رواية دموع تحت اقدام عشق الجزء الحادي عشر 11 بقلم محمد منصور دموع تحت اقدام عشقرواية دموع تحت اقدام عشق الحلقة الحادية عشر وتعدّي الليلة الثقيلة، ويطلع الصباح محمّل بقلق جديد… ومن داخل المستشفى اللي كان مالك محجوز فيها، كان الدكتور واقف جوّه أوضته، ماسك الأشعة بإيده وملامحه كلها غضب وتوتر، وقال بعصبية لإحدى الممرضات: يعني إيه مريض يخرج من المستشفى من غير إذني؟! الممرضة بتوتر:
والله يا دكتور، كان موجود هنا. وأنا بنفسي عديت عليه من شوية. الدكتور بعصبية أكبر: المريض ده عنده جلطات في خلايا المخ، ولو ما لحقناش نعالجه خلال أربع وعشرين ساعة… هيموت! شهقت الممرضة وقالت بخوف: يبقى مافيش حل غير إننا نتصل بأهله، يمكن يعرفوا هو فين. الدكتور: صح… روحي بسرعة مكتبي، هتلاقي موبايلي هناك، هاتيه حالًا. —وفي نفس الوقت…
ومن داخل شقة عماد، كانت صباح قاعدة على السفرة ومعاها رامي وفاطمة. قدامهم فطار بسيط، وصباح وفاطمة بيحاولوا ياكلوا، أما رامي فكان قاعد سرحان، عينيه على الأكل بس من غير ما يمد إيده عليه. لاحظت صباح حالته وقالت بحنان: مالك يا رامي؟ ما بتاكلش ليه؟ رامي بتنهد: ماليّش نفس يا ماما. صباح: لا، لازم تاكل. من امبارح وإنت مش داخل بوقك لقمة. جسمك مش هيستحمل كده. رامي: صدقيني مش قادر. صباح: حاول يا ابني… إحنا كمان هننزل أنا وأختك.
رامي: رايحين فين؟ فاطمة: نسيت إن مالك عامل حادثة ومحجوز في المستشفى؟ خفض رامي عينيه وقال بحزن: لا… مش ناسي. بس موت عمي والدفنة والعزا… كل ده لخبطني. ربّتت صباح على كتفه بحنان أم وقالت: ربنا يقويك يا ابني. إنت بقيت راجل البيت دلوقتي، وعارفة إن الحمل تقيل عليك. ابتسم رامي ابتسامة باهتة وقال: أنا شايل الحمل من زمان يا ماما… المهم، الدكتور قال لكم إيه امبارح؟ نظرت فاطمة لصباح ثم قالت: لو قلت لك مش هتصدق. رامي باستغراب:
ليه يعني؟ فاطمة: عشان مالك جاله تقريبًا نفس المرض اللي عند عشق. اعتدل رامي في جلسته وقال بدهشة: مش فاهم! فاطمة: فاقد الذاكرة… ناسي كل حاجة تقريبًا، ومش فاكر غير عشق وبس. اتسعت عينا رامي من الصدمة، وتمتم: إيه ده بس… معقول؟ وفي اللحظة دي، رنّ تليفون الخط الأرضي فجأة، فقطع حالة الصمت اللي كانت مسيطرة على المكان. قام رامي بسرعة ورفع السماعة ألو؟ جاله صوت الدكتور من الطرف التاني:
أنا الدكتور المعالج لمالك. ممكن أعرف حضرتك مين؟ رامي: أنا رامي… أخوه الكبير. جاءه الرد سريعًا ومحمّلًا بالقلق: أستاذ رامي، أخوك خرج من المستشفى قبل ما يبدأ علاجه، وهو حالته خطيرة جدًا. عنده جلطات في خلايا المخ، ولو ما اتعالجش بسرعة ممكن يفقد حياته خلال يوم واحد. محتاج أعرف… خرج إزاي؟ وخرج مع مين؟ انتفض رامي من مكانه وقال بعصبية: يعني إيه خرج من المستشفى من غير ما تعرفوا؟! إزاي ده يحصل؟
