رواية في حمى البدر الجزء التاسع 9 بقلم ليلة في حمى البدررواية في حمى البدر الحلقة التاسعة “هند! نطقتها ليالي ببطء فتقدمت منها هند ببرود وعيناها مليئة بالشر: “أيوه هند، هند اللي أنتِ سبب في موت إخواتها.” نظرت ليالي برعب للسلاح الذي في يديها ونطقت بتحذير ممزوج بالخوف: “طب بس استهدي بالله، أنا لسه قايمة من طلقة وجسمي مش قدكم يا كفرة! ضحكت هند باستخفاف ونبرة حاقدة: “مش عارفة أنتِ فيكي إيه مش في خيتي عشان بدر يختارك!
نطقت ليالي بسرعة محاولة تهدئتها ومماطلتها: “معندوش ذوق.. آه والله زي ما بقولك كده! بقولك إيه اقعدي بس استهدي بالله وكل حاجة هتتحل.” ضغطت هند بقوة على السلاح وهي تتكلم بعنف أعمى: “بسببك خسرت إخواتي، وأمي منهارة في الدوار، وأبويا مكسور مش قادر يصلب طوله! بسببك خسرت حاجات كتير يا ليالي، وعشان دمهم اللي لسه بارد.. هخليكي تحصليهم، أنتِ مالكيش عيش في الدنيا واصل!
في هذه اللحظة، فُتح الباب بإشراقة دافئة، ودخل بدر وعينه تبحث عن زوجته، ليتجمد مكانه ويسقط الطعام من يده وهو يرى هند تصوب السلاح لصدر ليالي المرعوبة. ”هند..” تكلم ببطء شديد يحاول استيعاب الكارثة، فضحكت هي بسخرية وغل: “كيفك يا ولد عمي؟ بدل ما تقف مع عمك في عز كسرته فالدوار.. جاي إهنه لست الحسن؟ أخذ بدر نفساً وثبت عينيه عليها وهو يتقدم بخطوات وئيدة محذرة: “نزلي السلاح يا هند.. أنتِ عتعملي إيه؟؟!
لكن هند تراجعت خطوة وأرجعت السلاح لليالي ثانية وهي تصرخ: “متجيش جنبي يا بدر! “طيب.. طيب اهدي ونزلي السلاح.” نظرت له بأعين دامعة مشحونة بذكرى شقيقتها الراحلة: “عتحبها للدرجة دي يا بدر؟ لحقت تحبها؟ نطق بدر بنبرة اعتراف خرجت بضعف وخوف حقيقي: “مش مرتي؟ كيف محبهاش! ابتسمت هند بوجع: “طب ودهب؟ “دهب كانت بت عمي وأنا معشمتهاش بحاجة يا بت الناس، هي اللي عاشت في أوهام من زمان وكل مرة كنت عحاول أفوقها.”
كان بدر يتكلم بهدوء شديد وعيناه تحاصران هند ليشتت انتباهها، واقترب خطوة سريعة محاولاً إبعاد يدها عن ليالي.. لكن هند كانت الأسرع؛ تملّكها الجنون وضغطت على الزناد لتنطلق رصاصة غادرة مباشرة نحو صدر ليالي! توسعت عينا بدر بصدمة، واحمرت مآقيه من هول تعب وصدمات اليوم التي لا تنتهي. أما هند، فصوت ضحكاتها الهستيرية ملأ الغرفة وهي تنظر ليدها ولليالي بنبرة جنونية:
“جبتلك حقك يا دهب.. جبتلك حقك يا حبيبتي، موتها زي ما كنتِ عاوزة! تجمع الأطباء والممرضون بهلع في الغرفة وأمسكوا بهند التي كانت تضحك بشماتة وتنظر لبدر.. بينما بدر كان في عالم آخر. خطا خطوات مكسورة نحو السرير، ينظر لليالي المغمضة عينيها بهدوء شديد، فهمس بنبرة انشطر لها الحجر: “ليالي.. مصممة تسيبيني برضه؟ ارتمى بجانبها، وهربت من عينيه دمعة قهر تترجاها: “ليالي متسيبينيش.. أنا بحبك!
