في اليوم التالي، يقف يحيى أمام أبواب الصيدلية المغلقة، حتى جاءت سيارة سمية لتهبط منها زينب سريعًا. زينب: حقك علينا يابني، نسينا خالص موضوع المفاتيح امبارح. يحيى وهو يتناول المفاتيح من يديها: ولا يهمك يادادة، أنا لسه واصل. ثم وهو ينظر لسمية التي قامت بفتح الباب وخرجت من السيارة وهي تحاول الوصول إليهم من خلال سماعهم لتحديد اتجاهها بتركيز شديد. ليعود بنظره لزينب التي تفهم مقصده على التو.
زينب: أنا هفتح أنا، وأنت بقى يابني معلش هتعبك معايا، هات الشنط من شنطة العربية فيها الأكل، أحسن أنا حاسة إني مش قد كده النهاردة. وهات سمية في إيدك.
لتقف سمية فجأة في مكانها وهي تتجه برأسها للاتجاه الذي كانت تقف فيه زينب، وهي ترسم علامة البلاهة على وجهها، مما جعل يحيى يكتم صوت ضحكة بداخله، ولكنه يسرع لتنفيذ ما قالت عليه زينب، وأخرج الحقائب بيد، ومد يده الأخرى لسمية التي تحاول بغضب أن تسبقه إلى الداخل، ولكنها تفاجأت به يشبك أصابع كفه بأصابعها، يحذرها من السقوط الأكيد والذي أحست به بالفعل لولا تنبيه يحيى لها، لكان حدث مالا يحمد عقباه.
والذي جعلها تناست احتضان أصابعهم معًا حتى أجلسها على مقعدها خلف مكتبها. يحيى: صباح الخير، الناس بتقول صباح الخير على فكرة. لترفع سمية رأسها إليه وهي تتجه إليه بعينيها لتقول بتلعثم: صباح الخير، أنا آسفة، تعبتك معايا. يحيى بمرح: ياستي ولا تعبتيني ولا حاجة، كل الحكاية إني بحب أعمل بلقمتي. سمية: أفندم! مش فاهمة. يحيى: دادة قالت لي امبارح إنكم هتفطروني وتغدوني، وأنا لا مؤاخذة مابحبش أكل سفلقة، بحب آكل بعرق جبيني.
لتزوي سمية ما بين حاجبيها وهي تحاول إخفاء ابتسامة تريد أن تطفو على صفحة وجهها. زينب: طب اعمل حسابك بقى يابني إنك هتعرق بالقوي النهاردة. يحيى ضاحكًا: والله ده على حسب النوعية يادادة، حاكم في أصناف مابحبش أعرق لها من الأساس. زينب: لا من الناحية اتطمن، هتعرق وانت مبسوط. يحيى: طب إيه؟ مافيش تصبيرة كده حتى ولو تشجيع. زينب: الغداء شاورمة سوري…. ها…. إيه رأيك.
يحيى: رأيي في إيه، ده أنا هحميكم بعرقي النهاردة، بس فطريني الأول أنا نازل على لحم بطني وعاوز أشرب شاي عشان أعرف أعرق. زينب: حاضر يابني من عينيا. كانت سمية تتابع حوارهم وهي تتجه بعينيها إلى أصواتهم دون أن تشترك معهم في الحديث، ولا تدري أن يحيى مثبت عينيه على قهوة عينيها اللتين اشتاق إليهما ولا يحيد عنها. وبعد الطعام والشاى. يحيى: ها يا سمية. سمية: ها إيه. يحيى: عاوزاني أبتدي من فين؟ سمية: تقصد إيه؟
حضرتك تقصد إن أنا اللي هقول لك. يحيى: آه طبعًا، وبعدين أنتِ عارفة كل ميللي هنا فين ومحطوط فيه إيه، قولى لي بتفكري في إيه وإزاي، وأنا معاكِ نتناقش ونقتنع وننفذ. سمية: أيوه، بس حضرتك عارف إني… يحيى ببعض الحزم: سمية، لازم تفهمي وتقتنعي إنك أكتر واحدة هنا عندها خبرة وفاهمة الدنيا فيها إيه، ولازم نوظف الخبرة دي كويس عشان كلنا نستفيد. سمية ببعض التيه: طب عاوزاني أعمل إيه؟!