انتبهت صباح للكلام، فقامت واقفة مفزوعة، وخلفها فاطمة وقد بان الرعب على وشوشهم. صباح بخوف: في إيه يا رامي؟ مالك حصل له حاجة؟ رامي للدكتور: طيب يا دكتور… أنا جاي لحضرتك حالًا. وأغلق السماعة ببطء. كانت صباح تنظر إليه بلهفة وخوف يكاد يخنقها، وقالت مرة تانية: رد عليّ يا رامي… في إيه؟ نظر لها رامي، وكانت الصدمة واضحة في عينيه، ثم قال: مالك خرج من المستشفى… من غير ما الدكتور يعرف. شهقت صباح ووضعت يدها
على قلبها وهي تقول بفزع: خرج إزاي؟! وراح فين؟! ده مش فاكر أي حاجة! وسكتت فجأة… لأن سؤالًا مرعبًا خطف عقلها في اللحظة دي… إذا كان مالك ناسي الدنيا كلها… فمين الشخص الوحيد اللي ممكن يكون راح له؟ وفي نفس اللحظة، لمع اسم عشق في عيون الثلاثة، وكأنهم عرفوا الإجابة قبل حتى ما ينطقوا بيها…
ومن داخل شقة مفروشة هادئة، كانت شروق قاعدة جنب مالك، وعينيها متعلقة بيه وكأنها خايفة يختفي من قدامها في أي لحظة. كانت بتبص له بحب ولهفة، أما هو فكان تايه وسط أسئلة كتير مش لاقي لها إجابة. بصلها مالك وقال بهدوء: هو إحنا نعرف بعض من إمتى؟ ابتسمت شروق ابتسامة كلها حنين وقالت: إحنا من قبل ما نتولد وإحنا متقدرين لبعض… أنا ليك وإنت ليا. كبرنا مع بعض، وحبينا بعض، واتجوزنا من سنتين تقريبًا. اتسعت عيون مالك بدهشة وقال:
للدرجة دي؟ هزت شروق رأسها وهي تبص له بعشق واضح: وأكتر كمان… إنت كنت الدنيا كلها بالنسبة لي. وفجأة وضع مالك إيده على رأسه واتأوه من الألم. مالك: آه… انتفضت شروق من مكانها واقتربت منه بسرعة، ثم ضمته لصدرها بحنان وهي تمرر يدها على شعره. وقالت بخوف: لسه دماغك بتوجعك؟ مالك: كل شوية بحس بوجع غريب… كأن في حاجة بحاول أفتكرها ومش قادر. ارتجف قلب شروق، لكنها أخفت خوفها وقالت بابتسامة مطمئنة: شروق:
معلش يا حبيبي… ده كله من الخبطة. الدكتور قال إنك محتاج راحة وبس، وإن شاء الله هتبقى زي الفل. ظل مالك ينظر إليها للحظات، وكأنه يشعر بالراحة وهو بين ذراعيها، أما هي فكانت تتمنى لو توقف الزمن عند تلك اللحظة. وبعد دقائق وقفت شروق وقالت: شروق: بص، أنا لازم أمشي دلوقتي. أنا من امبارح وأنا جنبك وماروحتش شغلي. مالك: هتمشي وتسيبيني؟ قالها بعفوية جعلت قلبها يدق بقوة. ابتسمت شروق وقالت برقة:
ساعات قليلة بس، وهارجع لك بالليل. ولو احتجت أي حاجة كلمني. موبايلي سايباهولك هنا. مالك: طيب وأنا هاعمل إيه لوحدي؟ شروق: اتفرج على التلفزيون، أو ارتاح شوية. ولو جعت، التلاجة مليانة بكل الأكل اللي بتحبه. ثم اقتربت منه أكثر، وطبعَت قبلة رقيقة على جبينه وهي تهمس: مش هاتأخر عليك… أوعدك. ورغم ابتسامته الخفيفة، إلا أنه شعر بغصة غريبة وهو يراها تخرج من الباب. وما إن أُغلق الباب خلفها حتى عاد الألم يضرب رأسه بعنف.
