الفصل 5 | من 12 فصل

رواية فرح فهيمه الفصل الخامس 5 - بقلم ايه شاكر

المشاهدات
24
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

-تهربي ليه؟! إلبسي عشان تقابليه... عريسك ده ولا مش عريسك؟! يلا دقيقتين وتكوني جاهزة عشان تقابليه. -أقابل مين يا شهناز؟! صرخت بها فرح، فحدجتها الأم بغيظ قائلة بعده: -دقيقة واحدة وتكوني لابسة وقدامي في المطبخ عشان تدخلي بالعصير يا فرح. ثم خرجت الأم وتركتها تكاد تصك وجهها من هول المفاجأة وهي تردد: -يا حيوان قال أدخلك بالعصير قال...

جال في خاطرها فكرة فابتسمت بمكر، وارتدت إسدال الصلاة ثم خرجت تتسلل كاللص. حمدت ربها أن والدتها انشغلت بالمطبخ وباب غرفة الضيوف مغلق، فمرت تسير على أطراف أصابعها. فتحت باب الشقة بهدوء شديد ثم أغلقته بخفوت وركضت لأسفل لتبحث عن أي مكان تأوي إليه وتتخفى لحين مغادرة هذا المجهول. لفت نظرها سلم خشبي يؤدي لسطح غرفة الحيوانات "الزريبة" المسقف بأعواد قش الأرز وبعض قطع الخشب، صعدت مسرعة وجلست على القش منتظرة انصرافه. استغفروا.

_على جانب آخر مر ما يقرب من نصف ساعة تعرف فيها نوح على يوسف وارتاح له ولحديثه. دعاه نوح لحضور حفل كتب كتابه فوافق يوسف. استأذنه نوح ليرى ما خطب فرح فقد تأخرت وهو يعرفها جيدًا حتمًا تفكر بمصيبة ما.. وعند خروجه من الغرفة كانت والدته تدخل من باب الشقة متذمرة من أفعال ابنتها المتهورة، وكانت تتأفف متضجرة سألها نوح بخفوت: -فين فرح؟! ردت والدته بتهكم: -أختك الحلوة هربت... دورت عليها في كل البيت مش لقياها. اندفع نوح مرددًا:

-يا بنت الجزمة... انتبه لما قال ورفع يده قائلًا بنبرة مرتعشة: -لا مؤاخذة يا ماما. عقبت والدته بحسرة: -إنت خليت فيها ماما ده أنتوا خلفة تجيب الشلل. نظرت تجاه الغرفة التي يجلس بها يوسف وأشارت إلى بابها قائلة: -شوف بقى هتعمل إيه مع الراجل اللي قاعد جوه ده! زم نوح شفتيه بحنق وقال: -ماشي يا فرح والله لأوريكِ. نظر لوالدته مردفًا برجاء: -ادخلي يا ماما سلمي عليه ولطفي الجو كده بأنها تعبانة ولا حاجة على ما أجيلك...

زفرت الأم بحنق واتجهت صوب الغرفة تحمل بيدها أكواب العصير وهي تتمتم: -منك لله يا فرح!! اتجه نوح نحو غرفتها وأخذ ألبوم صورها من بداية عمر يوم إلى آخر صورة التقطتها بعيد الأضحى الماضي وهي بعمر الشباب... على جانب آخر دخلت شاهيناز بالعصير وبعد التحية عرفته بنفسها وعرفها بنفسه وأعجبت باحترامه وأدبه وعندما عاد نوح استأذنته وغادرت الغرفة لتُكمل بحثًا عن فرح... جلس نوح جواره وهو يقول مبررًا:

-أنا مش عارف أقولك إيه بس فرح تعبانة شوية ومش هتعرف تقابلك. قطب يوسف حاجبيه باستفهام: -مين فرح؟! عقب نوح قائلًا: -فرح فهيمة... أختي اللي هي زوجتك المصون اسمها في البطاقة فهيمة بس إحنا بنناديها فرح. اعتلى وجهه الصدمة وهو يدعو بكل جوارحه أن يكون ما ظنه صحيح! قاطعه نوح قائلًا بابتسامة: -ده ألبوم صورها عشان صورة كتب الكتاب دي أنا اللي مفبركها... كنت بحاول أطفشك بصراحة.

