لازم اللي طنش التنويه السابق يقرأه + حسيت أغلبكم قفل بسبب الاقتباس عن الأحداث الجاية مش كده؟!
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
وكان الموقف كالآتي ملتصقتان في الجدار بجانب بعضهما في داخل هذه الغرفة الفارغة التي تم سحبهما إليها عنوة وقد كانت تبدو مثل الجراج الصغير، وأمامهما عدد من الرجال مثل حراس الأمن ضخام الجثة، يرفعون عليهما الأسلحة البارودية وكلاهما يشعران بالخوف من القادم
بل نور كانت تشعر بالرعب أكثر لذا تمسكت في ذراع شروق بقوة لا يعلمان من هؤلاء الرجال وبالطبع نيتهم ليست بالجيدة البتة
تصلب جسد شروق بجانب نور لأنها تتعرض لنفس الموقف للمرة الثالثة بينما الأخرى لم يكن حالها أفضل، فقط أنفاسهما المرتفعة هى ما تقطع هذا الصمت المخيف بجانب الأصوات المرتفعة القادمة من الخارج من الشجار الذي قد نشب فجأةً بين الناس دون سابق إنذار
ولجت امرأة خمسينية من الباب الموجود في الغرفة تمتلك خصلات شعر بنية مصبوغة ومربوطة للخلف، يبدو على هيئتها الثراء رغم ملامح وجهها الحزينة، لم يتعرفا عليهما بالطبع ولكن عندما ولج خلفها سعيد غانم علما أن القادم ليس بجيد
وللأسف لا أحد سوف ينجدهما هنا فحسن في الخارج وسط الشجار وعلى الأرجح هم من اختلقوا هذا الشجار لينشغل حسن بعيدًا عنهما، وأيضًا لا يستطيعا الصراخ بسبب هذه الأسلحة المرفوعة عليهما بتهديد واضح فلما يتجرءا حتى على الكلام
تقدمت والدة سليم منهما ولم تكن ملامحها تُظهر أنها تنتوي على الشر بل وكأنها كانت ترجو نور وحديثها التالي أكد هذا إذ قالت :
-انا مامت سليم يا مس نور
لم تجبها نور بل كانت تحدق في الأسلحة برعب حقيقي فقالت الأخرى آمرة الرجال بإخفاض الأسلحة :
-سعيد قولهم ينزلوا المسدسات انا عايزة اتكلم معاها مش جاية أهددها
أمر سعيد رجاله بأن يخفضوا أسلحتهم فقالت زوجته وهى تنظر إلى نور برجاء :
-انا اتكلمت مع المحامي بتاعك وطلبت منه أقابلك بس هو رفض فملقتش غير الطريقة دي أشوفك بيها
-عايزة ايه؟!
نطقت بها نور بقلق واضح فقالت الأخرى وهى تقترب منها خطوة :
-انا بطلب منك تتنازلي عن القضية وانا والله مستعدة أعملك أي حاجة بس بلاش ابني يتحبس
نظرت نور إلى شروق التي أصبحت تقف خلفها ثم عادت بنظرها إلى والدة سليم هاتفة بسخرية مبطنة بالقهر :
-مستعدة تعمل ايه؟! هتعرفي تنسيني اللي ابنك عملوا فيا مرتين مش مرة؟؟ هتعرفي تنسيني اللي جوزك عملوا فيا وخلى الستات في الحجز يضربوني لدرجة إنهم كانوا هيقتلوني، انتوا فضحتوني في كل حتة مبقاش فيه حد مش بيتكلم عليا
-انتي مش عايزة تبرئ نفسك؟! خلاص السوشيال ميديا كلها بتتكلم عن إنك مظلومة كفاية كده، لو روحتي المحكمة بكرة ابني هيتحبس
صاحت بها نور من قهرها قائلة :
-ما يتحـبــس أمثاله دول حيوانات المفروض يكونوا في الحبس فعلًا
لم يستطع سعيد أن يصمت عليها أكثر من هذا إذ قال بنبرة تهديدية :
-وانتي فاكرة إنك لو حبستي ابني انا هسيبك في حالك؟! ده انا هعمل فيكي ألعن من اللي عملته في الحجز، فعلشان كده اعقلي وأخرجي من القضية بالذوق بدال ما أخرجك بطريقة مش هتعجبك
عاد الخوف واحتلها مرة أخرى فقالت والدة سليم وهى تتمسك في كفها برجاء شديد :
-هو مش بيهزر اتقي شره يا بنتي واتراجعي عن القضية انتي مش قده
جذبت نور كفها من بين يديها صائحة برفض وقوة واهية :
-لأ مش هتنازل وانتوا لو عملتوا أي حاجة فيا دلوقتي هتزيدوا الطين عليكم انتوا مش عليا
