تحميل رواية «فرح فهيمه» PDF
بقلم ايه شاكر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خلاص، فهيمة بنتنا هتتجوز راجل من حداكم طالما الجواز هو الحل عشان نرجع حبايب. قالها ماجد عمران بهيبته التي لا تُنازع، وبصوت قاطع لا يقبل الجدال، ناظرًا نحو الجالسين حوله، ثم هب واقفًا. لم يستطع ابنه «زيد» كبح جماح اعتراضه: - بس يابا... ارتفعت يد ماجد في الهواء، قاطعةً كلماته بحزم: - الكلام انتهى، يا زيد! ساد الصمت للحظات، لم يُسمع خلالها سوى أنفاس متوترة، قبل أن يتقدم سليمان النجار، كبير العائلة الأخرى، متمتمًا بصوته الأجش: - يبقى كتب الكتاب خلال يومين، والفرح والدخلة نحددهم بعدين... دار الحوار د...
رواية فرح فهيمه الفصل الأول 1 - بقلم ايه شاكر
- خلاص، فهيمة بنتنا هتتجوز راجل من حداكم طالما الجواز هو الحل عشان نرجع حبايب.
قالها ماجد عمران بهيبته التي لا تُنازع، وبصوت قاطع لا يقبل الجدال، ناظرًا نحو الجالسين حوله، ثم هب واقفًا.
لم يستطع ابنه «زيد» كبح جماح اعتراضه:
- بس يابا...
ارتفعت يد ماجد في الهواء، قاطعةً كلماته بحزم:
- الكلام انتهى، يا زيد!
ساد الصمت للحظات، لم يُسمع خلالها سوى أنفاس متوترة، قبل أن يتقدم سليمان النجار، كبير العائلة الأخرى، متمتمًا بصوته الأجش:
- يبقى كتب الكتاب خلال يومين، والفرح والدخلة نحددهم بعدين...
دار الحوار داخل بيت كبير في منتصف القرية حيث تجتمع الفخامة مع الطابع الريفي الأصيل. اصطفت الأرائك الفاخرة المكسوة بالمخمل الداكن، تتخللها طاولات خشبية منحوتة بإتقان، تعلوها أوانٍ نحاسية مزخرفة تعكس إرث العائلة العريق.
كان رجال العائلتين يجلسون في دائرة، تحيط بهم هالة من الترقب والتوتر، بينما تُعقد صفقة العائلتين التي ستغير مصير الجميع... نظر الرجال بعضهم إلى بعض، وتجلت الدهشة في أعينهم، لكن أحدًا لم يجرؤ على الاعتراض. لقد قُضي الأمر، وارتسم القدر أمامهم بلا رجعة.
تبادلوا نظرات سريعة، قبل أن ينهض كل منهم بصمت، وانفض المجلس... تاركًا خلفه أسئلة معلقة في الهواء، ومخاوف تثبت بالقلوب.
ــــــــــــــــــــــ
- يابا إنت بتقول هتچوز فهيمه ازاي إنت مش عارف إنها عايشه في مصر وكمان بتدرس في الچامعه!
قالها الإبن فتنفس والده «ماجد» بعمق وقال بانفعال:
- عارف يا زيد بس هي لازم تنفذ أوامري وإلا هكون مقاطع أبوها طول عمري.
وأردف بحسرة:
- أخوك إيهاب الله يرحمه غلط زمان وكلنا لازم نتحمل نتيجة غلطُه.
تنهد «زيد» وقال بقلة حيلة:
- لو فهيمه موافقتش على الچواز هنخسر كل شغلنا، ومفيش حل إلا إننا نتصالح مع عيلة النچار بأي شكل!
أرسل ماجد تنهيدة حارة وقال:
-ربنا يستر من الي چاي.
___________
على جانب أخر اجتمعت «عائلة النجار»
خاطب الأخ الأصغر أخيه الأكبر معاتبًا:
- هتچوز يوسف بت من الريف ازاي يا سليمان وإنت عارف إنه اتعين داكتور في الچامعه وعايش في مصر وسقف طموحاته عالي!
-يعني هيخالف أوامر عمه! حتى لو هو عصي هچبره..
ثم عقد سليمان جبهته مفكرًا لبرهة ثم أردف بتحدي:
- أنا عارف هخليه يوافق إزاي.
نظر لأخيه الأصغر وقال:
- كلمه وقوله عمك عايز يشوفك بكره..
- ماشي يا سليمان لما نشوف أخرة دماغك هتودينا فين!
عقب سليمان بثقة:
- متقلقش أنا مرتب لكل حاچه… أنا إلي ضيقتها عليهم وعرفت أچيبهم راكعين.
طالعه الأخ الأصغر بملامح يغلفها الاستفهام والتعجب، وقال:
- رچعت برده تفكر في الإنتقام!
رفع رأسه لأعلى قائلًا بخبث:
- أنا منستش الإنتقام أصلًا وطول السنين دي كنت بطاردهم في الخفى... وأخيرًا وقعوا تحت ايدي وچاين يطلبوا الصلح عشان ينقذوا شغلهم.
- طيب وليه وافقت على الصلح؟! ليه مرفضتش وسيبتهم يخسروا شغلهم.
هز سليمان رأسه معترضًا:
- لأن خسارة الفلوس مش هتوچع! أنا ناوي على حاچه تانيه.
هز أخيه الأصغر رأسه باستنكار ورمقه بنظرات حائرة:
-ربنا يستر من إلي چاي...
________________________________
وفي اليوم التالي
في أحد المطاعم جلست فتاة عشرينية متوسطة الطول بجسد نحيف، ترتدي نظارتها الطبيه وتجلس حول إحدى الطاولات بمفردها تأكل بشراهة.
رن هاتفها فردت وهي تأكل قضمة مما بيدها: "السلام عليكم يا أحلى بابا."
- عليكم السلام يا أحلى فرح، يلا عايزك تكوني هنا في خلال عشر دقائق عشان رايحين البلد.
- لأ بلد ايه أنا لا يمكن أعرف أجي... عندي محاضرات بكره مهمه وكمان فيه مطعم عامل تلت أيام أكل فري وأنا هتغدا وأتعشى فيه اليومين دول.
- أكل تاني يا فرح! نفسي أعرف الأكل دا كله بيروح فين… يلا يا فرح مينفعش، جدك طالبك قبلنا! قال فرح تجي قبلكم.
أخذت قضمة من الأكل أمامها وقالت:
- قال فرح ولا فهيمه!
- هتفرق معاكِ؟ فرح... فهيمه واحد!
ردت وهي تلوك الطعام بفمها:
- لأ طبعًا هتفرق لأن كدا هيكون اقتنع إني فرح وأغير اسمي... الله يرحمك يا جدتي لازم يعني تسموني على اسمها!!
- بت إنتِ متتريقيش على اسم أمي!
أخذت قضمه أخرى وقالت:
- بقولك يا بابا... أنا عرفت أد إيه أنا تافهه ومفيش حاجه في حياتي إلا النوم والأكل.... فأنا عايزه حضرتك تخلي فيه أكشن في حياتي يعني مثلًا تضـ..ربني، طفي السجاير في قفايه أي أكشن.
ضحك والدها: بس أنا مبشربش سجاير.
- طيب اي رأيك تخلي جدي يجوزني ابن عمي بالعافيه فيكون فيه أكشن في الموضوع ويعذبني وبعدين أحبه ويحبني.
- عايزه تتجوزي ابن عمك اللي في تالته ابتدائي يا فرح؟
فرح وهي تمضغ الطعام:
- ما هو دا الأكشن... ولما يكبر أحبه ويحبني… تفتكر على ما يكبر هيكون عندي كم سنه؟ ٣٥ مثلًا!
ضحك الأب على كلامها قائلًا: الله يهديكِ يا فرح.
تجاهلت كلامه وقالت وهي تنظر للطعام:
- متيجي تدوق الأكل هنا هيعجبك أوي وكمان صحي.
- فرح! خمس دقائق وتكوني عندي... الناس بتاكل عشان تعيش وإنتِ عايشه عشان تأكلي!
- حتى الأكل بصينلي فيه! حاضر هخلص السندوتش وأجي.
من ناحية أخرى سمعت صاحبة المطعم كلامها فأُعجبت بطريقتها المرحه واقتربت منها مبتسمه:
- نورتِ مطعمي المتواضع.
بلعت فرح ما في فمها وردت: "منور بوجودك."
ابتسمت سلمى قائله: عجبك الأكل؟
- جدًا جدًا أنا من كتر حلاوته عايزه أخده معايا البيت.
أشارت صاحبة المطعم لأحد العمال، وقالت:
- لو سمحت لف الأكل للأنسه...
تلعثمت فرح باحراج:
- لا والله أنا... أنا كنت بهزر.
- اعتبربه هديه مني ليكِ... عشان نشوفك عندنا علطول.
ثم استأذنتها وانصرفت، فأومأت فرح ووقفت تحدث حالها بحرج:
- يادي الإحراج... مش عارفه إيه الطفاسه إلي أنا فيها دي.
أخذت "فرح" الطعام وغادرت المطعم لتدخل القصة التي ستغير حياتها وتقبلها رأسًا على عقب.
ـــــــــــــــــــــــــــ
في طريق العائلة من القاهرة لكفر الشيخ وبالتحديد في المقعد الخلفي للسيارة مالت «فرح» على أخيها الأكبر «نوح» وهمست بخبث:
- طبعًا إنت في غاية السعاده عشان هتشوف الجو بتاعك!
لكزها نوح في ذراعيها بقوة متذمرًا:
- اسكتي يا فضيحه أنا غلطان أصلًا إني حكيتلك...
ابتسمت قائله بثقه ودهاء:
- من غير ما تحكي أنا أصلًا كنت عارفه، بس البت شكلها واقعه فيك يا معلم؟
وغمزت بعينها متخابثة، فاعتدل في جلسته ونظر لها بترقب وهو يسألها مبتهجًا:
- هي قالتلك حاجه؟!
- هي مقالتش بس أنا من خلال خبرتي في الحياه متأكده إنها واقعه فيك
- خبرتك في الحياه! اكتسبتيها إمته الخبره دي؟
مسكها من ياقة ملابسها مردفًا بحده مصطنعه:
- يا بت دا إنتِ مقضيه حياتك يا نايمه يا بتاكلي!
أزاحت يده عنها ورفعت سبابتها أمام عينه قائله بنفس نبرته:
- لو سمحت أنا مقبلش إنك تقلل من مسيرتي في الحياه، دا أنا فرح يعني حياتي كلها مرح.
ابتسم بسخرية وهو يهز رأسه باستنكار قائلًا:
- مرح! إنتِ تافهه يا بت؟
ضربته على كتفه فضربها واشتد النزاع بينهما فتدخل الأب الذي يقود السيارة:
- ايه بدأنا لعبة القط والفار المفروض كبرتوا على كده؟!
واستدارت الأم تخاطب فرح:
- عيب يا فرح أخوكِ الكبير.
ونظرت لنوح قائله:
- عيب يا نوح أختك الصغيره.
ابتعدت فرح عنه مسافه وقالت بغضب:
- أنا مش هكلمه أصلًا تاني دكتور الحيوانات ده!
- احمدي ربنا هتلاقي دكتور يعالجك لما تتعبي!
طالعته فرح باشمئزاز زائف قائله:
- أنا مش هرد عليك...
صرف بصره عنها ناظرًا لإتجاه الأخر وهو يقول:
-أحسن برده.
وبعد فتره وصلوا للبيت مع أذان العصر وارتجلوا من السيارة، تعلقت فرح بذراع أخيها وكأنهما لم يتشاجرا قبل قليل، طالعت بيت جدها الذي يقع بمدخل القرية ويضم ثلاث طوابق ويتدرج من شرفة الطابق الثاني سلم طويل بأرضيةٍ من الرخام، والدور الأرضي يحتوى على شرفة واسعة تسمى "ڤرنده" أسوارها حديدية تزينها مصابيح صغيرة، وأمام البيت حديقة تحتوي جوانبها على الورد وتنتشر بها أشجار النخيل والعنب والمانجا والجوافه والتوت وغيرها ثم ينتهي البيت ببوابة حديدية.
نظرت فرح لجمال الحديقه وقالت بحب:
- أنا بحب الريف جدًا وبحب البلد وأجوائها أوي خصوصًا في الصيف.
- هي بصراحه تتحب بس اللي مبتحبش بقا الناموس.
تركت فرح ذراعه وربتت على كتفه بيدها كأنها تشد أزره قائله:
- مرطبك في جيبك جهاز الناموس في إيدك أي ناموسه تجيلك علقها أوعى تهشها.
ضحك نوح قائلًا:
- على رأي جدي دا مش ناموس دا جاموس.
تعلقت فرح بذراعه مجددًا قائلة:
- يلا نبدأ المعركه.
رمقهما الأب متعجبًا ثم نظر للأم قائلًا:
- دول إللي كانوا بيتخانقوا من شويه!
- متركزش معاهم دول كل ساعه في حال.
وبعد أن دخلوا وتبادلوا السلام والترحاب استغل الجد تجمعهم ونظر لإبنه هشام"والد فرح" قائلًا بتردد:
- هشام يبني فهيمه چالها عريس.
فغرت فرح فاها بصدمه وردت بعفويه:
- لأ يا جدي أنا مش ناويه أتجوز أصلًا.
شرح الجد الغرض من الزواج والحوار الذي دار بينه وبين عائلة النجار فرد هشام"والد فرح" بحده:
- لأ يابا أنا مش هروح أرمي بنتي في النار عشان شغلك يمشي
حاول الجد «ماجد» التبرير قائلًا:
- إنت عارف غلاوة فهيمه عندي وأنا لا يمكن أرميها في النار! هيكون كتب كتاب يعني هيبقا على ورق وأنا هأچل الفرح خالص دلوقتي على ما شغلي يتظبط ونطلقها منه وكأن مفيش حاچه حصلت...
هز هشام رأسه بعنف واعترض:
- لأ يابا أنا مش موافق.
تجعدت ملامح ماجد ورد بحزم وبنبرة حادة:
- والله يا هشام لو ما وافقت لأكون مقاطعك عمري كله وأحلف عليك ما تحضر چنازتي.
ابتسمت فرح ببلاهه ووقفت تقزل بسذاجة، وهي ترفع ذراعيها كمن يحمل الأثقال:
- وأنا موافقه يا جدي أخوض المعركه دي.
نظر الجميع لفرح بدهشه وسحبها نوح من ذراعها بعنف لتجلس فعقبت متأوهه:
- براحه يا نوح دراعي.
رد عليها نوح بنبرة حادة:
- لما الكبار يتكلموا تسكتي خالص.
أشار الجد نحوها قائلًا:
- وأهي صاحبة الشأن موافقه.
أكدت فرح:
- أيوه موافقه يا جدي طالما حضرتك بتقول هيكون على ورق وهتحل مشكلتك يبقا على بركة الله.
قالت جملتها الأخيره مبتسمه بنفس البلاهه فهي لا تدرك عواقب ما قالته قبل قليل هي فقط تريد إضافة بعض الأكشن والمغامرة لحياتها الروتينيه فيا لساذجتها!
وبعد مناقشة الموضوع لساعة كامله وافقوا جميعًا وبدؤا يجهزون لكتب الكتاب الذي سينعقد في الغد، وستتعقد معه حياتها!
اقترب منها نوح وهمس لها قائلًا:
- أتمنى تكوني مدركه عملتي في نفسك إيه؟!
- طبعًا مدركه ملكش دعوه إنت.
هز رأسه باستنكار:
- والله شكلك ما فاهمه أي حاجه.
رمقته باستهجان ولم تعلق على كلامه وخرجت من البيت لتتمشى بالحديقه فخرج ورائها جدها وناداها:
- متخرجيش لوحدك يا فهيمه كل مره بتوهي وسط الأراضي وتحيرينا.
- متقلقش يا جدي أنا خلاص اتعودت.
- اتعودتِ على المكان!
- لأ إتعودت إني أتوه وتدوروا عليا وكدا...
نطق الجد بحزم وهو يضغط على كل كلمه بجملته:
- متخرچيش لوحدك يا فهيمه.
ردت بعدم اقتناع:
- حاضر يا جدو.
دخل جدها للبيت فنظرت هي يمينًا ويسارًا ثم تسللت دون أن يراها أحد لتخرج وتتمشى بين الأراضي كمان تهوى فهي تحب المغامره وتلقي بنفسها دائمًا في المهالك بدون أدنى تفكير ___________________
على جانب أخر في بيت «عائلة النجار»، في مكتب سليمان، وقف يوسف حائرًا بعد أن عرض عليه عمه سليمان فكرة الزواج واعترض عليها، لكن عمه حاول إقناعه بالرضا فرد عليه يوسف بهدوء:
- يا عمي لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وأنا لا يمكن أتجوز بالطريقه دي.
- هي فين المعصيه دي! هو أنا بقولك مشي معاها في الحرام! أنا بقولك اتچوزها على سنة الله ورسوله.
حين سمع يوسف جملة عمه زفر بقوه وحاول الحفاظ على هدوئه قائلًا بنبرة لينه:
- يا عمي ربنا بيقول" ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا ومن يفعل ذالك فقد ظلم نفسه"… وأنا لا يمكن أظلم نفسي وأظلم بنت بريئه ملهاش ذنب في أي حاجه!
اتجه سليمان نحوه ونظر لعيني يوسف برجاء كأنه يتوسله أمسك بكلتا ذراعيه:
- يا يوسف لازم تبرد ناري وتتجوز بت من حداهم عشان نكسر عنيهم زي ما كسروا قلوبنا زمان!
زفر يوسف بضيق لكنه حاول تمالك نفسه، تظاهر بالهدوء ليستطيع إقناع عمه ووضح وببعض الإنفعال:
- يا عمي والبنت ذنبها إيه لما عمها طلق عمتي وعمتي ماتت وأصلًا عمها كمان مات… ليه ننبش في الماضي وهو أصلًا اتردم عليه!؟
حدج سليمان الفراغ بنظرات غاضبه حين تذكر ما حدث قبل أعوام وعقب:
- عمتك ماتت بحسرتها لما طلقها ابن ماچد وراح اتچوز عليها.
هز يوسف رأسه باستنكار ولم يعقب، سند ظهره للحائط وحدق بالأرض واضعًا ظهر أصابعه على فمه يفكر في حل لتلك الورطه فمن الواضح أنه لا فائدة من محاولاته لإقناع عمه، نظر له سليمان ونطق بنبرة هادئة:
- اتجوز بنتهم سنه سنتين تلاته إللي يريحك وبعدين طلقها واتجوز إلي تختارها… برد ناري يا يوسف وخدلنا طارنا منهم.
زم يوسف شفتيه بحزن وقال بحزم:
- لا يا عمي أنا آسف لا يمكن أوافق على الجوازه دي.
ضرب سليمان راحة يده على المكتب بغضب فاصدرت دويًا مزعجًا، ثم رشق يوسف بنظرات حارقة قائلًا بنبرة أحد من السيف:
- تبقا إنت إلي حكمت على نفسك وعلى أمك وأختك.
أقبل سليمان نحو المكتب بخطوات واسعه وأخرج الأوراق من درج مكتبه ليضعها أمامه ثم أشار عليها قائلًا:
- وكدا هضطر أستخدم معاك القوه يابن أخويا.
نظر يوسف للأوراق على سطح المكتب وسأل متعجبًا:
- إيه الورق ده؟!
- دي الأوراق إلي مضيت عليها أول ما چيت شيك ب ٥مليون يا تسددهم يا تتحبس يا داكتور يوسف.
- ليه كدا يا عمي!؟
جلس سليمان على كرسي مكتبه رافعًا ذقنه لأعلى وقال:
- فكر يا يوسف وخد قرار، وياريت تفكر في أمك وأختك قبل منك.
تذكر يوسف أخته الصغيره وقرانها الذي سيُعقد بعد شهر، فهو معيل أسرته الوحيد، وها هو عمه لم يترك أي خيار سوى الموافقه!
حين طال صمته أضاف عمه:
- إنت المفروض تشكرني عشان چايبلك بت تتسلى معاها وبالحلال يابن أخويا.
رد يوسف بحسرة:
-.وإنت بتسمي دا حلال يا عمي.. اتجوز واحده عشان أنتقم منها ومن أهلها.. دا حلال في شرع مين؟!
رد سليمان بتحد:
- معندكش خيار إلا إنك توافق.
رمقه يوسف بنظرات عتاب وهم أن يغادر الغرفة وقبل أن يفتح الباب أوقفه صوت سليمان الذي نهض عن مقعده قائلًا بنظرات محذره:
- ياريت متتأخرش في الرد عليا لأن كتب الكتاب هيكون بكره!
زفر يوسف بحنق وخرج من الغرفه بل من البيت بأكمله...
__________________________
"الله على الجو الجميل والخضره الأجمل."
قالتها فرح وهي تنظر حولها مبتسمة وتتنفس بارتياح؛ إنه الريف وجماله، كانت تسير في طريق خالٍ من المساكن وعلى جانبيها أراضي زراعيه على يمينها أرض فارغة من الزرع تتجهز لموسم زراعة جديد، وعلى يسارها زرع الرز الذي أوشك على الحصاد..
كانت في مكان خالي من الناس يعمه الهدوء الذي يختلط مع أصوات العصافير في وقت الغروب وها قد غادر الجميع لبيوتهم، زفرت بارتياح قائلة:
- هي دي العيشه ولا بلاش يا سلام لو بابا يشوفلنا بيت هنا في البلد بعيد عن زحمة القاهره!
مصمصت بشفايها مردفةً:
- يا سلام.. يا سلام.
لمس الهواء العليل صفحة وجهها فأردفت قائله:
- دا يا محلاها عيشة الفلاح والله.
نظرت حولها فوجدت أرضًا بها شجرة جوافة ناضجة، أقبلت نحوها وأخذت واحده وهي تلتفت حولها كاللص وبدأت تتذوقها بمتعة، اغلقت عينيها وهي تمضغها مستمتعة بطعمها اللذيذ، ليقاطعها صوت نباح كلب وهي تخاف من أي حيوان خلقه الله ماعدا الخيل والقطط. جحظت عينيها بصدمه صارخةً ثم ألقت الجوافه من يدها بهلع وركضت من أمامه وأخذ الآخير يركض وهي تركض أمامه حتى وجدت أمامها ترعة فقفزت بها...
- لو كلب ابن كلب بقا بجد انزلي هنا نتواجه.
قالت جملتها بثقه فهي تحتمي بداخل بالمياه رد عليها الكلب بالنباح فصاحت بنبرة حادة:
- امشي بقا امشي!
ملئت كفها بالماء وقذفته به بغضب وهي تقول:
-امشـــــــــي...
لم تتخيل أنه قد يجلس على حافة الترعه لينتظرها لكنه فعل، سبحت يمينًا لتبتعد عنه وتخرج فقام الكلب وتبعها كأنه ينتظر ظهورها من المياه فتوقفت عن السباحه وقالت بحشرجة:
- إنت مبتمشيش ليه يخربيتك!
أجهشت بالبكاء:
- يارتني سمعت كلام جدي ومخرجتش لوحدي.
______________________________
من ناحية أخرى خرج يوسف من بيت عمه غاضبًا لم يسمح لأحد بمخاطبته وأخذ يتمشى بين الأراضي الزراعية يركل ما يقابله من أحجار بعصبية شديدة، حتى إرتفع أذن المغرب فلفت نظره تلك الفتاه التي تتحدث مع الكلب وكأنه يفهمها فتوارى خلف الشجرة ليستطيع رؤيتها وسماعها ولم تكن هي تراه...
أما هي فظلت عالقة بالمياه وذلك الكلب يقف على حافة الترعه، لوت فمها لأسفل وخاطبته بجديه وكأنه يفهمها:
- المغرب أذن امشي بقا زمان أمك بتدور عليك… زي ما أمي أكيد بتدور عليا.
لوحت له بيدها وهي تقول بنفاد صبر:
- امشي.. امشي.
رد عليها بالنباح، فسألته:
- معندكش أولاد! طيب عندك أخوات... أصحاب أو أي حاجه!
لوت فمها لأسفل بحزن وأردفت ببكاء مصطنع:
- صدقني زمانهم قلقانين عليك امشي بقا!
قابل الكلب كلامها بالنباح كأنه ينادي أصحابه وما هي إلا دقائق وكان أمامها خمسة كلاب أخرين غيره تقوس فمها لأسفل وهتفت بخوف:
- إيه ده إنت ناديت عيلتك؟!
بدأ الكلاب جميعًا بالنباح فصاحت بغضب وبصوت مرتفع:
- إنت كبرت الموضوع لــــيــــــه!!! ما كنا هنحله بينا... منك لله منك لله... يـــــا كــــلـــب.
وعلى جانب أخر كان يوسف يستمتع بحديثها حتى أنه تناسى حديث عمه وبدأ يراقب رد فعلها حتى ودعت الشمس السماء وأشك الجو أن يعتم فنظرت فرح للسماء ثم إليهم وقالت ببكاء:
- إنتوا ناوين تتعشوا بيا ولا إيه!
رأت مجموعة أخرى من الكلاب قد أقبلت إليهم فصرخت:
- لا لا لا إنت ناديت الكلاب إلي في البلد كلها ولا إيه؟! يا مـــــــامــــــا.... يا بـــــابــــا.... يا جـــــدو حد يلحقني يا نــــــــاس.
أوشكت الشمس أن تودع السماء وفقدت الأمل أن يسمعها أحد فسبحت بإتجاه اليمين لتحاول الإبتعاد عنهم وتخرج، لكن تتبعها الكلب مجددًا فصرخت:
- حد يلحقني.
قرر يوسف أن يساعدها فقد أوشك الليل على إسدال ستار عتمته أقبل نحوها وهو يقول:
- إنتِ بتعملي إيه عندك؟!
تهللت أساريرها حين رأته، وبصوت يعتريه القلق قالت:
- الحقني وساعدني… أنا بقالي كتير في المايه والكلاب دي مستنياني أخرج!
تبسم ضاحكًا وهو ينحنى للأرض ليأخذ مجموعة من الحجارة ويقذفهم بها حتى انصرفوا جميعًا، حاول كبح ضحكاته ونظر لها قائلًا:
-طيب اخرجي خلاص مشيوا.
نظرت له هو الأخر بريب، أيعقل أن يكون عفريت من الجن كما قرأت في رواية سابقة، أم أنه تلك النداهه التي تقتل الناس، فقررت ألا تخرج. وحين طال صمتها، سألها:
-مخرجتيش لـــيـــه؟!
- إنت مين؟!
ابتسم على حالتها تلك، نطق وهو يحاول كظم ضحكاته:
- طيب اخرجي الأول وبعدين نبقا نتعرف!
مسحت دموعها، وقالت بإصرار:
- قول الأول بسم الله الرحمن الرحيم...
انفجر بالضحك فقد فطن أنها تظنه جنيًا، تمالك نفسه من الضحك وقال:
- اخرجي بس الأول.
- لأ والله ما خارجه إلا لما تقول بسم الله الرحمن الرحيم.
- بسم الله الرحمن الرحيم.
تنهدت بارتياح وخرجت من المياه.
رمقها بنظرة سطحية قائلًا بمرح خفي:
- طبعًا كدا اتأكدتِ إني مش شيطان لكن أنا يا ستي عفريت مسلم.
صرخت واتجهت نحو المياه مجددًا وكانت ستقفز بدون تفكير، لكن أوقفها صوته:
- استني بهزر والله أنا انسان وإسمي يوسف!
التفتت إليه بشيء من الذعر فهتف بنبرة ساخرة وهو يحرك هاتفه:
- هو فيه عفريت هيشيل موبايل!
ازدردت ريقها بخوف ورمقته بهلع قائله بتلعثم:
- يعني إنت إنسان عادي زينا!
اومأ رأسه مؤيدًا فوضعت يدها على قلبها تهدئه من هلعه، تنفست بعمق وزفرت بارتياح ثم تحولت ملامحها للغضب، وهتفت ببعض الحده:
- بالله عليك دا كان وقت هزار يا كابتن إنت!!
قطب حاجبيه وعقب متعجبًا:
- كابتن!
رمقته بنظره سريعه، وتلعثمت:
-أيوه كابتن بشكلك إلي شبه أبطال الروايات ده!
ضحك يوسف على عفويتها وحك مقدمة رأسه بارتباك ثم قال:
- على العموم متأسف جدًا... ممكن أعرف إيه إلي جابك هنا في الوقت ده؟
- بتتدخل في الي ملكش فيه بس هحكيلك عشان ارتحتلك.
عقد يديه حول صده قائلًا:
- احكيلي.
نظرت حولها بارتباك فمعالم الطريق قد اختفت ولا تعرف طريق العودة للبيت، قالت:
- هو أنا جدي قالي متخرجيش لوحدك وبعدين غفلته وخرجت.
- غفلتيه!
- أيوه يعني هربت منه... المهم كنت معلمه البيت بشجره قدامه ونخله قبله بشويه.
نظر حوله للطريق المليء بالأشجار والنخيل:
- معلمه البيت بشجره ونخله واضح انك ذكيه أوي!
تجاهلت تهكمه، ووضحت أكثر:
- المهم يا كابتن كنت بسرق جوافه من أرض كدا، وفعلًا طعمها كان لذيد أوي وكنت مستمتعه لحد ما جه كلب جري ورايا وأنا جربت
نظرت حولها بتوجس تحاول تذكر طريق العودة، واستطردت:
- تقريبًا جريت شمال!
نظرت يمينها مردفةً بقلق:
- أو يمين مش فاكره!
تجعدت ملامحها ولوت شفتيها لأسفل كمن يوشك على البكاء:
- أنا شكلي كدا توهت تاني!
كان يراقب طريقة كلامها العفوية التي رسمت الإبتسامه بقلبه قبل شفتيه، فهي تشبه الطفله الصغيره، مظهرها يدل على أنها بالكاد على مشارف بلوغ أربعة عشر عام. فك عقدة يديه ووضع يده أسفل ذقنه متعجبًا:
- توهتِ تاني يعني دي مش أول مره!
- لأ دي سادس مره وجدي هيعلقني المره دي!
ابتسم ولم ينبس بكلمة، فنظرت حولها:
- المشكله هرجع إزاي؟
- قوليلي بس انتي من عيلة مين وانا هوصلك بنفسي لحد البيت.
رواية فرح فهيمه الفصل الثاني 2 - بقلم ايه شاكر
- قوليلي بس إنتي بنت مين وأنا أوصلك للبيت.
كادت أن تجيبه لولا أن قاطعها صوت فتاة يأتي من بعيد:
- فرح.... يا فرح...
لوحت لها فرح مبتهجة وهي تقول:
- أنا هنا يا مريم.
تنهدت فرح بارتياح ونظرت ليوسف قائلة بثقة:
- شكرًا يا كابتن أنا هعرف أرجع لوحدي.
ابتسم يوسف وهو يرمق تلك الفتاة «مريم» التي تقترب نحوهما قائلًا بسخرية لطيفة:
- واضح طبعًا إنك هتعرفي ترجعي لوحدك!
وقبل أن تقترب مريم استأذن منها قائلًا:
- طالما هترجعي لوحدك أستأذنك أنا بقى...
ابتسمت وهي تشير بيدها ليفعل قائلة:
- طبعًا اتفضل.
ثم استدار عائدًا للبيت وهو يردد اسمها كأنه يتذوقه على شفتيه:
- فرح.
زفر بقوة حين تذكر حديث عمه وامتلأ قلبه بالحيرة من جديد فلا بد أن يأخذ قراره الآن.
ومن ناحية أخرى وقفت فرح قبالة مريم ولكزتها في ذراعها بحدة وهي تصيح:
- إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
ضمتها فرح بقوة وهي تقول:
- مريوم وحشتيني أوي.
دفعتها مريم قائلة:
- هدومك مبلولة يا بنتي بهدلتي هدومي.
أطبقت فرح يدها على فمها وهي تضحك وثرثرت:
- متأسفة. إنتِ جيتِ امتى وعرفتِ إزاي إن أنا هنا وجدي عرف إن أنا خرجت ولا إيه؟! و...
قاطعتها مريم بهدوء:
- أديني فرصة أجاوبك... أنا وصلت من نص ساعة وخرجت أشتري حاجة فشوفتك من بعيد بس دي كل الحكاية.
تنهدت فرح بارتياح:
- الحمد لله بجد أنا كنت تايهة أصلًا.
نظرت مريم ليوسف الذي أوشك أن يبتعد عن مد بصرهما وسألتها:
- مين اللي كنتِ واقفة معاه ده؟
نظرت فرح عليه وأجابت بمرحها المعتاد:
- اسكتي دا أنا حصلي موقف تعالي هحكيلك واحنا ماشيين.
بدأت تسرد عليها ما حدث وتضحكان، وقبل الوصول إلى البيت رأت فرح حفل زفاف، فوقفت قائلة:
- الله ده فيه فرح!
رمقتها مريم بحنق وقالت بنبرة حادة:
- بقولك إيه يا بت إنتِ اهمدي كدا وبطلي هبل.
أمسكت فرح يد مريم قائلة برجاء:
- المرة دي بس يا مريم وهنفذ كل اللي تطلبيه بعدين.
رمقتها مريم بغيظ ولم تعقب فأردفت فرح برجاء:
- عشان خاطري يا مريم أنا من زمان نفسي أحضر فرح في البلد.
نظرت مريم لملابسها وقالت:
- هتروحي إزاي بهدومك المبلولة دي!
تهللت ملامح فرح بالسرور حين لاحظت بوادر الموافقة على مريم قائلة:
- أنا عرفت مكانه هروح أغير هدومي وأجي على ما تكون العروسة جت.
أردفت فرح وهي تنظر لعيني مريم بسعادة:
- هتيجي معايا صح؟!
أجابت مريم بحزم:
- لأ طبعًا بس خدي موبايلك عشان لو توهتي تتصلي بيا.
رفعت مريم سبابتها مردفة:
- وتجيبيلي معاكِ شيبسي فاهمة؟
- هجيبلنا شيبسي وبيبسي ونقعد نرغي للصبح.
مريم ابنة عمة فرح تعيش في بلد مجاورة بالقرب من قرية جدها، هادئة على النقيض من فرح بكل شيء، تحب العزلة عن الناس وتهوى القراءة، تكبر فرح بعامين، درست بكلية العلوم وتُكمل دبلومة التحاليل لتفتح معملها الخاص.
وصلتا للبيت ودخلتا بحذر من الباب الخلفي لأن الجميع مجتمع بالحديقة، سبقتها مريم لتتفقد الطريق كي لا يرى أحد حالة فرح.
نظرت بأرجاء البيت الذي كان فارغًا، أشارت لها مريم لتدخل على عجل، فتسللت فرح على أطراف أصابعها ثم ركضت للدرج لتصعد شقتهم بالطابق الأول علوي، نظرت مريم لأرجاء البيت مرة أخرى لتتأكد من عدم وجود أحد وكانت ستتبعها لولا ظهور نوح الذي ابتسم عند رؤيتها وأقبل نحوها، خفق قلبها سريعًا فهي تتهرب منه منذ وصولها، حاولت أن تركض لأعلى قبل أن يناديها وبالفعل صعدت درجتين فناداها: مريم!!!