يحيى بحنان: عاوزك تقولي لي أبتدي منين، ع الأقل نور لي بصيرتي يا سمية، ساعديني. لتشعر سمية بالاضطراب، فهي تشعر بأن هذا الحوار قد سمعته من قبل، ولكن من أين ومتى؟ يحيى: ها يا سمية، نوريني. سمية بعد فترة من الصمت وهي تشير بيديها على اتجاه
ركن من أركان الصيدلية: إحنا ممكن نبتدي من هنا، من قسم العناية الشخصية، العبوات دي بتبقى واخدة حيز وصلاحيتها قليلة، فممكن تراجعوا على تواريخ الصلاحية ونعدم اللي صلاحيته انتهت أو على وشك، وكمان أدوية الثلاجة لازم كلها تتعدم، إحنا مانعرفش الكهرباء فصلت كام مرة، يعني ممكن تبقى كلها باظت، وبعد كده….
واستمرت سمية تحكي ما يجول بخاطرها، ويحيى يدون كل ما تقوله وهو يرسم على شفتيه ابتسامة مليئة بالسعادة والحنان والأمل حتى انتهت من الحديث. يحيى: تمام يا بوص، الموضوع كده إن شاء الله هياخد في حدود خمس أيام إن شاء الله وكله يبقى تمام، أنا إن شاء الله هشتغل على قد ما أقدر، ومن بكرة إن شاء الله في دكتور صديقي فاضي اليومين دول هطلب منه ييجي يساعدني عشان نختصر الوقت، إيه رأيك؟
سمية: الإدارة مسئوليتك يادكتور، يعني اللي تشوفه في المصلحة اعمله على طول. يحيى: إحنا شركا يا سمية وأي حاجة تتعمل لازم تبقى بموافقتنا إحنا الاتنين. سمية: تمام. لينقضي اليوم بإجهاد شديد على الجميع، يقوم يحيى بغلق أبواب الصيدلية ويعرض عليهم أن يقوم هو بإيصالهم لمنزلهم بسيارته بدلًا من قيادة زينب ليلاً. زينب: ياريت يابني، ده أنا مش شايفة قدامي، وحاسة إني هنام وأنا سايقة.
سمية وهي تشعر بالإحراج: خلاص يادادة، سيبى العربية هنا وناخد تاكسي، الدكتور كمان تعب بزيادة النهاردة، بلاش نتقل عليه. يحيى: على فكرة أنا لو تعبان أو مش قادر ماكنتش عرضت عليكم من الأول، يالا بينا. ينهي حديثه بأن مد كف يده ليعانق أصابعها كالصباح، ولكنها جذبت يدها بسرعة من بين يده وهي تنادي على زينب، والتي بدورها كانت تلعب دورها بغاية المهارة. زينب: معلش يابني ركب أنت سمية وافتح لي شنطة العربية لما أشيل فيها الحاجات دي.
ليبتسم يحيى وهو يغمز لزينب بعينيه ويمد يده مرة أخرى لسمية، التي كادت تبكي مما يحدث لها. وفي الطريق كان يحيى يفتح نافذته قليلًا، حيث إنهم في الشتاء، كان يراقب سمية كلما سنحت له الفرصة، ليجدها فجأة قد أغمضت عينيها وهي تستنشق الهواء بعمق وهي تبتسم، ثم قالت. سمية: الدنيا هتمطر دلوقتي. ليقول يحيى سعيدًا وببعض الاندفاع: إنتي لسه فيكي العادة دي. لتقرن سمية ما بين حاجبيها باندهاش: أفندم.
يحيى ببعض الاضطراب: ها ماتأخديش في بالك، أصل العربية عندي فيها لمبة بتعلق. لتومئ سمية برأسها، لينظر يحيى إلى زينب في المرآة وهو يشير إليها لتساعده في سياق الحديث. وما هي إلا ثوانٍ ليبدأ هطول الأمطار، ليضحك بشدة وهو يقول. يحيى: أهي الدنيا مطرت فعلًا ياستنا الشيخة، إنما عرفتي إزاي؟ سمية: من ريحة الهوا. يحيى: الهوا فعلًا بيبقى له ريحة مميزة بس بعد المطرة مش قبلها.