ضحك نوح وفتح الألبوم وأعطاه ليوسف الذي كان متلهفًا ليرى صورتها، بدأ يوسف يقلب بين صورها حتى وصل لتلك الصورة التي ظهرت بها فرح بريعان شبابها حدق بها للحظات ثم هتف قائلًا بصدمة: -دي فهيمة؟! ابتسم نوح بفخر وهو يقول بمدح: -أيوه البسكوتة المقرمشة دي فهيمة قصدي فرح لأنها بتكره اسم فهيمة. سأل يوسف بترقب: -هي فهيمة تعرفني يعني عارفة شكلي ولا لسه؟! لوى نوح شفتيه لأسفل وقال:

-لأ معتقدش أنها تعرفك ولا شافتك قبل كده بس يمكن جدي وراها صورتك! تنفس يوسف بارتياح فالآن ستبدأ المعركة على حقها، أغلق الألبوم وهب واقفًا وهو يقول: -طيب أستأذن أنا بقى أنا دعيت والدتك وهأكد على عمي تاني عشان حفل كتب كتاب أختي وإن شاء الله نتقابل تاني... أنا سعيد جدًا إني اتعرفت عليك. عقب نوح برتابة: -أنا مكنش ليا أصحاب هنا ومن النهارده إنت أقرب صديق يا أبونسب. ربت يوسف على ظهره مبتسمًا وقال: -حبيبي يا دكتره.

خرج من شقتهم كان قلبه يتراقص فرحًا من تلك المفاجأة، أيعقل أن تلك الفهيمة اشتغلته كل تلك الفترة؟! فلكل من اسمه نصيب ومن الواضح أنها استخدمت نصيبها في خداعه. خرج من البيت مع عمه، لاحظت فرح خروجهم فوقفت لتحاول رؤيته ركزت لترى وجهه وتعرف من يكون هذا المجهول كان موليها ظهره فهتفت بحنق: -لف بقى ياض عايزة أشوف جمال عيونك.

وقبل أن يلتفت لتراه خانتها قدماها فسقطت لداخل الغرفة صارخة، وحين انتبهت لحالها كانت تركب فوق ظهر الحمار الذي رفع صوته بالنعيق إثر المفاجأة... كانت تقبض على هاتفها بإحدى يديها... لم تصدر أي رد فعل سوى أنها اتصلت برقم أخيها على الفور وهتفت بصوت يوشك على البكاء: -ألوووو الحقني يا نوح. انفجر بها بنبرة حادة: -إنتِ فين؟ كده تحرجينا قدام الراجل هربانة فين يا بت؟!

أخذ الحمار ينعق مجددًا وهو يتحرك بها يمينًا ويسارًا وهي تركب فوق ظهره، تصاعد صوت الجاموسة عاليًا وشاركتها بقرة أخرى وحين سمع نوح تلك الأصوات هتف قائلًا بحدة: -إنتِ فين؟! نظرت للحمار قائلة بصوت مرتعش: -أنا راكبة الحمار في الزريبة. تجعد وجهه قائلًا بتعجب: -وإيه اللي ركبك الحمار!؟ وإيه اللي وداكِ الزريبة أصلًا!! لم تبالِ بانفعاله وسلطت مصباح هاتفها على وجه الجاموسة وبكت قائلة: -الحقني يا نوح الجاموسة بتبصلي بنظرة مرعبة.

-مش كنتوا عايزين تشوفوا العروسة... عزمتها لكم على كتب كتاب يسر وهتيجي مع والدتها. قال يوسف جملته وهو يسند ظهره للمقعد ويبدل نظره بين والدته وأخته، هتفت أخته مستفهمة: -بجد!! وهتيجي يا يوسف؟ أجاب يوسف: -أنا قولت لوالدتها وأكدت عليهم مش عارف بقى هتيجي ولا إيه؟ هتفت صفاء: -لا الواجب أكلمها أنا كمان وأعزمها اديني رقمها. نظر صوب هاتفه وهو يقول: -معايا رقم نوح أخو العروسة هكلمه وأخليكِ تكلميها بس الصبح عشان أنا هموت وأنام.

