رواية فلتر زائف الجزء الثلاثين 30 بقلم نرمين قدري فلتر زائفرواية فلتر زائف الحلقة الثلاثين كان هاني قد اختفى من خلف الباب وهو يصرخ، بينما دوّى صوت ضحكاته في الممر. أما داخل المكتب…فعاد الصمت.صمت لم يكن محرجًا هذه المرة…بل كان مليئًا بالسكينة. ظل زين واقفًا مكانه للحظات، ثم التفت ببطء نحو وسام. كانت ما تزال تخفض رأسها من شدة الخجل، وابتسامتها الصغيرة تفضحها. ابتسم لأول مرة…ابتسامة حقيقية.ثم اقترب منها بخطوات بطيئة.همس
بصوت دافئ: –خلاص… مفيش حد هيقاطعنا تاني. رفعت عينيها إليه. وفي اللحظة التي التقت فيها نظراتهما…فتح ذراعيه لها دون أن ينطق بكلمة.لم تتردد.ركضت نحوه كأنها تعود إلى وطنها بعد سنوات من الغربة.وارتمت بين ذراعيه.ضمها زين بقوة…قوة رجل استعاد روحه بعد أن ظن أنها ضاعت إلى الأبد. دفن وجهه بين خصلات شعرها، وأغمض عينيه. واستنشق رائحتها بعمق…كأنه يعوض كل نفس عاشه بعيدًا عنها. أما وسام…
فكانت ذراعاها ملتفتين حول عنقه بقوة.وكأنها تخشى أن يستيقظا من هذا الحلم. مرّت ثوانٍ…لا أحد منهما يريد أن يبتعد.ولا أحد منهما شعر أن هذا الحضن يكفي.شدد زين احتضانه أكثر…حتى همس بصوت مبحوح: –تعرفي… أنا كنت فاكر إن الحضن مجرد حضن.لكن أول ما ضميتك…عرفت إن في حضن بيطمن…وفي حضن بيرجع القلب ينبض من جديد. رفعت رأسها قليلًا.كانت الدموع تلمع في عينيها. ابتسمت وهي تهمس:
+ وأنا أول ما حضنتك…حسيت إن كل التعب اللي عشته…ذاب.كأنه عمر كامل انتهى في ثانية. أغلق زين عينيه مرة أخرى.وأراح جبهته فوق جبهتها. وقال بهدوء: وعد..ولا دمعة هتنزل من عيونك وأنا موجود. ولا خوف هيقرب منك وأنا بتنفس.ولا حد في الدنيا كلها هيقدر يبعدك عني تاني.ارتجفت شفتاها.ثم رفعت يدها ولمست وجهه برفق. وقالت بصوت اختلط بالبكاء والابتسام: وأنا أوعدك…إن عمري ما همشي من غير ما أمسك إيدك. ولو الدنيا كلها وقفت بينا…هنعديها سوا.
ابتسم زين…ثم قبّل جبينها قبلة طويلة. وهمس عند أذنها: من النهارده…إنتِ بيتي…وأماني…وآخر محطة في عمري. أغمضت وسام عينيها، وعادت تستند إلى صدره. وكانت تسمع نبضات قلبه…تلك النبضات التي اشتاقت . لفّ زين ذراعيه حولها مرة أخرى.ولم يعد هناك كلام… فتح الباب مرة أخرى… لكن هذه المرة بعد أن طرق هاني عدة طرقات متتالية.وقال بصوت مرتفع +أهو! خبطت خمس مرات… محدش يقول إني دخلت من غير استئذان!
