-إنتِ اللي لابسه طرحه أوف وايت، هاتي الكارنيه بتاعك وتعالي. نظر يوسف نحوها مجددًا وقال بتأكيد وبنبرة تشوبها الحدة: -إنتي... ما سمعتنيش؟ قومي هاتي الكارنيه وتعالي. استدار يوليهم ظهره وهو يعدل من جهاز اللابتوب، فنهضت فرح بارتباك بعد أن أخرجت كارنيه الجامعة الخاص بها واتجهت نحوه بخوف وقلق. وعند نزولها من المدرج تعرقلت قدمها... افترشت الأرض واصطدم أنفها فتأوهت وهي تعتدل واقفة وخلعت نظارتها لتتأكد من سلامتها...
التفت يوسف لها إثر ضحكات الطلبة بعد صوت ارتطامها بالأرض، فوقفت فرح بشموخ ونظرت خلفها للطلاب تخاطبهم بنبرة حادة: -بتضحكوا على إيه؟ أول مرة تشوفوا حد واقع! حين ارتفعت همهمات الطلاب وضحكاتهم، طرق يوسف على مكتبه بغضب: -بــــس الصـــــوت... بطلـــوا كلام. ثم طالع فرح، متعجبًا: -إنتي رايحه فين!؟ مدت يدها بالبطاقة قائلة: -حضرتك طلبت الكارنيه؟ هز رأسه بالنفي وأشار للبنت التي كانت تجلس خلف فرح، قال:
-لأ أنا قصدي على الأستاذة اللي نايمه هناك دي، مش إنتي! اتفضلي ارجعي مكانك. ابتسمت فرح وسحبت يدها لتواري بطاقتها الجامعية "الكارنيه" خلف ظهرها وأخذت تعود للخلف بظهرها وهي تحمد ربها فلن يعرف باسمها الذي تكرهه والذي يرتسم على وجه البطاقة... كانت تبتسم ببلاهة وهي تعود بظهرها فتعرقلت مرة أخرى وسقطت على ظهرها... فتصاعدت ضحكات الطلبة مجددًا، كبح يوسف ضحكته وهتف قائلًا: -خلي بالك يا فرح... إنتِ ماشيه بظهرك!!
قامت على الفور والتفتت إليه في دهشة وهي تسأل حالها هل قال "فرح" للتو! هل نطق اسمها قبل لحظات؟ فهذا يعني أنه يعرفها! ابتلعت ريقها في اضطراب، وحاوطتها هالة من الحيرة حتى تناست أمر سقوطها.. سألته بملامح مندهشة: -حضرتك قولت إيه؟! -بأقولك خلي بالك... واتفضلي ارجعي مكانك. لم يُعد اسمها مرة أخرى فرجعت مكانها وسألت زميلتها بخفوت: -إنتِ سمعتيه بيقولي خلي بالك يا فرح ولا دي تهيؤات من الوقعة!
رفعت زميلتها كتفها لأعلى ولوت شفتيها لأسفل كناية عن جهلها ثم قالت: -ما أخدتش بالي بس ما أعتقدش.... هو هيعرف اسمك منين أصلًا! -هه، لأ أبدًا ما يعرفش اسمي. انفجرت زميلتها بالضحك وقالت: -بس شكلك كان مسخرة وإنتِ بتقعي. لكزتها فرح بكوعها بنزق، وقاطعهما صوت يوسف قائلًا: -هناخد بريك عشر دقائق ونكمل. ثم خرج من المدرج ليستفسر عن اكتمال أوراق نقله...
جلس هشام "والد فرح" على الأريكة بأريحية بعد أن عاد من عمله "مدير بمدرسة خاصة" نظر لزوجته قائلًا بوجه خالٍ من المشاعر: -أنا استقلت من الشغل. تهلل وجه زوجته كأنها كانت تنتظر هذا الخبر وقالت: -أخيرًا عملتها. أطلق تنهيدة طويلة وقال: -هنرجع البلد وهأفتح مشروع هناك وأكمل حياتي جنب أبويا مش هنفضل عايشين في شقة إيجار طول عمرنا واللي بنكسبه باليمين بنصرفه بالشمال. ربتت زوجته "شهناز" على ظهره قائلة برضا: -عين العقل يا هشام.