قام عن مقعده وهو يردد: -تصبحوا على خير. وبعد أن غادر نظرت صفاء لابنتها قائلة: -لما نشوف شكلها إيه العروسة دي؟! دخل يوسف غرفته وحمل هاتفه يحدق برقمها للحظات مبتسمًا لأنه يسجلها باسم "فهيم" وهو يقول: -بتشتغليني يا فرح!! تنهد بارتياح قائلًا: -كده بقى نلعب صح! _جلست بالحديقة مع جدها وأسرتها وعمها زيد وزوجته وابنه تحكي لهم تفاصيل ما حدث حتى انتهت بجملتها: -ولما وقعت لقيت نفسي راكبة على الحمار.

انفجروا بالضحك حتى أدمعت أعين البعض من شدته، عقب نوح من خلف ضحكاته: -الحمار كان نايم في أمان الله فجأة لقى حاجة راشقة على ظهره من حيث لا يدري. عقب زيد ضاحكًا: -إنتِ مشكلة يا بت يا فرح. لوت فرح شفتيها لأسفل تدعي البكاء: -أنتوا بتضحكوا!!! بتتريقوا على مأساتي ده أنا اتفزعت. مسح الجد عينيه من أثر الضحك وقال بجدية: -المهم اعملي حسابك بقى يا حلوة إنك هتروحي بعد بكرة كتب كتاب صبيتك. عقدت حاجبيها مستفهمة: -صبيتي!

إيه صبيتي دي؟ وضح الجد قائلًا: -أخت جوزك. هزت رأسها بقوة كناية عن اعتراضها وهي تقول: -لا يا جدي مش هينفع إحنا متفقناش على كده وبعدين أنا عندي محاضرات. عقب نوح قائلًا بنظرة متهكمة: -بعد بكرة الجمعة مفيش محاضرات أساسًا! رددت ببلاهة: أساسًا! حكت رأسها كأنها تبحث عن مبرر آخر داخل جعبتها ثم لفظت: -أيوه يبقى عندي مذاكرة. عقب والدها بحزم: -مفيش هروب المرة دي يا فرح هتروحي يعني هتروحي.

هبت فرح واقفة وهي تلوي شفتيها لأسفل ودبدبت بقدميها كالأطفال قبل أن تغادر المكان بأكمله بدون كلمة أخرى.. نظر نوح لجده قائلًا بجدية: -على فكرة يوسف طلع محترم جدًا. عقب والده "هشام": -أنا بصراحة أعجبت بيه واد رزين كده وهادي ودكتور جامعي ربنا يبارك فيه. قالت شاهيناز: -بصراحة أنا ارتحتله لما اتكلمت معاه... كان بيتكلم بكل احترام وأدب واضح إنه راجل ومتربي. علق الجد: -أفهم من كده إنكم ناويين تمشوا الجوازة بشكل طبيعي.

حدق هشام في الأفق شاردًا ثم تمتم: -وليه لأ!! _جلست في غرفتها تقضم أظافرها بتوتر فهي لا تريد تلك الزيجة من الأساس! وتتمنى لو تنتهي بأقرب وقت، فقد وعدها جدها أن يطلقها منه لكن ما يحدث الآن لا يبشر بخير... حملت هاتفها تريد أن توبخه على محاولته أن يقابلها، ضغطت على رقمه بعنف وانتظرت إجابته... أما عنه فعندما ظهر اسمها "فهيم" على شاشة هاتفه اتسعت ابتسامته وسرعان ما أجابها قائلًا بسخرية:

-ألف سلامة عليكِ يا حيوانة قلبي أنا كنت عايز أشوفك بس... قاطعه صوتها الغاضب: -إيه اللي إنت عملته ده يا حيوان؟! عقب يوسف قائلًا بتعجب: -إيه عملت إيه يا قلب الحيوان؟! هتفت بنبرة حادة: -لعلمك بقى أنا كنت قاعدة جوه ومردتش أقابلك. قال بشيء من التهكم: -ليه بس يا حياتي ده أنا كنت هموت وأشوفك. لا تدري لمَ تغيرت نبرة صوته هكذا! شعر أن هناك خطب ما!! أخرجها من خضم أفكارها صوته قائلًا:

-هشوفك بعد بكرة يا روح قلبي لما تيجي كتب كتاب أختي. عقبت بنزق: -مين قالك أصلًا إني هاجي! هتف بنبرة ناعمة: -جدك يا قلبي ووالدتك يا حبي وباباكي يا حياتي كلهم أكدولي. ازدردت ريقها بتوتر تجزم أن هناك خطب ما! وتغيير قد طرأ على هذا الرجل، هتف يوسف بمكر: -متنسيش تجيبي عصاية جدك عشان تعملي هنا نمرة ولا هو حلال لسندس وحرام علينا. سألته بتهكم: -قصدك إيه؟! ابتسم قائلًا: -قصدي ترقصي طبعًا. وبخته قائلة:

-أرقص يا إمعة يا ديوث ده ناقص تقولي هقف وراكِ ألم النقطة. هتف قائلًا بسخرية مصطنعة: -وليه لأ تعرفي لو عجبني رقصك هنفتح مسرح في البلد وإنتي ترقصي وأنا ألم النقطة ده إحنا نكسب دهب. ضحك وأكمل: -ويا سلام بقى لو جبتي سندس تشجعك. تصاعد صوتها غاضبة: -يا حيوان!! رد بكل برود: -نعم يا حياتي. أغلقت الهاتف دون سابق إنذار... نفخت بضيق وفتحت هاتفها تعبث به حتى غلبها النعاس.... _وفي اليوم التالي

كانت تركب سيارة الأجرة وتنظر لأخيها العائد إلى بيته بعد أن أوصلها بنفسه لأنها خشيت أن يعترض طريقها كلبًا كالمرة السابقة... أثار انتباهها نوح الذي وقف مع يوسف وكانا يضحكان، وكأن نوح يعرفه جيدًا! تتمنى لو تعلم عن ماذا يتحدثان؟!

وبعد قرابة الدقيقة ركب يوسف في المقعد الذي يليها ولم يخاطبها وكأنه لا يعرفها، فتظاهرت هي الأخرى أنها لا تعرفه، كانت تجلس بالمقعد الذي يلي السائق ويجاورها من جهة اليسار فتاة ومن جهة اليمين شاب، وخلف الشاب مباشرة يجلس يوسف وأثناء الطريق لاحظت امتداد يد الشاب لتتحسس جسدها فالتصقت بالفتاة التي جوارها فسألتها الفتاة: -"فيه إيه؟! هزت فرح رأسها تنفي وجود أي خطب، ظلت تفرك بالمقعد وتتأفف كلما مد الشاب

يده نحوها وفجأة هتفت بحنق: -استغفر الله العظيم. عندما قالت جملتها ابتعد عنها الشباب، وبعد لحظات اقترب مرة أخرى، فهتفت بنزق: -لا حول ولا قوة إلا بالله. شعر يوسف أن هناك خطب ما، فسلط بصره عليها حتى رأى ما يفعله الشاب فاستشاط غضبًا، وهتف على الفور: -على جنب يا أسطى لو سمحت. أوقف السائق السيارة، فربت يوسف على كتف الشاب قائلًا: -انزل وعديني يا ريس لو سمحت.

ارتجل الشاب من السيارة، فجلس يوسف جوار فرح وأغلق باب السيارة قائلًا: -اطلع يا أسطى. فتح الشاب الباب مرة أخرى قائلًا: -جرى إيه يا أستاذ؟ إيه قلة الذوق دي؟! ضغط يوسف على أسنانه ونظر لعينيه بغضب وهو يزمجر قائلًا بنبرة حادة: -اركب مواصلة تانية عشان وربي لو نزلت لك ما هسيبك. أغلق الشاب الباب فهو يعلم ما عقوبة ما فعل، نظر يوسف للسائق قائلًا بجدية: -اطلع يا أسطى.