كان لاسمها من بين شفتيه مذاق مختلف كأنه ترانيم تدخل قلبها فيتراقص على ألحانه. وقفت مكانها مرتبكة وازدردت ريقها بقلق، فهي تتهرب منه وهو يتعمد الاقتراب منها، التفتت له ووقف قبالتها معاتبًا:
- ينفع كدا بقالك ساعة هنا ومتسلميش عليا!
حكت مقدمة رأسها بتفكير وبررت:
- معلش أصل أنا كنت... كنت...
لم تكمل جملتها فقد هربت منها الكلمات، أغلقت عينيها تفكر في أي كلمة تقولها ثم فتحتها في سرعة قائلة بابتسامة بلهاء:
- إزيك يا نوح؟
ارتسمت الابتسامة على شفتيه قائلًا:
- بخير طول ما إنت بخير.
غلفهما الصمت لوهلة كان يحدق بها، لا يستطيع غض بصره عنها فلم يكتشف إعجابه بها إلا من عام واحد، لكنه لم يعترف لها حتى الآن، كانت تنظر بكل اتجاه خطفت نظرة سريعة له وحين رأت نظراته المسلطة عليها توترت وتلعثمت:
- أنا.. أنا هطلع فوق عايز حاجة؟
أومأ قائلًا بابتسامة:
- محتاجين نتكلم.
ارتبكت وفكرت في أي خدعة لتهرب منه:
- ماشي بس مش دلوقتي عشان... عشان هصلي المغرب.
أومأ متفهمًا:
- ماشي يا مريوم هستناكِ.
لم ينتظر ردها وولى ظهره ليغادر فصعدت الدرج مهرولة، لكن أوقفها صوته الذي صدع هامسًا بأغنية وهو يغادر المكان. نزلت درجتين حين ابتعد صوته ودخل لإحدى الغرف تريد سماعه بوضوح وابتسمت على غزله اللطيف، وقفت تسمع المزيد فلم يكن صوته عذبًا يستحق وقوفها لكنها شردت مع كلمات الأغنية...
من ناحية أخرى كان يعلم أنها تصنتت على لحنه فأخرج رأسه من الباب وغمز لها بعينه قبل أن يغادر تاركًا المكان.
اتسعت حدقتيها بصدمة من جرأته تلك، ثم ركضت لأعلى وهي تضع يدها على قلبها علها تهدئه.
سرعان ما ارتدت فرح فستانها الأزرق الفاتح الأنيق يعلوه حجابها الكاكاوي اللون، وقفت أمام المرآة تهندم حجابها فدخلت مريم ونظرت لها بتعجب قائلة:
- إيه السرعة دي حالًا لبستِ!!
ابتسمت فرح وهي تضع لمسة روج خفيفة على شفتيها قائلة:
- عشان ألحق الحفلة من أولها.
انحنت فرح تأخذ هاتفها قائلة:
- أنا هاخد موبايلي أهو، راقبيلي الجو بقى عشان أخرج.
زفرت مريم بغيظ وقالت:
- طبعًا ما أنا الخدامة اللي اشتريها بفلوسك.
ضحكت فرح قائلة:
- معلش يا مريوم نجاملك في الأفراح.
خرجت فرح تسير بحذر كي لا يراها أحد وتساعدها مريم التي تراقب لها الأرجاء، وبعد أن اطمأنت على خروج فرح دون أن يشعر أحد، وضعت مريم هاتفها على جهاز الشحن وخرجت للحديقة تخبرهم أن فرح نامت ولن تتناول عشائها.
صدقها الجميع لكن لم يصدقها نوح فهو يعرف أخته حق المعرفة.
دخلت مريم للمكتب لتأخذ كتابًا من مكتبة جدها تتسلى بقراءته لحين عودة فرح.
تبعها نوح وجذب انتباهه هاتف مريم على الشاحن الكهربائي، أخذه وتوارى كي لا تراه حاول فتح الباسورد بتاريخ ميلادها ففتح معه، وطلب رقم فرح.
نظر يوسف من نافذة غرفته فوجد عمه وزوجته يجلسان بالردهة، فقد أخذ قراره النهائي بشأن موضوع الزواج، هندم ثيابه وخرج إليهم وبعد أن ألقى السلام قال بنبرة هادئة:
- أنا موافق على طلبك يا عمي بس عندي شرط.
تدخلت زوجة سليمان "حنان" بفظاظة:
- شرط! إنت هتتشرط على عمك ولا إيه؟!
رد يوسف بنبرة جامدة دون أن يلتفت إليها:
- لو سمحتِ متتدخليش دا كلام رجالة.
ضحكت وقالت بتهكم:
- رجالة! والله وكبرت يا ابن صفاء.
حدها بنظرة حادة، تمنى لو استطاع لكمها بوجهها فهي السبب بتعاسة والدته وتدهور حياتها، فلم يترك البلد مع والدته وأخته من فراغ! وإنما غادر وترك كل شيء خلف ظهره ليبتعد عن شر تلك السيدة، فقد سلط الله عليها نفسها فلجأت للسحر وسلكت طريق الأذى فهي تستمتع بأذية غيرها وتستعين بالجن لأذية من حولها حتى زوجها لم يسلم من شرها!
ردت حنان بنبرة حادة:
- فعلًا إنت تربية مرة "امرأة" عشان كدا طالع قليل الرباية.
ضغط على أسنانه بغضب واكفهر وجهه، كان على وشك الانفجار لكن لحقه "سليمان" موجهًا حديثه إليها بشيء من الحدة:
- قومي يا حنان من هنا.
نهضت من مكانها دون أن تُعقب وهي ترمي يوسف بنظرة ساخرة وتتمشى بغنج كأنها تتعمد إثارة غيظه، حاول تمالك نفسه فلن يدخل معركة بلا هدف مع تلك السيدة.
جلس ليكمل حديثه مع عمه، الذي قال بهدوء:
- شرط إيه يا يوسف؟!
- هنكتب الكتاب لكن الفرح هنأجله سنة كدا ولا حاجة وخلال السنة دي مش عايز أشوفها ولا أقابلها...
- موافق بس هتكلمها في التليفون.
أومأ يوسف موافقًا وتلعثم:
- ولا... وكمان الورق اللي مضيتني عليه يتقطع بعد كتب الكتاب.
- موافق ورق الخمسة مليون هقطعه لكن ورق تنازلك عن أملاكك مش هيتقطع إلا بعد ما تنفذلي اللي طلبته كامل.
جحظت عيني يوسف وقال بصدمة:
- بس أنا ممضتش على ورق تنازل!
عقب سليمان بنبرة هادئة:
- زي ما مضيت على الخمسة مليون مضيت على ورق التنازل يا يوسف.
زفر يوسف بحنق وهب واقفًا ثم قال:
- ماشي يا عمي بس خليك فاكر إنك ظلمتني وأنا مش مسامح.
رمى جملته وغادر البيت بالكامل وهو في قمة غضبه، كان يشعر بالاختناق من الهواء الملوث الذي يملأ البيت، ويريد أن يتنفس هواء نقي يخلو من الخبث والحقد والمؤامرة.
صدع هاتفها بالرنين برقم مريم لكنها تتجاهلها فهي مستمتعة بأجواء الزفاف، لكن مع إلحاح الرنين ابتعدت فرح قليلًا عن أصوات الموسيقى الصاخبة وأجابتها بنزق:
- عايزة إيه يا مريم أنا لسه داخلة الفرح.
رد أخوها بتعجب وبنبرة حادة:
- فرح إيه يا بت! إنتِ فين؟
تلعثمت:
- لأ يا نوح فرح إيه.... دا أنا.. دا أنا نايمة فوق حتى اسأل مريم.
قال بحزم:
- دقيقة واحدة يا فرح وإن ملقتكيش قدامي هيكون ليا تصرف تاني.
نفخت بضيق وقالت:
- ماشي يا نوح راجعة.
أغلق معها ثم أخذ هاتف مريم واتجه إليها، كانت بغرفة المكتب تجلس على المقعد وتسند ظهرها، تعيش في عالم آخر مع الكتاب الذي تقرأه. لم تشعر به حين وقف أمامها يتأملها دون أن يبالي بعقوبة تارك غض البصر، كانت تبتسم حين قرأت جملة أعجبتها فقاطعها صوته قائلًا ببعض الحدة:
- يا أستاذة مريم!
انتفضت واقفة بصدمة حين سمعت صوته وردت:
- نعم!
رفع إحدى حاجبيه لأعلى وسألها بلوم:
- ينفع تداري على فرح وتقوليلي أنها نايمة وهي بتصيع بره.
تلعثمت تبرر:
- والله... والله هي اللي اتحايلت عليا وأنا...
قاطعها بعتاب:
- أنا كنت فاكرك أعقل من كده يا مريم بس خذلتيني.
تجعدت ملامحها بحزن حين قال جملته وحاولت التبرير مجددًا:
- أنا آسفة والله هي اللي اتحايلت عليا.
زفر بقوة وقال:
- أنا مضطر أقول لجدي وهو يتصرف معاكم.
نظرت إليه برجاء توسلت وهي تضع يدها على فمها بتوتر:
- لا لا... بالله عليك يا نوح بلاش جدي وأنا مش هعمل كدا تاني والله.
حدجها بمكر قائلًا:
- موافق بس بشرط.
أومأت تطلب منه أن يلفظ ما يريد:
- تعمليلي كوباية قهوة.
سألت بتعجب:
- قهوة دلوقتي!
- أيوه قهوة وتكون مظبوطة وليها وش حلو كدا.
قالت بنبرة مرتعشة:
- بس أنا مبعرفش أعمل قهوة.
سار خطوتين وهو يقول:
- خلاص يبقى أروح أحكي لجدي.
هزت سبابتها يمينًا ويسارًا قائلة بارتباك:
- لأ لا خلاص هتصرف وأعملك.
أخذ الكتاب من يدها وجلس على المقعد ثم وضع رجلًا فوق الأخرى قائلًا:
- وريني بقى الكتاب دا أقرأ فيه على ما تيجي.
رمقته بغيظ وخرجت من الغرفة تتمتم بكلام غير مفهوم وتوبخه دون أن يلاحظها، ناداها فالتفتت إليه، أمرها:
- تعمليلي ساندوتش معاكِ عشان معرفتش أتعشى.
قالت بنفاذ صبر:
- حاضر.
كانت ستخرج لكن ناداها مجددًا ونظرت له بنزق فقال:
- اقفلي الباب وراكِ ...
خرجت من الفرح لتعود للمنزل وقفت تزفر بحنق فكانت تتمنى أن تقضي بعض الوقت في الحفل.
رآها يوسف فأقبل نحوها، كانت متجهة الوجه منقبضة الملامح، سألها:
- إيه توهتِ تاني ولا إيه؟!
انتفضت حين سمعت صوته فقد ظنته أخاها أو أباها، وضعت يدها على قلبها قائلة:
- حرام عليك خضتني يا كابتن.
- برضه كابتن!
ضحكت ولم تُعقِّب، فسألها:
- الفرح دا تبعكم؟
ترددت في الإجابة وتلعثمت:
- أ.. أيوه.
- وإنتِ بقى قريبة العريس ولا العروسة؟
- العريس... لا العروسة قصدي العريس والعروسة.
أكملت كذبها توضح:
- أنا قريبة العريس بس العروسة تبقى بنت خالة أخت صاحبة بنت عمة أمي.
قالت جملتها بسرعة فلم يحاول فهمها، وقبل أن يسأل سؤال آخر استأذنته قائلة:
- بعد إذنك.
لم تنتظر رده، سارت خطوتين أما هو فشغله عنها رنين هاتفه برقم أخته.
رأت كلبًا يتجول أمامها فعادت إليه مرة أخرى قائلة:
- ممكن تعديني من الكلب ده لو سمحت؟
ابتسم قائلًا:
- حاضر تعال.
سار أمامها وتبعته، صدع هاتفه بالرنين مجددًا فرد قائلًا:
- أيوه يا يُسر.... قولتلك راجع بكرة مش فاهم قلقانين ليه؟... يا حبيبتي طمنيها وقوليلها إني كنت بشوف شقة في المدينة عشان نقعد فيها لما نستقر هنا.... لا مستحيل أقعد في البلد مش هستحمل.
نظر لفرح التي تسير جواره كأنه تذكر وجودها للتو، وأنهى الحوار مع أخته قائلًا:
- خلاص يا حبيبتي هكلمك بعدين... محمد رسول الله.
أغلق هاتفه ونظر لفرح قائلًا بجدية:
- فين بيتك؟
قالت وهي تشير للأمام:
- البيت لسه قدام شوية... ارجع حضرتك وأنا هكمل لوحدي خلاص الكلب مشي.
عقّب يوسف:
- طيب همشي معاكي شوية كمان.
أومأت رأسها موافقة، لن تستطيع كبح جماح فضولها، فجمعت كلماتها:
- هو أنا ممكن أسأل حضرتك سؤال؟
رمقها بنظرة سريعة وقال:
- أنا تقريبًا عارف هتسألي عن إيه!
- طيب هسأل عن إيه؟
- أكيد عن أي حاجة بخصوص المكالمة دي!
ابتسمت قائلة:
- بصراحة أيوه كنت هسألك ليه مش حابب تعيش هنا، دا أنا بتمنى أقعد هنا.
ابتسمت بحب وهي تجول بنظرها في المكان قائلة:
- هنا هدوء وجو جميل والناس كلها بتحب بعضها.
قاطعها قائلًا بضحكة متهكمة:
- قصدك الناس كلها بتتدخل في حياة بعضها مش بتحب بعضها.
رمقها يوسف بنظرة عابرة وأردف قائلًا:
- إنتِ لسه صغيرة متعرفيش حاجة!
ردت وهي توقع كلماتها:
- أنا مش صغيرة أنا عندي 20 سنة.
وقف مكانه ونظر لها بتعجب قائلًا:
- بتهزري صح! أنا والله فاكرك 14 أو 15 سنة بالكتير!
ابتسمت قائلة:
- لأ أنا شكلي صغير بس أنا في ثالثة جامعة.
نظر لها قائلًا بتعجب:
- ما شاء الله ويا ترى إنتِ في كلية إيه بقى؟
قاطعها صوت نباح كلب جوارها، في الواقع لم يكن ينبح عليها لكنها فزعت فوقع الهاتف من يدها.
وحين انصرف الكلب انحنت لتأخذ هاتفها، وانحنى معها فلمست يده يدها بالخطأ، تلاقت نظراتهما، حدّق بها للحظات كانت لحظات توقف خلالها الزمن، تلك النظرات الخاطفة مع تلامس أيديها سحبتهما لعالم آخر، سرعان ما سحبت فرح يدها وهبت واقفة فوقف بعدها وأعطاها الهاتف، استأذنته قائلة بارتباك:
- خلاص شكرًا ليك أنا هكمل لوحدي البيت قريب.
مسح على رأسه بإحراج قائلًا:
- مع السلامة خلي بالك من نفسك.
خرجت الجملة من فمه كالسهم الذي طعن قلبها الضعيف فزرع به شيئًا غريبًا وشعورًا لأول مرة يسلك طريقه لقلبها وعقلها، ردت دون أن تنظر إليه قائلة:
- شكرًا الله يسلمك.
هرولت من أمامه تريد أن تهرب من نظراته تلك، وضعت يدها على قلبها تشعر بخفقاته الغريبة، فما هذه النفحة التي أصابته!، لابد أن هذه هي لعنة اللمسة الممنوعة، تلك اللمسة التي يزينها الشيطان فلا تكون مجرد لمسة عادية؛ إنما يكون اللمس بمقدار مائة ألف لمسة تزلزل المشاعر وتحرك الغرائز، يزينها الشيطان لتطلبها النفس وتهواها، فهل سألت نفسك ولو لمرة واحدة لمَ أي شيء محرم يكون له مذاق آخر وطعم مختلف عن الحلال؟ فالإجابة أن الشيطان يزين المحرم حتى تهواه النفس فتقع فيه ثم تكتشف أنه لم يكن بتلك اللذة؟!
ظل يوسف يتتبعها بعينه حتى اختفت عن مدى بصره، أثرت نظرته تلك بأعماق قلبه كيف لا وكل المصائب والمصاعب تبدأ بنظرة، تلك النظرة لن تمس القلب بهدوء وتمضي؛ إنما تُغرس به كسهم يخترق الجسد دون استئذان فيحرك المشاعر الكامنة.
كَم نظرةٍ فعلتْ في قلب صاحبها
فِعْلَ السهامِ بلا قوسٍ ولا وترِ
بدأ يوم جديد.
ارتفعت أصوات الديوك مُعلنة عن حلول الصباح، كانت فرح تتقلب على سريرها طوال الليل في قلق وأرق.
فتحت عينيها بنعاس وأخذت هاتفها لتفقد الوقت فكانت الخامسة والنصف صباحًا. أغلقت عينيها وكانت ستكمل نومها لكن ذكرها قلبها بليلة الأمس وتلك اللمسة التي كلما تذكرتها ينتاب جسدها القشعريرة وتتحرك مشاعرها فترتسم الابتسامة تلقائيًا على وجهها، فتحت عينيها وقامت لتهرب من تلك الأفكار وتصلي الفجر قبل إشراق الشمس.
وبعد فترة صلت فرضها وجلست تقرأ وردها اليومي من القرآن الكريم حتى وصل إلى مسمعها صوت الشيخ المنشاوي الذي يخطف القلوب.
نهضت تنظر من نافذة الغرفة فكان جدها يقف بالحديقة، يسقي الورود وهو يردد آيات القرآن مع صوت شيخه المفضل، ابتسمت وأطلقت تنهيدة طويلة ثم دعت الله أن يمد بعمره بل تمنت أن يعيش أبدًا، ركضت للخارج وسرعان ما وقفت خلف جدها هاتفًة بمرح:
- إيه اللي مصحيك بدري كدا يا عسل؟
نظر لها بحب وقال:
- متعود أصحى الفجر ومنامش إلا الظهر.
ضحكت قائلة:
- أنا بقى متعودة أنام الفجر ومصحاش إلا الظهر.
عقّب بحسرة:
- إنتوا جيل ما يعلم بحاله إلا ربنا... دا إحنا زمان كانت العشا تأذن نصليها ومتلاقيش نفر ماشي في الشارع.
قالت وهي تشير بيدها للخلف:
- زمان بقى يا جدي إحنا جيلنا غير جيلكم.
- زمان يا فهيمة نادرًا لما كنا نسمع عن شباب بيموت إنما دلوقتي نادر لما نسمع عن حد كبير في السن بيموت!
توقف عن سقي الورود ونظر للفراغ بشرود مُرسلًا بحنين للماضي:
- زمان كان فيه بركة وكان فيه حياة، دلوقتي لا فيه بركة ولا حياة.
تنهدت فرح بأسى قائلة:
- زمان يا جدي مكنش فيه الضغوطات النفسية اللي بيمر بيها الشباب دلوقتي زمان كانت الحياة أسهل.
ابتسمت بسخرية مريرة:
- رغم تطور التكنولوجيا إلا إننا مع كل تطور جديد بيتخلق معاه ضغط نفسي جديد… إحنا تعبانين أوي يا جدي، تعبانين من كل حاجة... الحياة تعبتنا أوي..
ابتسم الجد وجلس أمامها على المقعد قائلًا:
- عارفة يا فهيمة أنا أحيانًا بحس إنك عاقلة قوي وأحيانًا بحس إنك لاسعة ومحتاجة تتعالجي.
قهقهت بالضحك ثم ارتسمت الجدية على ملامحها وقالت:
- أنا نفسي ساعات بحس كدا يا جدو.
- بس تعرفي أنا بحبك في كل حالاتك يا بت إنتِ.
ابتسمت واتجهت نحوه تضمه وهي تقول:
- وأنا بموت فيك يا أحلى جدو في الكون كله.
جلس يوسف على سجادة الصلاة بعد أن أنهى صلاة الصبح فلم يلحق بصلاة الفجر، واليوم الذي يغفل عن صلاة الفجر يتأكد أنه قد أذنب بشيء ما، حتى مُنع أجرها، قام وطوى السجادة وبدأ يومه بالاستغفار، ذكره قلبه بفرح وما حدث ليلة الأمس، فتنهد بحسرة لأنه أطلق بصره ونظر إليها بحرية!
نظر في المرآة مخاطبًا لنفسه:
- خلاص يا يوسف غلطة مش هتتكرر تاني ولا هتشوفها تاني اهدى.
تنفس بعمق وزفر الهواء من فمه قائلًا بندم:
- ربي إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
وقبل غروب الشمس كان البيت ممتلئًا بالرجال فهو توقيت كتب الكتاب، كانت فرح تجلس على سريرها ترتدي بيجامتها وبجوارها طبق مليء بالخيار والجزر تأكل منه بطريقة تشبه الأرانب حين تقرض الجزر، كان جهاز اللابتوب أمامها وتشاهد توم وجيري وهي تضحك من قلبها كطفلة صغيرة، دخل أخوها مع والدها ومعهما بعض الأوراق فردد أخوها قائلًا:
- امضي يا أختي.
كانت تلوك ما بفمها من طعام وهي تقول:
- إيه ده؟
قال والدها:
- كتب كتابك يلا اتفضلي امضي وابصمي.
مضت الأوراق وحين طلبوا منها أن تبصم نظرت لمكان صورته فوجدته فارغًا فقالت:
- أومال فين صورة العريس؟
رد والدها:
- لسه هيحطها.
نظرت لصورتها وحدقت بها بصدمة قائلة:
- وإيه الصورة اللي حاطينها لي دي مناخيري طويلة وعريضة دي الصورة كلها مناخير.
دققت النظر وأردفت:
- وعيني محولة وإيه الحبوب اللي في وشي لأ وكمان سمرا.. دا... دا أكيد فوتوشوب صح!
ضحك نوح قائلًا باعتزاز:
- الصراحة أنا اللي مظبطلك الصورة دي.
عقدت حاجبيها قائلة:
- قصدك مخيبها متقولش مظبطها.... ويا ترى بقى العريس شاف الصورة دي.
ضحك نوح:
- شافها ومضى عادي.
ضحك والدها قائلًا:
- بس يا عيني كان باين عليه منبهر بجمالك.
انفجرا بالضحك كانت ترمقهما بغيظ حتى قال نوح:
- ابصمي يا فرح خلصي.
انحنت لتبصم فغنى أخوها وهو يضحك قائلًا:
- حسرة عليها حسرة عليها حسرة عليها.
نظر له والده قائلًا بجدية:
- بس بقى نوح...
زفرت فرح بحنق وبدأت تبصم مرة وراء الأخرى حتى انتهت، وبعد أن خرجا من غرفتها جلست تُكمل مشاهدتها للكارتون لكن ليست بنفس الحماس.
وحين تذكرت تلك الصورة أغلقت اللابتوب بغضب، وأخذت تأكل الجزر لتصب غيظها وهي تمضغه، تعالت أصوات الزغاريد فعلمت أن الأمر قد تم بالفعل وأصبحت متزوجة من شخص مجهول، حكت رأسها بشرود وهتفت قائلة:
- أنا حاسة إني دخلت جوه رواية!!! ولا دا حلم ولا إيه!
فردت جسدها على السرير وما زالت تمضغ طعامها حتى طرق أخوها باب الغرفة ودخل قائلًا:
- خدي يا أختي سجلي رقم زوجك العزيز.
أخذت الورقة من بين يديه وقالت:
- وأنا مالي برقمه أسجله ليه أصلًا؟
رفع كتفيه كناية عن جهله وعلق:
- جدك اللي أمر بكده.
خرج وتركها تفكر فيما يحدث حولها من أحداث غريبة ومريبة!
وبعد انتهاء كتب الكتاب وخروجهم من البيت غادر يوسف البلد بأكملها.
ارتجل من سيارة الأجرة وتذكر اسمها وصورتها، زفر بحنق وهو ينطق اسمها:
- فهيمة!
طرق بيديه على رجليه بقلة حيلة قائلًا:
- منك لله يا عمي على التدبيسة السودة دي.
سجل رقمها على هاتفه زفر بحنق قبل أن يتجه نحو سيارة الأجرة الأخرى ليركبها ويعود للقاهرة...
وفي نفس اليوم عادت فرح إلى القاهرة مر عليها أسبوع وعادت حياتها لروتينها السابق تنام وتستيقظ لجامعتها ثم تعود لبيتها لكنها لم تنسَ يوسف ولا ملامحه التي فتنتها، ظل عقلها يُذكرها به بين حين وآخر فتلمس يدها التي تلامست مع يديه وتبتسم، شعرت بما تفعله من حماقة، فتجهم وجهها وخاطبت نفسها بحدة:
- مالك يا فرح... لأ بجد مالك إيه اللي بيحصل ده...
أردفت وهي تحاوط رأسها بكلتا يديها:
- لأ أنا لازم أوقف تفكيري ده عند حده مينفعش خالص اللي بفكر فيه ده....
زفرت بقوة مردفة بنبرة هادئة:
- خلاص هو مشي ومش هشوفه تاني بفكر فيه لييييه!!!
نفخت بحنق وبدأت بارتداء ملابسها لتذهب لجامعتها، وعندما وصلت كليتها رأت الفتيات تهرول للمحاضرة فتعجبت لأنه من المعتاد ألا يحضر الكثير من الطلاب، ودائمًا ما يكون المدرج فارغًا، دخلت المدرج وتفاجئت بامتلاكه وخصوصًا بالفتيات، لوت شفتيها لأسفل بتعجب وظلت تبحث عن مكان تجلس به فهي تهوى الجلوس بأول مقعد لكن المقاعد كلها ممتلئة ظلت تبحث عن مكان فأشارت لها زميلتها التي حجزت لها مكان بمنتصف المدرج، جلست فرح بجوارها وسألتها ساخرة وبدهشة:
- هو فيه حفلة ولا إيه؟!
المدرج مليان أوي!
ابتسمت الفتاة:
- فيه دكتور جديد هيدرسلنا النهارده.
- وجايين يحتفلوا بيه يعني ولا إيه!؟
أسبلت الفتاة عينيها ووضعت يدها أسفل ذقنها قائلة بهيام:
- أصله دكتور قمر أوي.
نظرت لفرح قائلة بتحدي:
- أراهنك لو محبيتهوش من أول محاضرة.
عقبت فرح بنزق:
- لأ أنا مبحبش الحلاوة اللي بيتلم حواليها الذباب.
- اصبري بس هتشوفيه دلوقتي.
أسندت فرح رأسها على البنش قائلة:
- أنا هنام شوية ولما يجي القمر ابقي صحيني.
وبعد خمس دقائق دخل المدرج، كان يرتدي بدلته الأنيقة، جهّز شاشة العرض، وضع يده على فمه متنحنحًا ثم تحدث:
- خلاص بقى الصوت يا شباب... الصــــوت.
رفعت فرح رأسها لتنظر إليه وجحظت عيناها بصدمة، وضعت حقيبتها أمامها وأخفضت رأسها كي لا يراها وهي تقول:
- يا نهار ألوان.... ده ليه وجع القلب اللي على الصبح ده!!
عقدت حاجبيها وتمتمت:
- أنا قولت إني دخلت رواية محدش صدقني!
رواية فرح فهيمه الفصل الثالث 3 - بقلم ايه شاكر
- أنا قولت إني دخلت رواية محدش صدقني... أنا متأكده إن أنا بحلم لا يمكن أبدًا يكون دا واقع... عايزه أصحى بقا!!
تقوس فمها لأسفل حين أيقنت ليس حُلمًا بل هو أمامها... هو بالفعل أستاذها بالجامعة...
همست لنفسها:
-طالما مقومتش من النوم يبقا دا واقع فعلًا!!
كان المدرج ساكنًا لا يظهر به سوى صوت يوسف وهو يُلقي المحاضرة...
أضاء هاتف فرح برقم مريم،. فدمدمت:
-مش وقتك خالص يا مريم!
نزلت فرح أسفل المقعد لتجيب الهاتف.
لاحظ يوسف حركه غريبه وضحكات للفتيات بجوار فرح فأكمل شرحه متوجهًا نحوها؛ كان يتحدث عبر مكبرات الصوت فلم تلحظ «فرح» أي تغيير بصوته وهو يرنو إليها ليستكشف ما يحدث...
لكزتها زميلتها بقدمها لتخرج، لكن فرح لم تبالي ولم تفهم مقصدها.
وما أن أنهت فرح المكالمة خرجت من أسفل المقعد...
وكان يوسف جوارها ليمسكها بالجرم المشهود.
كان يرفع إحدى حاجبيه لأعلى ويحدجها بنظرات حاده وملامح منقبضه، وحين رأها وتجلت ملامحها انبسطت ملامحه في دهشة...
حاول يوسف التصرف بطريقة طبيعية كي لا يلاحظ الطلبه فهتف آمرًا:
-قومي اقفي.
ازدردت ريقها بتوتر ونهضت بارتباك.
نكست رأسها لأسفل وهي ترمقه بنظرات جانبيه فبدت كطفلة صغيره تنتظر عـ.ـقاب أبيها لاقترافها خطأ ما!
أخفى ابتسامته ومد يده محركًا أصابعه ناحية جسده وهو يقول بجمود:
-هاتي الموبايل ده!
أعطته الهاتف دون أن تنبس بكلمه فأخذه وعاد لمكانه ثم قال بنبرة جامدة:
-اقعدي.
واستأنف يوسف المحاضرة وكأن شيئًا لم يكن...
وبعد انتهاء المحاضره أخذ هاتفها معه وخرج ولم يبالي لها، فهرولت لتتبعه وهي تحاول الخروج من بين ازدحام الطلبه وتكدسهم على الباب هاتفة:
-موبايلي!!!! يا... يا... يا كابتن!!
________________________________
كان نوح يعلم بميعاد قدوم مريم لحضور محاضرتها ومن حسن حظه أن اليوم هو يوم أجازته الأسبوعيه أوصى فرح أن تطلبه بعد الانتهاء من محاضراتها ليأخذهما للبيت، كان ينظر بهاتفه كل دقيقة يتفقد إذا وصلته مكالمة منها...
طلب نوح رقمها فهو يعلم أن محاضرتها قد انتهت قبل دقائق وانتظر الرد....
على جانب أخر نظر يوسف لهاتف فرح الذي أضاء بين يديه برقم مُسجل "رفيق العمر"، أصابته لعنـ.ـة الفضول تمنى لو يعرف من هو هذا الرفيق!...
وما هي إلا دقائق وطرقت فرح باب مكتبه بقبضة يدها المرتعشة.
كان يوسف ينتظر قدومها على أحر من الجمر، جلس على مكتبه وفتح جهاز الابتوب أمامه ليتظاهر بانشغاله عنها، ثم أذن لها بالدخول قائلًا بنبرة مرتفعة وبجديه:
"ادخــــــل"
دخلت فرح منكسة الرأس تتعثر في خطواتها وتفرك يديها بارتباك.
رماها بنظرة سريعة ثم نظر لجهاز الابتوب يحدق به بتمعن مصطنع.
وقفت فرح أمامه ولم تنبس بكلمه.. عدلت من حقيبتها بتوتر ووقفت تفرك يدها، وحين طال صمته ولاحظت إنشغاله ازدردت ريقها بتوتر وتنحنحت لينتبه لوجودها سمعها ولم يرفع رأسه، فهتفت قائلة بتلعثم:
-أ... ممكن حضرتك تديني الموبايل؟
نظر لها يوسف بملامح جامدة وزم شفتيه للحظة ثم قال بجديه:
-ينفع إلي عملتيه ده!!
نظرت له بخجل واعتذرت:
-أنا آسفه والله يا دكتور مش هكررها تاني.
عقد أصابع يديه معًا ونظر لها يعاتبها:
-أصل لما حضرتك تردي على الموبايل في المحاضره تبقي مش عامله احترام للي واقف قدامك.
عدلت نظارتها بارتباك وقالت بنبرة مرتجفة:
-أسفه والله مش هعمل كدا تاني.
تركها تقف أمامه وحدق بجهاز الابتوب، رمقته بحيرة فلمَ يعاملها بكل هذا الجمود ولا تدري أعرفها أم لا! تنهدت بحيره ونطقت بتوتر:
-ممكن الموبايل يا دكتور؟!
زفر بقـ ـوه وأخذ هاتفها من أمامه ليضعه على طرف مكتبه ثم قال بجدية:
-اتفضلي.. وياريت الموضوع ده ميتكررش.
ابتسمت وهي تمد يدها لتأخذ هاتفها وتقول:
-شكرًا لحضرتك.
هرولت لتخرج من مكتبه وتختفي من أمامه، أما هو فنظر لأثرها بحيره ثم ابتسم قائلًا:
-جايه ورايا ليه يا فرح؟
تنهد بقلق وأغلق جهاز الابتوب وهو يحدق للفراغ بشرود...
وبعد أن خرجت فرح من مكتبه وأغلقت بابه بإحكام وقفت تفكر بحيره وتتسائل ألم يتعرف عليها هل لأنها ترتدي نظارتها الطبيه؟! لوت شفتيها لأسفل بحيره ثم نظرت لأعلى قائله برجاء:
-يارب ميكونش عرفني...
بقلم آيه شاكر
______________________________
وقفت مريم أمام الكلية وقد نفذ صبرها فهي تنتظر فرح منذ ساعة فقد خرج زمائلها من المحاضرة ولم تظهر هي حتى الآن، نفخت مريم بحنق وطلبتها مجددًا وهذه المرة أجابتها فرح:
-جايه أهوه يا مريم إنتِ فين؟!
عقبت مريم بنبرة مرتفعه وبحده:
-أنا اتهـ ـبلت رن عليكِ يا فرح إنتِ إلي فين!
عقبت فرح بنزق:
-اسكتي عشان بسببك الموبايل اتسحب مني وبقالي ساعه بتحايل على الدكتور يديهولي
زفرت مريم بقـ ـوة وقالت:
-أنا واقفه قدام كليتك... والله لو أعرف البيت كنت روحت لوحدي
فقد انتقلت فرح لمنزل جديد ولا تعرف مريم بعنوانه...
عقبت فرح بسخريه لطيفه:
-ومكلمتيش نوح ليه كان هيجي ياخدك.
تلعثمت مريم:
-نوح! لأ هو أكيد في شغله.
-النهارده أجازته اقفلي بقا عشان هكلمه يجي ياخدنا.
عقبت مريم في سرعه:
-لا لا بلاش.
-هو كان قايلي لما تخلصي كلميني.
عقبت مريم بقلة حيله:
-طيب يلا بسرعه بقا أنا قدام الكليه.
أغلقت مريم معها ونفخت بحنق، فكلما تهربت منه أجبرتها الظروف على رؤيته، بدأت تقرض أظافرها لتُهدئ من توترها، إلى أن ظهرت فرح فرفعت يدها لتشير لها وتناديها...
أقبلت فرح نحوها وسارتا معًا حتى خرجتا من الحرم الجامعي ووقفتا تنتظرانه ليأتي...