-يا رب الأولاد يوافقوا وما يتعبوناش. -ما تقلقش، فرح تتمنى تعيش في البلد ونوح نفسه يفتح مشروعه هناك. تنهد بارتياح ونظر في ساعة يده قائلًا: -حيث كده بقى هأقوم أروح لفرح الكلية وأجهز أوراق النقل وإنتِ ابدئي جهزي نفسك وكلمي نوح عشان بكرة نكون في البلد إن شاء الله. ابتسمت بابتهاج قائلة: -إن شاء الله. صدح هاتف فرح بالرنين برقم والدها فأجابت على الفور قائلة: -حبيبي. ليأتيها صوته قائلًا: -حبيبة بابا...
خلصتِ محاضراتك ولا لسه؟ -لسه باقي لي نص ساعة أو ساعة إلا ربع. -طيب أنا جايلك الجامعة عشان هآخد ورقك من الشؤون وهأنقلك جامعة كفر الشيخ. جحظت عيناها من هول المفاجأة وقالت: -لـــــيـــه؟! -عشان هنرجع البلد وهنقعد هناك على طول. تلعثمت قائلة: -طيب وشغلك يا بابا. رد مطمئنًا: -ما تقلقيش أنا رتبت كل حاجة. قالت بنبرة حزينة: -ماشي يا حبيبي اللي تشوفه.
فلو قال والدها هذا الكلام قبل أسبوعين لرفرفت بجناحيها فرحًا لكن الآن إن تركت الجامعة فلن ترى يوسف مجددًا!! تنهدت بحزن وانتبهت له عند دخوله للمدرج، كانت ملامحها عابسة تنظر إليه بوجه متجهم. كانت تظن أنها المرة الأخيرة التي ستراه بها فأطرقت رأسها بحزن... أكمل يوسف شرح محاضرته وبعد أن انتهى تنحنح وهتف: -وبكده تكون دي آخر محاضرة ليا معاكم وإن شاء الله هتكمل معاكم الكورس الدكتورة سجى. ارتفعت همهمات الطلبة فعقب قائلًا:
-تقدروا تتفضلوا. خرج الطلاب من القاعة، فهتفت زميلتها قائلة: -وااا حسرتاه. وقالت أخرى: -وااا دكتورااه. وواحدة ثالثة: -وااا أسفاه. ضحكت فرح على كلامهن وخرجت من المدرج لتتجه لشؤون الطلبة وتقابل والدها لتنتقل من الجامعة إلى أخرى بمحافظة أخرى وعادات أخرى وقصص أخرى.... وفي البلد كان سليمان يستشيط غضبًا من تصرفات وأفعال ابن أخيه، طلب رقمه وانتظر إجابته، سرعان ما أجاب مرددًا السلام، رد عمه بنبرة حادة:
-عليكم السلام يا يوسف.... إيه اللي أنا سمعته ده؟! -خير يا عمي سمعت إيه؟! رد عمه بنبرة غاضبة: -إنت ناوي تأجر شقة وإنت ليك بيت كامل!! حاول يوسف التبرير قائلًا: -أنا مش حابب أعيش في البلد وهأجر شقة جنب شغلي، ما اعتقدش دي حاجة تزعلك؟! رد عمه بغضب عارم: -عليّ الطلاق بالتلاتة ما يحصل طول ما أنا عايش! زفر يوسف بحنق ونطق بنبرة متعجبة من يمين الطلاق الذي رماه عمه: -مش فاهم حضرتك زعلان ليه!؟ عقب عمه بنفس الغضب:
-إنت عايز الناس تاكل وشي وتقول طفش ابن أخوه من البلد.... طيب أنا كنت موافق الأول عشان كنت في محافظة تانية إنما دلوقتي لا يمكن أوافق! نفخ يوسف بحنق فهو يعرف عمه وطباعه العنيد فمهما جادله لن يتراجع عن كلامه، تنهد بأسى قائلًا: -خلاص يا عمي ما تزعلش، من بكرة هأرجع أقعد في البلد... عاد يوسف لبيته وبعد تناول وجبة العشاء جمع والدته وأخته ليحكي لهما حديث عمه فقالت صفاء "والدته": -يعني هنرجع نعيش في البلد؟! تنهد بأسى:
-للأسف مضطرين نستحمل فترة على ما يُسر تتجوز ونشوف هنعمل إيه. علقت والدته برضا زائف: -عادي يا حبيبي أي مكان مش فارقة. تدخلت يُسر قائلة بازدراء: -يعني هتستحملوا حنان وقرفها! صفاء بتهكم: -وإحنا مالنا بيها إحنا هنقفل علينا بابنا ونعيش في حالنا. نهض يوسف وهو يتنهد وقال: -جهزوا نفسكم عشان هنرجع البلد بكرة عشان هنقل شغلي هناك. سار خطوات تجاه غرفته وعاد مرة أخرى.. كان مرتبكًا، يحك أنفه بتوتر ويمسح على ذقنه بقلق، تردد كثيرًا
قبل أن يلفظ جملته: -أنا عايز أعترف لكم بحاجة. انتبهتا له وحدقتا به والاستفهام يتمشى على ملامحها، فأردف قائلًا باقتضاب: -أنا اتجوزت. ضربت أمه صدرها بصدمة وفغرت أخته فاها قائلين بنفس اللحظة: -اتجوزت!!! جمعت فرح ملابسها وكل مستلزماتها لمغادرة القاهرة وبدء حياة جديدة بالريف حيث كانت تتمنى العيش... لتستمتع بالأيام برفقة عائلتها.
