الفصل 1 | من 22 فصل

رواية الحقيقة المخفية الفصل الأول 1 - بقلم ملك محمد

المشاهدات
19
كلمة
2,108
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

في إحدى محافظات الصعيد، تبدأ قصتنا بسيارة فارهة تأتي بسرعة رهيبة وتصف جانباً. صوت اصطدام شديد يأتي من الشارع. نظرت نور من بعيد، وجدت دراجتها البخارية شبه محطمة. صعقت من المشهد وركضت بسرعة نحوها. ساهر يقف أمام سيارته ويقول بغضب: مين اللي راكن الخردة دي هنا؟ نور اقتربت بلهفة نحو دراجتها، رفعتها من على الأرض وهي تقول بصدمة: مين الغبي اللي عمل كده؟ ثم تلتفت لتجد شاباً طويل القامة.

من الوهلة الأولى تظن أنه يعمل في مجال السينما من شدة وسامته. نظراته حادة ويبدو شخصاً جاداً وعنيداً. يقف أمام سيارته بكبرياء وهو يقول: الخردة دي بتاعتك! نور بعصبية: إيه اللي أنت عملته ده؟ أنت عارف إن الموتوسيكل ده بتاع المطعم وأنا كده هطرد. ساهر بلامبالاة، دفع الدراجة بقدمه لتسقط على الأرض مرة أخرى وهو يقول: اطمن، لو المطعم مطردكش أنا هخليهم يطردوك. ثم ارتدى نظارته الشمسية ووضع كلتا يديه في جيبه وتركها ومضى في طريقه.

نور بصراخ وهي تركل سيارته بقدميها: آآآآآآآآي! اليوم اللي باين من أوله ده. نور فتاة في الرابعة والعشرين من عمرها، حُكم عليها بالإعدام غيابياً في قضية قتل زميلها في الجامعة. استطاعت الهرب أثناء الجلسة الأولى لها بمساعدة إحدى صديقاتها التي أخذتها وسافروا لمدينة أخرى في الصعيد. كانت متبناة من قبل عائلة بسيطة، لكن بعد وقوع الحادثة تبرؤوا منها وشعروا بالعار والخِذلان.

نور كانت تعلم يقيناً أنها بريئة، فقررت حينها أن تبحث عن دليل براءتها بنفسها لأنها لم تجد من يدافع عنها. لم تجد حلاً للتعايش وسط أهل المدينة دون أن يتعرف عليها أحد إلا بالتنكر في هيئة شاب. قامت بقص شعرها بطريقة تشبه الصبيان، كان شعرها ناعماً وينزل من الأمام على جبهتها ويغطي حاجبيها، وقصير من الخلف بحيث يصل إلى تحت أذنها بقليل. ترتدي دائماً قبعة لتخفي ملامحها.

جسمها النحيف ساعدها كثيراً، كانت ترتدي ملابس للرجال واسعة حتى لا تظهر تفاصيل جسدها. طولها متوسط، وإذا رأيتها من بعيد لن تشك للحظة أنها شاب. لكن إذا دققت النظر في عينها التي تلمع كأنها حبة لؤلؤ، وتمعنت في ملامحها الجميلة والمتناسقة كأنها لوحة مرسومة بدقة، لتوترت وارتبك الشك. كانت تعمل فتى توصيل للطلبات لدى أحد المطاعم حتى تستطيع الإنفاق على نفسها. لا تسمح لأحد بالاقتراب منها أو التحدث معها.

زملاؤها في العمل يتهامسون دائماً حولها، بعضهم يقول: "إيه الواد الطري ده، واضح إنه شاب متحول." وبعضهم يراها شاباً وسيماً ومجتهداً في عمله لا أكثر. كانت تنجز عملها وتذهب للمنزل التي انتقلت إليه هي وصديقتها التي ساعدتها على الهرب وحصلت لها على بطاقة شخصية مزورة. لم تغير اسمها لأن اسم نور يمكن أن يكون اسم شاب أو بنت، فأكتفت بتغيير الجنس واسم الأب والعائلة فقط. نعود لمشهدنا مرة أخرى. يأتي أحد العمال ليرحب بساهر قائلاً:

باشمهندس ساهر ذات نفسه هنا، نورت الصعيد كله ياباشا. ساهر وهو يلقي نظرة على العمال: معقولة لحد دلوقتي لسه مخلصتوش الدور الرابع؟ يأتي المهندس أحمد المشرف على العمل من خلفه ويضع يده على كتفه ويقول: يابني بالراحة علينا شوية، إحنا مش لسه مستلمين الشغل قريب. ساهر أدار ظهره له وابتسم قائلاً: أنت عارفني مبحبش الدلع. أحمد يجلس على الكرسي ويقول بضحك: نجلدلك العمال يعني؟ ساهر جلس أيضاً وخلع نظارته قائلاً:

مبقولش كده، بس شد عليهم شوية. البرج ده لازم يتسلم في أقرب وقت. أنا اديت معاد بكده، وأنت عارف نظام شركتنا إيه. أحمد بضحك: عارف، أكيد. أهم حاجة المهنية والإتقان والسرعة. يقطع حديثهم صوت شجار يأتي من الأسفل. نور بغضب: هو فاكر نفسه مين علشان يكسر لي الموتوسيكل بالشكل ده؟ أحد العمال الكبار في السن: يابني بطل دوشة بقى، قلت لك ساهر بيه مش هتعرف تاخد معاه حق ولا باطل. روح واسكت. نور بعصبية:

يعني إيه مش هعرف آخد معاه حق ولا باطل؟ بقولك أنا كده هخسر وظيفتي. على الأقل يديني تعويض أصلح الموتوسيكل بيه. ينظر ساهر من أعلى على نور وهي تتشاجر مع العمال قائلاً: مين الشاب ده؟ أحمد وهو يفتح علب الطعام الخاص به: ده شاب شغال في مطعم بنطلب أوردر الأكل، وهو المسؤول عن توصيله كل يوم. ساهر وهو ينظر على نور بتتمعن: واضح إنه ما يعرفش مين ساهر عزت المنشاوي. أحمد: يابني بطل عجرفة على خلق الله بقى. ساهر بعصبية:

يعني أنت شايف دي عجرفة؟ وهو مش غلطان؟ أمال اللافتة اللي مكتوب عليها ممنوع الركنة هنا دي بتعمل إيه؟ أحمد: أنا مقلتش هو مش غلطان، بس مكنش لازم تخبط له الموتوسيكل يعني. كنت نزلت فهمته. ساهر بعصبية: أنت عارف إن أهم حاجة عندي الالتزام، ومش كل الغلطات بتتغفر. ساهر عزت المنشاوي مهندس في الثلاثين من عمره، صاحب شركة المنشاوي للمقاولات. له مركزه بين أفراد عائلته، يعيش في منزل بمفرده وله أخ واحد يعيش مع والده ووالدته.

تتميز شخصية ساهر بالدقة وإتقان العمل، لا يملك الوقت للمرح ومؤمن بأن العمل يأتي أولاً. لا يرحب بدخول النساء لحياته وجاد جداً في علاقاته. ورغم أنه مهندس معماري، إلا أنه يتقن فن رسم الأشخاص بشدة ولديه موهبة تستحق الثناء في الرسم. نعود لقصتنا مرة أخرى. في النادي الرياضي، وخصوصاً في صالة الكاراتيه، تتدرب نور مع صديقتها لارا. لارا بتعرق ولهث: إنتي يابنتي، إنتي بتضربي جد ولا إيه؟ نور بعصبية، تقوم بضربها بالبوكس بقوة.

لترفع لارا يدها لتتلقى الضربة ثم تسقط على الأرض. لارا وهي ملقاة على الأرض: لا بقى، دا الموضوع كبير. نور تمددت على الأرض بجانبها وهي تقول: هتطرد من الشغل بسبب واحد حيوان. لارا بصدمة: في حاجة حصلت؟ حد عرف إنك بنت؟ نور أدارت وجهها ونظرت لها قائلة: بذمتك ده شكل بنت؟ دانا من كتر ما بتكلم وبتعامل زي الشباب بقيت حاسة إني فعلاً ولد. لارا رفعت رأسها من على الأرض واقتربت منها بهمس قائلة بخبث: طب بما إنك ولد، ماتجيب بوسة بقى.

نور بعصبية، قامت وجرت بعيد قائلة: قلت لك مبحبش الطريقة دي، بطلي تضايقني. لارا لحقتها وهي تقول بضحك: عايزة بوسة، بقولك. نور ظلت تجري منها ولارا تجري خلفها حتى أمسكت بها وظلت تتغدغها. نور ظلت تضحك بصوت مرتفع. لارا بضحك أيضاً: إيه الواد الطري ده. ثم احتضنتها بحب وهي تداعب شعرها قائلة: إيه اللي مضايق القمر بتاعي بقى؟ خدي بالك أنا مدربة كاراتيه ممتازة، يعني إنتي شاوري بس وأنا هجيب اللي زعلك أمحي لك بيه الأرض.