وبعد فتره أشار لهما نوح فاتجهتا نحوه.
على جانب أخر رأها يوسف وهي تركب بجوار نوح حاول أن يرى من ذلك الشاب الذي جلست جواره لكن لم تتبين له ملامح فصرف نظره عنهم وقد انتبه لما يفعل، فتمتم:
-وأنا مالي بفكر فيها ليه أصلًا؟!!
وفي السياره
قررت فرح أن تفـ ـجر تلك القـ ـنبله فهتفت بتشدق:
-بصوا بقا انتوا الاتنين.
انتبه لها نوح ومريم فاردفت فرح:
-أنا مش فاهمه إنتوا مستنين ايه إنت بتحبها وهي بتحبك ومع ذالك محدش فيكم بياخد خطوه وأنا بكره الغباء بصراحه
شهقت مريم وفغرت فاها بدهشة ثم قالت بدهشه:
-ايه إلي بتقوليه ده يا فرح!
عقبت فرح بتأكيد أكثر:
-ايوه إنتِ قيلالي انك بتحبيه وهو كمان قايلي إنه بيحبك معرفش ساكتين ليه!
كان نوح يستمع لحديث تلك الساذجه ولم يعقب، يتابع رد فعل مريم عبر مرآة السيارة...
كانت مريم تجلس في الخلف وتضع يدها على فمها بصدمه، اوقف نوح السياره فجأه ونظر لفرح قائلًا بجديه:
-انزلي كدا يا فرح بصي على عجلة العربيه إلي ورا شكلها نامت ولا إيه!... العربيه مش راضيه تتحرك
بدأ يحرك المفتاح بالسياره كأنه يحاول تدويرها ولا يستطيع....
ارتجلت فرح من السياره على الفور ونظرت لعجلة السياره وهي تقول:
-مفيش حاجه يا نوح!
عقب نوح وهو يضحك بسخريه:
-كنت واثق انك هتشربي المقلب شوفيلك بقا مواصله للبيت.
تركها تناديه وتحاول فتح باب السياره الذي أوصده من الداخل وانطلق بالسياره وهو يقهقه ضاحكًا..
ضـ ـربت فرح السيارة بكفها قبل انطلاقه ووقفت تنظر لأثره وهي تلعنه وتدبدب بقدميها في الأرض بغضب قائله:
-ماشي يا نوح!!
بقلم آيه شاكر
___________________
على جانب أخر كانت مريم تصيح قائله:
-نزلني يا نوح لو سمحت.
رفعت صوتها وهي تردد بنبرة حادة:
-نزلني!
لم يتوقف وأكمل طريقه وكأنها لا تحدثه فأردفت بغضب:
-بقولك نزلني إنت مبتسمعش!!!
عقب قائلًا بنبرة هادئة استفزتها:
-لأ مش هنزلك.
طرقت على الباب بغيظ قائله:
-نزلني يا نوح وإلا هفتح الباب وأنزل.
أكمل قيادة قائلًا بنفس هدوءه السابق:
-مش هنزلك إلا لما نوصل البيت!
نفخت بحنق وصمتت فهي تعلم جيدًا مدى عناده فلن يتركها مها فعلت، كان يتابع ردود فعلها ومعالم الغضب التي ارتسمت على وجهها، هتف قائلًا بنبرة هادئة:
-مريم!
انتبهت له لكن لم ترد عليه كانت ترمقه بنظرات حاده فلو كانت سهامًا لقتـ ـلته:
ابتسم وأردف: تقبلي تتجوزيني؟!
تبدلت ملامحها من الحده إلى الصدمه وسرعان ما ارتسمت معالم الجديه على ملامحها قائله:
- أنا الحمد لله ليا أهل تقدر تطلبني منهم ويردوا عليك بالموافقه أو بالرفض.
عقب نوح قائلًا:
-ما أنا أكيد هطلبك من أهلك يا مريم أنا بس بشوف رأيك قبل ما أتقدم رسمي.
زفرت بقوه قائله بنفس الجديه:
-كان واجب عليك تاخد إذن أهلي قبل ما تسألني عن رأيي.
ابتسم برضا وعقب:
-كل مره بتثبتيلي إني عرفت أختار يا مريوم.
صمتت قليلًا وعقبت بجديه:
-لو سمحت يا نوح وصلني الموقف عشان هرجع البلد
سألها بترقب:
-ومحاضرات بكره؟
أجابت مريم:
-مش لازم أحضرها وصلني الموقف بعد إذنك.
-بس يا...
قاطعته قائله:
-عشان خاطري وصلني الموقف من غير اعتراض.
اوما رأسه بالموافقه فلا يريد مجادلتها الآن، غيّر اتجاه سيارته لموقف سيارات الأجره لتعود لبلدها، ومضى الطريق بدون أن ينبس أي منهما بكلمة أخرى.....
استغفروا
بقلم آيه شاكر
______________________________
في المساء
بعد أن أنهى يوسف صلاة العشاء دخل غرفته وجلس على طرف سريره ثم حمل هاتفه وظل ينظر لرقمها بتردد فهو يُأجل تلك المكالمة منذ أسبوع لكنها واجبه ولابد عنها كان سيطلب رقمها لكن قاطعه طرقات على باب غرفته مع صوت والدته "صفاء":
-إنت هتنام ولا إيه يا يوسف؟!
ألقى الهاتف من يده واجابها قائلًا:
-لا يا ماما تعالي.
دلفت والدته للغرفه وجلست جواره على السرير لتساله بهدوء:
-أنا حاسه إنك متغير من ساعة ما رجعت من البلد... عمك زعلك ولا الست الي اسمها حنان دي عملتلك حاجه؟!
تلعثم قائلًا بمراوغه:
-لا يحببتي مفيش حاجه من دي حصلت.
تنهد بأسى وقال:
-أنا بس قلقان شويه عشان فرح يُسر قرب ولسه باقي حاجات كتير في جهازها.
عقبت والدته:
-لو كدا يا يوسف بيع قيراط من الأرض بتاعتنا
تنهد بأسى معقبًا:
-عمي مش هيوافق يا ماما لا هيوافق يشتري ولا هيوافق يخليني أبيع!
تنهدت والدته بحسرة قائله:
-أنا عمري ما شوفت حد بقساوة قلب عمك لكن مهما كان هو عمكم.
زفر يوسف بقوه وعقب:
- أنا جهزت كل حاجه واتفقت على ايجار شقه عشان نبقا جنب يُسر في البلد.
سألته باستفهام:
-وعملت إيه في شغلك؟!
عقب يوسف بتوضيح:
-قدمت على نقل أول ما يتوافق عليه هنرجع البلد علطول
عقبت برضا:
-ربنا ييسرلك الحال يا حبيبي... عارفه إن الحمل تقيل عليك ياريت باباك كان معانا.
أدمعت أعينها فكلما تذكرت زوجها الذي رحل قبل سبعة أعوام تسيل دموعها بحنين، مسح يوسف دموع والدته بيديه قائلًا:
-متعيطيش يا حببتي طول ما أنا جنبك متشليش هم حاجه أبدًا.
ابتسمت والدته بانكسار وربتت على كتفه بحنو قائلًا:
-ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا يوسف.
مسك يدها وقبلها بحب قائلًا:
-ولا يحرمني منك أبدًا يا حبيبتي.
على جانب أخر كانت يُسر تقف أمام الباب وتبكي دخلت الغرفه ونظرت إليهم بانكسار قائله من خلف موعها بصوت متحشرج:
-أنا آسفه إني ضغطتك يا يوسف أنا مكنش ينفع أوافق على الجوازه دي من الأول.
هب واقفًا وضمها بحنو وهو يردد:
-بس يا هبله إيه الي بتقوله ده!
أخرجها من بين ذراعيه وحاط وجهها بكلتا يديه قائلًا:
-إنتِ بنتي يا يُسر مش بس أختي.
مسح دموعها بيديه وهو يبتسم قائلًا بمرح:
-بس بقا خلاص مفيش عياط ولا حزن إحنا عندنا فرح يا ناس سمعونا زغروده.
ابتسمت يُسر وابتسمت والدته وهي تحرك لسانها لتخرج زغرودوة خافته من حلقها...
قبل يوسف مقدمة رأس والدته وبدل نظره بينهما قائلًا بابتسامه عذبه:
-ايوه كدا متشيلوش هم أي حاجه طول ما أنا موجود.
وبعد فترة خرجتا وتركتاه يفكر كيف سيخبرهم بكتب كتابه على تلك الفتاه المجهوله....
بقلم آيه شاكر
_________________________
كانت ترقد على سريرها بفوضاوية وتحمل هاتفها لتتصفح أخر أخبار الفيسبوك وفي نفس الوقت ترد على رسائل زميلتها على واتساب، قاطعها دقات نوح على باب غرفتها فاعتدلت جالسة وأذنت له بالدخول.
لفت وجهها للإتجاه الأخر بنزق؛ فهي غاضبة منه بسبب ما فعله. أما نوح فكان يضع يده خلف ظهره كأنه يخفي شيئًا، هتف قائلًا:
-فروحه
لم تجيبه وضمت شفتيها بغضب فابتسم قائلًا:
-يا فروحه.... ردي عليا.
نفخت بقوه وقالت:
-عايز إيه يا نوح؟
-هو المفروض مين إللي يزعل!
نظرت له وانفـ ـجرت قائله:
-تسيبني واقفه في الشارع وتمشي يا نوح تسيب أختك وتمشي!
ضحك قائلًا:
-آسف والله آسف سامحيني بقا.
ردت هي ترفع رأسها بشموخ:
-لا مستحيل أسامحك ولا عمري هكلمك تاني أنا مخصماك.
جلس على الأرض ووضع أمامه ما يواريه خلف ظهره ثم فتح البيتزا والشيبسي وهو يقول بمكر:
-طيب طلما مش ناويه تسامحيني ومخاصماني... أكل أنا البيتزا المرجريتا دي لوحدي والشيبسي الي بالخل والملح دا كمان.
فتح الشيبسي وأكل واحده قائلًا:
-طعمه يجنن...
كانت ترمقه بطرف عينيها وتزدرد ريقها فقد طلبت معدتها الطعام حين تصاعدت رائحة البيتزا ووصلت لأنفها، مصمصت شفتيها مشتهية الطعام، كان نوح يرمقها بمكر وهو يأكل قطعة من البيتزا ويقول:
-إيه الجمال ده لا لا بجد فظيعه.
قامت من على سريرها مسرعة وجلست جواره على الأرض وهي تأخذ قطعة من البيتزا وتقضمها، فضحك نوح قائلًا:
-هو احنا مش متخاصمين ولا إيه!
عقبت وهي تمضغ الطعام قائلة:
-هسامحك المره دي بس عشان أنا قلبي أبيض.
سألها نوع وهو يشير للطعام:
-يعني مش علشان البيتزا والشيبسي؟
هزت فرح رأسها وهي تقول:
-تؤ تؤ عشان قلبي الأبيض.
اكلت ثلاث رقائق من الشيبسي دفعة واحده وبدأت تغني وهي تلوك الطعام في فمها:
-سامحتك سامحتك سامحتك كتير تيرارارارا... سامحتك سامحتك بقلبي الكبير.
قضمت قطعة أخرى من البيتزا وغنت:
-ومش غصـ ـب عني...
هز نوح سبابته قائلًا: لا لا لا...
مالت نحوه وغنت:
- ولا ضعف مني...
ردد نوع وهو يرفع يديه الإثنين مغنيًا بمرح:
-ولكن للبيتزا تأثير خطـ ـييييير.
أخذت قطعة من البيتزا ووقفت على سريرها وهي تضع البيتزا أمام فمها كالميكرڤون فبدأ نوح يدق على الأرض ويطبل وهي تغني بصوت مرتفع: سامحتك سامحتك ااااه سامحتك كتير كتير
ثم نظرت للبيتزا بيدها وقضمتها، فانفـ ـجر الإثنان بالضحك، قاطعهما رنين هاتفها وحين رأت اسمه قذفت الهاتف بعيدًا عنها بتوتر فقد سجلته ب المجهول سألها نوح:
-إيه يبنتي هو الموبايل بيكهرب ولا إيه؟!
قالت بارتباك:
-المجهول بيرن.
سألها نوح باستفهام:
-مين المجهول ده؟!
رفعت شفتها العلويه بسخريه قائله:
-عريس الغفله.
ابتسم نوح قائلًا:
-طيب عن إذنك بقا أسيبك تاخدي راحتك وتردي على عريسك...
مسكته من ذراعه قائلة:
-رايح فين خد رد عليه إنت...
ربت على كتفها قائلًا:
-ردي عليه يا حببتي ربنا يهديكِ...
خرج وتركها تنظر لأثره تنهدت بارتياح حين انتهت الرنه لكن صدع هاتفها بالرنين مرة أخرى فازدردت ريقها بتوتر وحملت هاتفها لتجيب عليه ليأتيها صوته:
-السلام عليكم...
لم يستطع لسانها أن ينطق بحرف وأغلقت الهاتف ثم زمت شفتيها بحنق قائله:
-أنا شكلي ورطت نفسي!
صدع هاتفها بالرنين مجددًا فتنفست بعمق وزفرت بقوة ثم أجابته لياتيها صوته مجددًا:
-السلام عليكم....
طال صمتها فهتف يوسف: ألووو... ألووو سمعاني!
خطر لها فكره فابتسمت ثم ردت قائله:
-عليكم السلام مين معايا؟
كان على وشك الإجابه قائلًا:
-أنا...
قاطعته على الفور قائله بابتسامه ماكرة:
-إنت حيوان چديد في حظيرتي...
سألها متعجبًا:
-نعم!
ردت على الفور:
-أيوه مش إنت بسلامتك چوزي تبقا حيوان چديد في حظيرتي...
تنفست بعمق أردفت بحب زائف:
-أصل أنا بحب الحيوانات قوي قوي يعني من يوم ما اتكتب كتابنا وإنت غلاوتك عندي من غلاوة سندس.
-مين سندس؟!
عقبت وهي تكبح ضحكاتها:
-سندس تبقى الچاموسه بتاعتنا.
ردد بتعجب:
-جاموسه! بتشبهيني أنا بالجاموسه!
تنهد بنفاذ صبر حين تذكر صورتها في قسيمة كتب الكتاب وجمّع عقله طريقة كلامها مع تلك الصوره ثم زم شفتيه بحسرة قائلًا:
-أنا كنت مكلمك عشان اتعرف عليكِ وتتعرفي عليا تقومي تغلطي فيا!؟
ابتسمت لكن حاولت إدعاء الجديه بكلامها قائله:
-أيوه أيوه چدي قالي انك هتكلمني
وضعت قدمًا فوق الأخرى وقالت:
-أني إسمي فهيمه معايه دبلون زراعه وعندي عشرين سنه هچريه وإنت؟
ازاح الهاتف من على أذنه وهمس لنفسه متمتمًا بتعجب:
-دبلون زراعه وسنه هچريه!
ضغط شفتيه معًا بحسره وسرعان ما ردد قائلًا بسخرية:
-لا أنا مش مهم متشغليش بالك بيا خالص.
وضعت يدها على فمها لتكتم ضحكتها التي بدأت تهز جسدها، وردت:
-ماشي يا حيوان.
رد بتمعض:
-حيوان! احترمي نفسك يا بت إنتِ...
هتفت قائله بمكر:
-إنت زعلان عشان بقولك يا حيوان... طيب ما إنت فعلًا حيوان.
قال بنزق:
-الله! متخلنيش أغلط فيكِ.
بررت:
-وهو الإنسان إيه غير حيوان ناطق!
زفر بحنق ورد بنزق:
-أنا آسف إني كلمتك أسيبك بقا تاخدي سندس في حضنك وتنامي تصبحي على خير.
أغلقت الخط بدون أن تعقب على كلامه وانفـ ـجرت بالضحك وبعد أن انتهت قالت:
-الله شكلي هتسلى أوي...
______________________
مر إسبوع وطلب نوح مريم رسميًا من عمته، واتفقوا على موعد للرؤية الشرعيه، أما فرح فكانت تزعج بوسف بكلامها كل يوم تحكي له قصص مفبركة بعلاقتها بالحيوانات ومدى تأثرها بحياتهم لم يعيرها الكثير من الإهتمام فعلاقته معها نهايتها محتومه وسيطلقها عاجلًا أم آجلًا....
وفي هذا اليوم كانت فرح تذاكر محاضراتها وسرقها الوقت نظرت لساعة الحائط فوجدتها الثانيه بعد منتصف الليل، فخطر لها فكره لم لا تتصل به وتزعجه.
على جانب أخر كان يقف أمام الثلاجه وياخذ منها زجاجة مياه ليروي عطشه، ارتفع رنين هاتفه فأخذ زجاجته وهرول للغرفه ونظر لإسمها على شاشة الهاتف "فهيم" زفر بحنق وكان سيلقي هاتفه جانبًا لكن قرر أن يجيبها فقد اعتاد على ازعاجها الدائم فزواجه منها ليس انتقام من عائلتها بل هو انتقام منه ومن عائلته...
انتظرت فرح قليلًا حتى أتاها صوته الرجولي قائلًا بنزق: خير
كتمت ضحكتها وقالت:
-قولت أطمن عليك يا بغلي.
عقب قائلًا:
-بغلك! والله ما في بغل غيرك....
كتمت سماعة الهاتف وضحكت ضحكة مكتومه، أما هو فنفخ بحنق وأردف:
- عايزه ايه يا فهيمه في الوقت ده؟!
وضعت يدها على فمها لتكتم ضحكاتها ثم أجابت:
-قولت أسمع صوتك... أصلي كنت سهرانه چار سندس عشان ممكن تولد الليله.
كتمت ضحكتها مجددًا فرد عليها بنزق:
-فقولتي تكلميني تزعجيني يعني!
-لا متفهمنيش صح أنا بس كنت بطمن عليك أصلك مكلمتنيش من يومين.
زفر بعمق وقال بجديه:
-كنت برتاح شويه من حـ ـرقة الد**م... ومش حابب أسمع حكايات عن حديقة الحيوان الي إنت عايشه فيها.
كتمت ضحكتها:
-ليه بس يا حيوان زعلان ليه!
نفخ بحنق فمنذ أن عرفها وهي تنعته بالحيوان وتبرر أن ذلك اللقب دليل على حبها له عقب قائلًا بحده:
-بت إنتِ مترنيش عليا تاني نهائي مفهوم؟!
-لما إنت مش طايقني كدا طلقني
قال بسخرية:
-ياريت والله أقدر كنت عملتها وارتحت...
أغلق هاتفه وألقاه جنبًا وهو ينفخ بحنق ثم ألقى جسده على السرير لينام، أما هي فانفـ ـجرت بالضحك وهي تقول:
-إنت لسه شوفت حاجه والله لأوريك
تنهدت بارتياح قائله:
-اجمل أسبوع مر عليا ياااه على المتعه
____________________________
وفي اليوم التالي ارتدت حجابها الاوف وايت وفستانها النبيتي الرقيق وحذائها الزيتي وحقيبتها التي تشبه لون حذائها، هندمت ثيابها جيدًا أمام المرآه فاليوم هو محاضرة يوسف وستراه تنهدت بارتياح وخرجت من البيت.
وبعد أن وصلت الكليه كان المدرج يعج بالطلبه كالمرة السابقة وقفت تبحث عن مكان شاغر فأشارت لها زميلتها بالمقعد الثالث ابتسمت واتجهت لتجلس جوارها وما هي إلا لحظات ودخل يوسف بهيئته الجذابه كان الفتيات ينظرن له بإعجاب وخيم، أما فرح فكانت تحاول غض بصرها عنه لكنها تتمنى لو يعرفها...
بحث يوسف عنها بعينه حتى عرف مكانها وبدأ يشرح محاضرته وأثناء المحاضره لكزتها زميلتها بيدها قائله بهمس:
-أنا حاسه إنه معجب بيا بيبص ناحيتي كل شويه
همست لها فرح:
-اسكتي عشان مننطردش.
همست لها الفتاة والإعجاب يُطل من نظراتها:
-بجد قمر أوي.
لكزتها فرح بحده لتصمت فابتسمت الفتاه، قاطعهما صوته وهو يشير نحو فرح قائلًا:
- قومي.
حاولت فرح التظاهر بالجهل فأردف وهو يشير نحوها:
-إنتِ إلي لابسه طرحه أوف وايت هاتي الكارنيه بتاعك وتعالي....
رواية فرح فهيمه الفصل الرابع 4 - بقلم ايه شاكر
- إنتِ اللي لابسه طرحه أوف وايت، هاتي الكارنيه بتاعك وتعالي.
نظر يوسف نحوها مجددًا وقال بتأكيد وبنبرة تشوبها الحدة:
- إنتي... ما سمعتنيش؟ قومي هاتي الكارنيه وتعالي.
استدار يوليهم ظهره وهو يعدل من جهاز اللابتوب، فنهضت فرح بارتباك بعد أن أخرجت كارنيه الجامعة الخاص بها واتجهت نحوه بخوف وقلق. وعند نزولها من المدرج تعرقلت قدمها... افترشت الأرض واصطدم أنفها فتأوهت وهي تعتدل واقفة وخلعت نظارتها لتتأكد من سلامتها...
التفت يوسف لها إثر ضحكات الطلبة بعد صوت ارتطامها بالأرض، فوقفت فرح بشموخ ونظرت خلفها للطلاب تخاطبهم بنبرة حادة:
- بتضحكوا على إيه؟ أول مرة تشوفوا حد واقع!
حين ارتفعت همهمات الطلاب وضحكاتهم، طرق يوسف على مكتبه بغضب:
- بــــس الصـــــوت... بطلـــوا كلام.
ثم طالع فرح، متعجبًا:
- إنتي رايحه فين!؟
مدت يدها بالبطاقة قائلة:
- حضرتك طلبت الكارنيه؟
هز رأسه بالنفي وأشار للبنت التي كانت تجلس خلف فرح، قال:
- لأ أنا قصدي على الأستاذة اللي نايمه هناك دي، مش إنتي! اتفضلي ارجعي مكانك.
ابتسمت فرح وسحبت يدها لتواري بطاقتها الجامعية "الكارنيه" خلف ظهرها وأخذت تعود للخلف بظهرها وهي تحمد ربها فلن يعرف باسمها الذي تكرهه والذي يرتسم على وجه البطاقة...
كانت تبتسم ببلاهة وهي تعود بظهرها فتعرقلت مرة أخرى وسقطت على ظهرها... فتصاعدت ضحكات الطلبة مجددًا، كبح يوسف ضحكته وهتف قائلًا:
- خلي بالك يا فرح... إنتِ ماشيه بظهرك!!
قامت على الفور والتفتت إليه في دهشة وهي تسأل حالها هل قال "فرح" للتو! هل نطق اسمها قبل لحظات؟ فهذا يعني أنه يعرفها! ابتلعت ريقها في اضطراب، وحاوطتها هالة من الحيرة حتى تناست أمر سقوطها..
سألته بملامح مندهشة:
- حضرتك قولت إيه؟!
- بأقولك خلي بالك... واتفضلي ارجعي مكانك.
لم يُعد اسمها مرة أخرى فرجعت مكانها وسألت زميلتها بخفوت:
- إنتِ سمعتيه بيقولي خلي بالك يا فرح ولا دي تهيؤات من الوقعة!
رفعت زميلتها كتفها لأعلى ولوت شفتيها لأسفل كناية عن جهلها ثم قالت:
- ما أخدتش بالي بس ما أعتقدش.... هو هيعرف اسمك منين أصلًا!
- هه، لأ أبدًا ما يعرفش اسمي.
انفجرت زميلتها بالضحك وقالت:
- بس شكلك كان مسخرة وإنتِ بتقعي.
لكزتها فرح بكوعها بنزق، وقاطعهما صوت يوسف قائلًا:
- هناخد بريك عشر دقائق ونكمل.
ثم خرج من المدرج ليستفسر عن اكتمال أوراق نقله...
جلس هشام "والد فرح" على الأريكة بأريحية بعد أن عاد من عمله "مدير بمدرسة خاصة" نظر لزوجته قائلًا بوجه خالٍ من المشاعر:
- أنا استقلت من الشغل.
تهلل وجه زوجته كأنها كانت تنتظر هذا الخبر وقالت:
- أخيرًا عملتها.
أطلق تنهيدة طويلة وقال:
- هنرجع البلد وهأفتح مشروع هناك وأكمل حياتي جنب أبويا مش هنفضل عايشين في شقة إيجار طول عمرنا واللي بنكسبه باليمين بنصرفه بالشمال.
ربتت زوجته "شهناز" على ظهره قائلة برضا:
- عين العقل يا هشام.
- يا رب الأولاد يوافقوا وما يتعبوناش.
- ما تقلقش، فرح تتمنى تعيش في البلد ونوح نفسه يفتح مشروعه هناك.
تنهد بارتياح ونظر في ساعة يده قائلًا:
- حيث كده بقى هأقوم أروح لفرح الكلية وأجهز أوراق النقل وإنتِ ابدئي جهزي نفسك وكلمي نوح عشان بكرة نكون في البلد إن شاء الله.
ابتسمت بابتهاج قائلة:
- إن شاء الله.
صدح هاتف فرح بالرنين برقم والدها فأجابت على الفور قائلة:
- حبيبي.
ليأتيها صوته قائلًا:
- حبيبة بابا... خلصتِ محاضراتك ولا لسه؟
- لسه باقي لي نص ساعة أو ساعة إلا ربع.
- طيب أنا جايلك الجامعة عشان هآخد ورقك من الشؤون وهأنقلك جامعة كفر الشيخ.
جحظت عيناها من هول المفاجأة وقالت:
- لـــــيـــه؟!
- عشان هنرجع البلد وهنقعد هناك على طول.
تلعثمت قائلة:
- طيب وشغلك يا بابا.
رد مطمئنًا:
- ما تقلقيش أنا رتبت كل حاجة.
قالت بنبرة حزينة:
- ماشي يا حبيبي اللي تشوفه.
فلو قال والدها هذا الكلام قبل أسبوعين لرفرفت بجناحيها فرحًا لكن الآن إن تركت الجامعة فلن ترى يوسف مجددًا!!
تنهدت بحزن وانتبهت له عند دخوله للمدرج، كانت ملامحها عابسة تنظر إليه بوجه متجهم.
كانت تظن أنها المرة الأخيرة التي ستراه بها فأطرقت رأسها بحزن...
أكمل يوسف شرح محاضرته وبعد أن انتهى تنحنح وهتف:
- وبكده تكون دي آخر محاضرة ليا معاكم وإن شاء الله هتكمل معاكم الكورس الدكتورة سجى.
ارتفعت همهمات الطلبة فعقب قائلًا:
- تقدروا تتفضلوا.
خرج الطلاب من القاعة، فهتفت زميلتها قائلة:
- وااا حسرتاه.
وقالت أخرى:
- وااا دكتورااه.
وواحدة ثالثة:
- وااا أسفاه.
ضحكت فرح على كلامهن وخرجت من المدرج لتتجه لشؤون الطلبة وتقابل والدها لتنتقل من الجامعة إلى أخرى بمحافظة أخرى وعادات أخرى وقصص أخرى....
وفي البلد
كان سليمان يستشيط غضبًا من تصرفات وأفعال ابن أخيه، طلب رقمه وانتظر إجابته، سرعان ما أجاب مرددًا السلام، رد عمه بنبرة حادة:
- عليكم السلام يا يوسف.... إيه اللي أنا سمعته ده؟!
- خير يا عمي سمعت إيه؟!
رد عمه بنبرة غاضبة:
- إنت ناوي تأجر شقة وإنت ليك بيت كامل!!
حاول يوسف التبرير قائلًا:
- أنا مش حابب أعيش في البلد وهأجر شقة جنب شغلي، ما اعتقدش دي حاجة تزعلك؟!
رد عمه بغضب عارم:
- عليّ الطلاق بالتلاتة ما يحصل طول ما أنا عايش!
زفر يوسف بحنق ونطق بنبرة متعجبة من يمين الطلاق الذي رماه عمه:
- مش فاهم حضرتك زعلان ليه!؟
عقب عمه بنفس الغضب:
- إنت عايز الناس تاكل وشي وتقول طفش ابن أخوه من البلد.... طيب أنا كنت موافق الأول عشان كنت في محافظة تانية إنما دلوقتي لا يمكن أوافق!
نفخ يوسف بحنق فهو يعرف عمه وطباعه العنيد فمهما جادله لن يتراجع عن كلامه، تنهد بأسى قائلًا:
- خلاص يا عمي ما تزعلش، من بكرة هأرجع أقعد في البلد...
عاد يوسف لبيته وبعد تناول وجبة العشاء جمع والدته وأخته ليحكي لهما حديث عمه فقالت صفاء "والدته":
- يعني هنرجع نعيش في البلد؟!
تنهد بأسى:
- للأسف مضطرين نستحمل فترة على ما يُسر تتجوز ونشوف هنعمل إيه.
علقت والدته برضا زائف:
- عادي يا حبيبي أي مكان مش فارقة.
تدخلت يُسر قائلة بازدراء:
- يعني هتستحملوا حنان وقرفها!
صفاء بتهكم:
- وإحنا مالنا بيها إحنا هنقفل علينا بابنا ونعيش في حالنا.
نهض يوسف وهو يتنهد وقال:
- جهزوا نفسكم عشان هنرجع البلد بكرة عشان هنقل شغلي هناك.
سار خطوات تجاه غرفته وعاد مرة أخرى.. كان مرتبكًا، يحك أنفه بتوتر ويمسح على ذقنه بقلق، تردد كثيرًا قبل أن يلفظ جملته:
- أنا عايز أعترف لكم بحاجة.
انتبهتا له وحدقتا به والاستفهام يتمشى على ملامحها، فأردف قائلًا باقتضاب:
- أنا اتجوزت.
ضربت أمه صدرها بصدمة وفغرت أخته فاها قائلين بنفس اللحظة:
- اتجوزت!!!
جمعت فرح ملابسها وكل مستلزماتها لمغادرة القاهرة وبدء حياة جديدة بالريف حيث كانت تتمنى العيش... لتستمتع بالأيام برفقة عائلتها.
ابتلعت غصة في حلقها حين تذكرت يوسف وأنها لن تراه مجددًا، حملت هاتفها الذي صدح برسالة من زميلتها لتقرأ الرسالة التي محتواها:
"بيقولوا دكتور يوسف سافر يحضر الدكتوراه بره وهيرجع كمان خمس سنين"
ردت فرح برسالة أخرى:
" عرفتِ إزاي؟!"
كتبت زميلتها:
"البنات كلهم بيقولوا كده"
أغلقت معها وشعرت بخنقة تقبض على صدرها أخذت نفسًا عميقًا وزفرته بقوة، ثم طلبت رقم "المجهول" لتستمتع قليلًا بإزعاجه وتخرج من تلك الحالة التي انتابتها...
"منك لله يا سليمان"
قالتها صفاء بقلة حيلة ثم طالعت يوسف وأردفت بنبرة معاتبة:
- وإنت إزاي تعمل كده من غير ما تقولي يا يوسف!
- أقولك إيه يا أمي صدقيني ما كانش قدامي أي حل تاني.
وضعت يُسر يديها حول خصرها قائلة:
- وشكلها إيه البنت دي ومؤهلاتها إيه؟
تلعثم يوسف:
- لا أنا ما شفتهاش أصلًا ولا أعرف أي تفاصيل عنها.
تعجبت يُسر:
- إزاي ما شفتهاش؟! هاتي لي اسمها بالكامل وأنا أجيب لك كل حاجة عنها...
قاطعهم رنين هاتفه؛ فنظر لشاشة الهاتف الذي أضاء باسم "فهيم" مبتسمًا فقد أنقذته من أسئلة أخته ونظرات والدته الحادة ولأول مرة يجيبها وهو راضٍ...
نظر لوالدته قائلًا:
- معي مكالمة مهمة جدًا بخصوص شغلي.
هرول من أمام والدته ودخل غرفته ثم أوصدها من الداخل وأجاب قائلًا:
- حيوانة حياتي.
ردت فرح بنزق:
- أحيانًا تلسعك الحياة على قفاك بشخص يشبه البهائم ليعكر حياتك أكثر ما هي عكرة.
- هو أنا مش فاهم الجملة دي عندك مدح ولا سب بس ما علينا خير عايزه إيه الساعة دي؟
تنهدت قائلة:
- كنت مخنوقة قولت أكلمك شوية تفرفشني.
أطلق ضحكة كالزفرة وسخر:
- أفرفشك... يعني أقوم أرقص لك ولا أعمل إيه؟!
- والله لو بتعرف ترقص ارقص لي.
طرقت يدها على فخذتها قائلة بتنغص:
- بس المشكلة هأشوفك إزاي؟!
زم شفتيه بحيرة زائفة:
- تصدقي فعلًا مشكلة؟!
كتمت فرح ضحكتها وقالت:
- طيب عارف يا حيوان....
غضب يوسف:
- برضه حيوان!!! يا بنتي ارحميني.
كبحت ضحكتها وتجاهلت كلامه قائلة بجدية زائفة:
- عايزة أقولك إن أنا بأعرف أرقص حلو قوي حتى سندس تشهد ياما رقصت لها كنت بأمسك عصابة جدي وأقعد أرقص لها بالساعات.
مجرد تخيله لما تقول كان كافيًا لينفجر بالضحك تركته يضحك وأردفت:
- مش مصدقني طيب ده سندس ما كانتش بتبطل تشجعني طول ما أنا بأرقص.
كبح ضحكته وسألها بابتسامة:
- وبتشجعك إزاي؟! كانت بتهز لك ديلها ولا بترقع بالصوت من الهبل اللي بتشوفيه.
وضعت يدها على فمها لتكتم ضحكتها وقالت:
- لا ده كانت بترقص معايا وتتنطط كدهون في قلب الزريبة.
انفجر يوسف بالضحك حتى أدمعت عيناه وقال من خلف ضحكاته:
- وده ما لفتش نظرك إن الجاموسة خافت من الهبل اللي إنتِ بتعمليه!
لم تستطع كبح ضحكتها وأغلقت الخط بوجهه لتنفجر ضاحكة، وبعد انتهائها من نوبة الضحك طلبته مجددًا فأجاب مسرعًا لتكمل حديثها بحزن زائف:
- أنا عايزة أحكي لك وأشكي لك.
وضع قدمًا فوق الأخرى وقال:
- احكي واشكي ده أنا معاكِ للصبح.
وضعت فرح يدها على عنقها قائلة:
- أنا مخنوقة كدهون وفيه حاجة طابقة على نفسي.
سألها بنبرة ساخرة:
- مخنوقة من إيه، أوعي يكون سندس حصل لها حاجة؟! طمنيني عليها ولدت ولا لسه؟!
ابتسمت قائلة:
- ولدت وجابت عجل زي فلجة القمر.
- ألف حمد الله على سلامتها.
استلقت على سريرها ورفعت قدميها لأعلى على الحائط قائلة:
- بس أنا مخنوقة ومضايقة كدهون.