أبعد سعيد زوجته من أمامها وقد انقلبت ملامحه وأصبحت مخيفة وبين ثانية والأخرى كانت خصلات نور أسفل يده إذ أمسك بحجابها بعنف فصرخت الأخرى متألمة، وفي المقابل صرخت شروق ولكن أصمتها أحد رجال سعيد عندما وضع ذراعه حول عنقها ويده الممسكة بالسلاح على رأسها
تحدث سعيد بتهديد غير مبالي بصرخات نور التي لن تصل إلى أحد بسبب أصوات الناس المرتفعة في الخارج :
-بلاش تتحديني أحسنلك انتي مش قدي زي ما هى قالتلك فهتتنازلي ولا امحيكي من على وش الأرض؟؟
صاحت شروق بسرعة رغم الموقف الذي به، ترفض أن تنصاع ابنة عمها خلفه وتتنازل عن حقها :
-لأ يا نور لو اتنازلتي هينزلوا هما ويقولوا اتنازلت علشان خافت تتفضح وتخسر القضية، ومش بعيد يقولوا إنك فوق ما انتي مفترية طبعًا اغرتيه وقلبتي الترابيزة عليه وقولتي اتحرش بيا، بفلوسه هيعمل أي حاجة علشان يطلع ابنه مظلوم
-سكت البنت دي
صاح به سعيد فأحاط ذلك الحارس بفم شروق واصمتها ولا يزال سلاحه فوق رأسها، عاد بنظره إلى نور المرتعبة تهز رأسها برفض وهى تدفعه بعيدًا عنها بذراعه السليم وكم كانت مقاومتها هذه تجعل آلام جرحها الحديث يزداد ولكنها لم تبالي بل صرخت به بروح فتاة مظلومة :
-مش هـتـــنـازل، ولو قتلتني انت اللي هتتلام وهيقولوا قتلها ودفن سرها علشان متفضحش ولده، الناس هتصدق الضحية اللي اتقتلت، ولو خلصت مني مش هتعرف تخلص من الناس وسمعتك هتبقى في الأرض، انت مش خايف على ولدك قد ما انت خايف على سمعـتــك
ضغط الآخر على فكه بعنف جاذبًا خصلاتها بقوة لدرجة أن حجابها قد فسد تمامًا :
-ومين قال إني هقتلك ده انا هخلي ابوكي وعمامك اللي فرحانة بعزوتهم هما اللي يقتلوكي لما أضيعلك شرفك دلوقتي وبدال ما تبقي اتعرضتي للتحرش هتبقى اتعرضتي للإغتصاب
حاول جذ حجابها ولكنها كانت تثبته جيدًا بيدها حتى لا يخلعه عنها فدفعها أرضًا بعنف لتطلق نور صرخات مرتفعة بعدما شعرت أن غرزها قد فُتحت وقد اصطدم ذراعها المكسور في الأرض الصلبة مسببًا لها آلامًا لا تطاق
بكت بقوة من شدة آلامها وهى تستمع إلى صرخات شروق المكتومة وهى تحاول الإبتعاد عن الرجل الذي يقيدها، وإلى صوت والدة سليم الخائف وهى تقول :
-سعيد مش كده، متفقناش على كده
صاح بها الآخر واخرسها تمامًا ثم نظر إلى نور التي أصبحت تتلوي أرضًا :
-انتي صعيدية مش كده!؟ واللعب في الشرف عندكم بالدم! تفتكري ايه هيكون رد فعل ابوكي وعيلتك لما ينزل فيديو حلو كده على كل مواقع التواصل الإجتماعي لبنتهم المصون وهى بتتعرض للإغتصاب، أعتقد حتى لو انتي مظلومة مش هيستحملوا العار وكلام الناس فهيخلصوا منك
-سعيد فوق إحنا عندنا بنت زيها
همست بها زوجته لا تصدق ما سيفعله زوجها والجبروت الذي وصل إليه فصرخ بها الآخر مرة أخرى :
-بس انتي اخرسي ما لو عرفتي تربي ابنك مكناش اتحطينا في الموقف ده
عاد بنظره إلى نور التي كانت تزحف بعيدًا وهى تضع يدها السليمة على جرحها الذي أصبح ينزف وعلى الأرجح أصبحت حالته أسوء من ذي قبل بعدما فُتحت غرزه :
-ها يا نور تتنازلي ولا اخدرك دلوقتي واخليكي في حضن واحد وانتي مش هتعرفي تقاومي للأسف من المخدر، وبدال ما تظهر كأنها اغتصاب هتظهر كأنها بالتراضي منك، ووقتها مش هيبقى عليا أي حاجة، وبدال ما تبقي ضحية في نظر الناس هتبقى واحدة رخيصة وهعمل زي ما قالت بنت عمك وهجيب شهود يقولوا إنك واحدة مش كويسة وكنتي بتغري الشباب ومستخبية وراء اللبس الديني المحتشم وتدينك، زي الإرهاب بالظبط يقتلوا الناس ومستخبين وراء دقن وسبحة
استندت بظهرها على الحائط بضعف بالكاد تستطيع التنفس والرؤية، ترى ابنة عمها تبكي بصوت مكتوم عليها، والدة سليم تطالعها بملامح مقهورة ولكنها لا تستطيع التحدث أو فعل شئ، سعيد يطالعها بملامح شيطان بجبروت وشر لم تراه من قبل في وجه بشري