نور تذكرت موتوسيكل المطعم، فجلست على الأرض بتنهيدة قائلة: واحد حيوان كسر لي الموتوسيكل النهارده وأنا بوصل أوردر، ومدير المطعم لو عرف هيطردني. لارا وهي تتطرقع أصابعها بتوعد: قولي لي هو فين بس. نور بإحباط: واحد غني ومغرور صعب الوصول له، بس أنا مش هسيبه بردو إلا لما يدفع لي تعويض. لارا: خلي بالك بس عشان وضعك ميسمحلكيش بأي مشاكل. لنذهب معاً إلى القاهرة.

خصيصاً في فيلا ساهر المنشاوي، التي تصنف من أجمل وأفخم الفلل الموجودة في القاهرة. فقد صممها المهندس ساهر بنفسه لتخرج لنا على هيئة تحفة فنية. يجلس ساهر على الكرسي وأمامه لوحة يقوم برسمها وبجانبه قهوته. يرتدي بنطالاً فقط، أما الجزء العلوي من جسده فهو عارٍ دائماً. "لا يحب لبس الملابس في المنزل." فجأة يدخل عليه الخادم قائلاً: باشمهندس ساهر، عمر بيه بره عايز يقابل حضرتك. ساهر وهو يرسم: خليه يدخل.

يدخل عمر بعد ثواني ويجلس على الأريكة بتنهيدة. ساهر وهو يرسم على اللوحة: التنهيدة دي وراها كتير. عمر بيأس: القضية دي هتجنني. ساهر ترك الرسم والتفت له قائلاً: في جديد ولا إيه؟ عمر أمسك بالقميص الذي بجواره وألقاه في وجهه قائلاً: ألبس قميصك خلينا نتكلم زي الناس. إيه المنظر المقزز ده. ساهر التقط القميص بيده ووضعه جانباً قائلاً: أكتر ضيف رخيم بيجي لي. عمر: يابني أنت بتتباهى بعضلاتك يعني؟ قاعد طول اليوم قلع كده. ساهر:

أنت جاي المسافة دي كلها علشان تقولي ألبس هدومي؟ بقولك إيه، قوم روح. عمر بعصبية أمسك بكوب القهوة الذي على الطاولة ليأخذ رشفة ثم يكح بعدها. ساهر بضحك أعطاه منديل قائلاً: مش أي حد يعرف يشرب قهوتك. عمر وهو يمسح فمه: إنت كلك إنسان غريب. مش محتاج غير بنت واحدة بس في حياتك وهتتظبط. ساهر بغرور: هه، معنديش وقت للعب العيال ده. عمر: وهو الحب لعب عيال؟ وبعدين عايز تفهمني إنك هتعيش حياتك كلها لوحدك؟ لازم هتتجوز ف يوم من الأيام.

ساهر نظر للوحة مرة أخرى وأكمل الرسم: شخص زيي بيفكر في شغله وبس، وأهم حاجة عنده النجاح. مش فاضي للجواز، قلت لك. عمر: بس... قاطعه ساهر قائلاً: مبسش ياحضرة الضابط. وبعدين شكلك نسيت أنت جاي هنا ليه. عمر: بصراحة، أنا مش عارف أنا جاي ليه. ساهر وهو يكمل الرسم: قررت تستسلم؟ عمر: مستحيل أستسلم، بس المشكلة إني شاكك إن البنت ماتت بعد هروبها. ملهاش أثر في أي مكان، يعني هتكون شبح. ساهر:

أنا لو منك مش هركز على البنت، أنا هركز على أقرب صديقة أو صديق ليها. عمر: حتى أقرب صديقة ليها اختفت فجأة. ساهر: آه، دي بقى اللي لو لقيتها هتلاقي المتهمة. عمر بتنهيدة: أنا حاسس إن عمري هيضيع على القضية دي. النقيب عمر سليم المنصوري هو شاب وسيم وطويل القامة في الثلاثين من عمره، صديق مقرب من ساهر من أيام الدراسة.

وهو المسؤول عن ملف قضية نور، يسعى جاهداً ليجدها حتى يقدمها للعدالة ويتم تنفيذ حكم الإعدام عليها ويغلق ملف القضية ويرتاح.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...