ضحكت وسام بخجل وابتعدت خطوة عن زين، بينما هز زين رأسه بيأس. –ادخل يا هاني… قبل ما تغيّر رأيك وأرميك بره الشركة. دخل هاني وهو يرفع يديه باستسلام. + والله العظيم أنا بريء… بس الجماعة كلهم واقفين بره، وكل واحد باعتني أشوف الدنيا هديت ولا لسه. وقبل أن يُكمل…اندفعت زينب إلى الداخل. ما إن وقع بصرها على زين حتى ركضت نحوه دون تردد، وألقت نفسها بين ذراعيه تحتضنه بقوة. –الحمد لله… الحمد لله يا زين. الحمد لله انك خلصت
ابتسم زين بحنان، وربت على ظهرها. +اهدي يا زوز… أنا كويس. ابتعدت عنه قليلًا، لكنها أمسكت وجهه بين كفيها. –كنت خايفة عليك… والله كنت حاسة إن الدنيا كلها هتقع فوق دماغك لو كنت كملت مع رنا ابتسم ابتسامة صغيرة. طول ما إنتوا جنبي… عمري ما هقع. مسحت زينب دموعها سريعًا، ثم التفتت إلى وسام، وابتسمت لها بمحبة، قبل أن تضمها هي الأخرى. –حمد لله على رجوعك… بجد كان ناقصنا حاجة .كبيرة في غيابك بادلتها وسام الحضن، وهمست:
+ شكرًا يا زينب. بجد انتي ونعمة الاخت وفي الخلف… كان هاني ينظر إلى المشهد وهو يمسح دمعة وهمية من عينه وقال بسخرية معتاده :. = يا سلام… الجو بقى عائلي أوي.وانا الغرباء الوحيد اللي هنا نظر إليه زين بطرف عينه. ده وقت يخشوا في يا زفت معندكش نظر ما صدقت و ابه التمثيل اللي عمال تعمله ده هز هاني رأسه بسرعة.بتاثر مصتنع ؛ = بس حاسس إني داخل مسلسل تركي. فا قولت اتقمص الدور
في تلك اللحظة قالت ريهام، و هي تعقد ذراعيها و تنظر إلى الجميع. + ها خلصتوا احضان ولا لسة رد هاني فورًا: = لا لسه… فاضل أنا. متحضنتش رمقته بنظرة ساخرة. + إنت آخر واحد في الدنيا حد هيحضنه بإرادته. وضع هاني يده على قلبه متظاهرًا بالصدمة. = يا خسارة… وأنا كنت داخل أحضن زين وأقوله وحشتني. رفع زين حاجبه وقال ببرود: –جرّب. كده ابتلع هاني ريقه. = لا… خلاص، الحب من بعيد أحسن. انفجر الجميع ضاحكين.ولأول مرة منذ سنوات…
امتلأ المكتب بالضحكات بدلًا من الصراخ. نظر زين إلى الوجوه من حوله. إلى أخته… وأصدقائه… وإلى وسام الواقفة بجواره. ثم مد يده بهدوء، وتشابكت أصابعه مع أصابعها. لم يقل شيئًا…لكنها فهمت كل ما يريد قوله.ابتسمت له.فضغط على يدها برفق… مرّت دقائق من الهدوء داخل المكتب… لم يعد أحد يتحدث عن رنا، ولا عن الخيانة، ولا عن الألم. كأن الجميع قرر أن يطوي تلك الصفحة إلى الأبد. نظر زين إلى وسام، ثم أمسك يدها أمام الجميع،
وقال بابتسامة دافئة: ضيعنا من عمرنا كتير بسبب سوء الفهم… وأنا مش مستعد أضيع يوم واحد تاني. ابتسمت وسام بخجل، بينما كانت أنظار الجميع معلقة بهما. اقترب منها أكثر، وقال بصوت يسمعه الجميع: + يا وسام… رفعت عينيها إليه. + تتجوزيني؟ اتسعت عيناها، ولم تستطع أن تمنع دموع الفرح التي امتلأت بها عيناها. ابتسمت وهي تهز رأسها عدة مرات. + أوافق… موافقه يا زين. صفق هاني بحماس وهو يطلق صفيرًا عاليًا.
أخيرًااااا… والله كنت فاكر هتفضلوا خمسين سنه كمان لحد ما تتفقوا! ضحكت زينب وهي تمسح دموعها. أما ريهام فابتسمت في هدوء وهي تنظر إليهما بمحبة. اقترب زين، وألبس وسام خاتمًا بسيطًا كان يحتفظ به داخل درج مكتبه. همس لها: + كنت شاريه من زمان… وكنت مستني اليوم اللي أقدر ألبسهولك. ارتجفت شفتا وسام، ثم احتضنته وسط تصفيق الجميع. خرجوا جميعًا من الشركة، واتجهوا إلى فيلا زين.