هبطت دموعها بحسرة وضعف وإنكسار، وهذه المرة لم تكن مثل المرتين السابقتين فقد استطاعت الدنيا بظلمها وفي أسبوع واحد أن تكسرها ثلاث مرات متتالية
-شكلك مش ناوية تتنازلي يا نور
نطق بها سعيد بشر فنظرت له الأخرى برعب تراه يأمر أحد رجاله وهو يقول بنبرة جامدة وكأن الرحمة قد انتزعت من قلب هذا الرجل :
-خدر البنت دي وشوفلي كاميرا حلوة تصور اللي هيحصل
هزت رأسها يمينًا ويسارًا بشكل هستيري، ورغم أن الدموع قد شوشت رؤيتها تمامًا إلىٰ أنها صرخت بسرعة وهى تتكور على نفسها إذ ضمت قدميها إلى صدرها وإلتصقت في إحدى الزوايا وكأن الجدار هو من سيحميها من بطشه :
-خلاص هتنازل هتنازل، والله هـتنـــازل
سالت الدموع من عيني شروق لأول مرة منذ أن تعرضت لمحاولة قتل للمرة الثانية على يد كاظم، بكت على ابنة عمها وما تعانيه فهى تعلم الآن مقدار الرعب والفزع الذي تعيشه، ستعيش في صدمة غير قادرة على تخطيها مثلها
ابتسم سعيد بإنتصار على ما تفوهت به ورغم هذا هتف بنبرة متوجسة :
-شاطرة تطلعي من هنا على القسم تتنازلي وواحد من رجالتي هيكون معاكي في ضلك، لو جه الليل وانتي لسه متنازلتيش هجيبك تاني حتى لو رجعتي الصعيد وقعدتي وسط عمامك كلهم ووقتها انا مش هخيرك يا نور انا هنفذ علطول
أشار للرجل الذي يمسك شروق بأن يتركها ثم فتح الباب الجانبي الموجود في الغرفة وأشار إليهما بأن يخرجا، دفعت شروق ذلك الرجل بعيدًا عنها بعنف ثم اقتربت من نور التي كانت تنتفض في مكانها من الخوف والألم ثم ساعدتها على الوقوف والخروج من هذا المكان، دون أن تدرك أن الأخرى بدأ جرحها ينزف
اخرجهما هذا الباب من بناية مرتفعة ليصبحا بعدها في الشارع وقد هدأت الأجواء نوعًا ما وانفض الشجار، نظرت شروق حولها بحثًا عن حسن لتراه بعيدًا ينظر يمينًا ويسارًا بحثًا عنهما فقالت بسرعة وهى تحاول جذب نور معها :
-أهو حسن هناك تعالي نقوله
وهنا لم تعد نور تقوى على الوقوف ولا تحمل أي شئ آخر فعظام ذراعها وكأنها كسرت مرة ثانية بعد أن اصطدمت في الأرض بعنف، وجرح جانبها ينزف حتى أنها تشعر بدمائها الدافئة تسيل على بطنها
جلست أرضًا بضعف تطلق الآهات المتألمة لتهبط معها شروق قائلة بخوف :
متقعديش كده قومي يا نور نروح لحسن
أبعدت الأخرى يدها عنها وأبعدت سترتها ذات اللون الأزرق الغامق لتجد كنزتها الصوفية تلطخت بالدماء، بكت بقوة وهى تميل للأمام وقد تحول بكائها لصراخات مرتفعة جذبت انتباه الناس حولها ليتفقدوا عما أصابها
ابتعدت شروق أو انتفضت على المعنى الصريح عندما أبصرت الدماء في كفها وعلى كنزة نور، شعرت بنفس التجمد الذي تشعر به كلما رأت الدماء حتى لو كانت في مشاهد من مسلسل أو فيلم، تصاب بشلل يصمها ويخرسها، حتى أنها لم تنتبه على حسن الذي أخذ يدفع الناس من أمامه حتى يصل إليهما
جثى أمام نور محاولًا تفقدها ولكن عندما أبصر الدماء تلطخ كنزتها جذبها معه للأعلى صائحًا :
-قومي نروح المستشفى قــومــي
صرخت الأخرى صرخة مصحوبة بالتأوهات وهى تعود على وضعها أرضًا بينما خرج صوتها متلعثمًا مصحوبًا بنشيج البكاء :
-مش قاد... قادرة مش قــــادرة
وضع حسن ذراعه أسفل ركبتيها والآخر أسفل ظهرها ورفعها من على الأرض فزاد بكائها وهى تشعر أنها غير قادرة على التنفس من شدة الألم الذي تشعر به، بينما صاح الآخر في شروق المتصنم على الأرض أن تقف :
-شروق قومي وقفي عربية