أغمض عينيه وهو يتأوه، وفجأة مرت أمامه صورة فتاة تبكي… صورة سريعة ومشوشة… لكنها لم تكن شروق. —وبعد ساعة… ومن داخل شقة وائل، فتحت شروق الباب ودخلت بهدوء، لكنها تفاجأت بعبير واقفة في انتظارها، وعلامات الشك والغضب واضحة على وجهها. نظرت لها عبير بحدة وقالت: كنتِ فين؟ ارتبكت شروق للحظة وقالت: واحدة صاحبتي كانت عاملة عملية، وأنا قلت لماما امبارح إني هاقعد معاها. عقدت عبير ذراعيها وقالت باستياء:
تسيبي عزا أبوكي علشان صاحبتك؟! العيلة كلها كانت بتسأل عليكي امبارح، وشكلنا كان وحش أوي. تنهدت شروق وقالت بمرارة: يا عبير… بعد اللي العيلة كلها عرفته عني، ما بقاش يفرق معايا شكلي قدامهم عامل إزاي. ضيقت عبير عينيها وقالت: علشان كده أول ما الناس بدأت تيجي للعزا اختفيتي؟ شروق: بالظبط. وهفضل أروح وأبات عند صاحبتي لحد ما تخف وتبقى كويسة. زادت شكوك عبير أكثر وقالت: والله؟
طيب ما تعرفيني مين صاحبتك دي، وأنا أجي معاكي أعمل معاها الواجب. ارتبكت شروق فجأة وقالت بسرعة: تيجي فين؟! لا طبعًا. عبير باستغراب: وليه لا طبعًا؟ تلعثمت شروق وهي تحاول تدور على أي إجابة: أصل… أصل… هي… قاطعتها عبير وهي تنظر لها مباشرة: علشان إنتِ كدابة. اشتعل الغضب في عيني شروق وقالت بعصبية: أنا مش كدابة! وبعدين ماحدش له دعوة بيا ولا أعرف حد أنا بروح فين ولا باجي منين! ثم استدارت بسرعة ودخلت غرفتها وأغلقت الباب بعنف.
أما عبير فظلت واقفة مكانها، وعينيها معلقتين بالباب المغلق. كان هناك شيء لا يطمئنها… شيء يؤكد لها أن شروق لا تخفي مجرد سر عادي… بل تخفي شخصًا. شخص مستعدة تكذب على الجميع من أجله.،،،،، ومن داخل المستشفى، كان رامي واقف وسط مجموعة من الممرضين، وماسك صورة لمالك في إيده، وعلامات التوتر والقلق باينة على وشه، وقال لهم بنفاد صبر: يعني إزاي؟! محدش فيكم شاف الشاب ده وهو خارج من المستشفى؟ بصوا الممرضين لبعض للحظات، قبل
ما يتكلم واحد منهم وقال: أنا شوفته امبارح… كان خارج مع ممرض اسمه سعيد. اتسعت عيون رامي بسرعة وكأن أخيرًا لقى خيط يوصل للحقيقة، وقال بلهفة: سعيد؟! فين سعيد ده دلوقتي؟ الممرض: بييجي الشيفت الليلي يا أستاذ. ضرب رامي كف بكف وهو بيقول بانفعال: وهو أنا لسه هستنى لحد بالليل؟! ما تعرفش عنوان بيته؟ الممرض رأسه بالنفي وقال:
لا يا أستاذ… سعيد أصلًا ما بيروحش بيته غير نادر. ده شغال شغلتين، واحدة الصبح والتانية هنا في المستشفى بالليل. رفع رامي حاجبيه بدهشة وقال: يعني الراجل ده بينام إمتى؟ ضحك الممرض ضحكة خفيفة وقال: بيخطف له ساعتين ولا تلاتة بالعافية… شوية هنا وشوية في شغله التاني. تعلق رامي بأي أمل وقال بسرعة: طيب… ما تعرفش شغله التاني فين؟ الممرض: لا والله… ما أعرفش. لف رامي بعينيه على باقي الممرضين وقال بصوت مليان رجاء:
طيب… محدش فيكم يعرف أي معلومة عنه؟ أي حاجة ممكن تفيد؟ ساد الصمت للحظات، ثم هز الجميع رؤوسهم بالنفي. في اللحظة دي، حس رامي إن كل الأبواب اتقفلت في وشه، وزفر بضيق وهو بيبص لصورة مالك بين إيديه، وقال لنفسه بصوت خافت: يبقى كده… مافيش قدامي غير إني أستنى لحد بالليل. ثم قبض على الصورة بقوة، وعيناه امتلأتا بالإصرار وهو يتمتم: بس أقسم بالله يا مالك… أول ما سعيد ده يظهر، هعرف منك الحقيقة كلها… مهما كانت صادمة.،،،،،،
ومن داخل شقة وائل، انفتح باب أوضة عشق فجأة من جوه، فبصت خديجة وعبير وشروق ناحية الباب باستغراب شديد، لأن عشق من يوم مرضها ما كانتش بتقوم من على السرير. وبعد لحظات خرجت عشق من الأوضة وهي واقفة على رجليها. اتسعت عيون خديجة من الصدمة، وتحولت الصدمة لفرحة عمرها ما حست بيها قبل كده، وجريت عليها بسرعة، وكذلك عبير اللي كانت دموعها نازلة من الفرحة. وقبل ما يوصلوا لها، بصت لهم عشق باستغراب وقالت: إنتوا لابسين أسود ليه؟
ارتعش جسم خديجة كله من الفرحة، ودموعها نزلت بغزارة وهي بتقول: عشق… إنتِ عارفة إحنا مين؟ ابتسمت عشق ابتسامة بسيطة وقالت: طبعًا… إنتِ ماما. شهقت خديجة وحطت إيديها على بوقها وهي مش مصدقة. وبصت عشق لعبير وقالت: ودي عبير. ثم حولت نظرها لشروق وقالت بعتاب طفولي: ودي أختي شروق… اللي أنا زعلانة منها عشان راحت قالت لبابا. انفجرت شروق في البكاء، وجريت عليها وخدتها في حضنها بقوة وهي بتقول:
حقك عليّا يا عشق… والله حقك عليّا. أنا من يومها ومش مسامحة نفسي، وكل يوم بلوم نفسي على اللي حصل. فحضنتها عشق بحب، وبعدها دخلت عبير وخديجة في الحضن، وتحول المكان كله لدموع وفرحة بعد شهور من الوجع. وقالت خديجة وهي تمسح دموعها: خلاص يا حبايبي… مش وقته الكلام ده. الحمد لله… الحمد لله اللي ردها لينا من تاني. ربنا بيقطع من حتة ويوصل من حتة تانية. بصت عشق حواليها باستغراب وقالت: هو فيه إيه؟ حاسة إنكم مخبيين عني حاجة.
