في غرفة سمية يقف سليم بجوار فراشها وهي ممددة وغائبة عن الوعي من أثر المخدر. يبكي في صمت حذر، وعبراته كالشلال على وجنتيه. ثم يقترب أكثر ليجلس بجوارها ويحتضن كف يدها المغروز بها المحاليل. ليمسح دموعه ويبدأ في الحديث إليها.
سليم: سامحيني يا سمية. سامحيني يا قلبي. أنا مش عارف إزاي عملت اللي عملته. بس صدقيني كنت غبي. ما كنتش فاهم. ولا كنت أعرف. ورحمة أمي ما كنت أعرف يا سمية. أنا عارف إنه مش عذر. وعارف إن أنا بالذات كان لازم أصدقك وأتكلم معاكي. بس العنجهية خدتني وعمتني. أنا معترف إني كنت غبي وأعمى. ما بصتش في عيونك. أنا متأكد إن لو كنت بصيت في عينيكي ما كانش ده كله حصل. سامحيني يا حتة من قلبي. أنا… أنا هستناكي يا سمسمتي. هستناكي في بيتنا يا سمية. رغم إني مش عارف إن كنت هقدر أدخله من غيرك ولا لأ. بس هحاول عشان خاطرك انتي بس. ارجعي لنا بسرعة يا سمية. أنا مش هستحمل بعدك وأنتي كده. أنا مش قوي زي ما أنتي فاكرة.
ينكب على رأسها ويدها يمطرهم بالقبلات ويغرقهم بدموعه. ثم ينتبه بأحدهم وقد فتح باب الغرفة ليلتفت ليجده يحيى. يحيى بجفاء: كفاية كده. ليومئ سليم برأسه ثم يتجه للخارج، ولكنه يتوقف أمام يحيى ويحاول الحديث معه. ولكنه يجد مراد يقوم بجذبه من يديه للخارج وهو يقول له: مش دلوقتي يا سليم. امشي انت دلوقتي وسيب كل شيء بأوانه. ليومئ برأسه وينصرف إلى الخارج. ثم ينظر يحيى إلى مراد متسائلاً: هي قدامها قد إيه على ما تفوق؟
مراد: مش قبل ٦ ساعات. يحيى: كويس. أنا هفضل معاها لحد قبل ما تفوق وبعدين همشي. مراد: وبعدين بقى. روح يا يحيى وشوف وراك إيه واستريح شوية. يحيى بحزم: هفضل معاها لقبل ما تفوق يا مراد. مراد: أمري لله. اتفضل.
ليدلف يحيى للداخل ويغلق الباب ليخرج مخزون حار من نفسه. ثم يذهب إلى فراشها ليستلقي بجانبها وهو يأخذها بين ذراعيه بقوة. وهو يشم رائحة عنقها وشعرها ويقبل عنقها مراراً ومراراً. ثم يرتفع بوجهه ليلتهم ملامحها بعينيه. ثم يميل ليأخذ شفتيها مرة بعد مرة بعد مرات كأنه في الصحراء بلا ماء أو زاد. ثم يعثر على كنزه الغالي متمثلاً في نبع ماء صافي فيظل يرتوي منه ولا يشبع. ولا يدري إلى متى ظل هكذا ليتفاجأ بدقات على الباب وبدخول مراد ينبهه إلى اقتراب استيقاظها. ليعلم أنه ظل على وضعه هذا ما يقرب من أكثر من خمس ساعات متواصلة لم يكل ولم يمل وأيضاً لم يرتوي.
ليتركها مرغماً وهو يدعو الله أن تعود إلى أحضانه سريعاً. ولكن وهي تعي لما يدور حولها من أحداث ومستجدات على حياتهم سوياً. في منزل يحيى يدخل إلى المنزل ليجد فريدة تجلس بصحبة آدم يشاهدون التلفاز. وما إن شعر به آدم حتى ركض مسرعاً إلى أحضانه وهو يردد في سعادة: بابا جه يا تيتا. ليلتقطه يحيى بين أحضانه ويقبله: حبيبي وحشتني. عامل إيه؟ أوعى تكون مزعل تيتا. آدم: أنا ما زعلتهاش. هي اللي زعلتني. يحيى: إزاي بقى هي اللي زعلتك؟
هي فريدة العسل دي بتزعل حد؟ قالها وهو يميل على رأس أمه ويقبلها قائلاً: إزيك يا ماما. فريدة: أهلاً يا حبيبي. حمدلله على السلامة. يحيى: الله يسلمك يا حبيبتي. ماله الأستاذ آدم؟ آدم بامتعاض: تيتا ما رضيتش تخليني أروح مع خالو سليم. ليظهر الغضب على وجه يحيى: هو سليم كان هنا؟ ليشعر آدم بالخوف: آه خالو جه ويعرف مكان ماما وكنت عايزة يوديني عندها بس تيتا ما رضيتش.
