رواية فلتر زائف الجزء السادس والعشرون 26 بقلم نرمين قدري فلتر زائفرواية فلتر زائف الحلقة السادسة والعشرون كانت هي وسام.تقف عند الباب.عيناها لامعتان بالدموع. لكنها ثابتة.تنظر إليه فقط.كأن العالم كله اختفى. لم يعد يرى زينب.ولا ريهام.ولا المكتب. هي. فقط خرج اسمها منه همسًا.وكأنه نفس خرج بعد احتباس طويل. —وسام… خطت خطوة نحوه. ثم أخرى. لم تقل شيئًا. حتى توقفت أمامه. مسافة صغيرة فقط تفصل بينهما.
رفعت يدها ببطء.ولأول مرة منذ وقت طويل… لمست وجهه.تجمد مكانه.حتى أنفاسه اختلت. مررت أصابعها برفق على جانب وجهه. ثم همست بصوت موجوع: —بصلي يا زين. رفع عينيه إليها.وفي اللحظة التي التقت فيها نظراتهما… انهار آخر جدار داخله.رأت كل شيء. الغضب.،الخذلان.،التعب. والوحدة. الفقدان قال بصوت مكسور لم يسمعه أحد منه من قبل: —ليه؟ ارتجفت شفتاها. —ليه إيه؟ ضحك ضحكة قصيرة موجوعة. ثم خرج صوته مخنوقًا: —ليه سيبتيني لوحدي؟
كل كلمة كانت تنزف منه. —ليه شيلتي كل حاجة لوحدك؟ —ليه مقررتيش تثقي فيا؟ —ليه كل مرة كنتِ تتألمي… كنتِ بتبعدي عني بدل ما تجيلي؟ بعادك كانت هيوتني بجد بدأ صوته يعلو رغم اختناقه. —تعرفي أنا كنت بموت إزاي؟ كل يوم. —كل يوم وأنا بسأل نفسي… أنا قصرت في إيه؟ ثم ضرب صدره بقبضته. اقتربت وسام أكثر.حتى صار نفسها يلامس وجهه.
كانت عيناها تبحثان في عينيه… كأنها ما زالت تنتظر. تنتظر أن ترى فيها نفس الرجل الذي أحبته. الرجل الذي كان وطنها… وأمانها. ابتلع زين ألمه بصعوبة. ثم خرج صوته مبحوحًا، أشد ضعفًا من قبل: —إنتِي فاهمة يعني إيه أصحى كل يوم وأدور عليكي وملاقيكيش؟ فاهمة يعني إيه أبقى وسط ألف شخص… وحاسس إني لوحدي؟ —إنتِ مش بس بعدتي يا وسام… ثم ارتجف صوته. —إنتِي خدتي معاكي النسخة الوحيدة مني اللي كانت عارفة تعيش
لولا وجودك ف حياتي كنت هفضل مسخ برصص الحروف جنب بعضها عشان يطلع شكلهم حلو لكن انتي الروح اللي اتخلقت في حروفي و احساس شهقت وسام باختناق. أما هو فأكمل، والدموع تحرق عينيه: —كنتِ الشيء الوحيد الحقيقي في حياتي. الوحيد اللي لما كنت برجع تعبان… كنت بعرف أتنفس معاه. ولما مشيتي… ضغط على صدره وكأنه يحاول إيقاف الألم. —بقيت حاسس إن في حتة مني ماتت. وكل مرة كنت بشوفك بعيدة… كنت بموت تاني. أغمض عينيه لحظة. ثم همس باعتراف موجع:
—ورغم كل ده… كنت عارف إني جرحتك. فتح عينيه عليها. وأكمل —وعارف إنك تستحقي أفضل مني.بس أنا أناني… لأني كل يوم كنت بتمنى ترجعي. حتى لو علشان تكرهيني… بس ترجعي. انهارت دموع وسام أكثر. رفعت كفيها إلى وجهه تحتضنه برقة مرتجفة. ثم همست: —بعدت… لأنّي كنت بموت يا زين. خرج صوتها مهزوزًا لكنه صادق حتى الوجع: —كل مرة كنت بشوفك قريب من واحدة تانية… كنت بحس روحي بتتسحب مني. كأن حد بينتزع قلبي وأنا واقفة. ارتعشت شفتاها.
—كنت بغير عليك بشكل كان بيخوفني. وبوجع بشكل عمري ما عرفته. انكسرت نبرتها. —أنا ما بعدتش علشان بطلت أحبك. أنا بعدت… لأنّي حبيتك أكتر مما أقدر أتحمل. نظرت مباشرة داخل عينيه. —كنت شايفة قربك من غيري… وكنت حاسة إن كل حاجة جميلة جوايا بتموت واحدة واحدة. دموعها انسابت بلا توقف. —ضحكتي. أماني. وحتى نفسي. ثم اقتربت حتى لامست جبينه. —كنت بخاف لو فضلت جنبك بالشكل ده… هفقد نفسي تمامًا. حبست شهقة موجوعة.
