تحميل رواية بيت العمده بقلم نور الشامي pdf
بقلم نور الشامي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كانت شمس الجنوب في قنا تشرق على أرض تعرف معنى العزة، حيث الرجال إذا قالوا صدقوا، وإذا غضبوا كانت كلمتهم حدّ السيف... هناك في قلب الصعيد، تقاس الهيبة بالصمت، وتحفظ العهود بالدم وفجأة شقّ السكون صراخ حاد خرج من فمِ إحدى النساء في وهي تهرول من الدار مردده: الحقوووني.... العمدة اتجتل! العمدة اتجتل... يا منصور بيه... يا ست هانم.. العمده اتجتل يا عالم تدافع الرجال إلى الداخل وارتفعت الهمهمات قبل أن تتحول إلى صرخات مكتومة حين رأوه ممدّدا على الأرض.. غارقا في دمائه، وعمامته ملقاة إلى جواره. وفي تلك اللح...
رواية بيت العمده الفصل الأول 1 - بقلم نور الشامي
كانت شمس الجنوب في قنا تشرق على أرض تعرف معنى العزة، حيث الرجال إذا قالوا صدقوا، وإذا غضبوا كانت كلمتهم حدّ السيف... هناك في قلب الصعيد، تقاس الهيبة بالصمت، وتحفظ العهود بالدم
وفجأة شقّ السكون صراخ حاد خرج من فمِ إحدى النساء في بيت العمده وهي تهرول من الدار مردده:
الحقوووني.... العمدة اتجتل! العمدة اتجتل... يا منصور بيه... يا ست هانم.. العمده اتجتل يا عالم
تدافع الرجال إلى الداخل وارتفعت الهمهمات قبل أن تتحول إلى صرخات مكتومة حين رأوه ممدّدا على الأرض.. غارقا في دمائه، وعمامته ملقاة إلى جواره.
وفي تلك اللحظة، اندفع ابنه الأكبر منصور إلى الغرفة ووجهه شاحب وعيناه لا تستوعبان المشهد فـ توقف عند الجسد المسجى، وكأن الأرض سحبت من تحت قدميه وارتمت زوجة العمدة، الحجة زينب، على صدر زوجها وهي تصرخ بحرقة:
اتصلوا بالإسعاف والبوليس بسرعة..... يا عمده جوووم... اتصلوا بالاسعاف... منثور اعمل حاجه يا ابني ابوك مش بيتحرك... حد يجيبلي كاسر... هاتولي كاسر بسرعه
وبعد برهة قصيرة كانت سيارة الإسعاف قد حملت الجسد الهامد، فيما انتشر رجال الشرطة داخل الغرفة يقلبون المكان بحثا عن دليل فـ وقف منصور في زاوية الحجرة يحدق في الفراغ، والحزن ينهش صدره و
اقتربت منه زوجته غزل بخطوات مترددة، ثم همست بجوار أذنه:
جتلت أبوك يا منصور
التفت إليها منصور بصدمة وتجمد الدم في عروقه، وعيناه تتسعان بغضب وفي مكان آخر، وعلى طريق صحراوي طويل... كانت سيارة سوداء تشقّ الأسفلت بسرعة جنونية، تلاحق أخرى أمامها بلا هوادة. هديرُ المحرّك يعلو، والغبار يتصاعد خلف العجلات، وكأن مطاردة لا تعرف الرحمة قد اشتعلت وخلال لحظات خاطفة انحرفت السيارة السوداء بمهارة حادة، فقطعت الطريق على الأخرى وتوقفت فجأة وسط الطريق الخالي وفتح باب السيارة بعنف، ونزل منها شابّ طويل القامة.. عريض الكتفين، تتجلّ في ملامحه صلابة الرجال الذين اعتادوا السيطرة لا الانتظار..... كانت عيناه حادتين كحد السيف وخطواته ثابتة واثقة... يوحي حضوره بالهيبة حتى قبل أن ينطق و في وقفته شموخ أبناء الصعيد وفي نظراته نار لا تخمد. كان ذلك هو كاسر الذي
تقدم نحو السيارة الأخرى، وفتح بابها بقوة، ثم أمسك بيد فتاة وأنزلها منها رغم مقاومتها وقال بصوت غاضب:
فاكرة إنك لما تهربي مني مش هعرف أجيبك يا هدير
نزعت هدير يديها من قبضته بعنف وابتعدت خطوة وهي تقول بحده:
ملكش دعوة بيا.... مفيش حاجة بينا أصلا
اشتعلت عيناه وصرخ:
مفيش بينا إي؟! أومال كل ال كان بينا ده كان إي
نظرت إليه بثبات موجع وقالت:
انتهى… كل حاجة بينا انتهت.... ابعد عني… وروح للصعيدية ال أهلك عايزينك تتجوزها.. روحلها خليها تنفعك
تصلب وجهه، واقترب منها خطوة غاضبة وقال :
إنتي شوفتيني اتجوزتها؟! أنا أصلا مليش علاقة بيها، ولا عمري شوفتها ولا أعرفها يلا تعالي معايا… كفاية فضايح كده يا هدير
وقبل أن ترد ظهرت سيارة أخرى تقترب بسرعة، وتوقفت خلفهما ونزل منها أحدي الحراس، واتجه نحوه بارتباك وهتف:
كاسر بيه… بيتصلوا بيك من الصعيد. لازم ترجع دلوجتي حالا احنا جحزنا لحضرتك علي اول طياره
لوح له كاسر بضيق وقال :
انا مش فاضي يا رجب.. امشي دلوقتي يلا
تبادل الحارس نظرة متوترة، ثم قال بصوت منخفض متقطع:
العمده... العمده اتجتل يا بيه
تجمد كاسر في مكانه، وكأن الزمن قد توقف للحظة واتسعت عيناه بصدمة لم يعرفها من قبل. همس بصوت مبحوح:
بابا
وفي صباح اليوم التالي، اجتمع أهل القرية في المقابر، والكل اقف حول قبر العمدة، والهواء محمل بالحزن والدموع و صرخات النساء تتصاعد، والرجال يحدقون في الأرض وهم يدفنون الرجل الذي كان رمزا للهيبة والقوة في بلدهم فاقترب المحامي من الحجة زينب وقال بصوت هادئ ولكنه جاد:
البقاء لله يا حجه …انا اسف في ال هجوله بش لازم نفتح الوصية
نظرت إليه زينب بعينين مليئتين بالحزن وقالت:
هو دا وجته؟
تنهد المحامي بحزم وقال:
أيوه يا حجة… وجته. لازم الكل يشوف الوصية، لأن لما تتفتح، فيه حاجات كتير هتتغير
ثم اقترب مصطفى من المحامي وقال:
خلاص يا حجه خلينا نشوفها. إن شاء الله هنستناك النهارده يا استاذ
تنهدت زينب بضيق، وأغمضت عينيها للحظة قبل أن تصمت فاقترب كاسر من والدته وقال لها بصوت حنون:
"يلا يا حجه… خلينا نمشي
احتضنته زينب وهي تبكي بحرقة وقالت :
ابوك راح يا كاسر… اتجتل ومش عارفين مين ال عمل اكده... العمده اتجتل
أجاب كاسر بعزم:
هنعرف مين ال عمل اكده… وأنا هعاقبه بنفسي والله
تدخل منصور وقال:
الشرطي مش هيسكت… هيمسكوه هياخد عقابه بـ القانون
وفجأة، ارتفع صوت فتاة من بعيد تقول بغضب:
من امتى والشركي هي ال بتاخد بتارنا … ده عمده بلدنا، واحنا ال ناخد بتاره مش الشرطي..ولو انتوا مش جادرين احنا نجدر وناخده بالنيابه عنكم ... البقاء لله يا حجه زينب ان شلء الله تبجي اخر الاحزان
القت الفتاه كلماتها وذهبت فتقدم الجميع نحو مصدر الصوت ونظرت عيون كاسر بدهشة عندما رأى الفتاة، ووجهها مغطى جزئيا إلا أن صوتها القوي جعل الجميع يتوقف وهمس كاسر بضيق:
مين دي… وإزاي تتجرأ وترفع صوتها اكده جدام الكل
اقتربت صفاء، زوجة أخيه منصور، وهمست له بخبث:
دي غصن … أم لسان طويل… خطيبتك.
تشنجت ملامح كاسر وضيق صدره وقال:
غصن... يعني اي غصن وبعدين مين جالك امي خاطب يا مرت اخوي انا مش خاطب اي حد
ثم رفع صوته بقوة أمام الجميع وردد بصوت مرتفع قوي :
شكر الله سعيكم… لا فيه عزا ولا واجب. العزا هناخده لما ناخد بتار العمدة…الكل يرجع لبيوته
توقفت كل العيون عليه، والجو أصبح متوترا وفي المساء حل الليل على بيت العمدة، وهدأ صخب القرية بعد يوم مليء بالدموع والحزن داخل الصالون الكبير حيث وقف المحامي مصطفى ممسكا بالوصية، وعيون الجميع شاخصة إليه بترقب خاصة منصور وكاسر اللذان لم يعرفا ماذا يخبئ هذا المستند الغامض وفتح المحامي الظرف بعناية، وأخذ يقرأ بصوت ثابت:
"بسم الله الرحمن الرحيم… أنا العمدة أحمد منصور العمده أضع هذه الوصية لتحديد من سيتولى أمر العائلة والعمودية بعد رحيلي… لقد قررت أن من يمسك بزمام الأمور ويقود العائلة سيكون ابني كاسر، فهو الأقدر على الصبر والحكمة وحماية شرفنا وكرامة العائله . لكن لتحقيق هذا، يجب أن يتزوج من غصن ابنه صديقي ورفيقي الوفي المرحوم محسن … وإن رفض كاسر الزواج، فيحق لمنصور أن يتولى الأمر بعد الزواج بها ليكون هو من يمسك العائلة والعمودية"
انهي المحامي كلماته وارتجفت كل العيون، وتبددت الأنفاس في الصمت، حتى ارتفع صوت منصور، صادما الجميع وهو يردد :
إزاي يعني؟ أنا الكبير… أنا ال المفروض أمسك العيلة
أجاب المحامي بهدوء ولكن بحزم:
دي الوصية يا سيد منصور… بس في شرط واحد علشان يحصل كل دا، لازم كاسر يتجوز … ولو رفض أنت تتجوزها غير اكده كل الفلوس والاملاك النص هيبجي ليكم بالشرع والنص هيتوزعوا علي الجمعيات
وقفت صفاء مذهولة، وعينها لا تصدق ما تسمعه، بينما نظر كاسر إلى الجميع بعينين حادتين، وقال بصوت منخفض ممتزج بالغضب والعزم:
أنا مش موافج… ومتنازل عن كل دا… ومش عايز أي حاجة
ثم التفت وانصرف، تاركا الجميع في صدمة وحيرة، بينما ابتسم منصور ابتسامة غامرة بالرضا وقال:
انا موافج خلاص… موافج.. هتجوز غصن
وقفت صفاء متجمدة، والصدمة تتحول إلى غضب وهي تحاول فهم ما حدث وبعد فترة، وأثناء الليل كانت صفاء تقف في غرفة كاسر، وعيونها متقدة بالغضب والخيبة، تصرخ فيه بصوت مرتفع:
هتتجوز عليا بعد ما استحملتك وخبيت انك انت ال جتلت ابوك يا جاحد … انت ال جتلت العمدة.. ثحيح واحد هان عليه ابوه.. يبجي هيعمل في مرته اس
توقف منصور لحظة، ثم اقترب منها بهدوء شديد وأمسك بكتفيها، قائلا بصوت منخفض لكنه حازم:
"اسكتي… أنا بعمل كل دا علشانك، انتي… انتي الأصل… وغصن مجرد وسيلة. أنا همسك العمودية والعيلة، وبعدها اطلجها … صدجيني.. انا مستحيل اتنازل عنك
رفعت صفاء حاجبيها بعناد وقالت:
لو عملت غير اكده، أنا هجول للكل إنك انت ال جتلت ابوك… فاهم
ابتسم منصور بابتسامة باهتة وخرج بينما بقيت هي واقفة، تنظر إليه في صدمة وغضب، وهو يغلق الباب خلفه، حاملاً سره وعزمه، وحده في صمت الليل وفي اليوم التالي حل الصباح على بيت العمدة، وازدحم الصالون الكبير بالحضور.... المأذون... المحامي ومنصور، وجميع الحاضرين من العائلة والمقربين حيق جلست غصن في مكانها، وجهها مغطى بوشاح خفيف، وعيونها متوترة تنتظر ما سيحدث حتي اقترب منصور من المأذون وقال بثقة:
يلا يا حضرت المأذون… اكتب الكتاب.
