في تلك اللحظة كان عامر يشاهد مراسم الاعتراف بحفيده وشعر بـأن كرامته تحثه على المشاركة لكنه تردد.. هل يخرج ماله الآن هل ستقبل منه ملوك وهي التي أعطته الخمس مئة جنيه منذ قليل كإهانة؟ عامر حط إيده في جيبه يلمس المحفظة ويبص لملوك يلاقي عيونها ناشفة فيسحب إيده بـهيبة مكسورة ويكتفي بنظرة طويلة للطفل فيها وعد إنه هيكون هو السند الفعلي بعيدا عن المظاهر.
استدارت وأخذت عمر من الجد هنا سالت دموع نجوان متأثرة بالموقف وهمست بقلب صادق..... طب اجعدوا شوية نروح تباتو معانا الليلة الدار واسعة وتشيلكم فوق الراس. نظرت ملوك لعامر بطرف عيونها بنظرة باردة كالثلج وقالت... نبات لا معلش.. الفندق بنرتاح فيه أكتر. ربنا يتمم شفاه على خير.
وأخذت عمر ورحلت بخطوات واثقة تاركة خلفها دموع الجد التي نزلت بحرقة وعامر الذي يقف وقلبه يحترق بلا هدف يشعر لأول مرة أن سطوته انكسرت أمام كبرياء هذه المرأة.
خرجت ملوك من غرفة الجد سعفان وهي تشعر بـثقل الجبال فوق صدرها كانت تسير بخطوات ضعيفه وعيناها مثبتتان على الصغير عمر النائم بين يديها. عيونها دامعه تجاهد ان لا تنزل تريد أن تختلي بنفسها احست بضعف يجتاحها فهيا وحيده وسط تلك الغيلان. لم تلحظ ذلك الظل الذي ها بهدوء حتى كادت أن تتعثر في طرف سجادة الممر.
في ثانية واحدة كان عامر قد استبق السقوط لم يمد يده ليمسك ذراعها فحسب بل حاوط خصرها بذراعه القوية ليدعم وقفتها ورفعها إليه بينما يده الأخرى امتدت بسرعة البرق لتسند ظهر الصغير عمر وكأنه يحميه بكيانه. تسمرت ملوك مكانها وأنفاسها تسارعت حين شعرت بحرارة كفه تخترق قماش ثيابها حاولت الابتعاد وهي تهمس بحدة مهتزة... أوعى.. سييب.
لكن عامر لم يتحرك إنشا واحدا بل مال برأسه نحوها لدرجة أن خصلات شعره لامست جبينها.. وهتف بنبرة منخفضة خالية من أي جبروت لأول مرة.. واضح جوي إنك بتمشي لوحدك.. لدرجة إنك كنتِ هتاجعي إنتِ والواد على نفوخكم. نظرت إليه ملوك بتحد فاصطدمت عيناها بنظرة في عينيه لم ترها من قبل. نظرة هادئة حزينة . وقبل أن تنطق وجدته يمد يده الأخرى بعفوية لمس دمعة كانت قد علقت بطرف جانبي برمشها دون أن تدري فاشاحت بوجهها بعيدا...
وهتف بخشونة حانية.. جولتي للجد إنك عارفة في الأصول.. والراجل اللي بيعرف في الأصول مابيسيبش حريمه يمشوا في ضلمة الليل ودموعهم سابجاهم.. هاتي الواد ويلا جدامي على العربية ومن غير ولا كلمة يا ملك. نظرت إليه ملوك بهدوءٍ غريب هدوء ما قبل العاصفة.بنظرة كلها انكسار ممزوج بتحدي مرعب... إيه يا سيادة المستشار مصر توصلني لتكون خايف عليا.. خير يا رب .. لا بجد خايف عليا ولا خايف على شكلك؟
الناس هتقول الباشا ساب لحمه في انصاص الليالي. ابتسمت بسخريه فجع.... بس قولي يا عامر بيه.. أنا لو مت دلوقت ابني ده مصيره إيه عندك.. هترميه في ملجأ. ولا هتسيبه يتلطم في الشوارع يشحت لقمته عشان ما يلوثش اسم عيلة الراوي بوجوده؟ عامر بصدمة لجمت لسانه ونظرة ذهول... إنتِ بتجولي إيه.. إيه الخرف ده؟ ملوك بنبرة حادة تقطر وجع...