كانت ترمقه بحرج فقد علم بما حدث، وبعد أن وصلا ارتجل يوسف من السيارة وتبعته فرح، كانا سيركبان سيارة أخرى ليصلا للجامعة، لكن بعد السير بضعة أمتار هرولت فرح من أمامه وكأنها لا تعرفه، لكن أوقفها صوته حين ناداها: -فرح! وقفت واستدارت إليه، كان يحدق بها بقوة على عكس كل مرة، كيف لا وقد تأكد أنها زوجته ويحل له أن يفعل، توترت من نظراته فعدلت من نظارتها وهي تقول: -فيه حاجة؟! نظر لها بسخرية وقال متهكمًا:

-يعني أنتِ لسانك أطول منك مش عارفة تزعقي للي كان بيمد إيده عليكِ وتاخدي حقك منه. استأنف مقلدًا صوتها وهو يرفع كتفه مستهزئًا: -إنما إيه استغفر الله العظيم.... لا حول ولا قوة إلا بالله! رمقها بغيظ مردفًا: -إيه جاية تتوبي دلوقتي!؟ تلعثمت قائلة: -أ... أنا كنت محرجة ومعرفتش أتصرف... مسح على رأسه وزفر بقوة ثم نظر لساعته قائلًا بجدية: -يلا هنتأخر على المحاضرة. ركبا سيارة الأجرة التالية وجلس جوارها تاركًا بينهما مسافة وفيرة.

كانت تجلس بجوار النافذة تتابع الطريق، وفجأة حدثت رجة بالسيارة وكأنها على وشك أن تنقلب بجميع الركاب... تعالت الصرخات، فتشبثت فرح بملابس يوسف... كانت لحظات لكنها كافية لتبث الرعب داخل القلوب، توقفت السيارة بسلام بعد أن تحكم بها السائق الذي ارتجل على الفور يبحث عن سبب ما حدث. انتبهت فرح ليدها، ولو استمرت الرجة للحظة أخرى كانت ستجلس فوق فخذيه من شدة رعبها. اعتدل في جلسته وسألها: -أنتِ كويسة؟!

هزت رأسها لأسفل مؤكدة أنها بخير. وصلت للجامعة ودخل كل منهما بمفرده... ثم مر اليوم بروتينية وانتهت محاضراتها وعادت لبيتها دون أحداث أخرى... _وفي المساء كان سليمان يجلس مع زوجته "حنان"، قال: -أنا عملت زي ما طلبتِ، جبتهم لك لحد هنا، وريني شطارتك بقى مع البنت دي. نظرت للفراغ بغل وحقد تجلى في نبرة صوتها: -وحياتك عندي لأنْتِقِمْ لك منهم بس اصبر. زفر سليمان بقوة قبل أن يقوم من مكانه قائلًا: -هصبر بس ألاقي نتيجة.

قال جملته وغادر المكان، وجلست حنان تحدق أمامها وتبتسم بخبث متمتمة: -جدع يا سليمان كدا سهلت عليّ الموضوع... _وفي اليوم التالي وقبل صلاة الجمعة اتجهت شاهيناز مع ابنتها لبيت يوسف، كانت فرح تجلس بهدوء غريب على غير عادتها تفرك يدها، وتدبدب بقدميها بتوتر. لم تستمع لأي شيء من حديث والدتها مع صفاء، كانت شاردة تخاف أن يدخل ذلك المجهول فجأة ويراها، قاطع شرودها تربيت والدتها على ظهرها وهي تقول: "لا ده أنا بنتي شاطرة في كل حاجة"

رفعت شاهيناز "والدة فرح" أصابع يدها لتعد ما ستقوله: -غسيل، طبيخ، كنيس، كوي، كل حاجة. أكملت قائلة: -ده فرح بنتي بقى عليها نفس في الطبيخ إنها إيه... حكاية. قرصت فرح يد والدتها لتصمت، فلمَ تبالغ لتلك الدرجة! فهي لا تعرف للمطبخ طريق! ولا تعرف عن الطعام سوى أنه للأكل!! ابتسمت صفاء "والدة يوسف" وهي تتأمل ملامح فرح التي أعجبتها إلى حد كبير وهدوئها الذي أحبته وقالت:

-حيث كدا بقى أنا محتاجاها معايَ النهار ده، أستأذنك تسيبيهالي يا أم نوح. شاهيناز بلوم: -أنتِ بتستأذني دي بنتك طبعًا. انتبهت فرح لما قالته والدتها واتسعت مقلتيها في دهشة لتصدمها والدتها حين نهضت ونظرت لفرح قائلة: -خليكِ يا فرح مع طنط. تجهم وجه فرح وهبت واقفة تتشبث بيد والدتها كطفلة صغيرة تتركها والدتها بالروضة في أول يوم لها... أمسكت ملابس والدتها كأنها ستهرب وتتركها، فلم تضحِ بها والدتها هكذا! تلعثمت فرح قائلة:

-أنا هاجي معاكِ يا ماما. عقبت صفاء بحزن: -يعني متعرفيش تقعدي معايَ النهار ده عشان خاطر أختك يسر دي نفسها تشوفك زمانها جاية من الكوافير. ربتت شاهيناز على يد فرح قائلة: -اقعدي يا فرح مع طنط متزعليهاش. أومأت فرح رأسها بقلة حيلة، أزاحت والدتها يدها عنها فجلست فرح دون أن تعقب، كانت ترمق والدتها التي تغادر بحسرة كأنها تقول "لا تتركيني وحدي أماه"....

وبعد دقيقة عادت صفاء لفرح التي تضع يدها على خدها، وتدعو أن يمر اليوم على خير، نظرت لها صفاء قائلة: -يلا بينا على المطبخ. ابتسمت فرح بتهكم وتبعتها دون أن تنبس ببنت شفة، نظرت لها صفاء قائلة: -بصي هسيبك بس تعملي الشاي ده. أشارت لوعاء الشاي ثم وعاء السكر وقالت: -ده الشاي وده السكر بس اعمليه كشري. خرجت من المطبخ وتركت فرح التي فغرت فاها ببلاهة قائلة: -هي عايزة شاي ولا عايزة كشري ولا عايزة شاي بالكشري ولا إيه؟!

أخذت فرح تفرك جبينها وهي تنظر لباب المطبخ ثم لوت شفتيها لأسفل قائلة ببكاء زائف: -أنا لا بعرف أعمل شاي ولا بعرف أعمل كشري! وقفت فرح تبحث عن المعكرونة حتى تطبخ الكشري بعد أن بحثت عن طريقته على الإنترنت، ثم وبعد أن سئمت ويأست أن تجد مكوناته تأففت بحنق وهي تحيط خصرها بيدها قائلة: -أنا أول مرة أعرف إنهم بيعملوا كشري في كتب الكتاب! استطردت بعصبية:

-أنا مش فاهمة والله إزاي الست دي تسيبني كدا واقفة لوحدي من غير ما تطلع لي الحاجات! زفرت بحنق وأكملت البحث عن المعكرونة والشعرية والمكونات الأخرى حتى وجدتهما، ثم وقفت على أطراف أصابعها حتى تصل للوعاء الملائم لتسلق المعكرونة وبالفعل ملأته بالماء ووضعته على النار... وبعد فترة دخلت صفاء للمطبخ ونظرت لذلك الوعاء الضخم الذي تُغلي به الماء وقالت بذهول: -إيه يا بنتي الماية دي كلها، ده إحنا عايزين ٣ كوبايات بس! فغرت

فرح فاها قائلة ببلاهة: -٣ كوبايات كشري!!! ضحكت صفاء قائلة: -٣ كوبايات شاي يا فرح ركزي، أنتِ مفطرتيش ولا إيه؟ حكت فرح رأسها وقالت: -لأ أنا فطرت بس... صمتت لبرهة تبتلع لعابها ثم أردفت: -ممكن حضرتك تعملي الشاي أصل زي ما المثل بيقول الغريب أعمى ولو كان قصير. ضحكت صفاء قائلة: -يا بنت مش قصير. -أومال طويل! ضحكت صفاء قائلة: -بصير يا فرح... الغريب أعمى ولو كان بصير! ضحكت فرح بنفس البلاهة قائلة:

-ما أنا عارفة طبعًا بس كنت بهزر معاكِ... -دمك عسل يا فروحة... يلا بقى عشان نجهز الأكل.. صحيح أنتِ بتعملي المكرونة بالبشاميل إزاي؟ عدلت فرح نظارتها قائلة بتلعثم: -معقولة... معقولة يعني هقول الوصفة وحضرتك موجودة؟ حكت فرح رأسها بارتباك وعدلت من نظارتها مردفة بارتباك: -هو حضرتك بتعمليها إزاي؟! شرحت لها صفاء الطريقة، كانت تستمع إليها بدون تركيز حتى انتهت من شرح الوصفة كاملة، فعقبت فرح وهي ترفع سبابتها مؤكدة:

-بالظبط أنا بعملها كدا بالظبط.. سألتها صفاء مجددًا: -طيب الجلاش بتعمليه إزاي؟ رسمت فرح ابتسامة سخيفة على شفتيها قائلة: -هي الوصفة بتقول إيه؟! شرحت صفاء الطريقة، فقالت فرح: -بالظبط كدا يا طنط... الله ينور عليكِ. دخلت يُسر للمنزل متلهفة لرؤية عروس أخيها التي مدحتها والدتها كثيرًا بالهاتف، اتجهت للمطبخ وهي تنادي والدتها فردت والدتها: -تعالي يا يُسر. التفتت فرح تنظر إليها وفغرت فاها بدهشة وهي تقول: -مش معقول يُسر!

ضمتها يُسر بقوة وهي تقول: -فروحة. عانقتها يسر مرددة: -يا روح قلبي وحشتيني أوي.. قطبت صفاء حاجبيها قائلة: -أنتوا تعرفوا بعض ولا إيه؟! وبعد الكثير من السلامات والأحضان وقفت يُسر توضح لوالدتها قائلة: -دي فرح يا ماما اللي كنت بنزل معاها أشتري حاجات لجهازي فاكرة اللي اتعرفت عليها صدفة.. عقبت فرح بابتسامة: -إحنا اتعرفنا صدفة مرة كنت ببعت رسالة لرقم صاحبتي بدلت رقم ومن يومها اتعرفت على يُسر... شهقت يسر وقالت بصدمة:

-متقوليش إن عريس الغفلة اللي حكيتِ لي عنه يبقى أخويا!؟ هزت فرح رأسها بخجل قائلة: -للأسف! انفجرت يُسر بالضحك قائلة: -يعني الحيوان يبقى أخويا... لأ يا فرح ده أنا هنفخك... ظلت الفتاتان تتحدثان كثيرًا وتحكيان مواقفهما سويًا فالعلاقة بينهما سطحية إلى حد ما ولم تتعمق فرح لتحكي لها عن مكوثها بالبلد وبعض الأحداث الأخرى... _وقبيل أذان العصر كان البيت يعبق برائحة السعادة التي تعم الأرجاء، والشقة مليئة بالضيوف...

طفقت فرح تساعد بتوزيع أكواب العصير على الحضور، حتى سمعت صوت: -المرة دي بقى قريبة العروسة ولا العريس! ارتبكت فرح عند سماعها نبرة صوته التي تُزلزل قلبها، فلمَ يظهر أمامها بكل مكان وكأنه متعمدًا؟! هل يظن أن قلبها قوي لدرجة أن يتحمل رؤيته كل يوم ولا يهيم به عشقًا!! فيكفيها ابتسامته التي تخطفها وتسرقها لعالم آخر تتمنى المكوث به أبدًا. صرفت بصرها عنه وهي تغلق عينيها لبرهة ثم تفتحها بحركة سريعة قائلة بتلعثم: -أنت هنا!!!

أنت هنا ليه؟! أخذ كوبًا من العصير الذي تحمله على صينية بين يديها وارتشف منه رشفة ثم قال: -أنا هنا عشان المفروض أكون هنا! غمز لها بعينه، فأغلقت عينيها إثرها وكأنها ظنت أنه خُيل لها غمزته.. ثم فتحتها وهي تستدير منصرفة من أمامه لتدخل للمطبخ وهي تتمتم قائلة: -فزوة دي! هزت رأسها باستنكار مرددة: -جريء أوي. ومش مؤدب... ونزل من نظري.

خرجت مرة أخرى بعد أن ملأت الصينية بالأكواب الممتلئة بالعصير لتوزيعها على باقي الضيوف ولتجلب باقي الأكواب الفارغة، وقبل أن تدخل من الباب التفتت برأسها تنظر إليه فوجدته ينظر إليها مبتسمًا فارتبكت ولم تنظر أمامها وفجأة ارتطمت بالحائط بقوة فوقعت الأكواب من يدها قبل أن تنزلق قدمها وتفترش الأرض صارخةً...