رفع المأذون يده وكان على وشك البدء، لكن فجأة انفتح الباب بقوة، ودخل كاسر بخطوات حاسمة. اقترب من غصن و أمسك يدها وسحبها اليه مرددا:
مفيش جواز هيتم… غصن خطيبتي، وأنا ال هتجوزها ودلوجتي
ابتسمت الحجة زينب بهدوء، وهمست بصوت خافت:
الحمد لله…الحمد لله
اقترب كاسر من منصور بثبات وعيونه مليئة بالحدة وقال :
أنا هجتلك.... هجتلك يا منصور … جسما بالله موتك لـ هيكون علي ايدي يا اخوي
القي كاسر كلماته ثم ثم التفت إلى المأذون وقال بحزم:
يلا يا شيخنا … اكتب الكتاب
تجمد الجميع للحظة، بينما ارتسمت على وجوههم دهشة وارتياح و فجاه
رواية بيت العمده الفصل الثاني 2 - بقلم نور الشامي
الفصل الثاني
بيت العمده
اندفع كاسر إلى غرفة منصور كـ الاعصار وفتح الباب بعنف حتى ارتطم بالحائط خلفه.... كانت ملامحه مشتعلة بالغضب، وعيناه تقدحان شررا كأن في صدره بركانا انفجر دفعة واحدة لم يمهله لحظة حتي تقدم نحوه وأمسكه من تلابيب قميصه، ثم سدد إليه لكمة قوية أطاحت به أرضا فـشهقت صفاء التي كانت تقف قرب النافذة، واندفعت تحاول الإمساك بذراع كاسر وهي تصرخ:
كاسر! إنت بتعمل إي؟ سيبه… سيبه.. بالله عليك.. سيبيه يا اخوي ابوس يدك
لكنه نزع ذراعها بقسوة، وصاح فيها دون أن يلتفت مرددا :
متدخليش يا مرت أخوي... اطلعي بره... اطلعي بره انتي يلا
ثم جذبها إلى خارج الغرفة، ودفع الباب في وجهها وأغلقه بالمفتاح وساد الصمت لثواني ثقيلة... لم يسمع فيها إلا أنفاس متقطعة، قبل أن يعود كاسر إلى أخيه فمسكه من ياقة ثوبه ورفعه بعنف وسدد إليه لكمة أخرى مرددا:
إنت إزاي تعمل اكده هااا.... إزاي تعمل اكده
تجمد منصور، وارتسم الخوف في عينيه. ظن لوهلة أن الأمر قد انكشف، وأن كاسر علم بالحقيقة كاملة… بأن يده هي التي أزهقت روح أبيهما فـ ابتلع ريقه وقال مرتبكا:
اهدى… اهدى يا كاسر وأنا هفهمك كل حاجه والله.. تنت متعرفش حاجه
لكن كاسر قاطعه، وصوته يرتجف من شدة الغضب:
تفهمني إي..... إزاي تبيع الأرض لأكبر عدو لعيلتنا؟! إزاي تبجى خاين بالشكل ده؟! قهرت أبوي قبل ما يموت… تعب بسببك.. وفي الآخر مجظرتش تحميه واتجتل... أنا مستحيل أسيبك
توقف الزمن لثانية. ارتخت ملامح منصور قليلا
وشعر بارتياح بارد يسري في عروقه، فدفع كاسر عن نفسه ونهض متكئا على الحائط، يمسح الدم من شفتيه، وقال بنبرة حاول أن يجعلها ثابتة:
اهدى يا كاسر… إنت مش فاهم حاجه. أنا عارف إني غلطت، بس والله انضحك عليا.... أنا مبيعتهاش للعدو… أنا بيعتها لحد تاني وهما لفوا عليا وعملوا خطه فاشتعلت عينا كاسر من جديد وصرخ فيه:
علشان إنت مستهتر! عمرك ما كنت قد المسؤولية.. طول عمرك اكده... هتتصلح امتي مش فاهم.. ابوك اتجتل وانت جاعد ملكش اي لازمه
أجاب منصور سريعا :
طيب خلاص… خلاص أنا هرجع الأرض تاني أوعدك... هتصرف
ردد كاسر بحده:
هو أنا لسه هستناك؟ الأرض انا رجعتها خلاث
اتسعت عينا منصور في دهشة زأكمل كاسر بصوت حاسم:
ومن النهارده… أنا موافج على الوصية. أنا ال همسك كل حاجه بس لو فاكرين إني علشان اتجوزت قريبتكم دي هعتبرها مرتي… تبجوا غلطانين ... مستحيل أعتبرها مرتي مهما حوصل ومهما مرت الايام
القي كاسر كلماته وخرج وبعد فتره في غرفة كاسر كان الليل قد أرخى سدوله على بيت العمدة، لكن داخله لم يكن يعرف سكونا حيث دخل الغرفة بخطوات متوترة وأغلق الباب خلفه بعنف مكتوم... كانت أعصابه مشدودة كوتر على وشك الانقطاع فخلع قميصه بحركة عصبية وألقاه فوق المقعد القريب، وبقي عاري الصدر، تتصاعد أنفاسه بقوة، وعضلاته مشدودة تحت ضوء المصباح الخافت وقبل أن يلتقط أنفاسه…صدر صوت خفيف من غرفة الملابس الملحقة.
التفت فجأة، وعيناه تضيقان بحذر وانفتح الباب ببطء، وخرجت منه فتاة مغطاة الوجه بوشاح خفيف فتجمد في مكانه وقال بصدمة حادة:
إنتي مين... وبتعملي إي في أوضتي؟
رفعت رأسها قليلا، وصوتها جاء ثابتا:
أنا غصن… مرتك
اشتعلت عيناه غضبًا، وتقدم خطوة نحوها وردد:
مرتي.... مين جالك إنك مرتي اصلا
ردت بهدوء أغاظه أكثر:
الكتاب اتكتب جدام الناس كلها
مرر يده في شعره بعصبية، ثم أشار إلى وجهها:
وهتفضلي اكده مغطيه وشك طول العمر؟!
سكتت لحظة ثم رفعت يدها ببطء، وأزاحت الوشاح عن وجهها وفي اللحظة التي رآها فيها توقف الزمن واتسعت عيناه دون إرادة، وتجمدت ملامحه... لم يكن يتوقع هذا الجمال الصافي، ولا تلك الملامح الهادئة القوية في آن واحد. كانت عيناها عميقتين، صافيتين كسماء قبل العاصفة.
فابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:
شيلتها… مع إن وجودها من عدمه مش هيفرق كتير
ثم اقتربت منه بخطوات بطيئة، حتى صارت على بعد خطوة واحدة، وقالت بنبرة ذات مغزى:
حمد لله على السلامة… يا عمدة... نورت ارضك
قطب حاجبيه وهتف:
عمدة إي؟! إنتي ال هتخليني العمدة يعني
أجابت بثقة:
ايوه جوازك مني هو ال هيخليك العمدة
كاسر بسخريه :
وإنتي مين أصلا؟! العمدة بييجي بالانتخابات.. انتي مين علشان تحددي ال يكسب وال يخسر هاا
ابتسمت بسخرية خفيفة وقالت :
وهو مين في البلد يجدر مينتخبش ابن الحاج أحمد منصور؟ كبيرنا جال إنك إنت العمدة… تبجى العمدة وكبير العيلة كلها
ابتعد عنها خطوة وقال ببرود متعمد:
أنا مش عايز حاجة
ردت فورا:
مش بمزاجك... مش كل حاجة هتعملها بمزاجك إنت خلاص حياتك اهنيه … وأنا مرتك
اشتد صوته قسوة وقال:
وانا مش معتبرك مرتي، ولا هعتبرك. ومش فاهم إنتي مرخصة نفسك ليه اكده أصلا... موافجة بكل الإهانة دي ليه ولا فيكي عيب عايزة تخبيه و
وقبل أن يكمل جملته ارتفع صوت صفعة مدوية في الغرفة عندما ضربته غصن على وجهه بقوة.
وساد صمت ثقيل ونظرت إليه بعينين تقدحان نارا مردفه :
—إوعى تتكلم نص كلمة زيادة عني... أنا أشرف واحدة في البلد كلها... لسه مطلعتش عليه شمس ال يحيب سيرتي بكلمه مش كويسه فاهم
اشتعل غضبه ومد يده فجأة وأمسك معصمها بقوة، وسحبها نحوه بعنف حتى اصطدمت بصدره العاري. وشهقت بخفة، لكنها لم تتراجع.
كانت تسمع أنفاسه العالية فوق رأسها، ساخنة وغاضبة وقال من بين أسنانه:
إنتي إزاي تتجرائي وترفعي يدك عليا اكده هاا
رفعت رأسها إليه دون خوف وقالت ببرود مخيف:
ولو جولت الكلام ده تاني… هضربك برصاصة في نص جلبك. ومش هيهمني إنك جوزي… ولا إنك العمدة. لحد اهتيه وتوجف عندك حدك
تصلب جسده أكثر، وكاد يرد ولكن وفجأة شق صراخ حاد أرجاء البيت من الأسفل. صوت امرأة تصرخ بذعر شديد غتبادل الاثنان نظرة سريعة، وانفصلت المسافة بينهما وبعد دقائق بسيطه كان كاسر يهبط الدرج بخطوات سريعة، وهو يزرر قميصه على عجل، وملامحه ما زالت مشتعلة بما جرى قبل دقائق و خلفه مباشرة كانت غصن تسير بثبات هادئ ووجهها عاد إلى سكينته المعتادة، وكأن شيئا لم يحدث في الطابق العلوي.
لكن ما إن بلغ الدرجة الأخير حتى تجمد في مكانه عندما رائي فس منتصف الصالون هدير..
كانت عيناها حمراوين من البكاء، وشعرها مبعثرا قليلا، وكأنها جاءت على عجل دون تفكير وبجوارها وقفت الحجة زينب، ملامحها متجهمة وهي تقول بضيق:
شوف مين دي يا ابني ال داخلة ترفع صوتها اكده في بيتنا وبتجول إنها تعرفك... إيه الأشكال ال داخلة بيت العمدة دي
لم يمهله أحد فرصة للرد حيث اندفعت هدير نحوه فجأة، وارتمت بين ذراعيه تعانقه بقوة أمام الجميع وهي تردد:
واحشتني اوي يا كاسر ... إنت مش بترد عليا ليه أنا خوفت عليك … إنت كويس
ساد الصمت قليلا ووقفت غصن خلفه مباشرة، لم تتحرك، لكن نظرتها كانت حادة كالسيف أما كاسر فظل لثواني مشدوها، قبل أن يرفع يديه ببطء ويبعد هدير عنه برفق حازم مرددا:
أنا كويس… اهدي. تعالي ندخل جوه نتكلم احسن
كانت نبرته منخفضة، لكنه لم يلتفت خلفه.وعندها تقدمت غصن خطوة، وصوتها خرج هادئا جدا، يحمل احتراما ظاهرا أمام الجميع وهتفت :
مين دي يا عمدة؟
كلمة عمدة خرجت منها بوقار متعمد، كأنها تذكره بمكانه أمام الناس فرفعت هدير رأسها، ونظرت إلى غصن من أعلى إلى أسفل بنظرة استعلاء، ثم قالت بحدة:
وإنتي مالك بتسألي ليه أصلا؟ أنا خطيبته… وهبقى أم ابنه
انفجرت الصدمة في المكان وشهقت الخادمات، وتراجع بعض الرجال خطوة فصرخت الحجة زينب بذهول:
خطيبته؟! وهتبجي أم ابنه إزاي؟! إي ال بتجوليه ده؟! ابني مش متجوز غير غصن… وواجفة جكبه أهي.. اي خطيبته ام ابنه دي.. من امتي والمخطوبين بيبجوا حوامل ان شاء الله.. انتي جايه منين يا بنت انتي
سقطت الكلمات كالصاعقة التفتت هدير ببطء… ونظرت إلى غصن الواقفة بجوار كاسر وعيناها اتسعتا بصدمة حقيقية، وشفتيها ارتجفتا وهي تهمس:
متجوز
أما كاسر فكان واقفا في المنتصف، بين ماضيه الذي عاد فجأة، وحاضره الذي فرض نفسهبقوة وفجاه صرخت غصن وهي تدفعه مردده:
حااااسب يا عمده و
رواية بيت العمده الفصل الثالث 3 - بقلم نور الشامي
لفصل الثالث
بيت العمدة
نظر الجميع اليها باستغراب عندما صرخت باسم كاسر وتحدثت زينب:
مالك يا بنتي... يحاسب اي عاد في اي
تنهدت غصن بفزع وهي تنظر حولها لا تعلم ما الذي حدث فجاه حتي شعرت بهذا الخوف فجاه وكانها شعرت ان حياه كاسر في خطر فرددت بتوتر:
انا... انا اسفه... بسسرحت شويه... اسفه
نظرت هدير ا اليها بعصبيه وبعد فتره كان كاسر واقفا في مكتبه... خلف المكتب الخشبي العريض الذي كان يوما ما يجلس خلفه والده. فوقف منتصب القامة، ويداه مستندتان إلى سطح المكتب، بينما عروقه نافرة عند صدغيه. وأمامه وقفت الحجة زينب ملامحها مشتعلة بالغضب، وبجوارها منصور يراقب المشهد بعينين متحفزتين حتي انفجرت زينب في وجهه قائلة بصوت مرتفع:
إزاي حامل ومن غير جواز يا كاسر؟! هنجول للعيلة إي؟! هنجول للناس إيه؟! إنت بجيت كبيرهم، وانتخابات العمودية فاضلها أيام بسيطة… وانت أصلاً متجوز... انت ازاي عملت اكده.. اي للدرجادي انا معرفتش اربيك
ظل كاسر صامتا لحظة، ثم رفع رأسه بثبات وقال بحدة مكبوتة:
أنا مش بحب غصن… عمري ما حبيتها. أنا بحب هدير، ومجدرش أعيش من غيرها
ارتفعت شهقة خافتة من زينب بينما عقد منصور حاجبيه وقال بسخرية واضحة:
هدير مين دي ال حامل منك من غير جواز؟ دي واحدة تأمنلها أصلا ؟!