ومنذ اللحظة التي علمت فيها والدته بخبر عودة وسام وموافقتهما على الزواج…تحولت الفيلا إلى خلية نحل. كانت تتحرك بين العمال بنفسها، تتابع أدق التفاصيل، والابتسامة لا تفارق وجهها. الورد الأبيض هنا… والإنارة دي تتغير… لا، الفرح ده لازم يبقى أحلى فرح في الدنيا. ضحكت زينب وهي تقول: –يا ماما… اهدي شوية.علشان متتعبيش لسة الشغل كتير ومش يخلص دلوقتي ردت والدته وهي تبتسم بسعادة غامرة: + أهدى إيه؟! أنا مستنية اليوم ده من سنين.
احتضنت وسام بحنان، ثم قبلت جبينها. +من النهارده… إنتِ بنتي قبل ما تكوني مرات ابني. اغرورقت عينا وسام بالدموع، وارتمت في حضنها. وفي الحديقة… كان هاني يساعد العمال في تعليق الزينة.أو هكذا كان يدّعي.أما الحقيقة… فكان يقف منذ خمس دقائق ينظر في اتجاه واحد فقط. نحو ريهام. كانت ترتب باقات الورد مع العاملات، وقد انسدل شعرها على كتفيها وهي تضحك بخفة. رفع هاني السلم وهو يراقبها دون أن ينتبه للطريق. –يا بشمهندس ركز!
صرخ فيه أحد العمال قبل أن يسقط.اعتدل بسرعة وهو يحك مؤخرة رأسه. –مركز… مركز أهو.معلش التفتت ريهام إليه في اللحظة نفسها.التقت عيناهما.ولأول مرة… لم يسخر أحدهما من الآخر.ابتسم هاني ابتسامة صغيرة. أما ريهام…فشعرت بحرارة غريبة تسري في وجهها. خفضت رأسها بسرعة، واحمرّت وجنتاها بخجل واضح. لاحظت زينب ذلك، فابتسمت بخبث، ثم همست لوسام: + شكلي مش هعمل فستان سواريه واحد…واضح إن عندنا فرح تاني في الطريق.
ضحكت وسام وهي تنظر إلى هاني الذي ما زال واقفًا مكانه، لا يعرف هل ينظر إلى الورد…أم إلى ريهام التي سرقت انتباهه دون أن يشعر. أما زين… فكان يقف بجوار وسام، يشبك أصابعه بأصابعها، وينظر إلى الفيلا التي امتلأت بالحياة من جديد. همس لها وهو يبتسم:المرة دي…هنبدأ حكايتنا من الأول.وهتكون النهاية…أجمل بداية.وطبعا اكيد فاكره البداية كانت ازي ابتسمت وسام وهي تتذكر عندما تركت سيارتها في منتصف الطريق أمام سيارته وتعالت اصوت ضحكاتهم
وفي المساء كانت فيلا زين تتلألأ بالأنوار وكأنها قطعة من السماء هبطت إلى الأرض. الموسيقى الهادئة تملأ المكان، والورود البيضاء تزين كل زاوية، بينما كانت ابتسامة والدة زين لا تفارق وجهها وهي تستقبل الضيوف بفخر. وقفت بجوار ابنها، ثم همست وهي تربت على كتفه: النهارده… حققت أكبر أمنية في حياتي. ابتسم زين وقبّل يدها.وقال بحب : + ربنا يخليكي ليا يا أمي. ابتسمت بحنان، ثم نظرت نحو أعلى الدرج. –أظن… عروستنا وصلت.
