشاورله يقعد
تعالى يا يحيى اتفضل، في حاجة في الشغل ولا إيه؟
قعد و كان باين عليه التردد وفضل يفرك إيده في بعضها شوية قبل ما ينطق باللي شاغل باله
لا يا فندم الشغل تمام، أنا بس كنت حابب أسأل .. يعني بخصوص الموضوع اللي فاتحت حضرتك فيه، بخصوص الآنسة ليلى، هل في جديد؟
سكت مصطفى لحظة واتنهد تنهيدة طويلة شايلة جبل من الحزن اللي بيخبيه عن بنته ومراته، مكنش قادر يقول ليحيى إن بنته لسه عايشة على أطلال واحد ضاع، ولا قادر يقوله إن قلبه بيتقطع وهو شايفها بتدبل قدامه، سند ضهره على الكرسي وبصله وقال
بص يا يحيى .. إنت شاب مفيش منك اتنين، وأنا يشرفني إنك تكون فرد من عيلتي، وإنت عارف معزتك عندي قد إيه
سكت شوية ورجع كمل وصوته فيه نبرة تعب واضحة
بس الحقيقة .. في ظروف في البيت دلوقتي، ظروف خاصة شوية منعاني إني أفتح الموضوع مع ليلى بشكل جدي، ليلى بنتي بتمر بفترة صعبة، وأنا مش عايز أضغط عليها في وقت هي فيه مشوشة
يحيى ملامحه اتغيرت، كانت قلق وتفهم في نفس الوقت
أنا مقدر جداً، بس هي الآنسة ليلى بخير؟ في حاجة أقدر أساعد فيها؟
هز مصطفى راسه بابتسامة حزينة وقال
بخير يا ابني .. هي بس محتاجة وقت، ف أستنى عليا شوية، متستعجلش الرد دلوقتي، سيب الأمور تهدى وإن شاء الله يكون فيه نصيب
قام وبص لمصطفى باحترام
اللي تشوفه حضرتك، أنا مستني، ومستعد أستنى العمر كله لو لزم الأمر، عن إذنك
خرج وقفل الباب وراه براحة وساب مصطفى لوحده في المكتب، ساب القلم من إيده وبص لصورتها اللي محطوطة قدامه على المكتب .. غمض عينيه وقال بهمس محروق
يا ريتك يا بنتي تشوفي اللي أنا شايفه، سايبة واحد متمسك بيكي من مرة واحدة بس شافك فيها، ومتمسكة بواحد تايه مش عايز يشوف طريق الرجوع
رجع لبس نضارته وحاول يغرق نفسه في الورق تاني، بس عقله كان في الحارة، وفي بنته اللي واقفة في الشباك مستنية إمام مبقاش موجود
رواية بين الردي والهدي الفصل الثاني 2 - بقلم نوري
الشمس لمت خيوطها والليل حل على المكان بضلمته، الشارع صوته هدي لكن قلبي لا، كنت واقفة بشيل الفازات الفاضية من برا وبمسح إيديا من آثار المية والطينة بتاعة الجنينة الخلفية اللي زارعين فيها، الحزن اللي كان مالي وشي الصبح بدأ يهدأ شوية تحت تأثير الهدوء اللي في المحل، طنط نرجس كانت جوا بتراجع الحسابات في الدفتر، دخلت قعدت قدامها على الكرسي وسكت، رفعت عينيها ليا بعد ثواني وقالت
عايزة تقولي حاجة مش كدة
ضحكت وقولت
- بصراحة اة
عنينا يا ست ليلى، قوليلي
- تسلميلي، ينفع استأذن الكام ساعة دول
اكيد طبعاً، بس قوليلي رايحة فين كدة
ضحكت على فضولها وقولت
- رايحة انا وماما نشتري شوية حاجات لرمضان، إنتي عارفة بقا الزحمة والطلبات اللي مبتخلصش، واصلا متبقاش إلا كام يوم ويهل علينا، كل سنة وانتي طيبة
وانتي طيبة يا حبيبتي، ربنا يبلغنا رمضان وإحنا في أحسن حال يا رب، طب قوليلي، محتاجة فلوس قبل ما تمشي
- لا تسلميلي معايا
بجد؟
- بجد والله معايا
عموماً انا يومين كدة وهقبضك بدري متقلقيش
- خيرك سابق يا رورو، يلا عن اذنك بقا
توصلي بالسلامة يا حبيبتي، متنسيش دعاء السوق بقا
وقفت وانا بلبس شنطتي واستغربت، هزيت راسي بالنفي وقولت
- هو في دعاء مخصوص للسوق؟
بصتلي وهي بتبتسم وقالت
أيوا طبعاً، بصي يا ستي، الرسول ﷺ قال: (من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.. كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة)
بصتلها بذهول وقعدت قدامها من تاني وانا بقول
- ألف ألف حسنة؟ يعني مليون حسنة؟ والدرجات دي كلها لمجرد كلمة بتتقال في وسط الزحمة؟
كملت وقالت
ايوا، عارفة ليه؟ لأن السوق ده مكان الغفلة، الناس كلها فيه مشغولة بالفلوس والبيع والشرا والكل عمال يحسب هياخد إيه ويدفع كام، ف لما إنتي تدخلي في وسط كل ده وتفتكري ربنا وتوحديه بقلب حاضر أجرك بيبقى عظيم لأنك ذكرتي ربنا في مكان الناس فيه ناسية ذكره، إنتي بتجددي إيمانك في وسط الضوضاء
- بس احنا مش رايحين السوق، دة سوبر ماركت كبير
هي هي نفس الفكرة، مهو يعتبر سوق برضو وفيه كل حاجة لكن افرنجي شوية
ابتسمت وحسيت إن فيه طاقة إيجابية دخلت قلبي
- أول مرة أعرف التفاصيل دي، تخيلي بنضيع حسنات قد إيه وإحنا ماشيين بنلف بين المحلات وبس
طبطبت على ايدي وهي بتضحك
أهو إديكي عرفتي، يعني وأنتي بتشتري لسانك ميبطلش ذكر عشان تروحي البيت مش بس بشنط مليانة طلبات، لا وكمان بمليون حسنة إن شاء الله
ضحكت وقولت
- حاضر يا ست الكل، ربنا يبارك لك يا طنط، كلامك دايماً بيطمن قلبي
بصتلي بحب وقالت
ربنا يريح قلبك يا ليلى دايماً
- امين، يلا عايزة حاجة
لا يا حبيبتي مع السلامة
مشيت وانا بردد الدعاء في سري عشان منساهوش، وكأني بستعد لرمضان بقلب جديد بيحاول يتلمس النور وسط الضلمة اللي محوطاه
كنت لسة قاعد في أوضتي متحركتش من مكاني، باصص للسقف وساكت، بسمع كل أذان ومبتحركش، غرقان في ذنوبي ومش بقاومها حتى، الاوضة كانت ضلمة وكئيبة والنور الوحيد كان جاي من شاشة تليفوني اللي نورت فجأة، بصيت للاسم وكان لواحد من الشلة اللي عرفتها قريب.. وليد، قلبي انقبض بس إيدي اتمدت للتليفون كأنها متبرمجة
* ايوا يا وليد
اية يا عم إنت لسه نايم ولا إيه؟ فوق كدة، في مكان جديد لسه فاتح والقعدة النهاردة هتكون حكاية، سهرة العمر يا سيف، لازم تيجي
سكت لحظة، كنت سامع في ودني صدى صوت الأذان، وصورة برواز الشهادة المكسور لسه محفورة في خيالي، كنت عايز أقوله لا، إني تعبان ومخنوق، بس نفسي كانت اقوى
* ماشي يا وليد، ساعة وهكون عندكم
قفلت معاه وقومت وأنا حاسس إني بسحب جثة، وقفت قدام المرايا وبصيت لنفسي بأستحقار، بقا أذان يوم كامل ميقومنيش ومكالمة واحدة من وليد هي اللي تقومني؟ لا وكمان رايح اغضب ربنا وانا عارف ومكمل، مشيت من قدامها عشان مشوفش نفسي قذر اكتر من كدة وغيرت هدومي وخرجت للصالة
أمي كانت قاعدة قدام التليفزيون، النور الضعيف بتاع الشاشة كان عاكس على وشها اللي ملامحه مبقتش تتفسر، وقفت بعيد عنها بشوية مستني منها تبصلي، تشتمني، تقولي رايح فين أو حتى تمنعني، بس هي فضلت بصة للشاشة وكأني هوا، قربت منها وقولت بتردد
* أنا .. أنا خارج يا أمي
قولتها بصوت واطي مستني رد، مستني اي حركة منها، لكن مفيش، كأنها أخدت قرار إنها تمحي وجودي من حياتها لحد ما أرجع عن اللي انا فيه، اتنهدت بضيق وحسيت بوجع في صدري، لفيت ضهري عشان أخرج من الشقة وأول ما فتحت الباب لقيت ادهم في وشي، وشه فيه نور غريب، نور كان في وشي أنا زمان، بصيتله وقولت
* كنت فين يا أدهم
سألته بنبرة كنت بحاول اظهر فيها الأخ الكبير، بس كان صوتي طالع مهزوز ومفهوش أي هيبة، بصلي بهدوء وقال
كنت في المسجد بحضر درس دين بعد العشاء
المسجد .. الكلمة اللي بقت تقيلة على ودني، هزيت راسي وقولت بأرتباك
* طيب .. كويس
حاولت اعدي من جمبه عشان أخرج لكن فضل واقف مكانه، بص لهدومي وشم ريحة البرفان وسألني بصوت فيه خيبة أمل واضحة
إنت خارج؟
بصتله وقلت بحدة بداري بيها كسفتي منه
* أيوا خارج .. في حاجة؟
فضل باصص في عيني لثواني، ثواني كانت أطول من سنين، شوفت في عينيه إنه فاهم أنا رايح فين وفاهم مين اللي مستنيني، وفاهم إن أخوه الكبير اللي كان بيحذره من النار، رايح يرمي نفسه فيها بأيديه، منطقش ولا كلمة تانية، هز راسه بأسى وسحب نفسه ودخل أوضته وقفل الباب وراه من غير ما يلتفت، وقفت أنا لوحدي قدام باب الشقة المفتوح، بين أمي اللي مش شايفة وجودي، وأخويا اللي بقيت صغير في نظره، سحبت نفسي وخرجت وأنا حاسس إن السلسلة اللي سحباني لوليد وصحابه بتخنقني أكتر مع كل خطوة
رجعت ليلى من المحل وهي شايلة تعب اليوم كله فوق كتافها، أول ما قربت من البيت طلعت تليفونها وكلمت مامتها
- أيوا يا ماما، أنا تحت البيت أهو، انزلي يلا عشان نلحق قبل ما الزحمة تزيد
وصلها صوت فاطمة من الناحية التانية فيه كركبة وحركة
معلش يا ليلى اطلعيلي، في شنط تقيلة محتاجة تتشال عايزين نوديها لخالتك عبلة الأول
- حاضر يا ماما
اتنهدت بتعب وحطت التليفون في الشنطة وبدأت تطلع السلم بخطوات بطيئة وهي بتعمل بسنة الرسول ﷺ وبتكبر، وفي نص السلم، وعند الدور اللي فيه شقته بالتحديد .. وقف الزمن وشافته وهو نازل قصادها
في اللحظة دي، الهواء اتسحب من المكان، عيونهم اتقابلت في نظرة خلت كل واحد فيهم يتسمر مكانه، عيونها كان فيها شوق، شوق البنت اللي لسه شايفة فيه إمامها وحبيبها، وعيونه كان فيها لهفة الغريق اللي شاف طوق نجاة قدامه بس مش قادر يلمسه
فضلوا باصين لبعض ثواني، الثواني كان فيها كلام عجزت الألسنة عن نطقه، لكن العيون كانت كفيلة توصله، وقفت قصاده وهي بتعاتبه بنظراتها، وكأنها بتقوله
ليه عملت فينا كدة؟
أما نظراته، ف كانت كفيلة توصلها أنه لسة بيحبها، فضلوا واقفين محدش فيهم عايز يتحرك ويحرم عينه من شوفة التاني، لكن فجأة، نزلت عينها على هدومه، شافت هندمته المبالغ فيها وريحة البرفان النفاذة اللي سبقت وجوده، وفي ثانية اتحول الشوق في عينيها لخيبة أمل مُرة، عرفت إنه خارج لأصحابه، خارج للسكة اللي سحلته في التراب وبعدتهم عن بعض، غضت بصرها عنه بوجع ورفعت راسها لفوق بجمود مصطنع وطلعت السلم بسرعة وكأنها بتهرب من ريحة ذنوبه اللي خنقتها وسابته واقف مكانه
لف جسمه ببطء وبص لضهرها وهي طالعة، كان بيبصلها بشوق و وجع ولهفة تدوب الحجر، كان عايز ينادي عليها، يقولها متسيبنيش للضلمة دي، لكن لسانه كأنه مربوط، فضل يتحسر على الحب اللي كان المفروض ينتهي بـ كوشة وفرح، لكنه انتهى بنظرة عتاب على سلم مضلم، وفي عز اللحظة دي، تليفونه رن برقم وليد، بص للشاشة ومسح وشه بإيده بقوة كأنه بيمسح صورتها وهي واقفة قدامه من خياله، بص للتليفون وقال في سره بمرارة
* الظاهر إن السهرة دي هي الحل، أنا محتاج أنسى، محتاج أهرب من نظرة عينها اللي دبحتني، من عتاب أمي وسكوت أخويا .. محتاج اهرب وبس
نزل السلم بخطوات مهزوزة لكن مصممة على الهروب، وطلع للشارع وهو بيقنع نفسه إن النسيان وسط السُكر أسهل من المواجهة في عيون اللي بيحبهم
ماشية ورا ماما في السوبر ماركت والجو حواليا عبارة عن ألوان وأنوار، الفوانيس متعلقة في كل حتة و اغاني رمضان طالعة من كل ركن، الناس عمالة تخبط في بعضها وهي بتضحك وبتفاصل في أسعار البلح والياميش .. و أنا كنت في عالم تاني خالص
عقلي كان لسه محبوس في الثواني اللي وقفتهم قدامه على السلم، لسه فاكرة نظرة عينيه، ولسه ريحة البرفان بتاعته معايا لدرجة أنها مسكت في هدومي، وكأن كل حاجة حواليه بتتشبث بيا .. لكن هو لا، مديت ايدي أمسك علبة من على الرف وأنا مش شايفة اسمها، عيني كانت بتزوغ في الفراغ وبحاول أطرد صورة كسرة عينه وشوقه اللي فضحه قدامي
يا بنتي ردي عليا، أجيب الجبنة دي ولا النوع التاني؟
اتنفضت من مكاني لما سمعت صوت ماما العالي وهي بتشدني من ايدي، بصتلها بذهول وحسيت إن قلبي بيدق بسرعة كأني كنت في حلم وصحيت منه مخضوضة
- ها؟ بتقولي حاجة يا ماما؟
ركنت العربية الصغيرة اللي بنجرها، و وقفت قدامي وبصتلي بنظرة فاحصة، نظرة الأم اللي مبيعديش عليها الهوا، رفعت حاجبها وقالت بقلق
إنتي مش معايا خالص، من ساعة ما نزلنا وإنتي ماشية تخبطي في الناس وعينيكي تايهة في حتة تانية خالص، مالك يا بنتي؟ في حاجة حصلت معاكي؟
حسيت إن وشي سخن وخوفت تكون شكت في حاجة، حاولت أرسم ابتسامة باهتة وأعدل طرحتي بإيد بتترعش وقولت
- مفيش يا ست الكل، تلاقيني بس هبطت من شغل المحل والوقفة طول النهار، قوليلي كنتي بتسألي على إيه؟ الجبنة؟ هاتي النوع اللي بتحبيه، بصي انا هروح اجيب اللحوم
اتحركت بسرعة وكأني بهرب من نظراتها اللي كانت بتخترق ضهري، وبرضو كنت بشغل نفسي بأي حاجة عشان مفكرش فيه وهو نازل يضيع نفسه، كنت بسأل نفسي بمرارة
- يا ترى هو فين دلوقتي؟ نسي نظراتي ليه كأني هوا؟ ولا لسة فاكرها وبيراجع نفسه؟
سمعت ماما ورايا وهي بتهمس بقلة حيلة
ربنا يهديكي يا بنتي ويريح بالك، شكلنا هنرجع وايدينا فاضية لو فضلتي كدة
ضحكت ضحكة قصيرة عشان أطمنها وقولت بصوت حاولت أخليه مرح
- لا يا ماما، ركزي إنتي بس في الطلبات وأنا هملالك العربية دي لآخرها.. شوفي محتاجة إية تاني؟
رجعت أشيل وأحط في الطلبات بآلية وانا بحاول اكون في وعيي عشان متقلقش عليا اكتر من كدة
في صالة البيت الهادية، كان أدهم قاعد قدام كريمة على ترابيزة العشا، السكون تقيل وصوت المعالق في الأطباق هو المسموع، كان بياكل ببطء وعينه كل شوية تروح على كرسي سيف الفاضي وبعدين ترجع تبص لأمه اللي بتاكل من غير نِفس، وشها شاحب والهم راسم عليه خطوط واضحة تحت نور النجفة الضعيف، ساب المعلقة من إيده واتنهد تنهيدة طويلة وهو بيكسر الصمت بصوته الهادي
مش ناوية تكلمي سيف يا أمي؟ كفاية خصام لحد كدة، بقالكم فترة على الحال ده والبيت مبقاش فيه روح
رفعت راسها ببطء وبصتله بنظرة فيها خليط من العتب والوجع وقالت بنبرة حادة لكن مكسورة
إنت شايف إن ده اللي المفروض يحصل يا أدهم بعد كل اللي بيعمله في نفسه وفينا؟ عايزني أضحك في وشه كأن مفيش حاجة حصلت وهو بيضيع قدام عيني كل يوم؟
سند إيده على الترابيزة وقرب منها شوية
يا أمي، أنا عارف إن سيف غلطان، وغلطه كبير وميتسكتش عليه، بس إحنا مش لازم نعامله بالطريقة دي، سيف محتاجنا حواليه، محتاجنا ناخده بالراحة، يمكن اللين هو اللي يرجعه تاني
سابت العيش من إيدها وعينيها لمعت بدموع محبوسة وصوتها بدأ يعلى بمرارة
كام مرة؟ قولي يا أدهم كام مرة نصحته؟ كام مرة سايسته وطبطبت عليه وعملت كل اللي ممكن يتعمل عشان يرجع عن الطريق ده؟ مسبتش باب إلا وخبطته، ولا دعوة إلا ودعيتها وبرضو مفيش فايدة، كل مادا بيغرق أكتر وبيعاند أكتر
رد عليها بصوت كله يقين
عارف يا أمي، وعارف إنك عملتي كتير وشيلتي فوق طاقتك طول السنين دي، بس ده ابنك، ومينفعش نيأس منه ولا نسيبه للشيطان ينهش فيه
بصت للفراغ والدموع اللي كانت حبساها بدأت تنزل غصب عنها وقالت بصوت مخنوق
ومين قالك إني يأست؟ ولا مين قالك إني هسيبه؟ أنا عمري ما هعمل كدة يا أدهم، ده حتة من قلبي، بس لازم يعرف إنه غلطان وغلطه كبير، لازم يحس إن رضايا عنه غالي ومش هيطوله وهو بالسواد ده، عشان يخاف ويرجع لطريق ربنا من تاني
سكتت لحظة وهي بتمسح دموعها وكملت وجع
انا قلبي موجوع على أخوك يا أدهم، قلبي بيتقطع عليه كل ليلة وهو داخل وشايل ريحة السهر والمعصية، أصعب حاجة في الدنيا إنك تشوف ضناك بيتحرق قدامك وإنت واقف عاجز، مش عارف تعمل له حاجة غير إنك تدعي وتبكي
قام من مكانه بلهفة وقف جنبها، حط إيده على كتفها وباس راسها وقالها بنبرة واثقة
هيرجع يا أمي، صدقيني هيرجع زي الأول وأحسن، سيف جواه نور، والنور ده مهما انطفى هيرجع يقيد تاني، بس لازم نفضل وراه، إنتي بدعاكي وأنا بمحاولاتي، لحد ما يتوب ويرجع لربنا ولحضننا من جديد
استكانت في حضن ابنها الصغير اللي بقى راجل قبل أوانه وفضلوا الاتنين في صمت، بس المرة دي صمت فيه أمل ممزوج بدموع الأمومة
قاعد وسطهم والدخان مالي كل شبر في المكان والمزيكا بتخبط في نفوخي، كنت بضحك، أو بحاول أمثل إني بضحك وانا من جوايا حاسس اني متكتف بذنوبي، المكان ده غريب عليا، ريحة الخمرة، والبنات اللي في كل ركن، وشوش أصحابي اللي تايهة في لذة السُكر، كنت ببصلهم وانا شايفهم زيي وأسوأ كمان، ماله وليد عليا والضحكة مرسومة على وشه وقال بصوت عالي عشان يغطي على المزيكا
فكها يا شيخنا، مالك
* مليش يا عم، ما انا كويس اهو
مش حاسك لا، إنت لسه شايل هم البت اللي ساكنة فوقيك؟ سيبك منها بقا وركز معانا، احنا في سهرة متتكررش
أول ما نطق اسمها حسيت بكهرباء ضربت في جسمي، دمي غلي في عروقي ومشوفتش قدامي وانا بقوم وبمسكه من لياقة قميصه وعيني بتطلع شرار
* اسمها ميجيش على لسانك إنت فاهم؟ دي أشرف منك ومني اللي زينا، لو سمعت اسمها هنا تاني هنسى إننا صحاب وهدفنك مكانك يا وليد
الترابيزة كلها سكتت والعيون كلها اتجهت ناحيتنا، رفع إيده بعلامة استسلام ورجع مكانه، قام مازن وحط إيده على كتفي وبدأ يشدني براحة
أهدى يا سيف، وليد ميقصدش، واحنا كلنا عارفين إنها خط أحمر، اهدى بس واقعد، إحنا جايين ننسى الهموم مش نتخانق، استغفر الله يا جدع
بصتله بسخرية وقعدت وأنا بنهج و صدري بيطلع وينزل، كنت حاسس بكسرة نفس رهيبة .. استغفر الله .. الكلمة قالها بتلقائية، بس نزلت على قلبي زي مية النار، ولما احنا فاكرين الاستغفار لندخل الاماكن دي ليه من اصله
بصيت للكاس اللي قدامي، كان بيلمع تحت الأضواء الملونة، شوفت فيه صورتها وهي بتهرب بعينيها مني، وصورة أدهم وهو داخل بنوره، صرخة جوايا كانت بتقولي قوم .. امشي .. اهرب، بس في صوت تاني أوطى وأخبث كان بيقولي هتمشي تروح فين؟ للبيت اللي كارهك؟ ولا للأم اللي مش طايقة تبص في وشك؟ اشرب وانسى، النسيان أحسن من المواجهة
مديت إيدي المرتعشة مسكت الكاس ورفعته لشفايفي، طعمه كان مر، بس كنت بشربه بـ غل، كنت بشرب عشان أخرس الأصوات اللي في دماغي، شربت ألاول .. والتاني، وبدأت الدنيا تغيم، و الضمير اللي كان بيصرخ بدأ صوته يروح، والوجع اللي كان في صدري بدأ يتخدر
ضحكت ضحكة مكنتش طالعة مني، كانت طالعة من واحد غريب سكن مكاني، رجع وليد يطبطب على كتفي ويقولي
أيوا كدة خليك معانا
وأنا كنت بقول لنفسي وأنا ببلع المرار
* خلاص يا سيف، ثواني وهتنسى كل حاجة
فتحت باب الشقة وانا شايلة شنط كتير في ايدي ولسة بنهج من طلوع السلم، بس أول ما شوفت نور الصالة والجزمة اللي محطوطة عند الباب، عرفت إن بابا رجع من الشغل، رميت الشنط براحة وناديت بصوت فيه بهجة طفولية كانت غايبة عني طول اليوم
- يا بابا، إنت جيت؟
ثواني وخرج من أوضته وهو لابس جلابيته المريحة وعلامات التعب من يوم شغل طويل لسه مرسومة على وشه، بس أول ما شافني التجاعيد اللي عند عينيه اختفت ورا ابتسامة حنونة
جيت يا قلب بابا، نورتي البيت إنتي وماما
جريت على الشنط الكبيرة اللي كنت لسه داخلة بيها وطلعت منها لفات زينة رمضان الملونة وفانوس نحاس صغير وفرع نور، وقفت قدامه وانا بفرد حبل الزينة بفرحة وقولت
- بص يا بابا، بص الألوان دي، وبص الفانوس ده جبته عشان نعلقه في البلكونة، والزينة دي هلفها على الصالة كلها
وقف يتفرج عليا وضحكته وسعت وهو شايف لمعة عينيا وانا بشرح له كل قطعة جيبتها وإيه خطتها للديكور، في اللحظة دي دخلت الأم وهي بتنهج وشايلة بقية الشنط، حطتها على الترابيزة وقالت بضحكة وهي بتمسح وشها بطرف طرحتها
شوفت بنتك يا مصطفى؟ أول ما شافت الزينة والفوانيس جريت عليهم ونسيت المكرونة والسمنة ونسيتني أنا شخصياً، فضلت تنقي وتختار زي الأطفال اللي عندهم 5 سنين ومرضتش تتحرك غير لما جيبنا كل ده
بصلي وقال بصوت مليان حنية وهو بيطبطب على كتفي
تعمل اللي هي عايزاه يا فاطمة، ليلى تعمل كل اللي نفسها فيه وتشتري الدنيا كلها لو حبت، دي ليلى، يعني هي اللي بتحلي رمضان وتخلي للبيت طعم، سيبيها تفرح، ولو الزينة دي مش كفاية، ننزل بكرة نجيب غيرها
ضحكت وسيبت اللي في ايدي وقربت منه ابوس إيده وراسه
- ربنا يخليك ليا يا بابا وميحرمنيش من دلعك ده أبداً
وقفت ماما تتفرج علينا وهي مبتسمة ونسيت تعب اللف وزحمة الطلبات وبعدين قالت
طيب يلا يا طفلة تعالي ساعديني نرص الحاجة دي عشان نلحق نجهز لقمة ناكلها، والزينة دي لسه قدامنا سهرة طويلة عشان نعلقها
بدأت اتحرك في البيت وانا بدندن بصوت واطي و بشيل الأكياس، وفي نفس الوقت بحاول اقنع نفسي إن اللحظات دي هي الحقيقة، وأن اي وجع تاني مجرد كابوس وهيعدي بأمر الله
الهدوء ساد الحارة، والبيوت كلها طفت نورها، إلا شباك واحد في الدور التالت كان لسه مطلع ضي خافت، كانت واقفة ورا الستارة زي كل يوم ما بين الضلمة والنور وعينيها متثبتة على أول الشارع بلهفة وخوف، رغم كل الوجع اللي في قلبها، ورغم غضبها من سهرته، إلا إن قلبها مكنش بيطاوعها تنام قبل ما تتطمن إنه رجع
وفجأة، شافت خياله من بعيد، كان ماشي بيتطوح وخطواته مهزوزة و بيصارع عشان ميقعش، قلبها اتعصر وهي شايفاه بالحالة دي، سيف اللي كان بيمشي بوقار الإمام، اللي كانت الأرض بتفخر بخطوته، راجع دلوقتي وجسمه مهدود تحت تأثير السُكر، فضلت بصاله ودموعها نزلت بصمت وهي بتهمس
- ليه يا سيف؟ ليه بتعمل فينا وفي نفسك كدة؟
وقف فجأة في نص الشارع، وكأن رادار قلبه حس بوجودها، رفع راسه ببطء وتعب وبص ناحية شباكها، اتخضت وبسرعة البرق سحبت ضلفتين الشباك وقفتله، فضل واقف مكانه وعينه متعلقة بالشباك اللي اتقفل، حس ببرودة الجو في كل حتة في جسمه وبغصة في حلقه، سحب نفسه وطلع السلم، دخل الشقة في سكون تام ومشى على طراطيف صوابعه لحد ما دخل أوضته ورمى نفسه على السرير بهدومه، بكل سواد الليلة اللي شالها على كتافه، غغمض عينه في محاولة منه للنوم. لكن عقله هرب منه لسنين ورا..