ابتلعت غصة في حلقها حين تذكرت يوسف وأنها لن تراه مجددًا، حملت هاتفها الذي صدح برسالة من زميلتها لتقرأ الرسالة التي محتواها: "بيقولوا دكتور يوسف سافر يحضر الدكتوراه بره وهيرجع كمان خمس سنين" ردت فرح برسالة أخرى: " عرفتِ إزاي؟! كتبت زميلتها: "البنات كلهم بيقولوا كده" أغلقت معها وشعرت بخنقة تقبض على صدرها أخذت نفسًا عميقًا وزفرته بقوة، ثم طلبت رقم "المجهول" لتستمتع قليلًا بإزعاجه وتخرج من تلك الحالة التي انتابتها...
"منك لله يا سليمان" قالتها صفاء بقلة حيلة ثم طالعت يوسف وأردفت بنبرة معاتبة: -وإنت إزاي تعمل كده من غير ما تقولي يا يوسف! -أقولك إيه يا أمي صدقيني ما كانش قدامي أي حل تاني. وضعت يُسر يديها حول خصرها قائلة: -وشكلها إيه البنت دي ومؤهلاتها إيه؟ تلعثم يوسف: -لا أنا ما شفتهاش أصلًا ولا أعرف أي تفاصيل عنها. تعجبت يُسر: -إزاي ما شفتهاش؟! هاتي لي اسمها بالكامل وأنا أجيب لك كل حاجة عنها...
قاطعهم رنين هاتفه؛ فنظر لشاشة الهاتف الذي أضاء باسم "فهيم" مبتسمًا فقد أنقذته من أسئلة أخته ونظرات والدته الحادة ولأول مرة يجيبها وهو راضٍ... نظر لوالدته قائلًا: -معي مكالمة مهمة جدًا بخصوص شغلي. هرول من أمام والدته ودخل غرفته ثم أوصدها من الداخل وأجاب قائلًا: -حيوانة حياتي. ردت فرح بنزق: -أحيانًا تلسعك الحياة على قفاك بشخص يشبه البهائم ليعكر حياتك أكثر ما هي عكرة.
-هو أنا مش فاهم الجملة دي عندك مدح ولا سب بس ما علينا خير عايزه إيه الساعة دي؟ تنهدت قائلة: -كنت مخنوقة قولت أكلمك شوية تفرفشني. أطلق ضحكة كالزفرة وسخر: -أفرفشك... يعني أقوم أرقص لك ولا أعمل إيه؟! -والله لو بتعرف ترقص ارقص لي. طرقت يدها على فخذتها قائلة بتنغص: -بس المشكلة هأشوفك إزاي؟! زم شفتيه بحيرة زائفة: -تصدقي فعلًا مشكلة؟! كتمت فرح ضحكتها وقالت: -طيب عارف يا حيوان.... غضب يوسف: -برضه حيوان!!! يا بنتي ارحميني.