مش خرف دي الحقيقة اللي إنت مداريها ورا هيبتك.. أكيد هتقول بركة إنها غارت بمصيبتها. وسكة واتقفلت والهم انزاح. بس عارف أنا قبل ما أموت هكون محفظة ابني كلمة واحدة.. هقوله موت من الجوع يا عمر. نام على الرصيف.. كل طوب.. ولا ترجع تاخد منهم مليم واحد.. هقوله موت بكرامتك يا ابن ملك الهاشمي ولا تذل نفسك لناس معندهاش قلب ولا رحمة وشايفينك عيبة في حقهم..
عامر وعيناه تشتعلان بوجع ونغزة في صدره.. كفاية عاد.. كفاية كلام يسم البدن.. انت ايه مابتهمديش. حريجه واتحدفت علينا. تنهدت واستدارت... مابهمدش وحرقه ... لا ههمد اطمن أنا يوم آتنين وهمشي.. والطريقه هتنطفي ربك هيطفيها بمعرفته... سلام يا باشا. هنا التمعت عينا عامر بخوف مفاجئ خوف لم يعهده من قبل فكرة أنها قد تمشي الآن ولا تعود أبدا جعلت الدماء تجمد في عروقه فهتف بنبرة مهتزة من فرط قلقه...
عايزة تمشي وتهربي صوح عايزة تخرجي من اهنه وماترجعيش واصل؟ رفعت ملوك رأسها بكبرياء وقالت بصدق جارح... أهرب؟ أنا مابعرفش اهرب ولا عمرى عملتها وأظن إني اديتك كلمة إني هفضل لحد ما جدك يقوم بالسلامة ونفذتها.. ملك الهاشمي كلمتها عقد. ساد صمت مميت عامر كان يتنفس بصعوبة وصدره يعلو ويهبط من فرط الصدمة والغيرة والتملك الذي لا يفهمه. أرادت ملوك أن تنسحب وتنهي إلا أن عامر لم يستسلم.. فاجأها بحركة لم تحسب لها حسابا.
حركة عفوية ومباغتة مد يده وقبض على كفها الصغير لم يكتف بلمسها بل سحب يدها وحواطها بين كفيه القويتين وكأنها عصفور يخشى فراره. وبيده الأخرى أخرج من جيب سترته قلمه الفخم. ذلك القلم الذي يشهد على أحكام القانون وهيبة المستشار ووضعه في كفها وأغلق عليه أصابعها برفق وهو يهمس.. ده قلمي اللي بمضي بيه الأحكام.. القلم ده مابيفارجش جيب صدري واصل. مختوم باسمي.. خليه معاكي.. أمانة....
عمر مالهوش ملجأ ولا شارع يلمه طول ما القلم ده في يدك.. القلم ده يعني إن عامر الراوي رهينة عندك ولما تعوزي ترجعيه السرايا مفتوحة لصاحبة الأمانة.. ومن غير ولا كلمة عاد.. ولما تعوزي ترجعيهولي عمار وعامر هيكونوا مستنيينك في السرايا.. القلم ده غالي عليا جوي يا ملك وعايزه يرجعلي.. ومعاه صاحبة الأمانة.
نظرت ملوك للقلم في يدها ثم لعينيه اللتين تشتعلان بنار غير مفهومة وشعرت بقلبها يدق بعنف لم تعهده وكأن هذا القلم لم يكن مجرد جماد بل كان قيدا سلبها القدرة على الهروب.. تسمرت ملوك في مكانها وشعرت بذهول شلّ أطرافها. نظرت إلى يدها المحبوسة بين كفه وإلى القلم شعرت بقلبها يدق بعنف كطبول الحرب وكأن لمسة كفيه قد اخترقت كل حصونها المنيعة.