افتكرها وهي لسه بنت صغيرة، لما كانت بتطلع عندهم الشقة مع مامتها، افتكر حمرة كسوفها لما كانت تشوفه صدفة في الصالة لما كبروا، وإزاي كانت بتوطي راسها وتتلاشى تبصله، وافتكر نفسه هو كمان، إزاي كان بيغض بصره عنها بسرعة رغم أن قلبه كان بيفضل يدق بجنون، كانت هيبة الحب وقتها هي اللي محركاه، وكان إحساسه بيها طاهر زي مية المطر
افتكر نظرة العتاب ليه على السلم، و شكلها وهي بتقفل الشباك في وشه من شوية، حس بنغزة في قلبه خلت نفسه يضيق، حاول يهرب من الصور دي كلها فدفن راسه في المخدة بقوة واستسلم للنوم اللي كان بيهرب فيه من خيبته ومن ريحة ذنبه، ومن ذكريات ليلى اللي مبقتش تجيبله غير الوجع
دخلت الشركة تاني يوم وأنا حاسس إن راسي تقيلة زي الحجر، عيني كانت بتحرقني وجسمي همدان، بصيت في ساعة ايدي لقيتني متأخر ساعة كاملة، كنت ماشي بحاول أتدارى وسط الممرات، بس حظي المنيل خلاني أقع في وش المدير مباشرة، وقف قدامي والشرار طاللع من عينه وصوته العالي هز المكان لدرجة إن الموظفين كلهم سكتوا وبصوا علينا
أستاذ سيف؟ شرفتنا أخيراً، انت فاكر الشركة دي ملكية خاصة بيك تيجيها وقت ما تحب ولا اية
وقفت قدامه وراسي في الأرض، مش من الاحترام، لكن من الخزي، كان بيبهدلني قدام زمايلي اللي كانوا زمان بيعملولي ألف حساب وبيسألوني في أتفه أمور دينهم وشغلهم، كمل بزعيق وهو بيخبط بإيده على ملف كان شايله
تأخير، غلطات في التقارير وسرحان دائم، النهاردة في خصم تلات أيام من مرتبك وده آخر تحذير ليك، يا تلتزم يا تشيل حاجتك وتمشي، الشركة مش فاتحة للمستهترين اللي زيك
مشي من قدامي بنرفزة وسابني واقف مكاني وسط نظرات الشفقة من زمايلي، روحت على مكتبي ورميت شنطتي وقعدت وأنا بفرك وشي بإيدي بقوة، كنت بجد قرفان من نفسي وقرفان من الحالة اللي وصلتلها
رفعت راسي وبصيت ناحية المكاتب اللي قدامي، شوفت وليد وبقية الشلة اللي كنا سهرانين سوا للفجر، اتصدمت من مناظرهم، وليد كان قاعد لابس قميصه المكوي، حلاقة دقنه مظبوطة، وعينه مركزة في الشاشة بجدية تامة وبيناقش زميله في الشغل بكل تركيز
ومازن اللي ماسك التليفون وبيخلص شغلانة بمهارة وكأنه مسهرش ساعة واحدة برا البيت، كلهم كانوا شغالين، كلهم كانوا ملتزمين بمواعيدهم ومحدش فيهم اتعرض للتهزيق اللي أنا أخدته
في اللحظة دي، الحقيقة ضربتني في وشي، هما اللي جروني لطريقهم وبيوزوني على السهر والشرب، لكن كمان بيعرفوا يفصلوا بين السُكر أكل عيشهم، ضيعوني، بس مش ضايعين زيي و لسه محافظين على شكلهم قدام الناس، وأنا الوحيد اللي خسرت هيبتي وخسرت ديني، ودلوقتي كنت هخسر لقمة عيشي
بصتلهم وحسيت إني كنت كبش فداء لسهري معاهم، هما بيعرفوا يرجعوا لحياتهم الطبيعية بمجرد ما الشمس تطلع، أما أنا .. ف السواد اللي جوا قلبي بقى بيطلع معايا في النور ويفضحني قدام الكل
رواية بين الردي والهدي الفصل الثالث 3 - بقلم نوري
ي
بعد مرور يومين، كنت واقفة فوق الكرسي الخشبي القديم، رافعة إيدي للسقف وأنا ماسكة طرف فرع النور وبحاول أثبته في مسمار عالي في زاوية الصالة، بابا كان واقف ورايا ساند الكرسي بإيده وباصصلي بعين كلها فرحة وكأني لسه البنت الصغيرة اللي كان بيشيلها على كتفه
شوية يا ليلى، ارفعي إيدك اليمين لفوق شوية كمان عشان النور يبقى مفرود وميبقاش نازل بـ ميل
ضحكت وأنا بحاول أوازن نفسي والألوان بتاعة حبل النور كانت عاكسة على وشي ومعيشاني في جو تاني خالص، كنت حاسة إن دي محاولة مني إني أصلح الشروخ اللي جوا قلبي وأملى البيت بالبهجة
- كده يا بابا؟ بص، أول ما نطفي النور الكبير النجوم دي هتلمع والبيت هيبقى شكله تحف
تسلم إيدك، البيت بقى له حس وشكل تاني خالص بلمستك دي
في عز ما إحنا مندمجين، سمعنا صوت ماما من المطبخ وهي متعصبة من الوقفة لوحدها
يا ليلى، مش وقته زينة تعالي ساعديني في رص الحاجات دي
نزلت من فوق الكرسي بخفة، مسحت إيدي في لبسي وضحكت لبابا اللي غمزلي بعينه كأنه بيقولي روحي ساعديها قبل ما تقلب علينا، بعتله بوسة في الهوا وقولت وأنا داخلة المطبخ
- حاضر يا ست الكل جاية أهو
اول ما دخلت المطبخ شميت ريحة فول، بصيت للبوتاجاز لقيت القدرة الصغيرة محطوطة عليه
- معقول يا ماما لسة بتدمسي دلوقتي
خلاص خلص اهو، تعالي بس رصي المكرونة في الرف اللي فوق
اخدت الأكياس وابتديت ارصها، غصب عني افتكرته، وافتكرت قد إيه كان بيعشق الفول بتاع ماما، وإزاي كان بيفضل يمدح فيه ويقول ملوش زي، قلبي اتوجع اثر نغزة صغيرة، لكن اتنهدت وقررت في اللحظة دي إني هقفل قلبي بالمفتاح وهستمتع بالدفا ده، وبريحة الفول وبلمة بابا وماما لأن دي الحاجة الوحيدة اللي بجد تستاهل
كنت راجع من الشغل وجسمي مهدود وراسي لسه بتغلي من يوم طويل وتقيل، أول ما دخلت الحارة لقيت الدنيا اتغيرت تماماً، الولاد الصغيرين كانوا ماليين الشارع، أصوات ضحكهم وصريخهم ببهجة كانت مالية الجو، ده ماسك طرف حبل زينة وده واقف فوق سلم خشب مهزوز بيحاول يربط فرع في البلكونة اللي قصاده، والشارع كله بقى عبارة عن خيوط ملونة بتقطع العتمة
وقفت أتفرج عليهم وانا مستغرب اللي بيحصل، لكن استوعبت بسرعة إنها زينة رمضان، معقول رمضان جيه بالسرعة دي، ومعقول انا مش حاسس ولا داري بالدنيا حواليا كدة، اتنهدت بتعب واتحركت ناحية العمارة، لكن لقيت عمر ابن جارتنا جاي يجرى عليا وهو بينهج و وشه مليان فرحة
يا شيخ سيف يا شيخ سيف، مش هتشارك معانا في زينة السنة دي؟ ناقصنا حاجات بسيطة ونخلص الشارع كله وننوره
بصيت لعينيه اللامعة وحسيت بغصة في حلقي، شيخ سيف .. الكلمة اللي كانت بتطلع منهم زمان بتبجيل طالعة دلوقتي ببراءة طفل مش فاهم الغياب اللي أنا فيه، مديت إيدي في جيبي طلعت مبلغ وحطيته في إيده الصغيره وأنا ببتسم ابتسامة باهتة
* خد يا بطل، هاتوا كل اللي ناقصكم وخلي الشارع ينور أحسن من كل سنة
طار من الفرحة وجرى ينادي لصحابه وأنا فضلت واقف مكاني، حطيت إيدي في جيبي وسندت ضهري على الحيطة وبدأت عيني تدور في الشارع اللي بيتزين، وفجأة، عيني راحت بلهفة كأنها متبرمجة على بلكونتها، شوفت فرع النور اللي متعلق، كان بينور ويطفي بهدوء، ابتسمت غصب عني لما تخيلتها وهي واقفة بتعلقه، تخيلت ضحكتها وهي بتفرد الزينة مع باباها، اللحظة دي كانت زي نسمة باردة في عز نار قلبي، بس الابتسامة مكملتش، نزلت عيني للأرض وحسيت بتقل الجبل فوق كتافي، ده تالت رمضان ييجي عليا وأنا في السواد ده، تالت سنة وأنا لسه غرقان في ذنوبي، لسه ريحتي سهر ومعاصي، لسه مش عارف أخلص من السلاسل اللي وليد وشلته ربطوني بيها، بصيت للزينة اللي في الشارع وقولت في سري بمرارة
* صحيح الشياطين بتتسلسل في رمضان، بس شياطين الانس حرة بتحرك صاحبها وتعمي عينه عن طريق الرجوع، الناس بتعلق زينة عشان تستقبل النور، وأنا قلبي هو الحتة الوحيدة اللي ضلمة في الحارة دي كلها، تالت سنة والنداء ينادي
" يا باغي الخير أقبل "
وأنا واقف مكاني مش قادر أخطي خطوة واحدة، خايف أرفع عيني للسما وأنا غرقان في تراب الأرض، وخايف أبص في عيون الناس ف يشوفوا سيف القديم اللي أنا نفسي مبقتش عارف ألاقيه، بيني وبين النور سلم .. وبيني وبينها وعود مكسورة، حارة كاملة مستنية الفجر .. وأنا لسه مستني نفسي
دخلت الشقة والضلمة كانت في كل مكان، رميت مفاتيحي على الترابيزة اللي جنب الباب، بصيت ناحية الصالة وشوفت أمي قاعدة على الكرسي الهزاز بتاعها، النور اللي جاي من البلكونة كان يدوب راسم ملامحها، ماسكة سبحتها وصوت صوابعها وهي بتقلب الخرز كان هو الإيقاع الوحيد اللي مسموع
* أمي
قولته بصوت واطي كأني خايف أجرح السكون ده، أو خايف ترد عليا بعتاب، مردتش عليا في الأول وفضلت مكملة في تسبيحها والسبحة بتلف بين صوابعها بانتظام يحسسك إن الزمن واقف عندها، استنيت لحظة وبعدين سألتها وأنا عيني بتدور في الصالة الفاضية
* هو .. هو يحيى فين؟ مش باين يعني
فضلت زي ما هي، لا لفت وشها ناحيتي ولا بصتلي بصه واحدة، ردت بصوت هادي وقالت
اخوك في التراويح، نزل من بدري عشان يلحق مكان في الصف الأول
الكلمة نزلت عليا زي التلج، الصف الأول .. المكان اللي مكنتش بفارقه قبل ما اكون إمام، وقفت مش عارف أتحرك، عيني جت على سجادة الصلاة المفرودة في ركن الصالة، وريحة المسك اللي مغرقة الشقة، وكأن البيت كله كان بيستعد للصلاة إلا أنا .. أنا اللي كنت دايماً أولهم
مش هتتعشى؟
سألتني وهي لسه بصة قدامها للفراغ كأنها بتأدي واجب السؤال بس و وجودي بقى عبء تقيل حتى على لسانها
* لأ، هروح أنام
مشيت ناحية أوضتي بخطوات تقيلة، وكل خطوة كانت بتسمع في قلبي يا باغي الخير أقبل، مكنش مجرد نداء، كان كرباج بيجلدني بكل لحظة هربت فيها من النور
مولاي إني ببابك قد بسطت يدي
من لي ألوذ به إلاك يا سندي
أقوم بالليل والأسحار ساجدةً
أدعوك رباه يا فارج الكرب
فإن رددت يدي من ذا الذي أملُه
سواك يا ربنا يا واسع الكرم
رصيت الأطباق على السفرة اللي في الصالة، كانت مليانة بأطباق كتير، الجبنة البيضاء عليها رشة حبة البركة، طبق الفول وجمبه طاسة البيض، والبطاطس المتحركة وجمبها الجرجير والعيش البلدي، لفيت لبابا لقيته ماسك الراديو الصغير بيظبطه
- سيب التواشيح يا بابا
بظبط صوته بس عشان بيعلق
- طب يلا السحور جاهز، يلا يا ماما
قعدنا كلنا سوا وبدأت اوزع عليهم العيش، ريحة الفول كانت ظاهرة ف بص بابا لماما وقال
تسلم ايدك يا حبيبتي
الف هنا على قلبك
حبيت انكشهم ف قولت
- يا سلام يا سي بابا، وانا مليش نصيب من الكلمة الحلوة
عقبال ما اشوفك في بيت جوزك السنة الجاية، ساعتها بقا هتسمعي كلام اجمل من دة
بصتلها وسكت، هي عارفة اني مبحبش السيرة دي تتفتح خصوصاً قصاد بابا عشان ميفتحش موضوع العريس، سكتنا كلنا وبدأنا نتسحر ومفيش غير صوت الشيخ وهو بيقرأ قرآن في الراديو، بابا كان بيبصلي من وقت للتاني وكأن في كلام محبوس جوله عايز يقوله، سيبت الأكل وقررت انفد بجلدي احسن ما يفتح الموضوع معايا
- الحمد لله شبعت، هقوم اتوضى بقا
ليلى .. يحيى فتح معايا الموضوع تاني النهاردة
اللي كنت خايفة منه حصل، قعدت مكاني تاني ببطئ وانا عيني على الترابيزة وساكتة مستنياه يكمل
الولد باين عليه انه شاري، وعايز يجي يقعد معاكي رؤية شرعية تاني، بيقول إنه مش هيلاقي زي أدبك وأصلك، ومستعد يستنى لو في ظروف معطلاكي
ساد صمت تقيل بيننا، كان مستني ردي وانا مكنتش لاقية كلام اقوله، دخلت ماما في الحوار وقالت
فكري يا حبيبتي تاني، متستعجليش في الرد
بصتلها بدهشة وانا مستغربة أن الكلام دة طالع منها رغم أنها اكتر واحدة عارفة سبب رفضي اية، بلعت ريقي بصعوبة وقولت بصوت واطي لكن ثابت
- يا بابا .. حضرتك عارف رأيي، أنا مش بفكر في الموضوع ده خالص دلوقتي، قوله مفيش نصيب
ساب العيش من إيده وبصلي بنظرة كانت خليط بين الشفقة والغضب في نفس الوقت
لحد إمتى يا بنتي؟ العمر بيجري، واللي مستنياه بقاله سنين غرقان في ضلمته ومش عايز يخرج منها
- هيخرج يا بابا، انا متأكدة
وافرضي فضل زي ما هو، هتفضلي انتي كمان كدة؟
مردتش عليه وفضلت بصة لطبقي بجمود، هز راسه بيأس وسكت، رجع كمل أكل بآلية وهو حزين على حالي، قومت من قدامهم وانا ماسكة دموعي، دخلت اوضتي واول ما قفلت الباب بكيت بحرقة، ليه محدش فيهم حاسس بيا ولا بالنار اللي قلبي، انا مش هعرف اكون مع حد غيره، مش هعرف أطلعه من قلبي بسهولة، ليه مش مصدقين أنه هيرجع احسن من الأول، كلامهم بيخليني اسأل نفسي كل يوم
- هو أنا بجد مستنية سراب؟ ولا قلبي إحساسه مش هيخيب وهلاقيه راجعلي في يوم من الأيام
لسة مكاني على السرير من ساعة ما رجعت من برا، لا قادر ترتاح ولا ادوق طعم النوم، الحيطان بتضيق عليا، والأوضة اللي المفروض تكون سكن بقت أشبه بزنزانة باردة محسساني بالخوف، كل ما احاول أغمض عيني وأهرب اسمع صوت التواشيح الجاي من الجامع اللي على أول الحارة، صوت رخيم، هادي، وطالع بطبقات بتخترق حواسي كلها و تستقر في نص صدري
يا مجيب السائلين .. يا أمان الخائفين
الكلمات كانت عاملة زي سياط بتنزل على ضهري، قومت قعدت على طرف السرير وحطيت إيدي على ودني وانا بضغط جامد، بدأت أسمع حركة في الشقة برا، خطوات يحيى أخويا الهادية وهو داخل يغسل وشه ويستعد لصلاة الفجر، وصوت همس أمي وهي بتدعي وتسبح، البيت كله كان بيستعد للقاء، وأنا الوحيد اللي حاسس إني عريان وسط ناس لابسة توب الطهارة
مقدرتش أستحمل أكتر وقومت اتنفضت من مكاني، سحبت چاكتي بلهفة واحد بيغرق وبيدور على قشة، فتحت باب الأوضة وخرجت، لمحت خيال يحيى وهو بيلبس جلابيته البيضا، بصلي بأستغراب ولسه هيفتح بقه يتكلم سيبته وجريت ناحية باب الشقة
نزلت السلم بجري وخطواتي مش متزنة، أول ما رجلي لمست أرض الحارة الهوا البارد بتاع الفجر خبط في وشي، بس مبردش النار اللي جوايا، مشيت بخطوات سريعة مش عارف رايح فين، بس المهم أبعد عن الجامع، أبعد عن صوت امين اللي هترج الحارة بعد شوية، كنت ماشي ومنكس راسي في الأرض، خايف عيني تيجي في عين حد يعرفني فيسألني
مش هتلحق الفجر يا سيف؟
وقفت للحظة عند ناصية الحارة وبصيت ورايا، شوفت نور جامع الحارة وهو منور بالكامل، وشوفت بلكونة ليلى اللي لسه فيها خيط نور ضعيف، حسيت إني غريب، غريب عن البيت، وغريب عن الحارة، وغريب عن كل حاجة حواليا، سحبت نفسي وكملت مشي ناحية الشارع الرئيسي اللي ملوش ملامح هربان من النور اللي كان بيطاردني في كل حتة وسايب ورايا سيف اللي كان، و سيف اللي المفروض يكون
مخرجتش من اوضتي من وقت السحور، كنت تايهة وكلام بابا والكل بيتردد في وداني
لحد إمتى؟
الكلمة كانت بتوجع أكتر من اي حاجة تانية، بتفكرني إن الصبر جميل بس الانتظار في الضلمة بياكل من الروح، روحت ناحية الشباك زي كل يوم ومسكت طرف الستارة و وقفت وراها الشارع كان غرقان في صمت مهيب رغم الانوار وصوت تواشيح قبل الفجر، مكنتش عارفة هو اسمعها ولا لأ؟ حاسس برمضان زينا؟ ولا ذنوبه عمت قلبه كمان عن الإحساس
دخلت وسحبت سجادة الصلاة أصلي اول قيام ليل أول ما كبرت حسيت إن الدنيا كلها سكتت من حواليا ومبقتش شايفة غير مكان سجودي، ركعت وسجدت وأول ما جبهتي لمست الأرض كل قوتي انهارت
- يا رب..
قولتها بوشوشة مخنوقة بالبكا والدموع بدأت تنزل على السجادة
- يا رب .. المرة دي مش هطلب لنفسي حاجة، المرة دي هطلبله الرحمة، رده ليك رد جميل بلطف وعافية، طلعه من بين الردى وخد بأيده للهدى
شهقاتي كانت بتطلع غصب عني مع كل كلمة، طولت في السجود و فضلت أدعيله بالهداية وأدعي لنفسي إن ربنا يبرد ناري، كنت حاسة إن صلاتي دي هي الخيط الوحيد اللي واصل بيني وبينه، سلمت وفضلت قاعدة مكاني ماسكة سبحتي وبحرك خرزها ببطئ، نزلت دموعي من تاني ف مسحتها بطرف الاسدال وانا بهمس في سري
- يا باغي الخير أقبل، يا سيف .. اقبل قبل ما العمر يخلص وانت لسه واقف في النص
كنت ماشي في الشوارع اللي بدأت تخلى من الناس، المحلات بتقفل أبوابها والفوانيس اللي متعلقة في البلكونات بدأت تنطفي واحد ورا التاني، رجلي كانت شايلاني لمكان مش عارفه، وعقلي عمال يحدفني يمين وشمال بين صوت التواشيح اللي سيبته ورايا وبين الخنقة اللي مش راضية تسيب صدري
لقيت نفسي فجأة قدام بيت وليد، هو الوحيد اللي عايش لوحده بعيد عن أهله، قولت لنفسي إن ده المهرب الوحيد، فوق مفيش سجادة صلاة مفرودة ولا راديو شغال بقرآن، ولا حد هيسألني كنت فين ويبصلي بشفقة أو خزلان، طلعت السلم وأنا مهدود، كل درجة كانت بتسحب مني حتة من طاقتي، وقفت قدام باب شقته وخبطت خبطات مهزوزة، استنيت شوية ومكنش فيه رد، مرة جربت تاني وبرضو مفيش رد، كنت لسة هلف وأمشي لكن سمعت صوت حركة جوا وصوت مفاتيح بتلف في القفل ببطء، تتفتح الباب بشويش وظهر وليد، كان شكله متبهدل وعينه فيها زوغان غريب و وشه اتخطف لونه اول ما شافني
سيف؟ إيه اللي جابك دلوقتي يا صاحبي؟
قالها وهو لسه ساند بكتفه على الباب سادد الدخول في بصتله باستغراب، عمره ما وقفني على الباب كده
* تعبان يا وليد، تعبان ومحتاج أبات عندك النهاردة، مش قادر أرجع البيت
ارتبك أكتر وبدأ يفرك في إيده بتوتر وعينه بتروح وتيجي بيني وبين الصالة اللي وراه
أصل .. أصل الشقة مكركبة أوي يا سيف، وبعدين أنا كنت لسه نازل و..
كلامه كان متقطع وغير منطقي، وقفته على الباب بالشكل دة خلتني اشك فيه، لسه هسأله ماله سمعت صوت جاي من جوا، صوت ناعم بينادي باسمه بدلع يا وليد .. اتأخرت ليه؟
الدنيا لفت بيا في ثانية و اتسمر هو مكانه وبص للأرض بخزي مكنتش متخيل إنه لسه بيعرف يحس بيه، فضلت واقف مكاني مش مستوعب اللي سمعته، معقول توصل بيها الدرجة أنه يعمل كدة؟ وفي ليلة زي دي؟
صدمتي مكنتش قليلة، كنت فاكر إننا ضايعين، بس مكنتش فاكر إننا وصلنا للقاع ده، عجز لساني عن الكلام وبصتله وانا حاسس اني اول مرة اشوفه، وكأن حاجة وقعت على دماغي فوقتني من اللي انا فيه
سيف .. أنا..
حاول يتكلم لكن مسيبتلوش فرصة، سحبت نفسي لورا ببطء ولفيت ضهري ونزلت السلم، مكنتش شايف قدامي من كتر القرف والذهول اللي مسيطر عليا، مشيت في الشارع بكلم نفسي
* ازاي؟ ازاي وصلنا لكده؟
الوجع اللي كان في صدري زاد، بس المرة دي مكنش من نظرات اهلي، كان خوف من نفسي، خوف إني لو كملت في السكة دي، هبقى نسخة من اللي شوفته النهاردة، السواد اللي في قلبي مكنش ضلمة وبس، ده كان ردى حقيقي وأنا غرقان فيه لدرجة إني معرفتش الفرق بين الصح والغلط غير لما شوفت المنظر دة
رجلي كانت بتخبط في الأرض زي اللي ماشي مش دريان بالدنيا ولا بالناس اللي بدأت تخرج عشان صلاة الفجر، صورته وهو واقف مخضوض قدام بابه مش راضية تفارق خيالي، كنت بهرب .. بهرب من نفسي ومن السكة اللي مشيت فيها، ومن الحقيقة المرة اللي شوفتها، لقيت نفسي قدام العمارة اللي فيها الشركة بالصدفة، حتى مش عارف جيت هنا ازاي وليه، فضلت واقف قصادها شوية وانا متردد، لكن مفيش مكان تاني اقدر اروحله، خبطت على البوابة الحديد لحد ما جاني صوت عم عرفة البواب وهو بيسأل باستغراب
مين؟ مين اللي بيخبط في الوقت ده؟
أنا يا عم عرفة .. أنا سيف
أول ما فتح وشافني ملامحه اتغيرت بين الدهشة والشفقة، بص لشكلي المتبهدل وعيني الحمرا وسكت وقال
أهلاً يا أستاذ سيف، خير يا ابني مالك
بصتله وانا مش عارف اقوله اية. مش قادر انطق وولا اشرح حاجة، بلعت ريقي بصعوبة وحاولت انطق
* ممكن ابات عندك الليلة دي؟ مليش مكان تاني اروحه
استغرب كلامي لكن فتح الباب بسرعة ودخلني
طبعاً يا حبيبي اتفضل اتفضل
دخلت وراه وخطواتي تقيلة كأن رجلي غرزت في وحل السنين اللي فاتوا، مشي قدامي بضهره المحني ودخلني أوضته الصغيرة اللي في مدخل العمارة، كانت صغيرة، لكن حسيت وبدون مبالغة أنها أأمن وانضف مكان اقعد فيه
اقعد يا أستاذ سيف، اقعد يا ابني وارتاح
قعدت على الكنبة الصغيرة وفردت جسمي عليها على طول
شكلك تعبان اوي، نام يا ابني وارتاح
مقدرتش ارد، اصل راحة اية اللي هلاقيها بعد كل دة، رفعت دراعي وحطيته فوق جبهتي وغمضت عيني، بس الشريط بدأ يشتغل غصب عني
افتكرت أول مرة شوفت فيها وليد وشلته، كان أول يوم ليا في الشركة وكنت فرحان اوي اني اشتغلت فيها لأني هاخد منها خبرة كبيرة تنفعني بعدين، عرفتي المدير عليهم بما أنهم معايا في نفس المكتب، لقيتهم شباب لطيفة وكان باين عليهم الأدب ومشوفتش عليهم اي حاجة وحشة غير انهم مبيصلوش، وانا كنت ملتزم زي ما انا ومن حبي فيهم أقسمت مش هسيبهم وهجرهم معايا لطريق الهداية .. لكن اللي حصل إن هما اللي جروني لطريقهم، كنت فاكر إن اللذاذة هي اللي ناقصاني، وإن الجد والالتزام بقوا يخنقوني فجأة، خروجة جرت التانية جرت سيجارة جرت كاس، كل دة وانا معمي وغرقان في لذة المعصية، افتكرت أول مرة مسكت فيها الكاس، إيدي كانت بتترعش وصوت الضمير اللي كان بيصرخ جوايا وكنت بسكته بالضحك والهزار الفاضي
غمضت عيني أكتر فظهرت قدامي قعدات القمار، الخسارة اللي مكنتش بس في الفلوس، دي كانت خسارة نفسي اللي كنت بجلدها لما اتأخر عن ميعاد الصلاة دقيقة، هجرت صلواتي وركنت المصحف لحد ما التراب غطاه، والورد اللي بقى دلوقتي مجرد ذكرى بعيدة بتوجع
واكتر حاجة خلتني اتنفس بصعوبة وأنا نايم مكاني هي خسارة ليلى، مش قادر انسى نظرة الفخر اللي كانت ليا زمان .. و نظرتها الأخيرة وهي شايفاني بتحول لواحد غريب عنها
خسارة حبها كانت اكتر حاجة خلتني اكمل في اللي انا فيه، أنا مش بس خسرت واحدة بحبها، أنا خسرت المرايا اللي كنت بشوف فيها نفسي نضيف، هربت دمعة من عيني وأنا لسه حاطط دراعي على جبهتي، كنت حاسس بالندم بياكل في روحي، وبالخزي من كل لحظة ضاعت في سهر ومعاصي وضحك مزيف، فضلت نايم مكاني وأنا لسه غرقان في بحر الحكايات اللي ضيعتني، مستني الصبح اللي هيطلع عليا وأنا في عز الهدى اللي مش عارف أوصله
رواية بين الردي والهدي الفصل الرابع 4 - بقلم نوري
الشمس كانت لسه بتبدأ تفرش نورها الهادي على حيطان البيت، وصوت الراديو في المطبخ شغال ببرامج الصباح الرمضانية اللي بتدي أمان، اول يوم رمضان والحمد لله نرجس اديتني اجازة، كنت واقفة بساعد ماما في ترويق المطبخ والتجهيز لوليمة الفطار، بس عقلي كان في حتة تانية خالص، كان فوق، في شقته، حاسة اني عايزة اطمن عليه والمح طيفه من تاني، لكن هنزل بحجة اية، ويا ترى ماما هترضى تنزلني ولا لا، بصيت عليها لقيتها مشغولة في اللي بتعمله، رجعت اقطع الخضار اللي في أيدي من تاني وانا بقول
- ماما .. أنا هنزل اصبح على طنط كريمة، أهنيها برمضان وأشوفها لو محتاجة حاجة
قولتها وأنا بحاول أخلي صوتي طبيعي، بس عيني كانت بتهرب من نظرتها اللي بتكشفني دايماً
سابت السكينة من إيدها وبصتلي بجدية وقالت بنبرة فيها تحذير ناعم
ليلى .. إنتي عارفة أبوكي قال إيه، مش عايز رجلك تخطي عتبة بيتهم طول ما الحال مايل كدة
قربت منها ومسكت إيدها برجاء
- يا ماما دي طنط كريمة، دي زيك بالظبط، وبعدين سيف أكيد مش فوق، إنتي عارفة إنه زمانه في شغله، وانا مش هكمل خمس دقايق وهطلع علطول، علشان خاطري
اتنهدت وسكتت شوية كأنها بتغلب حنيتها على خوفها، هزت راسها بالراحة وقالت
ماشي، بس خمس دقايق بالظبط قبل ابوكي ما يصحى
- من عينيا
طلعت بوسة على خدها وجريت لبست طرحتي وفتحت الباب بشويش ونزلت وانا قلبي بيدق، كل درجة بنزلها كانت بتفكرني بذكريات قديمة، من ضمنهم ضحكته اللي كانت بتملى العمارة كلها، وصلت قدام شقتهم وخبطت على الباب خبطات هادية، اتفتح وشوفتها، بس مكنتش هي دي طنط كريمة اللي عارفاها
وشها كان دبلان وعينيها فيها سحابة حزن، أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة باهتة وفتحتلي دراعاتها
تعالي يا ليلى، تعالي يا بنتي نورتي البيت
- وحشتيني اوي يا طنط
اترميت في حضنها وحسيت اني عايزة اعيط، عيني لفت على كل ركن في الشقة يمكن المحه لكن ملقتوش، دخلنا سوا وقعدنا في الصالة، مسكت إيدي ودموعها نزلت من غير ما تحس وهي بتقول
شوفتي يا ليلى؟ شوفتي سيف وصل لايه؟ أول يوم رمضان الناس ملمومة وفرحانة لكن احنا لا، نزل امبارح بالليل زي المجنون ومش عارفة هو فين دلوقتي ولا بيعمل إيه
حسيت بغصة في حلقي لكن حاولت أتماسك عشانها، ضغطت على إيدها بالراحة وقولت
- اهدي يا طنط، ادعيله، احنا في شهر مبارك ويمكن تكون دي ساعة استجابة، سيف قلبه أبيض بس هو تاه، وإن شاء الله ربنا هيرده لينا .. أقصد هيرده ليكي أحسن من الأول
هزت رأسها بيأس وهي بتمسح دموعها
المرة دي غير كل مرة، المرة دي حاسة إنه بيبعد بجد، كأن فيه حاجة بتشده لتحت وكل ما أحاول أرفعه يغرق أكتر، أنا خايفة عليه يا بنتي، خايفة يضيع مني خالص
بكت اكتر ف خدتها في حضني، فضلت قاعدة بسمع أنين قلبها اللي كان شبه أنين قلبي بالظبط، كنت بواسيها بكلام أنا نفسي محتاجة اللي يقولهولي، والوجع كان بيزيد في صدري مع كل كلمة حزن بتطلع منها، البيت اللي كان المفروض يكون فيه زينة وفرحة، كان غرقان في هم سيف، وأنا كنت واقفة في النص، مش عارفة أداوي جرحها ولا أداوي جرحي
فتحت عيني على صوت زنة خفيفة في ودني من المروحة القديمة اللي متعلقة في سقف الأوضة، حاولت أعدل جسمي بس ضهري كان متخشب من الكنبة، ريحة المكان كانت مزيج من بخور قديم وشاي مغلي وتراب مستخبي في الأركان، ريحة بسيطة بس حسيت فيها بالأمان
صباح الخير يا استاذ سيف
شوفت عم عرفة واقف فوق راسي وماسك فوطته الصفراء اللي دايماً على كتفه، بصته فيها خوف وحنية في نفس الوقت، عينيه كانت بتقرأ ملامحي المجهدة وكأنه بيدور على سيف اللي كان يعرفه زمان
* صباح النور يا عم عرفة
قوم يا ابني فوق كدة وظبط حالك، حقك عليا والله، انا المفروض النهاردة اجازة عشان رمضان بقا كل سنة وانت طيب، كمان نص ساعة جاي واحد تاني يستلم مني العمارة، وحقك عليا بس مينفعش يشوفك هنا في الأوضة
قومت وقفت وأنا دايخ و الدنيا لفت بيا لثانية، مسحت وشي بإيدي ونفضت هدومي اللي اتكرمشت وبقى شكلها مبهدل، بصتله بأحراج وانا وواقف قدامه بالشكل دة، الراجل ده شافني وأنا في عزي، والنهاردة بيلمني من الشارع في أوضته الضيقة
* عندك حق، أنا آسف مكنتش قاصد أتعبك معايا ولا أقلقك، بس الدنيا اتسدت في وشي مرة واحدة
طبطب على كتفي بإيده الخشنة وهز راسه وقال
متقولش كدة يا حبيبي انت زي ابني، انا معرفش الدنيا عملت فيك اية خليتك تجيلي هنا، بس سيبك من اي حاجة المهم انك كويس، ادخل الحوض اللي ورا الستارة دي اغسل وشك واستعذ بالله من الشيطان، الصبح طالع بنوره وربنا مبيسيبش حد قاصد بابه
وانا بعد اللي عملته دة هيبقالي عين اخبط على الباب؟ هزيتله راسي ومشيت ناحية الحوض بخطوات تقيلة، فتحت الحنفية ونزلت المية الساقعة على راسي، كنت محتاج المية دي تخترق جلدي وتوصل لقلبي وتطفي النار اللي فيه، بصيت لنفسي في المرايا المكسورة اللي فوق الحوض، شوفت واحد غريب، لكن عينيه فيها لمعة ندم كانت غايبة عنه بقالها سنين
* يا رب..