انطفأت الموسيقى لثوانٍ… واتجهت كل الأنظار إلى السلم. ظهرت وسام. بفستان أبيض ملكي، مرصع بحبات الكريستال التي كانت تلمع مع كل خطوة تخطوها، وانسدل طرحة طويلة خلفها كأنها غيمة من الحرير. لم تكن تضع الكثير من الزينة… لكن ابتسامتها الهادئة، وعيناها اللامعتان بالسعادة، جعلتاها تبدو وكأنها أميرة خرجت من إحدى الحكايات. ساد الصمت… حتى الموسيقى بدت وكأنها توقفت احترامًا لتلك اللحظة. همس والدها بحب وهو يمسك يدها ليسامها لزين:
+سبحان اللي خلق. ماشاء الله يا حببتي زي القمر بجد ماشاء الله أما زين…فنسي أن يتنفس.ظل ينظر إليها دون أن يرمش. ابتلع ريقه بصعوبة، وهمس لنفسه: –معقول… دي هتبقى مراتي؟ وصلت وسام أمامه.ابتسمت بخجل. أما هو… فلم يستطع مقاومة رغبته.رفع يدها ببطء…وطبع قبلة رقيقة فوق أصابعها وسط تصفيق الحاضرين. همس لها: –كنت فاكر الجنة في السماء…طلع ليها نسخة ماشية على الأرض. احمرّ وجه وسام، بينما علت أصوات الضحك والتصفيق. في الجهة الأخرى…
كان هاني يقف وهو يرتدي بدلته، لكنه لم يكن ينظر إلى العروس.كان ينظر إلى ريهام. كانت ترتدي فستانًا بلون النبيذ، بسيطًا وأنيقًا، وقد تركت شعرها منسدلًا على كتفيها. ابتسم دون أن يشعر.ثم تنفس بعمق.وقال لنفسه: –يا رب… استرها. ثم تقدم نحو المنصة.أمسك الميكروفون. مما أثار فضولي الحاضرين قال وهو يبتسم بتوتر: ممكن… دقيقة من وقتكم؟ التفت الجميع إليه. نظر أولًا إلى زين. + هتزعل لو سرقت منك خمس دقايق من الفرح؟ ضحك زين.وقال :
–لو هتبطل مصايب… اتفضل. ضحك الجميع. ثم اتجه هاني مباشرة إلى ريهام.اتسعت عيناها بدهشة. = هاني… إنت بتعمل إيه؟ لكنه لم يجب.بل وقف أمامها… ثم…ركع على ركبة واحدة.خرجت شهقة جماعية بين الحاضرين. أما ريهام…فوضعت يدها على فمها غير مصدقة. أخرج هاني علبة صغيرة من جيبه.فتحها… فظهر خاتم رقيق. رفع رأسه إليها، وقال بصوت هادئ لأول مرة:
–يمكن طول عمرنا بنتخانق…ويمكن ولا مرة عرفت أقولك كلمة عدلة…بس الحقيقة…إن كل يوم كنت بشوفك فيه…كنت بحبك أكتر من اليوم اللي قبله. اغرورقت عينا ريهام بالدموع. أما هو فأكمل بابتسامة صادقة: –قدام الناس كلها…وقدام والدك وولدتك وقدام أمي وأم زين…أنا بطلب إيدك. تكوني شريكت عمري الي جاي تتجوزيني يا ريهام؟ ساد الصمت. ثم انفجرت ريهام بالبكاء.هزت رأسها بسرعة وهي تضحك وسط دموعها. + موافقه يا هاني.
قفز هاني من مكانه بسعادة.لكنه قبل أن يلبسها الخاتم… قال بصوت عالٍ: –استنى! نظر الجميع إليه باستغراب. التفت هاني إلى والد ريهام، ثم أعاد الخاتم إلى العلبة وأخفض رأسه باحترام. وقال بصوت ثابت: –قبل ما ألبسها الخاتم… لازم أستأذن من حضرتك الأول. أنا بطلب إيد بنتك ريهام على سنة الله ورسوله. أوعدك إني أصونها، وأحافظ عليها، وأكون لها سند قبل ما أكون زوج. فهل توافق تشرفني وتديني إيد بنتك؟ ساد الصمت للحظات…
نظر والد ريهام إلى ابنته، فوجدها تبكي من شدة الفرح، ثم نظر إلى هاني، وابتسم ابتسامة واسعة. اقترب منه، وربت على كتفه، وقال: = موافق يا ابني… وأشهد ربنا قبل الناس إنّي مسلّمها لراجل محترم. ثم ضحك وهو ينظر إلى زين وهاني معًا وقال: = بس اسمعوا الكلمتين دول كويس… واعملوا حسابكم أنتم الاتنين… المقصودين بالكلام زين وهاني. أهو بقولكم من دلوقتي علشان نبقى على نور من أولها!
انفجر الجميع في الضحك، بينما تبادل زين وهاني نظرات القلق. أكمل الأب وهو يهز رأسه ضاحكًا: = السَّلَف تلف… والرَّد خسارة… والبضاعة لا تُرد ولا تُستبدل! أنا لما صدقت خلصت من الجنان اللي في البيت، مش هقبل أي مرتجع. تعالت الضحكات أكثر، لكنه أشار بإصبعه نحوهما وأردف بمزاح: = محدش فيكم ييجي بعد الجواز يقول لي: “خد بنتك.” مليش دعوة! من الأول أنتم عارفين إنهم الاتنين مجانين… وداخلين على بينة.