في الخارج كانت مليكه جالسة على أحد الكراسي البعيدة منكمشة على نفسها وعمار يقف بعيدا يراقبها بنظرات حادة كالأسد الذي يحاصر فريسته. بمجرد خروج ملوك اندفعت نحوها وأمسكت يدها كطفلة صغيرة تحتمي بأمها. همت ملوك أن تستدير وتخرج من المستشفى لكن عمار تحرك بسرعة البرق ووقف سدا منيعا أمام طريقهم. التصقت مليكه بظهر ملوك وهي ترتجف. فوقفت له ملوك بصلابة ورفعت رأسها بتحد قائلة... نعم خير يا رب.. في حاجة تانية نسيتوا تعملوها فينا؟
اندلع البركان في ممر المستشفى وعمار فقد كل ذرات صبره وهو شايف مليكه بتهرب من نظراته وبتتحامى في أختها كأنها شايفة ملك الموت. هتف عمار بغضب وصوته بيرج المكان.. على وين أكده لحالكم في أنصاص الليالي؟ ردت ملوك ببرود وتحد.. وإنت مالك على فين دي ما تخصكش. اشتعلت عيونه وهجم خطوة لُقدام وهو بيجز على سنانه... اتلمي واتكلمي عدل بدل ما أعرفك إني مين واصل.
التصقت مليكه بضهر ملوك وهي بتترعش برعب حقيقي المنظر ده جنن عمار ما بقاش مستوعب ليه البنت دي بتخاف منه كدة فصرخ بهياج.... إنتِ مكموشة ليه أكده.. إيه.. هاكلك ولا هعضك محسساني إن إني غول ولا وحش هاكلك. الممرضة وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت بحرقة.. جرى إيه يا أستاذ إنت كل شوية زعق وزعيق.. مش كفاية فركشت جوازة البت الجمر دي وجهرت الدكتور أحمد اللي كان هيموت عليها؟ عمار عيونه طلعت نار وصوته بقى زي الرعد...
نهار أبوكي إسود إنتِ عايزة تشجطي البت للزبالة اللي جوه؟ الممرضة صرخت فيه... أشجط إيه ياجدع عايزة أسترها والدكتور أحمد لجطة طول بعرض وجمر بالله عليكي يا أبلة توافجوا. ده واد مايتسابش. هنا عمار فقد النطق وبقى يلف حول نفسه زي الحلوف المذبوح وهتف بكلام ملوش علاقة بالمنطق من كتر الغيرة... تستري مين يا ولية يا خرفانة .. إنتِ جاية المستشفى تعالجي الناس ولا جاية تعملي خاطئه دا ايه النصايب دي.
ملوك صرخت فيه.. إنت مالك يا مجنون إنت أختي توافق تتجوز تتهبب.. إنت بتدخل ليه؟ عمار حس بجلطة وبقى يهلوس بكلام جنوني.... لاه... ماليش كيف؟ إنتِ إيه؟ جاية ومعاكي أختك جاينلنا وإلا جاية تجوزيها ... إيه؟ هو إحنا تكملة عدد ؟ ماهتتجوزوش واصل.. على جثتي.. ملوك صرخت بذهول... إنت بتقول إيه يا متخلف إنت واعي لكلامك؟ عمار كمل بهياج وهو مش شايف قدامه... واعي ونص .. إنتوا جايين تاخدوا رجالتنا جايين تتجوزوا وتتمرقعوا في الممرات؟
يمين الله لأكون كاتم نَفَس الدكتور أحمد بتاعك ده لو فكر يقرب منها. دموع مليكه نزلت بغزارة وقبضت على هدوم أختها وهي بتهمس بصوت مرعوب.. أنا خايفة.. مشيني . اهتاج عمار أكتر والدم ضرب في نفوخه اندفع وشد مليكه من ورا ضهر ملوك بعنف وهو بيزعق.. من إيه عملتلك إيه بتخافي مني ليه انطجي. صرخت ملوك وهي بتحاول تخلص أختها من إيده.. إيدك يا حيوان.. إنت اتجننت؟ سيبها.