كان حديثه بسيطاً، لكنه يحمل روحاً تلتجئ لروحها. كانت هند تضحك في الخلفية والممرضون يكتمون دموعهم بصعوبة وهم يرون “كبير البلد” يجلس على الأرض بكسرة بالغة، ينظر لزوجته كطفل ينتظر أن تأتي أمه وتنقذه من كابوسه العنيف.
شاع الخبر في النجوع كلها.. خبر موت الدكتورة ليالي الذي هز كيان الصعيد بأكمله. دفنها بدر تحت التراب، وانحنى يمسح على القبر بحنو بالغ ومؤثر شهده الجميع، وبداخله شيء أكبر بكثير من مجرد الوجع.. كان يحمل سراً لا يعلمه إنس ولا جان. بعد مرور سنتين.. هدأت القرية واستقرت أحوالها، وطويت صفحات الدم. حورية تزوجت من ياسين الذي ظل بجانبها طوال فترة حزنها حتى أخرجها لبر الأمان ووقع في حبها وتزوجها وسافر بها إلى القاهرة.
أما هند، فقد انتهى بها المطاف محتجزة في مستشفى الأمراض العقلية بعد أن فقدت عقلها تماماً برفضها لموت إخوتها. ووالدها عدنان لحق بأولاده ومات بقهرته وحسرته. بينما تركت والدتهم الدوار والبلدة بأكملها وعادت لبيت أبيها في قرية بعيدة. أما آل مهران.. فقد وقعوا في شر أعمالهم بعد أن أبلغ بدر البوليس عن شبكتهم الكبيرة لتجارة المخدرات والسلاح غير المرخص، ليمحوا وجودهم تماماً.
أما بدر.. فما زال هو “الكبير” الذي يهابه الجميع ويعيد حقوق الضعفاء، لكنه أصبح أكثر حدة، لا يبتسم ولا يتحدث إلا في العمل والآراضي والمصانع. وفي ليلة هادئة، بعد أن أنهى عمله الشاق، توجه بدر نحو شقته، وضع مفتاحه في الباب وفتحه بهدوء. دخل بثقة، وأغلق الباب خلفه، وفي تلك اللحظة فقط.. خلع وجهه الصلب وملامح الحدة، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة للغاية عندما سمع ذلك الصوت العذب القادم من المطبخ: ”أنت جيت يا كوتي؟
اتسعت ابتسامته وهو يرجع بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤوم في المستشفى.. قبل سنتين وتحديداً في غرفة المستشفى: ”بدر..” أصدر بدر صوت همهمة خفيفة وهو يضع رأسه على كتفها بتعب. “أنت لسه صاحي؟ أومأ برأسه دون أن يفتح عينيه. “طب أنا عاوزة أكل.” حرك رأسه باعتراض وتشبت بها أكثر: “طب شوية إكده.” ضحكت ليالي بمرح: “يا راجل عاوزة آكل اتقي الله! ده أنا ست عيانة ومريضة ومضروبة بالرصاص! رفع عينيه يتأمل وجهها وما
زالت رأسه مستندة لكتفها: “طب لو جبتلك اكل وجيت.. عتخليني أقعد إهنه تاني؟ “آه يا كوتي هخليك تقعد هنا تاني.” ضحك بدر، وأرجع خصلات شعرها للخلف وعدل جلسته أمامها بجدية تامة: “عاوزك تسمعيني كويس يا ليالي.. أنا متأكد إن هند مش هتسكت، دي شيطانة واكيد هتحاول تقربلك في أي وقت أنا مش جمبك فيه.” نظرت له بأعين خائفة، فوضع وجهها بين كفيه بحنان:
“اسمعيني زين.. هديكي واقي من الرصاص تلبسيه دلوك ومتقلعهوش واصل حتى لو أنا جنبك عشان تحمي نفسك.. متاخديش اكل ولا أي حاجة من حد واصل إلا مني لحد ما نخرج على خير.” أومأت بثقة وابتسمت: “وأنت؟ ابتسم لخوفها عليه: “لابسه متخافيش.. دلوك هساعدك تروحي الحمام وتلبسيه تحت هدومك، واديني موبايلك أسجل رقمي عشان لو حد اتعرضلك ترني عليا وتلاقيني في وشك.”