سمية مبتسمة: وقبلها كمان، الهوا بتبقى ريحته زي ندى الفجرية، بس اللي يحس بيه. زينب: طول عمرك بتعرفي المطرة قبل أوانها إنتي وسليم. ليتجهم وجه سمية ويسارع يحيى بسؤالها. يحيى: مين سليم؟ زينب: أخوها. سمية مندفعة: مات…. أخويا اللي مات. في منزل يحيى. فريدة بذهول: عادي كده! من غير أي رد فعل، ولا حتى اتعصبت.
يحيى: في الأول قالتها وهي مشدودة، بس مجرد ثواني، مش أكتر من ثواني يا ماما ولقيتها رجعت لصومعتها من تاني، بس حسيت إنها بتكرر لي الكلمة لمجرد التأكيد على المعلومة، إنه مات. فريدة: طب وأنت! سكتت على كده! ما حاولت تقول لها أي حاجة؟
يحيى: الحقيقة أنا انصدمت من رد فعلها لأن كنت مجهز نفسي لموجة انهيار أول ما تيجي سيرة سليم زي ما مراد قال لي، حتى كنت مرتب نفسي إني أطلع بيها ع المستشفى، ههههههه قال وأنا اللي كنت قافل اللوك بتاع العربية وخايف لا تعمل أي حركة متهورة. فريدة بامتعاض: أنت بتضحك! أنا ما بقتش فاهماك.
يحيى بغضب مكبوت: عاوزاني أعمل إيه وأنا ما بقتش عارف حاجة، أنا حاسس إني خسرت حياتي كلها، ومش عارف ألوم مين، ألوم روحي ولا ألوم سليم، ليلتفت إلى فريدة مستكملًا حديثه: ولا ألومك يا أمي. فريدة: أنا يا سليم! ليه يابني، أنت لسه بتلومني على جوازك من سلمى؟
ليتنهد سليم في ألم: مش بلومك، لأن بكل بساطة كلنا مشتركين في اللي حصل، الله يرحمك ياسلمى، اللي حصل لها خلاها ضحية وقتها، لكن بعد كده الضحايا كتروا، كتروا أوي، آدم وسمية وأنا، أنا اللي مش عارف أنا بعمل إيه ولا عارف هوصل لحد فين. فريدة وعينيها تتلألأ بالدموع: سامحيني يابني، ما كنتش أقدر أتخلى عن يونس أبدًا بعد اللي حصل، ما أنت عارف لولاه كان ممكن يحصل لي إيه أنا وأنت.
يحيى: عارف ياماما، عارف، وصدقيني…. لو الزمن رجع بينا من تاني ما كنتش هتردد ثانية واحدة إني أكرر اللي عملته من تاني. فريدة: طب وسمية…. ما قالتش حاجة تاني بعد ما قالت إن سليم مات؟ يحيى: هحكيلك. فلاش باك. سمية: مات، أخويا مات. يحيى مذهولًا وهو يحاول السيطرة على انفعالاته: هو انتي كان عندك أخوات غير سلمى. سمية بهدوء شديد: كان أخ واحد ومات. يحيى: أضايقك لو سألتك مات إزاي. سمية: في الحادثة…. ماتوا كلهم في الحادثة.
يحيى وهو ينظر إلى زينب بذهول ليجدها تبكي في صمت ليعود بعينيه مرة أخرى لسمية قائلًا: أنا كنت فاكر إن سلمى و خا…. ووالدك بس اللي راحوا ف الحادثة. سمية: الحادثة خدتهم كلهم، راحوا كلهم. باك. فريدة: طب أنت حكيت لمراد ع كل ده. يحيى: أيوه، واتفاجئت إنه عارف، بس قال لي إنه كان متوقع إنها مع الوقت هتحاول تتأقلم مع الموضوع غير كده. فريدة: طب وناويين ع إيه بكرة؟
يحيى: زي ما إحنا، بس مراد هيجي لنا معاه عند الصيدلية، وهيفضل في العربية تحسبًا لأي رد فعل عنيف أو غير متوقع وأنا هعدي عليهم الصبح آخدهم معايا، بحجة إن العربية بتاعتهم سيبناها عند الصيدلية طبعًا. فريدة: ربنا يستر يابني ويعديها على خير يارب. يحيى: يارب ياماما.. دعواتك. في صبيحة اليوم التالي، وبعد وصولهم إلى الصيدلية وتناولهم للافطار والشاى، وأثناء مراجعة يحيى لبعض الأدوية إذا بهاتف يحيى يصله اتصال. يحيى بفتور
وهو يركز نظره على سمية: السلام عليكم…. إحنا موجودين من بدري…. تمام…. في انتظارك. زميلي اللي قلت لك عليه قدامه دقايق وهيبقى هنا يا سمية. سمية بدون اهتمام: تمام.