صرخ عمار وهو لسه ماسك مليكه اللي كانت بتشهق من الخوف.. لاه.. هي محسساني إني هجتلها ليه إني مابتعاملش أكده مابحبش حد يبص لي النظرة دي. ملوك بدأت تضربه بإيدها عشان يسيب أختها ومليكه في حالة انهيار بتبكي وكل ما بتبكي عمار بيتهور أكتر ويمسكها أقوى وكأنه عايز يكسر خوفها ده بالقوة.
في اللحظة دي ظهر الدكتور ماجد من بعيد وشاف المنظر . عمار بجسمه الضخم بيمسك ملوك ومليكه بعنف. اندفع ماجد زي الطلقة وبكل قوته دفع عمار بعيد عنهم وهو بيصرخ فيه... إنت انجننت إزاي تمسكها كدة إنت فاكر نفسك فين.. فيه ايه يابن الراوي . وقف ماجد حيطة سد قدام ملوك ومليكه وعمار عينيه اتحولت لكتلة نار وهو باصص لماجد والجو بقى مشحون علي وشك اندلاع خناقه كبري.
أعطت ملوك الصغير لأختها بحركة سريعة واندفعت نحو عمار كالإعصار صرخت بوجهه بصوت هز أرجاء المستشفى... أنا هعرفك يا عرة الرجالة وقبل. أن تصل إليه اندفع ماجد من الخلف واحتضنها بقوة ليمنعها من ارتكاب كارثة فهو يعرفها وهتف بذعر... اهدي يا اهدي. إحنا في مستشفي. كانت ملوك تتخبط بين يديه وهي تصرخ بجنون بينما وقف عمار ينظر لماجد بغضب وهتف... أنت تعرفها دي جايبه واحدة مخبولة بتبص لي كأني عفريت.. إيه هبلة إياك؟
ثم التفت لمليكه التي كانت تبكي بقهر طفولي فصرخ فيها بهياج... بتعيطي على إيه أنتِ مخبولة. طالعه من السرايا برخصه.. معاقه إياك. مالي إني فيا إيه ماتبصيلي عملالك إيه أنا. كان يحترق لأنها تراه وحشا وكلما زاد خوفها زاد هو في قسوة صوته ليغطي على وجع كبريائه. في هذه اللحظة خرج عامر من غرفة الجد ليتجمد مكانه والدم يغلي في عروقه رأى ملوك تحاول التملص من أحضان ماجد الذي يمسكها بشدة ويحاوط جسدها تماماً ليمنعها.
اندفع عامر كالثور الهائج وصوته زلزل المكان... بَعد يدك أنت اتخبلت بَعد يدك عنها. نظرت إليه ملوك وهي لا تزال في حالة هياج ولم تفهم سر غضبه فصرخت فيه.. إنت جاي تكمل علينا.. أوعى يا ماجد أنا هعرفه مقامه.. كلبش فيها ماجد أكثر خوفا عليها لكن عامر لم يحتمل رؤية تلامس جسديهما فاندفع وشد ملوك من أحضان ماجد بعنف شديد وصاح فيه... أنت اتخبلت إزاي تمسكها أكده
حاوط عامر ملوك بيديه من حديد ضاما إياها لصدره ليمنع حركتها وهتف بغضب أعمى في أذنها... اهدي وتلمي طايحتك دي يمين الله أكون كاتم نَفَسِك.. أنتِ مفكرانا إيه؟ صرخت ملوك وهي تحاول دفعه بلا جدوي كان قةبضا عليها الحديد..... أوعى يا حيوان ماسكني ليه كدة.. رد عليها عامر بفحيح غاضب... ما كنتِ محضونة من شوية اشمعني أنا إيه مابتحسيش؟
فجأة شق سكون الشجار صوتا مرعبا.. كانت مليكه قد وصلت لنقطة الانهيار شهقت شهقة طويلة وانقطع نَفَسها تماما وبدأت أطرافها تتشنج وهي تحاول التقاط الهواء دون جدوى. استدارت ملوك بذعر وصرخت... .... مليكااااااه ********* البارت 15.. الجزء الثاني....... .... مر الوقت ببطء حتى تنفس الصبح واستعادت مليكه وعيها لتجد ملوك تحتضنها بلهفة بينما دخلت نجوان لتضفي على الجو لمسة من المرح بطيبتها المعهودة.