لم يتلقى منها رد ولا انتباه حتى، ليأتي أحد الواقفين بسيارة أجرة حتى تنقل هذه المسكينة إلى المشفى فوضعها حسن بالداخل شاكرًا الناس ثم عاد إلى الجالسة أرضًا في غير عالم وجذبها بقوة فصاحت شروق بعنف وهى تدفع يديه بعيدًا عنها، وتنزوي زحفًا للخلف أسفل نظراته المصدومة من رد فعلها هذا
لم يدري ماذا أصابها بل لا يدري ماذا أصاب كلاهما في العشر دقائق التي مرت، فواحدة تنزف داخل سيارة الأجرة والأخرى منفصلة عن العالم وتجلس أرضًا وتحدق حولها بريبة دون وعي بما يدور حولها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
استقامت من مكانها وفي يدها هاتفها تاركة الجميع يتحدث فحتى الآن لا يزالا والدها وعمها حسين غير مستوعبين لكل الكوارث التي حدثت هنا، ويبدو أن كارثة أخرى قد حلت على رأس شقيقتها، إذ حين أجابت على هاتفها اتاها صوت حسن وهو يقول :
-عائشة هاتي أمك وبراءة وتعالوا على المستشفى اللي شغالة فيها براءة بس متقوليش لأبوكي وعمامك، لو سألوكي رايحين فين قولي نور وقعت وغرزها اتفكت فراحوا المستشفى يخيطوها تاني
أغلق معها دون إضافة أي كلمة أخرى فخرجت للبهو وقد كان ياسر موجود الآن وبما أنه هنا إذًا الأمر قد تم حله فياسر ذو شخصية دبلوماسية يستطيع إيجاد حل لكل شئ
جذبت والدتها معها وكذلك براءة فقال علي بتركيز لحديثهم الهامس :
-فيه ايه تاني؟ عايزين تخبوا إيه؟!
رفعت عائشة منكبيها وهى تهز رأسها يمينًا ويسارًا :
-مفيش حاجة حسن اتصل عليا وقال إن نور في المستشفى علشان وقعت والغرز اتفكت
-وهى وقعت فين مش نايمة جوا
نطق بها بحدة لكم المصائب التي تسقط على رأس ابنته من كل حدبٍ وصوب فقالت صفية وهى تقف أمام ابنتها مجيبة على زوجها :
-البت اتخنقت من القعدة قالت أنزل اقعد شوية تحت وشروق نزلت معها وطالما حسن هو اللي اتصل يبقى هو كمان معاهم
أعطى علي هاتفه إلى ياسر هاتفًا بضيق وقلق على ابنته :
-هاتلي رقم حسن وانتوا خشوا البسوا نروحوا نجيبوها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أغمضت عينيها بقوة حتى لا ترى منظر الجرح بعد أن فُكت غرزه، لتبدأ الطبيبة في إعادة تقطيبه بعد أن وضعت لها مخدر موضعي، لم تتحمل شروق رؤية الدماء وهى تخرج من جانب نور مع كل غرزة تخيطها الطبيبة فخرجت بسرعة من الغرفة هاربة من منظر الدماء
استقام حسن من مكانه عندما خرجت شروق من الغرفة ويبدو الفزع على وجهها فقال مستفهمًا وهو يقترب منها عدة خطوات :
-فيه ايه؟؟ حصل ايه جوا!؟
لم تجبه الأخرى بل اتجهت بخطوات واسعة نحو المرحاض الموجود في الممر واكتفت بقول :
-انا رايحة الحمام
لم يستطع حسن إيقافها حتى يعلم ماذا حدث بالداخل أو ماذا قد حدث لهما حين حدثت المشاجرة، يشعر أن عقله سيطير من رأسه لشدة التفكير فعاد وجلس مكانه كما كان، ضاممًا كفيه أمامه
رن هاتفه برقم شقيقه علي فسب بشكل تلقائي عائشة، ألم يخبر تلك الحمقاء ألا تقول لأحد سوى والدتها وبراءة، أجاب على هاتفه ليأتيه صوت علي الخشن وهو يقول :
-الو يا حسن حصل ايه لنورهان ووقعت إزاي!! وعارف هتكدب وتحور زي ما حورت في اللي حصل لعيشة وشروق
لم يستطع الكذب عليه وأيضًا لا يعلم ما الذي قد يقوله له وهو لا يعلم ما الذي حدث حتى، لذا اكتفى بقول ما حدث :
-كنا ماشيين في الشارع وعربية وقفت قبل ما تخبطنا، السواق طلع عفاريت الدنيا قدامه ومسك في خناقي انا، والناس اتجمعت علشان تفك العركة، معرفش الاتنين راحوا فين وسط العركة دي وبعد ما فضت قعدت أدور عليهم وفي الآخر لقيت الناس متجمعة حواليهم ونور عمالة تصرخ وتبكي وبطنها بتجيب دم، ركبتها تاكسي وطلعنا على المستشفى وحاولت اسأل شروق حصل ايه بس راكبها الخرس ومش عارف اخد منها كلمة
-طب انتوا في مستشفى ايه دلوقتي؟.
