الفصل 5 | من 9 فصل

الفصل الخامس

المشاهدات
50
كلمة
1,599
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

رواية في حمى البدر الجزء الخامس 5 بقلم ليلة في حمى البدررواية في حمى البدر الحلقة الخامسة “موافق.” ​قالها بدر بابتسامة هادئة ممزوجة بثقة ويقين. أما هي، فأومأت برأسها في صمت مغلف بالارتباك، وخرجت سريعاً لتذهب إلى غرفتها. ​انقضى النهار وبدأت الشمس بالغروب معلنةً نهاية يوم مليء بالصراعات، جلست ليالي مع حورية في الشرفة وهم يشربان القهوة بهدوء، حتى قاطعت حورية حبل الصمت قائلة:

“على فكرة.. بدر نزل القاهرة عشان يقابل باباكي، وجاي بكرة.” ​وقفت الكلمات غصّة في حلق ليالي، وتلعثمت قبل أن تتكلم: “مقاليش يعني! ​ابتسمت حورية بخبث ومرح: “مشاكل متجوزين بقا مليش دعوة بيها.” ​نظرت لها ليالي بسخرية: “متجوزين؟! قولي مغصوبين! ​نظرت لها حورية بهدوء، وتحولت نبرتها للجدية: “عادي لو طلعت اللي في قلبي، ولا هتتقمصي وتزعلي؟ ​”أنا؟! إطلاقاً، قولي.”

​”على فكرة، بدر لو عاوز يحل الموضوع ده بأي طريقة تانية كان عمل كده.. وقادر إنه يكتم أي واحد في البلد يتكلم عليه أو عليكي بنص كلمة، بس هو اللي اختار الطريق ده بالذات.” ​نظرت لها ليالي بعدم فهم واستغراب، فأوضحت حورية بابتسامة ذات مغزى: “أنا شوفت في عين بدر نظرة عمري ما شوفته بيبص لحد بيها قبل كده.. أتمنى تكوني فهمتي قصدي يا ليالي.”

​رمشت ليالي عدة مرات مذهولة، وهي تقلب في عقلها حديث حورية الذي أشعل حيرتها. ذهبت إلى غرفتها بعقل غائب تماماً، ولكنها تفاجأت بـ “دهب” أمامها، تجلس على سريرها بكل برود وتضع رجلاً فوق رجل! ​تنهدت ليالي بضيق وقالت بسخرية: “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. خير؟ ​ردت دهب بغلّ حاد وهي تنظر إليها من الأعلى للأسفل: “وهيجي منين الخير وأنتِ قاعدة وسطنا هنه يا دكتورة ليالي؟! ​”من عند ربنا.. إيه، هنكفر ولا إيه؟ ​تقدمت

منها دهب بهمجية وعصبية: “اسمعي يا بت أنتِ.. بلاش تخليني أحطك في دماغي واصل! أنا عارفة كويس إن بدر عمره ما هيبصلك” ​نظرت ليالي لها بسخرية تامة ورفعت حاجبها بتحدٍ: “ليه يا عنيا؟! ده أنا شاغلة بال الحريم والرجالة مع بعض ” ​نظرت لها دهب بغيظ أعمى وهمست بصوت منخفض متوعد: “هوريكي يا دكتورة أنا هعمل إيه..” ​قالتها وخرجت بغضب عارم قبل أن تجيب ليالي. نظرت ليالي لطيفها وتحدثت مع نفسها كالعادة: “ده أنتم عيلة غجر!

​جلست ليالي على السرير والتقطت هاتفها لتحدث صديقتها المقربة شمس: “آه..الناس المرتاحة اللي قاعدة في البيت وبتاكل فطير وعسل! ​هتفت شمس بسخرية عبر الهاتف: “ترتاحي راحتي يا بعيدة! ​”المهم.. هتعملوا إيه في حوار الفرح ده؟ ​تنهدت ليالي بقلة حيلة: “مش عارفة يا شمس، حاسة إني في حلم.. بقى أنا على آخر الزمن تبقى دي نهايتي وجوازتي! ​ردت شمس بتعقل:

“بصراحة يا ليالي، اللي عمله بدر ده هو الصح.. هو مرضيش يسيب حد ينهش في سيرتك ويتكلم عليكي.” ​علقت ليالي بتهكم: “يقوم يتجوزني؟! آه كده معقولة شوية! ​ضحكت شمس وأكملت: “يا غبية افهمي! أقل حاجة كانت هتتقال في حقك إنك مش كويسة.. أصل إيه اللي خلاه في أوضتك بالليل، وأنتِ في حضنه وبصاله وبتطلعي قلوب؟! ​صاحت ليالي بضيق: “رجلي اتلوت يا بهايم! ما هو اللي وترني وقعد يتأملني بروح خالته! ​قالت شمس بتأثر مصطنع وهي تضحك:

“طب ما ليه حق.. ده أنا نفسي بتأملك يا لولو! ​ضحكت ليالي، وقضيا بعض الوقت عبر الهاتف يتحدثان بمرح في كافة المواضيع حتى تسرّب الدفء لقلبها. ​في الصباح. ​استيقظت ليالي على صوت زغاريط صاخبة تدوي من الأسفل. نزلت من غرفتها ببيجامتها المحتشمة، وربطت شعرها بإهمال وهي تقترب منهم بأعين ناعسة قائلة: “نفسي أصحي زي بقية خلق الله في البيت ده! ​تقدمت حورية منها وهي تزغرد بصوت عالٍ، ثم تحدثت بفرحة:

“بدر جاي.. هو ووالدك في الطريق، قدامه خمس دقائق بالظبط ويكون هنا! ​بالفعل، دخل بدر بعد فترة قصيرة الدوار، ومعه والد ليالي، وأخيها “ياسين”، وخالتها “صابرين” التي تبلغ من العمر أربعين عاماً ولم تتجوز الي الان. ​تقدمت منهم ليالي بلهفة واحتضنتهم بشدة: “وحشتوني أوي! ​ردت خالتها صابرين بمرحها المعتاد: “بصراحة أنتِ لا.. أصل كنا استريحنا من دوشتك ورغيك! ​نظرت لها ليالي بمرح مماثل:

“عادي.. لقيت ناس تانية هنا أمارس عليهم الرغي العقابي! ​ضحكوا جميعاً في أجواء دافئة، وتقدموا ليجلسوا في المندرة الكبيرة، حيث تحدث بدر بثقة وهدوء تام: “أنا يشرفني إني أناسب ناس أصيلة ومحترمة زيكم.” ​رد والد ليالي باحترام وتقدير: “يعلم ربنا يا ابني إني ارتحتلك من ساعة ما دخلت عليا البيت امبارح.. إن شاء الله تكونوا خير لبعض.” ​تابع بدر بعملية وحسم صعيدي:

“تسلم يا عمي.. استأذنك لو نكتب الكتاب النهاردة، والأسبوع الجاي يكون الفرح والزفة.. ووعد مني إني هعمل زفة الكل يتحاكي ويحكي بيها في البلد.” ​ضحك والد ليالي بحنو، ثم نظر لـ ليالي وقال: “أنا ميفرقش معايا الحاجات دي يا بدر.. أنا كل اللي عاوزه راجل صاين يحافظ على نور عيني.” ​نظر بدر نحو ليالي وقال بثبات: “هحطها في عيني وعلى راسي.. متقلقش واصل.”

​انقضى النهار سريعاً حتى أتى المساء المنتظر. كانت ليالي تنظر لنفسها في المرآة بهدوء وشرود؛ كانت ترتدي فستاناً أبيض محتشماً وراقياً، وتضع القليل من مساحيق التجميل الهادئة، وأسدلت شعرها بأكمله على كتفها الأيسر مع بعض الورود الصغيرة المنسوجة فيه بعناية. ​تكلمت صابرين وهي تنظر إليها بعينين تلمعان بالفرحة: “زي العسل يا حبيبتي.. ما شاء الله.” ​ابتسمت ليالي واحتضنتها بامتنان.