اشتعلت عينا كاسر، وتقدم خطوة نحوه هاتفا بغضب:
الزم حدودك يا منصور دي خطيبتي
صرخت زينب بقهر وهي تشير إليه بإصبع مرتجف:
إنت ال تلزم حدودك..يا جليل الربايه.. مش كفاية الفضيحة ال عملتها؟! ده بيت العمدة مش وكالة من غير بواب
أطبق كاسر فكه بقوة ثم قال بضيق :
— خلاص… نتجوز أنا وهدير
شهقت زينب وكأن الكلمات صفعتها ورددت :
وغصن؟!
أجاب بلا تردد:
عايزة تطلج أطلجها… عايزة تفضل اكده هي حرة. بس أنا في جميع الحالات مش عايزها
ساد صمت ثقيل قبل أن يفتح الباب فجأة ودخلت غصن بخطوات ثابتة وملامحها هادئة على نحو مستفز، وعيناها تلمعان بقوة باردة... كانت ترتدي ثوبا داكنا يزيدها وقارا، وكأنها جاءت لتعلن حكما لا لتسمع جدالا ونظرت إلى زينب وقالت بهدوء :
المأذون بره يا حجه … خلي العمدة يشوف خطيبته علشان نكتب الكتاب
التفتت زينب إليها بحدة وقالت:
أنا ال هتكلم معاها
خرجت زينب ومعها منصور و كانت غصن على وشك الخروج خلفهما، حين أوقفها صوته فجأة:
استني
التفتت إليه ببطء واقترب منها خطوة، وصوته منخفض لكنه يحمل غضبا واستنكارا وهتف :
هو إنتي عبيطة صوح؟ إنتي مش متعصبة من ال حوصل.... وجايبة المأذون كمان عادي اكده
نظرت إليه غصن نظرة ثابتة، لا انكسار فيها، وقالت بهدوء:
احترام العمدة وكبير العيلة من احترامي. وأنا مقللش احترام جوزي جصاد أي حد.. مش هسمح لحد يجيب سيرتك مهما حوصل.... بس ال إنت عملته ده… هييجي يوم وتندم عليه. وهتندم إنك اتجوزت بنت البندر دي… وهتشوف يا عمده
ظلت عيناها معلقتين به لثانية طويلة، ثم استدارت وخرجت من الغرفة بخطوات واثقة، تاركة خلفها صمتًا أثقل من أي صراخ.
أما كاسر… فبقي واقفًا مكانه، يشعر لأول مرة أن الأمور بدأت تفلت من بين يديه وفي المساء حل الليل بثقله فوق البيت الكبير، وفي إحدى الغرف، كانت هدير واقفة في منتصف المكان، وملامحها مشتعلة بالغضب، بينما تناثرت على الأرض قطع زجاج مكسور بعد أن دفعت المزهرية بعنف.
فدخل كاسر مسرعا، وأغلق الباب خلفه، قبل أن يهتف بحدة:
انتي بتعملي إي.... ليه اكده
استدارت إليه، وعيناها دامعتان، وصوتها يختلط فيه القهر بالغضب:
اها...اللهجه اتفيرت وبقيت صعيدي وزيهم...و أمك هددتني.... قالتلي يا إما أوافق على الجواز ده وأسكت… يا إما هتستني لنا اولد وتاخد ابني وبعدها تقتلتني علشان كده وافقت.... مش علشان أنا راضية
اقترب خطوة، وقد انعقد حاجباه وردد :
هدير محدش يجدر يهددك طول ما أنا عايش.... امي مكنتش تجصد ال فهمتيه.. هي بس كانت بتخوفك
ضحكت بمرارة، ثم صرخت ورددت:
لا يقدر! وإنت كمان خونتني.. اتجوزت البنت دي
اشتعل صوته وهو يرد بعصبية:
أنا مخونتكيش! أنا شرحتلك ال حوصل جولتلك الجواز كان غصب عني وإنتي لحد دلوجتي مش جادرة تفهمي ومش هسمحلك تنزلي الطفل… فاهمة؟ مش هسمح انك تعملي اكده
حدقت فيه بصدمة وغضب وقالت:
إنت مش بتحبني... إنت كداب وأنا مش هكمل معاك كده
سكت لحظة… ثم اقترب منها هذه المرة بهدوء مختلف. مد يده ولمس وجهها برفق وردد:
اهدي… أنا بحبك يا هدير. والله بحبك. عمري ما حبيت غيرك... اهدي بجا لو سمحتي وافهميني شويه
ارتجفت شفتاها، لكنها لم تلن تماما و نظرت إليه بعينين متشككتين وقالت:
لو عايزني أصدقك… طلق ال اتجوزتها دي.
تجمدت يده قليلا، ثم أنزلها ببطء وابتعد خطوة، ونبرته عادت جافة وقال :
هطلجها… بس مينفعش دلوجتي
اشتعلت من جديد وهتفت :
ليه إن شاء الله... بتحبها ولا اي
أجاب وهو يتجنب النظر في عينيها:
لع يا هدير مش علشان بحبها ولا حاجه..بس علشان العمودية
حدقت فيه غير مصدقة ورددت:
عمودية إي وبتاع إي؟! إحنا مالنا بكل ده هااا. خلينا نرجع القاهرة… نرجع حياتنا زي الأول
أدار ظهره لها وقال بصوت مثقل:
مينفعش. خلاص… أنا مينفعش أسيب الصعيد
ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى أنفاسهما المتسارعة وفجأة شق سكون الليل صوت طلقة نار مدوية و ارتج لها البيت بأكمله فتجمد الاثنان واندفع كاسر إلى الاسفل حتى تجمّد في مكانه
حيث كان يقف رجل ضخم الهيئة، تتكئ هيبته على سنوات من السيطرة والنفوذ… كان عم غصن. وهو يمسك يدها بقوة، يشدها نحوه، وخلفه صفّ من الرجال المسلحين والحرس فـ
قال بصوت جهوري غاضب:
ملكيش مكان اهنيه بعد ما اتجوز عليكي... يلا يا بنتي
شدها خطوة، لكنها تعثرت قليلا خرجت الحجة زينب خلف كاسر، وقالت محاولة التهدئة:
اهدي يا حج رفاعي… الموضوع مش هيتحل بالطريجة دي
هز الرجل رأسه بعنف وقال:
بلا اهدي بلا بتاع يا حجه زينب.... احنا هناخدها دلوجتي وابنك هيطلجها حالا جدامنا
حاولت غصن أن تفلت يدها قليلا، وقالت بصوت متوسل:
يا عمي بالله عليك… خلينا نهدي ونتكلم بالعقل
لكن قبضته اشتدت أكثر وقال:
مفيش كلام... هتيجي معايا غصب عنك
وفي الحلف همست هدير لكاسر ببرود:
سيبه ياخدها… أحسن ونخلص.
نظر إليها كاسر بضيق واضح، ثم عاد بعينيه إلى المشهد أمامه وقبل أن يسحبها عمها بعيدا اندفع كاسر للأمام، وأمسك بذراع غصن وجذبها نحوه بقوة وقال بصوت حاسم:
سيبها… مش من حقك تاخدها اكده من بيتي
اشتعلت عينا الرجل، ولوح بيده، فخرج الحرس أسلحتهم في حركة واحده وقال بتهديد صريح:
سيبها يا كاسر… وإلا جسما بالله هتموت اهنيه. أنا عامل حساب لابوك الله يرحمه… غير اكده كنت خلصت عليك من زمان
في اللحظة نفسها خرج رجال كاسر من داخل الدار، ورفعوا أسلحتهم هم أيضا فـ توترت الأجواء، وأصبحت المسافة بين الطرفين قابلة للاشتعال و بلحظة انفجرت غصن باكية لأول مرة، وصوتها يرتجف مردفه :
بالله عليك يا عمي خلاص.... كفاية! خلينا نهدي
لكن الرجل صاح فيها وهتف:
جولتلك هتيجي غصب عنك
رد كاسر بتحدي':
مش هتاخدها… ووريني هتعمل إي عاد و
وفجاه رفع عمها سلاحه ببطء، ووجهه مباشرة إلى صدر كاسر فصرخت زينب وانطلقت الرصاصة.
في جزء من الثانية، وقبل أن تصل إليه… اندفعت غصن أمام كاسر ووقفت حاجزا بينه وبين الموت فـدوى صوت الطلقة في سكون الليل…وترنح جسدها بين يديه وبقعة الدم انتشرت على ثوبها الداكن ببطء… بينما اتسعت عينا كاسر بصدمة لم يعرفها من قبل وسقطت بين ذراعيه غارقه في دماءها و
توقعاتكم ورايكم وتفاعل كبير يا بنات ويا تري اي ال هيحصل وانتوا مع مين... هدير ولا غصن
رواية بيت العمده الفصل الرابع 4 - بقلم نور الشامي
الفصل الرابع
بيت العمده
كانت رائحة المطهرات تملأ الممر الطويل والضوء الأبيض البارد ينعكس على الأرضية اللامعة و أمام غرفة العمليات وقف كاسر ثابتا كتمثال من حجر وملابسه لا تزال مضرجة بدماء غصن...... بقع داكنة على قميصه ويديه لم يحاول حتى أن يمسحها وكأنه يتشبث بها خشية أن يفقد آخر أثر منها. عيناه معلقتان بباب العمليات المغلق، وصوت الرصاصة لا يزال يتردد في أذنيه وفجأة، انشق الصمت عندما تقدم شاب عريض المنكبين ملامحه مشدودة ودمه يغلي في عروقه... كان مالك ابن خال غصن لم يتوقف أمام كاسر سوى لحظة، ثم هوى بقبضته على وجهه بعنف وصرخ في وجهه والشرر يتطاير من عينيه مرددا:
هو احنا جوزنهالك علشان ناخدها جثه يا ابن العمده؟!