حاولت عبير تبتسم وقالت: دي حكاية طويلة أوي… المهم إنك بخير دلوقتي. سكتت عشق ثواني ثم قالت: طب… فين بابا؟ فبصت خديجة وعبير وشروق لبعض، واختفت الابتسامة من على وشوشهم، وساد صمت مؤلم ملأ المكان كله… ……………………….. ومن داخل المقابر، وقفت عشق ومعاها عبير قدام قبر وائل. كانت عشق بتبص للاسم المكتوب على شاهد القبر وكأنها رافضة تصدق الحقيقة. وفجأة انهارت في البكاء وقالت بصوت متقطع: بابا… أنا جيت أفرحك وأقولك إني خفيت. وانفجرت
في البكاء أكتر وهي بتكمل: بس زعلانة منك… زعلانة أوي. سيبتني وأنا تعبانة ومشيت من غير حتى ما تطمن عليّا. مسحت دموعها بصعوبة وقالت: ماما حكت لي كل حاجة… وحكت لي كلامك وأنت واقف جنبي وأنا بين الحياة والموت. ابتسمت وسط دموعها وقالت: وصدقني يا بابا… أنا كمان كنت بحبك أوي. يمكن ما كنتش بقولها كتير، بس كنت بحبك من كل قلبي. وسقطت على ركبتيها أمام القبر وهي تبكي بحرقة: هتوحشني يا بابا… والله هتوحشني. ثم قالت وهي تنتحب:
قوم اضربني تاني… قوم زعق لي زي زمان… قوم كسر عضمي لو أنا غلطانة… بس ما تمشيش وتسيبنا كده. كانت عبير واقفة تبكي بصمت، بينما أكملت عشق: إحنا من غيرك ولا حاجة. البيت من غيرك بقى فاضي… والضحكة راحت… والأمان راح. ثم وضعت يدها على شاهد القبر وقالت: بس أنا عارفة إنك كنت بتحبني… وكنت دايمًا بتقول إني الدلوعة بتاعتك. عشان كده جيت لحد عندك أقولك إني بحبك… وإنك هتوحشني كل يوم في عمري. ورفعت عينيها للسماء وهي تبكي:
ربنا يرحمك يا بابا… ويجمعنا بيك في الجنة. ثم رفعت يديها وبدأت تقرأ الفاتحة بصوت مرتجف، بينما كانت الدموع تنزل من عينيها بلا توقف. ……………………….. ومع حلول الليل، كان رامي قاعد قدام المستشفى، وعينه على الباب، مستني ظهور سعيد بأي طريقة. مرت ساعات طويلة من الانتظار والتوتر، قبل ما يخرج ممرض من المستشفى ويتجه نحوه. يا أستاذ رامي… وقف رامي بسرعة وقال خير؟ لقيت سعيد؟ تنهد الممرض وقال:
سعيد لما عرف إنك من أهل الشاب فاقد الذاكرة اللي كان معاه امبارح… خاف ييجي وخد إجازة. قطب رامي حاجبيه وقال بحدة: عرف منين إني بدور عليه؟ الممرض: والله ما أعرف. أنا سمعت من واحد زميلي، وهو اللي طلب مني أبلغك بدل ما تفضل مستني هنا. اشتعل الغضب في عيون رامي وقال: وسعيد يخاف ليه؟ هو أخويا اتخطف ولا إيه؟ هز الممرض كتفيه وقال: معرفش… بس اللي أعرفه إن الموضوع مش طبيعي. سكت لحظة ثم أكمل:
أنا شايف إنك تبلغ البوليس. هما بس اللي يقدروا يعرفوا الحقيقة. نظر رامي نحو باب المستشفى، وشعر لأول مرة أن اختفاء مالك أكبر وأخطر مما كان يتخيل، وقال لنفسه بقلق يبقى كده فيه حد بيساعد مالك يختفي… أو فيه حد عايز يمنعنا نوصل له. وتحول القلق في عينيه إلى خوف حقيقي وهو يهمس يا ترى إنت فين يا مالك… وإيه اللي بيحصل معاك؟