سألها يوسف بسخرية:
- ليه بس مش اطمنتي على سندس، إيه اللي خانقك؟!
- مش عارفة أنا ممكن أكون مضايقة عشان ما اتعشتش كويس!؟
رد يوسف بسرعة:
- طيب قومي اتعشي ولا البرسيم خلص!
لم تعقب على جملته وهتفت قائلة:
- لا لا لا الظاهر إني مضايقة عشان ما نمتش كويس.
-طيب قومي نامي وريحيني.
لم تعقب على جملته وقالت:
-لا أنا بجد عرفت أنا مخنوقة ليه!
وضع يده أسفل ذقنه قائلًا:
-طيب مخنوقة ليه؟!
تظاهرت بالبكاء:
-عشان عمتي خدت مني العروسة وأنا لسه ما كملتش لعب.
-فعلًا حاجة تضايق، لازم تعاتبيها.
قالتها بسخرية فردت:
-ليه هو أنا اتهبلت أعاتبها على موقف بقاله ١٥ سنة.
تجهمت ملامحه ولم يرد عليها فأردفت:
-عارف يا حيوان أنا عندي عقدة كبيرة كدا هون في حياتي بسبب الموقف دهوت وحاسة إني محتاجة أتعالج نفسيًا.
-فعلًا أنا ملاحظ إنك محتاجة تتعالجي.
كبحت ضحكتها لتقول:
-شفت أهو اللي يسوى واللي ما يسواش بقى ملاحظ عقدتي.
-مين ده اللي يسوى ومين اللي ما يسواش؟ إوعي يكون قصدك عليا!
ضحكت ضحكة مكتومة وهي تضغط على شفتيها وقالت:
-طبعًا، هو أنا بكلم حد غيرك؟ ركّز شوية يا حيوان.
سألها بحدة:
-حيوان، الأخيرة دي كانت شتيمة صح؟
-لا دي غلاوة، ما تقلقش.
-أنا بطمن بس!
أغلقت الهاتف بوجهه وضحكت وهي تنظر للهاتف وتقول:
-دي كانت جرعة اليوم، بالشفاء يا حيوان.
قالت جملتها قبل أن تنفجر بالضحك.
___________________________
وفي اليوم التالي، وصلوا للبلد. كان نوح يحمل الأمتعة للداخل وفرح تجلس على المقعد في الحديقة بكل أريحية وتنظر لنوح الذي يدخل ويخرج من البيت، تطالعه بمكر وتغني:
-شي حا يا حماري يلا امشي بالراحة وشيل أحمالي كلها.
رمقها بغيظ:
-حمارك.... ماشي يا فرح أخلص ونتحاسب.
ابتسمت بسخرية وقالت بنبرة مرتفعة:
-أنا في حماية جدي محدش يقدر يقرب لي هنا.
نظر لها والدها قائلًا:
-قومي يا أم لسان طويل خذي ورقك قدميه في الكلية.
وقفت تهندم ثيابها وتقول:
-حد يجي معايا أنا ما أعرفش المكان.
كان نوح قد انتهى من توصيل كل الحقائب والأمتعة لشقتهم، اتجه نحوها ليلقنها درسًا على نعته بالحمار، فركضت بالحديقة وهو يركض خلفها ويقول:
-أنا حمار يا نص جاموسة... خذي تعالي هنا.
رمقها بسخرية وضحك:
-والله حتى ما كملتي ربع جاموسة.
ادعت الضحك ساخرة وهي تقول:
-يا خفيف! لا أنا ربنا خلقني إنسان الحمد لله...
-أومال بتغلطي فيا ليه!!!
وحين أمسكها من ملابسها قالت:
-أعتذر... بجد آسفة... أصلًا الشتيمة دي حرام، ومش هتتكرر.
في الشرفة بالطابق الثالث..
كان هناك من يحدجهم بنظرات مغتاظة.
رفع نوح بصره لأعلى، فدخلت السيدة على الفور.
اقترب نوح من فرح هامسًا:
-كانت واقفة تبص علينا عينها هتتخلع.
ابتسمت فرح بألم وقالت:
-الله يرحمه عمي إيهاب جاب لنا بلوى قبل ما يموت.
قاطعهما صوت والدهما قائلًا:
-روح يا نوح مع أختك وقدم لها ورقها في الكلية.
أومأ رأسه بالإيجاب ونظر لها قائلًا:
-ورايا...
زوجة إيهاب تدعى سامية، امرأة حقودة، لم يتزوجها إيهاب حبًا لكن تزوجها ليكفّر عن خطئه بعدما تبين حملها منه.
امرأة بمنتصف الثلاثينات، متوسطة القامة، ممتلئة الجسم قليلًا، لا يوجد أي مميز بملامحها وتمتلك بشرة خمرية.
_____________________________________
قدم يوسف أوراقه بالجامعة واستلم عمله الجديد، وابتهج حين رآها تقف أمام الكلية تنتظر أخاها حتى ينتهي من تقديم أوراقها، أقبل نحوها ليتأكد من هويتها وما أن تأكد هتف بابتسامة:
"أنتِ كدا بقى ماشية ورايا!"
قال يوسف جملته مبتسمًا، فاستدارت فرح أثر صوته ونظرت له قائلة بدهشة:
-دكتور يوسف! هو مش حضرتك سافرت تاخد دكتوراه بره!
قطب حاجبيه وارتسمت ابتسامة عذبة على شفتيه:
-جبتِ الكلام ده منين!؟
-البنات اللي في جامعة القاهرة قالوا لي كده!
لوى شفتيه لأسفل قائلًا:
-مش كل حاجة بتتقال بتكون صح.
أومأت رأسها بالإيجاب قائلة بابتسامة واسعة كشفت مدى سعادتها لرؤيته، حاولت ادعاء الجدية وسألته باستفهام:
-هو حضرتك بتعمل إيه هنا؟!
أشار للكلية خلفهم وقال:
-بشتغل.... نقلت شغلي هنا.
اتسعت ابتسامتها مرة أخرى فقد ظنت أنه سافر لخارج مصر ولن تراه مجددًا لكن جمعهما القدر مجددًا، طال الصمت بينهما فوضع يديه الاثنتين بجيوب سرواله قائلًا بمكر:
-ماشية ورايا ليه بقى يا فرح!؟
ابتسمت فرح قائلة:
-أو يمكن حضرتك اللي ماشي ورايا!
ابتسم ثم سألها بجدية:
-إوعي تقولي لي أنك نقلتِ كليتك هنا!
أومأت رأسها بالإيجاب قائلة بابتسامة:
-حصل.
تنهد بحيرة قائلًا:
-تفتكري بقى الصدف دي ليها معنى؟!
ابتسمت قائلة:
-كل حاجة بتحصل حوالينا بيكون ليها معنى بس مش دائمًا بنفهمه!
عقب بابتسامة واسعة أظهرت غمازاته:
-بس أنا فهمته.
قطبت حاجبيها قائلة:
-فهمت إيه؟!
حاول الهروب من سؤالها فنظر بساعته قائلًا بجدية:
-أستأذنك بقى لأن عندي شغل مهم.
-اتفضل.
ولى ظهره لها وانصرف أما هي فوقفت تنظر لأثره مبتسمة.
هرول يوسف حتى وصل مكتبه أخرج هاتفه ونظر للرقم الذي سجله "فهيم".
ابتسم بمكر وقرر أن يزعجها كما تزعجه دائمًا فضغط على الرقم ليتصل بها.
وعند فرح صدع هاتفها بالرنين وحين رأت اسمه "المجهول" زفرت بحنق قبل أن تجيب عليه بنبرة حادة:
-هو أنا مش بعت لك رسالة قلت لك إن سندس نايمة وأنا قاعدة جوارها يا حيوان.
اعتقدت أنه سيغضب ككل مرة تنعته بالحيوان، لكن خاب ظنها حين عقب متخابثًا وهو يقول بنبرة هادئة:
-تعرفي إن كلمة يا حيوان بقت تقع على سمعي زي كلمة حبيبي بالظبط.... دماغي اتبرمج على كدا.
كبحت ضحكتها ولم تعقب فأردف قائلًا:
-يعني لو حد شتمني وقال لي يا حيوان هقوله حبيبي تسلم.
أغلقت الهاتف بوجهه وابتسمت قائلة:
-والله دمك خفيف يا مضروب.
وبعد دقيقة وقف أخوها أمامها وقال:
-قدمت ورقك وجبت لك جدول المحاضرات.
قالت بامتنان:
-شكرًا يا حبيب أختك يا عسل يا سكرة.
-عدي الجمايل بقى.
-يا ريت بقى تعزمني على عصير ولا حاجة تبل ريقي وأنا أعد بضمير.
أومأ قائلًا:
-هعزمك بس ما تاخديش على كده!
____________________________
وفي المساء، ارتدت مريم فستانها الوردي وحجابها الأزرق، كانت على أهبة الاستعداد لمقابلة نوح والاتفاق على تفاصيل زواجهما، مر الوقت سريعًا وها هي تجلس أمامه تفرك يدها بعنف وتنظر أرضًا بخجل كأنها تراه لأول مرة، وبعد أن يئس منها، فقد مر خمس دقائق ولم تنطق بحرف هتف قائلًا:
-ممكن تبصي لي يا مريم.
استمرت بفرك يديها بتوتر فأردف:
-أنا مش فاهم أنتِ مكسوفة ليه، ده إحنا عشرة عمر... بصي لي يا مريوم.
رمقته سريعًا ثم أخفضت بصرها فقال:
-أنا قلت لعمتي نكتب الكتاب على طول مش هستحمل أنا ضوابط الخطوبة دي.
لم تنبس بحرف ولم ترفع رأسها فاستأنف:
-قالوا زمان السكوت علامة الرضا... وأنا مش بصدق الجملة دي وهطلع أقول لهم أنك مش موافقة.
ابتسمت مريم ورفعت رأسها لتنظر إليه فأضاف:
-إيه أطلع أقول لهم أنك مش موافقة!!؟
قالت:
-أنا موافقة يا نوح لأني مش محتاجة فترة خطوبة عشان أتعرف عليك.
رفع يده في وضع الدعاء قائلًا:
-يا فرج الله أخيرًا نطقتِ... بس حلو قوي الفستان ده.
ابتسمت قائلة بحياء: شكرًا.
أخرج هاتفه والتقط لها صورة بدون إذنها لم تظهر ملامحها لأنها كانت تنظر أرضًا وجميع أعضاء جسدها في وضع الانقباض، فهتف:
-عشان نوثق اللحظة دي والفستان القمر ده وصاحبة الفستان الخجولة دي.
وقف أمامها وابتسم وهو يغير وضعية الكاميرا للأمامية قائلًا:
-بصي هنا بقى.
ثم نهض ووقف أمام باب الغرفة وهو يقول بمرح:
-سمعينا زغرودة يا عمتي خلي الفرحة تملأ البيت.
أدخل رأسه من باب الغرفة ونظر لمريم هامسًا:
-وتملأ حياتي.
اتفقوا على إتمام الخطبة وكتب الكتاب في خلال أسبوع والزواج بعد شهرين أو ثلاثة بعد الانتهاء من تجهيز الشقة والاستعداد للزواج.
_______________________________
وفي اليوم التالي، أوشكت فرح على الاقتراب من موقف سيارات الأجرة لتذهب للجامعة فأوقفها صوت طفل يجلس على الدرج أمام بوابة بيته.
هتف بنعومة وبراءة مصطنعة يخفي خلفها كثيرًا من المكر والدهاء:
"عمتو ممكن تساعديني"
كان طفلًا بملامح بريئة يبدو أنه لم يتجاوز السبعة أعوام، كان واضعًا كلتا يديه على وجنتيه ومبتسمًا، اقتربت منه فرح حتى وقفت أمامه مباشرة وانحنت لمستواه قائلة بحنو:
-يا قمر... محتاج إيه يا حبيبي؟
ابتسم الطفل ونكس رأسه لأسفل بخجل مصطنع قائلًا:
-كنت محتاج مساعدة بسيطة.
ربتت على كتفه قائلة بحنو:
-قول يا حبيبي محتاج إيه؟!
رمقها بمكر وحمل قنينة المياه من جواره، عقدت فرح حاجبيها تحاول فهم ما يريد، وفي حركة سريعة سكب قنينة المياه عليها فغرق وجهها بالمياه وأصبحت الرؤية مشوشة عندما نزلت قطرات المياه على زجاج نظارتها الطبية، خلعت نظارتها وأغلقت عينها لتمسح المياه عن وجهها فوقف الطفل وأكمل سكب القنينة على ملابسها، صرخت فرح وهي تلوح بيدها لتحاول إمساكه وهي تقول:
-أنت روحت فين يا واد؟
ركض الطفل لبوابة بيته وهو يقول بضحكة ساخرة:
-وقعتِ فيها هههههههه شربت المقلب.
انشغلت فرح بتنظيف زجاج نظارتها لترتديها وتستطيع رؤيته بوضوح، انفجر الطفل بالضحك وأخرج رأسه من البوابة قائلًا:
-على فكرة دي مياه البيبي بتاعي.
صرخت باشمئزاز فضحك الطفل بصخب ثم أحكم إغلاق بوابة بيته وتركها تصرخ بخفوت وهي تملس على ملابسها المبتلة بنفور وتصيح:
-يا واد يا ابن الـ....
مسحت وجهها بكلتا يديها وهي تكاد تبكي هاتفةً بتقزز:
-يعععع مياه بيبي..
سرعان ما نظر لها الطفل من نافذة بيته وهو يضحك قائلًا:
-ما تخافيش يا عمتو دي مياه من الحنفية.
لم ينتظر ردها ودخل ثم أغلق النافذة، أما هي فضربت البوابة بيدها وهي تصيح:
-ما تربوا عيالكم بقى.
رأت نافورة مياه بالقرب منها ففتحتها وغسلت وجهها ثم مسحت ملابسها وهي تقول بنزق:
-هروح الكلية إزاي دلوقتي؟!
قررت أن تعود لبيتها لتبدل ثيابها وبالفعل سارت بضع خطوات إلى أن رأت كلبًا يقابلها من بعيد فاستدارت مرة أخرى، تقوس فمها لأسفل كطفل يوشك على البكاء وهي تغني:
-أنا رايح فين أنا راجع ثاني.
قررت أن تذهب لجامعتها بتلك الهيئة فضلًا من أن تمر بذلك الكلب فيتهجم عليها، سارت وهي تردد بغضب:
-ده زحمة القاهرة أرحم بكتير من كلاب الريف وأطفال الريف ومياه الـ......
قُطع سيل كلامها بصرخة مدوية أطلقتها من حلقها حالها حين انزلقت قدماها بسبب المياه المسكوبة أمامها وافترشت الأرض، تأوهت وصاحت وهي تجلس بالوحل:
-لا ده أنا أكيد فيه حد بيدعي عليا.
نهضت ونظرت حولها متمنية ألا يراها أحد بتلك الحالة لكن يا لحظها المشؤوم! خرج يوسف أمامها وكأنه قد ظهر من العدم فهو آخر شخص تتمنى رؤيته الآن!
وقف أمامها بهيبته وأخذ يرمقها بنظرات متعجبة، قطب حاجبيه وهو يقول مستفهمًا:
-إيه اللي عمل فيكِ كدا؟!
نظرت لفستانها الأسود الذي تلطّخ بالطين ويدها التي تحوّل لونها للأسود، وابتسمت ببلاهة وهي ترفع كلتا يديها وتبدّل نظرها بينهما وبين يوسف معقبة بسخرية:
"فعلًا يا محلاها عيشة الفلاح!!"
ابتسم يوسف على سخريتها ونظر لها متفحصًا ملابسها المتسخة وهو يقول:
"إنتِ اتبهدلتِ خالص."
لوت شفتها لأسفل وهي تنظر لكلتا يديها وتنظر للكلب الذي يقف حائلًا بينها وبين عودتها للبيت، ثم نظرت ليوسف قائلة بصوت يوشك على البكاء:
"عديني من الكلب عشان أروح لأمي بالله عليك."
***
وفي المساء جلس يوسف مع والدته وأخته لفرز ما تبقى لإكمال جهاز أخته، نظر ليُسر قائلًا بجدية:
"شوفي يا حبيبتي لو عايزة أي حاجة أجيبهالك."
عقبت يُسر برضا قائلة:
"لا يا چو تسلم، إنت جايبلي كل حاجة بزيادة."
تنحنحت يسر وسألته للمرة العاشرة على التوالي:
"مش ناوي تقولي مين المحظوظة اللي ربنا جعلك من نصيبها؟"
وكالعادة قبل إجابة السؤال يقاطعه شيء، قاطعه طرقات على باب شقته وصدوع صوت جرس الباب عاليًا، قام على الفور يفتح ليظهر عمه أمام الباب ويقول بأمر:
"يلا عشان هنروح نسهر عند نسايبك شوية."
يوسف متعجبًا من طلب عمه:
"نسايب مين! لا مش هينفع."
قال بحزم:
"يلا يا يوسف أنا اديت الجماعة ميعاد ومستنينا."
لم يعقب يوسف ومسح وجهه بغضب فأردف عمه:
"هنروح عشان نعزمهم على فرح يُسر."
زفر يوسف بحنق فقد بدأت تحكمات عمه ومن الواضح أن المعاناة قد بدأت من الآن، ردد يوسف بقلة حيلة:
"حاضر يا عمي هغيّر هدومي وأنزل لك."
وبعد فترة دخل يوسف لذلك البيت للمرة الثانية، رحب به الجميع على عكس المرة السابقة، وجلس نوح جواره يريد أن يفتح معه كلام بعد أن لاحظ صمته وتجنبه لمشاركتهم الحوار، فسأله بنظرة ساخرة وهو يرمقه متفحصًا:
"وإنت بقى يا أستاذ يوسف شغال إيه؟"
عقب يوسف بجدية وهو يعدّل من جلسته قائلًا:
"أنا معيد في كلية آداب."
اعتدل نوح في جلسته وأنزل رجله من فوق الأخرى فقد ظن أنه بدبلوم أو يعمل بأي صنعة مثل نقاشة، سباكة، كهرباء، لكن لم يعتقد أنه معيدًا بالجامعة، عقب نوح قائلًا باحترام:
"ده إحنا نقولك يا دكتور بقى!"
ابتسم يوسف باحترام قائلًا:
"لا قول لي يا يوسف عادي، إحنا نعتبر من سن بعض."
تحدث نوح معرّفًا نفسه قائلًا:
"أنا خلصت طب بيطري وناوي أفتح عيادة هنا في البلد."
ردد يوسف قائلًا:
"ما شاء الله."
تذكر يوسف صورة فرح وطريقة كلامها وأنها أنهت دبلوم زراعة وربطها بكلام أخيها وتعليمه وهتف قائلًا:
"بس الظاهر إن العيلة بتاعتكم بتهتم بتعليم الولاد وبتهمل في تعليم البنات."
عقب نوح معترضًا:
"لا طبعًا، بنات العيلة كلهم معاهم تعليم عالي حتى ماما أصلًا معاها كلية تربية."
تنحنح يوسف وسأل:
"وفهيمة؟"
قطّب نوح حاجبيه وسأله متعجبًا:
"هي فهيمة ما قالتلكش... على فكرة إنت ممكن تكون عارف فهيمة."
تذكر يوسف صورتها في قسيمة الزواج وقال:
"لأ معتقدش أنا شوفت صورتها في القسيمة و..."
قاطعه ضحكات نوح الذي عقب موضحًا:
"لا ده الصورة دي..."
كان على وشك إخباره بحقيقة الصورة لكن قاطعه جده حين قال:
"خد الأستاذ يوسف يا نوح واطلعوا فوق عشان يقعد مع فهيمة شوية."
وقف نوح قائلًا:
"حاضر يا جدي."
خاطب نوح يوسف:
"اتفضل معايا يا دكتور."
حاول يوسف أن يتهرب من هذا اللقاء قائلًا:
"خليها مرة تانية عشان..."
تدخل سليمان مقاطعًا بأمر:
"لا تانية ولا تالتة يا يوسف روح معاه."
زفر يوسف بقوة وصعد الدرج مع نوح في صمت، كان شاردًا هل سيراها الآن وتكمل حديثها عن حديقة الحيوان الخاصة بها!
قطع حبل أفكاره صوت طرقات نوح باب شقتهم ثم فتحه وهو يضرب كفيه معًا ويقول بنبرة مرتفعة:
"معايا ضيوف يا أهل الدار... يا رب يا ساتر... يا ستير يا رب."
***
على جانب آخر كانت تجلس في غرفتها تتسلى بأكل حبات العنب وهي تشاهد فيلم كوميدي وتضحك إلى أن سمعت صوت أخيها الذي تجاهلته واستأنفت الفيلم!
فما بالها بالضيوف فستقدم والدتها الضيافة، قاطعها دخول والدتها للغرفة وهي تلهث:
"قومي بسرعة عريسك بره."
هبت فرح واقفة بصدمة وقالت:
"يا لهوي، بره فين؟! طيب أستخبى فين ولا أهرب منين؟"
رمقتها والدتها بغيظ وقالت:
"تهربي ليه؟! البسي عشان تقابليه..."
رواية فرح فهيمه الفصل الخامس 5 - بقلم ايه شاكر
- تهربي ليه؟! إلبسي عشان تقابليه... عريسك ده ولا مش عريسك؟! يلا دقيقتين وتكوني جاهزة عشان تقابليه.
- أقابل مين يا شهناز؟!
صرخت بها فرح، فحدجتها الأم بغيظ قائلة بعده:
- دقيقة واحدة وتكوني لابسة وقدامي في المطبخ عشان تدخلي بالعصير يا فرح.
ثم خرجت الأم وتركتها تكاد تصك وجهها من هول المفاجأة وهي تردد:
- يا حيوان قال أدخلك بالعصير قال...
جال في خاطرها فكرة فابتسمت بمكر، وارتدت إسدال الصلاة ثم خرجت تتسلل كاللص. حمدت ربها أن والدتها انشغلت بالمطبخ وباب غرفة الضيوف مغلق، فمرت تسير على أطراف أصابعها.
فتحت باب الشقة بهدوء شديد ثم أغلقته بخفوت وركضت لأسفل لتبحث عن أي مكان تأوي إليه وتتخفى لحين مغادرة هذا المجهول.
لفت نظرها سلم خشبي يؤدي لسطح غرفة الحيوانات "الزريبة" المسقف بأعواد قش الأرز وبعض قطع الخشب، صعدت مسرعة وجلست على القش منتظرة انصرافه.
استغفروا.
______________________________
على جانب آخر
مر ما يقرب من نصف ساعة تعرف فيها نوح على يوسف وارتاح له ولحديثه.
دعاه نوح لحضور حفل كتب كتابه فوافق يوسف.
استأذنه نوح ليرى ما خطب فرح فقد تأخرت وهو يعرفها جيدًا حتمًا تفكر بمصيبة ما..
وعند خروجه من الغرفة كانت والدته تدخل من باب الشقة متذمرة من أفعال ابنتها المتهورة، وكانت تتأفف متضجرة سألها نوح بخفوت:
- فين فرح؟!
ردت والدته بتهكم:
- أختك الحلوة هربت... دورت عليها في كل البيت مش لقياها.
اندفع نوح مرددًا:
- يا بنت الجزمة...
انتبه لما قال ورفع يده قائلًا بنبرة مرتعشة:
- لا مؤاخذة يا ماما.
عقبت والدته بحسرة:
- إنت خليت فيها ماما ده أنتوا خلفة تجيب الشلل.
نظرت تجاه الغرفة التي يجلس بها يوسف وأشارت إلى بابها قائلة:
- شوف بقى هتعمل إيه مع الراجل اللي قاعد جوه ده!
زم نوح شفتيه بحنق وقال:
- ماشي يا فرح والله لأوريكِ.
نظر لوالدته مردفًا برجاء:
- ادخلي يا ماما سلمي عليه ولطفي الجو كده بأنها تعبانة ولا حاجة على ما أجيلك...
زفرت الأم بحنق واتجهت صوب الغرفة تحمل بيدها أكواب العصير وهي تتمتم:
- منك لله يا فرح!!
اتجه نوح نحو غرفتها وأخذ ألبوم صورها من بداية عمر يوم إلى آخر صورة التقطتها بعيد الأضحى الماضي وهي بعمر الشباب...
على جانب آخر
دخلت شاهيناز بالعصير وبعد التحية عرفته بنفسها وعرفها بنفسه وأعجبت باحترامه وأدبه وعندما عاد نوح استأذنته وغادرت الغرفة لتُكمل بحثًا عن فرح...
جلس نوح جواره وهو يقول مبررًا:
- أنا مش عارف أقولك إيه بس فرح تعبانة شوية ومش هتعرف تقابلك.
قطب يوسف حاجبيه باستفهام:
- مين فرح؟!
عقب نوح قائلًا:
- فرح فهيمة... أختي اللي هي زوجتك المصون اسمها في البطاقة فهيمة بس إحنا بنناديها فرح.
اعتلى وجهه الصدمة وهو يدعو بكل جوارحه أن يكون ما ظنه صحيح! قاطعه نوح قائلًا بابتسامة:
- ده ألبوم صورها عشان صورة كتب الكتاب دي أنا اللي مفبركها... كنت بحاول أطفشك بصراحة.
ضحك نوح وفتح الألبوم وأعطاه ليوسف الذي كان متلهفًا ليرى صورتها، بدأ يوسف يقلب بين صورها حتى وصل لتلك الصورة التي ظهرت بها فرح بريعان شبابها حدق بها للحظات ثم هتف قائلًا بصدمة:
- دي فهيمة؟!
ابتسم نوح بفخر وهو يقول بمدح:
- أيوه البسكوتة المقرمشة دي فهيمة قصدي فرح لأنها بتكره اسم فهيمة.
سأل يوسف بترقب:
- هي فهيمة تعرفني يعني عارفة شكلي ولا لسه؟!
لوى نوح شفتيه لأسفل وقال:
- لأ معتقدش أنها تعرفك ولا شافتك قبل كده بس يمكن جدي وراها صورتك!
تنفس يوسف بارتياح فالآن ستبدأ المعركة على حقها، أغلق الألبوم وهب واقفًا وهو يقول:
- طيب أستأذن أنا بقى أنا دعيت والدتك وهأكد على عمي تاني عشان حفل كتب كتاب أختي وإن شاء الله نتقابل تاني... أنا سعيد جدًا إني اتعرفت عليك.
عقب نوح برتابة:
- أنا مكنش ليا أصحاب هنا ومن النهارده إنت أقرب صديق يا أبونسب.
ربت يوسف على ظهره مبتسمًا وقال:
- حبيبي يا دكتره.
خرج من شقتهم كان قلبه يتراقص فرحًا من تلك المفاجأة، أيعقل أن تلك الفهيمة اشتغلته كل تلك الفترة؟! فلكل من اسمه نصيب ومن الواضح أنها استخدمت نصيبها في خداعه.
خرج من البيت مع عمه، لاحظت فرح خروجهم فوقفت لتحاول رؤيته ركزت لترى وجهه وتعرف من يكون هذا المجهول كان موليها ظهره فهتفت بحنق:
- لف بقى ياض عايزة أشوف جمال عيونك.
وقبل أن يلتفت لتراه خانتها قدماها فسقطت لداخل الغرفة صارخة، وحين انتبهت لحالها كانت تركب فوق ظهر الحمار الذي رفع صوته بالنعيق إثر المفاجأة...
كانت تقبض على هاتفها بإحدى يديها...
لم تصدر أي رد فعل سوى أنها اتصلت برقم أخيها على الفور وهتفت بصوت يوشك على البكاء:
- ألوووو الحقني يا نوح.
انفجر بها بنبرة حادة:
- إنتِ فين؟ كده تحرجينا قدام الراجل هربانة فين يا بت؟!
أخذ الحمار ينعق مجددًا وهو يتحرك بها يمينًا ويسارًا وهي تركب فوق ظهره، تصاعد صوت الجاموسة عاليًا وشاركتها بقرة أخرى وحين سمع نوح تلك الأصوات هتف قائلًا بحدة:
- إنتِ فين؟!
نظرت للحمار قائلة بصوت مرتعش:
- أنا راكبة الحمار في الزريبة.
تجعد وجهه قائلًا بتعجب:
- وإيه اللي ركبك الحمار!؟ وإيه اللي وداكِ الزريبة أصلًا!!
لم تبالِ بانفعاله وسلطت مصباح هاتفها على وجه الجاموسة وبكت قائلة:
- الحقني يا نوح الجاموسة بتبصلي بنظرة مرعبة.
________________________________
- مش كنتوا عايزين تشوفوا العروسة... عزمتها لكم على كتب كتاب يسر وهتيجي مع والدتها.
قال يوسف جملته وهو يسند ظهره للمقعد ويبدل نظره بين والدته وأخته، هتفت أخته مستفهمة:
- بجد!! وهتيجي يا يوسف؟
أجاب يوسف:
- أنا قولت لوالدتها وأكدت عليهم مش عارف بقى هتيجي ولا إيه؟
هتفت صفاء:
- لا الواجب أكلمها أنا كمان وأعزمها اديني رقمها.
نظر صوب هاتفه وهو يقول:
- معايا رقم نوح أخو العروسة هكلمه وأخليكِ تكلميها بس الصبح عشان أنا هموت وأنام.
قام عن مقعده وهو يردد:
- تصبحوا على خير.
وبعد أن غادر نظرت صفاء لابنتها قائلة:
- لما نشوف شكلها إيه العروسة دي؟!
دخل يوسف غرفته وحمل هاتفه يحدق برقمها للحظات مبتسمًا لأنه يسجلها باسم "فهيم" وهو يقول:
- بتشتغليني يا فرح!!
تنهد بارتياح قائلًا:
- كده بقى نلعب صح!
______________________________
جلست بالحديقة مع جدها وأسرتها وعمها زيد وزوجته وابنه تحكي لهم تفاصيل ما حدث حتى انتهت بجملتها:
- ولما وقعت لقيت نفسي راكبة على الحمار.
انفجروا بالضحك حتى أدمعت أعين البعض من شدته، عقب نوح من خلف ضحكاته:
- الحمار كان نايم في أمان الله فجأة لقى حاجة راشقة على ظهره من حيث لا يدري.
عقب زيد ضاحكًا:
- إنتِ مشكلة يا بت يا فرح.
لوت فرح شفتيها لأسفل تدعي البكاء:
- أنتوا بتضحكوا!!! بتتريقوا على مأساتي ده أنا اتفزعت.
مسح الجد عينيه من أثر الضحك وقال بجدية:
- المهم اعملي حسابك بقى يا حلوة إنك هتروحي بعد بكرة كتب كتاب صبيتك.
عقدت حاجبيها مستفهمة:
- صبيتي! إيه صبيتي دي؟
وضح الجد قائلًا:
- أخت جوزك.
هزت رأسها بقوة كناية عن اعتراضها وهي تقول:
- لا يا جدي مش هينفع إحنا متفقناش على كده وبعدين أنا عندي محاضرات.
عقب نوح قائلًا بنظرة متهكمة:
- بعد بكرة الجمعة مفيش محاضرات أساسًا!
رددت ببلاهة: أساسًا!
حكت رأسها كأنها تبحث عن مبرر آخر داخل جعبتها ثم لفظت:
- أيوه يبقى عندي مذاكرة.
عقب والدها بحزم:
- مفيش هروب المرة دي يا فرح هتروحي يعني هتروحي.
هبت فرح واقفة وهي تلوي شفتيها لأسفل ودبدبت بقدميها كالأطفال قبل أن تغادر المكان بأكمله بدون كلمة أخرى..
نظر نوح لجده قائلًا بجدية:
- على فكرة يوسف طلع محترم جدًا.
عقب والده "هشام":
- أنا بصراحة أعجبت بيه واد رزين كده وهادي ودكتور جامعي ربنا يبارك فيه.
قالت شاهيناز:
- بصراحة أنا ارتحتله لما اتكلمت معاه... كان بيتكلم بكل احترام وأدب واضح إنه راجل ومتربي.
علق الجد:
- أفهم من كده إنكم ناويين تمشوا الجوازة بشكل طبيعي.
حدق هشام في الأفق شاردًا ثم تمتم:
- وليه لأ!!
______________________________
جلست في غرفتها تقضم أظافرها بتوتر فهي لا تريد تلك الزيجة من الأساس! وتتمنى لو تنتهي بأقرب وقت، فقد وعدها جدها أن يطلقها منه لكن ما يحدث الآن لا يبشر بخير...
حملت هاتفها تريد أن توبخه على محاولته أن يقابلها، ضغطت على رقمه بعنف وانتظرت إجابته...
أما عنه فعندما ظهر اسمها "فهيم" على شاشة هاتفه اتسعت ابتسامته وسرعان ما أجابها قائلًا بسخرية:
- ألف سلامة عليكِ يا حيوانة قلبي أنا كنت عايز أشوفك بس...
قاطعه صوتها الغاضب:
- إيه اللي إنت عملته ده يا حيوان؟!
عقب يوسف قائلًا بتعجب:
- إيه عملت إيه يا قلب الحيوان؟!
هتفت بنبرة حادة:
- لعلمك بقى أنا كنت قاعدة جوه ومردتش أقابلك.
قال بشيء من التهكم:
- ليه بس يا حياتي ده أنا كنت هموت وأشوفك.
لا تدري لمَ تغيرت نبرة صوته هكذا! شعر أن هناك خطب ما!! أخرجها من خضم أفكارها صوته قائلًا:
- هشوفك بعد بكرة يا روح قلبي لما تيجي كتب كتاب أختي.
عقبت بنزق:
- مين قالك أصلًا إني هاجي!
هتف بنبرة ناعمة:
- جدك يا قلبي ووالدتك يا حبي وباباكي يا حياتي كلهم أكدولي.
ازدردت ريقها بتوتر تجزم أن هناك خطب ما! وتغيير قد طرأ على هذا الرجل، هتف يوسف بمكر:
- متنسيش تجيبي عصاية جدك عشان تعملي هنا نمرة ولا هو حلال لسندس وحرام علينا.
سألته بتهكم:
- قصدك إيه؟!
ابتسم قائلًا:
- قصدي ترقصي طبعًا.
وبخته قائلة:
- أرقص يا إمعة يا ديوث ده ناقص تقولي هقف وراكِ ألم النقطة.
هتف قائلًا بسخرية مصطنعة:
- وليه لأ تعرفي لو عجبني رقصك هنفتح مسرح في البلد وإنتي ترقصي وأنا ألم النقطة ده إحنا نكسب دهب.
ضحك وأكمل:
- ويا سلام بقى لو جبتي سندس تشجعك.
تصاعد صوتها غاضبة:
- يا حيوان!!
رد بكل برود:
- نعم يا حياتي.
أغلقت الهاتف دون سابق إنذار...
نفخت بضيق وفتحت هاتفها تعبث به حتى غلبها النعاس....
______________________________
وفي اليوم التالي
كانت تركب سيارة الأجرة وتنظر لأخيها العائد إلى بيته بعد أن أوصلها بنفسه لأنها خشيت أن يعترض طريقها كلبًا كالمرة السابقة...