ترنح كاسر نصف خطوة ثم اشتعلت عيناه ورد الضربة بأخرى أقسى وهو يهتف بغضب منفجر:
كله بسبب خالك... هو ال رفع السلاح وكان عايز يجتلني وهي ال وجفت جصادي.. كله بسببه هو
لم يحتمل مالك الكلمة، فاندفع نحوه من جديد، وتشابك الاثنان في عراك عنيف.... الأيدي ترتفع واللكمات تتبادل وصوت الاحتكاك يرتطم بجدران الممر، بينما تعالت صرخات النساء فـ تدخل منصور مسرعا، ومعه بعض الرجال، وانتزعوهما من بعضهما بشق الأنفس وهو يصيح:
كفاية.... انتوا اتجننتوا؟ ده مستشفى مش ساحة حرب.. كفايه يا كاسر... خلاص يا مالك مينفعش ال بتعمله دا.. ليه اكده اعملوا حساب للبنت ال جوه بين الحيا والموت
تقدم رفاعي بخطوات ثقيلة، وصوته يجلجل في المكان مردفا :
يا حجه زينب… خليه يمشي من اهنيه أحسن. وجوده هيزود النار اكتر...خليه يمشي
اقتربت هدير من كاسر وأمسكت بذراعه محاولة جذبه بعيدا، وهمست بحدة:
خلينا نمشي يا كاسر… مش ناقصة فضايح أكتر من كده.. اهلها معاها احنا ملناش علاقه
ابتسم مالك بسخرية لاذعة وقال وهو ينظر إليه باحتقار:
اسمع كلام مرتك وامشي بالسلامة يلا يا عمده
اشتعل وجه كاسر غضبا، وانتفض من يد هدير وهو يهتف:
ملكش صالح .... انت بتدخل ليه في ال ميخصكش هاا
وفجاه رد منصور بلهجة آمرة وهو يدفعه خطوة للخلف:
كاسر امشي أحسن… كفاية مشاكل. أهل البلد كلهم هيوصلوا اهنيه، ومش عايزين حوارات أكبر من اكده... مينفع الناس يشوفوكم بالوضع دا كفايه بجا... كفايه
وفي زاوية الممر، تقدمت صفاء، زوجة منصور، وهي تهز رأسها بامتعاض وقالت بحدة:
كله بسبب بنت البندر ال جات خربت حياتنا.. البنت دي دخلتها شؤم علينا
التفتت هدير إليها بعينين مشتعلتين وردت ببرود لاذع:
الزمي حدودك أحسن بدل ما أنا أوقفك عند حدك... انتي ازاي تكلميني بالطريقه دي
اقتربت صفاء منها خطوة، وابتسمت ابتسامة مستفزة وهي تردد:
وريني هتعملي اي اكده... يلا.. يلا وؤيني يا بنت البندر اخرك اي عاد
وقبل أن يتفاقم الموقف أكثر.. دوى صوت زينب صارخا:
كفاية...كفايه بجا ... مش عايزين فضايح أكتر من اكده
ثم التفتت إلى كاسر وصوتها يرتجف بين القهر والخوف ورددت:
انزل استنى في الكافتيريا يا ابني دلوجتي احست مش وجت كل ال بتعملوه دا و
و فجأة خرج الطبيب من غرفه العمليات بملامح هادئة، فاندفع الجميع نحوه في لحظة واحدة. وكان كاسر أول من وصل إليه، وصوته مبحوح وهو يسأله:
طمني يا دكتور… غصن عامل اي
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة وقال بهدوء:
الحمد لله… الرصاصة جات في الكتف، والعملية نجحت. هي كويسة الحمد لله… بس لسه مفاقتش. إن شاء الله تفوق قريب ونطمن اكتر ألف سلامة عليها
أغمض كاسر عينيه لحظة، وكأن جبلا أزيح عن صدره.. بينما انطلقت زينب تحمد الله بصوت مسموع وغادر الطبيب، وتراجع الجميع قليلا، لكن رفاعي اقترب من منصور وهمس بصوت منخفض يحمل وعيدا واضحا:
احنا لينا كلام تاني بعد ما بنتنا تفوق… وال حوصل مش هيعدي بالساهل... هيبجي كلام رجاله يا ابن العمده
وضع منصور يده على كتفه محاولا تهدئته وقال:
اهدى يا حج رفاعي… وال انت عايزه هيوحصل والله بس خلينا نعدي الليلة دي على خير
نظر رفاعي اليه بضيق وذهب وفي صباح يوم جديد كانت شمس الصعيد تتسلل بخيوط دافئة عبر نوافذ بيت العمده وفي إحدى الغرف الواسعة، جلست غصن على حافة السرير، مسندة ظهرها إلى الوسائد، وكتفها ملفوف بضماد أبيض يخفي أثر الرصاصة.... كان وجهها شاحبا قليلا، لكن عينيها ظلتا ثابتتين كما عهدها الجميع ووقفت زينب أمامها، تعقد ذراعيها بقلق واضح وقالت:
كان لازم تفضلي في المستشفى يومين كمان يا بنتي... مينفعش تخرجي اكده
ابتسمت غصن ابتسامة خفيفة وقالت بهدوء:
لا يا حجه… أنا مبحبش المستشفيات. وبعدين أنا كويسة جوي اهه متخافيش
وفي تلك اللحظة، فتح الباب ودخل كاسر... كان يحمل كوب عصير وكيس الدواء وملامحه هادئة على غير عادته، لكن في عينيه شيء لم يكن موجودا من قبل… شيء يشبه القلق فنظرت زينب إليه ثم قالت وهي تتجه نحو الباب:
طيب خليك معاها بجا وأنا هنزل أعملها واكل خفيف علشان لازم تاكل زين
خرجت زيني وأغلقت الباب خلفها، فاقترب كاسر من الفراش ومدد يده بكوب العصير وقال:
اشربي ده الأول، وبعدين خدي العلاج
أخذته منه بصمت، ثم تناولت الدواء بينما جلس هو على الكرسي المقابل لها، يراقبها بنظرة متفحصة... وسكت لحظة، ثم قال بصوت منخفض:
ليه عملتي اكده يا غصن؟ ليه وجفتي جصادي... انتي اكده كان ممكن تموتي
رفعت عينيها إليه دون تردد وأجابت بثبات:
علشان إنت العمدة. لو عمي كان جتلك، كان هيوحصل تار بين العيلتين… والعيلتين هيتدمروا. وأنا واجبي أحافظ على عيلة جوزي وعيلة أبوي ولو رجع بيا الزمن هعمل اكده تاني
ظل كاسر ينظر إليها وكأنه يحاول فهمها، ثم قال بحدة مشوبة بدهشة:
إنتي جايبة الجرأة دي منين؟ وليه الموت سهل عندك اكده؟ بتضحي بنفسك ليه اصلا علشان اي حد
تنهدت ببطء وقالت بصوت أعمق:
الموت مش سهل… بس أنا لو موت مش هتفرق كتير. إنما لو إنت لا قدر الله حوصلك حاجة، عيلتك هتنهار… والبلد كلها هتبجى نار. وابنك هيعيش من غير أب. أنا وعدت العمدة… أبوك.. قبل ما يموت الله يرحظه إني أفضل دايما جمبك وأحميك ومهما حوصل… هفضل أحميك حتي لو علي موتي
ارتجفت نظرة كاسر، وكأن كلماتها أصابته في موضع لم يمسه أحد من قبل وفجأة، انقبض وجه غصن بألم، وضغطت على كتفها وهي تهمس:
ااااآه
نهض كاسر بسرعة واقترب منها بلهفة وقال:
مالك؟! اي ال حوصل.. اهدي اهدي
أزاح يدها قليلا، فلاحظ أن الدم بدأ يتسرب من طرف الضماد وردد:
الجرح بينزف… استني خليني أغيرلك عليه
ثم مد يده يساعدها على خلع الجاكيت بحذر. فـ ارتبكت قليلا واحمر وجهها وهي تحاول تجنب النظر إليه، لكنه لم يبد عليه أي تردد، كان تركيزه كاملا على الجرح وانكشف كتفها تحت الضوء، وآثار الخياطة واضحة حول موضع الإصابة...فـ بدأ يغير الضماد بعناية، وحركاته هذه المرة لم تكن خشنة كما اعتادت… بل حذرة، كأنه يخشى أن يؤلمها أكثر وقبل أن يساعدها على ارتداء الجاكيت من جديد، انفتح الباب فجأة تجمدت اللحظة ووقفت هدير عند العتبة وعيناها اتسعتا حين رأت المشهد أمامها... كان كاسر قريب جدا من غصن، وكتفها مكشوف بين يديه فـ اشتعل وجهها بالغضب، وقالت بصوت مرتعش:
إنت بتعمل اي هااا.. بتعمل اي
اعتدل كاسر بسرعة وقال:
بغيرلها علي الجرح يا هدير هكون بعمل اي عاد... انتي مالك في اي بالظبط الموضوع مش مستاهل اكده
قاطعته بمرارة:
لا والله بجد.... اصلا أنا الغلطانة إني صدقتك طلقني أحسن يا كاسر … أنا مش هعيش في المهزلة دي اكتر من كده كفايه اوي ال شوفته لحد دلوقتي
القت هدير كلماتها ثم استدارت وخرجت مسرعة قبل أن يكمل جملته فصرخ كاسر باسمها، ثم التفت للحظة إلى غصن التي أمسكت بجاكيتها تغطي كتفها بصمت، وعيناها امتلأتا بشيء يشبه الانكسار… لكنه لم يكن بكاء واندفع كاسر خلف هدير خارج الغرفة وبقيت غصن وحدها.
نظرت إلى الباب المغلق طويلا، ثم همست لنفسها بصوت خافت:
كنتي فاكره اي يا غصن... كاسر العمده مككن يحبنك انتي... اكيد لع.. لا هيحبني ولا شايفني اصلا يلا انا متعوده علي اكده مجاتش عليه
وبعد دقائق اندفع كاسر خلف هدير إلى الغرفة، وأغلق الباب خلفه بعصبية مكتومة كانت هدير تقف في منتصف المكان، شعرها مبعثر، ودموعها تنهمر بلا توقف. راحت تضرب بكفيها على صدره حين اقترب، وتصرخ بصوت مكسور:
أنا مش هعيش معاك طول ما البنت دي موجودة.. سامع.. مش هعيش معاك بالنظام دا
حاول كاسر الإمساك بذراعيها لتكف عن الاندفاع، وقال بنبرة متوترة:
إزاي يعني؟ واحدة لسه مضحية بنفسها علشاني وواخدة رصاصة بدالي… أروح أطلجها.. انتي اي ال بتجوليه دا يا هدير
ازدادت شهقاتها حدة ورددت:
ه تطلقها... هو ده الطبيعي اصلا انك لازم تطلقها
هز رأسه بضيق وهو يبتعد خطوة وقال :
مينفعش دلوجتي يا هدير… العمودية خلاص جدامنا أيام بسيطة والانتخابات تنتهب والدنيا والعة لوحدها بين العيلتين. مينفعش أزودها نار أكتر من اكده
صرخت هدير في وجهه، وعيناها تقدحان شررا:
لا إنت مشكلتك مش العمودية.. مشكلتك إنك مش قادر تبعد عنها… إنت معجب بيها
اتسعت عيناه بدهشة ممزوجة بغضب وهتف :
معجب بيها إي؟! هو أنا أعرفها أصلا
ضحكت بمرارة ومسحت دموعها بعنف وقالت:
بص لنفسك وانت بتشوفها بتبقي عامل ازاي … ولا وانت واقف قدام العمليات كنت خايف عليها إزاي... إنت بدأت تعجب بيها… خصوصا بعد المسلسل ال هي عملته ده
عقد حاجبيه مرددا باستنكار:
مسلسل إي ؟! ده كل حاجه كانت جدام الناس كلها
قاطعته وهي تشير إليه بإصبع مرتجف:
لا يا كاسر… أنا عايزة قرار نهائي. هتطلقها ولا لأ؟
ساد صمت ثقيل بينهما ز نظر إليها طويلا، ثم أشاح بوجهه وكأن الإجابة أثقل من أن تقال
وقال أخيرا بصوت منخفض:
استني لحد ما الانتخابات تخلص… وكل حاجة تهدى وبعدها نشوف الموضوع ده
شهقت بعدم تصديق، لكنه اقترب منها هذه المرة ببطء، وضمها إلى صدره رغم مقاومتها الضعيفة وقال بصوت حاول أن يجعله أكثر لينا:
أنا بحبك يا هدير… افهميني شويه بالله عليكي و اهدي علشان ال في بطنك… ده ابننا. لازم تحافظي عليه
ارتجف جسدها بين ذراعيه، وبقيت للحظة صامتة، لكن دموعها لم تتوقف وبعد مرور أسبوع كامل، تبدلت فيه ملامح الوجوه، لكن نار التوتر لم تخمد وفي ساحة بيت العمدة، ارتفعت الزغاريط تشق عنان السماء، وتعالت أصوات الطبول، بينما كان الرجال يذبحون الذبائح احتفالا، ويوزعون الشربات على أهل البلد. والحرس يطلقون الأعيرة النارية في الهواء، والأطفال يركضون بين الجموع وكاسر يقف في قلب الدار، تحيط به الوجوه المهنئة، وعبارات المباركة تتردد من كل جانب مرددين:
مبروك يا عمده...... تستاهل يا ابن الأصول
ابتسم كاسر زهو يسمع التهاني ووقف منصور إلى جواره، يبتسم للناس، لكن عينيه كانتا تفضحان غيرة حادة يحاول إخفاءها فدخلت نساء كبار البلد يحملن أطباق الطعام إلى الداخل، ووسط الضحكات قالت إحداهن لزينب بصوت مسموع:
فين مرت العمدة يا حجه؟ مش المفروض تطلع تسلم على الناس
تجمدت ابتسامة زينب لحظة، ثم التفتت نحو كاسر بنظرة حائرة وقالت بخفوت:
هنخرج مين للناس يا كاسر؟
ضاق وجهه، وتصلب فكه وقبل أن يجيب، ظهرت هدير فجأة وسط الحضور، متأنقة بثوب لافت. تقدمت بثقة وأمسكت يده قائلة بابتسامة واسعة:
أنا جيت أهه
ساد همس خافت بين النساء، بينما اشتعلت نظرة رفاعي في الجانب الآخر من الساحة و اقترب من ابن أخته مالك وهمس بحدة:
حضروا نفسكم… علشان هناخد غصن من اهنيه
أومأ مالك باحترام وقال:
أوامرك يا خال
وانصرف سريععا وفي طرف الساحة، كانت غصن تقف بعيدا عن الزحام، بثوب بسيط، وملامحها هادئة لكنها شاردة حتي اقتربت منها زينب وقالت بنبرة حاولت أن تبدو لينة:
تعالي يا بنتي… أهل البلد كلهم عارفينك وعايزين يشوفوكي... انتي ال المفروض تبحي جمبه مش هي
ابتسمت غصن ابتسامة خفيفة وأجابت بهدوء:
مش مهم أظهر يا حجه … المهم إنه كسب العمودية وبجا كبير العيلة. ده الأهم
لم يعجب الكلام صفاء، التي اقتربت وهي تهمس بسخرية:
بنت البندر هتاخد منك كل حاجة… ولو فضلتي على اكده هتترمي في الشارع كمان
رفعت غصن عينيها إليها بثبات وقالت:
وأترمي في الشارع ليه عاد يا صفاء ؟ أنا ليا أهل. وبعدين أنا مش بيفرق معايا الألقاب والمناصب زيك يا حبيبتي
احمرّ وجه صفاء غضبا، وقبل أن ترد، اقتربت إحدى نساء بيت عمها من غصن وهمست في أذنها بكلمات سريعة... فتغير وجه غصن فجأة، وشحب لونها للحظة، ثم تماسكت وقالت بهدوء:
طيب… أنا جاية
وغادرت الساحة بخطوات سريعة..... مرت دقائق، ووسط الزغاريط والتهاني، بدأ كاسر يلتفت حوله يبحث بعينيه بين النساء عن غصن ولكن لم يجدها فضاق صدره، وترك الجمع وصعد إلى غرفتها بخطوات متعجلة. فتح الباب… كانت الغرفة فارغة وفي تلك اللحظة، اقترب أحد الحرس مسرعا وقال:
يا حضرت العمدة… الحج رفاعي خد الست هانم ومشيوا
التفت إليه كاسر بحدة وقال :
مشيوا؟! مشيوا فين عاد
وقبل أن يجيب الحارس، دخلت هدير إلى الغرفة وقالت بنبرة باردة:
تقريبا راحوا بيتهم… أنا شوفتهم وهما خارجين
اشتعلت عينا كاسر، واستدار متجها إلى الباب بعصبية واضحة.لكن هدير أسرعت وأمسكت يده بقوة وهتفت :
لو روحت وراها… هترجع مش هتلاقيني يا كاسر
نظر إليها كاسر بحدة وقال:
سيبيني يا هدير… إنتي متعرفيش حاجة. دي إهانة ليا جدام البلد كلها
تشبثت بذراعه أكثر وهي تصرخ:
مش هتمشي يا كاسر
احتد صوته اكثر وصاح :
سيبيني يا هدير
واندفع يحاول تخليص يده منها، فاختل توازنها للحظة فوق درجات السلم وفي ثانية خاطفة…انزلقت قدمها.