كبحت ضحكتها وتجاهلت كلامه قائلة بجدية زائفة: -عايزة أقولك إن أنا بأعرف أرقص حلو قوي حتى سندس تشهد ياما رقصت لها كنت بأمسك عصابة جدي وأقعد أرقص لها بالساعات. مجرد تخيله لما تقول كان كافيًا لينفجر بالضحك تركته يضحك وأردفت: -مش مصدقني طيب ده سندس ما كانتش بتبطل تشجعني طول ما أنا بأرقص. كبح ضحكته وسألها بابتسامة: -وبتشجعك إزاي؟! كانت بتهز لك ديلها ولا بترقع بالصوت من الهبل اللي بتشوفيه. وضعت يدها على
فمها لتكتم ضحكتها وقالت: -لا ده كانت بترقص معايا وتتنطط كدهون في قلب الزريبة. انفجر يوسف بالضحك حتى أدمعت عيناه وقال من خلف ضحكاته: -وده ما لفتش نظرك إن الجاموسة خافت من الهبل اللي إنتِ بتعمليه! لم تستطع كبح ضحكتها وأغلقت الخط بوجهه لتنفجر ضاحكة، وبعد انتهائها من نوبة الضحك طلبته مجددًا فأجاب مسرعًا لتكمل حديثها بحزن زائف: -أنا عايزة أحكي لك وأشكي لك. وضع قدمًا فوق الأخرى وقال: -احكي واشكي ده أنا معاكِ للصبح. وضعت
فرح يدها على عنقها قائلة: -أنا مخنوقة كدهون وفيه حاجة طابقة على نفسي. سألها بنبرة ساخرة: -مخنوقة من إيه، أوعي يكون سندس حصل لها حاجة؟! طمنيني عليها ولدت ولا لسه؟! ابتسمت قائلة: -ولدت وجابت عجل زي فلجة القمر. -ألف حمد الله على سلامتها. استلقت على سريرها ورفعت قدميها لأعلى على الحائط قائلة: -بس أنا مخنوقة ومضايقة كدهون. سألها يوسف بسخرية: -ليه بس مش اطمنتي على سندس، إيه اللي خانقك؟!
-مش عارفة أنا ممكن أكون مضايقة عشان ما اتعشتش كويس!؟ رد يوسف بسرعة: -طيب قومي اتعشي ولا البرسيم خلص! لم تعقب على جملته وهتفت قائلة: -لا لا لا الظاهر إني مضايقة عشان ما نمتش كويس. -طيب قومي نامي وريحيني. لم تعقب على جملته وقالت: -لا أنا بجد عرفت أنا مخنوقة ليه! وضع يده أسفل ذقنه قائلًا: -طيب مخنوقة ليه؟! تظاهرت بالبكاء: -عشان عمتي خدت مني العروسة وأنا لسه ما كملتش لعب. -فعلًا حاجة تضايق، لازم تعاتبيها.
قالتها بسخرية فردت: -ليه هو أنا اتهبلت أعاتبها على موقف بقاله ١٥ سنة. تجهمت ملامحه ولم يرد عليها فأردفت: -عارف يا حيوان أنا عندي عقدة كبيرة كدا هون في حياتي بسبب الموقف دهوت وحاسة إني محتاجة أتعالج نفسيًا. -فعلًا أنا ملاحظ إنك محتاجة تتعالجي. كبحت ضحكتها لتقول: -شفت أهو اللي يسوى واللي ما يسواش بقى ملاحظ عقدتي. -مين ده اللي يسوى ومين اللي ما يسواش؟ إوعي يكون قصدك عليا! ضحكت ضحكة مكتومة وهي تضغط على شفتيها وقالت:
-طبعًا، هو أنا بكلم حد غيرك؟ ركّز شوية يا حيوان. سألها بحدة: -حيوان، الأخيرة دي كانت شتيمة صح؟ -لا دي غلاوة، ما تقلقش. -أنا بطمن بس! أغلقت الهاتف بوجهه وضحكت وهي تنظر للهاتف وتقول: -دي كانت جرعة اليوم، بالشفاء يا حيوان. قالت جملتها قبل أن تنفجر بالضحك. _وفي اليوم التالي، وصلوا للبلد. كان نوح يحمل الأمتعة للداخل وفرح تجلس على المقعد في الحديقة بكل أريحية وتنظر لنوح الذي يدخل ويخرج من البيت، تطالعه بمكر وتغني:
-شي حا يا حماري يلا امشي بالراحة وشيل أحمالي كلها. رمقها بغيظ: -حمارك.... ماشي يا فرح أخلص ونتحاسب. ابتسمت بسخرية وقالت بنبرة مرتفعة: -أنا في حماية جدي محدش يقدر يقرب لي هنا. نظر لها والدها قائلًا: -قومي يا أم لسان طويل خذي ورقك قدميه في الكلية. وقفت تهندم ثيابها وتقول: -حد يجي معايا أنا ما أعرفش المكان. كان نوح قد انتهى من توصيل كل الحقائب والأمتعة لشقتهم، اتجه نحوها ليلقنها درسًا على نعته بالحمار، فركضت بالحديقة
وهو يركض خلفها ويقول: -أنا حمار يا نص جاموسة... خذي تعالي هنا. رمقها بسخرية وضحك: -والله حتى ما كملتي ربع جاموسة. ادعت الضحك ساخرة وهي تقول: -يا خفيف! لا أنا ربنا خلقني إنسان الحمد لله... -أومال بتغلطي فيا ليه!!! وحين أمسكها من ملابسها قالت: -أعتذر... بجد آسفة... أصلًا الشتيمة دي حرام، ومش هتتكرر. في الشرفة بالطابق الثالث.. كان هناك من يحدجهم بنظرات مغتاظة. رفع نوح بصره لأعلى، فدخلت السيدة على الفور.