أثار انتباهها نوح الذي وقف مع يوسف وكانا يضحكان، وكأن نوح يعرفه جيدًا!
تتمنى لو تعلم عن ماذا يتحدثان؟! وبعد قرابة الدقيقة ركب يوسف في المقعد الذي يليها ولم يخاطبها وكأنه لا يعرفها، فتظاهرت هي الأخرى أنها لا تعرفه، كانت تجلس بالمقعد الذي يلي السائق ويجاورها من جهة اليسار فتاة ومن جهة اليمين شاب، وخلف الشاب مباشرة يجلس يوسف وأثناء الطريق لاحظت امتداد يد الشاب لتتحسس جسدها فالتصقت بالفتاة التي جوارها فسألتها الفتاة:
- "فيه إيه؟!"
هزت فرح رأسها تنفي وجود أي خطب، ظلت تفرك بالمقعد وتتأفف كلما مد الشاب يده نحوها وفجأة هتفت بحنق:
- استغفر الله العظيم.
عندما قالت جملتها ابتعد عنها الشباب، وبعد لحظات اقترب مرة أخرى، فهتفت بنزق:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.
شعر يوسف أن هناك خطب ما، فسلط بصره عليها حتى رأى ما يفعله الشاب فاستشاط غضبًا، وهتف على الفور:
- على جنب يا أسطى لو سمحت.
أوقف السائق السيارة، فربت يوسف على كتف الشاب قائلًا:
- انزل وعديني يا ريس لو سمحت.
ارتجل الشاب من السيارة، فجلس يوسف جوار فرح وأغلق باب السيارة قائلًا:
- اطلع يا أسطى.
فتح الشاب الباب مرة أخرى قائلًا:
- جرى إيه يا أستاذ؟ إيه قلة الذوق دي؟!
ضغط يوسف على أسنانه ونظر لعينيه بغضب وهو يزمجر قائلًا بنبرة حادة:
- اركب مواصلة تانية عشان وربي لو نزلت لك ما هسيبك.
أغلق الشاب الباب فهو يعلم ما عقوبة ما فعل، نظر يوسف للسائق قائلًا بجدية:
- اطلع يا أسطى.
كانت ترمقه بحرج فقد علم بما حدث، وبعد أن وصلا ارتجل يوسف من السيارة وتبعته فرح، كانا سيركبان سيارة أخرى ليصلا للجامعة، لكن بعد السير بضعة أمتار هرولت فرح من أمامه وكأنها لا تعرفه، لكن أوقفها صوته حين ناداها:
- فرح!
وقفت واستدارت إليه، كان يحدق بها بقوة على عكس كل مرة، كيف لا وقد تأكد أنها زوجته ويحل له أن يفعل، توترت من نظراته فعدلت من نظارتها وهي تقول:
- فيه حاجة؟!
نظر لها بسخرية وقال متهكمًا:
- يعني أنتِ لسانك أطول منك مش عارفة تزعقي للي كان بيمد إيده عليكِ وتاخدي حقك منه.
استأنف مقلدًا صوتها وهو يرفع كتفه مستهزئًا:
- إنما إيه استغفر الله العظيم.... لا حول ولا قوة إلا بالله!
رمقها بغيظ مردفًا:
- إيه جاية تتوبي دلوقتي!؟
تلعثمت قائلة:
- أ... أنا كنت محرجة ومعرفتش أتصرف...
مسح على رأسه وزفر بقوة ثم نظر لساعته قائلًا بجدية:
- يلا هنتأخر على المحاضرة.
ركبا سيارة الأجرة التالية وجلس جوارها تاركًا بينهما مسافة وفيرة.
كانت تجلس بجوار النافذة تتابع الطريق، وفجأة حدثت رجة بالسيارة وكأنها على وشك أن تنقلب بجميع الركاب...
تعالت الصرخات، فتشبثت فرح بملابس يوسف... كانت لحظات لكنها كافية لتبث الرعب داخل القلوب، توقفت السيارة بسلام بعد أن تحكم بها السائق الذي ارتجل على الفور يبحث عن سبب ما حدث.
انتبهت فرح ليدها، ولو استمرت الرجة للحظة أخرى كانت ستجلس فوق فخذيه من شدة رعبها.
اعتدل في جلسته وسألها:
- أنتِ كويسة؟!
هزت رأسها لأسفل مؤكدة أنها بخير.
وصلت للجامعة ودخل كل منهما بمفرده...
ثم مر اليوم بروتينية وانتهت محاضراتها وعادت لبيتها دون أحداث أخرى...
________________________________
وفي المساء
كان سليمان يجلس مع زوجته "حنان"، قال:
- أنا عملت زي ما طلبتِ، جبتهم لك لحد هنا، وريني شطارتك بقى مع البنت دي.
نظرت للفراغ بغل وحقد تجلى في نبرة صوتها:
- وحياتك عندي لأنْتِقِمْ لك منهم بس اصبر.
زفر سليمان بقوة قبل أن يقوم من مكانه قائلًا:
- هصبر بس ألاقي نتيجة.
قال جملته وغادر المكان، وجلست حنان تحدق أمامها وتبتسم بخبث متمتمة:
- جدع يا سليمان كدا سهلت عليّ الموضوع...
________________________________
وفي اليوم التالي
وقبل صلاة الجمعة اتجهت شاهيناز مع ابنتها لبيت يوسف، كانت فرح تجلس بهدوء غريب على غير عادتها تفرك يدها، وتدبدب بقدميها بتوتر.
لم تستمع لأي شيء من حديث والدتها مع صفاء، كانت شاردة تخاف أن يدخل ذلك المجهول فجأة ويراها، قاطع شرودها تربيت والدتها على ظهرها وهي تقول:
"لا ده أنا بنتي شاطرة في كل حاجة"
رفعت شاهيناز "والدة فرح" أصابع يدها لتعد ما ستقوله:
- غسيل، طبيخ، كنيس، كوي، كل حاجة.
أكملت قائلة:
- ده فرح بنتي بقى عليها نفس في الطبيخ إنها إيه... حكاية.
قرصت فرح يد والدتها لتصمت، فلمَ تبالغ لتلك الدرجة! فهي لا تعرف للمطبخ طريق! ولا تعرف عن الطعام سوى أنه للأكل!!
ابتسمت صفاء "والدة يوسف" وهي تتأمل ملامح فرح التي أعجبتها إلى حد كبير وهدوئها الذي أحبته وقالت:
- حيث كدا بقى أنا محتاجاها معايَ النهار ده، أستأذنك تسيبيهالي يا أم نوح.
شاهيناز بلوم:
- أنتِ بتستأذني دي بنتك طبعًا.
انتبهت فرح لما قالته والدتها واتسعت مقلتيها في دهشة لتصدمها والدتها حين نهضت ونظرت لفرح قائلة:
- خليكِ يا فرح مع طنط.
تجهم وجه فرح وهبت واقفة تتشبث بيد والدتها كطفلة صغيرة تتركها والدتها بالروضة في أول يوم لها...
أمسكت ملابس والدتها كأنها ستهرب وتتركها، فلم تضحِ بها والدتها هكذا!
تلعثمت فرح قائلة:
- أنا هاجي معاكِ يا ماما.
عقبت صفاء بحزن:
- يعني متعرفيش تقعدي معايَ النهار ده عشان خاطر أختك يسر دي نفسها تشوفك زمانها جاية من الكوافير.
ربتت شاهيناز على يد فرح قائلة:
- اقعدي يا فرح مع طنط متزعليهاش.
أومأت فرح رأسها بقلة حيلة، أزاحت والدتها يدها عنها فجلست فرح دون أن تعقب، كانت ترمق والدتها التي تغادر بحسرة كأنها تقول "لا تتركيني وحدي أماه"....
وبعد دقيقة عادت صفاء لفرح التي تضع يدها على خدها، وتدعو أن يمر اليوم على خير، نظرت لها صفاء قائلة:
- يلا بينا على المطبخ.
ابتسمت فرح بتهكم وتبعتها دون أن تنبس ببنت شفة، نظرت لها صفاء قائلة:
- بصي هسيبك بس تعملي الشاي ده.
أشارت لوعاء الشاي ثم وعاء السكر وقالت:
- ده الشاي وده السكر بس اعمليه كشري.
خرجت من المطبخ وتركت فرح التي فغرت فاها ببلاهة قائلة:
- هي عايزة شاي ولا عايزة كشري ولا عايزة شاي بالكشري ولا إيه؟!
أخذت فرح تفرك جبينها وهي تنظر لباب المطبخ ثم لوت شفتيها لأسفل قائلة ببكاء زائف:
- أنا لا بعرف أعمل شاي ولا بعرف أعمل كشري!
وقفت فرح تبحث عن المعكرونة حتى تطبخ الكشري بعد أن بحثت عن طريقته على الإنترنت، ثم وبعد أن سئمت ويأست أن تجد مكوناته تأففت بحنق وهي تحيط خصرها بيدها قائلة:
- أنا أول مرة أعرف إنهم بيعملوا كشري في كتب الكتاب!
استطردت بعصبية:
- أنا مش فاهمة والله إزاي الست دي تسيبني كدا واقفة لوحدي من غير ما تطلع لي الحاجات!
زفرت بحنق وأكملت البحث عن المعكرونة والشعرية والمكونات الأخرى حتى وجدتهما، ثم وقفت على أطراف أصابعها حتى تصل للوعاء الملائم لتسلق المعكرونة وبالفعل ملأته بالماء ووضعته على النار...
وبعد فترة
دخلت صفاء للمطبخ ونظرت لذلك الوعاء الضخم الذي تُغلي به الماء وقالت بذهول:
- إيه يا بنتي الماية دي كلها، ده إحنا عايزين ٣ كوبايات بس!
فغرت فرح فاها قائلة ببلاهة:
- ٣ كوبايات كشري!!!
ضحكت صفاء قائلة:
- ٣ كوبايات شاي يا فرح ركزي، أنتِ مفطرتيش ولا إيه؟
حكت فرح رأسها وقالت:
- لأ أنا فطرت بس...
صمتت لبرهة تبتلع لعابها ثم أردفت:
- ممكن حضرتك تعملي الشاي أصل زي ما المثل بيقول الغريب أعمى ولو كان قصير.
ضحكت صفاء قائلة:
- يا بنت مش قصير.
- أومال طويل!
ضحكت صفاء قائلة:
- بصير يا فرح... الغريب أعمى ولو كان بصير!
ضحكت فرح بنفس البلاهة قائلة:
- ما أنا عارفة طبعًا بس كنت بهزر معاكِ...
- دمك عسل يا فروحة... يلا بقى عشان نجهز الأكل.. صحيح أنتِ بتعملي المكرونة بالبشاميل إزاي؟
عدلت فرح نظارتها قائلة بتلعثم:
- معقولة... معقولة يعني هقول الوصفة وحضرتك موجودة؟
حكت فرح رأسها بارتباك وعدلت من نظارتها مردفة بارتباك:
- هو حضرتك بتعمليها إزاي؟!
شرحت لها صفاء الطريقة، كانت تستمع إليها بدون تركيز حتى انتهت من شرح الوصفة كاملة، فعقبت فرح وهي ترفع سبابتها مؤكدة:
- بالظبط أنا بعملها كدا بالظبط..
سألتها صفاء مجددًا:
- طيب الجلاش بتعمليه إزاي؟
رسمت فرح ابتسامة سخيفة على شفتيها قائلة:
- هي الوصفة بتقول إيه؟!
شرحت صفاء الطريقة، فقالت فرح:
- بالظبط كدا يا طنط... الله ينور عليكِ.
دخلت يُسر للمنزل متلهفة لرؤية عروس أخيها التي مدحتها والدتها كثيرًا بالهاتف، اتجهت للمطبخ وهي تنادي والدتها فردت والدتها:
- تعالي يا يُسر.
التفتت فرح تنظر إليها وفغرت فاها بدهشة وهي تقول:
- مش معقول يُسر!
ضمتها يُسر بقوة وهي تقول:
- فروحة.
عانقتها يسر مرددة:
- يا روح قلبي وحشتيني أوي..
قطبت صفاء حاجبيها قائلة:
- أنتوا تعرفوا بعض ولا إيه؟!
وبعد الكثير من السلامات والأحضان وقفت يُسر توضح لوالدتها قائلة:
- دي فرح يا ماما اللي كنت بنزل معاها أشتري حاجات لجهازي فاكرة اللي اتعرفت عليها صدفة..
عقبت فرح بابتسامة:
- إحنا اتعرفنا صدفة مرة كنت ببعت رسالة لرقم صاحبتي بدلت رقم ومن يومها اتعرفت على يُسر...
شهقت يسر وقالت بصدمة:
- متقوليش إن عريس الغفلة اللي حكيتِ لي عنه يبقى أخويا!؟
هزت فرح رأسها بخجل قائلة:
- للأسف!
انفجرت يُسر بالضحك قائلة:
- يعني الحيوان يبقى أخويا... لأ يا فرح ده أنا هنفخك...
ظلت الفتاتان تتحدثان كثيرًا وتحكيان مواقفهما سويًا فالعلاقة بينهما سطحية إلى حد ما ولم تتعمق فرح لتحكي لها عن مكوثها بالبلد وبعض الأحداث الأخرى...
_____________________________
وقبيل أذان العصر كان البيت يعبق برائحة السعادة التي تعم الأرجاء، والشقة مليئة بالضيوف...
طفقت فرح تساعد بتوزيع أكواب العصير على الحضور، حتى سمعت صوت:
- المرة دي بقى قريبة العروسة ولا العريس!
ارتبكت فرح عند سماعها نبرة صوته التي تُزلزل قلبها، فلمَ يظهر أمامها بكل مكان وكأنه متعمدًا؟! هل يظن أن قلبها قوي لدرجة أن يتحمل رؤيته كل يوم ولا يهيم به عشقًا!! فيكفيها ابتسامته التي تخطفها وتسرقها لعالم آخر تتمنى المكوث به أبدًا.
صرفت بصرها عنه وهي تغلق عينيها لبرهة ثم تفتحها بحركة سريعة قائلة بتلعثم:
- أنت هنا!!! أنت هنا ليه؟!
أخذ كوبًا من العصير الذي تحمله على صينية بين يديها وارتشف منه رشفة ثم قال:
- أنا هنا عشان المفروض أكون هنا!
غمز لها بعينه، فأغلقت عينيها إثرها وكأنها ظنت أنه خُيل لها غمزته.. ثم فتحتها وهي تستدير منصرفة من أمامه لتدخل للمطبخ وهي تتمتم قائلة:
- فزوة دي!
هزت رأسها باستنكار مرددة:
- جريء أوي. ومش مؤدب... ونزل من نظري.
خرجت مرة أخرى بعد أن ملأت الصينية بالأكواب الممتلئة بالعصير لتوزيعها على باقي الضيوف ولتجلب باقي الأكواب الفارغة، وقبل أن تدخل من الباب التفتت برأسها تنظر إليه فوجدته ينظر إليها مبتسمًا فارتبكت ولم تنظر أمامها وفجأة ارتطمت بالحائط بقوة فوقعت الأكواب من يدها قبل أن تنزلق قدمها وتفترش الأرض صارخةً...
أجفل يوسف وركض نحوها ليساعدها بجمع الأكواب التي كانت من البلاستيك فلم تنكسر، خلعت نظارتها لتتأكد من سلامتها قبل أن تقوم فهتف يوسف بخفوت وهو ينظر بعينيها:
- يا بنت ركزي شوية هتفضحينا!
سارت وهي في قمة إحراجها ودلفت للمطبخ متمتمة:
- أنا إيه اللي بيحصلي ده.... أدعي عليكِ إزاي يا شاهيناز وأنتِ أمي!
بدأت تقطع المطبخ ذهابًا وإيابًا بتوتر فاصطدمت يدها بوعاء الطبيخ ووقع على ملابسها مصدرًا صوتًا مرتفعًا...
هرولت صفاء إثر الصوت اتسعت عينيها في دهشة وهي تبدل نظرها بين فرح والوعاء وحاولت الحفاظ على هدوئها قائلة:
- حصل خير .... حصل خير..
ابتسمت فرح ابتسامة صفراء قائلة:
- أنا آسفة يا طنط.
ربتت صفاء على ظهرها قائلة:
- تعالي معايَ أشوف لك حاجة تلبسيها عند يُسر..
سحبتها صفاء من يدها مردفة:
- هدخلك أوضة فاضية تقعدي فيها على ما الدوشة دي تخلص.
حتمًا تريد صفاء التخلص من تلك المصيبة المتحركة، تنهدت صفاء وقالت وهي تصك أسنانها بغيظ:
- وتريحيلك شوية...
ادخلي الحمام غيّري وأنا هجيبلك الهدوم.
دخلت فرح لحمام الغرفة ونزعت ثيابها المتسخة لترتدي فستانًا آخر، وبعدما انتهت من تبديل ثيابها جلست على طرف السرير تتأمل الغرفة، وتفكر في مصير تلك الزيجة ومصير قلبها الذي بدأ يتعلق بيوسف. هي تعلم أنها ترتكب خطأ فادحًا، ويجب أن تردع قلبها عنه، لا يجوز ولا يصح أبدًا... لكن كيف وهو يظهر لها في كل مكان!
ظلت تفكر كثيرًا حتى قاطعها أصوات الزغاريد بالخارج لكنها لم ولن تخرج، ستبارك ليُسر في وقت لاحق، فلا تريد رؤية أحد بعدما هوت أرضًا أمام كل ذلك الحشد من الرجال! وبعد الوعاء الذي سقط فوق ثيابها لن تخرج كي لا تختلق مشاكل أخرى، يكفيها حرجًا!
مرت نصف ساعة وبدأت الأصوات في الهدوء فيبدو أن الأمر قد تم وحان وقت عودتها للبيت، حملت هاتفها لتتصل بأخيها ولكن هاتفه مشغول، وبمجرد أن أنزلت الهاتف عن أذنها فتح يوسف باب الغرفة فاتسعت عيناها بذهول من دخوله المفاجئ.
كان يتحدث عبر هاتفه وهو يفتح باب غرفته فانتفضت فرح وهبّت واقفة. رفع يوسف يده مشيرًا لها أن تهدأ، كانت صامتة تنظر له بكثير من الدهشة وقلبها يكاد يقفز من مكانه فزعًا، تحاول فهم ما يفعله هذا الشخص في هذا المكان وفي تلك اللحظة، أيعقل أنه ينوي الهجوم عليها وأخذها عنوة!
اتسعت حدقتاها هلعًا عندما تخيلت تلك الفكرة واختلج جسدها حين دخل يوسف للغرفة ثم أوصد بابها من الداخل ومازال يتحدث عبر هاتفه ويطالعها بابتسامة عذبة:
- لا متقلقش أنا هوصلها بنفسي يا نوح لأني عارف إنها بتخاف من الكلاب.
أغلق الهاتف ووضعه على مكتبه فقالت بريب:
- أنت دخلت هنا إزاي؟
ازدردت ريقها وعادت للخلف خطوة مرددة بتلعثم:
- و... وقفلت الباب ليه؟!
صمت هنيهة ثم جلس على أقرب مقعد ووضع يده أسفل ذقنه قبل أن يرد بمكر:
- باب أوضتي وأنا حر أقفله أو أفتحه، أنا حر!
رواية فرح فهيمه الفصل السادس 6 - بقلم ايه شاكر
- باب أوضتي وأنا حر أقفله أو أفتحه أنا حر!
- أوضتك! هو إنت قريب الـ....
قالتها فرح بصدمة، فقاطعها بإيماءة خفيفة مع ابتسامة وهو يقول:
-الحيوان!
وسرعان ما سألها ساخرًا:
-صحيح هي سندس عامله إيه؟!
إذًا قد علم بأمر سندس أيضًا فمن الواضح أن الحيوان يحكي له كل شيء! هكذا حدثت حالها، أما هو فجلس فوق الأريكه ووضع رجلًا فوق الأخرى وقال:
-بتضحكي على جوزك وتقوليله إنك مخلصه دبلون زراعه يا قادره!!
لم تدرك حتى تلك اللحظه أنه يتحدث عن نفسه اعتقدت أنه أخوه أو ما شابه!
كادت أن تبكي تساءلت هل تحب أخو زوجها!
أفكار كثيره حامت بعلقها وسيناريوهات أكثر! فلو علم زوجها أن قلبها متيم بأخيه سيقتـ ـلها ويواري جثـ ـتها بأي مكان...
كانت على وشك البكاء، تجهم وجهها وشعرت بغصة في حلقها...
جلست على طرف السرير فقد أثقل الحزن كاحلها فلم تعد قادرة على الصمود لأكثر من ذلك وعندما لاحظ شرودها وعبوس ملامحها اتجه نحوها وقطب حاجبيه يسألها:
-إنت كويسه؟!
تنهدت بأسى وأغلقت عينيها بحسرة ثم فتحتها ناظرة صوب الباب وهي تقول:
-لو سمحت يا دكتور افتح الباب مينفعش كدا!
انحنى أمامها مباشرة ومحدقًا بها بقـ ـوة يتفحص تجهمها، فانتفضت وهي تبتعد عنه، وصاحت بغضب:
-أنا كنت فاكره حضرتك محترم بس الظاهر إن الوش المؤدب الي إنت راسمه وراه إنسان عديم التربيه.
-احترمي نفسك يا بت إنتِ.
قالها بنفس نبرتها المرتفعة، فهدرت:
-والله أنا محترمه الدور والباقي عليك ياللي عامل نفسك محترم وإنت مشوفتش بربع جنيه تربيه.
-لسانك أطول منك.
-لو سمحت افتح الباب ده إلا والله هقول لطنط صفاء.
-طيب مهي طنط صفاء عارفه.
قالها ببرود، واستفزها بابتسامة...
اتجه نحوها فعادت بظهرها للخلف حتى اصطدمت بالحائط، تلعثمت:
-متقربش وإلا هصوت.
وبمجرد انتهاء جملتها صدع صوت الأغاني عاليًا فأعلقت عينيها متمتمة: اي الحظ ده!
ابتسم بمكر قائلًا:
-يلا صوتي بقا محدش هيسمعك.
ازدردت ريقها بتوتر ونبست:
-لو سمحت يا دكتور افتح الباب حضرتك باين عليك محترم وما شاء الله طول بعرض أكيد مش هتبص لوحده زيي.
قالت جملتها وهي تشير على نفسها باشمئزاز فضحك يوسف قائلًا:
-رحم الله امرؤ علم قدر نفسه.
حركت سبابتها قائلة:
-لا لو سمحت أنا عارفه قدر نفسي كويس أوي ومسمحلكش تغلط.
صمتت للحظة ثم أردفت برجاء وهي تتوسله بعينيها:
-بالله عليك افتح الباب وأنا مش هقول لحد متخافش.
فتح باب غرفته، وقال بهدوء وهو يشير بعينه للخارج:
- اخرجي يا فرح.
تنفست بارتياح وهي تخرج من غرفته متعجبة...
تننظر خلفها كأن علقها لا يستوعب أنه تركها.
وعندما رأتها صفاء أخذت يدها لمكان تجمع بنات العائله يتراقصون ويصفقون بفرحه...
وقفت فرح كالمغيبه تنظر لهم ولا تراهم كانت تشعر أنها صدمت بيوسف وعلى ما يبدو لها أنه لا يعرف للإحترام طريقًا!
أخرجها من خضم أفكارها دخول يوسف للغرفة وضمه لأخته حدجته فرح بحدة.
من ناحية أخرى
-أنا مضايقه من البت دي يا حنان... هاين عليا أروح أجيبها من شعرها خطفت مني حبيبي..
كانت حنان تجلس جوار أختها الصغرى "حبيبه" ربتت على ظهرها لتطمئنها وهي تبتسم بخبث قائله:
-متقلقيش يا بت هجوزهولك.... كدا أو كدا هيطلقها.
نظرت لهما حبيبة ولنظرات يوسف تجاه فرح وهتفت بحنق:
-هيطلقها! مش شايفه بيبصلها ازاي؟ ولا كأنه اتجوزها بالغصب!
وجهت حبيبه نظرها لفرح بغيظ وهتفت بحنق:
-خطـ ـافة الرجاله دي... ربنا ياخدها.
لكزت حنان يد أختها وهمست بجوار أذنها:
-قومي ارقصي كدا عشان تلفتي نظره ليكِ!
قامت حبيبة وهي تتشدق بالعلكة وترمق فرح بنظرات حارقه، في البدايه بدأت بالتصفيق ثم مسكت يد يُسر لترقص معها وسرعان ما تركت يدها لتلفت نظر جميع الحضور إليها وهي تتمايل بطريقه شرقيه وتغني مع الأغنيه، لكنها عندما بدأت بالرقص غادر يوسف وتبعه سامر تاركين المكان برمته غاضين بصرهما عنها...
رمقته فرح متعجبة فأحيانًا تشعر أنه مؤدب يحترم حدود دينه وأحيانًا ترى منه جانب أخر، لوت شفتيها لأسفل بكثير من الذهول حتى جذبتها حبيبة فجأةً لمنتصف الغرفه لترقص فرفعت فرح سبابتها معترضه وهي تبتسم بارتباك، لكن حبيبة مسكت يد فرح تحاول جذبها للرقص ومازالت فرح تهز رأسها باعتراض تام، لتتدخل حنان قائلة بنبرة مرتفعه تشوبها السخريه:
-مترقصي يا حلوه وورينا جمالك!
ضحكت حنان بسخريه أمام الجميع:
- ولا مفيش جمال أصلًا... هيكل عظمي مش باينله معالم.
ضحك الإثنان بسماجه، واقتربت حبيبة تسحب النظاره عن وجه فرح وهي تقول:
-وبتشوفي بقا يختي من غير النظاره دي ولا عمشه!
تم اغلاق الأغاني وتصاعدت أصوات الهمهمات، كانت فرح على وشك البكاء، وضعت يُسر يدها على فمها بهلع فها هي حنان قد بدأت مجددًا، أخذت يُسر النظاره من يد حبيبه وأعطتها لفرح فلابد أن تُنهي الاحتفال الآن حتى لا تتفاقم الأمور.
نظرت يُسر حولها تبحث عن والدتها أو أخيها فلم تجدهما وقع نظرها على سامر الذي كان يتابع المشهد أمام باب الغرفه، وسرعان ما وجه حديثه للجميع قائلًا:
-شكرًا يا جماعه الحفله خلصت...
خرجت يسر من الغرفه ومسك سامر يدها ودخلا لغرفة أخرى وتبعتهما فرح التي تبحث عن أي مكان لتتخفي عن الأعين وتبكي..
فـ سامر ابن عمة يُسر توفت والدته حين كان بعمر الزهور في الثامن من عمره فعطفت عليه صفاء وربته بين أولادها حتى مـ.ـات زوجها وانتقلت للقاهره.
صلوا على خير الأنام.
بقلم آيه شاكر
ـــــــــــــــــــ
-دي الحكايه من أولها لأخرها مخبتش عليكِ حرف واحد.
قالها يوسف لوالدته التي تجلس قبالته في غرفته وقد حكي لها كل شيء عن فرح وأنها لا تعرف أنه زوجها هو فقط دكتورها الجامعي..
-يعني قصدك تقول إن هي كمان مجبره على الجوازه صح؟
-واضح جدًا من تصرفاتها إنها بتطفشني!
سألت صفاء بابتسامه:
-بس يا ترى لو عرفت أن إنت جوزها هيكون رد فعلها ايه؟!
تنهد بحيره وقال:
-مش عارف أنا هقولها وهي اللي هتقرر هنكمل ولا لأ.
سألته صفاء بتوجس:
-وعمك هتعمل معاه إيه؟!
ابتسم بمكر قائلًا:
-عمي متقلقيش هعرف أتصرف معاه.
مصمصت صفاء شفتيها وابتسمت قائلة:
-دي حكايه ولا في الأفلام!
أردفت بجديه وبابتسامه عذبه:
-بس والله أنا حبيت فرح وحساها شبهنا ولايقه عليك يا واد.
تنهد يوسف قائلًا:
-وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.... ويمكن ربنا جعلي الخير فيها..
نظرت صفاء لعينه وسألته:
-إنت حبيتها يا يوسف؟!
ابتسم يوسف ومسح رأسه بحياء، فأضافت والدته:
-هي بصراحه بسكوته كدا وتتحب إذا كنت أنا شخصيًا حبيتها من أول نظره.
-أنا مش عارف والله يا ماما بس الصراحه أنا منجذب ليها واحترامها.
قاطعهما دخول يسر المفاجئ بوجهٍ مكفهر تقول:
- حنان وحبيبه أحرجوا فرح قدام أصحابي والناس الي بره...
جحظت عيني صفاء قائله بصوت ينوي على شر:
-وهي فين حنان!!
قصت عليهما يُسر ما حدث بإيجاز فاستشاطت صفاء غضبًا فقد نوت قبل مجيئها للبلد أنها سترد لحنان كل ما فعلته بها سابقًا ولن تتغاضى عن أي إهانة لها أو لأبنائها.
هرولت صفاء بخطوات أقرب إلى الركض لتلحق بها، أما يوسف فنظر ليسر قائلًا:
-فين فرح؟!
رفعت يسر كتفها لأعلى كناية عن جهلها، فقال:
-طيب روحي اقعدي مع سامر متسيبهوش لوحده على ما أجي.
اومأت وخرجت من الغرفه...
زفر يوسف بحنق ثم خرج خلفها...
استغفرو.
____________________________
وقفت فرح في الشرفه وأطلقت لدموعها العنان، هي لا تبكي فقط لتلك الإهاىٰه لكنها تبكي على كل شيء فما حدث معها اليوم ليس بالقليل، مازالت تظن أن يوسف هو أخو زوجها وهذا هو السبب الأول لبكائها.
مسحت دموعها بباطن كفها وتنهدت بألم وسمحت
-فرح!
قاطع شهقاتها صوته فارتشفت دموعها ومسحتها في سرعة..
نظرت أمامها بجمود قائله:
-هي طنط صفاء فين عشان همشي؟
تجاهل سؤالها قال:
-إنتِ بتعيطي! دي واحده سفيهه وغيرانه منك يا عبيطه!
قفزت الدموع من عينيها مرة أخرى فأمسك يوسف يدها لتهدأ لكنها سحبتها منه بغضب وهدرت بنبرة حاده:
-أنا مسمحلكش تتمادي في تصرفاتك دي... احترم إني مرات أخوك.
ضحك وكاد يرد عليها لكن قاطعه صوت صفاء المرتفع فهرولوا للخارج....
بقلم آيه شاكر
استغفروا.
____________________
ابتسمت حنان بانتصار بعد أن انتهت الحفله وخرج الجميع من بيت صفاء قامت مع حبيبة لتغادر وهي تبتسم بخبث فنادتها صفاء وقالت بنبرة حادة:
-هو إنتِ مش هتبطلي قرف بقا يا حنان!
رمقتها حنان بتهكم ولم ترد عليها وكانت ستغادر متجاهلة لكلامها ومستهزءة بها فرفعت صفاء صوتها قائله بغضب:
-والله لو مسكتِ سلوك الكهربا إنتِ وأختك العقربه ما هتطولي ظفر ابني!
رفعت صفاء سباتها بتحذير قائلة:
-ومن النهارده إلي هيغلط في عيالي هأكله باسناني وفرح من يوم ما اتجوزت يوسف بقت من عيالي...
ابتسمت حنان بسخرية ولم ترد فصاحت صفاء وهي تشير بسبابتها للخارج:
-اطلعي بره يا حنان ومتدخليش شقتي تاني لا إنتِ ولا أختك.
أطرقت حنان فلا تريد الشجار الآن ونطقت بتوعد وبنظرة حاقدة:
- ماشي يا صفاء ماشي.
خرجت وهي تضحك بمياعه وتبعتها أختها التي ترمق فرح بكثير من الغل والكره، فأغلقت صفاء الباب خلفهما بعنف، كانت فرح تنظر إليه بصدمه بعد ما قالته صفاء "فرح اتجوزت يوسف" أيعني أنه زوجها، هو زوجها وليس أخيه كان يترقب ردة فعلها ويتابعها وهي تحدق به، سألته فرح:
-هو إنت....
هز رأسه لأسفل وهو يبتسم هامسًا بجوار أذنها:
-الحيوان.
أكبقت يدها على فمها في ذهول ونظرت أرضًا بخجل وقلبها يختلج، جلست على أقرب مقعد أمامها، فربت يوسف على ظهرها وهمس مجددًا:
-لا اجمدي كدا يا حيوانة قلبي
ازدردت ريقها بتوتر، وأردف هو:
-مين قالك أصلًا إن أنا ليا أخوات غير يُسر!
قاطعها صوت صفاء التي قالت:
-متزعليش يا فروحه دي ست دماغها تعبان.
عقبت فرح بسرعه:
-مش زعلانه بس أنا عايزه أمشي.
نظر لها يوسف قائلًا:
-طيب استني ثواني عشان أوصلك
لم ينتظر ردها وخرج مسرعًا وبعد خمس دقائق كانت تقف جواره تنظر له، لوالدته لا تدري كيف ستتهرب منهما!
-وإنت هتعرف تسوق المكنه دي يبني؟
قالتها صفاء وهي تنظر لإبنها الذي يركب الدراجة النارية استعدادًا لقيادتها، نظر لها يوسف مبتسمًا وقال بثقه:
-متقلقيش يا ماما دا أنا سواق قديم...
نظر يوسف لفرح التي تنظر له بشيء من الذعر وقال بجديه:
-اركبي يلا يا فرح.
تلعثمت قائله بارتباك:
-ا.. أركب فين لأ.. أنا بخاف من البتاع ده!
نظر لها بثقه ليطمئنها قائلًا:
-اركبي متخافيش همشي براحه...
وقفت مكانها كأن قدميها كالصخر ولا تستطيع رفعهما، فربتت صفاء على ظهرها لتشجعها قائله:
-اركبي يحببتي متخافيش بدل ما تمشوا...
بدلت فرح نظرها بينهما ثم ركبت خلفه بقلة حيله كانت تزدرد ريقها بكثير من الرعب فأخر مرة ركبت خلف أخيها لف ذيل فستانها على جنزير الدراجه الناريه فانقلبت بهما وظل ذراعها ملفوف بالجبيره لأكثر من شهر...
ودعتهما صفاء وانطلق يوسف قاصدًا بيتها، سار يوسف مهدئًا سرعته، أما هي فحاولت جعل مسافه فاصلة بينهما ومسكت في الدراجه نفسها لتحتمي من السقوط وعندما لاحظ ابتعادها عنه تحدث قائلًا بتهكم:
- هو فيه حد قالك إني جربان ولا حاجه؟!
لم تعقب مدعية أنها لم تسمعه، فهتف بنبرة مرتفعه قائلًا بأمر:
-امسكي فيا يا فرح لو سمحتِ...
تلعثمت فرح قائله:
-لأ... لأ أنا كدا كويسه...
وما أن أنهت جملتها حتى ظهر جوارها كلبًا فنظرت له بهلع، رفعت قدميها تظن أنه سيتهجم عليها فتشبثت بملابس يوسف قائله بهلع:
-ينهاري كلب... كلب إلحق بيبصلي إزاي يالهوووي هيعضني...