وفجأة دخل الجد سعفان يتوكأ على حفيده عمار الذي كان يهتف به قلقا . . إيه يا جدي اللي جومك من فرشتك بس. رد الجد بنبرة مرتعشة . . عايز أشوف حفيدي يا ولدي خايف أموت قبل ما عيني تقر بيه. دمعت عينا نجوان وهي تطمئنه . . بعد الشر عنك يا جدي.. هتف عامر مقررا... خلاص هي وافجت تجعد معانا عشان خاطر أختها التعبانة. نظرت ملوك باستغراب لهذا القرار الذي اتُخذ نيابة عنها فنظر إليها عامر متحديا..
لكن الجد تعلق بها بلهفة . . صحيح يا بنتي؟ مش هتهملينا وما تسيبينا واصل؟ تنهدت ملوك بغلب فرغم قسوتها مع من لا يرحم إلا أن حنية هذا الرجل كانت تكسر حصونها. نظرت لعامر الذي كان يرمقها بنظرات تحد فهزت رأسها للجد . . خلاص يا حج سعفان هقعد بس مش كتير لحد ما تطمن على صحتك وهمشي وده آخر كلام عندي. استبشر الرجل خيرا . . على راسي يا بنتي واطمني ماحدش هيزعلك واصل. قالت ملوك وهي تتأهب للرحيل . . طيب يا حج هروح أجيب حاجتي بس.
ثم التفتت لنجوان محذرة . . خلي بالك من مليكه وعمر أمانة في رقبتك أرجع ألاقي حصلهم حاجة يا نجوان مش هيحصل طيب. اغتاظ عامر ورد بغضب . .... ليه؟ حد جالك إننا جتالين جتلة يا ست الناس؟ ردت بسخرية لاذعة . . لا إزاي ملوش حق اللي يقول كدة أبداً. انصرفت ملوك بينما عاد الجد ليرتاح بمرافقة عامر وظل عمار جالسا يراقب مليكه بصمت. هتفت نجوان بضيق . . ما تجوم تروح يا عمار جاعد ليه؟ البت تصحى تفزع من شكلك.
رد عمار بغيظ واندفع قاىلا بغضب . . وإني جاعد على جلبك يا نجوان؟ ما تسكتي هو إني هعضها ولا هاكل دراعها؟ قامت نجوان لتفقد الصغير عمر واكتشفت حاجته لغيار وليس معه شيء فخرجت تبحث في المستشفى تاركة عمار وحده يختلس النظر إلى مليكة . كان عمار يراقبها بصمت ثم قام بهدوء ووقف عند رأسها يتأمل ملامحها الرقيقة لم يعلم ما الذي حثه أن يخرج هاتفه والتقط لها صورة لتبقى معه .
فجأة دخل الطبيب فابتعد عمار فورا . . اقترب الطبيب متسائلا إن كانت قد أفاقت فهز عمار رأسه بنفي . . بدأ الطبيب يربت على خدها ويداعب وجنتها برفق ليوقظها. فأحس عمار بنيران الغضب تشتعل في صدره وهتف بحدة . . فيه إيه يا دكتور يدك الله لا يسيئك . قطب الطبيب جبينه مستغربا . . نعم بتقول إيه . تدارك عمار الموقف وهمس . . استغفر الله يا رب مابجولش كمل شغلك .
بدأت مليكة تفتح عينيها فبدت كالملاك الصغير . . طفلة ذو عيون عسلية براقة تلمع بشكل ساحر وأهداب طويلة كأهداب المها . . ابتسم الطبيب بحنان أمام هذا الجمال والرقي . . ظلت تطرف بعينيها تحاول استيعاب مكانها. فهمس الطبيب برفق . . فوقي يا جميلة إنتِ كويسة . احمرت وجنتاها خجلا وابتسمت برقة فسألها عما تشعر به . . همت أن تقوم فمسك الطبيب يدها ليساعدها.