همست بيها لنفسي وأنا بحط راسي تحت الحنفية والماية الباردة نازلة تجري على وشي بتغسل ملامح ليلة امبارح، فضلت شوية لحد ما قفلتها، نشفت وشي بطرف كمي وخرجت لعم عرفة اللي كان واقف مستنيني، شكرته وسلمت عليه بعد ما رفض ياخد مني اي حاجة وخرجت للشارع مع أول خيوط الشمس اللي بدأت تدفي الجو، قلبي كان بيدق بعنف، كنت حاسس إني رايح لآخر فرصة ليا، يا إما أرجع سيف .. يا إما أضيع للأبد
مشيت من غير هدف ورجلي هي اللي كانت بتسوقني لحد ما لقيت نفسي واقف قدام النيل، قعدت على سور حجري قديم والهوا البارد كان بيخبط في وشي ويطير خصلات شعري المتبهدلة، بصيت للماية وهي ماشية بهدوء، وفجأة، الحقيقة خبطت في نفوخي زي القطر
* أنا عملت في نفسي إيه؟
سألت نفسي وبدأت الإجابة تمر قدامي زي الشريط، شوفت نفسي وأنا بضحك بصوت عالي وسط شلة وليد والكاس في إيدي، والفلوس اللي كانت بتترمى على ترابيزة القمار وكأنها ورق ملوش قيمة، شوفت ليلى وهي بتبصلي بخيبة أمل، وأمي وهي بتداري دموعها في سجادة الصلاة
أنا إزاي كنت غافل كدة؟ إزاي السنين دي كلها عدت وأنا بعيد عن ربنا؟ مش بس بعيد، ده أنا كنت بجاهر بالمعصية وكأن قلبي بقا من حجر، الخمر اللي شربته، الصلاة اللي ضيعتها، الورد اللي هجرته، كل ده كان ردى حقيقي، وأنا كنت فاكر إن هي دي الشطارة
حسيت بخنقة رهيبة، وكأن روحي القديمة هي اللي بتتحاكم قدامي دلوقتي، بدأت دموعي تنزل، مش دموع ضعف، دي كانت دموع ندم وفوقان، بكيت بحرقة مكنتش جربتها قبل كدة، بكيت وكأني طفل تاه من أهله في وسط زحمة وخوف ولسه شايف طرف توب أمه من بعيد، حطيت راسي بين ايديا وانا بقول
* يا رب .. أنا كنت مغيب، أنا كنت ميت وصحيت دلوقتي
كنت بشهق والناس اللي بتعدي من بعيد مكنتش هاماني، حاسس إن غشاوة سودة كانت على عيني واتشالت فجأة، صورة وليد والموقف اللي حصل امبارح كانت هي القشة اللي قطمت ضهر الشيطان اللي جوايا، أنا وصلت للقاع يا رب، ومليش غيرك يشدني
فضلت قاعد وجسمي كله بيترعش من البكا وكل دمعة بتنزل مني كانت بتحرق حتة من السواد اللي سكن قلبي
{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ }
خلصت الورد بتاعي وصدقت وانا حاسة براحة، النفس اللي خرج مني كان هادي، أول مرة أحس إن رئتي بتتملي هوا نضيف مش مخنوق بخوفي وقبضة قلبي، بصيت للسما برجاء وقولت
- يا رب .. أمن قلبي برجعته
قفلت المصحف وقومت اجيب سبحتي، عيني جت على الدولاب ف روحت ناحيته، فتحته وطلعت منه علبة بحط فيها اية اي حاجة بحبها أو ذكرى، فتحتها بشويش ومديت ايدي وسحبت ورقة صغيرة مطوية، كانت منه، كتبهالي وهو رايح يعمل عمره لأول مرة وبعتهالي مع ادهم لأننا مكناش بنتقابل، فتحتها وعيني جت على خطه اللي عارفاه اكتر من اي حاجة تانية، وللمرة المليون بقرأها وانا بحاول استشعر وجوده
" ليلى .. يمكن تستغربي إني بكتبلك جواب، والحقيقة إن دي أول مرة أعملها، بس حسيت إن الورق هو الوحيد اللي يشيل صدق كلامي ليكي دلوقتي
أنا عارف إن حدودي وقلة كلامي معاكي ممكن يتفهموا إهمال أو إني مش مقدر وجودك، بس الحقيقة عكس كدة تماماً، أنا كنت بحاول أحافظ عليكي من نفسي ومن أي كلمة تخرج في وقت مش وقتها عشان ربنا يبارك لنا في الحلال اللي بتمناه معاكي، و عارف إنك أكيد سألتي نفسك ليه انتي بالذات وإحنا تقريباً مكنش بيننا غير سلامات عابرة من لما كبرنا، بس الحقيقة إن الحياء اللي في عينيكي كان بيجاوبني كل مرة، كنت بشوف في أدبك ورزانتك الحاجة اللي قلبي بيدور عليها، ومع كل نظرة خاطفة كنت بلاقي نفسي بتقرب منك أكتر من غير ما احس، لحد ما بقيتي السكن اللي بحلم بيه
أول ما حسيت إني بدأت أقف على رجلي وقادر أفتح بيت ملمحش خيالي غيرك تكوني شريكة عمري ونور بيتي، بكتبلك الجواب ده وأنا رايح بيت الله لأول مرة عشان أعمل عمرة، وهناك مش هيكون ليا دعوة غير إن ربنا يجمعني بيكي على خير، ويجعلنا سند لبعض في سكة الهدى والطاعة
خليكي دايماً واثقة إن مكانك في قلبي غالي، وإن الصبر ده كله آخره جبر كبير لينا سوا إن شاء الله "
غمضت عيني وضميت الورقة لصدري بقوة ونزلت دمعة من عيني وانا بفتكر قد اية كان بيخاف يغضب ربنا في نظرة أو كلمة، وأنه كان بيشوف فيا طوق النجاة مش مجرد بنت بيحبها
قعدت على طرف السرير والورقة لسه في إيدي، كنت مستغربة إزاي لسه عايشة بكل طاقتها ونورها وصاحبها نفسه بقى مطفي؟ إزاي الكلام لسه بينبض بالصدق والروح اللي كتبته غرقانة في وحل مش عارفة تطلع منه؟ اتوجعت اوي على ضياعه وغيابه، بس في نفس الوقت كلامه كان بيجدد فيا الصبر، رجعت طويت الورقة بحرص شديد وحطيتها مكانها وقفلت عليها كأني بقفل على أغلى حاجة بملكها، مسحت عيني بطرف طرحتي وبصيت للمرايا وقولت لنفسي بصوت واطي لكن مسموع
- هستناك يا سيف .. هستناك
خرجت من الأوضة وحاولت أرسم ابتسامة هادية وأنا داخلة المطبخ لماما وانا جوايا يقين إن رمضان السنة دي يا هيرجع سيف اللي في الورقة، يا هيطوي الصفحة دي للأبد
السما كانت بدأت تاخد لون الوداع بخيوط برتقالي باهتة بتدوب في السواد اللي بدأ يزحف فيها، ومعاها بدأت حركتي في الشارع تقل، جسمي كان مهدود بسبب تعب السهر وقلة الأكل، وريقي ناشف وكأن في زوري شوك
كنت ماشي في شوارع السيدة بتيه، عيني كانت مغيمة بالدموع اللي مش راضية تقف وبتنزل تحرق وشي اللي دبل من الهم، ماشي بخبط في الناس ومكنتش شايفهم، شايف بس المعاصي والذنوب وهي بتطاردني في كل ركن
وفجأة، وقف الوقت..
"الله أكبر.. الله أكبر"
آذان المغرب رفع وصوت المؤذن في السيدة كان ليه رنة بتهز الحيطان، الناس بدأت تختفي من الشوارع وتدخل البيوت أو الجوامع، وأنا فضلت واقف مكاني قدام باب الجامع الكبير رجلي متسمرة في الأرض
* أدخل؟
سألت نفسي بكسرة
* أدخل بأنهي وش؟ بالوش اللي شرب وقامر وهجر الصلاة سنين؟
كنت حاسس إن الحيطان نفسها هترفضني، بس وسط الخوف ده، حسيت اني محتاج اكون جوا. وان في ندهة خفية بتقولي
تعالى .. ده بيت ربنا اللي بيقبل العاصي قبل الملتزم
قربت من السلالم ودخلت بخطوات مترددة، روحت اول حاجة للمبيضة وفتحت الحنفية، المية لمست وشي لأول مرة بنية طهارة بجد، كنت بتوضى وأنا بشهق، كل غسلة كانت كأنها بتشيل طبقة من السواد اللي غطى روحي، خلصت ولما خرجت الصلاة كانت بدأت، وقفت في آخر صف، ورا العمود عشان محدش يشوفني، الإمام كان بيقرأ بصوت شجي، صوت بيطبطب على الجروح
{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله }
فضلت ماسك دموعي لحد اول سجدة، ساعتها انهار السد اللي كنت بانيه بقالي سنين، انفجرت في العياط، عياط مر وحارق، حاولت أكتم صوت شهقاتي عشان ملفتش نظر اللي جنبي بس مقدرتش، كنت بقول في سري
* يا رب .. أنا مليش حد غيرك، أنا ضيعت بجد، رُدني ليك رد جميل
في كل سجدة كنت بحس إن روحي بتطلع وبترجعلي نضيفة تاني، سلمت وفضلت قاعد مكاني في الضلمة اللي ورا العمود وشي مبلول مية ودموع، وقلبي لأول مرة من سنين يهدى، بصيت للسما من شباك الجامع وحسيت إن الهِداية مش بعيدة، انا بس اللي كان لازم اقرب من بدري
صوت المدفع كان لسه بيرن الحارة، والأذان بيتردد من كل المآذن القريبة والبعيدة، لكن شقة سيف كانت ساكتة تماماً وكئيبة، السفرة كانت مرصوصة بعناية، طبق الشوربة اللي لسه بيطلع دخان، والبلح باللبن، وصينية الرقاق اللي ريحتها مالية المكان، بس مكنش فيه شهية لأي حاجة، كريمة كانت ماسكة المعلقة وبتقلب في طبقها بآلية وعينها سرحانة في الكرسي الفاضي اللي كان دايماً سيف بيملى مكانه شقاوة وضحك
وأدهم .. الأخ اللي شال حمل البيت على كتافه بدري، كان بياكل ببطء وهو باصصلها بطرف عينه، شايف الرعشة اللي في إيدها والدمعة اللي محبوسة ورا رموشها ومصممة متنزلش، رفع راسه و ساب المعلقة وهو بيسند ضهره على الكرسي وبيبصلها
أنا قلقان يا أمي، سيف غيبته طالت المرة دي، ومن امبارح وهو تليفونه مقفول
مرفعتش عينها من الطبق، رسمت على وشها جمود قاسي مبيشبهش قلبها وقالت بصوت حاولت تخليه ناشف
اللي يغيب يغيب يا أدهم، هو عيل صغير؟ هو اللي اختار السكة دي، واختار يبعد عننا وعن ربنا في يوم زي ده، سيبه، يمكن الضلمة اللي هو فيها توجعه ف يعرف قيمة النور اللي كان فيه
اتنهد تنهيدة طويلة بتعب، هو عارف إن الكلام ده قشرة برانية بس وإنها من جوا بتتقطع
يا أمي ده أول يوم رمضان والبيت وحش من غيره، مهما عمل هيفضل ابنك وأخويا، أنا قلبي مش مطمن، سيف امبارح مكنش طبيعي، كان عامل زي اللي روحه بتطلع منه
فضلت ساكتة كأنها بتعاقب نفسها على حنيتها اللي مش قادرة تموتها، قام من على السفرة قبل ما يخلص أكله وقال
انا مش هقدر أكمل أكل وبالي مشغول، هدخل أوضتي أحاول أكلمه تاني، يمكن الاقيه مفتوح المرة دي
سابها ودخل أوضته وقفل الباب وراه بهدوء، سابت المعلقة من إيدها ودارت وشها الناحية التانية وانفجرت في بكا مكتوم وهي بتهمس بصوت واطي
يا رب احميه، يا رب رده ليا، أنا مليش غيره يا رب
جوا الأوضة كان ادهم بيفرك في جبهته بتوتر وعينه على رقم سيف، داس اتصال وحط التليفون على ودنه وهو بيدعي من كل قلبه إن المرة دي يرد، كان مستني يسمع صوت .. حتى لو كان تعبان أو ضايع
الجامع كان هدي تماماً، ريحة المسك مع سكون ما بعد الصلاة عملوا حالة من الهيبة، كنت لسة قاعد في الركن اللي ورا العمود، الضلمة حواليا كانت بتطبطب على خزيي، والجامع بدأ يفضى من الناس اللي جريت عشان تلحق فطارها، حسيت إني مش قادر أقوم، ودموعي مكنتش راضية تنشف، كانت بتنزل بوجع وشهقاتي بتطلع ترج صدري وتفكرني بكل لحظة ضيعتها في معصية الله
وفجأة، حسيت بخيال بيقرب مني وصوت وقع خطوات هادية على السجاد، غمضت عيني وداريت وشي بيدي، لحد ما حسيت بإيد اتحطت على كتفي بشويش
انت لسه قاعد هنا يا ابني؟ المغرب أذن من بدري، مروحتش تفطر ولا إيه؟
مكنتش قادر أرفع راسي ولا أطلع كلمة واحدة، سكت شوية كأنه بيقرأ اللي جوايا من غير كلام وبعدين سألني تاني بنبرة أهدى
مالك يا ابني؟ إيه اللي شايل حمله فوق كتافك ومقعدك هنا؟
أول ما نطق عيطت تاني، عياط طفل تاه في وسط زحمة وخايف ميرجعش تاني، ملحش عليا، بالعكس، قعد قدامي وسحب سبحته اللي سمعت صوت خرزها وهو بيخبط في بعضه، فضلت على الحال دة شوية لحد ما هديت، بس دموعي لسه على وشي، رفعت راسي ابصله لقيته الإمام اللي كان بيصلي بينا، بصلي بعين فيها حكمة السنين وقال بوشوشة
للدرجة دي ذنبك كبير؟
بصتله بصدمة من أنه عرف اللي انا فيه، نزلت عيني للأرض وأنا حاسس بجمرة نار في قلبي وهزيت راسي وعيني دمعت أكتر، رجع يسبح وسألني
بقاله قد إيه؟
قولت بصوت مبحوح ومكسور
* تلات سنين
ياااه، أتاري دموعك نازلة بالكوم
حسيت إني محتاج أتكلم، محتاج أطلع القرف اللي جوايا، بلعت ريقي وقولت
* أنا مش عارف عملت كدة إزاي، أنا كنت ملتزم يا شيخنا، كنت عارف طريق الجامع، وردي مبيفارقنيش وصلاتي في وقتها، كل حاجة كانت كويسة لحد ما روحت شغل جديد
بدأت أحكيله بمرارة عن صحاب السوء في الشغل وإزاي سحبوني رجل ورا رجل، وإزاي شربت كل حاجة وفقدت كل حاجة وأهمهم رضا ربنا اللي كنت حاسس بيه زمان، بصلي بابتسامة غريبة، ابتسامة فيها رحمة مكنتش متخيل اني ممكن اشوفها تاني
عارف؟ النبي ﷺ جاله صحابي في مرة قاله يا رسول الله إني أصبت حداً، يعني عمل كبيرة من الكبائر، النبي سابه ومشي، فالراجل جري وراه وقالهاله تاني، يا رسول الله إني أصبت حداً، فالنبي سابه برضو ومشي ومردش عليه، لحد ما أقيمت الصلاة والراجل صلى مع النبي، وبعد الصلاة جري وراه تاني وقاله يا رسول الله، إني أصبت حداً فأنشدك الله أن تقيم فيّ حد الله
كمل وهو بيسبح ونظراته بتخترق روحي
النبي ﷺ بصله وقاله، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال بلى يا رسول الله، قال وقد شهدت معنا الصلاة؟ قال بلى يا رسول الله، قال فأذهب فقد غفر الله لك حدك
سكت شوية وخد نفسه وقال
عارف يا ابني، أنا أول ما سمعت الحديث ده، تخيلت ميزان، كفة فيها صخرة سودة كبيرة أوي، وجه النبي ﷺ حط ورقة صغيرة في الكفة التانية، الورقة دي هي الصلاة والوضوء اللي عملتهم دلوقتي، الصخرة طاشت، شوف عظمة أجر الصلاة، النبي قاله غفر لك بمجرد صلاتك ووضوءك
مسك إيدي وضغط عليها وقال
ورغم إنك قعدت سنين تعصي الله، إلا إنك مخلتش الشهوة تكسرك أكتر من كدة ورجعت، شيخنا كان بيقولنا متخليش الذنب يكسرك مرتين، مرة لما وقعت فيه، ومرة لما يمنعك من الطاعة بحجة إنك مش نضيف، لو وقعت في الأولى متقعش في التانية، قوم وتوب، وربنا غفور رحيم
بصتله بيأس وقولت
* بس أنا موقعتش مرة ولا اتنين، أنا وقعت تلات سنين
قام وقف وطبطب على راسي بحنان وقال
يا ابني، تلات سنين في عمر الزمن ولا حاجة قدام رحمة ربنا اللي وسعت كل شيء، ربنا مبيعدش لينا بالأيام، بيعد لينا بالصدق في اللحظة دي، أنت دلوقتي أنضف من تلات سنين فاتوا بمجرد دمعتك دي، روح أفطر والحق رمضان من اوله وخليه بداية عهد جديد .. ربنا يغفرلك ويثبتك إن شاء الله
سابني ومشي .. وفضلت لوحدي في الجامع، بس المرة دي مكنتش حاسس بالضلمة، كنت حاسس إن في نور صغير بدأ يشقشق جوا قلبي، كأني فعلًا اتولدت من جديد
رواية بين الردي والهدي الفصل الخامس 5 - بقلم نوري
شقة سيف كان لسة ساكنها الهدوء، لكن هدوء ما قبل العاصفة، السفرة لسه مرصوصة زي ما هي بحالها وكأن الأكل في البيت ده بقى تقيل على القلوب قبل البطون
أدهم كان قاعد في الصالة الموبايل في إيده و صوابعه بتتحرك بعصبية على الشاشة، كل شوية يحاول يتصل بسيف وهو بيتنفس بصوت عالي و وشه مخطوف
اما كريمة .. ف كانت قاعدة على الكنبة اللي قصاده بتبصله بنظرات كلها امل ورجاء أنه يطمنها عليه
جرب تاني يا أدهم يمكن فتحه، يمكن كان في حتة مفيهاش شبكة وبقت موجودة دلوقتي
قالتها بصوت مرتجف طالع من قلبها المحروق على ضناها، طلع زفير حاد و داس على رقمه السبيكر عشان تسمع معاه
" عفواً .. الهاتف الذي طلبته مغلق أو غير متاح حالياً "
الرسالة المسجلة كانت بتقلقهم اكتر كل ما يسمعوها، رمى التليفون جنبه على الكنبة وقال
انا حاسس أنه فيه حاجة
حطت كريمة إيدها على صدرها وبدأت تهز جسمها لورا وقدام بحركة لا إرادية بطيئة
يا وجع قلبي عليك يا سيف .. أول يوم رمضان يا ابني؟ السكة دي واخدانا معاك لحد فين تاني؟
قام ادهم وقف فجأة وبدأ يمشي في الصالة بخطوات سريعة صوته بدأ يعلى غصب عنه من كتر القلق
ما هو ده اللي هيجنني، سيف مكنش كدة، مهما غلط ومهما بعد، مكنش بيقفل تليفونه في يوم زي ده، أنا قلقان عليه بجد، مكنش طبيعي امبارح وشكله كان يوحي بمصيبة
دموعها اللي كانت محبوسة بدأت تنزل بغزارة وهي بتسمع كلامه
متفولش على أخوك يا أدهم، متقلقنيش عليه اكتر
قعد جنبها وحاوط كتافها بإيده وهو بيحاول يهديها رغم إنه هو نفسه محتاج اللي يطمنه
خلاص يا أمي اهدي
مسكت في إيده بقوة وكأنها خايفة هو كمان يغيب عنها وسط القلق ده
انا مش هقدر أنام يا أدهم ولا هيغمضلي جفن طول ما تليفونه مقفول، يا رب .. عشان خاطري طمني عليه .. عشان خاطري يا رب
الأجواء كانت مختلفة تماماً عن اللي في شقة سيف، هدوء مريح للأعصاب مع فرع النور الهادي وقعدتها وسط أسرتها اللي بتحسسها بالأمان والدفا، التليفزيون كان شغال بصوت واطي والكل ساكت، وصوت المعلقة وهي بتخبط في طبق الرز بلبن اللي قدام باباها كان هو الصوت الوحيد اللي بيقطع الصمت ده، كانت قاعدة بينهم جسمها موجود بس عقلها وقلبها في حتة تانية، ماسكة طبقها الصغير وبتحرك المعلقة فيه بآلية كأنها بترسم دوائر مالهاش أول من آخر، قلبها كان مقبوض وبينغزها بالخوف و القلق و حاسة ببرودة في أطرافها رغم إن الجو كان دافي
مالك يا ليلى؟ مش بتاكلي ليه؟
صوت مامتها قطع حبل أفكارها، رفعت راسها بسرعة ورسمت ابتسامة باهتة وهي بتقول
- لا يا ماما باكل أهو، انا بس ماليش نفس أوي، يمكن من كتر شرب الماية على الفطار
سكتت مامتها ورجعت تنتبه للتلفزيون من تاني، لكن مصطفى فضل مركز معاها وبيبصلها بنظرة الأب اللي فاهم بنته وقاري اللي ورا سكوتها، خافت يفتح سيرة يحيى تاني ف نزلت عينها في طبقها بسرعة
جواها كان فيه حرب مخلياها عايزة تقوم تجري تخبط على بابهم وتسأل عنه، لكن كرامتها وخوفها من نظرة أهلها كانوا زي اللجام اللي شاددها، حست إنها متكتفة، لا قادرة تطمن قلبها ولا قادرة تنسى اللهفة اللي شافتها في عينه يوم ما قابلته، حست بالدموع اللي بدأت تتجمع في عينيها ف قامت وقفت فجأة قبل ما حد يلاحظ
- أنا هقوم أرتاح شوية قبل التراويح، عن اذنكم
مشيت من قدامهم بسرعة وأول ما دخلت غمضت عينها بقوة وخدت نفس طويل، حست إن الأوكسجين في المكان قليل، وإن حيطان البيت بتضيق عليها من كتر الخوف عليه ومن السكة اللي سحبته لحتة ميعرفش يرجع منها تاني، مسحت على وشها وحاولت تستجمع قوتها وهي بتهمس لنفسها بيقين مهزوز
- اهدي .. ثقي في ربنا وبس
كنت لسة قاعد في الركن اللي ورا العمود، الضلمة حواليا كانت بتطبطب على خزيي، وكلام الشيخ لسه بيرن في ودني
الصخرة طاشت
كنت مغمض عيني وبحاول أتخيل الميزان ده، صخرة ذنوبي اللي بقالها تلات سنين بتتقل، وورقة الوضوء والصلاة اللي لسه عاملهم، هل فعلاً ممكن تطيش؟ هل ربنا هبيقبل اللي زيي بمجرد دمعة وسجدة؟
الوقت سرقني وأنا غرقان في أفكاري، سمعت صوت المؤذن وهو بيرفع أذان العشاء، الصوت المرة دي دخل قلبي من غير استئذان، مكنش بيخوفني زي ما كان بيعمل طول السنين اللي فاتت، كان المرة دي بيطبطب عليا ويقولي
أدي الفرض التاني أهو .. اثبت
قومت وانا حاسس بجسمي تقيل بس روحي كانت خفيفة، وقفت في الصف كتفي في كتف راجل غريب معرفوش، كنت حاسس بآلفة غريبة، كأني رجعت لبيتي الحقيقي، صليت العشاء والتراويح، وكل سجدة كنت بحس إن الأرض بتسحب مني وجع سنين، كنت بسجد وبطول مش عايز أقوم، عايز أفضل في الحتة دي للأبد، بعيد عن وليد، وبعيد عن القمار، وبعيد عن النسخة القبيحة مني اللي كنت عايش بيها
خلص الإمام آخر ركعة في الوتر وسلم، قعدت استغفر شوية وبعدين افتكرت أهلي، أمي اللي زمانها دلوقتي قاعدة على السجادة وبتدعيلي وهي بتبكي، وأدهم اللي أكيد القلق واكل قلبه، لازم أطمنهم، لازم يعرفوا إني بخير .. وإني بدأت أنضف
مديت إيدي في جيبي عشان أطلع التليفون بس ملقتوش، فتشت الجيب التاني بلهفة و نفضت هدومي، بصيت حواليا على السجادة اللي كنت قاعد عليها لكن مفيش حاجة، اختفى
وقفت وبدأت أدور ورا العمود لكن برضو ملقتوش، سألت الراجل اللي كان جنبي يمكن شافه
* يا حاج، شوفت موبايل كان هنا؟ موبايل أسود؟
هز راسه وقال
لا يا ابني والله
وقفت مكاني بحاول افتكر سيبته فين لكن دماغي مش مجمعة من اللي كنت فيه، طب واهلي؟ زمانهم دلوقتي نارهم قايدة ومش عارفين يوصلولي، استعرضت ربنا فيه وقررت أرجع البيت اطمنهم عليا، لازم ارجعلهم قبل ما يفقدوا الأمل فيا تماماً
القلق و السيناريوهات المرعبة كانت بتنهش في ادهم، مكنش قادر يثبت في مكانه و بيتحرك في الصالة بخطوات مضطربة، كل شوية يروح ناحية الشباك يبص على الشارع ويرجع تاني لمكانه، وكأن الحركة هي الطريقة الوحيدة اللي بتخفف عنه نار القلق، الموبايل في إيده مكنش بيفارقه لحظة، كل شوية يرفع الشاشة يبص على الساعة ويحاول يتصل بيه تاني لكن بدون فايدة
أنا مش هقدر أفضل قاعد كدة يا أمي، أنا هنزل أشوفه فين
قالها وهو بيسحب مفاتيحه من على الترابيزة وصوته فيه حسم مبيقبلش الجدال، قامت كريمة ومسكت في دراعه بلهفة
تنزل تروح فين يا ابني؟ أنت عارف هو راح فين؟ هتدور عليه في أنهي سكة بس
مسح على وشه بتعب وقال
هلف في كل مكان، هسأل عليه في المنطقة وهشوف الأماكن اللي كان بيقعد فيها، المهم مفضلش قاعد هنا والتفكير بياكل في راسي
جت على بالها فكرة ف قالت
طب اطلع لعمك مصطفى خليه ينزل معاك، هو بيعز سيف مهما حصل، وبالي مش هيهدى إلا لو كنتوا مع بعض
كان هيعترض لكن شاف في عينيها خوفها عليه هو كمان، هو راسه وخرجوا سوا على السلم، طلعوا وبدأت كريمة تخبط على باب شقتهم خبطات سريعة نسبياً وقلب بيدق بعنف
أول ما الباب اتفتح بان وش مصطفى الهادي اللي اتبدلت ملامحه للقلق أول ما شافهم، ومن وراه ظهرت ليلى وفاطمة وهما قلقانين من الخبط، وقفت كريمة على الباب وبدون تفكير قالت بكسرة وتوسل
بالله عليك يا أبو ليلى، سيف مرجعش وموبايله مقفول من بدري وأنا قلبي مش مطمن، انزل مع أدهم ساعده يلاقيه، بالله عليك
رغم كل الضيق اللي جواه من سيف إلا أن ملامحه لانت، بص لأدهم وقال
ثواني والبس جزمي وأكون معاك يا ابني، اهدي يا أم سيف، إن شاء الله مفيش غير كل خير
في اللحظة دي، حطت ليلى إيدها على قلبها فجأة، وكأنها لقت التفسير للنغزة اللي كانت حاسة بيها، عينيها لمعت بالدموع وهي بتبص لأدهم بخوف إن يكون سيف جراله حاجة، خرج مصطفى وقبل ما ينزلوا مسكت كريمة في قميص أدهم بقوة وبصتله بنظرة مليانة وجع ورجاء
امانة عليك مترجعش البيت من غير أخوك، هاتهولي يا أدهم، هاتهولي عشان النار اللي في صدري دي تنطفي
هز راسه بأسى ونزل مع مصطفى، سندت فاطمة كريمة ودخلتها جوا، و فضلت ليلى واقفة ورا الباب، سندت جبهتها على الخشب وغمضت عينها وبدأت تهمس
- يا رب .. أنت اعلم بمكانه، احفظه ورده لينا بالسلامة، يا رب لا تفجعنا فيه