أمسك هاتفها وسجل رقمه وضغط اتصال ليتأكد، وبالفعل خرجت من الحمام بعد مدة وهي ترتدي الواقي تحت ثيابها الفضفاضة، ووضع الهاتف بجانبها وخرج وعنده راحة داخلية. ولم تمر خمس ثوانٍ حتى فتحت هند الباب بزي الممرضة وسلاحها.. هند التي كانت تراقبهما وتنتظر خروجه. ليالي بذكائها بدأت تماطل معها بالحديث وضغطت بسرعة على زر الاتصال لبدر دون أن تلاحظ هند. سمع بدر الحديث عبر الهاتف ولم يكن قد ابتعد؛ عاد راكضاً وقلبه ينبض برعب عليها.
وعندما أطلقت هند الرصاصة، اخترقت الثياب الخارجية لكنها صُدت بقوة الواقي فلم يظهر أي دم، والصدمة والخوف جعلا ليالي يغمى عليها لتكتمل الخدعة! لمح الطبيب عدم وجود دماء ونظر لبدر باستغراب، فأومأ له بدر بسرعة ليفهم الخطة، وأوهموا هند والجميع أنها ماتت. طلب بدر من الطبيب في السر استخراج تصريح دفن لأي ميت فقير ومجهول في المستشفى ليتكفل بدر بدفنه على أساس أنها
ليالي، وافق أهل الميت بسبب ضيق حالهم، وأخبر بدر بالأمر والدته وحورية ووالد ليالي وأخيها الذين أعجبوا بذكائه وقرروا إبعادها تماماً لتنعم بحياة هادئة. ونقلها بدر إلى شقة سرية في القاهرة مقنعاً إياها بترك عملها قائلاً: “كفاية عليكي قلبي المريض بيكي.. عالجيه هو أولى من الغريب” ،ووافقت هي بحب فضّلت فيه بيتها وزوجها.
_أفاق بدر من ذكرياته على صوت صراخ ليالي العالي وهي تجري خلف ابنهما الصغير “فهد” الذي يبلغ من العمر سنة ونصف، وتتحدث بوعيد: “هات الفرخة أحسنلك يا فهد الكلب! هقول لأبوك يربيك يا حرامي يا ابن الحرامية! ضحك بدر من قلبه، وتقدم وجذبها يأخذها في حضنه الدافئ وقبّل رأسها بسعادة غامرة: “اتوحشتك يا مرتي.” ضحكت ليالي بخجل وقد اشتعلت وجنتاها حمرة:
“وأنت كمان يا بدوري.. غير بسرعة هدومك بقى عشان الحرامي ابنك هيخلص الفراخ قبل ما ناكل! ضحك بدر بصوت عالٍ هز أرجاء الشقة: “خليه يخلص براحته.. ابن الكبير ميتعزش عليه غالي.” نظرت له ليالي بغيظ طفولي وابتعدت عنه: “خلاص.. ابقى حمرلنا أنت فراخ تاني بقى وهقعد أنا أستناك! توجه بدر نحو الحمام وهو يبتسم، ودخل، ولم تمر دقيقتان حتى فتح الباب مرة أخرى وتحدث بعصبية : “ليالي! مليون مرة أقولك آجي ألاقيكي مجهزة الحمام!
نطقت ليالي ببرودها المعتاد ومرحها المشاكس الذي يجدد روحه كل يوم: “اعمله لنفسك أنا مش فاضيالك.. كفاية عليا ابنك! أغلق بدر الباب بقوة، ونظر لنفسه في المرآة وابتسم رغماً عنه.. ودق قلبه بحمد شديد لله على هذه النعمة، داعياً أن يديم الله عليه ليالي وعنادها ومرحها، الذي جعل لبيته روحاً.. ولحياته معنى. النهاية🥺. تمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!