رد زين بسرعة وهو يرفع يديه مستسلمًا: + خلاص يا عمي… وقّعنا من غير ما نقرأ الشروط. وأضاف هاني وهو يضحك: –حتى لو العقد فيه بند “ممنوع الاسترجاع”… إحنا موافقين. ضحك الأب وقال: يبقى على بركة الله… ربنا يسعدكم كلكم، ويجعل بيوتكم مليانة ضحك ومحبة، ويبعد عنكم كل شر. صفق الحاضرون بحرارة، ثم عاد هاني إلى ريهام، وأمسك يدها المرتجفة، وألبسها الخاتم وسط زغاريد السيدات وتصفيق الجميع، بينما احتضن زين هاني وهو يهمس له:
أخيرًا يا صاحبي… بقيت رسمي. قبل أن يتحرك هاني أو يعلو التصفيق من جديد… رفع والد ريهام يده بهدوء وقال: + استنوا… لسه عندي حاجة أهم من كل اللي حصل. ساد الصمت مرة أخرى. اقترب من وسام وريهام، ثم فتح ذراعيه قائلًا: + تعالى… حضن واحد لبناتي. أسرعت الاثنتان إليه، وارتمتا بين ذراعيه، بينما شدهما إلى صدره بقوة، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحهما في قلبه قبل أن يودعهما إلى حياة جديدة.
اغرورقت عيناه بالدموع، لكنه ابتسم حتى لا يكسر فرحتهما.وقال بصوت اختلط فيه الفخر بالحنين: + فاكر أول يوم شيلتكم فيه… كنت خايف عليكم من الهوا. النهارده بسلم كل واحدة فيكم لراجل اختارته بقلبها… وأهو العمر بيجري. مسح دمعة هربت من عينه، ثم أكمل: + اسمعوني يا بناتي… الجواز مش معناه إن كل واحد يكسب التاني… الجواز إنكم تكسبوا بعض. هييجي يوم تختلفوا فيه، ويمكن تزعلوا، ويمكن تعلوا صوتكم… لكن أوعوا تسمحوا لحد يعرف أسرار بيتكم.
نظر إليهما بحزم ممزوج بالحنان. أسرار البيت تفضل جوه البيت… والمشكلة تتحل بينكم وبين أزواجكم. ماينفعش كل خلاف يطلع بره، ولا كل كلمة تتقال وقت الغضب تتسجل في القلوب. ثم ابتسم وهو يربت على رأسيهما. +خلي كل واحدة فيكم ستر لزوجها… وهو يكون ستر ليها. والاحترام… الاحترام يا بناتي، هو اللي بيخلي الحب يعيش مهما عدت السنين.
لم تتمالك الأم نفسها.كانت تبكي منذ بدأ الكلام، فتقدمت وهي تمسح دموعها بطرف حجابها، ثم احتضنت بناتها بقوة، وظلت تقبلهما واحدة تلو الأخرى. وقالت بصوت مرتعش من كثرة البكاء: –ربنا يسعدكم يا نور عيني… ويارب أشوفكم دايمًا فرحانين، وما أشوفش دموعكم إلا من الفرح. ثم ابتعدت قليلًا، ونظرت إلى وسام، وفجأة ضحكت وسط دموعها. وقالت وهي تهز رأسها وتنظر لوسام: وإنتِي يا سو… ضحكت وسام وهي تعرف أن أمها ستفضحها. أشارت
إليها أمها بإصبعها وقالت: + اهدي بقى… وبطلي الجنان اللي إنتِي فيه! كل ما تتخانقي مع جوزك ما تطلعيش فوق الترابيزة وتزعقي… يا بنتي ده راجل بعقله، خليه لأمه بنفس العقل، بلاش تجننيه معاكي! انفجر الجميع في الضحك، حتى زين انحنى من شدة الضحك وهو ينظر إلى وسام. أما وسام فشهقت بخجل وهي تخفي وجهها بيديها. –يا ماما! فضحتيني قدام الناس! ينفع كده ضحكت الأم وقالت: +أفضحك دلوقتي أحسن ما
يكلمني بعد أسبوع يقول لي: “خدي بنتك… طلعت فوق السفرة علشان مختلفين على نوع العشا! تعالت الضحكات والزغاريد من جديد، بينما اقترب زين من حماته وقبّل رأسها باحترام، ثم قال مبتسمًا: –أوعدك يا طنط… لو طلعت فوق الترابيزة، أنا اللي هنزل أنا من عليها الأول وأصالحها. ردت الأم وهي تضحك: –ربنا يعينك يا ابني… شكلك هتحتاج صبر سيدنا أيوب!