حين شعر الكلب بخوفها نبح عليهما وكاد أن يركض خلفهما فتشبثت فرح بيوسف أكثر صارخة، أوقف يوسف الدراجة وزجر الكلب ليبتعد عنهما وتبتعد بعده فرح عن يوسف، وحين ابتعدت عنه مجددًا زاد من سرعة الدراجه يريد محو ذلك الحاجز الوهمي الذي رسمته فرح، فهتفت بفزع:
-براحه لو سمحت أنا هقع
قال بمكر:
- إمسكي فيا كويس وإنتِ مش هتقعي
لم تجد بُدًا فتمسكت بملابسه زاد من سرعة الدراجة أكثر لتحاوط ظهره بذراعيها وتسند رأسها عليه رعبًا، كان مستمتعًا بذلك الشعور الذي تسلل لقلبه فحاول تهدئة سرعة الدراجه الناريه ليطيل الطريق ويستمتع برونق تلك المشاعر الرائعة، وبابتسامة عذبة ضغط على فرامل الدراجه مرة ثم الأخرى، لكن تجهم وجهه فجأة وهتف قائلًا بروع:
- فرح بتعرفي تصوتي؟!
اتسعت عينيها بدهشع وعقبت بخوف:
-فيه إيه؟!
-الفرامل فلتت باين
كان يقول جملته بنبرة هادئة مع ابتسامه سمجه وكأنه لا يدرك خطورة الوضع، صرخت قائله برعب:
-هنعمل إيه... بالله عليك مش عايزه أموت دلوقتي...
ردد بملامح مجعده:
-ولا أنا والله!!
ظهر أمامه ترعة واسعة فرمق فرح بطرف عينيه قائلًا:
-نطي يا فرح... نطي.
-صلي على رسول الله...
كانت تلك هي أخر جملة يقولها قبل أن تقفز فرح ويقفز هو الأخر بالترعه مع الدراجة الناريه...
وبعد فتره كان يسحب الدراجه الناريه لخارج الترعه وخرجت فرح وهي تزم شفتيها بحنق، نظر لها متفحصًا وبدهشة مصطنعة قال بضحك:
-اي إلي عمل فيكِ كدا يا بت يا فرح!
عقبت بحنق وهي تشير إليه ثم إليها:
-اللي عمل فيا كدا عِند رجل وغباء امرأه.
ضحك قائلًا:
-إحنا كلنا عارفين انك غـ ـبيه عادي بس أنا عمري ما كنت عنيد.
نفخت بضيق وصرخت:
-إنت طلعتلي منين؟
دنا منها قائلًا بهُيام مصطنع:
-إنتِ إللي طلعتيلي منين؟
نفخت بضجر، فضحك وقال وهو يشير للطريق:
-يلا أوصلك.
رفعت يدها في وجهه قائلة بحنق:
-لأ والله ما إنت موصلني البيت بعد شارع من هنا وياريت منتقابلش تاني خالص لأن كل ما نتقابل بيبقا فيه كارثه بعدها...
قالت جملتها وهرولت من أمامه بفستانها المبتل وهيئتها المزريه، ضحك وهو يناديها:
-استني بس.... يا فرح... طيب يا فهيمه..
صاحت وهي تتجه نحو منزلها:
-مسمعكش بتقول الإسم ده تاني!
لوحت بيدها بنزق وهي توليه ظهرها وغادرت بينما وقف هو يراقبها حتى اختفت عن مد بصره ووصلت بيتها...
_________________________________
-ينهاري يا طنط وسيبتي البت الغبانه لوحدها!
قالتها مريم التي تجلس في بيت فرح بعدما اشترت فستان كتب الكتاب الذي أهداه لها نوح، وكانت تنتظر فرح لتتحدث معها، ردت شاهيناز بضحكة ماكرة:
-اسكتي خليها تتربى شويه عشان تبقى تهرب تاني!
ضحكت مريم قائلة بحمـ ـاس:
-أنا مش همشي إلا لما تيجي عايزه أتفرج!
ضحكت شاهيناز قائلة:
-أيوه عشان تتفرحي على المـ.ـعركه الي هتحصل كمان شويه..
قاطعهما صوت طرقات الباب ونبرة فرح المرتفعه:
-افتحي يا شهناز... افتحي يا مرات أبويا.
ضحكت مريم وقالت:
-أهي المصيبه بتاعتكم جت.
-قومي افتحيلها يا مريم ولو سألت عليها قوليلها نايمه.
قالتها شاهيناز قبل أن تهرول لغرفتها وصاحت مريم ضاحكه:
-استني بس يا طنط متخافيش.
فتحت لها مريم واتسعت حدقتي مريم بدهشه عندما رأت هيئة فرح بملابسها المبتله وشعرها الذي خرجت خصلات منه من حجابها فسألتها بذهول:
-فيه كلب جري وراكِ تاني ولا إيه؟!
أجابت على سؤالها بسؤال أخر:
-فين أمي؟.... شهناز؟ يا شهنااااز.
كانت تنادي على والدتها وهي تدور بأرجاء الشقه اعترضت مريم طريقها قائلة:
-طنط نايمه... إنتِ إيه الي عمل فيكِ كدا؟!
هرولت فرح نحو المطبخ وهي تقول:
-اصحي يا شهناز قومي يا مرات أبويا وشوفي الي حصل لبنتك بقا أنا نفسي في الطبيخ حكايه.
بدأت فرح بإخراج أواني الطهي جميعًا من مكانها لتكركبهم بالمطبخ وهي تقول:
-ماشي يا شهناز أدي الحلل اقعدي بقا رصيهم طول النهار بكره.
ألقت الاطباق بحوض الغسيل بفوضاويه وهي تقول:
-وأدي الأطباق كلها في الحوض.
-اهدي بس يا فرح والمواعين ذنبها ايه؟!
-اسكتي إنتِ خالص يا مريم سيبيني عشان أنا شايطه وفيه دخان بيطلع من وداني... امشي، امشي يا بنت عمتي..
ضحكت مريم على هيئتها فصاحت فرح بصخب:
-اطلعي بـــــــــره يا مريم.
دخلت فرح لغرفة والدتها ورمقتها بنزق قائله:
-ارتاحتي يا شهناز.
كانت شاهيناز تجلس على طرف سريرها تضحك على ابنتها المتـ.هوره فكلما يحدث معها شيء تدخل للمطبخ ولا ترتاح قبل أن تفرغ مكوناته بفوضاوية.
ردت شاهيناز بنبرة هادئه:
-وايه يعني برفع راسك قدام أهل جوزك يا بت..
نظرت فرح لمريم قائله:
-وراحت مشوحه بايديها كدا يا بت يا مريم وقايله لااا دا أنا بنتي بتكنس ولا أجدعها مكنسه وبتغسل ولا أجدعها غساله وبتكوي ولا أجدعها....
لوت شفتيها لأسفل مدعيه البكاء وأضافت:
-أنا اتمرمرت أوي يا مريم.
كانت مريم تكبح ضحكتها لكن في لحظة انفـ ـجرت بالضحك وهي تقول:
-لا مش قادره بجد.
صكت فرح صدرها قائله:
-بتضحكي على أحزاني يا مريم.
نظرت فرح لشاهيناز التي انفـ ـجرت بالضحك هي الأخرى وقالت:
-لا أنا هروح أحكي لجدي هو الوحيد الي هيجيبلي حقي منكم يا عديمين الرحمه..
خرجت بملابسها المتسخه لجدها الذي يتكئ على الأريكه يشاهد برنامج عبر شاشة التلفاز وقفت أمامه قائلة:
-يرضيك يا جدي الي ماما عملته ده!
جحظت عينيه حين رأى هيئتها وصاح بقلق:
-عملت ايه دا إنتِ متبهدله خالص يبنتي!
تظاهرت فرح بالبكاء:
-رمتني ومشيت يا جدو... فيه أم تعمل كدا؟!
صاح الجد بنبرة مرتفعه:
-يا شهنااااز
هرولت والدتها قائله:
-والله يا عمي ما عملت حاجه دا بت نصابه اسالها كدا حصل ايه!
نظر لفرح قائلًا:
-إيه إلي حصل يا فهيمه؟!
تظاهرت فرح بالبكاء قائله:
-متقوليش فهيمه يا جدي كفايه الي أنا فيه!
أردفت بنزق:
-عملت حادثه مع الراجل الي إنتوا جوزتهولي بالعافيه ونزلنا بالموتوسكل في قلب الترعه
سردت عليهم ما حدث بالتفصيل فانفـ ـجر الجميع بالضحك وعقب الجد:
-معلش يا فهيمه مش أول مره تنطي في الترعه يحببتي ولا أخر مره.... قومي غيري هدومك...
نظرت له فرح بطرف عينيها فحتى هو يضحك عليها فقامت وهي ترمقهم بحسرة قائله:
-أنا محدش حاسس بيا في البيت ده خالص!
_________________________
وفي اليوم التالي وتحديدًا في عصر اليوم
-يا فرح يوسف مستنيكِ بالمكنه بره عشان تروحي عزال أخته.
قالتها شاهيناز لفرح التي تلعب الدمنو مع جدها في حديقة البيت وقد فاز مرتين، نظرت فرح لجدها قائلة برجاء:
-الحقني يا جدي المره دي لو خرجت مش هرجع البيت إلا على نقاله.
وأردفت بمكر:
-وبعدين هو جاي يسحب جاموسه دا ولا كلمني ولا كلمك يستأذن مش عامل احترام لحد!
فهم جدها ما ترمي إليه فعقب:
-بس هو كلمني وأنا وافقت.
نظر الجد بعينيها واستطرد بدهاء:
- لو بتحبيني يا فرح لازم تنفذيلي طلبين؛ والطلب الاول تقومي تلبسي وتروحي معاه...
-والطلب التاني؟
سألته فرح وهي ترفع إحدى حاحبيها، فانحنى بجزعه العلوي وهو يستند على الطاولة بذراعيه، وقال:
-توافقي إن الفرح يتم الأسبوع الجاي!
رواية فرح فهيمه الفصل السابع 7 - بقلم ايه شاكر
فرح مين؟ هو حضرتك ناوي تتجوز؟
حضرتي ناوي أفرح بيكِ... يوسف عاوز يعمل فرحه مع أخته؟
شهقت فرح بصدمه وقالت:
لأ طبعًا يا جدو بابا عمره ما هيوافق.
سند الجد ظهره للخلف قائلًا:
باباكِ موافق.
فتحت فاها بصدمه وقالت:
يبقى ماما مش هتوافق.
قطب جبينه وقال:
أمك موافقه!
شهقت بصدمة أشد.
هبت واقفة وهي تقول:
يبقى أنا اللي مش هوافق أنا مستحيل أتجوز دلوقتي أنا هبدأ امتحانات الميد ترم بعد بكره وهقعد أمتحن لشهر قدام.
امتحانات إيه هو إنتِ فالحه في حاجة؟ أنا نفسي ألاقيلك حاجة كده متميزة فيها مش لاقي، ده إنتِ أفشل خلق الله.
ابتسمت ابتسامة صفراء قائلة:
ده كتير عليا والله... كل المدح ده عشاني!
ضحك الجد وقال:
يلا يا أم لسان طويل البسي وروحي مع جوزك واعملي حسابك الفرح الأسبوع الجاي.
ابتلعت ريقها وقالت:
بس أنا فعلًا مش جاهزة تقدر تقولي فين جهازي و... وفين فستان الفرح؟
جهازك كله جاهز في الأوضة اللي فوق أنا مجهزاه بنفسي من زمان.
وأردف وهو ينهض مُنهيًا الحوار:
وفستان الفرح أمك اختارته امبارح والكوافير يوسف حجزه يعني كل حاجه جاهزة.
صفقت بيدها وقالت بسخرية:
الله الله ده أنتوا رتبتوا كل حاجه من غير حتى رأيي!
حملقت أمامها لبرهة وقالت بوعيد:
ماشي يا شهناز.
ثم هرولت لأعلى وهي تنادي والدتها.
دخلت للمطبخ تبحث عن والدتها وعندما لم تجدها أفرغت غضبها في إخراج الأواني من المطبخ وقذفها بالأرض لتصدر ضجيج مرتفع.
سمعت والدتها الضجيج وهي تدخل من باب الشقة فهرولت نحو المطبخ وهي تصيح:
يا بنت حرام عليكِ أنا لسه مخلصة ترتيب الحلل!
عاوزاني أتجوز يا شهناز زهقتي مني خلاص.
حاولت شاهيناز سحبها لتتراجع عما تفعل وهي تقول:
إنتِ هبلة يا بنت مالك ومال الحلل!
وقفت فرح بعد أن أخرجت آخر وعاء بالمطبخ ورجعت بجزئها العلوي للخلف ثم صفقت بيديها كأنها تردح:
مهي الحلل ده أكتر حاجة توجعك يا شهناز يا مرات أبويا.
اتجهت فرح لمكان الأطباق ودفعتها بالأرض بعنف فأصدرت ضجيجًا مرتفعًا وأخيرًا تنفست بعمق وهي تقول بارتياح:
بس كده مطبخك كله أهو بقى على الأرض.
صرخت شاهيناز بقوة، فركضت فرح بأرجاء الشقة وهي تقول:
اعقلي يا ماما.
هو إنتِ خليتِ فيا عقل يا بنت هشام.
قذفت شاهيناز الحذاء صوب فرح ففتحت فرح يدها والتقطته ببراعة وقفت فرح بشموخ قائلة بابتسامة سمجة:
فعلًا لما تنشني لازم تنشني صح... برافو يا شوشو.
صرخت شاهيناز وركضت خلفها أرادت تفريغ شحنة غضبها بأي وسيلة، ركضت فرح لتدخل غرفتها وأغلقت الباب ثم أخرجت رأسها من الباب قائلة:
أسيبك بقى ترتبي مواعينك وألبس عشان أروح مع قرة عيني عزال أخته.
انحنت شاهيناز لتحمل حذائها مجددًا وقذفه نحوها فأغلقت فرح باب الغرفة قائلة:
تؤ تؤ يا خسارة معرفتيش تنشني يا شوشو.
ارتدت فرح فستانها لتخرج مع يوسف، نظرت لنفسها بالمرآة وخاطبت حالها بنبرة مسموعة:
طيب بذمتك مش بتحبيه؟
تنهدت بعمق وردت على نفسها:
حتى لو بحبه مش لدرجة أتجوزه يعني!
زفرت بحنق قبل أن تفتح باب غرفتها وتخرج وما أن أغلقته خلفها حتى أبصرت والدتها تقف على بابها حاملة بيدها سلك طويل وواضح أنها تنوي على كل خير، ابتسمت فرح ابتسامة صفراء قائلة:
مالك يا ماما يا حبيبتي واقفة كده ليه؟!
رفعت شاهيناز السلك وضربتها على ظهرها فتأوهت فرح وهي تتحسس ظهرها قائلة بألم:
آه... بيلسع يا ماما.
ردت شاهيناز بغضب عارم:
ما أنا عارفة يا روح أمك.
ركضت فرح أمام والدتها صارخة، ولم تتركها شاهيناز بل أخذت تضربها مرة بعد الأخرى وفرح تصرخ أمامها، ليقاطعهما دوي جرس الباب ودخول نوح، ركضت فرح مسرعة نحوه وتتبعها والدتها التي تقول:
ده أنا هجوزك الصبح عشان أرتاح منك.
فرح لاهثة:
نوح أبوس إيدك وديني على بيت حبيبي نعيش مع بعض فيه.
ضحك نوح وتنحنح وهو ينظر ليوسف الذي يقف جواره ثم قال:
اتفضل ادخل يا يوسف.
نظرت شاهيناز ليوسف قائلة:
تعالى يا يوسف إنت مش غريب يا حبيبي.... لازم تشوف اللي هي عملته.
أصرت شاهيناز على يوسف أن يتبعها للمطبخ وأخذت تشير للأواني المبعثرة قائلة:
كل ما الأستاذة تلاقي نفسها متوترة تدخل تقلب لي المطبخ بالشكل ده!
ابتسم يوسف ثم رمق فرح في سرعة وهي منكسة الرأس بخجل وقال:
ربنا يطمنك يا طنط.
صحيح اللي أنا سمعته ده يا حنان يوسف هيجوز البنت دي الأسبوع الجاي؟
قالتها حبيبة بكثير من الحزن والأسى بعد أن فتحت لها أختها باب الشقة ودخلت كاللص الهائج، فقالت حنان بنبرة هادئة لتطمئنها:
يا بنت كام يوم وهيطلقها وهيخلالك الجو.
زمت حبيبة شفتيها بحنق وقالت:
أنا مش مرتاحة للبنت دي شكلها مكارة وهتاخده مني! خطّافة الرجالة دي!
قالت حنان بتهكم:
يعني هو ميت عليكِ يا حزينة ده ما بيبصش في وشك... ما إنتِ اللي حاسبة مش عارفة تلفتِ نظره ليكِ!
حين شعرت حنان بحزن أختها أردفت:
ما تقلقيش أنا هتصرف اصبري واتفرجي.
عقبت حبيبة بسرعة:
هتعملي لها عمل؟!
نظرت للفراغ بحقد قائلة:
لأ أنا مش عاوزة أروح السكة دي دلوقتي أنا هعملها الأصعب من العمل لحد ما تطلب الطلاق بنفسها!
طيب قوليلي ناوية على إيه وأنا أساعدك.
هقولك أنا ناوية على...............
ركبت فرح خلف يوسف الدراجة النارية وهي تهمهم بكلمات لم يسمعها.
ظل صامتًا فقطعت فرح الصمت قائلة:
أنا عايزة أعرف إنت عاوز مني إيه؟
عاوز منك إيه؟!
حد قالك إني عايزة أروح العزال... وكمان تطلب الجواز يبقى الأسبوع الجاي من غير ما تاخد رأيي حد قالك إني عايزة أتجوز دلوقتي؟
لم يرد عليها وأكمل طريقه إلى أن لاحظ خلو الطريق من المارة فأوقف الدراجة والتفت إليها يقول:
فرح إنتِ ما عندكيش أي مشاعر ناحيتي يعني مش متقبلة وجودي في حياتك!
أشاحت بصرها عنه وتلعثمت:
حضرتك شخص محترم وأي واحدة تتمنى شريك حياة زيك بس...
قاطعها قائلًا بنبرة هادئة:
بس أنا مش عايز أي واحدة يا فرح أنا عايزك إنتِ.
كان يحدق بملامحها ليتفرس رد فعلها، وحين طال صمتها استطرد:
تقبلي تتجوزيني يا فرح؟
ازدردت ريقها بتوتر وعدلت من وضعية نظارتها كعادتها عندما ترتبك ثم أومأت رأسها وهي تقول:
طالما جدي قرر وبابا وافق أنا ماليش إني أعترض!
يعني إنتِ موافقة تتجوزيني عشان جدك وباباكِ بس!!
عدلت من طرف حجابها بتوتر وأخفضت بصرها قائلة بجدية:
بص يا دكتور أنا معرفش حضرتك بس اللي أقدر أقولهولك إني ممكن آآ...
ابتلعت باقي كلماتها حين رفعت عينيها عن الأرض فوجدته يحدق بها مبتسمًا.
فقال من بين ابتسامته:
أنا عايز منك إجابة بكلمة واحدة أيوه أو لأ!... موافقة نتجوز؟
أومأت رأسها بإحراج قائلة:
أيوه.
استدار وهو يقول:
ماشي يا فرح يعني مبدئيًا موافقة على الجواز والحب كده كده هييجي.
كان يتحدث بثقة كبيرة.
تنهدت فرح بارتياح حين قام بتشغيل محرك الدراجة وانطلق نحو شقة أخته على الأقل ستهرب من نظراته الآن!
مر اليوم هادئ بدون أحداث كثيرة سوى أنها جلست قليلًا معهم وأخذها نوح للبيت مرة أخرى.
وفي اليوم التالي
كان حفل كتب كتاب نوح ومريم بعد أن اتفقوا على تقديم كتب كتابهم حتى يستطيعوا التجهيز لزفاف فرح المفاجئ.
ارتفعت أصوات الزغاريد.
ابتسمت فرح وتذكرت حالتها فقد كُتب كتابها بطريقة عجيبة فكانت تمضي الأوراق بينما تلتهم ثمرة الجزر بدون أي مشاعر، تنهدت بحيرة وخرجت من المكان، كان يوسف يتابعها بعينيه فتتبعها.
مبروك لنوح.
انتفض قلبها عند سماع صوته نظرت خلفها وعقبت بنبرة هادئة:
الله يبارك فيك.
مسح شعره وهو يقول بابتسامة:
إحنا محتاجين نعيد كتب الكتاب بتاعنا تاني.
تصدق فعلًا.
قالتها بابتسامة ووقفت جواره صامتة حتى أتى والدها ووقف جوارهما.
وبعد مرور أسبوع وفي يوم الزفاف
استيقظت فرح من نومها فتحت عينيها ونظرت لساعة الحائط التي كانت العاشرة صباحًا، ستنهي امتحانها وتذهب لصالون التجميل ثم بعدها لبيته أو بيتها الجديد.
هبت واقفة فجأة لكن انتابتها تلك الحالة والدوخة مجددًا، وضعت يدها على رأسها وسندت يدها على الحائط تلك الحالة التي بدأت تشعر بها مؤخرًا كلما قامت من مكانها.
وقفت لدقيقتين حتى عاد لها توازنها فلا بد من الوصول للجامعة خلال نصف ساعة لامتحان الميدترم.
ارتدت ثيابها مسرعة وخرجت من غرفتها فوجدت والدتها في المطبخ مع خالتيها، هتفت وهي ترتدي حذائها:
أنا ماشية يا ماما عشان عندي امتحان.
خرجت والدتها من المطبخ قائلة:
طيب استني افطري.
عقبت فرح وهي تفتح الباب:
لأ ماليش نفس همتحن وأجي على طول عشان أفطر قبل ما أروح الكوافير.
خرجت خالتها من المطبخ مع زغرودة ثم قالت:
دي زغرودة الامتحان يا بنت يا فرح إن شاء الله هيكون سهل.
ابتسمت فرح قائلة:
يا رب يا خالتو.
خرج نوح من غرفته وناداها قائلًا:
استني يا فروحة أنا رايح عند الجامعة اركبي معايا.
طيب يلا بسرعة عشان الامتحان كمان نصف ساعة.
خرج معها مسرعًا وأثناء الطريق نظر لها وهي منشغلة بالمذاكرة وهتف:
فرح.
ردت بدون أن ترفع عينها عن الكتاب:
نعم.
رمقها في سرعة ثم نظر أمامه قائلًا:
إنتِ مبسوطة؟! موافقة على الجوازة دي؟
ابتسمت قائلة:
حتى لو ما وافقتش، خلاص كل حاجة اتحددت وأنا لا يمكن أكسر كلمة بابا وجدو.
سألها نوح:
يعني إنتِ مش موافقة على يوسف؟! على فكرة يوسف شاب محترم ومتربي وصدقيني هيحافظ عليكِ.
ابتسمت وقالت ساخرة:
الكلام ده متأخر أوي يا نوح لأنه أصلًا بقى زوجي.
كبرتِ يا فرح بجد مش مصدق إن النهارده فرحك.
نظرت له فرح قائلة بقلق:
ولا أنا والله مصدقة أنا قلقانة ومتوترة أوي.
نظر لها مطمئنًا وقال:
ما تقلقيش يا قلبي هتبقي أجمل عروسة.
انتهت من امتحانها وخرجت من المدرج، جلست على الدرج أمام الكلية، حتى سمعت اسمها من بين شفتي أحدهم:
"آنسة فرح... لو سمحتِ"
استدارت تنظر لذلك الشاب الذي يهتف باسمها، فقد كانت تجلس على الدرج لتتأكد من إجابتها في الاختبار والتي كان معظمها خطأ زفرت بحنق من هذا الشاب الذي يتابعها منذ وصولها للجامعة وهتفت ببعض الحدة:
نعم!
عقب بابتسامة:
ممكن أراجع معاكِ الامتحان؟
زمت شفتيها بحنق قائلة:
لأ لأني مش فاضية!
قامت من مكانها لتعود لبيتها لكن تلك الدوخة انتابتها مجددًا، فسندت يدها على الجدار جوارها تنتظر ليعود اتزانها ككل مرة لكن طالت تلك الحالة وظلت واقفة مكانها لفترة، وعندما لاحظ الشاب حالتها هتف:
إنتِ كويسة يا آنسة فرح؟!
أومأت دون أن تنبس بكلمة، فرآها يوسف الذي حدق بها زامًا جفونه بتركيز لعله يعرف ما أصابها! ومن هذا الشاب الذي يقف قبالتها؟ ثم اتجه صوبها مسرعًا ليصل لمسمعه حديث ذلك الشاب الذي قال:
آنسة فرح مالك؟!
حدجه يوسف بنظرات غاضبة وضغط على أسنانه قائلًا:
مدام فرح مش آنسة.
تلعثم الشاب قائلًا:
متأسف ما كنتش أعرف...
هو حضرتك قريبها يا دكتور؟
اومأ يوسف متحدثًا بجدية:
- أيوه أنا زوجها.
تلعثم الشاب من صدمته:
- ا... طيب بعد إذن حضرتك..
رمقه يوسف بابتسامة سمجة، فقد رأى سهام تلك النظرات التي يرمي بها نحو فرح.
من ناحية أخرى عاد الشاب لصديقه وهو يزفر بغضب قائلًا:
- يا عم دا طلعت متجوزة ومش متجوزة أي حد دا متجوزة الدكتور!
ضحك الشاب الآخر قائلًا:
- طلعها من دماغك بقى يا حلو!
- مش قادر البت دي عجباني أوي يا أحمد!
تنفس يوسف بعمق ونظر لفرح التي أغمضت عينيها وسندت بكل جسدها على الحائط وهتف قائلًا بلهفة:
- مالك يا فرح؟!
ردت بتعب:
- مش عارفه دايخة ليه!
سندها يوسف فرمت جسدها عليه بعدم اتزان ليبدأ الطلاب يرمقونهم مصدرين همهمات وضحكات خافتة. لم يأبه لكل النظرات حولهما وسندها لفترة حتى استعادت اتزانها وابتعدت عنه قائلة:
- تقريبًا الدوخة دي عشان خرجت من غير فطار!
دقق النظر لها بقلق وقال:
- ليه كدا يا فرح، آخر مرة تخرجي من غير فطار وبعد كدا أنا اللي هفطرك بنفسي.
ابتسمت ولم تعقب فأردف هو:
- يلا عشان أوصلك..
- متقوليش إن إنت معاك المكنة "الدراجة النارية"
ابتسم قائلًا:
- للأسف هتضطري تركبي ورايا.
ابتسمت قائلة:
- أنا أصلًا متوترة لوحدي ومش حمل أي توتر تاني.
- متوترة ليه بس متقلقيش إن شاء الله كله خير.
استغفروا
"يمضي الوقت كأنه موجة غادرة؛ تظنها هادئة بينما هي تسحب الرمل من تحت قدميك ببطء، حتى تجد نفسك فجأة في عرض البحر، بعيدًا جدًا عن شواطئ الطفولة وضحكات الأمس..."
وقفت فرح تنظر لانعكاس صورتها بالمرآة وتتساءل كيف مضى العمر هكذا!!
تزينت بالمكياج الخفيف وارتدت فستانها الأبيض الرقيق، لا تعلم لم تشعر بغصة تتلوى بحلقها فهي الآن عروس!! لم تخطط يومًا لمثل هذا اليوم وكأنها اعتقدت أنها لن تتزوج أبدًا لكنه تقدير الله.
كم كانت تتمنى حضور حفل زفاف بالريف لكن لم تتخيل أن أول حفل ستحضره هو حفل زفافها! حسنًا فلا تريد البكاء الآن؛ حتى لا ينتزع مكياجها. تنفست بعمق وزفرت الهواء من رئتيها حتى قاطعها قول يسر:
- العريس وصل.
اقترب كل عريس ليأخذ عروسه...
سألها يوسف:
- إيدك بترتعش يا فرح إنتِ كويسة؟
ازدردت ريقها بتوتر وأجابته:
- مفيش بردانه شوية.
وبعد زفة سيارات تتعانق فيها أصوات أبواق السيارات المتناغمة؛ وصلت فرح أمام بيتها الجديد، عانقتها والدتها وقالت:
- هتوحشيني يا شقية...
نظرت شاهيناز ليوسف والدموع تفيض من بين أهدابها وأردفت:
- دي أمانة عندك يا يوسف خلي بالك منها.
- في عينيا يا طنط.
لم تستطع فرح كبح دموعها ولا السيطرة على شهقاتها التي خرجت من فمها وهي تتشبث بيد والدتها وتقول:
- لا يا ماما مش عايزة أتجوز خدوني معاكم بالله عليكِ.
ونظرت فرح ليوسف:
- أرجوك سيبني أرجع معاهم أنا مش عايزة أتجوز خلاص.
كبح والدها دموعه وضمها ليربت على ظهرها قائلًا:
- اطلعي يا فرح مع جوزك الله يهديكِ..
نظر لزوجته قائلًا بنبرة مهزومة:
- يلا يا شاهيناز.
- لا يا بابا متسيبنيش هنا أنا خايفة.... يا بابا أنا خايفة أوي.
ضغطت جملتها ذر حزنه فتدفقت الدموع على وجنتيه، لم يستطع والدها كبح دموعه لم يلتفت لها فلو نظر لها مرة أخرى قد يضعف ويأخذها معه لبيته غير آبه لأي شيء.
اقترب منها نوح عانقها وربت على ظهرها بحنان قائلًا بابتسامة مرحة:
- متعيطيش يا بت أنا مش ماشي أنا هبات معاكم النهاردة...
اقترب يوسف ليمسك يدها فسحبتها في سرعة كأنها تعاقبه لأنه أخذها من أهلها! حملها نوح بخفة قائلًا بمرح:
- إيه رأيك بقى أنا اللي هشيلك وأطلعك الشقة بنفسي...
حملها نوح حتى فراشها قبض على يدها الباردة كالثلج، ومسح دموعها بأصابعه وقال:
- إهدي يا فرح إنتِ مش طفلة صغيرة دا بقى بيتك واللي بره ده جوزك..
هتفت من خلف دموعها بصوت متحشرج:
- متقوليش بيتي ومتقوليش جوزي... بالله عليك خدني معاك يا نوح...
تنهد نوح بألم من حالة أخته تلك ووقف قائلًا:
- مينفعش يا فرح... مينفعش اهدي بقى بالله عليكِ متوجعيش قلبي.
أردف بعد زفرة:
- أنا همشي يا فرح وهجيلك الصبح... خلي بالك من نفسك.
هبت واقفة ومسكت يد نوح قائلة برعب:
- متسيبنيش معاه لوحدي بالله عليك.
أفلت نوح يده من بين يديها وقال:
- يوسف راجل يا فرح وأنا عارف إني سايب أختي مع راجل محترم هيحافظ عليها.
قبلها من مقدمة رأسها وقال:
- تصبحي على خير يا فروحة...
تركها تبكي وخرج من الغرفة وهو يرمقها بإشفاق، سالت الدموع من عينيه ونظر ليوسف قائلًا:
- بالله عليك تاخد بالك منها يا يوسف.
ضمه يوسف قائلًا:
- والله في عينيا يا نوح.
وبعد أن خرج الجميع وقفت فرح بهلع تنتظر دخوله لغرفتها، نظر لها يوسف قائلًا:
- ممكن تهدي بقى يا فرح عشان لازم نتكلم.
كانت تتنفس بعنف وتشهق بالبكاء وهي تقول:
- أرجوك سيبني دلوقتي... أخرج وسيبني شوية، لو سمحت...
قالت آخر كلمتين وهي تضغط عليهما.
اقترب منها فزجرته وعادت خطوتين للخلف هادرةً:
- قولتلك سيبني لوحدي.
- يا بنتي اهدي إنتِ خايفة من إيه والله ما هعملك حاجة.
اقترب مجددًا فعادت للخلف بخوف وهي تمسح دموعها وتقول:
- لو سمحت متقربش واطلع بره...
تركها وخرج من الغرفة متمتمًا:
- هي ليلة باينة من أولها!
استغفروا
خرج ليجلس بالغرفة الأخرى ليتركها تهدأ، فمسحت فرح دموعها وهدأت قليلًا...
نظرت لنفسها بالمرآة قائلة:
- أنا جعانة أوي.
خرجت من الغرفة وبحثت عن المطبخ حتى وصلت إليه ودخلت تبحث عن طعام فقاطعها صوته:
- بتعملي إيه يا فرح؟
وضعت يدها على صدرها قائلة:
- حرام عليك خضتني..
وتلعثمت:
- أنا بأكل مأكلتش من الصبح.
سند يده على جدار المطبخ ورفع إحدى حاجبيه قائلًا:
- اللي يشوفك بتعيطي من شوية يقول هتدخلي في نوبة اكتئاب حاد.
مضغت الطعام وهي تقول:
- يعني أكتئب على معدة فاضية!
حرك يديه قائلًا بسخرية:
- لا طبعًا ميصحش.
تركها تأكل وخرج متمتمًا:
- دا انفصام في الشخصية رسمي.
كانت تقف بفستانها تلتهم الأكل باستمتاع، دخل يوسف غرفته ليبدل ملابسه ثم عاد إليها ليتفاجأ أنها ما زالت تأكل فقال متعجبًا:
- إنتِ هتقضي الليل كله بتاكلي ولا إيه؟
كان فمها ممتلئًا بالطعام فردت قائلة بصوت مكتوم:
- بصلي بقى في الأكل بقى!
ضحك قائلًا:
- طيب ممكن أكل معاكي؟
سحبت الأكل نحوها وهي تقول:
- أنا بحب الحمام عشان كدا هاكله كله.
زم شفتيه بغضب مصطنع:
- طيب هاكل أنا من البط وأمري لله.
سحبت وعاء الطعام الآخر قائلة:
- أنا بحب البط برده وهاكله.
وضع يده حول خصره قائلًا:
- طيب وأنا أكل إيه؟
بلعت ما بفمها من طعام وهتفت:
- شوف أمك عملتلك أكل إيه وكله إنما الأكل دا كله أمي اللي عملاهولي.
ضحك قائلًا:
- أنا أمي معملتش غير عصير.
هزت رأسها قائلة:
- خلاص تمام... اشرب عصير.
ضحك وهو يسحب الأكل من أمامها ويأكل وهو يقول:
- لذيذ فعلًا بصي احنا هنقسمه بالنص.
هزت عنقها باستنكار وقالت وهي تمضغ الطعام:
- قال الأكل من عند أبونا والغرب بيقاسمونا.
انفجر يوسف بالضحك قائلًا:
- بصي متحاوليش لأني هاكل يعني هاكل.
تركته فرح مبتسمة واتجهت للحوض لتغسل يديها قائلة بجدية:
- أنا بهزر معاك يا دكتور الأكل كله تحت أمرك أنا شبعت.
