بمنتصف الليل، صوت أنين مرتفع علا بالطابق الثاني، كان مرتفعًا لكن بالنسبة لليلة أمس كان هيّنًا عنه. وصل الصوت لنور الدين فنهض عن جلسته ولكنه لم يتوجه لأخيه فورًا، فتلك الأصوات هو معتاد عليها بالفعل. جلس على فراشه واضعًا يده على قلبه الذي يؤلمه على أخيه، يقول بنبرة خافتة: "لو في إيدي أخفف عنك وجعك يا سراج كنت عملت، حتى لو هقدم عمري قربان لدا."
كان يظن أنه سيهدأ بعد قليل، لكن لحظات وصراخ عالٍ كصراخ الأمس عاد يرتفع. انتفض مغادرًا الغرفة بفزع، فتح نور الدين الطابق بطريقة ثم توجه لغرفة أخيه. خلفه ظهرت عمته ومعها نجوان. حاول أن يهدئه لكن دون جدوى، ما زال يصرخ بفزع. قالت نجوان بدموع، وهي ترى حاله سراج: "هو لسه بيحلم بكوابيس؟ أومأت لها نيرمين بالإيجاب، وقد سكنت في عينيها نظرة ألم عليه. نور الدين لعـمته: "عمتي، هاتي مية ساقعة بسرعة." كادت تذهب لتأتي له بما طلب،
فقالت نجوان معترضة: "حرام عليك، أنت عايز تدلق عليه مية ساقعة في التلج ده! دا كدا يموت فيها." تجاهلها وهو يشير لعمته بأن تفعل ما يقول، وبالفعل غادرت عمته. فصاحت بضيق: "نور، أنا بكلمك." صاح عليها وهو يرى تشنج جسد أخيه بين يديه: "متدخليش، سامعة؟ متدخليش في أي حاجة تخص سراج." أدمعت عيناها وهي ترى صياحه عليها، سارعت بالمغادرة من الغرفة وهي تكتم شهقاتها بيدها. لم يهتم هو لها، فاهتمامه الأعظم الآن هو حالة شقيقه.
نظر له فوجد جسده سكن فجأة وعاد يغفو في فراشه هنا. راقبه بذهول فوجده يهمس بشيء، اقترب من فمه بأذنه فوجده يهمهم بنوم: "انتي جميلة أوي." "المية يا حبيبي." ابتعد عن أخيه على صوت عمته، أخذ الماء ووضعه على الطاولة و: "خلاص يا عمتي، هو هدي." نطقت بذهول وهي ترى سراج بالفعل نائمًا بعمق على فراشه: "هدي فجأة كدا لروحه؟! أومأ بنعم وهو يغادرها، عقله كان منشغلاً بأشياء عدة، كلها تدور حول نفس الشيء.
من تلك الجميلة التي يقصدها أخيه بحديثه؟! *** بوقت العصرية تحب أن تجلس نجوان في شرفتها تراقب السماء دون حديث، كانت تفعل ذلك بدبي عندما كانت جالسة مع والدها، وكذلك ها هي تفعل هذا هنا. حسنًا، هناك كانت تراقبها ببسمة وشغف، لكنها الآن لا تملك لا البسمة ولا حتى الشغف. منذ الأمس والنوم جفاها بعدما صاح فيها نور الدين هكذا بقوة، تسمع عن غضبه لكن أول مرة تراه هكذا. يبدو أن حبه لأخيه سيجعله فيما بعد يفقد التحكم في ذاته وأعصابه.