طلعت السلم بلهفة ممزوجة بشوق، لهفة اني ارجعلهم واطمنهم عليا، وشوق اني اشوف في عيونهم فرحتهم برجوعي عن اللي كنت بعمله، وصلت قدام باب شقتنا وطلعت المفتاح بإيد مرتعشة، فتحته ودخلت وأنا بتلفت حواليا زي الغريب
* امي؟ أدهم؟
محدش رد، دخلت أوضتها يمكن الاقيها بتصلي، لكن مكنتش موجودة، خرجت ودخلت اوضة ادهم وانا بنده عليه لكن ملوش اثر برضو، الحال اتبدل وبقيت انا اللي قلقان عليهم دلوقتي، يا ترى راحوا فين، يارب متكونش أمي تعبت ولا ادهم جراله حاجة، خرجت من الشقة وأنا مش شايف قدامي، مكنتش عارف هروح فين ولا ادور عليهم عند مين، ملقتش حل غير إني أطلع لشقة ليلى، اترددت كتير لكن مفيش حل تاني، طلعت و وقفت قدام بابهم وأنا حاسس بالخزي من نفسي و إني مش حمل أبص في عين حد فيهم، رفعت إيدي وبدأت أخبط خبطة واحدة هادية وبعدين التانية، اتفتح الباب ببطء .. وظهرت هي
الوقت وقف في اللحظة دي والهوا اتسحب من حواليا لثانية، كانت واقفة وشها باهت وعينيها باين عليهم التعب، لكن أول ما شافتني اختفى في ثانية وحل مكانه لمعة خلتني أتهز من جوايا
- سيف
قالتها بصوت كأنها بتطمن إن اللي واقف قدامها ده حقيقة مش خيال، مكنتش قادر أنطق، بصتلها وعيوني بتنطق بكل اللي لساني عاجز عنه، كنت بقولها إني أسف، إني ضعت، إني كنت غبي لما سيبت النور اللي في عينيها وروحت للسواد، فضلت باصصلها وبس وانا بشبع من ملامحها اللي كانت غايبة عني
سيف؟ أنت جيت يا ابني؟
صوت أمي طلع من جوا شقتهم، جت تجري عليا وهي بتشهق و اترمت في حضني
ليه يا سيف؟ ليه بتوجع قلبي عليك يا ابني؟ ده أدهم وعمك مصطفى نزلوا يقلبوا الدنيا عليك، كنت فين يا حبيبي؟
دفنت راسي في كتفها وغمضت عيني ودموعي نزلت من غير استئذان
* حقك عليا يا أمي .. سامحيني، والله ما هعمل كدة تاني، والله ما هغضب ربنا ولا هغضبكم مني أبداً
مسكت إيدها وبوستها بلهفة عشان ترضى عني، طنط فاطمة كانت واقفة بتمسح دموعها وبتحمد ربنا، وأمي بدأت تشدني من إيدي وهي بتقول
يلا يا حبيبي، يلا ننزل بيتنا، البيت كان ضلمة من غيرك
خليتها تسند على ايدي و نزلنا، وقبل ما أغيب عن عينيها، لفيت وشي وبصيت لليلى لآخر مرة، كانت لسه واقفة عند الباب، عينيها مدمعة وبتبصلي بنظرة فيها يقين غريب، وكأنها كانت عارفة إني هرجع
نزلت وأنا حاسس إن روحي ردت فيا، بس المرة دي وأنا سيف جديد مش ناوي يخسر رضا ربنا وأهله تااني أبداً
اللحظات اللي بنقضيها في أحضان أمهاتنا بالدنيا كلها ومفيش حاجة تعوضها، ودة اللي عرفه سيف وهو منهار في حضن كريمة، ساند كتفها وإيده ماسكة في طرف توبها وكأنه طفل خايف يضيع في الزحمة تاني، صوت بُكاه كان عالي ودموعه مبتقفش
* سامحيني يا أمي، بالله عليكي سامحيني، أنا عارف إني شيلتك الهم وسودت عيشتك، بس والله العظيم مليش غيرك، مليش مكان أهرب فيه من نفسي غير حضنك
كريمة حالتها مكنتش تقل عنه في شيئ، دموعها كانت بتنزل على شعره وإيديها بتتحرك على ضهره بحنية
أنا عمري ما غضبت عليك يا حبيبي، الأم مبتغضبش على حتة من قلبها مهما وجعتها، أنا كنت بتوجع عشانك مش منك، كنت بموت كل ليلة وأنا شايفة ابني بيضيع من إيدي ومش عارفة أشده، كنت بفرش سجادتي وأقول يا رب .. يا رب سيف أمانة عندك ردهولي، والحمد لله إنك رجعت يا نور عيني
بصلها وهو بيمسك إيديها وبيبوسها بلهفة وندم
* أنا كنت ميت والنهاردة بس صحيت، قولي إنك راضية عني، قوليها عشان أقدر أعيش
راضية عنك يا أول فرحتي، راضية عنك دنيا وآخره، بس خليك في حضني و متوجعش قلبي تاني
في اللحظة دي، اتفتح الباب ودخل أدهم وهو بينهج، وشه كان مخطوف وعينيه بتدور في الصالة زي المجنون، اول ما شاف سيف رمى مفاتيح البيت وجري عليه من غير تفكير وبكل قوته شده لحضنه، حضن كان فيه عتاب السنين وخوف الليلة دي كلها، دفن وشه في كتفه وبدأ يبكي بصوت عالي، بُكا واحد كان شايل حمل أكبر من سنه خايف يصحى الصبح وميلاقيش سنده
كنت فين يا سيف؟ انت عايز تموتني ناقص عمر؟ متعملش فينا كدة تاني إحنا ملناش غيرك
شدد سيف من ضمته ليه وهو بيبكي معاه، مالت كريمة عليهم وحاوطتهم بدراعاتها، وهي بتهمس في سرها
يا رب احفظهملي ومتفجعش قلبي في حد فيهم يا رب
الأوضة كانت غرقانة في ضوء الوناسة الضعيف، مصطفى كان قاعد على طرف السرير ساند ضهره ومربع إيده فوق صدره، ملامحه كانت هادية بس عينيه كانت بتسرح في الفراغ
فاطمة كانت قاعدة جنبه وشها منور بفرحة حقيقية وهي بتحكي بحماس وتأثر وكأنها بتوصف مشهد من مسلسل
ياه مصطفى لو كنت شوفت منظره وهو واقف على الباب، الولد كان مكسور كسر يقطع القلب، وأول ما شاف كريمة اترمى في حضنها وهي يا حبة عيني كانت بتعيط ومش مصدقة أنه قدامها، الحمد لله انه رجع، والله الواحد قلبه كان واكله عليه أوي
هز راسه ببطء من غير ما يقطع خيط كلامها ف كملت
فضلت تحضن فيه وتقوله راضية عنك وهو يوعدها إنه مش هيغضب ربنا ولا هيزعلها تاني، أنا فرحانة عشانها أوي، كريمة تعبت وشالت فوق طاقتها كتير، والنهاردة بس تقدر تنام وهي مطمنة
سكتت لحظة مستنية منه تعليق لكنه فضل ساكت، نظراته كانت شاردة وكأنه مش سامع تفاصيل الفرحة دي، أو شايف تمن تاني ليها مفيش حد واخد باله منه غيره
انت روحت فين؟ مش فرحان لسيف؟
سألته باستغراب وهي بتلمس كتفه بشويش، اتنهد تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدره محملة بتقل السنين، يصلها وقال بصوت واطي ورزين
فرحان طبعاً يا فاطمة، سيف ابني قبل ما يكون ابن جاري، كريمة تستاهل كل خير، والبيت ده مكنش ينفع يفضل مكسور كدة
سكت لحظة وهو بيبص ناحية باب اوضة ليلى المقفول وكمل بشرود
بس أنا بفكر في ليلى
استغربت وسألته
ليلى؟ ومالها ليلى يا مصطفى؟ ده البت كانت هتموت من الخوف عليه، ودلوقتي زمانها نايمة وهي مرتاحة
هز راسه بأسى مكتوم وقال
ما هي دي المشكلة، إنها مرتاحة، رجوع سيف النهاردة بالشكل ده وبالندم اللي شافته في عينيه أحيا جواها أمل كان بدأ يدبل، ليلى كانت صابرة على نار، والنهاردة النار دي بقت نور في عينيها، أنا خايف يا فاطمة، سيف لسه قدامه مشوار طويل عشان يثبت إنه اتغير بجد، وخايف بنتنا تتعلق بحبال دايبة وتدفع هي تمن ندمه ده من أعصابها و سنينها
بص للأرض وكمل بصوت فيه خوف الأب على أغلى ما يملك
ليلى قلبها رقيق، وتعلقها بسيف مش مجرد عشرة جيرة، ده وعد هي حطاه بينها وبين نفسها، رجوعه النهاردة خلى الوعد ده حقيقة في نظرها، وأنا كأب قلبي مقبوض من فكرة إنه ممكن يضعف تاني، أو إن المشوار اللي بدأه النهاردة يكون تقيل عليه فينسحب، وساعتها هي اللي هتدفع التمن
سكتت وبدأت ملامح الفرحة على وشها تهدى وتتحول لتفكير وقلق هي كمان، قام مصطفى وراح ناحية الشباك و بص للشارع وهو بيهمس لنفسه
يا رب زي ما ريدت سيف لأمه رده لنفسه وللحق عشان خاطر القلوب اللي استنته دي متتكسرش تاني
كنت قاعدة في أوضتي على سجادة الصلاة ودموعي نازلة زي الشلال، لكن المرة دي مكنتش دموع وجع، كانت دموع فرحة ورضا
- يا رب .. استجبتلي؟ بجد يا رب استجبتلي انا العبد الضعيف؟
مكنتش مصدقة اللي حصل، لسه صوت خبطته على الباب بيرن في ودني، وصورته. ..صورته وهو واقف قدامي، وشه التعبان، وعينيه اللي كانت بتدور على سيف القديم وسط ملامحي، مكسورة بس فيها ضي جديد زي اللي كنت بشوفه زمان، فردت جسمي على السجادة وغمضت عيني، كلامه لسه بيتردد في عقلي زي صدى صوت جميل
* والله ما هعمل كدة تاني .. والله ما هغضب ربنا ولا هغضبكم مني أبداً
يا رب، هو أنا سمعت صح؟ ولا دي أوهامي اللي رسمتلي الجملة دي عشان تطمن قلبي؟ أنا بقالي سنين بتمنى أسمع الكلمة دي، سنين بدعي إنه يرجع لبابك قبل ما يرجعلنا، بس جوايا حتة خايفة .. خايفة أتعشم بزيادة تكون لحظة ندم عابرة والشيطان يضحك عليه تاني
- لا .. اكيد المرة دي غير
قولتها لنفسي وأنا بمسح دموعي بطرف الإسدال، النظرة اللي كانت في عينيه وهو بيبصلي قبل ما ينزل كانت نظرة غريق لقى شط، حسيته بيقولي فيها أنا جيت ومحتاجك تسندي معايا
قلبي كان بيدق بعنف، وببتسم وسط بكايا وأنا بفتكر ملامح طنط كريمة وهي حاضناه، البيت أخيراً رجعتله الروح .. و رجعتلي أنا كمان
قومت وقفت وورحت ناحية الشباك، وفتحته براحة عشان أشم هوا، بصيت على البيوت اللي كانت منورة بالزينة والفوانيس في كل مكان وكأني اول مرة اشوفهم، ابتسمت وبصيت للسما وانا بدعي في سري
- يا رب، ثبته و متخليهوش يضعف تاني، واجعل رجوعه ده بداية لخير ملوش آخر .. قادر على كل شيئ يا رب
رواية بين الردي والهدي الفصل السادس 6 - بقلم نوري
ي
كنت فارد جسمي على السرير في أوضتي، لأول مرة أحس إنه بيسيعني، وإن الحيطان دي مش خنقاني، غمضت عيني وأنا بحاول أهدى، محتاج أنام وأفصل عقلي عن كل اللي حصل، بس الصور كانت بتطاردني ورا جفوني، وش ليلى، دموع أمي، ولهفة أدهم
سمعت خروشة خفيفة عند الباب وبعدها صوت تكة المقبض وهو بيتفتح بحذر، مكنتش محتاج أفتح عيني عشان أعرف إنه أدهم، ريحته وخطواته اللي حافظها من وإحنا عيال صغيرة عرفتني بيه، حسيت بالسرير بيميل تحت وزنه وهو بيقعد على طرفه جمبي، فضلت مغمض عيني ثواني، كنت خايف أفتحها الاقيه لسه زعلان أو ألاقي في عينه نظرة الخزي اللي كنت بشوفها زمان، بس سكوته طال ف فتحت عيني ابصله، فضل ساكت كأنه بيدور على كلام يبدأ بيه، وفي الآخر مد إيده وطبطب على كتفي وقال
نورت بيتك يا سيف، والله ما مصدق انك رجعت، انا فرحان بجد إنك بقيت وسطينا
خدت نفس طويل وخرجته وانا بقوم اقعد قدامه وقولت
* الحمد لله
سكت شوية وكان متردد يتكلم، حسيت أنه خايف يجرحني ف طمنته
* قول اللي جواك، مش هزعل منك
بصلي بدهشة إني كشفت أمره، سكت شوية برتب كلامه وبعدين قال
هو .. هو انت فعلاً مش هترجع للطريق دة تاني
* أيوا، مش هرجع ليه تاني، انا فوقت يا ادهم، فوقت بجد، والمرة دي مش زي كل مرة كنت بوعدكم فيها وأنا كداب، أنا شوفت سواد الدنيا اللي كنت غرقان فيها، ولولا ستر ربنا ودعاء أمي أنا مكنتش هبقى قدامك دلوقتي
سكت شوية وحسيت بغصة في حلقي وأنا بكمل
* انا مش بس مش هعمل كدة تاني، أنا بقيت خايف من نفسي القديمة أكتر منكم، كل اللي بتمناه دلوقتي إن ربنا يسامحني، ويقدرني أصلح القرف اللي عملته فيكم وفي ليلى وفي نفسي، تفتكر ربنا هيقبلني بعد كل ده يا أدهم؟
قرب مني أكتر وقال
ربنا غفور رحيم يا سيف، وان شاء الله هيقبل رجوعك، المهم دلوقتي إنك ترجع سيف اللي إحنا عارفينه
قام وقف وهو بيمسح على شعري بحنان مكنتش متخيله وكأنه هو الكبير مش انا، ابتسم ابتسامة خفيفة كانت غايبة عنه بقالها كتير وقال
هسيبك ترتاح شوية وتفرد ضهرك، الوقت لسه بدري على السحور غمض عينك ونام وأنت مطمن إنك في بيتك، ولما ييجي وقت السحور هصحيك عشان نتجمع كلنا على سفرة واحدة زي زمان
هزيتله راسي بامتنان ف خرج وقفل الباب وراه بعدوء، رجعت نمت مكاني تاني، بس المرة دي وأنا حاسس إن السرير مريح بجد، وإن السواد اللي كان مغطي عيني بدأ يتسحب ويحل محله نور خفيف .. نور البداية الجديدة
على قرب الفجر، المطبخ كان مليان بريحة الأكل الشهي اللي بقاله مدة غايب عن البيت، كريمة كانت واقفة قدام البوتاجاز كأنها استردت عشر سنين من عمرها في ليلة واحدة، بتتحرك بخفة غريبة و الهم اللي كان راسم خطوط وتجاعيد على وشها اختفى وحل محله ابتسامة وهدوء وهي بتردد بصوت واطي مع راديو المطبخ اللي كان شغال بتواشيح الفجر
دخل أدهم المطبخ وقف على الباب وهو مربع إيده وباصصلها بذهول ممزوج بابتسامة واسعة، قعد يتفرج عليها ثواني وهي بتقطع الطماطم والخيار وبترصهم كأنهم لوحة فنية وبعدين نطق بهزار
إيه يا ست الكل؟ إيه كل النشاط ده مرة واحدة؟ ده إحنا بقالنا شهر بنطلع السحور بالعافية، منين جه العزم ده كله؟
لفت وشها ليه وابتسامتها واصلة لعينها وملامحها بتنطق بفرحة وهي بتقول
من دلوقتي يا قلب أمك، جه لما الروح ردت في البيت، تعالى ساعدني يلا
ضحك ودخل المطبخ وهو يبص على الأصناف اللي مالية الرخامة
لا إله إلا الله، إيه يا أمي كل ده؟ فول بالسمنة، وبيض، وجبنة، وزبادي بيتي وخضار، ده سحور ده ولا عزومة أول يوم رمضان؟ طب سيبي أصناف للفطار يا ست الكل، كدة مش هنلاقي حاجة نعملها بكره
ضحكت برقة وقالت بثقة
خير ربنا كتير يا ابني، ده أنا إن شاء الله نويت أعملكم أحلى فطار بكره، هعمل كل اللي بتحبوه، كله عشان خاطر عيون سيف، عشان يحس إنه رجع لبيته ولعزه
قرب منها ومسك إيدها وباسها وقال
ربنا يخليكي لينا يا أمي، ويقدرنا نعوضك عن كل ليلة سهرتيها شايلة همنا، أنا والله ما مصدق إني شايفك بتضحكي كدة، كأني بحلم
طبطبت على كتفه وعينها لمعت بدموع الفرحة
وأنا كمان يا حبيبي، أنا كمان مبسوطة اوي، قولي، اخوك لسة نايم؟
أيوا، دخلت بصيت عليه تاني لقيته لسة نايم
اتنهدت براحة وبعدين سلمته قشارة البطاطس وقالتله بلهجة آمرة بس فيها حب
طيب امسك بقى البطاطس دي قشرها وخرطها عشان نقليها، مفيش وقت، الفجر قرب وعايزة كل حاجة تكون جاهزة وتفتح النفس قبل ما نصحيه
شمر كمامه وضحك وهو بيقول
من عينيا يا ست الكل، أحلى بطاطس محمرة لأحلى أم في الدنيا، ولعيون سيف الغالي
في شقة ليلى، كانت بتتحرك في المطبخ وكأنها فراشة لقت طريقها للنور بعد تيهة طويلة، واقفة بتجهز اطباق السحور بنظام وهدوء و إيدها بتسبق تفكيرها من الحماس، وشها اللي كان دبلان طول الشهور اللي فاتت النهاردة كان فيه ردّة غريبة، بشرتها نورت وعينيها اللي كانت مطفية من كتر السهر والانتظار بقى فيها لمعة حية، لمعة حد لقى حاجة غالية كانت ضايعة منه
كانت بتغرف الفول وبتحط عليه الليمون والكمون بدقة، وبترص الخضار في الأطباق وهي بتدندن بصوت واطي جداً نغمات مبهجة مكنتش بتطلع منها إلا وهي مرتاحة البال، وكأن رجوع سيف مسح كل السواد اللي كان مرسوم تحت عينيها
على باب المطبخ، كان مصطفى واقف ساند بضهره على الحيطة ومربع إيده وعينه مراقبة كل حركة بتعملها، شايف الفرحة اللي بتنط من عينيها و النشاط اللي رجع لجسمها فجأة، وبدل ما يحس بالراحة حس بـ نغزة في قلبه، فضل يراقبها وهو ساكت، بيشوف إزاي رمت كل وجعها ورا ضهرها بمجرد ما شافت سيف راجع، وازاي كانت مستنية إشارة واحدة عشان تفتح أبواب قلبها للأمل من تاني
لفت ناحية التلاجة ف شافته واقف بيراقبها، ضحكت بكسوف وقالت بصوت رقيق
- إيه يا بابا واقف كدة ليه؟ السحور خلاص جهز أهو، والله ريحة الفول تجوع، ثواني وهحط كل حاجة على الطبلية
ابتسم ابتسامة هادية بس عينه مكنتش بتضحك بنفس الدرجة، قرب منها وبص للأطباق اللي شكلها يفتح النفس وقال
تسلم إيدك، بقالك كتير مكنتيش بتدخلي المطبخ بالهمة دي، باين عليكي الفرحة
وشها احمر ونزلت عينيها في الأرض وقالت بصدق
- الحمد لله، الواحد حس إن فيه هم انزاح عن صدره، طنط كريمة غالية علينا وفرحتها من فرحتنا، والحمد لله إن ربنا جبر بخاطرها ورجعلها سيف
اتنهد تنهيدة طويلة لما حس بالخوف اللمعة اللي في عينيها، خايف تكون بنت أحلام كبيرة أوي على مجرد نظرة ندم شافتها في عين سيف، كان نفسه يقولها ان لسة الطريق طويل، بس مكنش عايز يطفي النور اللي بدأ يرجع لوشها ف اكتفى بانه طبطب على كتفها بحنان وقال
با رب يا بنتي يكون رجوعه دة بجد ويقدرنا جميعاً على اللي جاي. يلا يا حبيبتي، هاتي الأكل واندهي لأمك، الفجر خلاص على وشك
شالت الصينية بحماس وهي بتقول
- حاضر يا بابا، من عينيا
خرجت من المطبخ بخطوات خفيفة و وقف مصطفى مكانه بيبص لطيفها بحزن
أحلى طبق فول بالسمنة
قالتها كريمة وهي بتحط اخر طبق على السفرة اللي اتجمعوا عليها من تاني، سيف كان قاعد في النص على الكرسي الكبير وادهم وكريمة على الجانبين، قرب منه ادهم وقال
أمك مخلتش صنف في المطبخ إلا وعملته، شكلي هطلع من رمضان ده وزني زايد بسببك
ابتسم ابتسامة هادية، ولسه هيمد إيده عشان ياكل سبقته كريمة واكلته بأيديها
كل يا قلب أمك، والله ما كان للأكل طعم وأنت بعيد
بص لإيديها وحس بغصة من الحنان اللي غمره فجأة، فتح بقه وأخد منها تاني وهو بيحاول يداري دموعه اللي كانت هتنزل
* تسلم إيدك يا أمي، ربنا ما يحرمني منك
ولا من لمتكم حواليا يا حبيبي
طبطبت على كتفه ومسحت بصباعها طرف بقه وكأنه لسه طفل صغير، ضحك أدهم وقال
ايوة يا ست الكل، دلعي سيف وانسيني أنا، ماشي يا عم سيف، مفيش حد قدك النهاردة
خرجت الضحكة من قلب سيف بجد المرة دي وبصله وقال
* حقك عليا يا سيدي، أنا اللي هخدمكم المرة الجاية
في اللحظة دي، صوت تواشيح الفجر بدأت تعلى من الجامع اللي في آخر الحارة، غمض عينه واستشعر جمال اللحظة، نومة هنية، سحور ولمة مع أهله، واطمئنان حقيقي اتسرسب جواه بعد خوف طويل، حس إن دي الجنة المصغرة اللي كان بيفر منها، وإن مفيش في الدنيا كلها أغلى من لقمة بتتاكل بحب وتحت عين أم راضية
نزل من باب الشقة ووراه أدهم، كانت المرة الأولى اللي يدوس فيها على سلاليم العمارة في الوقت دة وهو فايق، مش تايه ولا هربان من عيون الجيران، أدهم كان ماشي جنبه مالي كتفه بيه وكأنه بيعلن للحارة كلها إن أمانه وسنده رجع
أول ما وصلوا قدام باب المسجد وقف سيف لحظة، كان خايف من المواجهة، خايف من نظرات الناس اللي كانت بتبصله زمان بشفقة أو بضيق، لكن أدهم حط إيده على ضهره وضغط عليه ضغطة خفيفة يشجعه بيها، دخل وهو حاسس بالخجل من نظرات اهل حتته اللي اتوجهت ليه، بص على الركن البعيد اللي كان بيقعد فيه دايماً بيدور على شخص معين لحد ما لقاه، عم منصور، الراجل العجوز اللي بيقعد دايمًا ورا الإمام، أول ما شاف سيف عينه لمعت و وقف بصعوبة وهو بيسند على عكازه وبيقرب منه، نزل راسه في الأرض لكن منصور مسك إيده وضغط عليها بحب
مش مصدق نفسي .. سيف؟
مكنش قادر ينطق، رد أدهم بداله بأبتسامة عريضة وقال
ايوا سيف يا عم منصور
شده لحضنه وهو مش مصدق شوفته قدامه
ياه، أخيراً، والله الكل كان مستني طلتك دي، حمد لله على السلامة يا ابني
خرج من حضنه و وطى باس إيده وقال والدموع في عينيه
* الله يسلمك يا عمي
بدأت الوجوه تقرب منهم، شباب الحارة اللي كانوا بيسلموا عليه بحرارة، ترحيب مفيهوش عتاب ولا ملامة، كأنهم اتفقوا كلهم إنهم يفتحوله صفحة بيضا، اللي يطبطب على كتفه، واللي يبتسمله ابتسامة صافية
مكنش متخيل إن الرجوع هيكون حلو كدة، كان فاكر إنه هيتحاكم، بس لقى حضن كبير بيحتويه
طلعت شمس يوم جديد كله طاقة للتغيير .. وأمل للوفاء بالوعد
المحل كان ريحته مختلفة، أو يمكن ليلى هي اللي شايفة الدنيا كلها بقت ريحتها ورد، كانت واقفة بتشيل الشوك من وردة چوري حمراء وإيدها بتتحرك بخفة ونشاط، الشمس كانت داخلة من واجهة المحل الازاز وعاكسة أشعتها على وشها، وكأنها هي كمان وردة فتحت فجأة بعد شتا طويل
نرجس، كانت قاعدة ورا المكتب الصغير بتراقبها من تحت لتحت بابتسامة، حبت تنكشها ف قالت
بالراحة على الورد، مش حمل كل الفرحة اللي في عينيكي دي
لفت والضحكة مالية وشها، حطت الوردة في الفازة وقربت من نرجس وهي بتمسح إيدها في المريلة
- مش قادرة أخبيها، والله يا طنط رجع، سيف رجع بجد، شوفته النهاردة الفجر وهو رايح الجامع مع أدهم، كان واحد تاني خالص، وشه فيه راحة ونور مكنتش بشوفهم غير زمان
سابت نرجس القلم من إيدها وبصتلها بصدق
والله قلبي فرح لك، أنا كنت بشوفك الأيام اللي فاتت دبلانة وخايفة، وكنت بدعيلك ربنا يبرد نار قلبك، الحمد لله إن رجوعه كان بالهداية
قعدت على الكرسي اللي قدامها وعينيها لمعت بدموع الفرحة
- عارفة، صوته وهو بيكلم مامته وبيعتذرلها كان صادق أوي، أنا كنت حاسة إن ربنا مش هيضيع دعواتي، بس اللحظة لما بتيجي بتبقى أكبر من أي توقع، أنا دلوقتي حاسة إني قادرة أتنفس بجد
مدت نرجس إيدها ومسكت إيد ليلى وضغطت عليها بحنان
يا حبيبتي، ربنا يثبته على اللي هو فيه، يا رب يفضل ثابت على النور ده وتكون دي البداية اللي بجد، وعارفة؟ أنا عندي إحساس إن ربنا هيكافئك على صبرك ده والموضوع هيتم على خير وهشوفك أحلى عروسة لسيف وفي أقرب وقت كمان، ربنا يجمعكم في الحلال ويجعل بيتكم كله ورد زي المحل بتاعنا ده
غطت وشها بإيديها بكسوف وقلبها كان بيدق بسرعة
- يا رب يا طنط، أنا مش عايزة غير إنه يفضل بخير ويبعد عن طريق السوء، والباقي كله رزق من عند ربنا
متقلقيش عليه، ويلا بقى يا ست ليلى شوفي الزبون اللي داخل ده، و ورينا همتك في تنسيق بوكيه يكون وش السعد زي يومك النهاردة
- دة من عيوني
قامت بابتسامة واستقبلت الزبون وهي حاسة إن العالم كله بيضحكلها
دخلت باب الشركة والخطوات كانت تقيلة على قلبي، لكن جوايا كان فيه عزم أول مرة أحس بيه، لبست أنضف قميص عندي وحاولت أرتب شكلي على قد ما أقدر عشان أمحي صورة سيف الضايع اللي سيبتها عندهم، أول ما دخلت العيون كلها جت عليا وسمعت همسات الموظفين لكن كملت طريقي لمكتبي وأنا باصص قدامي
قبل ما أوصل، خرج المدير من مكتبه، أول ما عينه جت في عيني وشه اتغير وبقى لونه أحمر من الغضب، وقف في نص الصالة وصوته هز المكان كله
أنت ليك عين تيجي تاني؟ أنت مفكر الشركة دي لوكاندة تدخل وتخرج منها بمزاجك؟
قربت منه وأنا بحاول أحافظ على هدوئي وصوتي وقولت
* أستاذ رأفت، أنا عارف إني غلطت، بس والله كان عندي ظروف صعبة أوي، وأنا جيت النهاردة عشان أعتذر وأثبتلك إني..