اقترب نوح من فرح هامسًا: -كانت واقفة تبص علينا عينها هتتخلع. ابتسمت فرح بألم وقالت: -الله يرحمه عمي إيهاب جاب لنا بلوى قبل ما يموت. قاطعهما صوت والدهما قائلًا: -روح يا نوح مع أختك وقدم لها ورقها في الكلية. أومأ رأسه بالإيجاب ونظر لها قائلًا: -ورايا... زوجة إيهاب تدعى سامية، امرأة حقودة، لم يتزوجها إيهاب حبًا لكن تزوجها ليكفّر عن خطئه بعدما تبين حملها منه.
امرأة بمنتصف الثلاثينات، متوسطة القامة، ممتلئة الجسم قليلًا، لا يوجد أي مميز بملامحها وتمتلك بشرة خمرية. _قدم يوسف أوراقه بالجامعة واستلم عمله الجديد، وابتهج حين رآها تقف أمام الكلية تنتظر أخاها حتى ينتهي من تقديم أوراقها، أقبل نحوها ليتأكد من هويتها وما أن تأكد هتف بابتسامة: "أنتِ كدا بقى ماشية ورايا! قال يوسف جملته مبتسمًا، فاستدارت فرح أثر صوته ونظرت له قائلة بدهشة: -دكتور يوسف! هو مش حضرتك سافرت تاخد دكتوراه بره!
قطب حاجبيه وارتسمت ابتسامة عذبة على شفتيه: -جبتِ الكلام ده منين!؟ -البنات اللي في جامعة القاهرة قالوا لي كده! لوى شفتيه لأسفل قائلًا: -مش كل حاجة بتتقال بتكون صح. أومأت رأسها بالإيجاب قائلة بابتسامة واسعة كشفت مدى سعادتها لرؤيته، حاولت ادعاء الجدية وسألته باستفهام: -هو حضرتك بتعمل إيه هنا؟! أشار للكلية خلفهم وقال: -بشتغل.... نقلت شغلي هنا.
اتسعت ابتسامتها مرة أخرى فقد ظنت أنه سافر لخارج مصر ولن تراه مجددًا لكن جمعهما القدر مجددًا، طال الصمت بينهما فوضع يديه الاثنتين بجيوب سرواله قائلًا بمكر: -ماشية ورايا ليه بقى يا فرح!؟ ابتسمت فرح قائلة: -أو يمكن حضرتك اللي ماشي ورايا! ابتسم ثم سألها بجدية: -إوعي تقولي لي أنك نقلتِ كليتك هنا! أومأت رأسها بالإيجاب قائلة بابتسامة: -حصل. تنهد بحيرة قائلًا: -تفتكري بقى الصدف دي ليها معنى؟! ابتسمت قائلة:
-كل حاجة بتحصل حوالينا بيكون ليها معنى بس مش دائمًا بنفهمه! عقب بابتسامة واسعة أظهرت غمازاته: -بس أنا فهمته. قطبت حاجبيها قائلة: -فهمت إيه؟! حاول الهروب من سؤالها فنظر بساعته قائلًا بجدية: -أستأذنك بقى لأن عندي شغل مهم. -اتفضل. ولى ظهره لها وانصرف أما هي فوقفت تنظر لأثره مبتسمة. هرول يوسف حتى وصل مكتبه أخرج هاتفه ونظر للرقم الذي سجله "فهيم". ابتسم بمكر وقرر أن يزعجها كما تزعجه دائمًا فضغط على الرقم ليتصل بها.