سمعت طرقات على باب غرفتها، ثم دخول أحدهم. من رائحة العطر القوية علمت أن الداخل هو نور الدين، اقترب منها حتى وصل لشرفة غرفتها، وقف خلف مقعدها تمامًا ثم خرج صوته محرجا: "نجوان." لم ترد، فأكمل باعتذار: "أنا آسف إني اتعصبت عليكي، بس ارجوكي اتفهمي حالتي، أنا لما بشوف سراج كدا مببقاش واعي لأي حاجة غير ليه، وأهم حاجة بتبقى بالنسبالي إني أهديه." لفتت بنظرها نحوه، رمقته بنظرات معاتبة ولم تتحدث. تنهد هو مكملاً:
"متزعليش مني ارجوكي." كانت تريد أن تغضب أكثر من هذا، لكن مظهره هكذا أمامها رق له قلبها فتبسمت ملامحها وهي تجيبه: "لأ، أنا مش زعلانة." نور الدين بنظرات فاحصة: "متأكدة؟ "آه والله مش زعلانة." وأكملت بهمس لم يصل له: "أنا مقدرش أزعل منك أصلًا." بينما قال هو، بعدما استعد ليغادر: "طيب يلا عشان نتغدا، انتي مفطرتيش كويس، أنا شوفتك الصبح."
أومأت بنعم وهي تنهض عن مقعدها، ثم سارت خلفه بخطواتها الحماسية. كانت بحال في الصباح والآن هي بحال آخر. كلمة منه، همسة منه، أي شيء منه. قد يجعلها تسعد لنهاية حياتها. نظر سراج لهما وهما يهبطان درجات السلم بغيظ، صائحًا: "ساعة عشان تيجوا، الواحد مستنيكم بقاله كتير ومش راضي ياكل من غيركم." تطلعت له نيرمين بذهول، فهي حضرته وهو يتناول بشراهة منذ قليل، غمز لها بالخفاء بأن تسكت. ضحكت بكتوم عليه، بالفعل كذلك، صمتت ولم تتحدث.
جلس نور الدين على المقعد الرئيسي لطاولة الطعام، وعلى يمينه كانت تجلس عمته، بجوارها جلست نجوان، وعلى يساره جلس سراج. سراج يلوك قطعة من الطعام بفمه: "العربية الجديدة دي فظيعة يا نور، بركبها بقالي شهور ودلوقتي محصلهاش أي حاجة ودي غريبة عليا." ابتسم أخيه وهو يرى سعادته، فأكمل سراج وملامحه تنغص بضيق: "القديمة دي الله ياخدها... كانت ممرراني ومورياني الويل." وعلى سيرة السيارة القديمة تبدلت ملامح وجه نور الدين ونيرمين.
لم يلاحظ سراج ذلك لأنه كان منشغلاً بتناول الطعام. لكن نجوان، لاحظت ملامحهم جيدًا، فنظرت لهم بعدم فهم وهي تتساءل بداخلها: "لما سيرة السيارة القديمة عكرت مزاجهم هكذا؟! *** وقفت أمام جهاز الغاز الخاص بطهي الطعام، تقوم بعمل فنجانين من القهوة لها ولصديقتها، التي جلست على مقعد يوجد بالمطبخ وسندت يدها على الطاولة، تهتف بإرهاق: "لولا إني عارفة حاجتك للهدوم الجديدة دي مكنتش جيت ليكي والله."
سكبت الفتاة القهوة بالفنجانين وتقدمت نحو صديقتها وهي تمسك بهما. وضعت أمامها فنجانًا من القهوة وهي أمسكت بآخر، قالت ببسمة وهي تراقب ملامح صديقتها المتعبة: "ملك حبيبة قلبي لازم تستحملي معايا شوية." ملك بضيق وعتاب، وهي تعتدل في جلستها: "أستحمل وأساعدك تعملي حاجة أنا مش راضية عنها يا هانيا؟! هانيا بجمود: "ملك، قولنا إيه، بلاش تفتحي كلام ملهوش فايدة. المهم جبتي الفساتين؟ رمقتها بغيظ ثم سحبت حقيبة من على الأرضية ووضعتها
على الطاولة بعنف و: "أهي فساتين سهرات زي ما طلبتي بكل لوازمهم." تركت فنجان قهوتها وراحت تفتح الحقائب، تنظر لما بداخلها بإعجاب وبسمة رضى. ثم أرسلت لصديقتها قبلة هوائية مغمغمة: "واللي انتي روحي، روحي، روحي." رغم سأم ملك الواضح إلا أنها ابتسمت مجيبة: "انتي كمان روحي وقلبي." تناولت رشفتين سريعتين من القهوة ونهضت من مقعدها تهتف باستعجال: "الحق أمشي بقى عشان ورايا تنضيف وحوار كبير ساعدتك." وقفت تقبلها ثم ودعتها بحب:
"طيب سلام دلوقتي، ابقي أكلمك بعدين." ملك بتحذير: "خلي بالك من نفسك، حاولي متوقعيش نفسك في مشاكل." "حاضر، متقلقيش عليا." *** جلس على مسنده المعتاد بذلك الملهى ومعه لارا، التي حاولت أن تلفت انتباهه لها لكنه بالفعل كان منشغلًا عنها بتفكيره. همست بملل وهي تضع يدها على كتفه: "سراج، أنت سرحان في إيه كدا؟ ظل شاردًا ولم ينتبه لها، كأنها لم تتحدث من الأساس، فقالت بنبرة مرتفعة قليلاً: "سـراج."