-في المستشفى اللي شغالة فيها براءة خليها تجيبكم وهاتوا صفية معاكم علشان نور من ساعة ما جينا المستشفى وهى بتقول عايزة أمي
أغلق مع علي ثم أتصل على إسماعيل حتى يأتي له فهو يعلم أنه يعمل في هذا المشفى أيضًا، وعندما آتاه إسماعيل قال :
-ايه يا خالي بتعمل ايه هنا؟ فيه حد تعب؟؟
أشار الآخر إلى غرفة الكشف التي يجلس أمامها ثم قال :
-نور جوا الغرز اتفكت والدكتورة بتخيط الجرح تاني ليها، اتصل انت على ولد عمك حمزة علشان مش معايا رقمه وهات أكلمه
فعل الآخر ما قاله وأعطاه الهاتف حتى يحادثه ثم وقف هو أمام غرفة الكشف وطرق الباب، ثم بعد دقيقة استمع لصوت الطبيبة تسمح بالدخول ثم خرجت هى من خلف الستار القابع خلفه الفراش الذي تجلس عليه نور بالطبع فهو يستمع لصوت تأوهاتها المرتفعة :
-نعم يا دكتور إسماعيل فيه حاجة!؟
أشار الآخر إلى الستار العازل ثم قال :
-اللي بتخيطي جرحها تبقى بنت خالي وكنت عايز اطمن عليها
-طب دقيقة اخلص خياطة الجرح علشان هى كاشفة جسمها اتفضل أقعد هنا
جلس إسماعيل على المقعد الأمامي للمكتب وعينيه على حسن خارج الغرفة إذ كان يتحدث مع حمزة بصوت حاد رغم محاولة لخفض نبرته، استمع لآخر حديثه وقد طلب من حمزة الحضور حالًا، وبعد أن انتهى ولج إلى الغرفة محدقًا في جميع الزوايا بحثًا عن نور أو الطبيبة فقال :
-ادخل يا خالي الدكتورة بتقفل الجرح
اقترب منه حسن وأعطى له الهاتف ثم جلس في المقعد المقابل له ثم بعض عدة دقائق خرجت الطبيبة وكشفت الستار لتظهر نور لحسن ممدة على الفراش بحالة مزرية ولا تزال تصدر صوت أنين
اقترب منها حتى يساعدها على النهوض فقالت الطبيبة بسرعة :
-لأ لو سمحت متحركاش الجرح حالته بقيت أسوء وهيسيب أثر عميق على المدى الطويل، ده غير دراعها المكسور اتخبط جامد ولازم تاخد إبرة مسكنة دلوقتي
نظر حسن نحو ابنة أخيه وقبل أن يسأل عن الذي حدث سبقته الأخرى ونادت بصوت خافت على إسماعيل عندما وجدته جالسًا، اقترب منها إسماعيل ثم هتف بهدوء وهو يطالعها بشفقة :
-ألف سلامة عليكي يا نور
ابتلعت نور لعابها الجاف وقد كانت حالتها مزرية بشدة، إذ كانت تحيط بذراعها المكسور وبالكاد تستطيع التحدث مع نهجة ألم :
-إسماعيل انت دكتور اديني حقنة منوم تخليني أنام للصبح
لم يفهم إسماعيل هذا الطلب الغريب منها إذ قال :
-اديكي منوم إزاي يا نور مينفعش اللي بتقوليه ده
هزت الأخرى رأسها بخفة مطلقًا تأوهًا خافتًا :
-انا تعبانة بدال المسكن ادوني مخدر ولا منوم وأنام علطول
-يا بنتي افهمي مش أي حاجة تطلبيها تاخديها، اللي بتطلبيه ده بيتاخد في العمليات أو في حالة انهيار عصبي حاد، أما انتي اخدتي مخدر موضعي وهتاخدي دلوقتي مسكن علشان دراعك وهتبقى كويسة والله
لم تكن نور تريد المنوم إلا لتخلد للنوم وترحم عقلها من كل هذا، تريد الهرب ولا توجد إلا هذه الطريقة :
-أفهمني انا تعبت ومش قادرة استحمل، جسمي كله واجعني ادوني منوم خلوني أنام، انا تعبانة تــعبـــانـة
صرخت بآخر جملة وعادت تبكي فاقتربت الطبيبة منها بسرعة قائلة :
-اهدي انتي عايزة ايه دلوقتي؟؟
تمسكت الأخرى في معطفها الطبي تصرخ بكل ما أوتيت من قوة، لا تعلم لما تصرخ هكذا ولكنها لا تشعر بأعصابها فكل الظلم والقهر الذي تشعر به يخرج منها على هيئة صراخ وبكاء :