—فهربت. مش منك… من الوجع اللي وجودي جنبك كان بيخليني أحسه. ثم همست، بصوت انكسر تمامًا: —لكن الحقيقة؟ عمري ما بعدت عنك بقلبي يا زين. —أنا كنت كل يوم… بموت شوية علشانك كلماتها اخترقت آخر حصن داخله تجمد زين مكانه للحظة، وكلماتها ضربت قلبه بعنف. لكن بدل ما يهدأ… اشتعل ألمه أكثر. نظر إليها بعينين دامعتين، وصوته خرج مرتجفًا: —يعني إنتِ هربتِ…؟ ابتلع غصة مريرة. هربتِ وسِبتيني… علشان خفتي؟
هزت وسام رأسها وهي تبكي. لكنه قاطعها، لأول مرة بنبرة موجوعة تحمل عتابًا مريرًا: —لا يا وسام… اللي كسرني مش خوفك. اقترب خطوة، وعيناه لا تفارقانها. —اللي كسرني إنك قررتي تنسحبي من حياتي… من غير ما تحاربي عشاني. انتي ماتمسكتيش بيا وسبتيني ليها ارتعشت شفتاها. —زين… رفع يده يمنعها من الكلام. —لا… اسمعيني النهارده.ضرب صدره بيده. —إنتِ شفتيني قريب من رنا… وخفتي، صح؟ خفتي ترتبط بيا بجد؟ —خفتي ييجي يوم وتلاقيني بقيت لغيرك؟
انهمرت دموعها أكثر. همست: —أيوة… ضحك ضحكة قصيرة، موجوعة. —وكان الحل عندك إيه؟ تهربي؟ تسيبيني ليها بسهولة؟ اشتدت نبرته، لكن الوجع كان أوضح من الغضب. —للدرجة دي حبك ليا كان عاجز عن القتال؟ للدرجة دي أول ما الخوف لمس قلبك… استسلمتِ؟ شهقت وسام. أما هو فاقترب أكثر، حتى صار بينهما نفس واحد. —إنتِ بتقولي بتحبيني لدرجة الجنون؟ طب ليه مجنونتش عشاني؟ انكسرت ملامحه تمامًا. —ليه ما مسكتيش فيا؟ ليه ما جيتيش
خبطتيني على صدري وقولتي: “إنت بتاعي… ومش هسيبك لحد”؟ خرج صوته مبحوحًا: —كنتِ فاكرة إني محتاج منك انسحاب؟ أنا كنت محتاج حرب… محتاجك تقاتلي عشاني. سقطت دمعة من عينه. —أنا زعلت منك يا وسام… مش لأنك غيرتي. ولا لأنك خفتي. ثم همس بألم هائل: —زعلت لأنك اخترتِ الغياب… بدل ما تختاريني أنا. صمت لحظة، ثم قال الجملة الأقوى: —لو حبك ليا كان جنون… كان المفروض جنونك يخليكِ تتمسكي بيا… مش تسيبيني لواحدة تانية حتى قبل ما أخسرك فعلًا.
قالت وسام وقد تعالت صوت شهقتها: “عمري ما بعدت عنك بقلبي…” ترددت الجملة في رأسه مرة… ومرتين… ثم ألف مرة. كأن روحه كانت محتاجة تسمعها منذ سنوات. اتسعت عيناه. وانكسرت أنفاسه فجأة. لا… لم يعد قادرًا. سقط آخر قناع. آخر جدار. آخر ذرة صمود. اهتز صدره بقوة. ثم خرج منه صوت موجوع… صوت رجل أنهكه الفقد حتى لم يعد يعرف كيف ينجو: —يا الله… يا وسام… ارتجفت شفتاه. نظر إليها وكأنها معجزته الأخيرة. —كنتِ هنا؟ طول الوقت… كنتِ لسه هنا؟
سال الدمع من عينيه أخيرًا. دون مقاومة. دون خجل. دون كبرياء. ولأول مرة… بكى زين.بكى كما لم يبكِ من قبل. دموع ثقيلة، حارة، خرجت من عمق سنوات كاملة من القهر. ارتفعت يده المرتجفة نحو وجهها. لامس وجنتها كأنه يتأكد أنها حقيقية. ثم بصوت محطم تمامًا: —وحشتيني… وحشتيني بشكل قتلني. اختنق صوته أكثر. و انقبض فكه وهو يحاول الكلام وسط انهياره. —محدش فهمني. محدش شافني. محدش عرف إني كل يوم كنت بلم نفسي بالعافية… علشان ما أنهارش.