ليترك يحيى وزينب ما بيديهم يتبادلون النظرات في خوف واضطراب، ليدلف بعد دقائق قليلة شاب لو أطلق لشعره العنان لأصبح نسخة أخرى من سمية مع بعض الخشونة الذكوية في الملامح، يتقدم في هدوء مضطرب ووجل وهو يحاول ألا تلتقي عيناه بعيني يحيى حتى يقف أمام مكتب سمية وهو يكاد يلتهمها بعينيه شوقًا وحزنًا يفيض بالوجع، ليلقي السلام ببحة ذكورية محببة: صباح الخير، أرجو إني ما أكونش خليتكم تنتظروني كتير.
لتنتفض سمية من مجلسها ويبدأ جسدها في الانتفاض وهي تنادي زينب. زينب: أنا جنبك يابنتي ما بعدتش. سمية: ااا أنا اا أنا تعبانة وعاوزة أروح. يحيى: مالك يا سمية! مانتي كنتي كويسة. سمية: عاوزة أمشي…. عاوزة أروح…. تع تع تعبانة. يحيى: سلامتك يا سمية، أنتِ متضايقة من حاجة، حصل حاجة ضايقتك. لتضع سمية كفوفها على أذنيها وهي تصرخ: لأ. لأ. لأ.. لتبدأ في الدوران حول نفسها بعدم اتزان لتقع فجأة على الأرض غائبة عن الوعي
بعد أن صرخت بأعلى صوتها: سليم ماااات. في إحدى المصحات النفسية الخاصة، أمام أحد الأبواب يقف يحيى وزينب في حالة من الحزن والقلق، وفي الجهة الأخرى يجلس سليم على الأرض مستندًا بظهره للحائط وهو يدفن وجهه بين قدميه، ليقف فجأة أمام يحيى عندما استمعوا لصوت سمية صارخة باسم سليم، ثم عاد الهدوء مرة أخرى. وبعد بعض الوقت، يفتح الباب شاب وسيم من عمر يحيى يرتدي زي الأطباء، ليهرعوا إليه متسائلين.
يحيى: طمني يامراد سمية حالتها إيه دلوقتي. مراد: مش عاوزكم تقلقوا، إحنا كنا متوقعين ده وعاوزينه عشان نقدر نخرجها من اللي هي فيه. يحيى: طب أنت شايف إن انهيارها ده طبيعي إنه يبقى بالشكل ده. مراد: يايحيى، سمية كانت معيشة نفسها في كذبة كبيرة، كابوس مسيطر على عقلها الباطن، وإحنا دلوقتي دورنا إننا نحارب ده ونفوقها عشان ترجع من تاني لحياتها. يحيى بأسى: هتتعب يامراد.
مراد: أحيانًا الوجع بيبقى أساس الشفا، أنا بس عاوزكم تصبروا عليها ومعاها، ليتوجه بحديثه إلى سليم: وأنت بالذات دورك هيبقى كبير، لو قدرت عليه، سميه هترجع بأسرع مما يكون. سليم بتمني: عاوز أشوفها يامراد، ارجوك. لينظر مراد إلى يحيى الذي يبدو على وجهه الغضب. ليوجه سليم أمنيته إلى يحيى: ارجوك يايحيى، اسمح لي أشوفها، أنا خلاص عرفت واتأكدت إن ماحدش بيحبها زيك، بس دي توأمى يايحيى، ارجوك.
يحيى مندفعًا: وأنت ما كنتش تعرف إنها توأمك غير النهاردة، أقسم إن لولا مراد قال إن وجودك ضروري لعلاجها ما كنت سمحت لك إنك تشوفها طول مانا عايش. مراتد: مش وقته الكلام ده يايحيى، إحنا كل اللي يهمنا دلوقتي سمية، وزي ما أنت جوزها هو أخوها. ليتوجه بنظره إلى سليم: أنا ممكن أسمح لك تدخل لها دلوقتي، هي تحت تأثير المخدر، ممكن تدخل لها بس هم عشر دقايق ياسليم مش أكتر لو سمحت.
ليومئ سليم برأسه ويتجه إلى غرفة سمية ليدلف إلى الداخل مغلقًا الباب ورائه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!