وصرخت صرخة حادة، وتدحرج جسدها على السلالم أمام عينيه المصدومتين فتجمد كاسر مكانه…والزغاريد في الأسفل تحولت إلى صرخات و
رواية بيت العمده الفصل الخامس 5 - بقلم نور الشامي
الفصل الخامس
بيت العمده
تجمع الجميع في الغرفة، والقلق يخيم على الوجوه كظل ثقيل حيث كانت هدير ممددة على الفراش، شاحبة، ساكنة تحت تأثير الدواء، بينما وقفت زينب عند رأسها تردد الأدعية بصوت خافت، ووقف كاسر غير بعيد، عيناه لا تفارقان وجهها، كأنما ينتظر حكماً لا مفر منه حتي دخلت الطبيبة أخيرا، وبعد أن فرغت من فحصها، التفتت إليهم بملامح هادئة وقالت بصوت مطمئن:
الجنين كويس الحمد لله… مفيش خطر عليه، بس هي محتاجة راحة تامة. الوقعة مأثرتش جامد، بس لازم متتحركش خالص كام يوم
تنفس الجميع الصعداء، لكن صفاء لم تستطع كبح لسانها، فتمتمت بصوت خافت ساخر:
دا أنا لما بتخبط في رجلي بجعد سنة على السرير… وهي وجعت من على السلم وزي العفريته... دا اي يا اختي الهم ال احنا فيه دا
التفتت إليها زينب بنظرة حادة وقالت بصرامة:
اخرسي واسكتي يا صفاء… مش وجت كلام فارغ
أشاحت صفاء بوجهها متظاهرة بالصمت، بينما واصلت الطبيبة حديثها موجهة كلامها إلى كاسر:
أنا اديتها حقنة مسكنة وهتفضل نايمة لحد بـ الليل ان شاء الله.. مهم جدا متتحركش نهائي… ولو حصل أي ألم أو نزيف تبلغوني فورا
أومأ كاسر برأسه دون أن يتكلم، ثم غادرت الطبيبة الغرفة، وأغلق الباب خلفها وساد صمت ثقيل للحظات قطعه كاسر بصوت منخفض مبحوح:
أنا السبب… أنا ال عملت فيها اكده... بس غصب عني والله . كانت ماسكة فيا ومش راضية تسيبني.
تقدم منصور ووضع يده على كتفه قائلا بهدوء:
خلاص يا كاسر… متحملش نفسك ذنب هي الحمد لله كويسة أهي... وال حوصل قضاء وقدر
ظل كاسر صامتا لحظة، ثم رفع رأسه وقال بلهجة حاسمة:
حضر الرجالة يا منصور… إحنا خارجين دلوجتي يلا
استدار كاسر وخرج من الغرفة بخطوات سريعة تاركا خلفه نظرات متسائلة واقتربت صفاء من زينب، وانحنت نحوها هامسة بنبرة تحمل معنى أبعد من كلماتها:
شكله بدأ يحب غصن يا حجه
رفعت زينب حاجبيها وقالت متحفظة:
ياريت… بس معتقدش. إنتي مش شايفاه وجف جصادنا إزاي علشان هدير دي.... وكان خايف عليها جوي
ابتسمت صفاء ابتسامة جانبية وقالت بخبث:
لو كان بيحب هدير مكنش سابها تعبانة ومشي اكده..... هو دلوجتي بجا العمدة… ومعندوش حجة يخلي غصن على ذمته... يعني لازم يروح يطلجها زي ما كان بيجول
تنهدت زينب ولم ترد فأكملت صفاء وهي تعقد ذراعيها:
هنشوف بجت… لو سابها هناك وطلجها يبجي بيحب بنت البندر أما لو رجع غصن… يبجى عمره ما حب هدير أصلا، وغصن هي ال هتبجي ملكت جلبه وروحه يا خبر بفلوس… بعد ساعتين يبجى ببلاش
سكتت زينب، لكن عينيها اتجهتا نحو الباب الذي خرج منه كاسر، وقلبها لا يزال معلقا بما سيحدث خارج تلك الجدران… حيث لا تحسم الأمور بالكلمات، بل بالقرارات وبعد فتره من الوقت كان بيت رفاعي يغلي كقدر على نار مكشوفة حيث جلس رفاعي في صدر المجلس، عينيه تشتعلان غضبا مكتوما وإلى جواره أخته نوارة أم مالك وقد شبكت يديها في توتر واضح وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتا:
مينفعش ال حوصل ده يا رفاعي… مينفعش ناخد البنت من بيت جوزها بالطريجة دي.... دي مهما كان على ذمته
ضرب رفاعي بعصاه الأرض وقال بحدة:
دا الوح يا نواره.... مدام اتجوز واحدة تانية خلاص… بنت أخوي ملهاش عيشه هناك اكتر من اكده وأنا كنت أجدر أخليه مينجحش في العمودية… بس سكت علشان خاطر أبوه الله يرحمه... عملت حساب العشرة الجديمة مش أكتر.
كان مالك يقف غير بعيد يستمع ودمه يغلي حيث تقدم خطوة وقال:
إحنا لازم نعمل جعدة رجالة يا خال ونخلص الموضوع ده ويطلجها طدام الكل، ونجفل السكة دي خالص
وفي تلك اللحظة نزلت غصن من أعلى الدرج بهدوء مريب وملامحها ساكنة رغم العاصفة الدائرة حولها ووقفت أمامهم وقالت بصوت خافت لكنه واضح:
بس أنا مش عايزة أطلج يا مالك.... أنا وعدت الحج أحمد الله يرحمه… إني أحميه. ومهما حوصل مش هرجع في وعدي
اشتعل وجه مالك غضبا واقترب منها صارخا:
الراجل هو ال بيحمي مرته … مش مرته ال بتحميه يا ست غصن.. وبعدين هو أصلا مش معتبرك مرته ومش هتفضلي طول عمرك تحميه اكده انتي بتحميه من وهو صغير… وبسببه كنتي هتموتي ودخلتي المستشفي مرتين علشان جمال عيون ابن العمده ولا ناسية؟
ارتبكت غصن للحظة، وتغير لون وجهها، واهتزت نظرته وقبل أن يقطع التوتر صوت طلقات نارية دوت في الخارج فتجمد الجميع وفي ثواني اندفع الباب يفتح بقوة، ودخل كاسر يتقدمه السلاح وخلفه منصور وعدد من رجاله المسلحين فوقف رفاعي صارخا بغضب:
إنت داخل بيتنا بالسلاح يا ابن العمدة؟!
رد كاسر ببرود حاد:
على الأقل مدخلتش بالخداع زيكم.... إزاي تاخدوا واحدة من بيتي من غير ما أعرف اكده هااا
ابتسم مالك بسخرية، ونظر إلى غصن قائلا:
اتفضلي… بيجول عليكي واحدة مهانش عليه يجول مرتي حتي
وفي لحظة خاطفة، رفع كاسر سلاحه في وجه مالك وقال بحدة قاتلة:
الزم حدودك احسن علشان انا اصلا مش طايجك أنا جاي آخد غصن وامشي
وعلى الفور، رفع حراس رفاعي أسلحتهم في وجه كاسر ورجاله، لكن مالك أشار لهم بيده مرددا:
نزلوا السلاح… عيب اكده ده ضيف ومش اي ضيف.. دا العمده الجديد
ثم نظر إلى كاسر بتحدي واكمل :
نزل سلاحك أحسن انت كمان … وطلج غصن وحلينا ننهي الحوار دا
أجابه كاسر دون أن يخفض سلاحه:
مش بمزاجك.
ثار رفاعي وصاح:
أمال بمزاجك إنت.... تروح تتجوز على بنت أخوي واحدة حامل منك… وعايزها تفضل على ذمتك كمان؟!