وبعدها بساعة، كانت خديجة قاعدة مع صباح، وبجانبهم عبير وفاطمة وشروق، والقرآن شغال في الشقة، والهدوء مخيم على المكان. وفجأة رن موبايل صباح. ردت بسرعة وقالت بلهفة: أيوة يا رامي… عملت إيه؟ رامي من الهاتف: أنا في القسم أهو، وببلغ البوليس عن الممرض اللي اسمه سعيد. قالت صباح بقلق شديد: أنا عايزة أفهم بس… الممرض ده خرج ابني من المستشفى ووداه فين؟ وساعتها بصت عبير لشروق، ولاحظت الارتباك اللي ظهر فجأة على ملامحها. فقالت شروق
وهي بتتجنب النظر ليهم: ماما… أنا هانزل بقى، أصل صاحبتي في المستشفى ولازم أطمن عليها. وقفت شروق بسرعة، لكن قبل ما تتحرك، مسكت عبير إيدها بقوة وسحبتها ناحية أوضة فاضية. أول ما دخلوا الأوضة، شروق قالت بعصبية: إيه؟ سحباني كده ليه؟ قفلت عبير الباب ولفت ناحيتها وقالت بحدة: إنتِ اللي ورا اللي بيحصل ده… صح؟ اتصنعت شروق الاستغراب وقالت: إيه اللي بيحصل؟ عبير: إنتِ اللي خرجتي مالك من المستشفى. اتسعت عيون شروق وقالت:
وأنا أعمل كده ليه؟ اقتربت منها عبير وقالت بمرارة: وده اللي أنا عايزة أعرفه… إلا إذا كنتِ لسه بتحبيه بعد كل اللي حصل. سكتت شروق. فأكملت عبير: إنتِ اختفيتي امبارح أول ما عرفنا إن مالك عمل حادثة. وكمان ما نمتيش هنا. وحكاية إنك كنتِ عند صاحبتك دي ما تدخلش على طفل صغير. أشارت بإصبعها نحوها وقالت: أنا أختك يا شروق… وحافظاكي أكتر من نفسك. نظرت لها شروق بصمت. أما عبير فكانت نار الغضب والوجع بتاكل قلبها،
وقالت وهي ممسكة بذراعيها: روحتي وارتميتي في حضن الراجل اللي كان السبب في موت أبوكي؟ وسالت دموعها وهي تكمل: روحتي للي قال على أختك مجنونة؟! أبوكي لسه نار فراقه ما بردتش في قلوبنا. أبعدت شروق إيدي عبير عنها بعنف وقالت وهي تبكي: أبوكي هو السبب! شهقت عبير من الصدمة. وأكملت شروق: أنا ومالك كنا عايشين في منتهى السعادة. جه بابا وشتم أمه، وخلاه يفقد أعصابه ومايبقاش عارف بيعمل إيه. وبدموع غزيرة قالت:
لكن مالك بيحبني… أنا متأكدة. وعارفة إنه بيحبني زي ما أنا بحبه. ثم أضافت بصوت مكسور: أنا بحبكم إنتوا كمان… والله بحبكم. بس من غير مالك… مش هاعرف أعيش. قالت عبير بصدمة: وعشان كده هربتيه من المستشفى؟ خفضت شروق رأسها وقالت: أيوة… أنا اللي هربته. رفعت عينيها وقالت بإصرار: وكنت هاخده ونعيش أنا وهو بعيد عنكم كلكم. وضعت عبير يدها على قلبها وقالت بحسرة: وبابا؟! بابا اللي مات بسببه؟ قالت شروق وسط دموعها: مع الأيام هننسى…
قاطعتها عبير بغضب: مالك ممكن مايتنسيش… لكن بابا كمان عمره ما هيتنسي. ثم اقتربت منها وقالت بحسم: ولو إنتِ مصممة تكملي مع مالك… روحي له. سكتت لحظة ثم قالت بصوت مرتعش: بس ساعتها… أنا مش هابقى أختك. ونزلت دموعها وهي تكمل: وأظن ماما وعشق كمان مش هيقدروا يبصوا في وشك. تجمدت شروق مكانها. وقالت بصوت باكي: عبير… ما تصعبيهاش عليّا. وأشارت لقلبها: أنا ماقدرش أعيش من غيركم… وماقدرش أعيش من غيره. ردت عبير وهي تبكي: يبقى اختاري.