رفع بصره لها بعيون زائغة، سرعان ما اتسعت تدريجيًا وهو يرى من خلفها تلك الجميلة تدخل للصالة الليلية، راح ينظر لها من أسفلها لأعلاها. كانت ترتدي فستانًا يعد محتشمًا بالنسبة لملابس جميع من حولها، لونه فيروزي يشبه لون عينيه هو، يصل لنهاية أقدامها، عاري الكتفين، ومنغلقًا عند منطقة الصدر. خصلاتها تركتها مفرودة على طول ظهرها. ابتسم تلقائيًا وهو يراها تدخل وتجلس على إحدى الطاولات القريبة منه. انتبهت لارا لنظراته لتلك
الفتاة فقالت بتساؤل مغتاظ: "أنت تعرف البنت دي؟ تجاهلها وكأنه لم يسمعها وأكمل مراقبته لتلك الجميلة، لحظات والفضول سيطر عليه بطريقة كبيرة، نهض عن مقعده مقرراً التوجه نحوها ليتعرف عليها. وليحدث ما يحدث، فليس هو من يبقى بعيدًا عن أحد نال على إعجابه. اقترب منها بخطواته المغرورة، سحب مقعدًا من طاولتها وجلس عليه. رفعت أبصارها تنظر له باستفهام متهجم. فقال مبتسمًا بعذوبة وهو يمد يده لها: "ســراج عـدنـان."
نظرت ليده طويلًا ولم ترد سلامه، حتى أنه شعر بالحرج وكاد يسحب يده إلا أنها أخيرًا مدت يدها لتسلم عليه، ناطقة ببسمة خفيفة: "هـانيـا فــاروق." ابتسم بإعجاب معلقًا: "اسمك جميل." صمت ثم تابع بغزل: "يليق بجمالك." توردت وجنتاها قليلاً بحمرة الخجل، ارتفعت بتلك اللحظة صوت موسيقى رومانسية، مد يده لها قائلاً بدرامية: "تسمحيلي؟ أومأت بنعم وهي تمنحه يدها، فرقص معها أجمل رقصة قد مرت على حياته.
لا يعلم، لكن تلك الفتاة تجذبه، بها شيء غريب ساحر، يرى فيها الجرأة والبراءة، القوة والخجل، الهدوء والثوران. يرى فيها كل ما تمنى أن يجده في فتاة يومًا ما. حركت يدها على كتفه بهدوء وهي تسند رأسها عليه، كانت تنظر لظهره بنظرات غير مفهومة وقد ارتسمت على شفتيها بسمة منتصرة تفوح منها روائح الخبث. همست بجوار أذنه بعذوبة: "سعيدة بمقابلتك يا سراج." فرد هو بنبرة غبطة: "أنا أسعد يا هانيا."
ارتجفت يدي لارا نتيجة لعصبيتها وهي ترى سراج يتركها ويذهب لغيرها. يبدو أن ما سمعته عنه حقيقيًا، هو لا يترك صيدة جميلة تفوت من بين يديه. لا أحد يستطيع أن يكسر حواجز قلبه، أن يدخل لدواخله، أن يسيطر على عقله، جميعهم بالنسبة له. تسلية لا أكثر. لكن... هل ستكون هانيا كذلك أيضًا؟! أم أنها هي من ستجعله تسلية بيدها تلك المرة؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!