قال مالك بغلظة:
مش هتاخدها... ريح دماغك بجا وطلجها .. غصن… اطلعي أوضتك
نظرت غصن حولها بتوتر، وقلبها يخفق بعنف وتحركت خطوة نحو الدرج… لكن قبل أن تصعد، اندفع كاسر فجأة زأمسك بذراعها وسحبها نحوه بقوة وفي لحظة أربكت الجميع، انحنى وحملها على ظهره، ويده الأخرى لا تزال ممسكة بالسلاح الموجه نحوهم وصرخ بصوت دوى في أرجاء البيت:
اللي هيقرب… هجتله... ابعدوا كلكم
شهقت غصن وهي تضرب بقبضتيها على كتفه وتردد:
سيبني يا كاسر... نزلني.. إنت بتعمل إي عاد... سيبني
لكنه لم يلتفت، بل تراجع خطوة بخطوة نحو الباب، ورجاله يشكلون دائرة حماية حوله والأسلحة مرفوعة في كل اتجاه... كانت الفوضى تعم المكان، وعيون الرجال مشتعلة، وأصابعهم على الزناد وعند عتبة الباب، دوى صوت مالك خلفه صارخا بجنون:
هجتلك يا ابن العمدة... هجتلك
لكن كاسر لم يلتفت وخرج بها تحت وابل النظرات المشتعلة، تاركا خلفه بيتا يغلي بالثأر… وحربا لم تبدأ بعد وفي المساء كانت السيارات مصطفة أمام البيت الكبير، وأضواءها تخترق ظلمة الليل في توتر واضح حيثتوقفت سيارة كاسر في المنتصف، وترجل منها بخطوات حادة، ثم دار إلى الجهة الأخرى وفتح الباب بعنف مكبوت ونظر إلى غصن داخل السيارة وقال بلهجة آمرة:
انزلي
رفعت عينيها إليه بعناد واضح وقالت:
مش هنزل… ال يخطف واحدة يفضل مستحمل مسؤولية خطفه
اشتد فكه غضبا وقال بصوت منخفض حاد:
انزلي وبلاش تفرجي الناس علينا يلا خلصيني
عقدت ذراعيها أكثر وقالت بتحدي:
جولتلك مش نازلة
لم يحتمل كاسر أكثر و انحنى فجأة. أمسك بها، وحملها على ظهره رغم مقاومتها، ثم اندفع بها نحو الداخل. في بهو البيت، كانت زينب وصفاء تتابعان المشهد بذهول فهمست صفاء:
مش جولتلك يا حجه اتفضلي أهه… جايبها على ضهره كمان... العمده جايب البنت علي ظهره
اقتربت زينب بقلق وهي تقول:
في إي يا ابني اي ال بيوحصل دا
صرخت غصن وهي تضرب كتفه وهتفت:
جوليله ينزلني يا حجة! ابنك خطفني... نزلني
أنزلها كاسر أخيرا، ثم التفت إليها بحدة وقال:
بطلي كلمة خطفني دي… وقصري الليلة احسن
وقبل أن يستكمل حديثه، انتبه فجأة إلى حركة أعلى الدرج كانت هدير تقف هناك، شاحبة ومتعبة، تستند إلى السور وهي تنظر إليهم بعينين متعبتين. بدأت تنزل ببطء فـ اقترب منها كاسر سريعا وقال بقلق:
إنتي كويسة؟ نزلتي ليه عاد
تمسكت بقميصه بتمثيل واضح وقالت بصوت واهن:
حاسة إني لسه تعبانة اوي
تمتمت صفاء بسخريه:
ونزلتي ليه مدام تعبانة؟ ما تجعدي ترتاحي يا تخاي علي سريرك دا اي الهم ال احنا فيه دا
نظرت هدير إلى كاسر ثم أغمضت عينيها قليلا كأنها توشك على الإغماء. فـ انحنى وحملها بين ذراعيه وقال بحزم:
تعالي أطلعك أوضتك... انتي لسه تعبانه
صعد كاسر بها سريعا، بينما كانت غصن تقف مكانها، تنظر إليهما بصمت موجوع… ثم استدارت وصعدت هي الأخرى إلى غرفتها وفي غرفة هدير
حيث وضعها كاسر برفق على السرير وقال:
لازم ترتاحي… الدكتور جال اكده علشان الطفل
أمسكت يده قبل أن يبتعد وهمست:
خليك جنبي… متسبنيش.
جلس كاسر إلى جوارها، فأسندت رأسها على صدره..... ظل لحظة صامتا، ثم قال بصوت خافت:
أنا آسف… مكنش جصدي ال حوصل والله.. سامحيني
ابتسمت ابتسامة ضعيفة وقالت:
أنا عارفة إنك مش قصدك حاجة… وإنك بتحبني.
ومش هضغط عليك تاني في موضوع غصن… مدام إنت معايا خلاص... اكيد إنت شايف إن الوقت المناسب علشان تطلقها لسه مجاش… وأنا هصبر
تغيرت ملامح وجهه قليلا، وسكت… دون أن يؤكد أو ينفي وفي آخر الليل كان البيت قد سكن، إلا من أصوات الحراسة في الخارج فـ فتح كاسر باب غرفة غصن دون استئذان، لكنه لم يجدها. وكاد ان يهم بالخروج، فإذا بباب الحمام يفتح وخرجت غصن، ترتدي روبا قصيرا، وشعرها مبلل ينسدل على كتفيها فـ تجمدت حين رأته أمامها، واتسعت عيناها بفزع، وسارعت تشد الروب حولها فنظر كاسر وتأثر بمشهدها، لكنه أخفى ذلك خلف صلابة مصطنعة وقال ببرود:
كنت عايز أتكلم معاكي
أشارت بيدها قائلة:
اتفضل يا عمدة…بس حابة أعرفك إن ال عملته النهارده ده هيولع الدنيا أكتر
اقترب كاسر منها بعصبية وقال:
مش من حق حد ياخدك من بيتي من غير ما أعرف.. وال يوحصل يوحصل بجا ميهمني
اقتربت غصن خطوة مقابلة له وقالت بثبات:
ما إنت هتعرف اهه … عمي هييجي وهتبجى جعدة رجالة ونشوف أخرتها إي بجا.... إنت مستحيل تطلج بنت البندر علشان بتحبها… وكمان حامل في ابنك وأنا برده مش هوافج إنك تطلج واحدة حامل يبجى الطبيعي إني أنا ال أطلج
اشتد صوته وقال :
مش بمزاجكم تمام
صرخت غصن فجأة وهتفت :
أمال بمزاج مين هاا .. بمزاج مين إنت مش معترف بيا أصلا إني مرتك حتي عايز مني إي تاني مش إنت بجيت العمدة خلاص… يعني وجودي ملوش لازمة. عايز مني إي
ارتبك كاسر … والتزم الصمت فـ قالت بمرارة:
معندكش حاجة تطولها كالعاده… اطلع لو سمحت من الأوضة يلا علشان عايزه اغير هدومي وانام
تحرك كاسر نحو الباب بعصبية وحاول فتحه ولكن بدون جدوي … وتوقف فجأة وقال باستغراب:
هو في إي؟
اقتربت غصن وحاولت فتح الباب، لكنه لم يتحرك.
فقالت بنبرة شبه ضاحكة رغم التوتر:
يا لهوي… هنعمل إيه دلوجتي؟ خلاص نط من الشباك
نظر إليها بحدة وردد:
إنتي عايزة تكسري رقبتي... وبعدين وحراسي يجولوا عليا إي لما يشوفوا العمدة بينط من الشباك و أنط ليه أصلا... انا هنام اهنيه وخلاص
اتسعت عيناها بصدمه وقالت:
مينفعش! أنا عايزة أغير هدومي
رد كاسر ببرود:
غيري… وأنا أعملك إي يلا غيري براحتك انا مش مانعك
نظرت إليه غصن بغضب، ثم أمسكت يده فجأة وقالت:
يلا حاول تكسر الباب.. جوم...انت تجدر تكسره وانا عارفه ... جوم يلا
نظر كاسر اليها لكنه بدلاً من أن يتحرك، سحبها نحوه فجأة… وفي لحظة خاطفة، قبّلها فتجمدت بين ذراعيه، وتأثرت للحظة… ثم أفاقت، ودفعته بعيد ا بارتباك وتراجع هو الآخر، وعيناه تعكسان صدمة حقيقية… كأنه لا يفهم كيف فعل ذلك.
وقبل أن يتكلم تسلل خيط دخان خافت من أسفل الباب و بدأ الدخان يزداد كثافة، وارتفعت في الخارج صرخات مذعورة وفجأة، ظهر وهج نار خلف الباب، وبدأت ألسنة اللهب تزحف إلى الداخل فسحب كاسر غصن نحوه بسرعة، وأوقفها خلف ظهره، رافع ا ذراعه أمامها كحاجز وفي الخارج، كانت الصرخات تعلو… والنار تشتعل و
رواية بيت العمده الفصل السادس 6 - بقلم نور الشامي
الفصل السادس
بيت العمدة
امتلأت الغرفة بالدخان الكثيف حتى صار الهواء ثقيلا خانقا، وألسنة اللهب تتسلل من أسفل الباب وتزحف ببطء مرعب نحو الداخل....و كانت غصن تسعل بقوة وهي تحاول أن تتنفس، بينما ارتفع صوتها بالصرخات وهي تحك حلقها من أثر الدخان وفي الخارج، تعالت أصوات الرجال وهم يضربون الباب ويحاولون فتحه، لكن دون جدوى ورددت:
افتحوا الباب.... اكسروا الباب
دوت الصرخات في الممر، قبل أن يرتفع صوت منصور من الخارج، وهو يصرخ بقلق:
يا كاسر! الباب كله مولع… محدش جادر يقرب منه
تجمد كاسر في مكانه لحظة، وقد انعكس وهج النار في عينيه بصدمة واضحة فـاقتربت منه غصن بسرعة ووجهها شاحب والدخان يحيط بها من كل جانب وقالت وهي تشير ناحية الشباك:
نط من الشباك يا كاسر… يلا الأرض مش عالية…هتجدر تنط... سيبني واطلع بسرعه... يلا
نظر إليها كاسر بذهول، وكأن كلماتها أصابته بالجنون وصاح بغضب:
اسيبك إي... مليش دعوة بيكي إزاي؟ إنتي اتجننتي ولا اب عاد... بتعملي اكده ليه.. هو انتي عايزه تجننيني يا بنت الحلال اس ال انتي بتجوليه دا
صرخت غصن فيه بغضب وهي تسعل من الدخان وهتفت:
إنت العمدة وكبير العيلة دي.. لازم تبجى كويس…لو حوصلك حاجه البلد كلها هتبوظ..واخوك هيحرب العيله كلها.... يلا نط بسرعة.. انت لازم تعيش مهما حوصل. . يلا يا كاسر ابوس يدك
اشتعلت ملامحه غضبًا أكثر، وصاح بعصبية:
عمودية إي وزفت إيه دلوجتي علي دماغك اسكتي... اسكتي خالص
القي كاسر كلماته ثم اندفع نحو الشباك وفتحه بعنف وانحنى ينظر إلى الخارج قبل أن يصرخ بصوت جهوري نحو الحراس في الأسفل:
هاتوا السلالم الخشب الكبيرة بسرعة! يلا اتحركوا
القي كاسر كلماته ثم عاد إليها سريعا، وسحبها من ذراعها غصبا عنها، وأوقفها قرب الشباك وهو يحاول أن يحميها بجسده من الدخان والنار وردد:
تعالي اهنيه … خليكي جمبي متتحركيش و
لكن قبل أن يتمكن من فعل أي شيء، دوى صوت قوي فجأة وتحطم الباب واندفع الخشب المحترق إلى الداخل، وظهر مالك وسط الدخان واللهب وهو يدفع الباب بكتفه بينما يحاول إخماد النار وصرخ بصوت مرتفع:
اطلعوا بره بسرعة... يلا
لم ينتظر ردا، بل اندفع إليهما، وأمسك بهما معا وسحبهما بقوة نحو الخارج، متجاوزا ألسنة اللهب التي كانت تلتهم مدخل الغرفة وبعد لحظات، خرج الثلاثة إلى الممر، بينما كان الرجال يندفعون بالمياه لإطفاء النار وفور أن خرج كاسر، اندفعت زينب نحوه بلهفة واحتضنته بقوة وهي تقول بصوت مرتجف:
حمد الله على سلامتك يا ضنايا… كنت هموت من الرعب عليك
وفي تلك اللحظة، اقترب مالك من غصن بسرعة، وأمسك بكتفيها وهو ينظر إليها بقلق شديد وهتف:
إنتي كويسة؟ حوصلك حاجة
لم تتمالك غصن نفسها، فانفجرت بالبكاء ودفنت وجهها في صدره وهي تردد:
كويسه... كويسه.. الحمد لله
وقف كاسر على بعد خطوات، وعيناه معلقتان بالمشهد أمامه، والغضب يتصاعد في صدره وهو يراها تبكي في حضن مالك وقبل أن ينطق بكلمة، اندفعت هدير فجأة نحوه. أحاطت بذراعيها حوله وهي تبكي، وتقول بلهفة:
إنت كويس؟! يا كاسر رد عليا… إنت كويس؟!