وعند فرح صدع هاتفها بالرنين وحين رأت اسمه "المجهول" زفرت بحنق قبل أن تجيب عليه بنبرة حادة: -هو أنا مش بعت لك رسالة قلت لك إن سندس نايمة وأنا قاعدة جوارها يا حيوان. اعتقدت أنه سيغضب ككل مرة تنعته بالحيوان، لكن خاب ظنها حين عقب متخابثًا وهو يقول بنبرة هادئة: -تعرفي إن كلمة يا حيوان بقت تقع على سمعي زي كلمة حبيبي بالظبط.... دماغي اتبرمج على كدا. كبحت ضحكتها ولم تعقب فأردف قائلًا:
-يعني لو حد شتمني وقال لي يا حيوان هقوله حبيبي تسلم. أغلقت الهاتف بوجهه وابتسمت قائلة: -والله دمك خفيف يا مضروب. وبعد دقيقة وقف أخوها أمامها وقال: -قدمت ورقك وجبت لك جدول المحاضرات. قالت بامتنان: -شكرًا يا حبيب أختك يا عسل يا سكرة. -عدي الجمايل بقى. -يا ريت بقى تعزمني على عصير ولا حاجة تبل ريقي وأنا أعد بضمير. أومأ قائلًا: -هعزمك بس ما تاخديش على كده!
_وفي المساء، ارتدت مريم فستانها الوردي وحجابها الأزرق، كانت على أهبة الاستعداد لمقابلة نوح والاتفاق على تفاصيل زواجهما، مر الوقت سريعًا وها هي تجلس أمامه تفرك يدها بعنف وتنظر أرضًا بخجل كأنها تراه لأول مرة، وبعد أن يئس منها، فقد مر خمس دقائق ولم تنطق بحرف هتف قائلًا: -ممكن تبصي لي يا مريم. استمرت بفرك يديها بتوتر فأردف: -أنا مش فاهم أنتِ مكسوفة ليه، ده إحنا عشرة عمر... بصي لي يا مريوم. رمقته سريعًا
ثم أخفضت بصرها فقال: -أنا قلت لعمتي نكتب الكتاب على طول مش هستحمل أنا ضوابط الخطوبة دي. لم تنبس بحرف ولم ترفع رأسها فاستأنف: -قالوا زمان السكوت علامة الرضا... وأنا مش بصدق الجملة دي وهطلع أقول لهم أنك مش موافقة. ابتسمت مريم ورفعت رأسها لتنظر إليه فأضاف: -إيه أطلع أقول لهم أنك مش موافقة!!؟ قالت: -أنا موافقة يا نوح لأني مش محتاجة فترة خطوبة عشان أتعرف عليك. رفع يده في وضع الدعاء قائلًا: -يا فرج الله أخيرًا نطقتِ...
بس حلو قوي الفستان ده. ابتسمت قائلة بحياء: شكرًا. أخرج هاتفه والتقط لها صورة بدون إذنها لم تظهر ملامحها لأنها كانت تنظر أرضًا وجميع أعضاء جسدها في وضع الانقباض، فهتف: -عشان نوثق اللحظة دي والفستان القمر ده وصاحبة الفستان الخجولة دي. وقف أمامها وابتسم وهو يغير وضعية الكاميرا للأمامية قائلًا: -بصي هنا بقى. ثم نهض ووقف أمام باب الغرفة وهو يقول بمرح: -سمعينا زغرودة يا عمتي خلي الفرحة تملأ البيت.
أدخل رأسه من باب الغرفة ونظر لمريم هامسًا: -وتملأ حياتي. اتفقوا على إتمام الخطبة وكتب الكتاب في خلال أسبوع والزواج بعد شهرين أو ثلاثة بعد الانتهاء من تجهيز الشقة والاستعداد للزواج. _وفي اليوم التالي، أوشكت فرح على الاقتراب من موقف سيارات الأجرة لتذهب للجامعة فأوقفها صوت طفل يجلس على الدرج أمام بوابة بيته. هتف بنعومة وبراءة مصطنعة يخفي خلفها كثيرًا من المكر والدهاء: "عمتو ممكن تساعديني"
كان طفلًا بملامح بريئة يبدو أنه لم يتجاوز السبعة أعوام، كان واضعًا كلتا يديه على وجنتيه ومبتسمًا، اقتربت منه فرح حتى وقفت أمامه مباشرة وانحنت لمستواه قائلة بحنو: -يا قمر... محتاج إيه يا حبيبي؟ ابتسم الطفل ونكس رأسه لأسفل بخجل مصطنع قائلًا: -كنت محتاج مساعدة بسيطة. ربتت على كتفه قائلة بحنو: -قول يا حبيبي محتاج إيه؟!