شهقة خرجت منه. —كنت محتاجك. محتاجك بشكل مرعب. ثم انكسرت نبرته تمامًا: —كنت عاوز أرمي نفسي في حضنك وأقولك… تعبت. مش قادر. خليكِ. لم تحتمل وسام أكثر.مدت ذراعيها نحوه.وفي اللحظة التالية…انهار داخل حضنها.ليس احتضانًا عابرًا. كان سقوطًا كاملًا. دفن وجهه في عنقها بذراعين أحاطا بها بقوة كأنه يخشى أن تُنتزع منه ثانية. قبض على ظهرها بعنف مشتاق. كأن سنوات البعد كلها تجمعت في تلك اللمسة.
وكان يرتجف.يرتجف فعلًا.شهقاته المكتومة تكسرت على كتفها. —متبعديش… خرجت منه كاستغاثة.،، بالله عليكِ متبعديش تاني. شدها إليه أكثر. أكثر مما ظن أنه قادر. —أنا خسرت نفسي من غيرك كنت ماشي… بس ميت من جوا. دموعه بللت كتفها. —أنا بحبك. قالها أخيرًا.واضحة. عارية. مشتعلة. رفع وجهه إليها ببطء. عيناه حمراوان من البكاء. —بحبك بشكل وجعني. بشكل كسرني. بشكل خلاني أكره الدنيا كلها لما أخدتك مني.
وضع جبينه على جبينها.انفاسهما اختلطت.ثم همس بصوت مرتعش، كأنه يسلمها قلبه كله —ارجعيلي يا وسام… ارجعيلي وأنقذيني مني. لأنّي من غيرك… بضيع. انكسرت نبرة زين بالكامل. —أنا مش قوي زي ما الكل فاكر. أنا كنت بمثل. قدام الشركة. قدام الناس. حتى قدام نفسي. انخفض صوته حتى صار همسًا. —بس من جوايا… كنت بوقع. مدت وسام يدها فورًا. أمسكت قبضته المشدودة بين كفيها.وضغطت عليها بقوة.
كأنها تمنعه من السقوط.ثم اقتربت أكثر.حتى لم يعد بينهما أي مسافة تقريبًا.وقالت بصوت مبلل بالدموع: —اسمعني كويس يا زين. رفع عينيه إليها. فأكملت. —بص في عيني. فعل. ثم قالت ببطء… كل كلمة تصل لقلبه مباشرة. —العيب عمره ما كان فيك. شهق بصمت. —ولا يوم. ولا لحظة. هز رأسه كأنه لا يصدق. لكنها لم تسمح له بالهروب.رفعت يديها وأحاطت وجهه بين كفيها. —إنت سامعني؟ العيب… عمره ما كان فيك. ارتجفت شفتاه.أما وسام فتابعت:
—إنت مش صعب. ومش بارد. ومش مستحيل يتحب. انكسرت ابتسامتها وسط دموعها. —بالعكس… همست: —إنت أخطر راجل ممكن واحدة تحبه. اتسعت عيناه. قالت وهي تبكي وتبتسم معًا: —لأن اللي يحبك بجد… بيضيع فيك. تنفس بصعوبة.شعرت باهتزازه. فأكملت بسرعة…قبل أن ينهار تمامًا.ثم قربت جبينها من جبينه.وهمست: —بس عمري… عمري ما بطلت أحبك أ… انقطع آخر خيط صبر داخله.أغمض عينيه بعنف. ثم فجأة…جذبها إليه.بقوة.دفن وجهه عند عنقها.
وشدد ذراعيه حولها كأنها الشيء الوحيد الذي يبقيه واقفًا.شهقت وسام.ثم لفّت ذراعيها حوله فورًا. تحتويه.تحمله.تسنده.وشعرت…برجفة عنيفة تسري في جسده. همس بصوت محطم عند كتفها: —وحشتيني… أغمضت عينيها بقوة.وانهمرت دموعها.ثم راحت تمرر يدها في شعره بحنان.كأنها تهدئ طفلًا موجوعًا. —أنا هنا.وهفضل هنا ارتجف بين ذراعيها.فأعادت همسها. —أنا هنا يا زين. خلاص. سيب كل حاجة. ثم شدته إليها أكثر. وقالت الكلمة التي أوقفت انهياره أخيرًا:
—مش هسيبك تاني.يا حبيبي مش هسيبك تاني. ما إن خرجت الكلمات من فم وسام… حتى دوّى صوت الباب وهو يُفتح بعنف.ارتطم بالحائط بقوة.انتفض الجميع.وجاء صوت رنا صارخًا… هستيريًا:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!