-عايزة أنام ادوني حاجة أنام والله ما قادرة استحمل ارحموني بالله عليكم خلوني أنام
في حالة طلبها هكذا ليس عليهم الانصياع خلفها ولكن الطبيبة أحضرت بالفعل من خزانة الأدوية إبرة مخدر حتى تحقنها بها فقال إسماعيل برفض :
-مينفعش نمشي وراء كلام المريض يا دكتور إحنا هنهديها دلوقتي من غير منوم
وأجابته الأخرى بعملية وهى تسحب المحلول المائي من العلبة الزجاجية، ترى أن نور على شفا جرفٍ من الانهيار، فحين أتت كانت تبكي وتصرخ ثم صمتت قليلًا وها هى عادت للصراخ مرة أخرى :
-حضرتك مش شايفها يا دكتور؟؟ هى تكة كمان وهيجيلها انهيار عصبي فلازم تنام فعلًا علشان متأذيش نفسها
اقتربت منها ورفعت كُم كنزتها حتى تحقنها والأخرى كانت مستسلمة بالفعل وقد خفت بكائها إلا من الشهقات، أخرجت الطبيبة سن المحقنة ثم دلكت مكانها واخفضت الكُم قائلة :
-شوية وهتنامي وانا هنقلك اوضة عادية وتفضلي معانا لحد الصبح
أحاطت الأخرى بذراعها المكسور دون إضافة كلمة، ثم أدارت وجهها إلى الحائط فقال حسن وهو يعدل وجهها له مرة أخرى :
-طب اتكلمي وقول حصلك ايه قبل ما تنامي، أبو سليم اللي اسمه سعيد غانم ده عملك حاجة؟؟
رمق إسماعيل حسن بتعجب لسؤاله بينما الآخر نظر إلى نور ينتظر إجابتها، وبعد صمت دقيقة آماءت له ببطء والدموع اخذت تناسب على بشرتها بضعف وقلة حيلة فاعتدل الآخر في وقفته ثم قال بصوت حاد قوي :
-عملك ايه قولي؟!
لم يكن مفعول المخدر قد سرى في جسدها بعد، ولكن من الصراخ والبكاء تعب جسدها بشدة وشعرت بضعف شديد وثقل في جفنيها فرفعت يدها السليمة وتمسكت في سترته قائلة بصوت خافت :
-خلوكوا حوليا وجنبي متسبهمش يخدوني تاني يا حسن
تركت سترته وأسندت يدها على بطنها حيث تركت الدماء أثر على كنزتها ذات اللون الفاتح، ثم أدارت وجهها للحائط مرة أخرى واغلقت جفنيها ونامت، لا تدري أنامت من مفعول المخدر أم من التعب ولكن في كلتا الحالتين أغلق عقلها الستار وانفصل أخيرًا عما حوله...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ها هى تجلس داخل المرحاض منذ ما يقارب النصف ساعة، لا تفعل شئ غير انها تحدق أمامها في الفراغ وكلما أغمضت عينيها ترى مناظر للدماء في حادثة فريال، وحادثتها هى، ونور منذ قليل لتفتح عينيها بفزع حقيقي ولو لم تكن تدرس علم النفس لشككت فما أصابها
هى الآن أصبحت تعاني من فوبيا الدماء، تتجمد فور رؤية ذلك السائل الأحمر وتجحظ عينيها وكأنها ترى جثة فريال أمامها، وعاصم وهو ينزف، وتلك المعيدة التي قتلها كاظم، لا تستطيع منع نفسها من التفكير في الأمر، تشعر أنها ستنفجر في البكاء ولكن هناك حاجز يمنعها من هذا
حاجز النكران فحتى الآن لا تريد أن تصدق أنها مرت بمحاولتين للقتل بل ثلاث، بل وفوق هذا أصبحت تعاني من فوبيا
شعرت بطرق على الباب فوقفت من مكانها هاتفة بصوت متردد :
-نعم
-شروق يخربيتك بندوروا عليكي في المستشفى كلها اطلعي
كان هذا هو صوت شقيقتها براءة فشعرت بالراحة نوعًا ما وخرجت من المرحاض، حدقت بها براءة بقلق لحالتها الغير متزنة ثم استمعت إلى صوت والدها في الخارج وهو ينادي :
-ها لقيتيها جوا ولا ايه؟!