تركته يأكل ودخلت غرفة النوم، وعندما يئست أن تنزع الفستان لحالها اتجهت للمطبخ تبحث عنه فوجدته يشرب عصير، قالت:
- حضرتك سمعت كلامي وشربت عصير ولا إيه؟!
- لا متقلقيش أنا قمت بالواجب وأكلت وقلت أحلى..
ابتسمت ولم تعقب وظلت واقفة تنظر إليه للحظات ثم تنحنحت بإحراج قائلة:
- دكتور هو أنا ممكن أطلب من حضرتك طلب؟
زفر بقوة قائلًا بامتعاض:
- يا ريت تشيلي الألقاب يا فرح اسمي يوسف وبدلي حضرتك بإنت وكدا يبقى زي الفل...
- اعذرني أنا مش عارفة أشوفك غير الدكتور بتاعي بس أكيد هتعود يعني.
- طيب اتفضلي اطلبي.
تنحنحت وحكت أنفها وهي تنظر أرضًا قائلة:
- ممكن تخلعني الفستان عشان اتخنقت منه ومش عارفة أخلعه!
- أنا مبعملش حاجة ببلاش شوفي هتديني إيه بالمقابل؟
- بس أنا معيش فلوس خالص حتى موبايلي نسيته في البيت!
ابتسم وأخذ يساعدها بفك فستانها وحجابها فهتفت قائلة:
- بس يا دكتور شكرًا لحد كدا وأنا هكمل...
أومأ وانتبه لهاتفه الذي أضاء برقم عمه، نفخ بحنق وخرج من الغرفة ليرد عليه وبعد السلام قال سليمان:
- أنا نقلت الشقتين باسمك زي ما اتفقنا ولما تطلقها الأراضي كلها هترجعلك...
- ماشي يا عمي.
- مبروك يا عريس.
قالها عمه بسخرية، وأطلق يوسف ضحكة كالزفرة قبل أن يرد:
- الله يبارك فيك.
أغلق الهاتف ثم قذفه جانبًا، سرعان ما تبدل تهكمه لفرحة وتنهد بارتياح قائلًا:
- على الأقل بقى عندي بيت.... ماشي يا عمي...
استلقى على الفراش ليرتاح قليلًا لحين انتهاء فرح مما تفعل وجذبه النوم..
على جانب آخر ارتدت منامتها الشتوية وفردت شعرها الكيرلي البني الفاتح والمشذب بعناية ليدفئ عنقها كما تقول دائمًا!
بحثت عنه فوجدته مستلقيًا على السرير بحجرة أخرى تحتوي على سريرين ومكتب صغير ودولاب صغير...
دخلت الغرفة تتسلل على أطراف قدميها ولوحت بيدها أمام وجهه لتتأكد أنه نائم، جلست جواره على طرف الفراش الآخر بهدوء شديد واستلقت في محاولة فاشلة للنوم سرعان ما نهضت مجددًا بهدوء وجلست أمام التلفاز تقلب بين قنواته بملل شديد وبعد ما يقرب من ساعة همست لحالها:
- مفيش حاجة هتضيع الملل ده إلا الأكل!
دخلت المطبخ وبحثت عن مسحوق القهوة التي أوصت والدتها بإحضاره فجذب انتباهها ذرة الفشار ابتسمت بسعادة وهي تأخذه، بحثت بين الأواني ثم أشعلت البوتاجاز لصنع القهوة والفشار...
وبعد فترة كانت تجلس أرضًا وبجوارها وعاء الفشار وعلى الطاولة أمامها كوبين من القهوة...
- قفشتك بتعملي إيه؟
أجفلت أثر صوته، وضعت يدها على صدرها قائلة:
- للمرة التانية بتخضني ابقى كح أصل أنا كدا هقطع الخلف...
- حاضر المرة الجاية هكح عشان عاوزك تمليلي البيت ده كتاكيت...
ابتسمت بحرج ولم تعقب فسألها:
- بتعملي إيه بقى؟!
قالت بحماس:
- بسمع فيلم تعالى اتفضل بيتك ومطرحك... على فكرة عملتلك قهوة معايا وعملت حسابك في الفشار.
- كدا خبط لزق من غير ما تاخدي رأيي؟!
- وإنت يعني إنت كنت أخدت رأيي في حاجة دا حتى الفستان جايبه على ذوقك.
ابتسم ورفع إحدى حاجبيه وهو ينظر لها:
- بتردهالي يعني!
أومأت قائلة بسخرية لطيفة:
- آه بردهالي يعني...
جلس جوارها أمام التلفاز وران عليهما الصمت، وكانت يسترقان النظر لبعضهما من حين لآخر فقطع يوسف الصمت قائلًا:
- ممكن أسالك سؤال؟
- لأ مش ممكن؟
ابتسم وسألها بكل هدوء وكأنها سمحت له:
- هو إنتِ ليه ملبستيش طرحة؟!
لمست شعرها وهي تقول بقلق:
- شعري مش عاجبك!
- لا مش قصدي كدا... يعني أنا بصراحة توقعت إنك هتلبسي عباية وطرحة وفوقيهم إسدال إحراجًا مني يعني!
ضحكت قائلة:
- جدع متتوقعش تاني بقى...
ضحك هو الآخر قائلًا:
- لسانك طويل أوي يا فرح.
وضعت يدها على فمها لتكتم ضحكتها قائلة:
- هي دي مشكلتي فعلًا!
خيم الصمت عليهما مجددًا فقطعته هي قائلة:
- صحيح يا دكتور بما إنك متعود على القاهرة حاسس نفسك غريب هنا؟! أصل أنا بحس بالغربة هنا أوي!
هز رأسه بالنفي وقال بمكر:
- أنا الغريب بأرضٍ لا أراكِ بها.
ارتبكت وعادت تأكل بصمت وهي تتظاهر بانشغالها بالفيلم، فابتسم بمكر وشاركها الأكل وبعدما فرغ وعاء الفشار قررت أن تنتهز الفرصة وتهرب من نظراته بأخذ الوعاء للمطبخ.
حاولت رفعه عن الأرض فلم تستطع، وهنا أدركت حجم الكارثة وضحكت ببلاهة وهي تبدل نظرها بينه وبين الوعاء قائلة:
- الحلة لزقت في السجادة!
رواية فرح فهيمه الفصل الثامن 8 - بقلم ايه شاكر
ارتبكت وعادت تأكل بصمت وهي تتظاهر بإنشغالها بالفيلم، فابتسم بمكر وشاركها الأكل وبعدما فرغ وعاء الفشار قررت أن تنتهز الفرصه وتهرب من نظراته بأخذ الوعاء للمطبخ...
حاولت رفعه عن الأرض فلم تستطع، وهنا أدركت حجم الكارثه وضحكت ببلاهه وهي تبدل نظرها بينه وبين الوعاء قائله:
-الحله لزقت في السجاده!
يتبع
رواية فرح فهيمه الفصل التاسع 9 - بقلم ايه شاكر
-دي لابسه حلق يا ريس!
ابتسم اللص وهو يتفحص يد فرح الأخرى:
-اخلعي الحلق والساعه والدبله دي.
من ناحية أخرى...
لاحظ يوسف تأخرها فقد بدأ الإمتحان ولم تأتِ بعد نفخ بحنق وهو يقطع المدرج ذهابًا وإيابًا...
طلب هاتفها مرة أخرى لكن:
" الهاتف المطلوب مغلق أو غير متاح.."
نظر لساعته فقد مر ربع ساعة من الإمتحان ولم تأتِ...
ابتهج حين رآها تدخل المدرج لكنها كانت عابسة الملامح.
ظن أن السبب ما فعله بالأمس..
أنبه ضميره، واتجه نحوها ليعطيها ورقة الأسئلة وهو يسألها:
-إيه إلي أخرك كده؟!
حدقت به لبرهة في وجوم فلولا خروجه دونها ما كان ليحدث ما حدث! أخذت الورقة من يده وجلست دون أن تنبس بكلمه، وضعت الورقه أمامها كانت مشدوهة وفي حالة من الصدمة....
حدقت به في وجوم فلولا خروجه دونها ما كان ليحدث ما حدث! أخذت الورقة من يده وجلست دون أن تنبس بكلمه، وضعت الورقه أمامها كانت مشدوهة وفي حالة من الصدمة سندت ظهرها للخلف، ظل يتابعها من بعيد لدقيقة لكنها لم تصدر أي رد فعل، ظلت جالسه تحملق أمامها فحسب، اتجه نحوها ووقف جوارها قائلًا:
-مبتحليش ليه يا فرح!
-معيش قلم.
قالتها بنبرة جافة.
وضع القلم أمامها وهو يرمقها بحنق، فما هذا الإهمال! أيذهب أحد لإمتحانه بلا قلم!
قال قبل أن ينصرف:
-إنتِ جايه الإمتحان من غير قلم!
لم تعقب فظل يرمقها بين وهلة وأخرى بكثير من الغيظ.
نظرت فرح بورقة الأسئلة لكنها لا تدرك أي شيء، تسائلت أهذا تأثير الصدمة!
خلعت عويناتها ووضعتها على الورقه وهي تنفخ بضيق.
تذكرت ما حدث وكيف أجبرها اللصان على نزع قرط أذنها ودبلتها.
حمدت ربها أنهم ليسوا من الذهب، لكن ما يزعجها هو فقدان هاتفها وحقيبتها فلم يعد معها أي شيء!
وضعت يدها تتحسس مكان الآلة الحاده التي كانت ستغرس بجسدها، أخرجها من شرودها صوت الدكتور الأخر قائلًا:
-يلا يا شباب باقي ربع ساعة.
ارتدت نظارتها ونظرت للورقه في سرعه واضطراب لكنها لم تستطع تجميع الكلمات وكأنها نسيت كيف تقرأ الحروف ولم تتعلم يومًا الأبجدية.
أغلقت عينيها وفتحتها عدة مرات وحدقت بالورقه، بدأ الطلبه من حولها بتسليم أوراقهم والخروج وهي على حالتها تركت القلم من يدها، فقد يأست أن تكتب أي شيء، سندت رأسها للأمام وانخرطت في بكاء عميق...
أما يوسف فلا يعلم ما أصابها؟ أقبل نحوها مجددًا وناداها:
-فرح إنتِ مبتحليش ليه؟!
رفعت راسها وخلعت نظارتها وهي تقول بدموع:
-أنا مش عارفه أحل حاجه!
-إنتِ مزاكرتيش؟!
-أنا مزاكره والله بس مش عارفه أجمع كلمه واحده.
-طيب اهدي وخدي نفس عميق وواحده واحده أنا قاعد معاكِ لحد ما تخلصي.
فعلت ما قاله ومسحت دموعها ثم ارتدت نظارتها وبدأت تهدئ من روعها وتكتب، كان يتابعها وينظر ليدها المرتعشه التي تحاول السيطرة عليها لتكتب بسرعه.
سرعان ما انتهت وسلمته ورقتها قائله:
-انا كتبت إلي قدرت عليه.
تفقد ورقتها قائلًا:
-ماشي يا فرح استنيني ربع ساعه هخلص ونمشي مع بعض.
أومات رأسها مؤيده وقالت:
-هجيلك على المكتب.
اومأ رأسه وغادر وتركها تندب حظها فقد سُرقت في وضح النهار!
نفخت بحنق وقامت من مكانها قائله:
-ربنا ينتقم منهم أنا مش قاهرني إلا الموبايل.
__________________________________
خرجت من القاعة
تفاجئت بذلك الشاب يحدق بها، رمقته بطرف عينيها ووقفت تربط حذائها ثم نظرت نحوه مجددًا، وما زال محدقًا بها بابتسامة خبيثه، دنا منها وقال بخفوت:
-جوزك مقضيها يا بخته البنات كلها بتلف حواليه.
كادت أن ترد لكنه ابتسم ساخرًا وأشار ناحية يوسف الذي يقف مع فتاتين ويتحدث معهما مبتسمًا.
اشتعلت نيـ ـران الغيره بقلبها واتجهت نحو يوسف الذي ترك الفتاتين وغادر لتسمع الفتاه تتحدث مع صديقتها قائله:
-والله دكتور لذيذ جدًا.
وقفت فرح جوار الفتاه وقالت بغيظ وهي تربت على كتف الفتاه:
- عيب... عيب يا حبيبتي.
ابتعدت عنها فرح وهي تهز رأسها باستنكار:
-قال لذيذ قال!
نظرت الفتاه لصديقتها قائله:
-مين المجىٰونه دي؟!
ضحكت صديقتها قائله:
-تلاقيها واحده من المعجبات بتاعت الدكتور.
وتبادلت الإثنتان الضحك وهما تسخران من فرح...
_______________
كادت أن تطرق باب مكتبه لكنه خرج خاطبها بحده:
-فين موبايلك برن عليكِ مغلق؟!
-موبايلي اتسرق.
قالتها بنبرة هادئة بينما جحظت عينيه قائلًا بصدمه:
-اتسرق!!
اومأت رأسها وهي تقول:
-أيوه اتنين حراميه ثبتوني وخدو مني كل حاجه حتى الدبله والحلق.
-إمته ده؟ احكيلي حصل ازاي؟
-هحكيلك في الطريق.
سارت جواره تقص عليه ما حدث بالتفصيل وهي تسب وتلعن هذين اللصين، فأخذها يوسف وقدم بلاغًا للشرطة بمفقوداتها
وأثناء عودتهما أوقفها رافعًا سبابته في وجهها وقال:
-استنيني هنا خمس دقايق ومتتحركيش عشان مش عايز كوارث جديدة.
اومأت رأسها بابتسامه مصطنعه، تركها تقف أمام إحدى المحلات بمنتصف السوق ولف لمحل أخر، وكان ينظر إليها كل دقيقه ليتأكد من وجودها فتبتسم له حتى انشغل عنها.
أبصرت فرح حنان تقف مع ساميه في ركن بعيد ويبدو أنهما يخططان لشيء!
جحظت عيناها في دهشه وهي تقول:
-حنان مع ساميه لا دا الموضوع فيه إن وأخواتها الخمسه؟
نظرت نحو يوسف فاطمئنت حين وجدته منشغلًا هرولت نحوهما ووقفت تتوارى خلف حائط لتستطيع سماع ما يقولان وتختلس النظر إليهما من حين لأخر فسمعت:
-خدي دول خمسة آلاف وابعدي عن طريقي بقا يا ساميه.
-لأ يا حلوه زودي الفلوس أنا عايزه ١٠ آلاف!
شهقت حنان متعجبه وهي تقول:
-دا ليه بقا إن شاء الله؟!
تشدقت ساميه بالعلكه وهي تقول ببرود:
-عشان عرفت إنك أخدتي مزاج من الواد كرم وعرفت كمان ناويه تعملي بيه ايه...
ضحكت ساميه بسماجة مستطردةً:
- مش ناويه برده تشربيه لبنت هشام عمران أنا عارفه دماغك كويس يا ست حنان.
فغرت حنان فاها بصدمه وهي تقول:
- دا إنتِ ماشيه ورايا بقا!
ضحكت ساميه بمياعه وقالت:
-تربيتك يا حنونه... ولا نسيتِ الخطه الي عملناها على إيهاب زمان؟
ارتعشت شفتي حنان من شدة الغضب لكن حاولت التظاهر بالهدوء وهي تقول:
-ماشي يا ساميه هجهزلك الفلوس بس على ما أجهزهم لو فتحتِ بوقك بحرف هخفيكِ من الوجود!
تشدقت ساميه بالعلكه وقالت:
-متقلقيش أهم حاجه تجهزي الفلوس وطول ما فيه تمويل أنا ساكته.
غادرت ساميه وهي تبتسم بخبث، ووقفت حنان تنظر لأثرها بشر وهي تقول:
-إنتِ عرفتِ عني أكتر من الازم يا ساميه! بس أنا هعرف أتصرف معاكِ........
دخلت فرح لصيدليه مجاوره لتختبئ حتى يغادرا، وضعت يدها على فمها بصدمه مما سمعته للتو، ما هذا الشر! أيعقل أن نخشى شياطين الجن ونحن نعيش مع شياطين الإنس الأشد كيدًا ومكرًا! هزت رأسها باستنكار وهمست:
-ماشي يا حنان إنتِ وساميه فرح بدأت عليكم الحرب.
اشترت فرح أشياء من المتجر جوارها ستحتاجها بتلك الحرب! لكن تذكرت أنها لا تمتلك أي أموال فنظرت للبائع قائله:
-هجيب فلوس بس ثواني.
على جانب أخر نفخ بحنق فقد بحث عنها كثيرًا، أين اختفت تلك الكارثه المتحركه! رأها تأتي فضغط على أسنانه وهدر بها:
-مش قولتلك متتحركيش من مكانك!
تلعثمت قائله ببعض الإحراج:
-معلش كنت بشتري طلب من الصيدليه ممكن تديني فلوس.
أخرج أموال من حاويته وأعطاها إياها قائلًا:
-اتفضلي يا غلطة عمري.
أخذت الأموال من يده وهي تبتسم ابتسامة صفراء قائلة:
-شكرًا.
_____________________________________
-البنت وقفت على يميني لا لا على شمالي والشاب وقف على يميني وحط المطوه في جنبي و...
قالتها فرح وهي تجلس على الأريكة المقابلة ليوسف قاطعها يوسف قائلًا بنزق:
-ما خلاص يا فرح حكيتيلي ميه مره.
تجاهلت كلامه وقالت:
-خدو موبايلي وحلقي ودبلتي وشنتطي... بس الحمد لله إن الحلق والدبله مش دهب دا أنا كنت أروح فيها.
تجهم وجهها مسترسلة:
-بس الي واجعلي قلبي بجد الموبايل ولاد ال....
نفخ بحنق ولم يعقب فطالعته مستأنفة بغيظ:
-إنت مالك مش طايقلي كلمه كدا دا بدل ما تطبطب عليا وتواسيني إنت مش زوج صالح على فكرة!
فتح جهاز الابتوب وحدق بشاشة الجهاز قائلًا:
-ورايا شغل يا فرح متعطلنيش.
وقفت وأخذت هاتفه من أعلى الطاوله وهي تقول:
-أنا هقوم أكلم ماما حبيبتي أحكيلها.
كادت أن تغادر فناداها محذرًا:
-متخلصيش الباقه يا فرح عايز اعمل مكالمه مهمه.
أشاحت بيدها بلامبالاه ودخلت غرفتها لتحكي لوالدتها ما حدث بالتفصيل...
وبعد ساعه أنهى يوسف عمله نهض واقفًا وركض لغرفتها حين تذكر أنها تتحدث عبر الهاتف منذ أكثر من ساعه، وقف على باب غرفتها فسمعها تقول:
-بس الموضوع دا سر يا ماما مش عايزه حد يعرف إني اتقلبت واتنشلت.
-متقلقيش طبعًا محدش هيعرف... أنا جيالك دلوقتي تحبي أجيبلك حاجه معايا؟!
-ايوه هاتيلي شيبسي وشيكولاته.
-حاضر يحببتي.
أكملت فرح بنبره حزينه:
-و لب يا ماما لب، عشان أطلع الطاقه السلبيه الي جوايا.
مصمصت شاهيناز شفتيها بحسره قائله:
-حاضر يا قلب امك.
أكدت عليها فرح قائله:
-ومتقوليش لأي مخلوق بابا نفسه متقوليلهوش.
-خلاص يا بت سرك في بير هو أنا يعني فتانه!
-يلا مع السلامه عشان الراجل الي بره ده هينفخني لو عرف إني بكلمك بقالي ساعه.
لم تسمع صوت والدتها مجددًا فنظرت للهاتف وهي تردد:
-هي الشبكه فصلت ولا إيه!
أغلقت الهاتف ووضعته جوارها وهي تنفخ بحنق ففتح الباب بقـ ـوة وخاطبها:
-ساعه يا فرح! بتتكلمي بقالك ساعه؟
هبت واقفة ونظرت لشاشة الهاتف قائلة:
-لاوالله مش ساعه دي ٥٥ دقيقه حتى خد شوف.
أخذ هاتفه وهو يضغط بقواطعه العلويه على شفاهه السفلية بغيظ وما أن طلب الرقم أتاه صوت:
-رصيدك خلص بس الكلام لسه مخلصش....
قبض يده بقـ ـوة ودنا منها وهو يصر على أسنانه، ازدردت ريقها بتوتر قائله:
-مالك إنت هتتحول ولا إيه؟ لا اهدى العصبيه مش حلوه! هعملك عصير ليمون حالًا يروق د**مك ويهديك.
كادت أن تهرب من أمامه فمسكها من ملابسها رفعها لأعلى كاللص وهو يقول:
- هو أنا مش قولتلك عندي مكالمه مهمه!
-اهدى بس يا دكتور كل حاجه تتحل بالهداوه... ابعتله كلمني شكرًا.
-أبـــعـــت للعمــــيـــد كلـــمــــنـــي شـــكـــــرًا... امـــشـــي مــــن قــــدامــــي.
فرت من أمامه لكن أدخلت رأسها من الباب قائله:
- خلي بالك إنت بتعاملني وحش وأنا هشتكيك لأمك
أخد الوساده من فوق السرير وقذفها صوبها ولم تصيبها وأخذت تضحك...
__________________________________
خرجت شاهيناز للحديقه التي يجلس بها نوح مع والده وجده وعمه زيد يلعبون الدمنو، جلست جوار ابنها وهتفت بحسره:
-الحقوني البت فرح اتثبتت في قلب الشارع واتسرقت.
انتبه الجميع وسألوها عما حدث فقالت:
-هحكيلكم بس الموضوع سري متقولوش لحد! البت موصياني...
__________________________________
دخل للمطبخ ليجدها تعد القهوه رمقها بغيظ قائلًا:
-طبعًا حكيتِ لمصر كلها إنك إتسرقتِ!
-لأ والله مقولتش إلا لمامتي ونبهت عليها إن الموضوع سري للغايه.
قاطعهما دوي جرس الباب، فتح يوسف الباب حيث تقف صفاء، قالت بقلق:
-صحيح فرح اتثبتت واتسرقت؟
سألها يوسف بدهشه:
-إنتِ عرفتِ منين؟!
-لسه مامتها مكلماني وقيلالي حالًا.
-طيب اتفضلي ادخلي يا ماما.
وبمجرد أن أغلق الباب رن الجرس مجددًا حيث عائلة فرح بأكملها، هتف الجد:
-ازيك يا دكتور يوسف خير فرح مالها؟
يوسف بشدوه:
-الحمد لله بخير اتفضلوا يا جماعه مش هنتكلم على الباب.
وبعد تبادل السلامات خرجت فرح تربط رأسها بطريقه مضحكه كمن يعاني من ألم الرأس "الصداع" سلمت عليهم جميعًا وأخذت الحقيقه من يد والدتها وهي تهمس لها:
-دا الي سرك في بير يا شاهيناز!
-متقلقيش مش هيقولوا لحد.
رفعت فرح كتفها وابتسمت قائله بسخريه:
-طبعًا مهو معدش حد أصلا عشان يقولوله.
قاطعها جدها سائلًا:
-ايه الي حصل يا فهيمه احكيلنا؟
سردت الحكايه كامله بتفاصيلها وانتهت قائله بنواح:
-حفيدتك اتثبتت يا جدي.
هتف هشام "والدها":
-المهم تكونوا عملتوا بلاغ!
عقب يوسف:
-ايوه ايوه عملت بلاغ.
-هو الي بيروح بيرجع يا جدو.
اقترب الجد يضمها ويربت على ظهرها قائلًا:
-فداكِ ألف موبايل يا حبيبة جدك متزعليش نفسك.
هتفت فرح ببكاء مصطنع:
-من يوم ما اتجوزت يا جدو والمصايب نازله فوق دماغي أنا باينلي اتحسدت.
عقب نوح قائلًا:
-معلش يا حبيبتي ابقى ارقيها يا يوسف.
كان يوسف يتابع حركتها وكلامها مصدومًا من حركاتها، عقب بسخريه:
-حاضر يا نوح هرقيها حاضر.
رن هاتف والدتها فصوبته تجاه فرح قائله:
-خدي كلمي خالتك عايزه تطمن عليكِ.
رمقتها فرح بطرف عينيها قائله:
-هي خالتي كمان عرفت يا نبع الحنان.
أومأت شاهيناز رأسها بابتسامه فهتفت فرح بهمس وهي تأخذ الهاتف:
-مكنتيش تتعبي نفسك ونادي في ميكرڤون الجامع يا شاهيناز.
وبعد أن انهت المكالمه سحبتها والدتها للمطبخ وهي تقول بنزق:
-قومي نجيب حاجه للجماعه يشربوها.
وقفت فرح جوار والدتها بالمطبخ تقشر اللب وتأكله رمقتها والدتها بغيظ ولكزتها في ذراعها قائله:
-دا منظر عروسه مكملتش اسبوع جواز!
مضغت ما بفمها قائله:
-ماله منظري ما أنا لابسه من الهدوم الجديدة وكلها ذوقك!
زمت والدتها شفتيها وهي تفك عصبة رأس فرح قائلة:
-رابطه دماغك ولا إلي عندها عيلين بتجري عليهم كدا ليه ياختي!
ثم لمست شاهيناز شعرها مستطردةً بتهكم:
-ودا منظر شعر عروسه قولتلك افرديه يا بت زي العرايس!
ردت فرح بينما تقشر حبة اللب:
-يا ماما بقا أنا بحبه على طبيعته... لو سمحتِ بلاش تنمر!
قاطعتهما صفاء التي دخلت المطبخ قائله:
-متزعليش نفسك يا فروحه فداكِ يحببتي.
ادعت فرح الحزن وارتمت بحضن صفاء قائله:
-الحمد لله على كل حال يا ماما.
ربتت صفاء على ظهرها بحنان فسحبتها شاهيناز من حضن صفاء قائله:
-بطلي كُهن يختي وامشي قدامي نطلع العصير... دا ربنا يصبره عليكِ!
ضحكت صفاء قائله:
-فعلًا ربنا يعوض عليك يبني.
_____________________
وبعد فتره ودعهما الجميع ولكن قبل مغادرة شاهيناز مسكت ذراع فرح لتنبهها قائله بهمس:
-سرحي شعرك والبسي حاجه عدله.
-حاضر يا ماما أي أوامر تانيه؟
هزت شاهيناز رأسها باستنكار قبل أن تنصرف.
وبعد مغادرة الجميع
دخلت فرح غرفتها لتبدل ثيابها وتتزين كما أوصتها والدتها، رفعت شعرها لأعلى وشذبته...
ابتسم حينما رأها تقبل نحوه وتجلس مقابله على الأريكة لتشاهد التلفاز فقام وجلس جوارها قائلًا بهُيام:
-إيه القمر ده!
-شكرًا.
-بحبك أوي يا فرح... بحبك بكل جنانك... إنتِ إحتـ.ـ.ـليتِ قلبي دا إسر.ا.ئـ.يل محتـ.ـلـ.تش فلـ.ـ.ـسطين كدا!
ابتسمت على غزله اللطيف ولتهرب من نظراته هتفت:
-أعملك قهوه؟!
هز رأسه معترضًا وهو يقول:
-لأ.
ازدردت ريقها بتوتر قائله:
-طيب أنا هقوم أشرب وأجي.
- تمام، وأنا هاخد شاور وأجيلك.
ابتسمت له بتصنع ودخلت للمطبخ وقفت حائره وصكت سطح الرخام بيدها قائله:
-عاوز اي ده؟ أعمل إيه في الورطـ.ـه دي!!
قالتها فرح باضطراب سرعان ما زال حين خطر لها فكره شـــيـ.ـطانيه، فابتسمت وطالعت سقف المطبخ قائلة:
-سامحني يارب.
خرجت من المطبخ ووقفت قبالة المرحاض تخاطبه بخبث:
-تحب أجهزلك البيجامه على ما تخرج؟
قال وصوته يختلط من خرير المياه:
-ياريت يا فرح.
لمعت بعينيها نظرة ساخرة وهي ترد بحماس مغلف بالمكر:
-من عنيا الجوز.
دخلت الغرفة وأخرجت ورقة احتفظت بها في أحد الأدراج طفقت تضع منها على ملابسه بحذر، بينما ارتسمت على ملامحها شفقة زائفة وهي تقول:
-أنا آسفه يا دكتور.
تركت الثياب على الفراش وخرجت...
وبعد دقائق دلف يوسف للغرفة وهو يغني وهي تتابعه بترقب.
ارتدى ملابسه ثم وقف أمام المرآه يضع عطره وفجأة شعر بحكة شديده بدأ يفرك جسده بقـ ـوة وهو يقول:
-البيجامه دي شكلها فيها حاجه ولا إيه!!
كانت تراقبه وتكتم ضحكاتها، دخلت الغرفه وسألته:
-مالك يا دكتور؟
- مش عارف أنا جالي حساسيه ولا إيه!!
-مـ... ممكن يكون من الكلور اللي في المايه!
-كلور ايه!!
قالها ساخرًا لم يلبث برهة وأقبل صوب المرحاض وهو يخلع ثيابه العلوية، ضحكت فرح وهي تراقبه بخبث...
وبعد فترة خرج وارتدى ثياب أخرى ثم دلف للمطبخ ليشرب المياه لكن تلك الحكه اشتعلت بجسده مجددًا، بدأ يحك جسده ويفركه بطريقة مضحكه، فضحكت فرح وهي تقول:
-تحب أساعدك لو عاوزيني أهرشلك عادي قول متتكسفش الناس لبعضها.
رمقها بغيظ وعاد للمرحاض مجددًا فلا يرتاح إلا تحت المياه...
ابتسمت هي بخبث فقد أغلقت مقبض المياة سلفًا لينقطع وصولها للمرحاض، ناداها:
-شغلي الماتور يا فرح!
ابتسمت بمكر وهي تجيب:
-دا المايه قطعت يا دكتور!
نفخ بحنق قائلًا:
-طيب شوفيلي اي مايه عندك بسرعه.
كبحت ضحكتها وهي تقول:
-مفيش مايه انزل أجيبلك شوية تراب تتيمم!
ضحكت بقـ ـوة، وهنا شك يوسف بأنه مقلب من مقابلها فاتجه للمقبض وفتحه فنزلت المياه...
انتهى سريعًا و ارتدى المنشفه "البرنص" وهو يشتعل غضبًا من تصرفها الطفولي! خرج مسرعًا ليبحث عن ملابس أخرى بغرفة النوم فلفت نظره ورقه مكتوب عليها «بودرة العفريت» اشتغلت نيـ ـران الغضب بداخله، وحمل منفضة السجاد بيد وبالأخرى الورقه وخرج إليها.
كانت تشاهد مسلسل بالابتوب الخاص به باستمتاع وكأنها لم تفعل شيئًا، قذف الورقه في وجهها وضغط على أسنانه قائلًا بنبرة حاده:
-بودرة عفريت يا فرح!
هبت واقفه واتسعت حدقتيها وهي تبدل نظرها بينه وبين الورقه قائله بذعر:
-وحد الله ومتخليش غضبك يسيطر عليك.
هز العصا وهو يقول بحده:
-وربي وما أعبد لازم تاخدي علقه.
وثبت فوق الأريكه وقالت:
-اعقل يا دكتور... اعقل ومتضحكش الناس علينا.
أجفلت وصرخت من ضجيج العصا حين ضـ ـرب جوارها على الأريكه وهتف:
-لأ أنا عايزهم يضحكوا.
وثبت من فوق الأريكه تركض وهو يركض خلفها ويضـ رب أي شيء يقابله بعصبية، وهي تصرخ وثبت أعلى الفراش وهي تقول ببكاء زائف:
-طيب سماح المره دي والله ما هعمل حاجه تاني.
قفز نحوها وأمسكها من ذراعها وهو يحرك العصا بيده الأخرى ويضغط على أسنانه قائلًا بنبرة حاده:
-جيبالي بودرة عفريت يا فرح؟
-والله ما كانت ليك بس إنت إلي اضطريتني أعمل كده!
ضـ ربها على ظهرها فصرخت وهي تلمس مكانها:
-اااه والله بتوجع.
-ما أنا عارف إنها بتوجع وأنا عايزها توجع.
ضـ ـربها مرة أخرى فصرخت بقـ ـوة وهي تنادي:
-الحقيني يا ماما صفاء ابنك اتجنن.
وضع يده على فمها ليكم صراخها وهو يقول:
-مسمعش نفسك.
دفعها محذرًا:
-اختفي من قدامي حالًا.
وبمجرد أن أفلتها ركضت للغرفة الأخرى وأغلقت الباب عليها وقفت تتحسس مكان الضـ ـربه متاوهة ثم صرخت:
-كنت فكراك طيب وحنون طلعت عصبي ومجنــ.ــون.
-قولت مسمعش نفسك.
خاطبها بنبرة حادة من خلف باب غرفتها فأطبقت يدها على فمها تكتم أنفاسها....
________________________________
مرت الأيام وفرح تراقب حنان وضعت بودرة العفريت في حذائها وكانت تراقبها باستمتاع شديد حين تضع قدميها تحت المياه كلما لبست حذائها.
وفي تلك الفتره ابتعد عنها يوسف ليعاقبها عما فعلته، وهي تأبى أن تحدثه حفاظًا على كرامتها وكبريائها وكلما رأته رفعت رأسها بشموخ ورمقته بسخرية وبادلها السخرية.
مر ثلاثة أيام على تلك الحاله وهو يحدثها برسمية وجمود، وفي هذا اليوم بعدما صلت فريضة العصر، قررت التنازل عن كبريائها لتمزح معه، بحثت عنه فوجدته يجلس على الأريكة يحدق بشاشة اللابتوب، فاتجهت نحوه ووقفت أمامه قائله بمرح:
-اضـ ـربني بسرعه عايزه أعيط.
لم يرفع عينه عن جهاز اللابتوب وقال بجديه:
-امشي يا فرح أنا مش فايق لهبلك.
وضعت يدها حول خصرها قائله بمزاح:
-بس أنا مش هبله على فكره!
-وهي دي تصرفات واحده عاقله!
قالها بسخرية بينما تجهم وجه فرح من رتابته وأنزلت يدها لتستقر جوار جسدها معلقة بجديه:
-هو إنت مش عاجبك تصرفاتي؟
-الصراحه لأ... واعقلي شويه يا فرح إنتِ مش صغيرة.
صمتت هنيهة ووقفت تحدق به فرفع نظره من الابتوب وطالعها وهو يقول:
-سكتي ليه؟!
-بفكر في كلامك.
قالتها بخفوت وتنحنحت لتجلي حلقها، أومأ يوسف رأسه قائلًا باستخفاف:
-أيوه ياريت تفكري كويس جدًا دا لو بتعرفي تفكري يعني.
شعرت بغصه في حلقها، سألته بتعجب:
-هو حضرتك بتستهزأ بيا؟!
-فرح أنا مشغول وإنتِ معطلاني!
قالها بنفاذ صبر فقررت أن تنصرف مع ما تبقى من كرامتها، قالت:
-ماشي أنا أسفه لحضرتك.