لتقول فريدة مسرعة: الموضوع مش كده يا يحيى. آدم مش فاهم. أنا هفهمك بعدين. آدم: أنا عاوز ماما يا بابا. أنا سمعت خالو وهو بيقول إنها تعبانة. أنا عاوز أروح عندها. وقبل أن يصب يحيى غضبه على ما حدث تفاجأ بفريدة وهي تنخرط في البكاء. فريدة: كان مستخبي لنا فين ده كله بس يارب. يارب نجيهم يا رب. يارب دول غلابة مالهمش ذنب في حاجة. ليضمها يحيى إلى صدره: وبعدين يا ماما ده بدل ما انتي اللي تصبريني.
فريدة بدموع: سليم صعب عليا أوي لما جاني النهاردة يا يحيى. حسيت إنه ممكن يعمل حاجة في روحه لو ماسامحناهوش. ليلتفت يحيى إلى آدم الذي يشاهد ما يحدث دون أن يفهم شيئاً فيقول له: بقولك إيه يا آدم. روح يا حبيبي اتفرج على التليفزيون في أوضتك عشان عايز أتكلم مع تيتا ومش عايز دوشة. وكأن آدم قد فهم تحذير والده له لينظر إليه في امتعاض ولكنه في النهاية اضطر أن ينفذ الأمر.
ليلتفت يحيى إلى أمه غاضباً: قلتي لي بقى إن سليم صعبان عليكي؟ فريدة بلجلجة: أصلك ما شفتوش وهو مموت روحه من العياط وبيبوس في إيدي ورجلي عشان أسامحه. يحيى وهو يحاول كبت غضبه: آه. يقوم لما يعيط له ساعة ولا اتنين يقوم يمسح كل اللي عمله. نقوم ننسى كل اللي حصل. يا عيني أصل سليم عيط. لا إزاي! لازم طبعاً نسامحه ونمسح كل اللي حصل منه بإستيكة. طب واللي حصل لأخته بسببه؟ إيه؟ بالساهل كده يتنسي؟ وأنا؟ أنا؟
عادي كده إني أسامحه بالسهولة دي؟ فريدة بألم: يا ابني أنا ما قلتش كده. أنا بس مش عايزك تنسى. ده سليم. أخوك وابنك قبل ما يبقى ابن خالك. يحيى غاضباً: ماهو عشان المفروض إنه أخويا وابني وجعه أكبر وجرحه مليان صديد وغرغرينا. عشان أخويا وابني زي ما بتقولي كان المفروض هو اللي يلم الجرح ما يحطش عليه تراب وشطة لحد ما الجرح يقيح وما بقاش عايز يلم.
فريدة وهي تربت على كتفه: لما ولادنا بيغلطوا بنعاقبهم بس ما بنحكمش عليهم بالنفي من حياتنا يا يحيى. وطول عمرك كنت بتتعامل مع سليم على إنه ابنك. ده انت اللي مربيه هو وسمية على إيديك رغم إن فرق السن بينكم مش أكتر من ٧ سنين. كنت دايماً بتحاميله وتغطي عليه لما يغلط عشان يونس ما يعاقبوش. يحيى بسخرية: واديني أخدت جزائي.
فريدة: مش هقول لك غير إن سمية عمرها ما هترجع وانت وسليم بعاد عن بعض. رغم الشرخ اللي حصل بينكم يا يحيى. عشان سمية تقدر ترجع لنا. بكفاية توهة بقى يا ابني أنا تعبت. نفسي نرجع نتلم من تاني زي زمان. يونس وسلمى راحوا بصحيح. بس إحنا لسه فاضلين أهو. يحيى: حاضر يا أمي. ربنا يقدم اللي فيه الخير. فريدة: أنا قلت له يسيبك يوم ولا اتنين ويتكلم معاك. ليومئ يحيى برأسه: حاضر يا أمي. حاضر.
وما هي إلا ثواني ليستمعوا إلى دقات على باب المنزل ليتجه يحيى ليفتح الباب ليتفاجئ بسليم شعث الشعر والملابس وبعينين حمراء كالدماء. وما إن رأى يحيى حتى ارتمى بأحضانة وهو يبكي بانهيار مردداً: ما عرفتش يا يحيى. ما عرفتش أقعد في البيت من غيركم. ما قدرتش. بيني وبينكم كام سلمة بس حاسس إني هموت من غيركم. سامحني بقى. أرجوك. وحياة سمية تسامحني.
كل هذا ويحيى يقف ثابتاً في مكانه بدون أن يصدر عنه أي رد فعل. وعندما انتهى سليم من حديثه إذ بيحيى يرفع ذراعيه ليظن سليم أنه يعطيه الإشارة بالدخول إلى أحضانه. ولكنه يتفاجئ بيحيى يكيل له الضربات حتى وقع على الأرض وهو مدرج في دمائه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!