-ايوه يا بابا لقيتها
امسكت بذراعها وجذبتها معها للخارج والأخرى سارت معها بإستسلام إلى أن وصلوا إلى إحدى الغرف، وقد رأت نور مسطحة على الفراش ويبدو أنها غافية بعمق وحولها يجلس حسن وعمها علي وزوجته صفية وإسماعيل ويوسف وحمزة كذلك
وما إن ولجت براءة وهى معها في يدها حتى وقف حمزة بسرعة مقتربًا من شروق ثم هتف بصوت جاد :
-سعيد غانم عملكم ايه!؟
حدقت به الأخرى مطولًا لكن بدت وكأنها لا تراه ولا تسمعه حتى، فوقف حسن يسألها هو فهى الآن من ستروي ما حدث بعد أن نامت نور أو لنقول هربت من واقعها :
-يا شروق حصل ايه لما اتشغلت انا في الخناقة
ازدردت الأخرى لعابها بصعوبة رامقة نور بحزن :
-عايز نور تتنازل عن اللي حصل
-يعني عملها ايه بالظبط هددها ازاي؟؟
نطق بها حمزة بتركيز يريد أن يفهم حتى يستخدم هذا ضد سعيد وابنه فسالت دموع الأخرى على وجنتيها رغم تجلد ملامحها :
-كان هيخلي رجالته يعتدوا عليها وقالها قدامك لحد الليل لو متنازلتيش انا هجيبك ولو وسط عمامك كلهم
شهقت صفية شهقة قوية منتفضة من جانب ابنتها ثم صاحت بقلب أم مرعوب على صغيرتها :
-لا يبقى تتنازل تتنازل انا قولت من الأول منقفوش قدام الناس دي
جذب علي شروق من كتفها حتى تنظر له هاتفًا بقوة :
-عملها حاجة ولا هدد بس!؟ حد لمسها؟
نفت الأخرى برأسها ولكن الآخر لم يطمئن بل هناك وسواس بداخله لم يقتنع فصرخ بشروق بقوة :
-انتي بتقولي كده علشان خايفة، لو حد قرب منها قـــــولي
بكت الأخرى وهى تهز رأسها بطريقة شبه هستيريا، تزامنًا مع قولها :
-لأ وقعها على الأرض بس محدش عملها حاجة وهى قالت هتتنازل
نظر حسين نحو أخيه قائلًا :
-علي تتنازل عن القضية بدال ما البت تروح في داهية خالص
واعترضت براءة على ما يقوله والدها إذ قالت بعنف :
-وقتها هتروح في داهية أكتر ما هى في داهية، لو تنازلت نضمن منين مش هيسيبها في حالها
تمسكت صفية في زوجها هاتفة بنبرة مذعورة :
-علي انا مش هضحي ببتي، الناس دي إحنا مش كدها
نظرت إلى حمزة الذي لم ينطق بكلمة حتى الآن ثم قالت :
-شوف ايه هتعملوا علشان تتنازل ونعملوه
وأخيرًا تحرك لسانه إذ تنفس بقوة ثم نظر إليها بملامح مبهمة ثم قال بنبرة جامدة :
-مش هينفع تتنازل وهى واخدة منوم هتروح إزاي القسم؟!
ارتفعت الأصوات في الغرفة فسحب حمزة نفسه وخرج منها، يكاد يجزم أنه يسير على نيران مشتعلة تحرقه معها، أمسك به يوسف بسرعة وأوقفه في منتصف الممر ثم قال :
-حمزة انتي رايح فين دلوقتي؟؟
حاول الآخر أن يسحب نفسه منه هاتفًا بضيق مكتوم :
-اوعى يا يوسف
-لأ انا مش هسيبك وعارف إنك متعصب
وبكل قوته دفعه بعيدًا عنه فاصطدم الآخر بالحائط ثم تحرك حمزة بعنفوان نحو الخارج، وقبل أن يصل إلى آخر الممر وقف إسماعيل أمامه ودفعه بقوة للخلف ثم قال :
-انت رايح فين دلوقتي هتروح تتنازل عن القضية؟؟
وصاح به الآخر بنبرة غاضبة وقد نفرت عروق رقبته لشدة عصبيته :
-مفيش تنازل وأقسم بالله لأدخل سعيد غانم السجن على اللي عمله فيها ده
قيده يوسف من الخلف وجذبه معه لداخل إحدى الغرف الفارغة في المشفى أسفل صياحه الرافض ليغلق إسماعيل الباب عليهم من الداخل ثم قال بقوة :
-حمزة متاخدش خطوة وانت متعصب اهدى علشان تفكر
نفض حمزة ذراعي يوسف بعيدًا عنه ثم صاح بنفس عصبيته :
-انا مش هاخد خطوة غلط انا هلعب بنفس الوساخة اللي لعب بيها
وقف يوسف أمام الباب يمنعه من الخروج ثم دفعه للخلف قائلًا بغضب :
-انت مش واعي أصلًا بتقول ايه اهدى علشان تعرف تتصرف، هى قدامها تلات أربع ساعات بالكتير وتفوق من المنوم ده ووقتها أهلها هيخلوها تتنازل حتى لو غصب عنها خوفًا على بنتهم، وانا ضد ده علشان كده حقها هيضيع والكلب اللي اسمه سليم ده واللي زيه هيلاقوا فرص أكتر يعملوا كده في بنات الناس فإهدى علشان تعرف تتصرف صح
جلس حمزة على الفراش الطبي الموجود في الغرفة وهو يهز قدميه بعنف ويقبض على الفراش بكفيه بقوة ثم قال بعد دقيقة من الصمت :
-يوسف هو مش خطيب رقية ده شاطر في مجال التهكير والبرمجة وكده
-ايوه بس ليه؟!
-قوله يجي
-يجي يعمل ايه يا حمزة هتحتاجوا في ايه ده؟!