​دلفوا جميعاً إلى الأسفل؛ كان بدر يجلس في صدر المندرة بهيبة ووقار طاغٍ يليقان بكونه الكبير. كان يرتدي جلبابه الصعيدي المكوي بعناية، وشعره مصفف بطريقة جذابة، وعطره النفاذ يسبقه ليصل إلى أنفها ويثير توترها. ​جلست ليالي بجانب حورية، التي كانت ترتدي فستاناً أزرق هادئاً ومحتشماً، ووضعت طرحة بيضاء بنعومة على شعرها المسدول على ظهرها.

​كانت المندرة تخلو من دهب وهند وعائلتهما؛ فالموجودون هم بدر، الحاجة آمنة، حورية، صابرين، وياسين شقيق ليالي، ووالدها فقط. ​انتهى المأذون من مراسمه المعتادة، ومضت ليالي على الأوراق بأصابع ترتجف توتراً من مستقبلها المجهول الذي ينتظرها. ​انصرف المأذون، وبارك الجميع لهما، ثم تكلمت حورية بمرح ومشاكسة: “يلا يا بدر.. بوس رأس مرتك عاد! ​نظرت لها ليالي بأعين متسعة ومصدومة، ثم تكلمت بعفوية تامة أضحكت الجميع: “ليه.. هو أنا أمه؟!

​ضحكت صابرين بقوة ثم أردفت: “بكرة تبقي أمه ومراته وأخته وكل حاجة في دنيته يا ليالي.” ​كانت ليالي واقفة وسطهم تشعر بإحراج شديد يكسو وجهها، خاصة مع نظرات بدر العميقة المسلطة عليها. تقدم بدر منها بهدوء، ووضع يده خلف رأسها برفق، ثم طبع قبلة دافئة على جبينها ببطء شديد. لمعت أعين حورية بالسعادة، ونظرت لأمها الست آمنة لتجدها تبتسم هي الأخرى براحة. ​تكلمت ليالي بإحراج لتكسر الصمت:

“خلاص يا بابا.. قلبي راضي عنك وعن الجوازة دي! ​ضحكت صابرين ووجهت كلماتها لبدر تمازحه: “معلش يا بدر.. بنتنا دبش شويتين، دي لو قولتلها بحبك هتقولك شكراً ربنا يخليك! ​ابتسم بدر بخفة وهو يتذكر بعقله عندما قال لها من قبل إن أعينها جميلة، وردت عليه ردها البدائي. ​مرت الأيام سريعاً بدون أحداث تُذكر، حتى أتى اليوم الموعود.. يوم الفرح. ​في الصباح.. كانت ليالي، حورية، شمس، وصابرين في الغرفة يجهزن العروس. قالت

شمس بخبث وهي تغمز لحورية: “تعالي أرسملك تاتو يا ليالي.” ​لمعت أعين ليالي بفرحة طفولية وقالت: “موافقة.. هترسمي إيه؟ ​أردفت شمس ببراءة مصطنعة: “اسم بدر.” ​رفعت ليالي حاجبيها بصدمة ونهرتها: “وده ليه إن شاء الله يا ختي؟! ​”جوزك وكده.. دلعيه.” ​شاركتهم حورية الحديث بحماس: “أيوه يا ليالي.. ياريت ترسمي اسمه بالبنط العريض ! ​نظرت لهما ليالي بأعين ضيقة غاضبة، وكانت تريد الاعتراض بشدة لولا وجود خالتها صابرين معهما

التي نطقت مؤيدة للفكرة: “أيوه يا ليالي.. حركات عرايس، وأكيد هيفرح بيها.” ​تحججت ليالي: “بس أنا مبحبش التاتو.” ​نغزتها شمس في كتفها ضاحكة: “يا كذابة! بلاش أقول أنتِ عاملة كام تاتو لغاية دلوقتي! ​أردفت ليالي ببراءة: “دي حنة! ​”تاتو حلال يعني! واللي هرسمهالك دي برضه حنة.. يلا اخلصي خليني أشوف هرسمها فين.” ​نظرت لها ليالي بأعين راجية متوعدة، ثم تقدمت منها تهمس في أذنها بتهديد منخفض:

“لمي أيامك معايا يا شمس.. بدل وربنا لأرقع بالصوت الحياني دلوقتي وأقول إنك أنتِ اللي صورتينا! ​لم تتأثر شمس بتهديدها بل أصرت على موقفها، ورسمت بالفعل اسم “بدر” على عظمة الترقوة بشكل مزخرف وجميل. وطبعاً، لم يخلُ النهار من سباب ليالي لشمس وحورية وسط ضحكاتهما. ​في المساء.. كان الدوار بأكمله كامل الزينة والأناقة؛ الأنوار تتلألأ والكل يضحك ويشاركون الأغاني الصعيدية الصاخبة، منتظرين ظهور العروسين.