فضج المكان بالضحك، لكن وسط كل تلك الضحكات، بقيت الدموع في عيون الأب والأم… دموع فرحة امتزجت بدعوات صادقة أن يحفظ الله ابنتيهما، ويملأ حياتهما سكينةً ومودةً ورحمة. ارتفعت أصوات التصفيق والزغاريد في كل أنحاء الفيلا. اقتربت والدة زين من ريهام، واحتضنتها بحنان. وقالت وهي تبتسم: شكله النهارده مش فرح واحد…واضح إن بيتنا هيعيش فرحتين.ضحك الجميع. أما زين…فالتفت إلى وسام.مد يده إليها.تشابكتأصابعهما. نظر إليها بعشق، ثم همس:
بحبك ابتسمت وسام، واستندت برأسها إلى كتفه. وفي الجهة الأخرى… كان هاني يهمس لريهام ضاحكًا: +هو إحنا هنفضل نتخانق بعد الجواز برضه؟ ابتسمت وهي تنظر إليه بعينين لامعتين. -أكيد…يا روحي مش هيبقي قدامي غيرك بس اوعدك المرة دي… هنتصالح أسرع. ضحك الاثنان، بينما صفق زين لهما قائلًا: +أهو ده الكلام… وفروا علينا جلسات الصلح. تعالت الضحكات مرة أخرى… ضحكات خرجت من قلوبٍ عرفت معنى الحزن، لذلك أصبحت تعرف قيمة الفرح.
اقترب زين من وسام، ثم أسند جبهته إلى جبهتها كما فعل في أول لحظة سامحته فيها، وهمس: +لو رجع بيا الزمن ألف مرة… هختارك كل مرة. ابتسمت، وارتفعت دموعها من جديد، لكنها هذه المرة لم تكن دموع ألم… بل دموع إنسان وجد أخيرًا المكان الذي ينتمي إليه. قالت وهي تبتسم: وأنا لو اتولدت ألف مرة… هدعي ربنا كل مرة إنه يكتبني من نصيبك. احتضنها في صمت… ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات، لأن القلوب كانت تتحدث بدلًا عنها. وفي تلك اللحظة…
انطلقت الألعاب النارية في السماء، فرسمت ألوانًا مضيئة فوق الفيلا، وانعكس بريقها في أعين الجميع. نظر الأطفال إليها بفرحة، وصفق الكبار، بينما علت الزغاريد من جديد. تلك القلوب التي انكسرت يومًا… ثم جبرها الله بطريقة لم يتوقعها أحد.فليس كل تأخير حرمان… وأحيانًا، يؤخر الله اللقاء… ليمنحنا حبًا لا يعرف الفراق. ويغلق بابًا امتلأ بالخذلان… ليفتح بابًا آخر، خلفه سكينة، ورحمة، وعمرٌ كامل من المودة. وفي آخر تلك الليلة…
كانت أربع أيادٍ متشابكة… زين ووسام… وهاني وريهام… وخلفهم أبوان يرفعان أكفهما إلى السماء بالدعاء، وأم تحتضن أبناءها بعينيها قبل ذراعيها، وبيت عاد إليه الدفء بعدما كاد يفقده. وهكذا انتهت الحكاية… لا لأن الحب انتصر فقط…بل لأن الصبر انتصر… والوفاء انتصر… والدعاء انتصر… ولأن الله إذا كتب للقلوب أن تلتقي… فلن تفرقها الدنيا كلها. تمت… لكن بعض النهايات لا تعني الوداع…
بل تعني أن حكايةً جميلة انتهت على الورق…لتبدأ، بإذن الله، في الحياة. حياة عنوانها… حين ينتصر الحب… يخسر القدر كل معاركه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!