وأشارت نحو باب الأوضة عايزة تخرجي من الباب ده وتروحي لمالك؟ يبقى ما ترجعيش هنا تاني. ثم أشارت ناحية الصالة: ولو عايزة تفضلي وسطنا… انسِي مالك واختارينا إحنا. نظرت شروق لها، ولسه هتتكلم… لكن عبير سابتها وخرجت. وفضلت شروق لوحدها في الأوضة. قعدت على الأرض وانهارت في البكاء. كانت حاسة إن قلبها بيتشد في اتجاهين. حب عمرها ناحية… وعيلتها ناحية تانية. وقالت وهي بتنتحب: يا رب… أنا مش هاعرف أعيش من غيره.
ثم مسحت دموعها، وقامت واقفة. فتحت باب الأوضة… وخرجت. وخطوة وراء خطوة وصلت لباب الشقة. وقفت عند الباب. وكانت عبير واقفة بعيد بتبصلها. وقلبها بيتقطع من الخوف. أما شروق فحطت إيدها على المقبض… واستعدت تخرج. وفجأة… سمعت صوت أبوها وائل جوه ودانها. كأنه واقف جنبها بالضبط. وائل: يمكن لما أخدك في حضني دلوقتي… تخافي على زعلي لما أموت. ارتجف جسدها كله. ثم تكرر الصوت مرة تانية. وائل: إنتِ الكبيرة يا شروق… وإخواتك أمانة في رقبتك.
وفجأة حست بريحته في المكان. ريحة أبوها اللي كانت بتحسسها بالأمان. فانهارت دموعها أكتر. وأبعدت إيدها عن الباب. ثم استدارت ببطء… ورجعت لجوه الشقة. أول ما شافتها عبير، جريت عليها. وانفجروا الاتنين في البكاء. حضنتها عبير بقوة وكأنها كانت خايفة تخسرها للأبد. أما شروق فدفنت وشها في حضن أختها وقالت وهي بتبكي: سامحيني… ردت عبير وسط دموع الفرح: رجعتي ليّا… وده أهم حاجة. ثم مسحت شروق دموعها، والتفتت ناحية خالتها صباح وقالت:
خالتي… ما تخافيش على مالك. سكت الجميع وبصوا لها بصدمة. فأكملت وهي تبكي: أنا عارفة هو فين… ومن داخل الشقة المفروشة، كان مالك نايم على السرير في هدوء غريب. على ذراعه كانت مرسومة شجرة صغيرة، وتحتها اسم “عشق” محفور بحب عمره كله. وفي نفس اللحظة دخلت شروق الشقة، ومعاها رامي وصباح. أول ما دخلوا، جرى رامي ناحية مالك بسرعة علشان يطمن عليه. مالك… مالك! لكن مالك ما ردش. قرب منه أكتر، وهزه بعنف وهو بيصرخ: مالك!
فوق يا مالك… أنا جيتلك! لكن مافيش أي استجابة. حط إيده على قلبه… ثم على أنفه… وفجأة اتجمد مكانه. الدم هرب من وشه. والصدمة خنقته. نظر لهم بعيون مليانة رعب وهمس: مالك… مات. في اللحظة دي خرجت صرخة موجوعة من صباح، وحطت إيديها على رأسها وانفجرت في البكاء. أما شروق فحست إن الأرض اتسحبت من تحت رجليها. وقعت على ركبتيها جنب السرير. وبصت لذراعه. شافت الشجرة… وشافت اسم عشق. وساعتها انهارت تمامًا. ارتمت على صدره وهي بتصرخ:
لاااااااا… مالك! وبكت بحرقة عمرها ما بكتها قبل كده. ثم قالت وهي بتنتحب: أنا اللي قتلتك… أنا اللي أخدتك وخبيتك عن الناس كلها. كنت عايزاك تبقى ليا أنا وبس. ماكنتش أعرف إن حبي ليك هيكون السبب في موتك. وضربت صدرها وهي تصرخ: سامحني يا مالك… سامحني. أنا ضيعتك بإيديا. وفضلت تنادي عليه وتبكي بجنون، وكأن قلبها هيتوقف من شدة الصدمة والوجع. ………………………. ومرت الأيام… ثم الشهور… ثم السنين. والحياة، رغم قسوتها، ما وقفتش.