نظر إليها لحظة دون رد، بينما كانت عيناه ما تزالان تتجهان نحو غصن ومالك وفي تلك اللحظة، انتبهت غصن فجأة إلى يد مالك... كانت محمرة بشدة… وقد ظهرت عليها آثار الحروق فشهقت بقلق وأمسكت يده بسرعة وهتفت:
واه.. واه يا نهار أبيض… إيدك اتحرقت! تعالي بسرعة لازم نروح المستشفى دلوجتي
هز مالك رأسه رافضا وقال بهدوء:
لع… مفيش داعي. دي حاجة بسيطة
لكن كاسر تقدم نحوهما هذه المرة، وملامحه متجهمة، وقال بصوت أكثر هدوءا رغم الضيق الواضح في عينيه:
أنا هتصل بالحكيم يجي يعالج ايدك اهنيه
ثم نظر إلى مالك مباشرة وقال بجدية:
وشكرا… إنك أنقذتنا
لم ينتظر كاسر ردا، بل استدار ودخل إلى الغرفة المجاورة بخطوات سريعة وبعد لحظات، دخل منصور خلفه ووقف كاسر في منتصف الغرفة وملامحه مشدودة بالغضب، ثم التفت إليه فجأة وصاح بعصبية:
إزاي ده حوصل.... وإزاي مالك يجدر ينقذنا وكلكم واجفين بره؟! محدش فيكم ليه لازمة اهنيه نهائي
خفض منصور رأسه قليلًا وقال:
والله يا كاسر إحنا منعرفش إي ال حوصل. النار ولعت فجأة
اشتعل غضب كاسر أكثر، وضرب بقبضته على الطاولة بقوة وصاح:
لع لازم تعرف... انت لازم تعرف اي ال حوصل
ثم اقترب منه خطوة وقال بصوت منخفض لكنه مليء بالتهديد:
يعني إيه حد يدخل بيتي ويحاول يجتلني… ومحدش يشوفه.... اتصرف يا منصور… وجيبلي ال عمل اكده. مفهوم؟
أومأ منصور برأسه ببطء وقال:
تمام… هعرف مين ورا الموضوع
ثم استدار وغادر الغرفة، بينما بقي كاسر واقفا في مكانه، والنار التي انطفأت في البيت… ما تزال مشتعلة في صدره. وفي صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس تتسلل ببطء من خلال النافذة المفتوحة، لكنها لم تستطع أن تبدد أثر الدخان الذي ما زال عالقا في جدران الغرفة.... كانت رائحة الحريق واضحة في كل شيء.... في الستائر المتفحمة قليلا، وفي الأثاث الذي اسودت أطرافه، وحتى في الهواء الذي بدا ثقيلا رغم مرور الليل حيث وقفت غصن في منتصف الغرفة، تمسك قطعة قماش مبللة، وتمسح بها آثار السواد عن أحد الأركان... كانت ملامحها متعبة، لكن عينيها تحملان إصرارا واضحا وهي تحاول إصلاح ما أفسدته النيران فتنهدت بخفوت وهي تنظر حولها، وكأنها تحاول استيعاب ما حدث ليلة الأمس وفي تلك اللحظة، انفتح الباب فجأة ودخل كاسر بخطوات هادئة، وعيناه تتفحصان الغرفة التي بدت وكأنها نجت بصعوبة من كارثة فتوقف عند الباب لحظة وهو يراقبها، ثم قال بنبرة متعجبة:
إنتي بتعملي إي عاد
لم تلتفت إليه فورا، بل أكملت مسح الطاولة قليلا قبل أن ترد بهدوء:
زي ما إنت شايف اكده … بنضف الأوضة.
ثم توقفت لحظة، وألقت قطعة القماش جانبا وأضافت:
وكمان كنت هروح أطمن على مالك
تجهمت ملامح كاسر فور سماعه الاسم وضاقت عيناه قليلا قبل أن يقول بنبرة مستنكرة:
مالك... ده إي ال جابه امبارح أصلًا
رفعت غصن كتفيها بلا مبالاة وقالت:
معرفش… هبجى أسأله.. ان شاء الله
ساد صمت قصير، قبل أن يتقدم كاسر خطوة داخل الغرفة ويقول بلهجة حاسمة:
خلاص… أنا هاجي معاكي نطمن عليه مع بعض
التفتت إليه بسرعة، وكأن الفكرة لم تعجبها، وقالت:
مفيش داعي… إنت عارف أهلي مش بيحبوك
ما إن أنهت كلماتها حتى تغيرت ملامح كاسر فجأة، واشتعل الغضب في عينيه واقترب منها بخطوتين سريعتين، ثم أمسك بيدها فجأة وسحبها نحوه بعصبية وقال:
أنا هاجي… حضري نفسك.
شهقت غصن بخفوت، لكن في اللحظة التالية انقبض وجهها بالألم فتوقف كاسر فورا وانتبه أن يده كانت تضغط على ذراعها… في نفس المكان الذي أصيبت فيه فارتخت قبضته بسرعة، وابتعد عنها قليلا وهو ينظر إلى ذراعها بقلق ثم قال بصوت أخفض، وقد خفت حدته:
انا آسف… مكنش جصدي.. انتي كويسه
غصن بتوتر:
اها... الحمد لله
ساد صمت قصير بينهما وتنحنح كاسر قليلًا، ثم استدار نحو الباب وقال وهو يفتحـه:
يلا… حضري نفسك.... هستناكي بره
خرج من الغرفة بعدها مباشرة، تاركا الباب نصف مفتوح.أما غصن، فبقيت واقفة مكانها للحظة، تنظر إلى الباب الذي خرج منه… بينما يدها ما زالت فوق موضع الإصابة، وقلبها يخفق بتوتر لا تعرف سببه وبعد فتره من الوقت كان الصمت يخيم على صالة بيت رفاعي، بينما جلس كاسر على الأريكة الخشبية العريضة، وملامحه متجهمة كعادتها، وعيناه تدوران في المكان بحدة.كان رفاعي يجلس أمامه مباشرة، متكئا إلى الخلف وكأن الأمر لا يعنيه، بينما يقبض بيده على مسبحته ويحرك حباتها ببطء.... مرت لحظة صمت ثقيلة، قبل أن يقول رفاعي بلهجة حاسمة:
غصن جالها عريس
تجمّد كاسر في مكانه ورمش مرة ببطء، وكأنه لم يستوعب ما سمعه. فقال بصدمة واضحة:
عريس إي..... أنا مش فاهم
حرك رفاعي مسبحته بين أصابعه، ثم نظر إليه بثبات وقال:
عريس يعني عريس… راجل طالب إيدها
اشتدت ملامح كاسر، فاعتدل في جلسته قليلا وهو يقول بحدة:
نعم؟! انتوا بتتكلموا في الكلام ده إزاي أصلًا؟
رفع رفاعي حاجبه قليلًا، ثم قال ببرود:
بنتنا جالها نصيبها يا كاسر… ومدام إنت متجوز عليها، يبجى خلاص تطلج بنتنا وتتجوز واحد يحافظ عليعا
في تلك اللحظة، نهض كاسر واقفا بعنف، حتى تحرك الكرسي خلفه قليلًا من قوة اندفاعه واشتعل الغضب في عينيه، وفتح فمه ليتكلم…لكن قبل أن يخرج صوت منه، سمع صوت خطوات على الدرج والتفت الاثنان في نفس اللحظة كانت غصن تنزل الدرج ببطء. وتوقفت عند آخر درجة، ثم نظرت إليهما للحظة قبل أن تقول بهدوء:
أنا موافجه
ساد الصمت فجأة في المكان ثم انفجر صوت كاسر كالرعد:
انتي مجنونة ولا إي
تقدم خطوة نحوها بعصبية، بينما كانت عينيه تشتعلان غضبا لكن قبل أن يقترب أكثر، التفت فجأة نحو رفاعي، وقال بحدة تكاد تكون تهديدا:
أنا استحملتك كتير جوب … بس مش هستحمل أكتر من اكده ومن النهارده… معاملتي معاكم هتبجى بالسلاح.
ثم التفت فجأة إلى غصن، وحدق فيها لحظة قبل أن يقول بلهجة آمرة:
يلا… نروح
نظرت إليه غصن بثبات، دون أن تتحرك ثم قالت ببرود واضح:
أنا همشي لوحدي
لم تنتظر ردّه.واستدارت مباشرة، واتجهت نحو باب البيت.وفتحت الباب وخرجت. فوقف كاسر لحظة مكانه، وملامحه متصلبة من شدة الغضب ثم اندفع بعدها بخطوات سريعة خارج البيت… خلفها مباشرة. وبعد فتره من الوقت اندفعت سيارة كاسر تشق الطريق كعاصفة هوجاء، وصوت المحرك يعلو مع ضغطه الغاضب على الدواسة، وعيناه مثبتتان على السيارة التي أمامه.
لم يكن يرى الطريق بقدر ما كان يرى طيفها داخله.
وفي لحظة حاسمة، انحرف بسيارته حتى اعترض طريقها فجأة، فتوقفت الأخرى اضطرارا.
وفتح باب سيارته بعنف، ونزل بخطوات سريعة مشتعلة، ثم اتجه نحو السيارة الثانية وفتح بابها بقوة، ممسكا بذراعها وساحبا إياها إلى الخارج.
فصرخت غصن وهي تحاول الإفلات منه مردده :
اااه.... ايدي.. ما تسيبني في حالي بجا انت عايز مني اي تاني
قبض كاسر على ذراعيها بقوة، وعيناه تشتعلان غضبا وهتف :
إنتي إزاي تمشي اكده هاااا.... رايحه على فين من غير ما أعرف؟
نزعت يدها منه بعصبية وقالت:
ملكش صالح بيا! أبعد عني… علاقتنا انتهت… دا لو كان فيه علاقة أصلًا
اشتد غضبه، وصاح بصوت ارتج له المكان:
إنتي مجنونة؟! جايبينلك عريس وانتي على ذمتي وعايزاني أجف أتفرج عليهم وأخدهم بالأحضان؟! وانتي كمان طالعة تجوليلهم موافجة؟!
رفعت رأسها بتحدي وعيناها تلمعان بالدموع والغضب وقالت:
أيوه موافجة....و كويس طوي إنك افتكرت إني على ذمتك! طلجني بجا علشان هتجوز واحد تاني… وخليك مع مرتك أم ابنك! يلا سلام
استدارت غصن لتعود إلى السيارة، لكن قبل أن تمسك بالمقبض، جذبها إليه فجأة، فاصطدمت بصدره وقال بصوت مبحوح حاد:
إنتي مرتي أنا… ومستحيل أسيبك لحد غيري مهما حوصل
وقبل أن تمنحه فرصة للرد، انحنى نحوها وقبلها قبلة خاطفة، ممتزجة بالغضب والخوف والتملك.
فتجمدت بين ذراعيه للحظة…وفجأة، دوي صوت رجولي خلفهما يهتف باسمها بغضب مرددا:
غصــــن و
نظرت غصن بصدمه ورددت:
جابر و
وفي مكان اخر عند صفاء كانت تصرخ بشده وهي تري امامها زينب علي الارض غارقه في دماءها وفجاه انتبهت الي هذه التي تقف بعيدا وتبتسم و
رواية بيت العمده الفصل السابع 7 - بقلم نور الشامي
الفصل السابع
بيت العمدة
خيم الحزن الثقيل على أرجاء البيت الكبير، حتى بدا المكان وكأنه فقد صوته. كانت أصوات القرآن تتردد خافتة في الصالة الواسعة، بينما جلس الرجال في ناحية، والنساء في ناحية أخرى، وكل الوجوه يكسوها السواد والحزن بعد موت زينب المفاجئ كانت رائحة البخور تختلط برائحة الدموع، والهمسات الخافتة تتسلل بين الجالسين، كأن الجميع يخشى رفع صوته في حضرة الموت.
فجلست غصن في طرف المجلس، ملامحها شاحبة وعيناها غارقتان في صمت ثقيل. لم تكن تنظر إلى أحد، وكأنها غارقة في أفكارها.
لكن على الجانب الآخر، كانت هدير تراقبها.
لم تكن نظراتها عادية… بل كانت حادة، طويلة، ومليئة بشيء غامض لا يمكن تفسيره. كانت تحدق في غصن بلا انقطاع، حتى بدا الأمر وكأنها تحاول اختراقها بنظراتها. فرفعت غصن رأسها للحظة، والتقت عيناها بعيني هدير، لكن الأخيرة أشاحت بوجهها بسرعة وكأن شيئا لم يكن.
وفي زاوية أخرى من الصالة، كانت صفاء تراقب المكان بصمت، وعيناها تتابعان حركة الداخلين والخارجين. وفجأة، انتبهت إلى منصور وهو ينهض من مكانه ويتجه نحو الدرج وصعد بخطوات سريعة، دون أن يلتفت خلفه.
فضيقت صفاء عينيها قليلا، وكأن فكرة ما لمعت في رأسها، ثم نهضت بهدوء وتبعتـه حتى وصلت إلى الطابق العلوي، ثم رأت باب غرفته يغلق.