تثبتلي إيه؟
قطع كلامي بزعيق وهو بيخبط على المكتب اللي جنبه
أنا حذرتك مية مرة وقولتلك دي آخر فرصة ليك وأنت ولا كأنك هنا، غياب بالأيام وتليفون مقفول واستهتار، أنت فاكر نفسك مين؟
الموظفين كلهم كانوا بيتفرجوا، وفي وسطهم شفت وليد ومازن واقفين بعيد وعلى وشهم نظرات غريبة كانت مزيج بين الشماتة والاستغراب، بلعت ريقي وقولت بصوت فيه رجاء
* أنا هلتزم من النهاردة يا فندم، والله مش هغيب تاني وهعوض كل الشغل اللي فاتني، بس اديني فرصة أخيرة
فرصك خلصت ومعدتش تلزمني، روح دلوقتي قدم استقالتك لشؤون الموظفين، ومش عايز أشوف وشك هنا تاني .. يلا
بصتله بصدمة من كلامه، الدنيا اسودت في وشي لحظتها وانا شايف الفرصة. اللي ياما حلمت بيها بتضيع قدام عينيا، فكرت ادخل أكلمه تاني، لكن لقيتني مش هستحمل كلامه ليا تاني بالشكل دة قدام الكل، لفيت ضهري وخرجت من المكتب وأنا حاسس بكسرة نفس و إني بجني ثمار اللي عملته في نفسي، وأنا نازل على السلم سمعت خطوات سريعة ورايا وصوت وليد وهو بينادي
سيف .. يا سيف، استنى يا عم
وقفت مكاني ف جيه وقف قدامي
إيه يا عم كنت فين؟ خضتنا عليك
مردتش عليه وكملت طريقي للشارع، بس هو لحقني وشدني من ايدي
جرى إيه يا سيف؟ يا عم اللي حصل جوه ده ولا حاجة، أنت مكنتش بتعمل جريمة يعني ده غياب يومين، فكها كدة، اقولك، تعالى نسهر النهاردة سهرة حلوة ننسى فيها الهم ده كله، والشباب كلهم مستنيينك
بصتله ولأول مرة أشوفه على حقيقته، شوفت في عينه السواد اللي كان هيسحبني معاه، شديت ايدي منه وقولتله بلهجة حاسمة
* مش عايز يا وليد، ولا النهاردة ولا بعده
رفع حاجبه باستنكار وقال
خلاص يا سيدي، بلاش النهاردة، نخليها مرة تانية لما تروق
قربت منه خطوة وقولت بصوت طالع من قهر قلبي قوتي الجديدة
* لا في تانية ولا تالتة يا وليد، انا مش هعمل كدة تاني ولا هقابلكم تاني، أنا ما صدقت فوقت، ومش مستعد أرمي نفسي في النار بإيدي مرة تانية
ضحك باستهزاء وقال
ودا من امتى بقى إن شاء الله؟ فجأة كدة فوقت؟
بصتله بثبات مكنتش أعرف إني أملكه
* من دلوقتي .. من اللحظة اللي عرفت فيها إني كنت بضيع أهلي وبضيع نفسي عشان شوية وهم، ابعد عن سكتي يا وليد، مش عايز اشوفك تاني
سيبته واقف مكانه ومشيت وأنا مش عارف هروح فين، بس كنت حاسس بخفة غريبة في قلبي رغم إن الشغل ضاع، كنت حاسس إني قفلت باب كبير للشر، وإن ربنا أكيد هيفتحلي باب غيره
دخلت الشقة لقيت أمي قاعدة في الصالة، كانت ماسكة سبحتها في إيدها وأول ما شافتني عينيها لمعت بالفرحة، بس الفرحة دي مكملتش ثواني وأول ما قربت منها لقطت الهم اللي حاولت أداريه ورا ابتسامة باهتة
مالك؟ وشك مخطوف ليه يا ضنايا؟
سألتني وهي بتطبطب على الكنبة عشان أقعد جمبها، قعدت وحسيت إني صخرة تقيلة اترمت على الأرض، سكت شوية وأنا بفرك إيدي في بعضها مش عارف أبدأ منين، خايف أكسر فرحتها بتاعة الصبح، بصتلها وقولت بتردد
* أمي .. أنا روحت الشركة النهاردة
سكتت ف كملت بصوت واطي وأنا باصص للأرض
* المدير مرضيش يديني فرصة تانية، زعق فيا قدام الناس كلها وقالي مش عايز يشوف وشي، وقالي أقدم استقالتي وأمشي فوراً
رفعت عيني شوفت ملامحها اللي اتغيرت وظهر فيها الحزن، مدت إيدها ومسكت إيدي، وقالتلي بهدوء استغرابه
ولا تزعل نفسك، الباب اللي اتقفل دة ربنا هيفتحلك قصاده عشرة، الشغلانة دي كان فيها شر كبير ليك، و ربنا بعدك عنها عشان يطهرك من الذنوب اللي طالتك فيها
بصيتلها باستغراب
* مش زعلانة يا أمي؟ ده أنا كنت معتمد على ربنا على المرتب ده عشان البيت، حاسس إني رجعت عالة عليكي
ضحكت ضحكة صافية فيها رضا وطبطبت عليا
عالة إيه يا عبيط، أنت رجوعك لينا بالدنيا وما فيها، اللقمة اللي كنا بناكلها وإحنا شايلين همك كانت ب تقف في زورنا، واللقمة اللي هناكلها وإحنا مطمنين عليك بالهداية دي هتبقى شهد حتى لو كانت بعيش وملح، وبعدين يا سيف ربنا مبيسيبش حد اشترى رضاه، أنت سيبت الحرام والضياع عشان تروح لربنا، تفتكر هو هيضيعك؟
كلامها كان بينزل على قلبي زي الماية الساقعة بتطفي النار اللي كانت قايدة فيه، خدت نفس طويل وحسيت إن الحمل خف فعلاً
* انا راضي يا أمي، والكسرة اللي انكسرتها قدام الموظفين محتسبها عند ربنا، أنا بس خايف من بكرة، خايف أدهم يحتاج حاجة معرفش اديهاله ف يضايق
أدهم أخوك وسندك، وعمره ما هيزعل إنك بدأت تنضف حياتك
قالتها وهي بتقوم تقف بحماس كأنها عايزة تشغلني عن التفكير
قوم اتوضى وصلي ركعتين شكر إن ربنا نجاك من مكان كان ممكن يرجعك لورا، وأنا هدخل أحضرلك لقمة ترم عضمك على الفطار، الرزق بييجي بالسعي، وأنت بدأت تسعى في طريق النور، والرزاق موجود
* ونعم بالله
سابتني ودخلت المطبخ، وانا دخلت أوضتي وأنا حاسس إن أمي دي هي الجنة اللي بتمشي على الأرض، كلامها خلاني أشوف الرفد من الشغل مش مصيبة، لكنه شهادة ميلاد جديدة، قعدت على السرير وقولت في سري
* يا رب، أنت الرزاق، وأنا وكلت أمري ليك
مكتب مصطفى في الشغل كان هادي تماماً، ريحة الورق القديم والقهوة كانت مالية المكان، كان قاعد على مكتبه ساند ضهره ومغمض عينيه في محاولة للهروب من التفكير اللي مش ملاحق عليه، ملامحه حزينة والكسرة اللي في عينيه مكنتش بسبب تعب الشغل، كانت بسبب ليلى .. بنته وحتة من قلبه اللي مغلباه معاها وقلقاه عليها، مش عارف ازاي يشيل سيف من قلبها، المشاعر غالبة عليها ومش مخلياها تفكر كويس، تضمن منين أن ندمه دة حقيقي، أو أنه مش هيرجع تاني وهيثبت .. تضمن منين أنه لسة عايزها، ياربي، اعمل اية بس معاها
قطع حبل أفكاره خبطة على الباب، دخل يحيى بابتسامته الهادية المعتادة وهو ماسك في إيده ملف وخطوته فيها ثقة تليق بشاب متربي ومؤدب زيه
استاذ مصطفى، دي العقود اللي كنا مستنيينها، محتاجة إمضاء حضرتك عشان نخلص إجراءات المخزن
قرب وحط الورق قدام مصطفى اللي مسك الورق ببطء وبصله بشرود غريب، عينه بتبص على السطور بس عقله في حتة تانية تماماً
لاحظ يحيى حالته ف سأله بصوت واطي
حضرتك كويس؟ تحب تروح ترتاح؟
رفع راسه وبصله بنظرة طويلة، نظرة خلت يحيى يسكت ويستنى، اتنهد تنهيدة طويلة وحط الورق على المكتب وبصله بجدية وقال
يحيى .. أنت عارف معزتك عندي، وعارف إني مش هلاقي حد أآمنه على بنتي زيك
قلب يحيى بدأ يدق بسرعة وهو بيسمع الكلمة اللي استناها شهور، كمل مصطفى بصوت رزين لكن فيه نبرة وجع
انا فتحت الموضوع مع ليلى يا ابني زي ما وعدتك .. والبنت وافقت
في ثانية وش يحيى اتغير تماماً، الفرحة رسمت ملامحه بطريقة مكنش قادر يخبيها، عينيه لمعت ببريق النصر وضحكة واسعة طلعت من قلبه وهو مش مصدق
بجد يا استاذ مصطفى؟ وافقت بجد؟ والله العظيم أنا مش عارف أقول لحضرتك إيه، أنا هحطها في عيني، والله ما هزعلها يوم، ده أنا كنت بدعي ربنا باللحظة دي في كل صلاة
كان بيتكلم بحماس كبير والكلمات كانت بتخرج منه بلهفة
طيب والميعاد؟ أنا جاهز من دلوقتي، الشبكة والبيت وكل حاجة، إيه رأيك نيجي الخميس الجاي نقرأ الفاتحة ونحدد الخطوبة؟ ولا حضرتك تحب ننتظر شوية؟ أنا مش عايز أضيع وقت، أنا ما صدقت إنها وافقت
كان باصص لفرحته وحاسس بتقل الجبال فوق كتافه، شايف قدامه شاب كامل مفيش فيه غلطة، بس في نفس الوقت كان شايف صورة ليلى وهي بتدبل، بلع ريقه وحاول يبتسم ابتسامة باهتة وقال
الخميس الجاي يا ابني، اللي فيه الخير يقدمه ربنا، هبلغ والدتها ترتب البيت، ونستناك أنت وأهلك
مكنش قادر يشيل الضحكة من على وشه، قعد يشكر فيه وباس إيده بامتنان وخرج من المكتب وهو بيمشي بخطوات سريعة كأنه طاير من الفرحة عشان يلحق يبلغ أهله
أول ما الباب اتقفل، حط مصطفى راسه بين إيديه و همس لنفسه بصوت مبحوح وهو متوقع رد فعلها وشايل همه
يا رب مكنش ظلمتها .. يا رب مكنش جنيت عليكي يا بنتي ب خوفي عليكي
رواية بين الردي والهدي الفصل السابع 7 - بقلم نوري
كنت واقف في شباك اوضتي من ساعة ما رجعت من برا، التفكير مش سايبني وصوت دقات الساعة اللي على الحيطة كان عالي في ودني، كأنه بيعد عليا كل ثانية بضيعها وأنا قاعد إيد ورا وإيد قدام
غمضت عيني وانا بفتكر الإهانة اللي اتعرضت ليها هناك، كنت حاسس بالخيبة والخزي من نفسي اوي، أنا اللي كنت مفروض أكون سند البيت ده، أنا اللي المفروض أشيل عن أمي حمل السنين النهاردة رجعتلها مطرود
* وبعدين يا سيف؟ هتقعد تندب حظك؟
قولتها لنفسي بصوت واطي وبدأت أفكر ممكن أشتغل فين؟ الشركة خلاص بابها اتقفل بالضبة والمفتاح، ولو روحت أي مكان بشهادتي القديمة وسألوا عليا في فيها المدير مش ما هيصدق يقول عليا مستهتر
بصيت على المكتب الصغير اللي في الاوضة وروحت قعدت عليه، مسكت ورقة وقلم وبدأت أشخبط يمكن الاقي حل، عدت ساعة والتانية لكن بدون فايدة، مفيش حد اعرفه يقدر يفيدني بحاجة كويسة، مفيش غير اني انزل بنفسي ادور، مش هقعد في البيت احط ايدي على خدي واستمر الشغل، ولا هخلي امي تصرف على البيت ده تانس حتى لو اشتغلت فواعلي ولا شيلت رمل على ضهري
بدأت أرتب في دماغي هخرج بكرة الساعة كام واية أول مكان هعدي عليه، كنت حاسس بمسؤولية كبيرة، بس المرة دي المسؤولية كان ليها طعم حلو، طعم إنك بتتحمل نتيجة أفعالك ومستعد تغير و تبني من جديد
* يا رب، أنا مش عايز غير الستر واللقمة الحلال .. والطريق اللي يرضيك يارب
بعد يوم طويل مليان بالدورس والمذكرات دخل ادهم الشقة وكان باين على ملامحه التعب، شايل شنطته على كتفه وباله مشغول بمذاكرته ومستقبله. أول ما شم ريحة الأكل اللي طالعة من المطبخ قلبه انشرح، رمى الشنطة على الكنبة ودخل لقى أمه واقفة قدام البوتاجاز، قرب منها وحط إيده على كتفها بحنان وقال
إيه يا ست الكل الروايح الجامدة دي، ده أنا جوعت اول ما شميتها، تعالي ارتاحي وأنا هكمل مكانك، انا خلاص بقيت شيف محترف من كتر ما يساعدك
لفتله بأبتسامة وطبطبت على إيده وهي بتقول
تسلم إيدك يا حبيبي، بس خليك أنت أنا خلاص خلصت، ادخل بس لأخوك في الأوضة اقعد جنبه وهون عليه بكلمتين احسن رجع من الشركة النهاردة قلبه مكسور يا حبة عيني، المدير مشاه ورفض يديله أي فرص
ملامحه اتغيرت وسكت لحظة كأنه بيستوعب الخبر
بجد دة حصل
ايوا، ومن ساعتها وهو في الأوضة
طب انا هدخله
خرج من المطبخ وراح ناحية أوضة سيف، خبط خبطة خفيفة وفتح الباب لقته قاعد على السرير ساند ضهره لورا وسرحان، قعد قدامه ف انتبله سيف وبصله
قاعد لوحدك ليه
ابتسم عشان ميحسسهوش بحاجة وقال
* عادي بريح شوية، لسة جاي من الدرس؟
ايوا
* وعملت اية
مش مهم عملت اية، المهم اتعمل معاك اية، امي قالتلي اللي حصل، وعايز أقولك إن دي أحلى حاجة حصلتلك، حتى لو أنت شايفها دلوقتي صعبة
بصله باستغراب وقال
* احلى حاجة؟ ده أنا اتهزأت قدام الموظفين كلهم وخرجت مطرود، وأنا كنت رايح وكلي عشم إني أصلح اللي فات
يا سيف أنت كنت عايز ترجع تنضف وسط بيئة كلها طين؟ الشركة دي هي اللي عرفتك على وليد وأشكاله، وهي المكان اللي بدأت فيه تضيع خطوة بخطوة، ربنا لما قفل الباب ده في وشك مكنش بيعاقبك، ده كان بيحميك، كان بيبعدك عن شر الناس اللي هناك اللي كانوا السبب في إنك تنسى ربنا وتنسى بيتك السنين اللي فاتت
سكت شوية وهو بيبص في عينه بصدق وكمل
لو كنت رجعت الشغل ده كان الشيطان هيلاقي ألف مدخل يرجعك بيهم تاني، مكالمة من وليد، سهرة بعد الشغل، حوار في النص، لكن دلوقتي أنت حر بجد، هتبدأ على نضافة، هتبدأ في مكان محدش يعرف فيه عنك غير إنك سيف الجديد، والرزق مش واقف على مكتب ولا مدير، الرزق عند اللي هداك ورجعك لينا
سحب نفس طويل وابتسم على كلامه اللي زي الدوا بيتحط على جرح مفتوح يطيبه، ملامحه بدأت تسترخي وهز راسه ببطء وهو بيقول
*عندك حق يا أدهم، يمكن فعلاً كان لازم أقطع الخيط ده خالص عشان أعرف أعيش، الحمد لله، بس انت كبرت امتى كدة
لما سيبتنا وحسيت اني من غير ضهر وسند
ملامحه رجع كساها الحزن من تااني اثر كلامه، قرب منه وخده في حضنه وهو بيقول
* حقك عليا، والله ما هسيبكم تاني
عارف و واثق في كدة
خرج من حضنه وخبطه على كتفه بخفة
يالا بقى، قوم اغسل وشك وفوق كدة، أمك عاملة أكل النهاردة ميتفوتش
* لا دة انا اشوف بنفسي بقا
بيت ليلى كان هادي زيادة عن اللزوم وقت الفطار، ريحة الأكل كانت مالية المكان والكل بياكل في صمت غريب مش متعودين عليه، مصطفى كان قاعد على راس السفرة بيقلب في طبقه وسرحان، فاطمة وليلى كانوا بيبصوا لبعض باستغراب، عادته يملى البيت ضحك وكلام وقت الفطار، لكن من ساعة ما رجع من الشغل وهو ساكت
مالك يا مصطفى؟ الأكل مش عاجبك؟
سألته فاطمة وهي بتقرب طبق الشوربة قدامه، رفع عينه بابتسامة باهتة وحاول يداري اللي جواه
لا يا فاطمة تسلم إيدك، تعبان من الشغل بس
ليلى مكنتش مقتنعة، كانت حاسة إن في حاجة مخبيها، لكن سكتت وبدأت تاكل
وبعد ما خلصوا، طلب مصطفى يتكلم معاهم
- خير يا بابا
اتنهد بتعب وقال
عايزكم في موضوع مهم وقرار أخدته ومحتاجكم تعرفوه
متعرفش ليه قلبها اتقبض، حست إن في حاجة هيقولها مش هتكون بالساهل، سكت مصطفى شوية كأنه بيستجمع شجاعته وبعدين نطق بجمود
انا حددت مع يحيى ميعاد، هو وأهله جايين يوم الخميس الجاي عشان نقرأ الفاتحة ونتفق على الجواز
الكلمة وقعت عليهم زي مية ساقعة في عز التلج، بصتله بذهول وقالت
- تتفقوا على الجواز؟ وهو أنا وافقت أصلاً يا بابا عشان تحدد ميعاد وتخليهم يجوا؟
بصلها بثبات لكن صوته كان فيه نبرة حزن
أنا اللي وافقت يا ليلى، يحيى شاب ميتعوضش
قامت وقفت ودموعها نزلت فجأة زي الشلال
- إزاي تعمل كدة يا بابا؟ إزاي تدي كلمة في حاجة تخص حياتي، سألتني مليون مرة وقولتلك إني مش موافقة؟ إزاي تكسرني كدة وأنت عارف اللي في قلبي؟
قام وقف هو كمان وقرب منها وحاول يطبطب على كتفها بحنان
يا بنتي، أنا أدرى بمصلحتك، أنا أب وبشوف اللي أنتي مش شايفاه، يحيى هيصونك، مش هيضيعك في دوامة مكنتيش بتجني منها غير الوجع
انهارت اكتر وبعدين عنه
- مصلحة إيه؟ مصلحة إيه وأنا هكون مع حد مش عايزاه؟ أنا مش عايزة أتجوز يحيى يا بابا، مش عايزاه
فاطمة قربت عليها وحضنتها وهي بتهديها
استهدي بالله يا ليلى، اهدي بس وكل حاجة هتتحل
- تتحل ازاي وهو عايز يجوزني واحد تاني غير سيف
صوته علي فجأة وزعق بمرارة وقهر وهو بيبص في عينيها
لحد إمتى؟ قوليلي لحد إمتى هتفضلي مستنياه؟ لحد إمتى هتربطي حياتك بواحد ضيع سنين من عمره وعمرك في السواد؟ ما تفوقي بقا
- حتى لو العمر كله يا بابا .. حتى لو العمر كله
وشه احمر من الغضب وخبط على الترابيزة بقوة
انا أديت للولد كلمة ومش هرجع فيها، يوم الخميس جايين، وده آخر كلام عندي
بصتله بعتاب كان بيدبح فيه بالبطيئ وجريت على أوضتها، سألته واقف في الصالة ندمان لكن مصمم، وأمها قاعدة بتبكي على قلبها اللي اتكسر من تاني
خرجت أنا وأدهم نتمشى شوية، الجو كان فيه ريحة رمضان والناس بدأت تفرش قدام المحلات عشان السهرة، كنت حاسس إن رجلي شيلاني لأول مرة من سنين، مش تقيلة من ذنب، ولا مهزوزة من خوف، أدهم كان ماشي جنبي حاطط إيده في جيوبه وباصص للسما بابتسامة هادية، وكأنه كان مستني اللحظة دي أكتر مني
عارف يا سيف؟
قطع السكوت وهو بيبصلي بطرف عينه
انا النهاردة بس حاسس إني مبسوط
ابتسمت وقولتله
* وانا كمان، بس موضوع الرفد دة لسة شاغلني
وقف فجأة ولف مسك كتفي وقال
سيف، ارمي ورا ضهرك، ربك كريم والرفد ده كان عشان تفوق مش عشان تقع، المهم إنك بقيت هنا، دي عندي بالدنيا
ابتسمتله وهطيت ايدي على كتفه ورجعنا نتمشى وانا بحكيله عن أحلامي اللي كانت مدفونة تحت سحابة السواد، لحد ما جت في دماغي ليلى
* عارف يا أدهم، نفسي أفتح بيت بجد، بيت حلال وأعوض اللي صبروا عليا ودعولي
بصلي بخبث وقال
وتتجوز ليلى؟
ضحكت وقولت
* واتجوز ليلى، إن شاء الله، بس وانا واقف على رجلي، مش دلوقتي
انا متأكد انها هتستناك
* وانا متأكد أن ربنا هيقدرني ويوفقني
كان يقيني في اللحظة دي واصل للسما وحسيت إن الدنيا هتضحكلي، مرّينا من قدام محل الورد اللي شغالة فيه، بصيت عليه وقولت في سري
* هانت يا ليلى، هشتغل وهجيلك من الباب واعوضك عن كل اللي فات
أدهم بدأ يهزر معايا ويحكيلي عن الكلية وعن طموحه، وأنا كنت بضحك من قلبي، ضحكة صافية مكنتش بعرف أضحكها مع وليد وشلته، كنت حاسس إن الدنيا براح، وإن لسه فيه وقت أصلح كل حاجة
الأوضة كانت ضلمة تماماً، مفيش فيها غير اضواء فروع الأمور اللي متعلقة في البلكونات، ليلى كانت نايمة على سريرها دافنة وشها في المخدة و شهقاتها بتطلع غصب عنها، جسمها كله كان بيترعش وكل ما تفتكر كلمة باباها وهو بيقول أنه ادى كلمة تحس بنغزة في قلبها، مكنتش مصدقة إن السند هو اللي يكسرها، إن أكتر حد كان بيطمنها هو اللي حكم عليها بالوحدة وهي وسط الناس، رفعت راسها ببطء وعينيها كانت حمرا و وارمة من كتر البُكا، همست بصوت مبحوح ومرتعش
- ليه يا بابا؟ ليه دلوقتي؟ ده أنا ما صدقت النور بدأ يبان، ما صدقت انه رجع
ضمت رجليها لصدرها وحضنتهم بقوة، كانت بتحاول تلم شتات نفسها اللي اتبعثرت، افتكرت يحيى، ملامحه وابتسامته كانوا بيخنقوها رغم أنها عارفة أنه ملوش ذنب، بس هو بالنسبة لها بقى السجن اللي هيقفل عليها الباب ويحرمها من الأمل الوحيد اللي كانت عايشة عشانه
مدت إيدها وفتحت درج الكومودينو طلعت منه منديل قماش قديم كان سيف سابهولها زمان في مرة كانت بتعيط فيها وهما صغيرين، شمت ريحته وكأنها بتستمد منه القوة وضمته لقلبها وهي بتبكي بصوت مسموع المرة دي
- يا رب .. أنا مليش غيرك، يا رب أنت عالم إن سيف اتغير، و إني استنيته سنين، متكسرش فرحتي بيه، واجعلي نصيب معاه يا رب
الدموع كانت بتنزل على وسطها بغزارة، وكل ما تفتكر إن الخميس مش متبقي عليه غير أيام قليلة كانت بتحس بضيق تنفس، رجعت اتكورت تاني مكانها واستسلمت لنوبة بُكا جديدة زي حد فقد الأمل في كل حاجة ومستني معجزة من السما تنقذه من المصير اللي اتفرض عليه
كانوا لسة واقفين قصاد بعض في الصالة، فاطمة كانت مذهولة وبتبص لمصطفى بعتاب، قربت منه بخطوات بطيئة وصوتها طلع مرتعش
ايه اللي عملته ده يا مصطفى؟ إزاي قدرت تنطقها بالسهولة دي وتحدد ميعاد من ورا البنت؟ دي بنتك، بنتك الوحيدة اللي مخرجناش غير بيها من الدنيا
فضل باصص للفراغ ورد بصوت ناشف زي الحجر
عملت اللي كان لازم يتعمل من زمان يا فاطمة، عملت اللي يضمنلي إني أموت وأنا مطمن إنها في عصمة راجل بجد، مش مستنية سراب هيغرقها معاه
اتصدمت من كلامه، مسكت دراعه ولفته ليها عشان تبص في وشه وقالت
راجل بجد؟ أنت بتتكلم عن يحيى وكأن الجوازة دي صفقة بيع وشرا، البنت قلبها مكسور، أنت مش شايف حالتها؟ سيف رجع يا مصطفى، سيف تاب و..