وهنا اشتعل عمار داخليا وكتم أنفاسه بصعوبة خاصة وهو يرى نظراتها الحالمة والهادئة للطبيب . . همست مليكة بحنان . . أنا كويسة بس أختي فين . . رد الطبيب . . مش عارف بس الأستاذ أهو معاكي ماتخافيش . استدارت تنظر لتجد عمار واقفا أمامها فانتفضت رعبا وكلبشت في يد الطبيب وهي تحني رأسها وترتجف بشدة . . هتف الطبيب بقلق . . فيه إيه براحة مالك . .
هنا لم يعد عمار يحتمل رؤيتها تحتمي بغيره فهتف بخشونة . . مفيش يا دكتور بقت كويسة اتفضل إنت من سكات . واندفع ينتش يدها من يد الطبيب بعنف وهتف . . ويدك بقه مش ناجصين تحسيس الله لا يسيئك . . أمر الطبيب بالانصراف وهو يغلي . . خرج الطبيب بينما كانت مليكة تحس أنها ستموت رعبا .
حاولت مليكة الواهنة أن ترفع نفسها لتخرج وتهرب من حصار وجوده . . اندفع عمار ومسكها من خصرها ليدعمها فانتفضت بين يديه . . ولأول مرة التقت عيونهما في نظرة مباشرة .
كانت نظرتها في البداية مليئة بالرعب لكنها لمحت في عيونه نظرة غريبة أسرتها . . لم تكن نظرة غضب أو وعيد بل نظرة دافئة لم تفهمها جعلت قلبها يرجف بعنف . . هو أيضا تاهت عيونه في سحر عينيها وذاب جموده أمام نظراتها التي تحولت فجأة من الخوف إلى الحنان وكأنها وجدت ضالتها في الأمان الذي تفتقده . ظل عمار يشدها إليه من خصرها لتعلو نحوه قليلا وعيونهما غارقة في صمت طويل مليء بالمشاعر المتضاربة . .
فجأة انتفضت مليكة وكأنها استعادت وعيها من ذلك السحر الذي سيطر عليها عندما . دخلت ملوك الحجرة على أختها لتتسمر مكانها حين وجدت عمار يقترب من مليكة ويضع يده على خصرها . ارتعبت ملوك وهجمت عليه وهي تصرخ بجنون . . بتعمل إيه وعايز منها إيه . . إنت عايز تأذيها . . إنت مفكرني هسكتلك . . والله لأخرب بيتك وأجيبلك الشرطة .انت مش راضي ترتدع ليه منك لله.
كانت تدفعه بعنف وعمار في قمة غضبه فقد انتفض من سرحانه وشعر بالحنق من نفسه أكثر منها . . هم أن يتكلم غاضبا ليتفاجآ بمليكة تقوم مسرعة وتمسك يد أختها وتحتضنها وهي تهمس بصوت مرتعش . . ماكنش بيأذيني يا ملك. هدأت ملوك قليلا لكنها ظلت تنظر إليه بريبة . . أمال مقرب ليه كدة . . هو فاكرها سايبة .
هتف عمار غاضبا وهو يحاول مداراة ارتباكه . . كنت بعدلها يا ست الناس . . الهانم كانت هتجع من على السرير . . إيه كفرت . . مالك المس إيه وأهبب إيه . . هو إني طايجكم من أساسه . دمعت عين مليكة وأحنت رأسها بكسرة . . شعر عمار بغصة تزداد في حلقه ولم يتحمل رؤية حزنها فخرج ورزع الباب خلفه بقوة . اقتربت ملوك من أختها بقلق . . إنتِ كويسة . . عملك إيه الزفت ده . همست مليكة بصدق . . كويسة ماتخافيش . . والله ما عملش حاجة .