فتقدمت بخطوات حذرة، قبل أن تفتح الباب فجأة وتدخل كان منصور قد بدأ يخلع عقاله عندما التفت إليها متفاجئًا لكن قبل أن ينطق بكلمة، اندفعت صفاء نحوه وأمسكت بملابسه من صدره بعنف، وهزته بقوة وهي تصرخ:
إنت ال جتلتها… إنت ال جتلتها يا منصور... جتلت امك
تجمد منصور في مكانه، واتسعت عيناه بصدمة وهتف:
إنتي بتجولي إي يا صفاء... اي ال بتجوليه دا... ازاي تفكري اكده
شددت صفاء قبضتها على ملابسه أكثر وهي تقول بحدة:
جتلتها … انت جتلت أمك زي ما جتلت أبوك صوح
ارتسم الذهول على وجهه، ودفع يديها قليلا وهو يقول بارتباك وغضب:
والله أبدا... أنا مستحيل أذيها… دي أمي... جسما بالله ما عملت حاجه فيها
ردت صفاء بعصبية:
ما إنت جتلت أبوك.. عايزني اصدجك ازاي هاا
اشتعل الغضب في عينيه، وهتف:
دي أمي يا صفاء..انا بحبها جوي...دي الوحيده ال بحبها في حياتي كلها.. أنا معملتش حاجة… ومستحيل حد يجدر يأذيها.... طب… مين ال عمل اكده؟
سكتت صفاء لحظة وهي تفكر، ثم قالت بتردد:
يمكن… أهل غصن
هز منصور رأسه فورا، رافضا الفكرة وقال:
لع... مستحيل. أهل غصن مش هيعملوا اكده
قطب حاجبيه وأضاف:
لع او عايزين ينتجموا… هينتطموا من الرجالة وبس
ساد صمت قصير بينهما، قبل أن تضيق صفاء عينيها فجأة، وكأن فكرة خطيرة خطرت لها.
ثم قالت ببطء:
انا شاكة في ال اسمها هدير دي… وشاكة إنها هي كمان ال كانت هتولع الأوضة
اشتعل وجه منصور غضبا، وقال بعصبية:
وبنت البندر دي تعمل اكده ليه؟! دي مش بتفهم حاجة أصلا... لع مستحيل تكون هي
نظرت إليه صفاء بحدة، وقالت ببرود:
والله إنت ال ما بتفهم… البنت دي مش كويسة وهتصدجني… لما أثبتلك.. لما اثبتلكم كلكم انها سبب المصايب ال بتوحصلنا
نظر إليها منصور بضيق واضح، لكنه لم يرد. وفي تلك اللحظة…لم ينتبه أي منهما إلى تلك التي كانت تقف خارج الباب كانت هدير واقفة في الممر، تضع يدها على فمها، وقد شحب وجهها بشدة بعدما سمعت كل شيء وعيناها امتلأتا بالخوف… بينما قلبها يخفق بعنف داخل صدرها وفي المساء داخل غرفة المكتب كان يجلس كاسر خلف مكتبه الخشبي الكبير. كانت الغرفة شبه مظلمة، لا يضيئها سوى مصباح صغير فوق المكتب. بدا التعب واضحا على ملامحه، وقد أسند رأسه على ذراعيه فوق سطح المكتب، وكأن ثقل الحزن قد سحب منه كل طاقته.
لم يتحرك ولم يرفع رأسه.وفي تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء ودخلت غصن حاملة صينية عليها بعض الطعام وكوب ماء و توقفت لحظة عند الباب، ونظرت إليه بصمت، قبل أن تتقدم بخطوات هادئة وما إن اقتربت حتى شعر بوجودها ورفع رأسه ببطء، وعيناه حمراوان من شدة الإرهاق، ثم قال بصوت خافت متعب:
أنا جولت اني مش عايز واكل
لم ترد عليه مباشرة زوضعت الصينية على الطاولة القريبة بهدوء، ثم اقتربت منه أكثر وجلست على الكرسي المقابل له زنظرت إليه لحظة قبل أن تقول بنبرة هادئة لكنها حازمة:
إنت لازم تبجقى قوي يا كاسر… علشان العيلة دي مينفعش حد يشوف العمدة مهزوم وزعلان اكده
لم يرد بل رفع يده فجأة وأخفى وجهه بها، وكأنه يحاول أن يحجب ضعفه عن العالم كله فنظرت إليه غصن بصمت للحظة، قبل أن تنهض من مكانها واقتربت منه ببطء ثم انحنت نحوه واحتضنته.وفي اللحظة التي أحاطته بذراعيها…انهار وانفجر كاسر في البكاء فجأة، كأن الحزن الذي حبسه طوال اليوم وجد أخيرا طريقه للخروج وتشبث بها وهو يقول بصوت متكسر:
أمي ماتت يا غصن… خلاص راحت مش هجدر اشوفها تاني … مش هسمع صوتها تاني
كانت دموعه تنساب بصمت وهو يتكلم أما غصن، فربتت على ظهره برفق وهي تحاول تهدئته وقالت بصوت دافئ:
اهدى… اهدى يا كاسر. أنا جمبك… ومش هسيبك
ظل هكذا للحظات، حتى بدأ صوته يهدأ تدريجيا.
وفجأة…دوى صوت طرق على الباب فـ ابتعدت غصن عنه بسرعة، ثم التقطت منديلا من فوق المكتب ومدت يدها إليه ومسحت دموعه برفق قبل أن تقول بنبرة هادئة لكنها حازمة:
ارفع راسك يا عمدة… محدش ينفع يشوفك اكده
تنفس كاسر بعمق، ثم اعتدل قليلًا في جلسته والتفتت غصن نحو الباب وقالت:
ادخل
انفتح الباب قليلا، وظهرت الشغالة واقفة عند العتبة وقالت باحترام:
يا ست غصن… فيه واحد بره اسمه جابر… بيجول عايز يشوف حضرتك
تغيرت ملامح غصن فورا، وظهر التوتر واضحا في عينيها ونظرت نحو الأرض لحظة، قبل أن تقول بهدوء:
ماشي… روحي انتي
استدارت غصن لتخرج لكن قبل أن تصل إلى الباب…قال كاسر فجأة:
استني
توقفت غصن والتفتت إليه بتوتر وكاسر ينظر إليها بنظرة متفحصة قبل أن يقول:
مين دا.... إي حكايته مش فاهم.. مش ده ال كان موجود وجت ما كنا في الشارع وبعدها جالنا اتصال عن الحجة الله يرحمها … ومشينا علطول من غير ما تجولي مين... ها اتفضلي انا سامعك... مين بجا دا
ترددت غصن لحظة، قبل أن تقول باقتضاب:
دا… اها... دا واحد قريبنا
فتح كاسر فمه وكأنه يريد أن يقول شيئًا آخر لكن في تلك اللحظة، انفتح الباب مرة أخرى زدخلت هدير إلى الغرفة وفي اللحظة نفسها، استغلت غصن الفرصة واستدارت سريعا، ثم خرجت من المكتب دون أن تضيف كلمة أخرى وبعد فتره من الوقت وقفت غصن أمام البيت، وملامحها متوترة بينما كان جابر يقف أمامها، ينظر إليها بنظرة لم تعجبها أبدا وقالت له بعصبية واضحة:
انا جولتلك تبعد عني يا جابر… ولو ما بعدتش، والله لـ هجول لمالك
ابتسم جابر بسخرية خفيفة، ثم قال ببرود:
وأنا لو مخدتش ال أنا عايزه… مش هسكت يا غصن
اشتعل الغضب في عيني غصن، فتقدمت خطوة نحوه وقالت بحدة:
"امشي يا جابر… ومتجيش اهنيه تاني احسن بدل جسما بالله العظيم انا ال هجتلك... يلا امشي
ثم أضافت وهي تشير للطريق:
امشي وأنا هتصرف.
حدق فيها جابر بضيق واضح، وكأن كلماتها أغضبته، لكنه لم يرد. بل استدار أخيرا ومشى مبتعدًا بخطوات ثقيلة، بينما بقيت هي واقفة مكانها للحظة، تحاول أن تهدئ أنفاسها وفي مساء يوم جديد…كانت غصن تصعد الدرج متجهة إلى غرفتها. بدت متعبة، وكأن يومها كان أطول من المعتاد وفتحت باب الغرفة بهدوء…لكنها توقفت فجأة عند العتبة واتسعت عيناها قليلًا عندما رأت كاسر جالسا على سريرها، مستندا بظهره إلى الحائط، وعيناه مثبتتان عليها فتوترت ملامحها فورا، لكنها حاولت أن تخفي ذلك وقالت بنبرة رسمية:
أهلا وسهلا يا عمدة… إنت محتاج حاجة؟
رفع كاسر حاجبه قليلا وقال بهدوء:
هو لازم أكون عايز حاجة علشان أدخل أوضتك ولا اب عاد وبعدين… إنتي بتهربي مني ليه أصلا؟ من يوم العزا وأنا مش بشوفك... انتي جاصده صوح.. جاصده تهربي
توترت غصن قليلا، وقالت بسرعة:
لع… أنا بس مشغولة... انت عارف اهنيه في حاجات كتير جوي الواحد يتشغل فيها
صمت كاسر لحظة، ثم قال وهو يراقب تعبيرات وجهها وردد:
جابر ال جولتي عليه قريبك… طلع مش قريبك.
اتسعت عيناها قليلًا أما هو فأكمل بلهجة أكثر حدة:
طلع ابن صاحب عمك… هو عايز إيه منك اي بجا
تنفست غصن ببطء قبل أن تقول:
كان عنده شغل مع عمي… وحصلت مشاكل بينهم، وعايزني أكلمه.
لم تعجب الإجابة كاسر واعتدل في جلسته وقال بعصبية:
وإنتي مالك؟ ها؟ بتدخلي ليه في ال ميخصكيش؟
قطبت غصن حاجبيها قليلًا وقالت:
خلاص… مش هتدخل بعد اكده
ثم أضافت محاولة تغيير الموضوع:
انت أكلت... اجيبلك واكل؟
عاد كاسر يستند إلى الحائط وجلس على السرير مرة أخرى، ثم قال بهدوء غريب:
مش عايز واكل... انا عايزك إنتي… مش إحنا متجوزين ولا إي
تجمدت غصن في مكانها، ونظرت إليه بتوتر واضح ثم قالت بصوت منخفض:
بس إنت بتحب مرتك… ال هتبجب ام ابنك
لم يجبها بالكلام بل مد يده فجأة وسحبها نحوه، حتى أصبحت قريبة منه ونظر إليها بحدة وقال:
وإنتي إي لما هي مرتي ؟!
ارتبكت أكثر وقالت بصوت خافت:
أنا… انا ولا حاجة بالنسبة ليك
اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه قريبة منها، ثم مال قليلًا وقبلها علي عنقها فارتجفت قليلًا من المفاجأة، وتأثرت رغم محاولتها التماسك وقالت بصوت متقطع:
يا عمدة… بلاش تعمل اكده… بالله عليك
لكن كاسر شدها إليه أكثر، وكانت يده تتحرك محاولًا إنزال القماش قليلا عن كتفها وهو يقول بصوت خافت مشحون:
هششش... اسكتي.. انا عايزك
لكن قبل أن يقترب أكثر…ابتعدت عنه فجأة ونظرت إليه بجدية وقالت بحزم:
لع يا كاسر… إنت مش عايزني
ثم أضافت بصوت ثابت رغم اضطرابها:
وأنا مقدرش أعمل اكده… إنت متجوز… ومرتك حامل وانا بالنسبالك ولا حاجه.. ايوه مرتك بس علي الورج بس انت مش عايزني والله
ساد صمت لثواني ثم ضيق كاسر عينيه وقال بحدة:
يبجى الكلام ال سمعته صوح
قطبت حاجبيها بعدم فهم وقالت؛
كلام إي عاد
قال ببرود غاضب:
إنك عايزة تتجوزي واحد تاني.
اتسعت عيناها بصدمة وقالت:
واحد تاني مين ده؟ إنت بتجول إي و
وفجأة صرخ فيها وقال:
بجول ال سمعتيه عمك لسه كان عندي… وجال إنك عايزة تتجوزي واحد تاني.... هو صوح هو ال اسمه جابر
اشتعل الغضب في عيني غصن، وكانت على وشك أن ترد…لكن في تلك اللحظة…دوى طرق سريع على الباب.
ثم فتح الباب ودخل أحد الحراس مسرعا فنظر إلى كاسر وقال:
يا عمدة… إحنا عرفنا مين ال جتل الست زينب.
اعتدل كاسر فورا، وحدق فيه بحدة وقال:
مين؟!
الحارس:
الست صفاء مرت منصور بيه و