رمقها بمكر وحمل قنينة المياه من جواره، عقدت فرح حاجبيها تحاول فهم ما يريد، وفي حركة سريعة سكب قنينة المياه عليها فغرق وجهها بالمياه وأصبحت الرؤية مشوشة عندما نزلت قطرات المياه على زجاج نظارتها الطبية، خلعت نظارتها وأغلقت عينها لتمسح المياه عن وجهها فوقف الطفل وأكمل سكب القنينة على ملابسها، صرخت فرح وهي تلوح بيدها لتحاول إمساكه وهي تقول: -أنت روحت فين يا واد؟ ركض الطفل لبوابة بيته وهو يقول بضحكة ساخرة:
-وقعتِ فيها هههههههه شربت المقلب. انشغلت فرح بتنظيف زجاج نظارتها لترتديها وتستطيع رؤيته بوضوح، انفجر الطفل بالضحك وأخرج رأسه من البوابة قائلًا: -على فكرة دي مياه البيبي بتاعي. صرخت باشمئزاز فضحك الطفل بصخب ثم أحكم إغلاق بوابة بيته وتركها تصرخ بخفوت وهي تملس على ملابسها المبتلة بنفور وتصيح: -يا واد يا ابن الـ.... مسحت وجهها بكلتا يديها وهي تكاد تبكي هاتفةً بتقزز: -يعععع مياه بيبي..
سرعان ما نظر لها الطفل من نافذة بيته وهو يضحك قائلًا: -ما تخافيش يا عمتو دي مياه من الحنفية. لم ينتظر ردها ودخل ثم أغلق النافذة، أما هي فضربت البوابة بيدها وهي تصيح: -ما تربوا عيالكم بقى. رأت نافورة مياه بالقرب منها ففتحتها وغسلت وجهها ثم مسحت ملابسها وهي تقول بنزق: -هروح الكلية إزاي دلوقتي؟!
قررت أن تعود لبيتها لتبدل ثيابها وبالفعل سارت بضع خطوات إلى أن رأت كلبًا يقابلها من بعيد فاستدارت مرة أخرى، تقوس فمها لأسفل كطفل يوشك على البكاء وهي تغني: -أنا رايح فين أنا راجع ثاني. قررت أن تذهب لجامعتها بتلك الهيئة فضلًا من أن تمر بذلك الكلب فيتهجم عليها، سارت وهي تردد بغضب: -ده زحمة القاهرة أرحم بكتير من كلاب الريف وأطفال الريف ومياه الـ......
قُطع سيل كلامها بصرخة مدوية أطلقتها من حلقها حالها حين انزلقت قدماها بسبب المياه المسكوبة أمامها وافترشت الأرض، تأوهت وصاحت وهي تجلس بالوحل: -لا ده أنا أكيد فيه حد بيدعي عليا. نهضت ونظرت حولها متمنية ألا يراها أحد بتلك الحالة لكن يا لحظها المشؤوم! خرج يوسف أمامها وكأنه قد ظهر من العدم فهو آخر شخص تتمنى رؤيته الآن! وقف أمامها بهيبته وأخذ يرمقها بنظرات متعجبة، قطب حاجبيه وهو يقول مستفهمًا: -إيه اللي عمل فيكِ كدا؟!
نظرت لفستانها الأسود الذي تلطّخ بالطين ويدها التي تحوّل لونها للأسود، وابتسمت ببلاهة وهي ترفع كلتا يديها وتبدّل نظرها بينهما وبين يوسف معقبة بسخرية: "فعلًا يا محلاها عيشة الفلاح!! ابتسم يوسف على سخريتها ونظر لها متفحصًا ملابسها المتسخة وهو يقول: "إنتِ اتبهدلتِ خالص." لوت شفتها لأسفل وهي تنظر لكلتا يديها وتنظر للكلب الذي يقف حائلًا بينها وبين عودتها للبيت، ثم نظرت ليوسف قائلة بصوت يوشك على البكاء:
"عديني من الكلب عشان أروح لأمي بالله عليك." *** وفي المساء جلس يوسف مع والدته وأخته لفرز ما تبقى لإكمال جهاز أخته، نظر ليُسر قائلًا بجدية: "شوفي يا حبيبتي لو عايزة أي حاجة أجيبهالك." عقبت يُسر برضا قائلة: "لا يا چو تسلم، إنت جايبلي كل حاجة بزيادة." تنحنحت يسر وسألته للمرة العاشرة على التوالي: "مش ناوي تقولي مين المحظوظة اللي ربنا جعلك من نصيبها؟
وكالعادة قبل إجابة السؤال يقاطعه شيء، قاطعه طرقات على باب شقته وصدوع صوت جرس الباب عاليًا، قام على الفور يفتح ليظهر عمه أمام الباب ويقول بأمر: "يلا عشان هنروح نسهر عند نسايبك شوية." يوسف متعجبًا من طلب عمه: "نسايب مين! لا مش هينفع." قال بحزم: "يلا يا يوسف أنا اديت الجماعة ميعاد ومستنينا." لم يعقب يوسف ومسح وجهه بغضب فأردف عمه: "هنروح عشان نعزمهم على فرح يُسر."