​في الطابق العلوي، كان بدر في غرفته مع فهد وياسين يمزحون ويستعدون. قال فهد ضاحكاً: “شرفنا انهارده يا عريس.” ​تكلم ياسين بحدة مصطنعة: “بس ياض.. العروسة تبقى أختي، راعوا مشاعري شوية! ​أما بدر، فكان في عالم آخر تماماً.. متلهفاً وشغوفاً لرؤيتها بفستانها الأبيض وزينتها التي وُضعت لأجله الليلة. لكن فجأة، أتى صوت عقلاني مزعج داخل رأسه يقول: “متنساش إن كل ده تمثيلية يا بدر.” ​أفاق من شروده على شجار ومزاح عنيف بين ياسين وفهد،

فنطق بقلة صبر وهيبة: “أنا حاسس إني قاعد مع عيال أختي.. ما تسترجل ياض منك له عاد! ​أتى وقت نزول العروسين إلى الساحة. نزل بدر أولاً، وارتفعت أصوات ضرب النار الكثيفة في السماء ترحيباً بكبير العيلة. نزلت ليالي بعده بفستانها الأبيض البسيط وطرحتها الطويلة، ممسكة بيد والدها بقوة وهي تنظر لجموع الناس بخوف وتوتر. ​تقدم بدر من والدها واحتضنه باحترام، ثم تكلم الوالد بنبرة مؤثرة: “أوعى يا بدر تجيلي معيطة في يوم.”

​”متخافش يا حماي.. في عيني والله.” ​تقدم بدر منها وأمسك يديها برفق، فارتعشت أوصالها وتحدثت بصوت هامس خافت لم يسمعه غيره: “مكنتش وقعة سودة دي اللي تعمل فيكي كده يا ليالي يا حبيبتي.. أنا اتعملي عمل إيفكورس اتعملي عمل! ​ابتسم بدر على هماساتها الطفولية، واندمجوا مع المعازيم والمباركات حتى انفضّ السامر وبدأ الدوار يهدأ من صخب الأغاني والناس. ​تكلمت صابرين وهي تتثاءب بتعب:

“يلا يا جماعة تصبحوا على خير.. ليلة لذيذة والله، نروح ننام بقى.” ​ردت الست آمنة: “معاكي حق يا خيتي.. يلا يا بدر، خد عروستك واطلعوا أوضتكم.” ​اندفعت ليالي سريعاً بتوتر: “لأ! .. قصدي ليه؟ خلينا قاعدين شوية مع بعض! ​غمزت لها شمس وقالت: “أنا ماشية يا عروسة عندي شغل الصبح.. يلا ألف مبروك يا لولو.” ​بدأ الجميع بالانصراف صعوداً لغرفهم، وتوجه بدر إلى غرفته الكبيرة وهي تسير خلفه بخطوات متباطئة تكاد تحملها.

​دخلا الغرفة، وأغلق بدر الباب خلفهما بهدوء، ثم تقدم منها وعيناه شبه منغلقتين بتركيز شديد.. قال بنبرة دافئة وعميقة: “أنا شايف حاجة كده مش ولابد مرسومة على رقبتك! ​لعنت ليالي شمس في سرها مئة مرة، ثم أردفت ببراءة مصطنعة متوترة: “حاجة.. حاجة إيه؟ ​اقترب بدر أكثر، وركز عينيه على عظمة الترقوة، ثم نظر لها نظرات حارقة ومندهشة لم تفهم مغزاها. وتساءل بنبرة هزت كيانها: ​”ده.. ده اسمي؟!! …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...