وكان لازم تكمل. وفي يوم من الأيام، ظهرت نتيجة عشق. وأخيرًا نجحت في آخر سنة ليها. كانت فرحتها كبيرة جدًا. وأول شخص فكرت تروح له… كان رامي. راحت للورشة اللي شغال فيها. وأول ما شافها، قام واقف باستغراب وقال: عشق؟! بتعملي إيه هنا؟ خير؟ حد عندنا حصل له حاجة؟ ابتسمت عشق ابتسامة واسعة وقالت بفرحة: نجحت! وحبيت أول واحد يعرف يكون إنت. أنا اتخرجت يا رامي. ثم نظرت له بخجل وقالت: عشق: مش هتيجي بقى تكلم ماما؟
بص لها رامي بعدم استيعاب. وقال: إنتِ بتقولي إيه؟ ضحكت عشق وقالت: يا رامي… عبير حكت لي كل حاجة. وعرفت إنت قلت إيه يوم ما دخلت عليا وأنا تعبانة. وعرفت إنك كنت واقف تدعيلي وتتكلم معايا وأنا بين الحياة والموت. ابتلع رامي ريقه وقال بدهشة: هي عرفت إزاي؟ ضحكت عشق وقالت: كانت مراقباك. ثم اقتربت منه خطوة وقالت: وباين كده إن الكلام اللي خرج من قلبك… وصل لقلبي. ويمكن كان سبب في إني أتمسك بالحياة وأرجع تاني. ومن يومها…
وأنا قلبي بيدق باسمك. يا أجدع رامي شوفته في حياتي. دمعت عيون رامي من الفرحة. وقال بصوت مرتعش: يعني… يعني ممكن تتجوزي واحد بسيط زيي؟ واحد ريحته دايمًا شحم وزيت وواقف طول اليوم في الورشة؟ ابتسمت عشق. ثم حطت إيدها على بقه برقة وقالت: اسكت. أنا كنت غبية يوم ما قلت إن ريحتك وحشة. دي ريحة راجل شقيان… وراجل جدع. وراجل عرف يعني إيه حب من غير مقابل. وبصراحة… أنا بحبك يا رامي. في اللحظة دي، نزلت دموع الفرح من عيون رامي.
وقال وهو مش مصدق: رامي: عشق… بتحب رامي؟ ضحكت عشق بدلع وقالت: عشق: زي ما رامي بيعشق عشق. فابتسم رامي أخيرًا… وشعر أن ربنا عوضه عن كل وجع عاشه. ………………………. وعدت فترة الخطوبة بسرعة. واتجوز رامي وعشق. وكان بيتهم مليان حب ودفا وسعادة. أما شروق… فبعد سنوات من الألم والتوبة والندم، ربنا عوضها بمدرس محترم كان زميلها. عرف قصتها كلها. وقدر جرحها. واختار يحتويها بدل ما يحكم عليها. فاتجوزته، وبدأت حياة جديدة.
لكنها ما نسيتش مالك أبدًا. فضلت تدعيله في كل صلاة. وتعتبره درس عمرها كله. ………………………. وخلصت حكايتنا. وحكايتنا بتقول إن كلمة بتتقال وقت الغضب ممكن تهد بيوت، وتفرق قلوب، وتضيع ناس مالهاش ذنب. وإن العناد ساعات بيكلفنا أغلى ناس في حياتنا. وفي الآخر… مهما حصل بينا من خلافات… هنفضل أهل. وهنفضل عيلة واحدة. لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية دموع تحت اقدام عشق)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!