استدارت لتغادر لكن تعرقلت قدمها في طرف السجاده ووقعت، فأطلق ضحكة كالزفرة وهو يهز عنقه مستنكرًا ناطقًا:
-اهو ده من ضمن الهبل برده! ركزي شويه يا فرح.
اعتدلت واقفة وتجمعت العبرات بمقلتيها وهي تقول:
- أنا مش هبله...
تسللت دمعة منها وهي تسترسل:
- أنا بس متوتره من كل حاجه بتحصل حوليا.
أغلق الابتوب وطالعها بتركيز أما هي فثقُل قلبها بالحزن وهي تتسائل لمَ أصبح باردًا لتلك الدرجه! هل قل حبها في قلبه أم أنه لم يحبها من الأساس!
اقترب منها وحاول ضمها فدفعته وقالت ببكاء:
- أنا فجأه لقيت نفسي متجوزه... معرفش إزاي دا أنا كنت لسه طفله امبارح!
ارتشفت دموعها مستطردة:
-هي المسؤوليه كدا بتخدعك وتكون خفيفه أوي لحد ما تشيلها وتفضل تزيد على كتفك لحد ما تنحني!
جلست على المقعد خلفها وهي تكمل بانفعال شديد:
- وإنت بتضغط عليا طول الوقت.
-يعني إنتِ معندكيش أي مشاعر من ناحيتي يا فرح؟!
سألها، فحاولت أن ترد له صفعته بتركه لها ثلاثة أيام بلا نقاش! فقالت:
-انا مش قادره اتقبل وجودك في حياتي.
تجهمت ملامحه أخذ يُطالعها بصمت وهو يتفرس ملامحها الجامدة، ثم قال بصرامة وانفعال:
-بس إنتِ مجبره تتقبلي وجودي وتحبيني يا فرح لأني جوزك فاهمه؟
قال جملته وانصرف من أمامها تاركًا الشقه بأكملها، فمسحت دموعها ونظرت لأثره للحظات مرددة::
-اه لو تعرف إلي في قلبي...
مر الوقت وأذنت العشاء ولم يعد للبيت أو هكذا ظنت! خرجت من غرفتها لتعد كوبًا من القهوة يدفئها فقد بدأت ليالي الشتاء الكئيبة من وجهة نظرها!
وبعدما أعدت القهوة جلست على أرضية المطبخ عاقدة رجليها ووضعت يدها في وضع اليوغا ثم أغلقت عينيها قائله:
-أيتها الروح المرحه أبوس إيدك عودي.
تناهى لسمعها صوت أغنية تدوي عاليًا متصاعدة من إحدى العربات الواقفة قبالة البيت، فوثبت على الفور وأخذت السكينه من جوارها وأخذت تردد معها...
انسجمت مع الأغنيه وهي تتمايل بطريقة مضحكة، كانت تركض بالشقه كالمـ ـجنونه وبيدها السكينه تظن أنها ترقص بحركاتها المريبة...
وثبت على سريرها وطفقت تتمايل يمينًا ويسارًا، أعلى وأسفل، وترفع قدميها لأعلى بينما تحرك يدها بالألة الحادة وتردد مع الأغنية بانفاسها الاهثة...
وحين نظرت تجاه الباب وجدته يضع يده على وجهه ومنـ ـفجرًا بالضحك فصرخت.....
رواية فرح فهيمه الفصل العاشر 10 - بقلم ايه شاكر
صرخت وابتلعت ريقها باضطراب حين رأته...
فاقترب خطوتين وهو يقول بضحك:
- بتعملي إيه يا فرح!
-هه، مـ.. آآ... كنت... إنت اللي بتعمل أي هنا؟
وبينما تنزل عن الفراش تعثرت قدمها فوقعت على وجهها مفترشة الأرض ويديها أمامها تقبض بإحداهما على السكـ.ـين.
هز عنقه مستنكرًا ودنا منها ليأخذ السكين من يدها مرددًا بتهكم مغلف بالحدة:
-هاتي يا فرح.
نهضت مطرقةً رأسها بحرج، ووضع هو السكـ.ـين على الكومود مرددًا:
-عارفه لو وقعتي على دي أنا إلي كنت هطلع أجري على السكه! ربنا يهديكِ يا فرح.
تفصد جبينها عرقًا وتواثبت دقات قلبها من شدة الخجل...
همت أن تخرج من الغرفة وتفر من أمامه لتهرب من نظراته الحادة، فتعرقلت قدميها في الاشيء وزادت حدة الموقف حين أخذته بطريقها ووقعت عليه، تأوهت وهي تملس على جبينها الذي اصطدم بجبهته، فأطلق ضحكة كالزفرة وردد بسخرية:
-لأ مسيطره مسيطره مفيش كلام.
وثبت قائمة ونطقت بتلعثم:
-أ... أنا آسفه.
ثم ركضت للغرفه الأخرى وأوصدتها من الداخل، ثم استندت على بابها وهي تضع يدها على قلبها المتصارع، وقالت:
-ياربي على الإحراج مش هقدر أبص في وشه تاني!
نفخت بضجر واستلقت على الفراش وجافاها النوم فكيف تنام بعد ذلك الإحراج!!!
________________________________
في صباح جديد مع إشراقة الشمس وشعاعها الخافت الذي لا يكاد يلمس الأجساد بسبب برودة الجو إنه نهار الشتاء في مصر جو هادئ وطريق خالٍ من الناس، سارت جواره وهي ترمقه بطرف خفي بين وهلة وأخرى بينما هو يسير جوارها برتابة...
نظرت أمامها وهي تفكر فهذا أخر يوم بامتحانات الميدترم وسترتاح أعصابها قليلًا قبل بداية امتحانات منتصف العام، وقفا ينتظران سيارة أجره، نظرت نحوه مجددًا وشردت بملامحه فأخرجها من شرودها صوته وهو يجذبها من يدها قائلًا بضجر:
-حاسبي يا فرح!! ركزي شوية العربيه كانت هتخبطك!
اومأت رأسها دون أن تنبس بكلمة فقبض على يدها بتملك كأنه يريد القول أنها خاصته وحده، ابتسمت وهي تمسك يده بإطمئنان هتف قائلًا:
-امتحانك هيبدأ الساعه ١٠ مش عارف ليه صممتي تطلعي من ٨ ونص؟
- عشان مش عايزه أمشي لوحدي هذاكر شويه في الكليه.... أصلًا مبعرفش أذاكر في الشقة.
ضحك بخفوت حين تذكرها بالأمس وهي ترقص، مال نحوها قائلًا باستهزاء:
- بتعرفي ترقصي بس؟!
واستطرد وهو يكبح ضحكته:
-لا والله ولا بتعرفي ترقصي ولا نيله...
أشاحت وجهها للجهة الأخرى وحاولت نزع يدها من يده فضغط عليها بقـ ـوة فتوقفت عن المحاولة، وبعد صمت دام لبرهة، قطب حاجبيه وسألها بنبرة ساخرة:
- فرح هو إنتِ بتعرفي تعملي ايه؟!
رفعت ذقنها لأعلى بزهو وقالت:
-انا بعرف أعمل حاجات كتشير أوي مثلًا بعرف أكل وبعرف أستحمى لوحدي وبسرح شعري لوحدي برده وبعمل قهوه بوش لوحدي و....
قاطعها متنهدًا بقـ ـوة وهو يقول:
- عوض عليا عوض الصابرين يارب، بس كويس إنك جيتِ معايا أصل حد يثبتك تاني ويسرقك أنا عارف إن المصايب بتجري وراكِ.
رمقها بطرف عينه وضحك وهو يقول:
-أو إنتِ إلي بتجري وراها محدش عارف.
أثار غيظها فقالت بحنق:
-ياريت تسكت بقا... كفايه سخرية..
-لا البت عندها دم وبتحس أوي!
نفخت بحنق فأردف بنفس السخريه:
-ربنا يهديكِ يا مدام فرح ولا أقول فهيمه؟
-يوووه بقا إنت يا جدع إنت مصمم تنكد على نفسك على الصبح ليه!
ارتدى نظارته وقال بغرور:
-أنا بعون الله مفيش حاجه تقدر تنكد عليا.
رمقته بسخرية وهي تبتسم بسماجة، وأشتحت وجهها للجهة الأخرى وقطعا باقي الطريق في صمت مطبق...
وصلا للكليه وعند مدخلها نظرت فتاه ليوسف قائله بمياعه:
-ازيك يا دكتور يوسف؟
-الحمد لله
قالها يوسف بابتسامة ثم رمق فرح بخبث فاشتعلت غيرتها، برزت عيناها خارجًا وهي تقول:
-مين دي بقا إن شاء الله؟!
عقب بهدوء استفزها:
-طالبه عندي.
-والله! وبتقولك ازيك يا دكتور يوسف؟
قالتها مقلدة صوت الفتاة باستخفاف فعقد جبينه قائلًا بمكر:
-أومال عايزاها تقولي إيه؟ يا قلبي ولا يا حبيبي الي مبسمعهاش من مراتي!
تلعثمت متجاهله كلامه وهي تبرر:
-قـ... قصدي نبرة صوتها مايعه كدا!
ربت على ظهرها قائلًا:
-روحي ذاكري... روحي ذاكري عشان ألحق محاضراتي..
عقبت بمياعه مقلده صوت الفتاه:
-ماشي يا دكتور يوسف...
-الغيره هتطق مع عينيكِ.
-بيتهيألك..
قالتها ثم مطت لسانها وانصرفت من أمامه ودلفت للمدرج الفارغ لتجلس وحدها وتذاكر بينما خلع يوسف نظارته وطالعها بابتسامة عابثة وهي تغادر...
_________________________________
وفي القاعة الدراسية انشغلت بالمذاكره حتى قاطعها صوت أسامه الذي جلس قبالتها:
-ممكن أذاكر معاكِ؟
رمقته سريعًا وغضت بصرها قائله:
-لأ ولو سمحت قوم.
-أنا الصراحه حابب أتعرف عليكِ كزمايل مش أكتر.
نفخت بحنق وهي تنظر بكتابها قائلة:
-وأنا مبتعرفش لو سمحت سيبني أذاكر...
-طيب دا أنا معايا ورق مش هيخرج منه الامتحان جربي بس نذاكر سوا...
ألقى الورق أمامها فاخذت تقلبه بين يديها، فابتسم أسامه بخبث فقد استطاع جذبها لتذاكر معه....
مر عليها أكثر من ساعه وهو يختلس النظر إليها بكثير من المكر معلنًا أن تلك هي البدايه، حدق بها قائلًا:
-هي دي عينك بجد!
نظرت للورق بإحراج وتلعثمت:
-ياريت تركز في الورق مش في عيني.
عقب الشاب بهُيام مصطنع:
-أصل عينك حلوه أوي.... الصراحه إنتِ كلك زي القمر.
نفخت بحنق وأخذت تلملم أشيائها قائله:
-أنا أصلًا غلطانه إني وافقت أذاكر معاك عن إذنك.
-لأ لا لا استني أنا آسف والله.
نهضت واقفه لكن تلك الدوخه انتابتها مجددًا، فقد أدركت أنها تُعاني من فقر د**م حاد، حاوطت رأسها بكلتا يديها فاقترب منها ليسندها فهدرت به:
-ابعد عني متلمسنيش.
كان يحاول إسنادها وهو يقول:
-إنتِ شكلك دايخه وهتقعي.
ابتعدت عنه وما زالت تشعر بالدوار كانت تتخبط لا تستطيع الإتزان وهي تقول:
-متلمسنيش.
فلن تقبل لمسة أي رجل غير زوجها، جلست مرة أخرى وانحنت للأمام تسند رأسها بينما نظر إليها الشاب بخيبة أمل فمن الواضح أنها صعبة المنال، طالت مدة الدوار بل أن الأسوأ هو ازدياد دقات قلبها بشكل غير طبيعي، أدمعت عيناها بتعب فقد اقترب موعد الإختبار...
-فرح إنتِ كويسه؟!
حين سمعت اسمها من بين شفتيه امتعضت ملامحها وازداد حزنها، فهي أخطئت حين جالسته واعتبرها خيانة لزوجها.
زرفت الدموع بصمت وقالت بنبرة خافتة يكسوها الألم:
-امشي امشي من جنبي... امشي..
اقترب الشاب قائلًا:
-مش هقدر أمشي إلا لما أطمن عليكِ.
-قولتلك أمشي إنت مبتفهمش!
حين ارتفع صوتها خشى أن يلفت الأنظار إليهما فقد بدأ الطلاب بدخول القاعة فابتعد عنها، وجلست هي تكمل بكاء....
__________________________
انهى يوسف المحاضره وقرر اللحاق بها ليطمئن أنها لم ترتكب المزيد من الكوارث.
وقف بداخل القاعه يبحث عنها حتى عرفها من ملابسها وهي تجلس داخل المدرج وتسند رأسها للأمام، شعر أنها تبكي أو بها شيء ما! فهرول إليها وناداها:
-فرح!
اطمئنت حين سمعت صوته، لم ترفع رأسها وأغلقت عينيها بتعب لتفيض الدموع من مقلتيها، جلس جوارها وربت على ظهرها بحنو:
-فرح! إنتِ كويسه؟
ازدادت شهقاتها فهي تظن أنها خانته حين وافقت على المذاكره مع أسامه الذي كان يتابعهما بنظرات ماكرة خبيثة.
ربت يوسف على ظهرها بحنو قائلًا بخوف:
-فرح ممكن تبصيلي؟!
رفعت رأسها وجفونها متهدلة تنهمر منها العبرات، لكن كانت العيون ترمقهما بتسائل؛ حين دخل الدكتور الأخر بأوراق الإختبار، سألها بترقب:
- فيكِ إيه يا فرح متقلقنيش؟!
خف دوار رأسها لكن كل ما يشغل تفكيرها هو أنها خائنه لا تستحق منه تلك المعامله، نظرت لعينيه وحدقت به للحظات ثم قالت:
-أنا دايخه شويه
-الدوخه دي تاني إحنا لازم نكشف.
تنفس الصعداء ثم أردف:
-اهدي وخدي نفس عميق وأنا هجيبلك عصير وأجي، تمام؟!
جففت دموعها وأومات رأسها بتفهم فاستدار ليغادر لكن أوقفه صوتها:
-بـ... بقولك!
التفت اليها وقد ارتسم الاستفهام على ملامحه فقالت:
-هاتلي راني مانجا عشان مبحبش الجوافة.
ابتسم ولكزها في ذراعها قائلًا:
-يا شيخه خضتيني عليكِ.
لاح على شفتيها شبح ابتسامة، وقالت:
-متقلقش أنا كويسه.
___________________________________
وصلا للبيت وبعد تناول الغداء نظرت لبشرة وجهها التي أهملتها مؤخرًا، ابتسمت عندما طرأ لها فكرة!
رفعت شعرها لأعلى برابطة الشعر وأخذت القهوة وعسل النحل بمقدار تحسبه جيدًا وخلطتهما معًا ثم وضعت الخليط على وجهها.
جلست تشاهد التلفاز وتناست تمامًا أمر القناع.
-فرح... فرح... فروحه!
انتبهت لصوت يوسف الذي يجول بالشقة بحثًا عنها، استدارت لترد عليه قائله:
-أنا هنا عند التلفزيون.
جلس جوارها دون النظر لوجهها وحين التفتت إليه والتفت إليها بنفس اللحظه فانتفض وهب واقفًا، ووثبت هي الأخرى توهي تلتفت بهلع صارخه:
- فيه إيه... صورصار ولا فار؟
حدق بوجهها قائلًا بقلق:
-إنتِ إيه إلي حصلك ؟!
-إيه فيه إيه؟!
لمس وجهها بسبابته وسألها:
-إيه إلي على وشك ده؟!
وضعت يدها على وجهها وأومأت رأسها بتذكر فقد تذكرت أمر القناع، تنهدت بارتياح وقالت:
-الماسك والله نسيته كويس إنك فكرتني.
-ماسك! يا شيخه أنا قولت البت اتحـ.ـرقت ولا حاجه.
أردف وهو يجلس على الأريكه:
-حرام عليكِ أنا قطعت الخلف.
-معلش بكره تتعود دا لسه فيه ماسك زبادي وخيار وترمس مطحون ونشا ولبن حاجات كتير أوي.
-بس الحاجات دي بتتاكل مش بتتحط على الوش.
لوحت بيدها وهي تغادر متمتمه:
-اسكت إنت مش فاهم حاجه.
-إنتِ إلي فاهمه كل حاجه؟!
قالها ساخرًا وتبعها وهي تغسل وجهها، ثم تبعها مرة أخرى بصمت يتابعها وهي تضع الزبادي على وجهها فرمقته بطرف عينيها قائله:
-مالك بتبصلي كدا ليه؟
ضحك وهو ينظر لها بعد أن لونت وجهها بالكامل بالزبادي وقال:
-شكلك يضحك.
خرجت من المطبخ بعدما رمقه بحنق، وتبعها ضاحكًا ..
استغفروا
_____________________________
وفي وقت المغرب خرج يوسف للصلاة في المسجد ونزلت فرح لحنان لتكمل تنفيذ خطتها فلن تكتفي ببودرة العفريت.
جلست مع حنان تبتسم لها بتصنع قائله:
-متعمليلنا كوبيتين شاي ولا قهوه كدا عشان ندردش سوا شويه.
تهلل وجه حنان هتفت بابتهاج:
-حالًا يا فروحه استنيني.
ابتسمت فرح بمكر وهي تنظر للمسحوق بعدما أخرجته من حقيبتها:
-بقا عايزه تعمليلي أنا فخ!
وبعد فترة خرجت حنان بالقهوة، تظاهرت فرح أنها تشرب ثم وضعتها وقالت:
-ممكن تجيبلي شوية سكر..
-حاضر حالًا...
قالتها حنان وابتسمت بخبث فوضعت فرح المسحوق بالكوب الخاص بها، وسكبت مشروبها أرضًا وأخفت أثره بالتراب...
وضعت حنان السكر فقالت فرح:
-أنا شربتها وخلاص مش مشكله بقا... تسلم ايدك.
-ألف هنا يا حبيبتي.
-صحتك عامله ايه دلوقتي كنت سمعت انك تعبانه؟!
تظاهرت حنان بالمرض قائله:
-أيوه والله يا فرح تعبانه قوي.
-خير عندك ايه؟
تلعثمت حنان قائله:
-عـ... عندي المرض الخبيث.
لاحظت فرح الكذب بعينيها وقالت وهي تتصنع الشفقة:
-الف سلامه عليكِ طيب فين بالظبط؟
اضطربت حنان وقالت ما حضر على لسانها:
-في.. في... في الد**م.
أومات فرح رأسها قائله:
-ربنا يشفيكِ يا طنط... طيب أنا هقوم بقا عايزه حاجه؟
تاكدت حنان من فروغ كوب القهوه الخاص بفرح وابتسمت بخبث قائله:
-سلامتك يا حببتي بس هستنا أقعد معاكِ تاني ونشرب قهوه مع بعض.
تصنعت فرح الإبتسامه قائله:
-أكيد طبعا.
ابتسمت فرح بسخريه وهي تغادر قائله بابتسامه:
-حقيره! مبروك عليكِ الإسهال...
بصقت على الأرض وصعدت إلى شقة صفاء لتقضي معها بعض الوقت لحين قدوم يوسف...
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم
__________________________
وفي المساء وقفت أمامه وهو يمسك هاتفه وقالت:
-جيب موبايلك أكلم ماما؟
أعطاها الهاتف فأخذته ودخلت الغرفه، تسلل خلفها ووقف على باب الغرفه يستمع لما تقول:
-ماما أنا نفسي أكل سمك زهقت من اللحمه...
-حاضر يا حببتي هجيبلك بكره.
-ماشي هستناكِ تجيبيه بكره...
وبعد أن أنهت المكالمه خرجت تعطيه الهاتف.
وكان قد عاد وجلس على الأريكه، رمقها بغيظ حين جلست جواره،وقال:
-فرح إنتِ كنتِ بتطلبي من مامتك إيه؟!
تلعثمت قائله:
-گ...كنت بطلب منها سمك.
-افهمي يا فرح إنتِ دلوقتي مسؤوله مني ومتطلبيش حاجه إلا مني.
كان يخاطبها بنبرة حادة بعض الشيء، فردت عليه بابتسامة ماكره:
-يعني اطلب أي حاجه... أي حاجه!
هز رأسه معقبًا بتأيد:
-أي حاجه يا فرح حتى الشيبسي والحاجات التافهه دي تطلبيها مني برده مش من مامتك.
أخذت نفسًا عميقًا وزفرته ثم قالت متخابثه:
-بصراحه كلامك دا شجعني أتجرأ وأطلب منك حاجه محتاجاها.
-محتاجه ايه؟
نهضت واقفه وهي تفىك يديها متظاهرة بالإرتباك وقالت:
-بصراحه كدا أنا عايزه أيفون 12 بروماكس.
حدجها بنظرة متعجبه وقال بتلعثم زائف:
-على فكره عادي تطلبي من مامتك أنا بس الي اتحمقت شويه.
جلست مقابله تحدق به وهي ترفع إحدى حاجبيها ساخره، وليهرب من تلك النظره تنحنح قائلًا بالخطأ:
-قومي اعملي فرح يا قهوه.
لم يلحظ ما قاله ولكنها انفـ ـجرت بالضحك وهي تردد:
-أعملك فرح يا قهوه ازاي؟
قطب حاجبيه وسألها متعجبًا:
-انا قولت كده؟!
أومات رأسها ضاحكه فابتسم، اقتربت منه وربتت على ظهره قائله بمزاح:
-أنا مقدره الصدمه إلي إنت فيها بس روق روق أنا بهزر معاك
-ما أنا كمان بهزر معاكِ... ومتقلقيش أنا ناوي أجيبلك أحلى موبايل نوكيا.
تجهمت ملامحها مردده بصدمه:
-نوكيا!
اومأ رأسه مبتسمًا بسماجه وهو يردد مؤكدًا:
-نوكيا.
-مش عايزه منك حاجه هخلي جدي حبيبي يجيبهولي.
لوح بيده بلامبالاه قائلًا:
-اعمليلي قهوه يا بت أجري واكويلي هدوم الشغل.
وضعت يدها حول خصرها قائله:
-أيوه ما أنا الفلبينيه إلي امك جابتهالك.
-أمك!! قصري لسانك يا فرح متخلنيش أقوملك...
نفخت بحنق ودبدبت بقدميها في الأرض وهي تتوجه للمطبخ مغمغمة:
-أصلًا مكنتش عايزه أتجوزك...
-بس أنا بقا كنت عايز وعايز أوي كمان...
قالها بنبرة مرتفعة ثم ضحك باستفزاز...
__________________________
شعرت حنان بتوعك شديد في معدتها مجددًا وركضت نحو الحمام للمرة الخامسه، وبعد أن خرجت وهي تتنهد بارتياح قائله بوهن:
-أنا أكلت حاجه متلوثه ولا إيه!
حملت هاتفها وسجلت بصوتها في بحث جوجل:
-علاج الإسهال...
بحثت كتيرًا ثم هتفت بنزق:
-يختاااي أنا مش فاهمه حاچه!
لم تكد تكمل جملتها ووضعت يدها على بطنها وهي تركض للحمام مجددًا، انتهت وهي تخرج مستنده على جدار الغرفه قائله:
-أنا عرفت العلاج مفيش غيره النشا على الليمون الي بحطه للفراخ والكتاكيت.... ما كلنا نعتبر واحد!
مصمصت شفتيها وهي تقول:
- اي والله كلنا كائنات حيه...
اتجهت نحو المطبخ لتلتهم النشا بالليمون علها ترتاح....
_________________________________
وقفت في المطبخ تُعد القهوه تذكرت ما فعلته بحنان وضحكت قائله:
- زمانها قاعده في الحمام... والله تستاهل بنت الـ...
ابتسم بسخرية وهو يبحث عن قنينة المياه ويقول:
-ما شاء الله بتكلمي نفسك.
صوبت نظرها خلفه قائله:
-لأ بكلم إلي واقفه وراك دي.
نظر خلفه فضحكت وهي تتابع القهوة قائله:
-بتبص على إيه هو أي حد يقولك حاجه تصدقها!
ضحك قائلًا:
-جننتيني يا فرح.
رمقته بطرف عينيها وابتسمت قائله:
-متقلقش هعلاجك.
-أنا فعلًا علاجي عندك يا فرح... مش ناويه تحني على قلبي بقا...
ارتبكت من نظراته ولكن أنقذتها القهوه حيث أوشكت على الفوران:
-اوعى بسرعه القهوة.
صمت هنيه. ثم التفت وسألها:
-مش ملاحظه إنك بتشربي قهوه كتير؟
-أيوه ملاحظه... بحبها عشان طول عمرها بوش واحد مش زي ناس كدا بوشين...
كانت تقصده وقد فهم ما ترمي إليه فضحك وهو يخرج من المطبخ قائلًا:
-طيب يا ستي شكرًا... هاتي بقا القهوه وتعالي..
ابتسمت وهي تنظر إليه وهو يغادر المطبخ....
خرجت من المطبخ القهوة
جلست جواره، كانت متوتره تريد قول شيء لكن الأحرف تقف على طرف لسانها فشعر بارتباكها وسألها:
-قولي يا فرح عايزه إيه؟
ازدردت لعابها وقالت:
-عايزاك تسامحني...
طالع كوب القهوة_ الذي أخذ منه رشفة للتو_ بتوجس، وسأل:
-إوعي تكوني حطالي حاجه في القهوة؟
هزت رأسها نافية، فسألها:
-خير عملتِ إيه؟
-هقولك بس بالله عليك بلاش تتعصب...
تنفس الصعداء وقال:
-مش هتعصب قولي.
-النهارده الواد السمج ده جه المدرج وقعد جنبي.
لف كامل جسده لها وسألها متلهفًا:
-الولد الي كان بيقولك أنسه فرح؟
أومات رأسها مؤيده وازدردت ريقها بتوتر فحثها لتكمل وهو يطالعها بترقب.
نظرت له بتوجس وهي تقول:
-عرض عليا نذااكر مع بعض!
اعتدل في جلسته قائلًا بثقه:
-طبعًا رفضتي.
تلعثمت مبرره:
-كان معاه ورق مهم... وأنا.. وأنا اضطريت أوافق.
جحظت عيناه ونظر لها قائلًا بتعجب مختلطًا بالحده:
-نعم يختي!!!
خافت من رد فعله لكن أكملت قائله:
-زاكرت معاه ساعه لكن لما لقيته بدأ يعاكس قومت علطول والله.
لم يعقب لكنه استشاط غضبًا تكرمشت ملامحه قائلًا ببرود:
-وإنتي عايزه إيه دلوقتي!؟
عندما شعرت بتغير ملامحه ونبرة صوته، اقتربت منه بتلقائية كما اعتادت أن تفعل مع والدها وأخيها ومسكت يده تهزها برجاء قائله بنبرة نادمة:
-أنا آسفه والله عارفه إني غلطت ومش هكررها.
سألته بنبرة راجية:
-هتسامحني؟
رفع سبابته محذرًا:
-بس متتكررش تاني والواد ده أنا هتصرف معاه!
ابتهجت وأومات قائله:
-حاضر.
★★★★★
في اليوم التالي، استيقظت على صوته:
-فرح... فروحه... فرولاه...
نظرت في ساعة هاتفها التي كانت الحادية عشر صباحًا، ناداها مجددًا:
-فرواله إنتِ لسه نايمه ولا ايه؟
خرجت من الغرفة وهي تقول بصوت ناعس:
-فراولة!!! أول مره حد يقولي الدلع ده.
غمز بعينه قائلًا:
-عشان أنا بحب الفراوله وإنتي الفراوله حقي.
ابتسمت بخجل وأطرقت بصمت، فقال:
-جبتلك الأيفون 12 بروماكس..
أخذته من يده في سرعه متهلله ودون أن تتفحصه ضمت يوسف قائله:
-شكرًا بجد شكرًا أوي ربنا ميحرمنيش منك أبدًا.
كان مصدومًا من كلامها ورد فعلها الذي لم يتوقعه على الإطلاق، انتبهت لما فعلت وتنحنحت قائله بخجل:
-أنا آسفه مقصدتش أصلي كنت متعوده أعمل كدا مع بابا ونوح لما....
ابتلعت ريقها باضطراب حين لاحظت ابتسامته فقال بتعجب وابتهاج:
-أسفه! دا أنا هجيبلك كل يوم تلفون.
تجاهلت كلامه وأخرجته من الحقيبه وتجهم وجهها فجأه قائله بصدمة:
-ريدمي 10!!!!!
حك عنقه قائلًا:
-مفرقتش كتير يعني يا فرولتي ريدمي من أيفون مش فارقه كلها موبيلات..
حين طال صمتها قال:
- أنا عايز أتغدى عندنا اكل ايه؟
عقبت وهي تعد على أصابع يدها:
-عندنا فراخ في الفريزر ولحمه وبشاميل وكباب بس كله في الفريزر تحب أطلعلك؟
-لأ متطلعيش حاجه إلبسي هنتغدى بره...
تركت الهاتف وسألت بابتهاج:
- وهتجيبلي بيتزا؟
-هجيبلك احلى بيتزا.
عقبت بابتسامه وهي ترفع سباتها:
-مارجريتا!
-هجيبلك كل الي تتطلبيه بس البسي بسرعه.
قفزت في فرحه كالأطفال وقالت بعفويه:
-أنا بحبك أوي بحبك أوي بجد...
عضت لسانها حين انتبهت لما لفظته للتو، وركضت من أمامه لغرفتها دون النظر لوجهه مرة أخرى، ارتسمت الإبتسامه على ثغره وردد بفرحة:
-دا باينله يوم حظي ولا إيه!!
___________________________________
خرجت حنان من عند الطبيب هائمه يتردد في أذنها صدى صوت الطبيب "للأسف زي ما توقعت لوكميا سرطان الدم"
فاضت الدموع من مقلتيها ونظرت للسماء بحسره قائله:
-أنا كنت بلعب عليهم يارب.. اللعبه اتقلبت عليا أنا...
شهقت بالبكاء قائله:
-طيب هقابلك ازاي يارب... هطلب من العايش يسامحني ولا من إلي ماتوا... يا ويلي.. يا ويلك يا حنان... يا ويلك..
جففت دموعها وسارت قاصدة بيتها لتستعد للمعركه التي ستخوضها ورحلة علاجها، تمارضت لتمكر بهم لكن مكر الله أكبر وعقابه أشد..
"والله شديد العقاب"
__________________________
وفي المطعم كان يجلس مقابلها وبعد الإنتهاء من تناول الطعام سألها:
-فرح مبسوطه معايا
أومات رأسها بابتسامه فسألها:
-يعني موافقه تكملي حياتك معايا يا فرولتي؟
أومات رأسها في حياء ولم تنظر إليه فسألها مجددًا:
-بتحبيني يا فرح؟!
كان يتفرس ملامحها وهي تفرك يدها بتوتر قائله:
-وأنا هكرهك ليه إنت إنسان حنين وجدع ومحترم...
أكملت بابتسامه مراوغه:
- مش محترم أوي بس أحسن من غيرك...
ضحك على جملتها وأسند ظهره للخلف قائلًا:
-ماشي يا فراولة يعني أفهم من كدا إنك بتحبيني!
ابتسمت بمكر قائله:
-ما أنا قولتلك هكرهك ليه!
ابتسم قائلًا باستفزاز:
-طيب تمام قوليلي بقا بحبك يا يوسف.
أخذت تلتفت حولها فقال:
-خلاص نأجل الجمله دي لما نروح...
★★★
وفي المساء في المنزل
جلس يوسف يُطالعها وهي تضع المرطب الليلي على وجهها، رمقته بطرف عينيها وابتسمت قائله:
-بتبصلي كدا ليه؟
قال بابتسامة:
-بتفرج!
باغتهما انقطاع التيار الكهربائي فقالت بفزع:
-النور قطع؟
أضاء هاتفه ومسك يدها قائلًا:
-متقلقيش...
بحث يوسف عن المصباح وأضاءه، ثم عاد لغرفة النوم جلس جوارها على الفراش، قطع الصمت الذي دام لفترة قائلًا:
-بحبك يا فراولتي...
لم تعقب فحدجها بطرف عينه وقال:
-بقولك بحبك...
-ماشي شكرًا...
-شكرًا!!!
-أومال عايزني أقولك إيه؟
استلقى على الفراش موليها ظهره وهو يقول بضجر:
-تصبحي على خير أنا هنام جنبك النهارده عشان النور قاطع...
سحب الغطاء عليه وأغلق جفونه، أما هي فنظرت نحوه لبرهة ثم استلقت جواره....
استيقظ في منتصف الليل أثر لكزتها له بقـ ـوة، فتح جفونه بنعاس فوجدها قد حاوطته بذراعها مرددة:
-بحبك يا يوسف متزعلش مني أنا مقدرش أعيش من غيرك.
فتح عينيه في ذهول حين انتبه لما قالته وهزها قائلًا:
-فرح...
-بحبك...
ابتسم وهو يدقق النظر إليها ليكتشف أنها تغط في سبات عميق، وتتحدث وهي نائمه!
ابتهج وقال:
-وأنا كمان...
ثم أكمل نومه وهو في قمة الرضا فأخيرًا علم بمشاعرها نحوه....
في اليوم التالي قبيل الظهر استيقظت من نومها وأخذت تبحث عنه بالمنزل فلم تجده...
مطت ذراعيها أثر النوم وقامت بتشغيل قرآن بصوت الشيخ المنشاوي ورفعت الصوت عاليًا.
مر الوقت وهي ترتب شقتها، وبعد انتهائها دخلت مطبخها لتشرب....
من ناحية أخرى طرق يوسف باب الشقة وجواره والدته وشاهيناز، وعندما لم تجب فرح أخرج المفتاح وهو يقول:
-ممكن تكون لسه نايمه!
-طيب رن الجرس الأول....
قالتها صفاء تزامنًا مع فتح يوسف للباب...
وبالمطبخ حيث يدوي صوت القرآن
حملت فرح كوب المياه وارتشفت منه ثم بدأت تترنح كمن شرب خمـ ـرًا أخذت الكوب وخرجت من المطبخ تتصرف كالسكـ.ـران وهي تقول:
-في صحتي...
بدأت تتظاهر بالفواق "الزغطه" وتترنح وهي تسير مطمئنه أنها بالبيت لحالها...
أغلقت عينيها وهي تقطع الردهة مترنحة لم تنتبه لهؤلاء الذين يقفون أمامها يحملقون بها بذهول!
نظرت شاهيناز لصفاء ثم ليوسف الذي وضع راحة يديه على وجهه، ثم طالعت إبنتها التي تترنح مغمضة العينين حتى تعرقلت ووقعت أرضًا وانسكب باقي الماء على وجهها فتحت فرح عينيها على صوت ضحكاتهم، كم تمنت لو تكون تهيؤات!
مسحت فرح وجهها بكلتا يديها وهي ترقد أرضًا وفتحت جفونها تزامنًا مع قول شاهيناز:
-أصبلك كاس تاني يا حبيبتي!!