سيف متابش
صرخ فيها فجأة وهو بيلتفتلها وعينه فيها غضب وقهر
سيف رجع عشان ملقاش مكان يلمه غير بيت أمه، التوبة دي كلمة سهلة، بس اللي زيه بكرة الدنيا تندهله ويرجع تاني، أنا مش هرمي بنتي في النار وأتفرج عليها وهي بتتحرق عشان خاطر امل كداب، يحيى هيدخل البيت الخميس، والكلمة كلمة راجل يا فاطمة، ومش هسمح ليكي ولا ليها إنكم تكسروا كلمتي قدام الناس
رجعت خطوة لورا وهي بتبصله كأنها بتشوفه لأول مرة، هزت راسها بأسى وهمست
أنت قسيت أوي يا مصطفى، قسيت لدرجة إنك مبقتش شايف غير خوفك ونسيت إن القلوب مش بالإجبار، بس انا مش هسمحلك تعمل فيها كدة، مش هكسر قلب بنتي مرتين
سابته واقف في جموده وراحت ناحية أوضة ليلى، خبطت خبطة خفيفة وفتحت الباب ببطء، لقتها منكمشة على نفسها في السرير وصوت شهقاتها المكتومة بيقطع القلب، قعدت جنبها وسحبتها لحضنها بقوة، أول ما ليلى حست بلمستها عيطت اكتر ودفنت وشها في صدرها وكأنها طفلة صغيرة بتستخبى من الدنيا كلها
- يا ماما مش عايزاه، والله ما قادرة أتخيله في بيتنا، قولي لبابا يرحمني، قوليله سيف اتغير، والله اتغير
فاطمة كانت بتمسح على شعرها وهي جالسة دموعها في عينيها عشان تبقى قوية قدامها، قالت بصوت واطي ومخنوق
اهدي يا ليلى، اهدي يا قلب أمك، أبوكي خايف عليكي بس الطريقة خانته، هو شايف إن يحيى الأمان اللي فاتك، أنا معاكي ومش هسيبك تنكسري، بس ادعي ربنا يلين قلبه، ادعي إن الخميس ده ما يجيش إلا والخير معاه
كانت بتترعش في حضنها وكأن هو دة الحاجز الوحيد اللي بيمنعها من الانهيار الكامل، فضلت فاطمة تطبطب عليها لكن في سرها كانت شايلة هم الكلمة اللي مصطفى رماها وعارفة إن المواجهة المرة دي مش هتكون سهلة أبداً
تاني يوم الصبح خرج سيف في ميعاده اللي كان محدده لنفسه، قفل باب شقته وراه بهدوء ونزل وهو لابس أحسن قميص عنده، ريحة برفانه كانت بتملى اي مكان يعدي عليه، وفي إيده دوسيه بلاستيك فيه الCV بتاعه، قلبه كان بيدق بلهفة، وصل الشارع الرئيسي، وبدأ مشواره، أول شركة كانت شركة تجارية كبيرة، دخل وسأل لو محتاجين موظفين، لكن الموظف اللي ورا المكتب مرفعش عينه فيه وقال ب برود
سيب الCV وإحنا هنبقى نكلمك لو احتاجنا
حاول ميحسش باليأس من اولها لكن غصب عنه جواه اتقبض من الكلمة اللي سمعها مية مرة قبل كدة
مشى مسافات طويلة، وعدى على شركات كتير كبيرة وحتى الصغيرة، لكن السيناريو كان بيتكرر هو هو، يدخل ب عشم، يطلع ب خيبة أمل، الشمس بدأت تعلى وتشتد، ورجله بدأت توجعه من المسافات اللي مشيها
وقف قدام شركة مقاولات في منطقة راقية وأخد نفس طويل ودخل، المرة دي المدير قابله، راجل سنه كبير ونظراته حادة، قعد سيف قدامه والمدير بدأ يقلب في ورقه وهو بيقول
خريج تجارة .. تقدير جيد .. كنت شغال في شركة الأشراف؟
رد ب حماس وقال
* ايوا يا فندم، قعدت معاهم تلات سنين وكنت ماسك..
قاطعه ببرود وقال
وسيبتهم ليه؟ شركة زي دي ميتسابش فيها مكان بسهولة
سكت، لو قال الحقيقة هيترفض، ومش من صفاته أنه يكذب، بلع ريقه وقال
* ظروف خاصة يا فندم، وحبيت أبدأ صفحة جديدة في مكان أقدر أثبت فيه كفاءتي
سحب نضارته وبصله بشك
صفحة جديدة؟ والله يا أستاذ سيف الشركة اللي كنت فيها سمعتها سبقاها، والCV بتاعك قبل ما يدخلي عدى على الHR وسألوا عنك وتعرفوا انهم مشوك لأسباب انضباطية
الدم هرب من وشه، اتصدم من الكلام ومكنش مصدق إن ممكن يحصل كدة، حس إن ماضيه ماشي وراه بكرباج، كل ما يحاول يسبق خطوة يلسعه ويرجعه مكانه، قام وقف وهو بيحاول يحافظ على اللي فاضل من كرامته، لم ورقه ومشي من غير ما يسمع كلمة كمان
نزل وهو مش شايف قدامه وفضل ماشي في الشارع مش عارف يروح فين، بص للدوسيه اللي في إيده بمرارة وهو شايف أحلامه بتضيع من بين ايديه، غمض عينيه بقوة واستغفر ربنا، بس الدموع كانت قريبة جدا، الخيبة المرة دي كانت ريحتها عجز، فكر في أمه اللي مستنية منه خبر حلو، وفي ليلى اللي الوقت بيسرقها منه وهو مش قادر حتى يضمن لنفسه يومية، جر رجله تاني وحاول في مكانين كمان، بس الردود كانت زي خبطات على راسه
مفيش تعيين
الشركة قافلة
تعالى بعد العيد
رجع الحارة والشمس بتغيب، كان ماشي بيجر خيبته وراه، وقف قدام مدخل البيت و مسح وشه ب إيده وحاول يرسم ملامح هادية عشان أمه متتخضش، بس الهزيمة كانت أكبر من إنه يداريها، دخل البيت وهو بيسأل نفسه
ليه لما مشيت في الحرام كانت سهلة، وليه لما توبته وعرفت غلطي اتقفلت في وشي كل البيبان وبقت صعبة اوي كدة؟ يا رب، انا مش معترض، انا بس مش فاهم حكمتك اية، ومش عارف هترسى على اية، يا رب .. ارحمني برحمتك
رواية بين الردي والهدي الفصل الثامن 8 - بقلم نوري
الشمس بدأت تشقشق وتدخل خيوطها الضعيفة من ورا الستارة، لكن الأوضة كانت لسه غرقانة في سواد يشبه اللي في قلبها، كانت قاعدة على الأرض، ساندة ضهرها على السرير ورجليها ضماهم لصدرها بقوة كأنها بتحاول تحمي نفسها من الدنيا، عينيها كانت منفوخة وحمرا ووشها دبلان، منامتش ولا حتى غفلت ثانية، كل ما تغمض عينيها تسمع صوت أبوها وهو بيقول الخميس الجاي وتشوف صورة يحيى وهو داخل البيت بابتسامته الواثقة، كانت بتبص قدامها بشرود وبتسأل نفسها بمرارة
- معقول يا سيف؟ معقول بعد السنين دي كلها أكون لغيرك؟ معقول توبتك تيجي في الوقت اللي الدنيا بتقرر فيه تبعدنا بجد؟
موبايلها رن للمرة التالتة بأسم نرجس، مكنتش قادرة ترد ولا تتكلم مع اي حد، لكن لازم تطمنها عليها ومتقلقهاش اكتر من كدة، مسحت دموعها اللي نشفت على حدودها وفتحت الخط وردت بصوت مبحوح
- الو
على الناحية التانية كان صوت نرجس فيه نبرة قلق
أيوا إيه يا ليلى، انتي فين كل دة
- معلش يا طنط مش هقدر اجي النهاردة
سكتت نرجس ثانية بتسمع نبرة صوتها، حست انها مش كويسة ف قالت
صوتك ماله؟ أنتي بتعيطي ولا اية
أول ما سمعت نبرة الحنان اللي في صوتها حصونها انهارت تاني، بدأت تبكي وتشهق بوجع يقطع القلب
خلاص يا طنط، كل حاجة ضاعت، بابا .. بابا حدد ميعاد مع يحيى يوم الخميس، قراية فاتحتي يوم الخميس على حد تاني غير سيف
سكتت وهي مذهولة من كلامها وبعدين قالت
انتي بتقولي إيه؟ باباكي إزاي يعمل كدة من غير ما ياخد رأيك؟ وسيف .. سيف عرف؟
هزت راسها بالنفي وهي بتبكي بحرقة
معرفش، معرفش حاجة، بابا مش سامعني، شايف إن دي مصلحتي وإن توبة سيف مزيفة، أنا مش قادرة أتخيل إني اكون لغيره، مش قادرة
يا حبيبتي، استهدي بالله كدة طيب، أنا هقفل المحل فوراً وأجيلك
قفلت السكة وسابت الموبايل من إيدها ورجعت دفنت وشها بين ركبتها تاني، كانت بتترعش وبتحاول تفكر وتلاقي حل، لكن دماغها عاجزة حتى عن التفكير، بصت للسما وقالت
- يارب .. انا ضعيفة ومش في ايدي حاجة، فوضت امري إليك يارب
دخلت من باب الشقة وخطواتي تقيلة كأني شايل الدنيا كلها فوق كتافي، رميت المفاتيح على الترابيزة اللي جنبي وصوتها المعدني رنّ في هدوء الصالة، امي كانت قاعدة على سجادة الصلاة بتقرأ وردها، لكن اول ما سمعت صوتي صدقت و لفت بلهفة الأم اللي قلبها حاسس بكل خبطة رجل
حمد الله على سلامتك يا ضنايا، عملت إية طمن قلبي
مرفعتش عيني فيها، قعدت على الكنبة القريبة ورميت الدوسيه اللي في إيدي جنبي كأنه عبء عايز اخلص منه، فكيت أول زرارين في قميصي اللي اتبهدل من العرق والتراب واتنهدت تنهيدة طويلة محملة بوجع سنين
* لفيت يا أمي، لفيت لما رجلي ورمت، روحت شركات كتير بس..
سكت شوية وبلعت ريقي بمرارة
* كل ما أدخل مكان أول ما يعرفوا إني كنت في الشركة القديمة وسيبتها فجأة يقلبوا وشهم، اللي يقولي مفيش مكان، واللي يقولي سيب رقمك وهنكلمك، وهما أصلاً مش ناويين يرفعوا السماعة
قامت ببطء قربت مني وقعدت جنبي وحطت إيدها الدافية على كتفي بتمسح عليه بحنان
يا حبيبي الرزق بيحب السعي، وأنت سعيت، ربنا مش هيضيع تعبك ده أبداً، يمكن ربنا بيمتحن صبرك يا سيف
بصتلها المرة دي وعينيا مليانة قهر
* امتحان صعب أوي يا أمي، انا كنت واقف قدام واحد بصلي بقرف كأني جاي أشحت منه، وقالي احنا عرفنا انك مشيت لأسباب انضباطية، الكلمة نزلت عليا زي الكرباج، انا توبت يا أمي، توبت بجد، بس الناس مش عايزة تنسى، مش عايزة تديني فرصة أنضف، حاسس إن السواد اللي عملته زمان مكلبش في رجلي، مش عايز يسيبني أمشي في النور
عينيها دمعت وهي شايفاني مكسور بالشكل ده، طبطبت عليا وقالت
يا سيف، الأهم إن ربنا يغفرلك ويسامحك مش الناس، سيبك من كلامهم، الرزاق موجود، بكرة تفرج والله
حطيت راسي بين إيديا وهمست بصوت مخنوق
* أنا مش خايف من التعب، أنا خايف من الفشل، خايف مقدرش اشيل معاكي، خايف الدنيا تضيق بيا لدرجة إني أضعف
مش هتضعف طول ما أنا بدعيلك، قوم اغسل وشك وصلي ركعتين وفوض أمرك للي بإيده ملكوت كل شيء، الشغل هييجي، يمكن بس دة اختبار
قومت ببطء وبوست راسها بامتنان، دخلت أوضتي وانا بجر خيبتي، لكن كلمة أمي كانت بتهدي النار اللي قايدة في قلبي رغم إني لسه مش عارف بكرة مخبيلي إيه، ورغم إني لسه بسمع صدى كلمة اسباب انضباطية بترن في وداني
طلعت نرجس السلم وهي بتنهج، ملامحها كانت مخطوفة وصوت بُكا ليلى لسة في ودانها، خبطت على الباب كذا مرة بشويش لحد ما الباب اتفتح وظهرت فاطمة اللي اول ما شافتها لانت ملامحها وابتسمت
ست نرجس، اتفضلي اتفضلي
عاملة اية يا أم ليلى
الحمد لله في نعمة
دخلوا سوا وقعدوا في الصالة، حطت نرجس شنطتها جمبها وقالت
إيه اللي حصل ده؟ إزاي الحاج مصطفى يعمل كدة؟ ده ليلى كانت لسه بتبدأ تتنفس وتفوق، ليه تحطوا السكينة على رقبتها بالسرعة دي؟
أدركت فاطمة أن ليلى حكيتلها ف اتنهدت بتعب وقالت
والله انا نفسي معرفش ليه عمل كدة، مصطفى ركب راسه وشاف إن يحيى هو اللي هيحميها من ذكرياتها ومن سيف، حاولت أتكلم معاه بس هو أدى كلمة والكلمة عنده زي السيف، ادخليلها يا نرجس، ادخلي هوني عليها، البت محبوسة في أوضتها من امبارح ومش مبطلة عياط
نرجس طبطبت على إيديها وقالتلها
متقلقيش أنا مش هسيبها، هي اوضتها فين
شاورتلها على أوضة ليلى وهي بتبص للباب بحسرة
اوضتها أهي، يا رب بس كلامك يبرد نارها شوية، أنا قلبي بيتقطع عليها ومش عارفة اعمل اية
نرجس أخدت نفس طويل وقامت قربت من باب الأوضة، خبطت خبطة هادية ومن غير ما تستنى رد فتحت الباب ودخلت، شافتها قاعدة على الأرض ضامة نفسها وبتبكي، قربت منها ببطء وقعدت جنبها ومدت إيدها تمسح على شعرها بحنان
أنا جيت يا حبيبتي، قومي وبصيلي، الدنيا متهدتش لسه عشان تعملي في نفسك كدة
أول ما حست بلمستها لفت بجسمها ورمت نفسها في حضن نرجس، بدأت تعيط بشهقات عالية تقطع القلب وكأنها كانت مستنية حد تفرغ في حضنه كل الوجع ده، فضلت ضماها وبتطبطب على ضهرها وهي بتبص لسقف الأوضة بعيون بتلمع بالدموع
اهدي يا حبيبتي
- هيجوزني حد تاني غير سيف
مفيش الكلام دة، الجواز مش بالعافية، انتي بس سايسيه
خرجت من حضنها وهي بتبصلها بأستغراب
- يعني اية؟
يعني متقاوحيش قصاده، كل ما تعملي كدة كل ما يعاند اكتر
- يعني ازاي اوافق اتجوز حد مش عايزاه
متوافقيش، عدي بس الفترة دي لحد ما هو يهدى
- بابا مش بتاع الكلام دة
هو ابوكي وفي الأول والآخر عايز راحتك ومش هيعمل حاجة انتي مش عايزاها، اسمعي كلامي بس
- مش هقدر
هتقدري، وبطلي عياط عشان مش هيفيد، خليكي ذكية معاه، وحاولي عرفي سيف بأي طريقة
بصت للفراغ قدامها وهي بتفكر في كلامها، معقول نصيحتها هتجيب نتيجة مع ابوها؟ بس هي عندها حق، هو مش بيحب العناد، اتنهدت بتعب ورجعت لحضنها من تاني وهي بتفكر يا ترى هتصيب وتتجوز سيف؟ ولا هتكون في الآخر لحد تاني غيره وتعيش عمرها كله مقهورة وحزينة
جيه الخميس، اليوم اللي كان تقيل على قلب كل واحد في البيت كأنه جبل، الحارة بدأت تفتح عينيها على حركة مش عادية قدام بيت عم مصطفى، والجو في شقتهم كان مشحون بتوتر مكتوم
أدهم كان نازل على السلم باله مشغول بسيف اللي قلبه مكسور من لفة الشغل، لكن فجأة سمع صوت خطوات ضحكة مصطفى، وقف يبص لقاه طالع ومعاه شاب لابس بدلة شيك ومهندم لدرجة تلفت النظر، ملامحه مرسومة بثقة وشايل في إيده بوكيه ورد كبير ألوانه زاهية وريحته سبقت خطواته وجنبه راجل كبير وست باين عليهم الوقار والبهجة
وقف مكانه جسمه متخشب وعينه اتعلقت ببوكيه الورد، مكنش محتاج حد يقوله مين دول ولا هما رايحين فين
سند إيده على ترابزين السلم وبص لضهرهم وهم طالعين، ولمصطفى اللي شافه وتجاهله، وهو بيقول بترحيب
اهلاً أهلاً، خطوة عزيزة يا يحيى يا ابني، اتفضلوا
الصدمة فضلت مرسومة على وشه، حس بخنجر اتغرز في ضهر أخوه، كان بيكلم نفسه بذهول
يعني اية؟ يعني خلاص كدة؟ ليلى جالها عريس وداخلين يقروا فاتحتها؟
نزل بقية السلالم وهو مش حاسس برجله، وقف في مدخل البيت وافتكر بوكيه الورد اللي لسه خياله في عينه وحس بوجع رهيب وهو بيفكر
أقول لسيف إزاي؟ اقوله ليلى ضاعت منه، حبيبته وحلم حياته راحت من بين أيديهم
وقف في الشارع تايه بين إنه يطلع يلحق أخوه ويخبيه من الحقيقة، وبين إنه يروح يواجه مصطفى ويسأله ليه كسر خاطرهم كدة، بس في الآخر، فضل واقف مكانه وعينه على شباك ليلى اللي كان منور، وكأنه بينعي حكاية خلصت قبل ما تبدأ
الصالون كان مترتب على أكمل وجه، و ريحة البخور مغطية المكان، لكن الجو كان فيه حاجة مش مريحة رغم الضحكات اللي بتطلع من وقت للتاني، مصطفى كان كل شوية يرحب بيحيى وأهله بطريقة مبالغ فيها، وكأنه بيحاول يقنع نفسه قبلهم إن كل حاجة تمام
نورتونا يا جماعة، البيت زاد نور والله
فاطمة كانت واقفة بعيد شوية، بتحاول ترسم ابتسامة باهتة بالعافية، قلبها كان مع بنتها اللي محبوسة جوا لكن أصولها وتربيتها منعوها إنها تبين أي ضيق، قربت منهم وسلمت عليهم وقالت
أهلاً بيكم، نورتونا
بدأ والد يحيى يفتح الكلام في مواضيع عامة عن الشغل والدنيا والغلاء ويحيى كان بيشارك بذكاء،بيحاول يظهر قد إيه هو لقطة وشاب ملوش زي، مصطفى كان بيهز راسه بموافقة وعينه كل شوية تروح على فاطمة كأنه بيستنجد بيها عشان تفتح الكلام، بس فاطمة كانت قاعدة زي ضيف غريب بتسمع وبس وإيدها بتفرك في بعض بتوتر، لاحظ يحيى سكوتها فابتسم وقال بلباقة
والله يا حاج مصطفى، أنا من يوم ما كلمت حضرتك وأنا حاسس ب راحة كبيرة، والوالدة كانت متشوقة جداً إنها تتعرف على طنط فاطمة وعلى ليلى
والدته اللي كانت بتراقب الوسط بعين خبيرة عدلت قعدتها ولمست شنطتها وقالت بنبرة فيها عشم زايد
دي حقيقة، مبروك علينا النسب ده من قبل ما يحصل، بس قوليلي يا أم ليلى، العروسة فين؟ إحنا جايين عشان خاطر عيونها، ولا هي لسه بتتغلى علينا؟
السؤال وقع على فاطمة زي الحمل التقيل، بصت لمصطفى ب نظرة لوم مكتومة وبعدين لفتلها وقالت بصوت هادي وابتسامة
ليلى موجودة يا حبيبتي، ثواني وتكون معاكم، أنتي عارفة البنات في الحاجات دي بيبقوا مكسوفين
عدل يحيى الكرافتة بتاعته وبص للباب بلهفة، اتنحنح مصطفى وقال ب حزم خفي وهو بيبص لفاطمة
قومي يا أم ليلى هاتيها وخليها تسلم على ضيوفنا
قامت بخطوات تقيلة وكأنها ماشية لمصير مجهول، كل خطوة كانت بتاخدها ناحية أوضة ليلى كانت بتوجعها وهي عارفة إنها داخلة تجيب ضحية لدبحها مش عروسة هتتجوز
طلع ادهم السلم وخطواته كانت زي الرصاص و كل درجة بيطلعها بيحس بتقل في قلبه أكتر من اللي قبلها، فتح باب الشقة بالراحة وبأيد بتترعش قفله وراه من غير ما يطلع صوت، عينيه راحت فوراً على باب أوضة سيف لقاه قاعد بيقرأ ورده من القرآن
اتسحب ورايح ناحية المطبخ لقى أمه واقفة بترقص الأطباق مكانها، قرب منها بهدوء وصوت أنفاسه المسموعة خلتها تلتفت بخضة
بسم الله الرحمن الرحيم، خضتني يا أدهم، أنت جيت يا حبيبي؟ فين الحاجات اللي طلبتها منك؟
محطش كيس الطلبات على الرخامة، فضل ماسكه بإيد وإيده التانية ساند بيها على ترابيزة المطبخ، وشه كان شاحب وعينيه فيها نظرة تيه خوفت كريمة
امي .. تعالي عايزك في كلمة، بس بشويش عشان سيف ميسمعناش
نشفت إيدها في فوطة المطبخ بسرعة وقلبها بدأ يدق بعنف، سحبته من إيده لركن بعيد عن باب أوضة سيف وهمست بقلق
في إيه يا ابني؟ وشك مخطوف كدة ليه؟
نزل راسه في الأرض مش عارف يبدأ منين، صوته طلع مخنوق ومكسور
وأنا نازل شوفت .. شوفت عريس وأهله داخلين بيت عم مصطفى
اتسمرت مكانها وملامحها اتجمدت، عينيها وسعت بذهول وهمست
عريس؟ عريس لمين؟
كمل وهو بيبلع ريقه بصعوبة
ل ليلى يا أمي هيكون لمين، هو وأهله طالعين ببوكيه ورد وشياكة وفرحة، عم مصطفى استقبلهم وطلع معاهم
حست برجليها مش شايلاها ف قعدت على الكرسي وحطت إيدها على صدرها
يا كسرة قلبك يا ابني، طب إزاي؟ هيلاقيها منين ولا منين بس
الدموع بدأت تلمع في عينيها وبصت ل أدهم ب تيه
طب هنعمل إيه؟ سيف لو حس باللي بيحصل هيضيع مننا يا أدهم، أخوك مش حمل صدمة زي دي دلوقتي، ده لسه بيحاول يقف على رجله
مش عارف يا أمي، أنا نزلت ورجعت مش شايف قدامي، إحنا لازم نفضل جنبه، ونحاول نداري الموضوع لحد ما يحيى يمشي، بس الحقيقة مرة يا أمي، والحيطان مش بتخبي حاجة
عينيها راحت ناحية باب أوضته بخوف الأم اللي شايفة ابنها بيغرق ومش قادرة تمدله إيدها
الأوضة كانت غرقانة في صمت مبيقطعهوش غير صوت شهقات ليلى اللي كانت مكتومة في المخدة، كأنها بتحاول تخبي وجعها من الحيطان اللي بقت شاهدة على كسرتها، كانت لسة بدون البيت رافضة تلبس وتطلع برا، فتحت فاطمة الباب ببطء و دخلت بخطوات تقيلة و وش شايل هموم الدنيا، قربت منها وقعدت على طرف السرير
ليلى .. قومي يا حبيبتي، الناس برا سألوا عليكي وأبوكي عينه على الباب مبيشيلهاش
رفعت راسها ببطء، عينيها كانت حمرا جداً ووشها شاحب كأن الدم هرب منه، ردت بصوت مبحوح وقالت
- مش طالعة يا ماما، مش هقدر، قوليلهم تعبانة، قوليلهم مغمى عليها، قولي أي حاجة، مش هقدر أحط عيني في عين واحد جاي يشتري نصيبي في الدنيا وأنا قلبي مع واحد تاني
قلبها وجعها عليها، مدت إيدها ومسحت على شعرها وقالت بصوت واطي مليان حنان وممزوج بقلة حيلة
عارفة يا بنتي، والله عارفة إن الحمل تقيل، بس عشان خاطري، بلاش تكسري كلمة أبوكي قدام الأغراب، أنتي عارفة ابوكي كرامته عنده بالدنيا، ولو محضرتیش النهاردة هيعتبرها طعنة في ضهره وعمره ما هيسامحك
مسحت دموعها بظهر إيدها بوجع
- يعني أطلع أمثل إني فرحانة؟ أطلع أبيع نفسي عشان كرامة بابا؟ طب و انا يا ماما؟
خدتها في حضنها وضمت راسها لصدرها وبدأت تطبطب عليها
محدش قالك اضحكي، اطلعي بس سلمي وحطي العصير وادخلي تاني، يمكن تحصل معجزة و ربنا يغير القلوب في لحظة، بس دلوقتي قومي اغسلي وشك والبسي هدومك وسيبيها على ربنا
فضلت ساكتة في حضنها لثواني، كانت بتسمع دقات قلب فاطمة اللي كانت بتترعش هي كمان، اخدت نفس طويل وقامت من حضنها وهي بتمسح عينيها بضعف
- هطلع يا ماما، هطلع عشانك انتي وبس
قامت تلبس وسابت فاطمة بتبص في المراية لملامحها اللي انطفى فيها النور، وبتدعي في سرها إن الليلة دي تعدي على خير
خرجت من الطرقة ببطئ شديد وبخطوات تقيلة وهي حاسة إن كل خطوة بتمشيها بتسحب من روحها حتة، كانت فاطمة ماشية وراها حاطة إيدها على ضهرها بتسندها وكأنها بتمنعها من الانهيار في أي لحظة
كانت لابسة فستان هادي وطرحة فاتحة زادت من شحوب وشها، رموشها لسه مبلولة من أثر العياط وإيدها اللي ماسكة صينية العصير كانت بتترعش رعشة خفيفة خلت كوبايات الكريستال تطلع صوت
أول ما دخلت الصالون ساد صمت مفاجئ، يحيى قام وقف فوراً بابتسامة عريضة وعينيه لمعت بإعجاب واضح محاولش يداريه، بدأ يعدل جاكيت بدتله وهو بيبصلها وكأنه ملك حاجة غالي، أما مصطفى فـ أخد نفس طويل وطلعه براحة وملامحه اللي كانت مشدودة بدأت تفك شوية
قربت من والد يحيى الأول ومدت الصينية بضعف وهي بتقول بصوت يكاد يُسمع
- اتفضل
أخد الكوباية بابتسامة ودودة وقال
تسلم إيدك يا بنتي، بسم الله ما شاء الله قمر
لفت على والدته اللي كانت بتفحصها من أول الطرحة لحد طرف الفستان وكأنها بتقيم بضاعة، أخدت الكوباية وقالت
شكرا يا حبيبتي
أخيراً، وقفت قدام يحيى، شافت في عينه فرحة غريبة خلتها تحس بالخنقة، مد إيده وأخد الكوباية وحاولت صوابعه تلمس طرف إيدها بالغلط لكن هي سحبت الصينية بسرعة ورجعت خطوة لورا، قعدت على طرف الكرسي بعيد عنهم شوية وضمت إيدها في حجرها، كانت حاسة إن الحيطان بتضيق عليها وصوت ضحكهم وكلامهم عن الشبكة والمهر بيوصل لودنها زي طنين مزعج ملوش معنى، كانت موجودة بجسمها بس، أما عقلها فكان في الشقة اللي تحتهم بتتساءل
- يا ترى يا سيف أنت حاسس بيا؟ يا ترى عارف إن اني دلوقتي بضيع منك؟
مصطفى بدأ يفتح الكلام تاني وهو بيبصلها برضا
الحاج وأم يحيى كانوا مستنيين يشوفوكي
مكنتش بترد غير بهزة راس خفيفة وقلبها كان بيدعي إن الليلة دي تخلص بسرعة، يحيى كان بيحاول يفتح معاها كلام، يسألها عن شغلها في المحل وعن ذوقها، وهي كانت بترد بكلمات مقتضبة قليلة، في حين إن فاطمة كانت قاعدة قصادها عينيها بتلمع بدموع محبوسة وهي حزنها، ومحدش من اللي قاعدين حاسس بوجعها غيرها
كنت قاعد قدام أمي في الصالة، والسكوت اللي بينا كان تقيل بشكل مريب، ماسكة سبحتها وإيدها بتتحرك بحركة سريعة ومضطربة وعينيها كانت بتهرب مني في كل ركن في الصالة كأنها خايفة نظرتي تلمس وجع مخبياه، قربت منها شوية وأنا بسألها بقلب مقبوض