أجفل يوسف وركض نحوها ليساعدها بجمع الأكواب التي كانت من البلاستيك فلم تنكسر، خلعت نظارتها لتتأكد من سلامتها قبل أن تقوم فهتف يوسف بخفوت وهو ينظر بعينيها: -يا بنت ركزي شوية هتفضحينا! سارت وهي في قمة إحراجها ودلفت للمطبخ متمتمة: -أنا إيه اللي بيحصلي ده.... أدعي عليكِ إزاي يا شاهيناز وأنتِ أمي! بدأت تقطع المطبخ ذهابًا وإيابًا بتوتر فاصطدمت يدها بوعاء الطبيخ ووقع على ملابسها مصدرًا صوتًا مرتفعًا...

هرولت صفاء إثر الصوت اتسعت عينيها في دهشة وهي تبدل نظرها بين فرح والوعاء وحاولت الحفاظ على هدوئها قائلة: -حصل خير .... حصل خير.. ابتسمت فرح ابتسامة صفراء قائلة: -أنا آسفة يا طنط. ربتت صفاء على ظهرها قائلة: -تعالي معايَ أشوف لك حاجة تلبسيها عند يُسر.. سحبتها صفاء من يدها مردفة: -هدخلك أوضة فاضية تقعدي فيها على ما الدوشة دي تخلص. حتمًا تريد صفاء التخلص من تلك المصيبة المتحركة، تنهدت صفاء وقالت وهي تصك أسنانها بغيظ:

-وتريحيلك شوية... ادخلي الحمام غيّري وأنا هجيبلك الهدوم. دخلت فرح لحمام الغرفة ونزعت ثيابها المتسخة لترتدي فستانًا آخر، وبعدما انتهت من تبديل ثيابها جلست على طرف السرير تتأمل الغرفة، وتفكر في مصير تلك الزيجة ومصير قلبها الذي بدأ يتعلق بيوسف. هي تعلم أنها ترتكب خطأ فادحًا، ويجب أن تردع قلبها عنه، لا يجوز ولا يصح أبدًا... لكن كيف وهو يظهر لها في كل مكان!

ظلت تفكر كثيرًا حتى قاطعها أصوات الزغاريد بالخارج لكنها لم ولن تخرج، ستبارك ليُسر في وقت لاحق، فلا تريد رؤية أحد بعدما هوت أرضًا أمام كل ذلك الحشد من الرجال! وبعد الوعاء الذي سقط فوق ثيابها لن تخرج كي لا تختلق مشاكل أخرى، يكفيها حرجًا!

مرت نصف ساعة وبدأت الأصوات في الهدوء فيبدو أن الأمر قد تم وحان وقت عودتها للبيت، حملت هاتفها لتتصل بأخيها ولكن هاتفه مشغول، وبمجرد أن أنزلت الهاتف عن أذنها فتح يوسف باب الغرفة فاتسعت عيناها بذهول من دخوله المفاجئ.

كان يتحدث عبر هاتفه وهو يفتح باب غرفته فانتفضت فرح وهبّت واقفة. رفع يوسف يده مشيرًا لها أن تهدأ، كانت صامتة تنظر له بكثير من الدهشة وقلبها يكاد يقفز من مكانه فزعًا، تحاول فهم ما يفعله هذا الشخص في هذا المكان وفي تلك اللحظة، أيعقل أنه ينوي الهجوم عليها وأخذها عنوة! اتسعت حدقتاها هلعًا عندما تخيلت تلك الفكرة واختلج جسدها حين دخل يوسف للغرفة ثم أوصد بابها من الداخل ومازال يتحدث عبر هاتفه ويطالعها بابتسامة عذبة:

-لا متقلقش أنا هوصلها بنفسي يا نوح لأني عارف إنها بتخاف من الكلاب. أغلق الهاتف ووضعه على مكتبه فقالت بريب: -أنت دخلت هنا إزاي؟ ازدردت ريقها وعادت للخلف خطوة مرددة بتلعثم: -و... وقفلت الباب ليه؟! صمت هنيهة ثم جلس على أقرب مقعد ووضع يده أسفل ذقنه قبل أن يرد بمكر: -باب أوضتي وأنا حر أقفله أو أفتحه، أنا حر!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...