تنهدت ملوك براحة وتساءلت عن الصغير . . طب فين عمر . . في تلك اللحظة دخلت نجوان وهي تحمل الطفل وهتفت بمرح . . أهوه . . كنت بغيرله حبيب عمتو القمر ده تنهدت ملوك... طب يا نجوان خليكي جنب مليكه هروح أشوف الدكتور ماجد وجايه.. كانت ملوك بتمر جنب عامر وعمار من سكات من غير ماتبصلهم.. أخرج عمار محفظته بلامبالاة وهو ينظر إلى موظف الاستقبال القريب ثم التفت إلى عامر قائلا.. خليك اهنه يا خوي.. أنا هروح أدفع حِجرة مرت أخوك بالمرة.
انتفضت ملوك كمن لدغتها أفعى ووقفت حائلة بينه وبين المكتب وهي تهتف بعنف.. تدفع إيه إنت ماحدش هيدفع .. ولا مليم هيتدفع من جيبكم. توقف عمار وقطب جبينه باستغراب وسخرية.. مالك إنتِ فيه إيه أمال عايزة تدفعي إنتِ وإحنا واجفين دي تبقى عيبة في حجنا. صاحت ملوك بعنفوان... إنتو مين وتدفعوا لنا ليه من اساسه أنا هدفع لنفسي ولأختي ماليش حد يصرف عليا. احتدت نبرة عمار وهو يتقدم خطوة.. جولنا ماحدش هيدفع غيري اخلصي بقه مش عايزين شوشرة.
هنا تدخل عامر وصوته جهوري زلزل المكان وعيناه تشعان غضبا من فضيحتهم أمام الناس... بس.. بطلوا.. هتفضحونا والناس بتتفرج علينا أنا اللي هدفع أصلا مع السويت اخلصوا واجفلوا السيرة دي. نظرت إليه ملوك بتحد صارخ.. ماحدش هيدفع لي حاجة مش عايزة دفع من حد أنا مش قليلة. تركتهما بغضب واتجهت بعيدا لكن عامر اندفع خلفها وجذبها من ذراعها بقوة لياخذها بعيدا عن الأعين وهتف من بين أسنانه...
ما تتلمي بقه هتفضحينا أنا هدفع.. عيب أكده إما أكون موجود وتروحي تدفعي إنتِ. نظرت إليه بوجع حقيقي وقالت بنبرة مريرة... موجود؟ إنت مش موجود.. إنت بس خايف على شكلك قدام الناس.. إنا ما هسمحش لحد يدفع لنا عشان ما ترجعش تعايرنا وتقول دفعت فلوسكم من جيبي وعملت وسويت. ضغط عامر على يدها بقوة حتى كاد يحطم عظامها، وهمس بفحيح غاضب.. أعاير إيه يا مخبلة إنتِ دي أصول.. مافيش حرمة تدفع مليم طول ما الرجالة واجفة وسادة.
ضحكت ملوك ضحكة باردة مليئة بالسخرية والوجع وقالت وهي تنظر في عينيه مباشرة... حرمة.. دلوقتي بقيت حرمة وليها رجالة تسد عنها.. فين كانت الرجولة دي وإنتو سايبين أخوكم بعيد عنكم؟ فين كانت الأصول والفلوس اللي بتبعزقوها دي وهو مش لاقي وبيشتغل شغلانه واتنين.. وفر فلوسك يا سيادة المستشار اللي ما دفعش من دمه وحنيته ما يجيش يدفع من جيبه ويقول أصول. ضغط علي يدها بعنف....
إسمعي بقه أنا جبت أخري إنت حرمه فاهمه مافيش حرمه بتعمل اكده وخصوصا اهنه ماتخليش اتغابي عليكي شكلك وحش يابت الناس. احست بالقهر من كلامه شدت يدها ونظرت اليه نظره تشع وجع ومرار.. طيب ما تخليني حرمة.. خليني حرمة يا سيادة المستشار.. ريحني من الشيلة وخليك إنت الراجل الحقاني اللي بجد.. الراجل اللي يقف يسد مكاني ويجيب لي حقي. مش اللي ييجي يكمل عليا.. عامر سكت وبص لها بذهول وهي كملت بقهر:...