زفر يوسف بحنق فقد بدأت تحكمات عمه ومن الواضح أن المعاناة قد بدأت من الآن، ردد يوسف بقلة حيلة: "حاضر يا عمي هغيّر هدومي وأنزل لك." وبعد فترة دخل يوسف لذلك البيت للمرة الثانية، رحب به الجميع على عكس المرة السابقة، وجلس نوح جواره يريد أن يفتح معه كلام بعد أن لاحظ صمته وتجنبه لمشاركتهم الحوار، فسأله بنظرة ساخرة وهو يرمقه متفحصًا: "وإنت بقى يا أستاذ يوسف شغال إيه؟ عقب يوسف بجدية وهو يعدّل من جلسته قائلًا:
"أنا معيد في كلية آداب." اعتدل نوح في جلسته وأنزل رجله من فوق الأخرى فقد ظن أنه بدبلوم أو يعمل بأي صنعة مثل نقاشة، سباكة، كهرباء، لكن لم يعتقد أنه معيدًا بالجامعة، عقب نوح قائلًا باحترام: "ده إحنا نقولك يا دكتور بقى! ابتسم يوسف باحترام قائلًا: "لا قول لي يا يوسف عادي، إحنا نعتبر من سن بعض." تحدث نوح معرّفًا نفسه قائلًا: "أنا خلصت طب بيطري وناوي أفتح عيادة هنا في البلد." ردد يوسف قائلًا: "ما شاء الله."
تذكر يوسف صورة فرح وطريقة كلامها وأنها أنهت دبلوم زراعة وربطها بكلام أخيها وتعليمه وهتف قائلًا: "بس الظاهر إن العيلة بتاعتكم بتهتم بتعليم الولاد وبتهمل في تعليم البنات." عقب نوح معترضًا: "لا طبعًا، بنات العيلة كلهم معاهم تعليم عالي حتى ماما أصلًا معاها كلية تربية." تنحنح يوسف وسأل: "وفهيمة؟ قطّب نوح حاجبيه وسأله متعجبًا: "هي فهيمة ما قالتلكش... على فكرة إنت ممكن تكون عارف فهيمة." تذكر يوسف صورتها
في قسيمة الزواج وقال: "لأ معتقدش أنا شوفت صورتها في القسيمة و... قاطعه ضحكات نوح الذي عقب موضحًا: "لا ده الصورة دي... كان على وشك إخباره بحقيقة الصورة لكن قاطعه جده حين قال: "خد الأستاذ يوسف يا نوح واطلعوا فوق عشان يقعد مع فهيمة شوية." وقف نوح قائلًا: "حاضر يا جدي." خاطب نوح يوسف: "اتفضل معايا يا دكتور." حاول يوسف أن يتهرب من هذا اللقاء قائلًا: "خليها مرة تانية عشان... تدخل سليمان مقاطعًا بأمر:
"لا تانية ولا تالتة يا يوسف روح معاه." زفر يوسف بقوة وصعد الدرج مع نوح في صمت، كان شاردًا هل سيراها الآن وتكمل حديثها عن حديقة الحيوان الخاصة بها! قطع حبل أفكاره صوت طرقات نوح باب شقتهم ثم فتحه وهو يضرب كفيه معًا ويقول بنبرة مرتفعة: "معايا ضيوف يا أهل الدار... يا رب يا ساتر... يا ستير يا رب." ***
على جانب آخر كانت تجلس في غرفتها تتسلى بأكل حبات العنب وهي تشاهد فيلم كوميدي وتضحك إلى أن سمعت صوت أخيها الذي تجاهلته واستأنفت الفيلم! فما بالها بالضيوف فستقدم والدتها الضيافة، قاطعها دخول والدتها للغرفة وهي تلهث: "قومي بسرعة عريسك بره." هبت فرح واقفة بصدمة وقالت: "يا لهوي، بره فين؟! طيب أستخبى فين ولا أهرب منين؟ رمقتها والدتها بغيظ وقالت: "تهربي ليه؟! البسي عشان تقابليه...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!