* مالك يا ست الكل؟ حاسس إن فيكي حاجة
ضحكت ضحكة باهتة، ضحكة وقالت وهي بتهز راسها
مفيش يا حبيبي، هكون مالي بس؟ تلاقيني بس تعبت من وقفة المطبخ والحر هبطني شوية
مقدرتش أعديها، أنا حافظ ملامح أمي أكتر ما حافظ ملامح وشي في المراية، مسكت إيدها وبصيت في عينيها بتركيز
* أنتي بتضحكي عليا؟ أنا سيف يا حبيبتي، اللي عارف نبرة صوتك لما بتكوني شايلة الهم، قوليلي بالله عليكي إيه اللي مزعلك ومخبية كدة ليه؟
سكتت تماماً وبصتلي بنظرة طويلة، نظرة كان فيها شفقة وكسرة وجع عمري ما شوفتهم فيها قبل كدة، كانت لسة هتنطق لكن سمعنا زغرايد عالية جاية من فوق هزت الحيطان ورنت في وداني زي طلقة رصاص
* إيه ده؟ فيه فرح في البيت ولا إيه يا أمي؟
قامت وقفت بسرعة غريبة ومسكت دراعي بقوة و بتحاول تشدني لورا وصوتها طلع مهزوز ومرتبك
تلاقي ناس من اللي ساكنين قدامنا أو يمكن في البيت اللي جنبنا، تعالى يا سيف، تعالى نخش المطبخ ساعدني وسيبك من دوشة الجيران دي
حسيت ببرودة ماشية في جسمي كله وانا سامعة الزغاريد من فوق، قلبي بدأ يدق دقات سريعة والحاسة اللي جوايا كانت بتصرخ باسم واحد
* لا يا أمي .. الصوت ده مش من بعيد
قولتها وأنا بقوم ببطء
* الصوت ده جاي من عند عم مصطفى .. صح؟
استهدى بالله، تعالى بس أقعد وأنا هحكيلك
سحبت ايدي منها بالراحة و طلعت على البلكونة بخطوات تايهة، فتحت الباب و وقفت سندت إيدي على السور ورفعت راسي لفوق، الشباك بتاع صالونهم كان مفتوح على آخره والنور اللي طالع منه كان قوي، سمعت صوت زغرودة تانية طالعة من قلب بيتهم بوضوح وصوت عم مصطفى وهو بيضحك ضحكة مجلجلة ومبسوطة
الدنيا لفت بيا والسور اللي تحت إيدي حسيت إنه بيموج والهوا الساقع خبط في وشي بس مبردش النار اللي شعللت في صدري، وقفت مصدوم مش قادر أنطق ولا أتحرك ولا حتى أرمش، كل اللي كنت بفكر فيه هو ليلى
* يعني اية؟ يعني اية الزغاريد اللي طالعة من عندهم دي؟
أمي كانت واقفة ورايا بتعيط بصوت مكتوم، وأنا كنت واقف في البلكونة باصص لشباكها وحاسس إن ده آخر يوم في عمري، وإن الزغاريط دي مكنتش فرح، دي كانت جنازة قلبي اللي مات رسمي في اللحظة دي
رواية بين الردي والهدي الفصل التاسع 9 - بقلم نوري
ي
بعد ما يحيى وأهله مشيوا، قفل مصطفى باب الشقة وراهم و رجع قعد مكانه، سحبت ليلى نفسها بـآلية ودخلت أوضتها وقفلت الباب وراها
يصلها بحزن واتنهد وهو بيفك زراير قميصه العلوية بيحاول يتنفس، بص لفاطمة اللي كانت ساندة إيدها على حرف الكنبة وبتبصله بنظرة كلها لوم وعتاب، نظرة حسسته أنه متهم، حاول يهرب من عينيها وقال بنبرة جافة
بتبصيلي كدة ليه؟ قولي مبروك لبنتك، الليلة تمت على خير والناس طلعوا مبسوطين وشارين
فضلت عينيها ثابتة عليه وهي بتقول بصوت مخنوق
مبروك على إيه يا مصطفى؟ مبروك على الفاتحة اللي اتقرت من غير موافقتها؟ البنت كانت قاعدة معانا جثة، روحها مكنتش موجودة، انت عملت اللي في دماغك وكسرت بخاطرها
نفخ بضيق ورفع صوته شوية عشان يداري على وجع ضميره
انا مكسرتش خاطر حد، أنا سترتها وعليت مقامها بجوازة مكنتش تحلم بيها، فكي التكشيرة دي يا فاطمة وطلعي نفسك من الموضوع ده خالص، أنا أدرى بمصلحة بنتي، واليومين دول هيعدوا وهتنسى كل حاجة
كانت لسة هترد عليه لكن فجأة سمعوا صوت بُكاها، صوتها كان مكتوم كأنها حاطة إيدها على بؤها عشان محدش يسمعها، بس الوجع كان أقوى من إنها تداريه،فاطمة دموعها نزلت وهي بتسمع و بصت لمصطفى ورفعت إيدها تشاور ناحية الأوضة
سامع؟ عاجبك اللي أنت عامله في بنتك ده؟ عاجبك صوت قهرتها؟ دي بنتك الوحيدة يا مصطفى، بنتك اللي كانت بتجري تترمي في حضنك
ملامحه اتهزت وبان في عينيه لمحة ندم حاول يدفنها بسرعة، بص للأرض وهو بيحاول يثبت على موقفه وقال
بكرا تفهم، بكرا لما تعيش كويس وتلاقي اللي يصونها هتعرف إن اللي بعمله ده كان هو الصح وهتيجي تشكرني
بصتله بنظرة أخيرة كلها يأس وقالت
مفيش فايدة، قلبك قسي وعينك اتعمت عن وجعها خلاص
سابت الصالة وراحت ناحية أوضة ليلى، انا هو، ف فضل قاعد لوحده وسط الورد والشوكولاتة وصوت عياط بنته اللي كان لسه واصل لودنه، وكأنه سهم مسموم بيخترق كل محاولاته في إنه يقنع نفسه إنه أب صالح
كنت قاعد على طرف السرير حاطط راسي بين إيديا، صوابعي غارزة في شعري بقوة كل ما افتكر صوت الزغاريد، أدهم كان واقف قدامي حزين على حالي، وامي قاعدة جنبي على السرير حاطة إيدها على ضهري بتمسح عليه بحنان ودموعها نازلة في صمت، ضرب ادهم كف بكف وقال
مش هينفع نسكت يا سيف، أنت هتقعد هنا تندب حظك والبنت بتضيع؟ انزل دلوقتي وروح لعم مصطفى قوله إنك عايزها وإنك أولى بيها من الغريب دة
رفعت راسي وبصتله بكسرة نفس وقولت
* أنزل أقوله إيه يا أدهم؟ ها؟ أقوله أنا سيف اللي لسه ملقاش شغلانة تسنده؟ أقوله أنا العاطل اللي بيلف من الصبح لليل والناس بتقفل الأبواب في وشه؟
سكت ثانية وبلعت ريقي بصعوبة وكملت وانا ببص لأمي بكسرة
* اقوله هاخد بنتك أبهدلها معايا وأمي هي اللي تصرف علينا من معاشها؟ انت عارف كويس إن لولا كدة كنت نزلت دلوقتي قدامهم و وقفت وقولت إن ليلى دي ليا ومش هتكون لحد تاني غيري طول ما أنا فيا نفس
ضربت على صدري بقوة وانا بقول بحرقة
* بس اليد قصيرة يا أخويا، اليد قصيرة وعم مصطفى معاه حق، هو عايز يفرح ببنته في الأول والاخر، هنزل أقوله إيه وأنا جيبي فاضي والماضي لسه بيطاردني في كل شركة بروحها؟
سكت تماماً. الكلمات ونزل راسه للأرض وهو مش لاقي رد، امي قربت مني أكتر وخدتني في حضنها وهي بتبكي وبدأت تطبطب عليا بصوت حنين
يا حبيبي متقولش كدة، ربنا مبيسدش باب إلا لما يفتح مية غيره، أنت راجل يا سيف، وسعيك ده عند ربنا كبير، ليلى لو من نصيبك الكون كله مش هيقدر ياخدها منك، استغفر ربنا يا ابني وفوض أمرك للي خلقك، هو أرحم بيك مننا كلنا
غمضت عيني واستسلمت لحضنها، الأوضة رجعت للسكون ومبقاش مسموع فيها غير دعاءها ليا
في شقة قديمة في الدور الأرضي، الإضاءة كانت خافتة ومقتصرة على كشافات ملونة بترعش ببطء مع صوت مزيكا واطي طالع من تسجيل قديم، وليد كان قاعد على كنبة جلد مقشرة ساند ضهره ورافع راسه لفوق وعينه مركزة في سحابة الدخان اللي طالعة من سجارته، ملامحه كانت مشدودة وكأنه بيحسب حسبة معقدة في دماغه
مازن كان قاعد قصاده بيقلب في موبايله بملل و كل شوية يرفع عينه يلمح وليد اللي منطقش ولا كلمة من ساعة ما السهرة بدأت، شد كرسيه وقرب منه وقال
جرى إيه يا وليد؟ أنت في ملكوت تاني خالص النهاردة، سايب السيجارة تاكل في نفسها وأنت سرحان، مالك؟
منزلش عينه من السقف، نفخ دخان سجارته ببطء ورد بصوت هادي وفيه نبرة غيظ مكتوم
بفكر في سيف، لا لا، في الشيخ سيف اللي فجأة كدة قفل الباب في وشنا ولبس توب مش توبه وبقى بيجري ورا الحلال والشقى، التغيير اللي حصله ده مش داخل دماغي ومش قادر أبلعه
مازن اتنهد تنهيدة طويلة ورمى الموبايل جنبه وبصله بصدق
يا عم سيبه في حاله، الراجل فاق لنفسه وحب يلم الدور قبل ما الدنيا تغرقه أكتر من كدة، ياريت يا وليد، ياريت الواحد فينا يبقى عنده الشجاعة اللي كانت عنده دي ويبقى زيه
نزل عينه فجأة وبصله بصدمة وذهول وقال بسخرية
يبقى زيه؟ وأنت من إمتى بقى يا بطل بتطلع منك المواعظ دي؟ أنت بقيت تبع فرقة التوبة ولا إيه؟
متهزش من سخريته ورد بمرارة وهو بيبص للأرض
من زمان يا وليد، من زمان وأنا حاسس إننا ماشيين في سكة سد، الفرق بيننا وبين سيف انه فاق، بص في المراية واتخض من المنظر وقرر يمشي، إحنا بقى، إحنا فايقين وعارفين إننا بنغرق، بس معندناش الجرأة نسيب اللي إحنا فيه هو أنضف مننا يا وليد، لازم تعترف بكدة
عينيه اضيقت وبان فيها غل قديم، داس على السيجارة في الطفاية بقسوة كأنه بيدوس على سيف نفسه
أنضف؟ مفيش حد أحسن من حد يا مازن، سيف واحد مننا، شرب معانا وسهر معانا وعارف الخبايا كلها، مش هسيبه يعيش في دور النضيف وإحنا نفضل هنا شياطين، لازم يرجع، ولازم يعرف إن مكانه هنا وسطنا
هز راسه بأسف وقام وقف وبصله نظرة أخيرة قبل ما يمشي
أنت بتعمل كدة عشان تداري على خيبتك أنت، سيبه يا وليد، اعتقه لوجه الله، سيف بيتحارب من الدنيا كلها دلوقتي عشان يفضل نضيف، بلاش تكون أنت والزمن عليه، يمكن دعوة حلوة منه تنقذنا إحنا كمان في يوم من الأيام
مردش عليه، فضل قاعد مكانه وملامحه رجعت لجمودها تاني، بس نظرات عينيه كانت بتقول إن كلام مازن مأثرش فيه، بل بالعكس، زاد من إصراره إنه يسحب سيف تاني للقاع عشان يثبت لنفسه إن مفيش حد يقدر يهرب من الطين اللي هما غرقانين فيه
ايوا جاي اهو
قالها ادهم وهو رايح بأتجاه باب الشقة يفتحه للي بيخبط، فتح الباب واتفاجئ بمنصور بوقاره المعهود وجلبيته المكوية واقف ومعاه اتنين من كبار رجالة المنطقة، ناس ليهم هيبتهم وكلمتهم، ملامحهم كانت جدية بس فيها ود مريح يطمن القلب
صباح الخير يا أدهم يا ابني، سيف موجود؟
قالها منصور بصوت هادي وهو بيمسح على لحيته الخفيفة، رد ادهم بترحيب واندهاش باين في عينه
أهلاً يا عم منصور، ايوا موجود اتفضلوا، خطوة عزيزة والله
دخلهم الصالون وراح بسرعة ناحية المطبخ لقى كريمة واقفة قدام البوتاجاز، همسلها بصوت واطي وقال
امي، اعملي شاي بسرعة، عم منصور وكبار الحارة برا وعايزين سيف
استغربت وقالت
منصور ورجالة الحارة؟ غريبة، مقالوش عايزينك في اية؟
والله ما أعرف يا أمي، بس شكلهم جايين في واجب أو أمر يخصه، اعملي أنتي بس الشاي وأنا هروح أناديله
خرج وراح ناحية أوضة سيف، فتح الباب بالراحة وشافه قاعد على سجادة الصلاة وماسك المصحف، صوته كان طالع خاشع وبيقرأ بتركيز وكأنه بيفصل نفسه عن مرارة اللي حصل امبارح
"وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ"
فضل واقف مكانه لثواني مش عايز يقطع اللحظة دي، لحد ما سيف حس بوجود حد وراه ف صدق والتفت وشاف أدهم واقف، مسح على وشه بإيده وقال بنبرة هادية بس فيها تساؤل
* فيه حاجة يا أدهم؟
قرب منه وقال
عم منصور برا يا سيف ومعاه كام واحد من كبار الحارة، سألوا عليك بالاسم وبيقولوا إنهم عايزينك في موضوع وقاعدين مستنيينك
عقد حواجبه باستغراب وقام وقف وهو بيعدل لبسه
* عايزيني أنا؟ وموضوع إيه ده اللي يجمعهم الصبح كدة وييجوا لحد بيتنا؟
أدهم هز كتافه وقال
مش عارف، بس اخرجلهم وانت تعرف
أخد نفس طويل وكأنه بيستجمع شتات نفسه لمواجهة جديدة ميعرفش عنها حاجة، خرج ورا أدهم للصالة وأول ما دخل بدأت الابتسامة تترسم على وشوشهم وسيف قلبه بدأ يدق بترقب وهو بيسلم عليهم واحد واحد، بيحاول يقرأ في ملامحهم إيه اللي جاي، وهل الزيارة دي هتكون طوق نجاة ولا هم جديد؟
نور النهار بدأ يتسلل من شقوق الشيش راسم خيوط نور رفيعة على أرضية الأوضة، فتحت ليلى عينيها ببطء وهي حاسة بتقل في جفونها من كتر العياط طول الليل، حاولت تتحرك ف حست بوجود حد نايم جنبها ومحاوطها بدفء، لفت راسها براحة لقت فاطمة نايمة بجلبيتها على طرف السرير، استغربت وبصوت مبحوح و واطي ندهت عليها
- ماما .. يا ماما
فتحت عينيها فوراً، مكنتش نايمة نوم عميق، كانت مجرد غفوة من كتر السهر
صباح الخير يا حبيبتي، عاملة ايه دلوقتي
اتعدلت ليلى وسندت ضهرها على السرير وقالت
- الحمد لله، إيه اللي نيمك هنا يا ماما؟ منمتيش في أوضتك ليه؟
اتنهدت تنهيدة طويلة ومسحت على شعرها بحنان
أنا منمتش أصلاً يا حبيبتي، كنت قاعدة جنبك بسمع نفسك وأنتي نايمة وبدعي ربنا يبرد قلبك، مقدرتش أسيبك لوحدك في ليلة زي دي
سكتت ليلى وبصت للأرض وقالت
- طب وبابا؟ اول مرة تسيبيه لوحده
مش عايزة أقعد معاه، المكان اللي هو فيه مبقاش بيسيعنا طول ما هو ظالمك كدة، انا قولتله إن لساني مش هيمس لسانه و خرجت وقفلت الباب ورايا وجيتلك
مسكت إيدها وضغطت عليها بحب
- خلاص يا ماما، عشان خاطري مش مستاهلة كل ده اللي حصل حصل، وأنا مش عايزة أكون سبب في خناق بينك وبينه
لا مستاهلة ونص
ردت فاطمة بحدة وإصرار
لازم يعرف إنه مش على حق، ولازم يحس إن البيت كله رافض اللي بيعمله، السكوت في الموقف ده معناه إننا موافقين، أبوكي لازم يواجه غلطه ويشوفه في عيوننا
قربت منها وخدتها في حضنها وبدأت تطبطب على كتفها بكلام يطمن الروح
اسمعي، أنا معاكي ومش هسيبك لوحدك في المواجهة دي، خليكي قوية، والكسرة اللي في عينك دي شيليها، والله أكتر من قراية الفاتحة مش هيحصل، ربنا هيجعللك مخرج وأنا هقف قدام أبوكي وقدام الدنيا كلها عشانك
غمضت عينيها وهي بتسمع كلامها وحست لأول مرة إن فيه أمل بسيط، فاطمة فضلت ضماها وكأنها بتحاول تنقللها قوتها والاتنين فضلوا ساكتين في انتظار اللي هيجيبه النهار الجديد
قعدت قدام عم منصور والرجالة وانا حاسس بـهيبة غريبة في الصالة، الشقة اللي كانت إمبارح كأنها قبر من كتر الضيق النهاردة حاسس إن جدرانها بتتنفس بوجودهم، كنت بفرك إيدي في بعض وببص لعم منصور بتقدير وهو قاعد بوقاره المعهود وساند إيده على عصايته وقولت
* نورتونا يا رجالة والله، بس أنا لسه مش عارف إيه سبب الزيارة الغالية دي؟
عم منصور اتنحنح وبصلي نظرة فيها حنان أبوي و ود كبير وقال
بص يا سيف يا ابني، إحنا مش جايين ضيوف، إحنا جايين لواحد مننا، الحقيقة إن بقالنا كذا يوم أهل الحارة بيجولي كبار وصغيرين والكل مجتمع على حاجة واحدة، الناس مفتقدة صوتك في الجامع، وإحنا جايين نطلب منك ترجع تأمّ بينا في الصلاة زي زمان، وترجع تحفظ العيال القرآن، الحارة من غير حسك في المسجد ناقصها كتير
أول ما سمعت الكلام دة اتفاجأت، تحفيظ القرآن؟ رجوع الجامع؟ الكلمات دي كانت زي المية اللي نزلت على أرض عطشانة وروتها، الفرحة كانت هتنط من عيني بس في نفس الوقت افتكرت السنين اللي ضاعت، وافتكرت إن لسه في قلبي وجع، وإني لسه بحاول أنضف من جوا بجد، واحد من الرجالة اللي معاه أكد على كلامه وقال
أيوا يا سيف يا ابني، عم منصور عنده حق، عيالنا مبقوش بيحبوا يروحوا لحد غيرك، وأنا واحد من الناس بكون مطمن وابني معاك، الحارة محتاجالك فعلاً
بصيت للأرض وخدت نفس طويل وقولت بحزن
* مجيتكم دي فوق راسي من فوق، والله أنا مش عارف أقولكم إيه، بس أنا مش هقدر أكون إمام ليكم دلوقتي يا عم منصور، أنا لسه بفوق من اللي كنت فيه ومحتاج وقت اطهر قلبي بجد قبل ما أقف قدام الناس في المحراب، مش عايز أكون مقصر في حق ربنا ولا في حقكم
ابتسم وكأنه كان متوقع ردي ده، طبطب على كتفي وقال
ولا يهمك، إحنا مقدرين اللي أنت فيه يا ابني، خلاص، بلاش الإمامة دلوقتي طالما مش مستعد، ابدأ الأول بتحفيظ القرآن للعيال زي زمان، والخطوة دي هي اللي هتفتحلك كل الأبواب، وإن شاء الله كل حاجة ترجع زي الأول وأحسن، ولا إيه يا أدهم؟
في اللحظة دي بصيتله و شوفت في عينه فرحة مكنتش بشوفها غير وأنا صغير، اتكلم بحماس ملوش حدود
طبعاً يا عم منصور، أنا موافق جداً وشايف إن دي أحسن بداية، سيف قدها وإن شاء الله هينور الحارة من تاني
كلامه وحماسه خلاني أحس إن دي إشارة من ربنا، بصيت لعم منصور والرجالة ولقيت في عيونهم قبول وتشجيع، بلعت ريقي وقولت بعزم
* على بركة الله، طالما دي رغبتكم أنا مش هردكم، هبدأ مع الأولاد من بكرة إن شاء الله، ويحلها ربنا من عنده في اللي جاي
الفرحة مكنتش سايعاني و حسيت إن في حمل كبير انزاح من على صدري، كنت محتاج السند ده ومحتاج أحس إني لسه ليا قيمة
كانت ليلى قاعدة في البلكونة ساندة ايديها على السور الحديد البارد وعينيها شاردة في الحارة، الهوا البارد كان بيخبط في وشها بس مكنش قادر يبرد النار اللي في قلبها، كانت بتفكر في كل اللي حصل في الأيام الأخيرة، قراية الفاتحة اللي تمت في غفلة من الزمن، نظرات أبوها اللي بقت غريبة عليها، وخصام امها ليه، افتكرت كلام نرجس بأن سيف لازم يعرف، كانت بتسأل نفسها بمرارة
- هقوله إيه؟ هقوله ازاي؟
وسط زحمة أفكارها، الموبايل في إيدها اتهز وأعلن عن وصول مكالمة، بصت في الشاشة لقت رقم غريب، مكنش من عوايدها ترد على أرقام متعرفهاش ف مردتش، لكن الرقم رن تاني وتالت بإصرار غريب، في المرة الرابعة ردت بزهق وقالت
- أيوا .. مين؟
جالها صوت رجولي هادي و واثق عرفته فوراً ومن أول لحظة
مساء الخير يا ليلى، أنا يحيى
اتسمرت مكانها والمفاجأة خلت لسانها يتربط لثواني، سألت بنبرة فيها هجوم حاولت تداريه
- يحيى؟ جيبت رقمي منين؟
رد بهدوء وقال
جيبته من عمي مصطفى طبعاً، قولتله إني محتاج أطمن عليكي وأسمع صوتك، وهو ممانعش، بالعكس رحب جداً
غمضت عينيها بقهر وحست إن أبوها كمل الحصار عليها وسلمه كل مفاتيحها، سكتت ومردتش فـ كمل وهو حاسس بصمتها
ليلى؟ أنتي لسه معايا؟ أنا حاسس من صوتك إني ضايقتك بمكالمتي دي، لو الوقت مش مناسب ممكن أقفل
حست بالحرج و تربيتها غلبتها رغم الوجع اللي جواها ف قالت
- لا مفيش حاجة، بس .. بس بعد إذنك بلاش مكالمات الفترة دي خالص
استغرب ونبرة صوته اتغيرت وبقى فيها تساؤل
بلاش مكالمات؟ ليه يا ليلى؟ إحنا خلاص قرينا فاتحة، وأظن من حقي أتعرف عليكي وتعرفيني أكتر، ولا أنتي ليكي رأي تاني؟
حست بالخنقة بتزيد ف ردت باختصار وهي بتحاول تنهي الكلام
- معلش بلاش مكالمات دلوقتي، عن اذنك أنا تعبانة شوية ومحتاجة أرتاح
سكت لحظة وكأنه بيحاول يحلل طريقتها الناشفة معاه وبعدين قال
تمام، اللي يريحك، مش عايز أضغط عليكي بس قوليلي هنتكلم إمتى؟ يعني أسيبك كام يوم وأرجع أكلمك؟
- مش عارفة، مش عارفة يا يحيى، سيبها بظروفها
استغرب أكتر من طريقتها اللي مفيهاش أي لهفة ولا حتى مجاملة بسيطة ف قال بنبرة فيها حذر
واضح إنك فعلاً مش في المود، عموماً أنا هسيبك براحتك خالص، ولما تحسي إنك عايزة تتكلمي أنا موجود، سلام
قفل السكة وليلى فضلت ماسكة الموبايل وبصة للفراغ، حست إن المكالمة دي كانت أول مسمار في نعش حريتها، وإن يحيى بدأ يفرض وجوده في حياتها بـشرعية قراية الفاتحة اللي تمت غصب عنها، حست بدمعة نزلت من عينها ف مسحتها بسرعة قبل ما حد يشوفها وقالت في سرها
- يا رب المخرج من عندك، انا مبقتش قادرة أتحمل كل ده
بعد ما قفل يحيى السكة فضل ماسك الموبايل في إيده لثواني، عينه مركزة على الشاشة السوداء وكأنه بيحاول يقرأ اللي ورا صمتها
غريبة
همس لنفسه وهو بيقوم يقف قدام المرايا اللي في اوضته، بدأ يسترجع شريط ليلة امبارح وهي داخلة بالصينية، عيونها اللي ملمستش عينه ولا مرة، إيدها اللي كانت بتترعش، والسكوت اللي كان كأنه حيطة سد بينها وبين كل اللي قاعدين، في الأول قال إنه خجل وفرح بخجلها اللي ندر وجوده اليومين دول، بس مكالمة دلوقتي خلت الشك يتسلل لقلبه، نبرتها مكنتش نبرة واحدة مكسوفة، كانت نبرة واحدة مجبورة أو شايلة هم جبال فوق كتافها
مشى إيده في شعره وهو بيفكر، حتى ردودها قاطعة مفيش فيها أي فرصة للكلام، قعد على الكرسي الهزاز اللي في ركن أوضته وبدأ يراجع حساباته، مصطفى قاله انها موافقة، طيب ليه طريقتها كدة؟ هل ممكن يكون فيه حد تاني في حياتها؟ ولا هي طبيعتها صعبة كدة؟ لكنه سرعان ما هز راسه يطرد الأفكار السودة دي، واتنفس بعمق وهو بيحاول يحسن الظن
لا يا يحيى متظلمش البنت، هي بنت أصول ومتربية والحاج مصطفى راجل دوغري وميخبيش حاجة زي دي، أكيد لسه مش واخدة على الوضع، الفاتحة لسه كانت امبارح وأكيد هي من النوع اللي بياخد وقت عقبال ما يفك ويتعود
بدأ يبررلها كل اللي حصل بـ حُسن نية، شرودها امبارح ممكن يكون خوف من المسؤولية الجديدة، وسكوتها ممكن يكون رزانة وعقل، ابتسم وكأنه بيطمن قلبه
مستعجل على إيه؟ الصبر طيب، بكرة الأيام تكسر الخوف اللي بيننا، وبكرة لما تعرفني بجد وتحس بـ إني شاريها هي اللي هتدور على كلامي، البدايات دايماً بتبقى تقيلة والمهم النهاية
رغم محاولاته إنه يهدى، فضل فيه نغزة صغيرة جوا قلبه بتأكدله إن فيه حلقة مفقودة في الحكاية دي، بس هو اختار يغمض عينه عنها مؤقتاً على أمل إن الوقت يثبتله إنه كان صح
رواية بين الردي والهدي الفصل العاشر 10 - بقلم نوري
الكل على سفرة الفطار كان ساكت تماماً، كل واحد ملهي في اللي في دماغه وبيفكر فيه، مصطفى كان قاعد عينه بتخطف نظرات لفاطمة اللي كانت قاعدة جنبه وبتاكل بآلية وهي بصة قدامها بجمود، وليلى اللي قاعدة الناحية التانية وشها باهت وعينيها منفوخة من قلة النوم وبتقلب في الأكل من غير ما تدوقه، استنى حد فيهم يفتح كلام لكن مفيش، البيت اللي كان دايماً صوته عالي بالضحك والكلام بقى عامل فجأة زي البيوت المهجورة
نفخ بضيق وساب المعلقة من إيده وقام فجأة وهو بيقول بصوت فيه حدة عشان يداري ارتباكه
الحمد لله .. شبعت
الف هنا
ردت عليه فاطمة من غير ما تبصله ف اتضايق وسابهم ودخل أوضته ورزع الباب وراه، اتنهدت بحرقة وبصت لليلى اللي اترجتها بعيونها عشانه، قامت خدت طبقه وعملت كوباية شاي وراحت وراه الأوضة، فتحت الباب ولقته قاعد على طرف السرير حاطط إيده على دماغه بتعب، حطت الصينية على الترابيزة اللي جنبه وقالت بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر
كل لقمة يا مصطفى عشان تاخد علاجك
بصلها بعتاب وقال
وبعدين معاكي يا فاطمة؟ هتفضلي كدة لسانك مش بيخاطب لساني؟ هو أنا عملت جناية؟