يا صاحب منصة العدل الحرمة الهادية اللي إنت بتدور عليها دي محتاجة ضهر تتسند عليه.. لكن أنا ماليش في الدنيا دي غير دراعي.. دراعي ده هو نصيبي وقدري وبقويه عشان إنت وغيرك ما تدوسنيش..انا آه قويه آه طايحه آه مش طبيعيه أو مش حرمة لأن ماحدش عملني حرمة.. لو كنت لقيت اللي يحميني مكنتش بقيت وابور يحرق في نفسه قبل ما يحرق اللي حواليه. ملوك قربت منه خطوة واحدة وقالت بكسرة..
الحرمة بتبقي هادية لما تحس بـ أمانها.. وإنت يا ولد الراوي كنت أول واحد يسرق الأمان ده مني.. فما تجيش دلوقت تعايرني إني شايلة دراعي وبحارب بيه.. كان واقفا كمن صب عليه نار جهنم أشعلت قلبه أكثر مما هو مشتعل. في تلك اللحظة اقترب ماجد متسائلا إيه الأخبار هتمشوا وإلا هتباتوا إحنا لسه ما كملناش كلامنا. ردت ملوك بوهن.... هبقى أكلمك يا ماجد وأحكيلك على كل حاجة سلام دلوقتي. هتف ماجد بنبرة ودودة....
طب إني هكلمك بالليل تذكر شيئاً فقال على فكرة أنا اتواصلت مع جامعة في ألمانيا عشان أعمل الماستر هناك وكنت حابب أناقش معاكي شوية حاجات بخصوص الشغل. تدخل عامر بحدة وعيناه تشتعلان غيرة.... وهيا مالها بشغلك يا ماجد إنت دكتور تناقشها ليه في شغلك هي مدرسة لغة ولا دكتورة زيك. ارتبكت ملوك من هجومه المفاجئ بينما تسمر ماجد وقطب عامر جبينه بريبة وهو يراقب نظراتهما. قال ماجد.... طب هوصلك هبقي استناكي تحت نصاية كده.
هتفت ملوك مسرعة لتنهي الموقف.... ماشي هبقى أكلمك يا ماجد وأنا تحت. وتركته ورحلت وعامر ينظر إليهم بغضب وبشك وحس أن هناك شيئاً خفياً يربط بينهما. بعد فترة كانت تنتظر ماجد في ساحة المستشفى ليقلها فتأففت من تأخره. اقترب منها ممرض قائلا بابتسامة.... الأستاذ مستنيكي في العربية هناك يا هانم بس بيجيب حاجة وجاي.
شكرته واتجهت للسيارة وأثناء اتصالها بماجد لتستفسر عن مكانه فوجئت بباب السيارة يفتح بقوة وارتمى عامر في مقعد القيادة وانطلق بها كالسهم. صرخت ملوك بذهول وهي تسمع صوت ماجد على الهاتف يطلب منها انتظاره.... إنت يا زفت إنت بتسرق عربية الراجل عيني عينك إنت قتال وحرامي كمان؟ أمسك عامر يدها وجذبها نحوه بعنف.... لمي لسانك ده المسألة مش سايبة هنا. دفعته ملوك بقوة.... لمة لما تشلك رجعني عربية الراجل منك لله. هتف عامر بجمود....
مكنتش عربية اللي خلفوه دي عربيتي أنا. برقت عيناها بذهول.... عربيتك إزاي وماجد قال إنه. قاطعها عامر بحدة.... إنتِ فاكرة إني هسيب حريمي يركبوا مع راجل غريب ونحنوح؟ اشتعلت ملوك غضباً بعدما فهمت اللعبة.... حريم مين يا عبيط إنت. إنت مفكرني إيه ماجد من بلدكم وعارفاه كويس روح اتعالج عشان عقلك فوت خلاص. هيبقي لا عقل ولا خلقه.
لم يحتمل عامر كلمات السخرية فاندفع بالسيارة وضغط على المكابح فجأة لتصرخ وهي تندفع للأمام لكنه وضع يده بسرعة كحاجز ليحميها من الاصطدام. توقفت السيارة وهي تلهث من الخضة لتجده يطبق على يدها بقوة ثم وبحركة مباغتة فتح أزرار قميصه وشد يدها بقوة ليدخلها تحت القميص و....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!