بصتله بلوم وقالت
أنت عارف يا مصطفى أنت عملت اية، اللي عملته في ليلى مش قليل ومش هيتنسي بسهولة
قام وقف وقرب منها بانفعال
يا فاطمة افهمي بقا، أنا بعمل كل ده عشانها، عشان تكون مرتاحة في حياتها وتتجوز راجل معاه قرش ومعاه شهادة ويقدر يفتح بيت ويصونها، وقبل كل دة ملوش ماضي زي سيف، هو ده بقى جزاتي؟
وسيف تاب خلاص، يا اخي دة ربنا بيغفر ويسامح، هتيجي انت وتعلقله حبل المشنقة، وبعدين هتكون مرتاحة إزاي وهي قلبها معاه؟
ضحك وقال بسخرية
قلبها معاه؟ مين؟ سيف؟ وهي لحقت تحبه إمتى أصلاً؟ هما كانوا بيشوفوا بعض فين ولا إمتى عشان يلحق يحصل بينهم حب وغرام؟
بصت في عينه بقوة وقالت
وأنت حبتني إزاي يا مصطفى؟ أنت شوفتني مرة واحدة بس، ومع ذلك قولت إنك مش عايز غيري وجيت اتقدمتلي، على الأقل ليلى شافت من سيف مواقف، أثبتت إنه راجل بجد، مش مجرد بدلة وعربية
سكت تماماً لما حس إن كلامها فيه منطق هو كان بيحاول يهرب منه، لفت عشان تخرج من الأوضة ف نادى عليها بصوت فيه رجاء
فاطمة .. برضو مش هتنامي جنبي النهاردة؟
وقفت عند الباب ومبصتش وراها وقالت بصوت هادي ومصمم
هفضل مع ليلى يا مصطفى، هفضل جنبها عشان أخفف عنها الوجع اللي أنت سببتهولها، هي محتاجالي دلوقتي أكتر منك بكتير
سابت الأوضة وخرجت وسابته واقف لوحده وسط الحيطان، حاسس ببرد غريب وحاسس إن البيت اللي بناه طوبة طوبة بدأ يتشرخ من جواه بسبب كلمة هو صمم إنها متنزلش الأرض
بعد عدة ايام، نزل سيف الجامع زي ما وعد منصور، الهوا اللي دخل من الشبابيك كان صافي، وريحة المسك اللي في هدومه كانت مالية المكان، كان قاعد في النص وحواليه حلقة من الأطفال، عيونهم عليه بتركيز وحب وكأنهم كانوا مستنيين اللحظة دي من زمان، المصاحف مفتوحة قدامهم وصوت الترتيل مالي المكان، فضل يحفظ فيهم واحد واحد آيات صغيرة يبدأ بيها معاهم وتكون في نفس الوقت مراجعة ليهم لحد ما حس أنهم هيتعبوا ف وقف، أول ما قفل مصحفه ولد صغير منهم قرب منه وقال بلهفة
عمو سيف، مش هتقولنا سنة عن النبي ﷺ زي زمان؟ وحشتنا حكاويك والسنة اللي كنت بتعلمها لينا
ابتسم سيف ابتسامة صافية كانت غايبة عنه بقالها كتير وحس إن روحه هي اللي بترجعله مش بس الضحكة، بص لوشوشهم الصغيره وقال
* من عيوني يا ياسين، بما إننا في أيام مفترجة وفي شهر رمضان الكريم خلوني أسألكم مين الشاطر فيكم اللي بدأ يصلي قيام الليل حتى لو ركعتين بس قبل السحور؟
بدأوا كلهم يردوا بحماس
أنا صليت
أنا صليت يوم ويوم لا
أنا بكسل ساعات يا عمو
هز راسه بتفهم وقال
* ولا يهمكم، بكرة إن شاء الله لو داومتوا عليها جسمكم وقلبكم هيتعودوا وهتلاقوا نفسكم بتنتظموا من غير تعب، بس النهاردة بقى، هعلمكم حاجة كان النبي ﷺ بيعملها في استفتاح قيام الليل
ولد منهم استغرب ورفع إيده وقال
يعني إيه استفتاح يا عمو
قرب منه وبسطله المعلومة بأسلوب جميل
* بص يا بطل، مش أنت لما بتيجي تصلي بتقول الله أكبر وبترفع إيدك؟ أنت كدة دخلت في الصلاة خلاص والمفروض تبدأ تقرأ الفاتحة، صح؟
صح
* أهو قبل ما النبي ﷺ يبدأ يقرأ الفاتحة، كان بيقول كلمات جميلة أوي بتفتح أبواب السماء، تعالوا نحفظها سوا عشان نقولها في صلاتنا بالليل ونبقى شطار، كان النبي ﷺ يقول
الله أكبر (10 مرات)
سبحان الله (10 مرات)
لا إله إلا الله (10 مرات)
أستغفر الله (10 مرات)
وبعدين يدعي ويقول
اللهم اغفر لي، وارزقني، واهدني، وعافني (10 مرات)
وأهم واحدة بقى ومحتاجة تركيز
اللهم إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة (10 مرات)
بدأوا يرددوا وراه بصوت واطي ومنتظم وسيف كان بيصحح ليهم النطق بصبر وطولة بال، لما حس إنهم بدأوا يحفظوا بصلهم وقال بنبرة مؤثرة
* عارفين لو حفظتوا الكلمات دي وقولتوها وأنتوا واقفين بين إيدين ربنا بالليل وعلمتوها لأي حد مش عارفها، إن شاء الله يوم القيامة تلقوا النبي ﷺ عند الحوض وهو راضي عنكم عشان هتبقوا احييتوا سنته وعلمتوها للناس
وشوشهم نورت من الفرحة وبدأوا يتسابقوا مين يديله كشكوله الأول عشان يكتبله الأذكار دي بخطه الجميل، مسك الكشاكيل وبدأ يكتب لكل واحد فيهم في صفحة لوحدها بخط واضح وهو حاسس إن كل حرف بيكتبه بيمحي حتة من الهم اللي كان في قلبه
بعد ما خلص، لموا الأولاد حاجتهم وجريوا وهما فرحانين وبيوعدوه إنهم هيقولوها النهاردة في القيام، فضل قاعد مكانه باصص لأثرهم وهما خارجين، رفع عينه للسماء وهو بيحمد ربنا إنه قدّره يرجع للطريق ده تاني، وإن الأطفال دول كانوا هما الجبر اللي ربنا بعتهوله في عز وجعه
كتير من الناس مش بيبقوا مهتمين بالورد وأثره على حياتهم، تخيل تكون مخنوق ومهموم واول ما تشم ريحته وتتأمل في خلق الله وإبداعه ف تروح خنقتك وتهدى، دة كان احساس ليلى أول ما نزلت المحل من تاني، كانت واقفة ماسكة في إيدها شوية ورد ليليوم أبيض بتحاول تنسق بوكيه كبير، لكن حست انها مش عارفة ف وقفت شوية تفكر في طريقة جديدة وشيك في نفس الوقت
نرجس كانت بتراقبها من بعيد وهي بترقص شوية من ورد اللاڤندر، حست إنها محتاجة مساعدة في قربت منها وحطت إيدها على كتفها براحة وقالت
محتاجة مساعدة؟
- تسلميلي يا نونو. انا بس بحاول اجدد في اللفة
ماشي يا ستي، تعرفي، حساكي النهاردة احسن شوية
سابت الورد من إيدها ولفتلها وقالت
- الحمد لله، كلامك انتي وماما قواني شوية، انا بس محتاجة حاجة واحدة وكله هيبقى تمام
اية هي
طلعت موبايلها من جيبها و ورته لنرجس
- إنه يختفي من حياتي، شوفي .. رسايل ومكالمات قد كدة، مش ساكت وكل شوية يبعت إنه فرحان اني وافقت عليه وأنه رسم حياته معايا في دماغه، وانا مش قادرة حتى أفتح رسالة واحدة منهم، بحس إني بخون نفسي وبخون سيف
بصت نرجس في الشاشة وشافت كمية المحاولات اللي يحيى عملها، هزت راسها بأسى وقالت
الله يسامحه الحاج مصطفى، هو السبب في الدوامة دي، ظلمك وظلم سيف، والظاهر كدة إنه ظلم يحيى كمان معاكوا، يحيى ملوش ذنب يا ليلى، هو دخل البيت من بابه وشاف بنت حلال عجبته فطلبها، ميعرفش إن ورا الباب ده قلب مكسور وقصة تانية خالص
ضغطت على الموبايل في إيدها وقالت بغصة
- ما هو ده اللي مضايقني يا طنط، إنه ملوش ذنب، إنه مخدوع ومش فاهم حاجة خالص، بيبعت يسأل عني ويهتم بتفاصيلي وهو ميعرفش إن كل كلمة منه بتخنقني أكتر، انا حاسة إني شايلة ذنبه و ذنب كدبة بابا اللي عايز يعيشنا فيها غصب عننا، بس انا خلاص عرفت الحل
بصتلها نرجس بأنتباه ف كملت
- انا مش هقدر أستحمل أكتر من كدة، مش هشيل ذنبه لوحدي، يحيى لازم يعرف الحقيقة، لازم يفهم إنه داخل على حياة مفيش فيها مكان ليه، أنا هرد عليه وهحكيله كل حاجة بالظبط
انتي بتقولي إيه يا مجنونة؟ طب وباباكي؟ لو عرف إنك عملتي كدة ممكن يهد الدنيا فوق دماغك، أنتي عارفة دماغه ناشفة إزاي
بصتلها بجدية وقالت
لازم يعرف يا طنط، لازم يعرف إنه مش بيظلمني أنا بس، ده بيظلم الكل معايا، بيظلم يحيى اللي بيبني أحلام على سراب، وبيظلمني انا وسيف، وحى علاقته بماما، لازم يحيى يعرف كل حاجة، وجعه دلوقتي أهون بكتير من وجع العمر كله بعد كدة
فضلت نرجس بصالها وشايفة في عيونها بنت تانية خالص غير ليلى الهادية الضعيفة، ومكنتش عارفة تمنعها ولا تسيبها تاخد حقها من الدنيا اللي جاية عليها بزيادة
في بيت مصطفى، فاطمة كانت قاعدة بتحضر الخضار بتاع الفطار وعقلها داير زي الساقية، بتفكر في مصطفى اللي قفل قلبه وعقله، وفي يحيى اللي دخل حياتهم فجأة وبقى زي الحيطة اللي سدت الطريق، والأهم من ده كله، كانت بتفكر في سيف، يا ترى يا لسه شاري؟ ولا الأيام والوجع اللي شافهم خلوا مشاعره تبرد؟ يا ترى لسه عايز ليلى ولا قرر ينسى ويمشي في طريقه؟ خايفة يكون مصطفى معاه حق وهي وليلى متأملين في سراب. لكن ازاي تتأكد إنه لسة عايزها أو لا
وسط زحمة افكارها، خبط الباب خبطة هادية قامت وفتحت وأول ما شافت اللي واقفة قدامها حست إن روحها ردت فيها، كانت كريمة، جارتها وأختها اللي مبتخبيش عنها حاجة
كريمة؟ تعالي يا حبيبتي ادخلي
دخلت كريمة وسلمت عليها بحرارة وقعدوا سوا في الصالة، بصت حواليها وسألت
امال فين ليلى مش باينة
اتنهدت فاطمة وقالت
في الشغل يا حبيبتي، نزلت تهرب من خنقة البيت، المهم طمنيني على سيف، عامل إيه دلوقتي؟
نور وشها بابتسامة رضا وقالت
الحمد لله، ربنا هداه وثبته، رجع يحفظ العيال القرآن وصوته ملي الجامع من تاني، ربنا يتمم عليه بخير
آمين يارب
ساد السكوت بينهم لحظة، سكوت كان مليان كلام محبوس جوا الاتنين، لاحظت فاطمة إن كريمة في عينيها نظرة تانية ف قالت
مالك يا كريمة؟ حاسة إن ورا سُكاتك ده كلام كتير
عدلت طرحتها وقالت بوضوح وصراحة
بصي يا فاطمة، أنتي عارفة إني صريحة ومش بعرف أخبي ولا ألف وأدور
في إيه يا كريمة قلقتيني
هدت من صوتها شوية وقالت
أدهم شاف مصطفى وهو طالع البيت يوم الخميس وكان معاه واحد وأهله وشايلين بوكيه ورد وبعدها سمعنا زغاريد، قوليلي يا فاطمة، هو ده عريس لليلى فعلاً؟
بان على وشها الزعل واتنهدت بتعب وقالت
للأسف يا كريمة، والناس قروا الفاتحة خلاص
ازاي يا فاطمة؟ إزاي مصطفى يعمل كدة وهو عارف إن العيال عايزين بعض؟
سكتت ومردتش ف كملت كريمة بحذر وخوف من اللي هتسمعه
هو عمل كدة عشان مش عايز سيف بعد اللي حصل صح؟ خايف منه عشان الفترة اللي ضاع فيها؟
فاطمة ارتبكت وحاولت تداري الحقيقة عشان متجرحهاش ف قالت بسرعة
لا طبعاً يا كريمة إيه اللي بتقوليه ده؟ أنتي عارفة غلاوة سيف عند مصطفى عاملة إزاي، ده كان بيعتبره ابنه اللي مخلفوش
سكتت وجت في دماغها فكرة، حبت تتأكد من اللي شاغل بالها عشان تعرف هي هتحارب في أنهي اتجاه، ف قالت بشك مصطنع
هو بس مصطفى خايف يكون سيف صرف نظر عن الموضوع بعد اللي جرى، وتكون ليلى هي اللي لسه متعلقة بيه و واقفة مكانها، يعني خايف يضيع بنته ورا سراب
بصتلها كريمة وقالت بحرقة قلب
مين اللي قال كدة بس؟ سيف حبه مقلش ولا لحظة، ده عمال يدور على شغل جديد في كل حتة عشان يقف على رجله ويتقدملها تاني ويملى عين أبوها، ده ليلة الزغاريد دي، الواد مبقاش على بعضه وقلبه اتكسر يا حبة عيني، كان واقف في البلكونة زي الطير المذبوح وهو بيسمع فرحة غيره معاها
حست بقلبها بيرفرف واترسمت على وشها ابتسامة، كلام كريمة كان هو البوصلة اللي هتحددلها اتجاهها، سيف لسه شاري، و لسه بيحارب، بصتلها وقالت
متخافيش، إن شاء الله هيكونوا لبعض، أنا مش هسيب مصطفى وهتكلم معاه تاني وتالت، بس أنا كمان محتاجة أتكلم مع سيف بنفسي، محتاجة أسمع منه وأتأكد إنه لسه قد وعده
حقك يختي طبعاً، يلا فوتك بعافية بقا
ما تقعدي شوية
لا يا دوب هيطلع بقا احضر للفطار
ماشي يا حبيبتي مع السلامة
قفلت وراها وهي بتدعيلهم بصلاح الحال، وفي نفس الوقت بتخطط إزاي هتواجه مصطفى بـ حقيقة إن سيف لسه موجود، وإن حبه لبنته مقلش لحظة
في محل نرجس، موبايل ليلى كان بيرن على البترينة للمرة العاشرة واسم يحيى منور الشاشة، ليلى كانت بتبصله بنظرة فيها تصميم غريب ونرجس واقفة جنبها بتراقب تعبيراتها وهي بتقول
برضو هتعملي اللي في دماغك يا ليلى؟ أنتي عارفة إن دي مخاطرة وممكن يروح يقول لأبوكي
أخدت نفس طويل ومسكت الموبايل
- لازم يا طنط، لازم عشان مظلموش معايا أكتر من كدة، هو إنسان محترم وميستاهلش إنه يبني أحلام على سراب، أنا هنهي المهزلة دي دلوقتي
بعدت شوية في ركن هادي في المحل وفتحت الخط بإيد بتترعش خفيف
- السلام عليكم
عليكم السلام، اخيرا رديتي عليا، انتي زعلانة مني ولا اية
ردت بذوق عشان تمهد للي هتقوله
- لا مفيش زعل ولا حاجة، أنا بس كنت محتاجة شوية وقت
طيب روحتي البيت ولا لسه في المحل؟
- لا، لسه في المحل
كان لسه هيفتح كلام ويحكيلها عن يومه لكن قاطعته بهدوء وقالت
- يحيى .. أنا كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم، ومحتاجة إنك تسمعني للآخر
استغرب نبرة صوتها بس قال بترحيب
يا ريت يا ليلى، ده أنا ما صدقت إننا بدأنا نتكلم، اتفضلي أنا سامعك
بلعت ريقها وبدأت كلامها
- يحيى أنت شخص محترم جداً وكويس ومش ناقصك أي حاجة ولا يعيبك أي شيئ، وأي بنت تتمنى ترتبط بيك، وأنا والله بقول كدة من قلبي ومش بجاملك، بس أنا مش عايزة أظلمك معايا أكتر من كدة، لأنك تستحق واحدة قلبها يكون معاك
سكتت لحظة وكملت وهي بتغمض عينيها
- الحقيقة إن كان فيه حد في حياتي، و كنا خلاص هنتخطب رسمي، بس حصلت ظروف قوية خلتنا ننفصل، ورغم كل اللي حصل أنا لسه بحبه ومش قادرة أتخيل نفسي مع غيره، ولا هقدر أحب حد زيه
الصمت حل على الخط لثواني كانت كأنها سنين، يحيى صوته اتغير تماماً وبقى فيه نبرة صدمة و وجع
طب .. طب ولما هو كدة وافقتي عليا ليه من الأول؟ ليه خليتيني أدخل البيت؟
قالت بدموع محبوسة
- والله مكنش بإرادتي يا يحيى، الرد اللي جالك بالموافقة وقراية الفاتحة كان من بابا، هو شايف إنه كدة بيحميني وإني لما أرتبط بيك هنسى اللي بحبه مع الوقت، بس أنا عمري ما هنساه ولا هقدر أفتح قلبي لغيره، أنا أسفة إني بقولك كدة، بس كان لازم تعرف عشان حرام تضيع وقتك ومجهودك مع واحدة مش ملكك
اتنهد تنهيدة تقيلة وقال
عشان كدة مكنتيش بتردي عليا خالص ولا كنتي عايزة تكلميني
- أيوا، كان غصب عني
حست بالذنب لما سمعت نبرة صوته المكسورة، وقالت بأسف حقيقي
- أنا بجد بعتذرلك يا يحيى، انا حبيت أقولك الحقيقة عشان مظلمكش، لأنك بجد تستاهل الأفضل
رد بصوت حزين حاول يداريه وقال
أنا بحترم صراحتك يا ليلى، وشكراً إنك وفرتي عليا وعليكي تعب كبير كان ممكن يحصل قدام، أنا كمان بتأسفلك إني كنت بكلمك كتير وببعت رسايل وأنا مش فاهم إنك بتعاني من ورايا
- متتأسفش، أنت ملكش ذنب في كل ده
عموماً أنا هنهي الموضوع مع الحاج مصطفى، متقلقيش، ملوش لزوم نكمل في طريق مسدود
استجمعت شجاعتها وقالت
- طيب ممكن أطلب منك طلب أخير؟
أكيد
- ممكن متقولش لبابا إني كلمتك أو حكيتلك كل ده؟ مش عايزة الأمور تتعقد أكتر بيني وبينه، وهو أصلاً مضايق الفترة دي
متقلقيش، أنا هخرج من الموضوع من غير ما أعرضك لأي لوم أو عتاب منه، فرصة سعيدة يا ليلى، ويا رب أنتي وحبيبك تكونوا لبعض على خير وتتحل كل مشاكلكم
- ربنا يعوضك بالأحسن مني يا يحيى .. شكراً بجد
قفلوا السكة وليلى فضلت واقفة مكانها، أخدت نفس طويل وطلعته في تنهيدة راحة هزت كيانها كله، لفت وشها لقت نرجس بتبصلها وهي بتضحك
وشك نور في ثانية كأن هم الدنيا انزاح
ابتسمت لأول مرة من قلبها وقالت
- فعلا، حاسة إن فيه جبل كان على قلبي وانزاح، أنا كدة ارتحت ومبقتش شايلة ذنب حد
في عز النهار والشس الحارقة كان سيف شايل ملف فيه أوراقه وبيلف على الشركات من الصبح لعل وعسى يلاقي اي فرصة حتى لو أقل من مهاراته وإمكانياته
وقف قدام شركة كبيرة ف اخد نفس طويل وعدل ياقة قميصه وهو بيحاول يرسم على وشه نظرة ثقة هو نفسه مش حاسس بيها، دخل وبص لموظف الاستقبال اللي كان باصص في شاشة الكمبيوتر وقال
* صباح الخير يا فندم، كنت بسأل لو فيه تقديم على شغل، أنا خريج تجارة ومعايا دورات كمبيوتر ولغات
طيب تسيب الCV ولو فيه حاجة هنكلمك
بلع ريقه وقال بصوت فيه رجاء
* أنا جيت الأسبوع اللي فات وسيبتها، بس كنت حابب أقابل حد من المسؤولين، أنا مستعد أشتغل أي حاجة، حتى لو مخازن، أنا بس محتاج فرصة أثبت فيها نفسي
بصله المرة دي بنظرة باردة خلت سيف يحس إنه صغير أوي
يا أستاذ، قولتلك لو فيه حاجة هنكلمك، الشركة حالياً مبتطلبش حد، والملفات اللي برا دي مالية الأدراج، اتفضل حضرتك عشان متعطلنيش
فضل باصصله وكان عايز يحاول تاني لكن حس إن مفيش فايدة، خرج والكسرة بدأت تنهش في روحه، مشي في الشارع واليأس اتملك منه، قعد على رصيف بعيد شوية وفتح الملف وبص لشهادته
* تلت سنين يا سيف
قالها في سره وهو بيفكر في سنين الضياع اللي مسحت كل مجهوده القديم، كل ما يروح مكان يا إما ميلاقيش شغل يا إما يرفضوه بسبب إن ماضيه مكتوب على جبهته، وإن الناس شامة ريحته في ورقه حتى لو ميعرفوش
* يا رب .. الدنيا لسه مقفلة في وشي، أنا مش عايز حرام، أنا عايز بس شغلانة تخليني رافع راسي ومتكسرش قدام اي حد
قام وقف تاني ونفض التراب عن بنطلونه، بص للساعة لقاها داخلة على العصر، جسمه كان بينادي على الراحة، بس قلبه كان بيزقه يكمل، راح لشركة تانية ومصنع تالت، وفي كل مرة كان بيسمع نفس الجملة
سيب ورقك
العدد كامل
فوت علينا كمان شهر
المرارة كانت بتزيد مع كل خطوة بيرجع فيها لبيته، كان بيشوف صورته في فاترينات المحلات وهو ماشي، شاب في عز شبابه بس ملامحه شايلة هموم عجوز
لملم أوراقه اللي بدأت تتكرمش من كتر التداول وركب الميكروباص وهو بيحاول يداري ملامح إحباطه عشان أمه وأدهم ميسألوش ويشوفوا الكسرة في عينه، بس الوجع الحقيقي كان إنه كل يوم بيبعد خطوة عن ليلى، والوقت مكنش في صالحه
الليل كان هادي وصوت صلاة التراويح طالع من الجامع اللي في آخر الحارة بيملى الأوضة بسكينة، ليلى كانت قاعدة قدام مامتها اللي ملامحها كانت ساكنة زيادة عن اللزوم وعينها مركزة في الفراغ، بصتلها بلهفة كأنها مستنية منها صك الغفران، بلعت ريقها وقالت
- هو أنا اتصرفت غلط يا ماما؟ كان المفروض أسكت وأسيبه يبني أحلام ويجيب عفش وهو ميعرفش إني مش طايقة أسمع اسمه؟ ذنبه كان هيبقى في رقبتي ورقبتكم
اتنهدت فاطمة تنهيدة طويلة ومسحت على شعرها بحنان وقالت بصوت هادي
لا يا بنتي، متصرفتيش غلط، الحقيقة دايماً أحسن من الكدب، يحيى شاب محترم وحرام كان يدخل حياتنا وهو مخدوع، وأنتي بكلمتك دي شيلتي حمل كبير من على كتافك
سكتت لحظة وملامحها اتغيرت وكملت بقلق
بس ربنا يستر من رد فعل أبوكي لما يحيى يبلغه إنه مش هيكمل، أبوكي كرامته عنده فوق كل شيء، وإنه يحس إن بنته هي اللي طفشت العريس أو إن كلمته اتكسرت قدام الناس، دي هتبقى هدة كبيرة عليه
سندت ليلة راسها على رجل فاطمة وقالت بيأس
ما هو كان لازم يعرف يا ماما، كان لازم يفهم إن الجواز مش بيع وشرا، أنا تعبت من التمثيل
طبطبت على كتافها وقالت بنبرة فيها تسليم لقضاء ربنا
خلاص يا حبيبتي، اللي حصل حصل، أنتي عملتي الصح اللي يرضي ضميرك قدام ربنا، سيبي الباقي عليه وادعي بس إن يحيى يخرج منها بشياكة زي ما وعدك، وإن ربنا يهدي سر أبوكي لما يعرف
غمضت عينيها وحست إن كلام أمها رغم إنه محمل بالقلق بس كان زي الماية اللي طفت نار جواها، البيت كله كان غرقان في صمت ما قبل العاصفة والاتنين عارفين إن بكرة مش هيعدي بالساهل، بس على الأقل ليلى النهاردة هتعرف تنام وهي مش شايلة ذنب يحيى في رقبتها
تاني يوم، دخل يحيى مكتب مصطفى و وشه كان هادي لكن جدي، نبرته كانت موزونة كأنه مرتب كل كلمة هيقولها عشان يخرج من الموضوع بأقل الخسائر، أول ما شافه مصطفى وشه نور وقام من ورا مكتبه بترحيب حار وفتح دراعاته وهو بيقول
يا أهلاً يا أهلاً
سلم يحيى عليه بأدب وابتسامة خفيفة وقعد على الكرسي اللي قدام المكتب وهو بيفرك إيده ببعضها وبدأ يمهد للكلام، مصطفى لاحظ سكوته اللي طال ثواني فمال بجمسه لقدام وقال بود
مالك يا يحيى يا ابني؟ شكلك وراك كلام مهم، خير؟
أخد نفس طويل وبص في عينه بصدق وقال
الحقيقة يا عمي، أنا جاي ومعايا أمانة كان لازم أوصلها ليك بمنتهى الصراحة، حضرتك راجل أصيل ودخلت بيتك من بابه، وشوفت منك ومن أهل بيتك كل كرم وذوق، بس أنا جاي أقول لحضرتك إن كل شيء قسمة ونصيب
كلمة قسمة ونصيب نزلت على مصطفى كأنها خبطة مفاجئة، ملامحه اتغيرت واتخطف لونه وسأل باستغراب
قسمة ونصيب؟ يعني إيه يا ابني؟ إحنا لسه قاريين الفاتحة مفيش يومين، إيه اللي حصل؟ حد ضايقك؟ ليلى زعلتك؟
هز راسه بسرعة ونفى الكلام ده
أبداً والله يا عمي، العفو ده أنتم أهل كرم، الموضوع وما فيه إننا مش متفاهمين ومش مرتاحين مع بعض، أنا قعدت وفكرت وصليت استخارة ومحستش بالراحة اللي تخلينا نكمل طريق طويل زي ده ونفتح بيت
ضرب مصطفى كف بكف بقلة حيلة وقال
يا ابني إنتوا لحقتوا؟ ده أنتم لسه مكلمتوش بعض كلمتين على بعض، التفاهم بييجي مع العشرة والوقت والصبر طيب يا يحيى
قام وقف بوقار وهدوء وكأنه بيقفل الباب على أي محاولة تانية للنقاش
الراحة النفسية ملهاش علاقة بالوقت يا عمي، دي حاجة من عند ربنا، ليلى إنسانة كويسة جداً وخلوقة وبنت أصول، وأي حد يتمنى يكمل حياته معاها، بس هي مش نصيبي، ربنا يرزقها بالأحسن مني ويرزقني باللي تريح قلبي، أنا حبيت أجي وأقولك وش لوش لأني بحترمك وبقدرك، ومش عايز أعطلك ولا أعطلها ورا وهم مش هيكمل
مد إيده يسلم على مصطفى اللي كان لسه قاعد مكانه مصدوم، حاسس بكرامته بتتهز بس في نفس الوقت مش قادر يلوم يحيى على صراحته ورجولته في المواجهة
فرصة سعيدة يا عمي، وإن شاء الله تفضل المعاملة والود بينا موجودين بعيد عن النصيب
خرج يحيى من المكتب بخطوات واثقة وساب وراه مصطفى غرقان في أسئلة مكنش ليها إجابة، فضل باصص للباب اللي اتقفل وبدأ يحس بنار بتغلي جواه، هو كان راسم ليحيى صورة العريس المثالي اللي وفجأة كل ده اتهد في دقيقة واحدة، قام مصطفى من مكانه بعصبية ولبس جاكتته وهو بيتوعد في سره إنه يعرف إيه اللي خلاه يهرب بالسرعة دي وهو شاكك إن فيه ايد خفية في البيت هي اللي ورا الحكاية دي