نطق بها إسماعيل بتساؤل فصاح بهما حمزة بغضب :
-اتصل عليه يجي ويجيب اللابتوب بتاعه اللي هيشتغل به وبلاش أسألة كتير علشان انا دمي محروق ومش ناقص
أخرج يوسف هاتفه حتى يتصل على عمر بينما نظر حمزة نحو إسماعيل قائلًا بنفس النبرة :
-تخلي ممرضة قاعدة جنبها لحد ما تفوق وتخلي أمها وأبوها وعيلتها دي بعيد عنها تقولهم قدامها لحد الصبح علشان تفوق، ولما تفوق انا أول واحد يتكلم معاها، أبوها وأمها لو اتكلموا معاها هيضغطوا عليها بكلامهم علشان توافق على التنازل، ولو اتنازلت عن القضية يبقى كله راح ومش هعرف أرجع حقها خالص
-طب حاضر بس انت ناوي على ايه؟؟
مسح الآخر وجهه بعنف ثم قال ضاغطًا على كل كلمة يقولها وهناك نيران مندلعة في صدره :
-قولت محدش يسألني حاجة انا في حالة تخليني أقوم أعجن حد فمحدش يسألني
أخرج هاتفه حتى يتصل على يونس ويأتي معه لرؤية المكان الذي حدث به الأمر ومراجعة الكاميرات وبما أنه ضابط سيساعده على القيام بالأمر بسرعة، وإن كان سعيد قام بفعل شئ يمنعه من الوصول للكاميرات سيساعده عمر في السيطرة عليها، حتى إن كاميرا واحدة تثبت أن سعيد كان موجود في تلك المنطقة :
-الو يا يونس انت فين؟!
-عندي ليك خبر بمليون جنية
-ايه؟؟
نطق بها بإستفهام يشعر أن ما سيسمعه سيقوم بتغير مزاجه تمامًا وهذا لأن يونس لا يهوى المزاح على الأخبار السخيفة، ليجيب الآخر عليه بجدية مع نبرة إنتصار :
-الواد اللي ادتني اسمه كامل وقولتلي أقلب عليه إسكندرية لحد ما ألاقيه
استقام حمزة من مكانه بقوة والبسمة قد إرتسمت على وجهه بإتساع :
-أنت لقيته؟!
حدق الآخر أمامه إلى مراهق نحيف في الخامسة عشر من عمره، ببشرة حنطية وشعر مشعث عبارة عن إلتواءات كثيرة :
-قدامي أهو علشان تعرف إني بيعتمد عليا في طلبات زي كده ومش هتنازل عن أقل من عزومة منك في أغلى مطعم في إسكندرية
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أغلق مع الرجل الخاص به ثم نظر إلى زوجته القلقة والتي كانت تنتظر أي خبر منذ أن اتصل عليه :
-ها يا سعيد اوعى تكون البنت ماتت
وأجابها الآخر بتعب أعصاب وقد ألقى بهاتفه على جنب :
-في مستشفى ماري ولسه حية بس واخدة منوم ونايمة، أهلها عرفوا بالموضوع وخافوا ومستنينها تقوم علشان تتنازل، وده شئ كويس على الأقل لو فضلت مكابرة أهلها يجبروها من خوفها عليهم
-انت عملت فيها ايه علشان تبقى في المستشفى؟!
نطق بها عاصم وهو يلج إلى غرفتهم دون إستئذان فقال سعيد بضجر وهو يعيد ظهره للخلف على الاريكة الصوفية التي يجلس عليها :
-معملتش حاجة وهى لسه حية
-أومال هى في المستشفى لـــيـه؟؟
صاح بها عاصم بغضب للبساطة التي يتحدث بها والده فاستقام الآخر من مكانه بعنف صائحًا به بنفس الطريقة :
-انت متعليش صوتك عليا مش كفاية بلتوني بالمصايب وبحلها من وراكم
وقفت والدته بسرعة ودفعته للخارج حتى لا يتصادم مع والده فيكفي الضغط الذي تعيش به لذا لا ينقصها شجارهم :
-بالله عليك يا عاصم أطلع انا ضغطي عالي لوحده ارحموني بقى
وخرج الآخر من أجلها فقط ليجد شقيقته تقف في الخارج تريد أن تعلم ماذا فعل والدها لنور :
-عاصم البنت كويسة ولا بابا عملها ايه!؟
مسح عاصم لحيته بضيق وهو يتجه إلى الدرج حتى يخرج من المنزل فلحقت به هنا وهى تسمعه يقول :
-بيقول هددها بس مقالش إزاي وهى دلوقتي في مستشفى ماري
-طب انت رايح فين دلوقتي؟! رايح هناك؟؟
توقف الآخر على آخر الدرج وطالع شقيقته بحيرة ثم قال :
-مش عارف يا هنا انا حتى لو روحت هقول ايه ولا هتسمعني أصلًا، انا لو عليا عايز احبس سليم الكلب ده بنفسي يمكن يتربى، بس أبوكي لو اتحبس سليم مش هيسيب البنت دي في حالها
عبثت الأخرى في أصابعها ثم قالت بتردد وصوت خافت حتى لا يسمع أحد :
-انا بعت رسالة للمحامي بتاعها من رقم مجهول وقولتله يخلي باله على موكلته، انا برضو بنت زيها ومش عايزة يطولها أذى من بابا، علشان انا لو مكانها هعمل أكتر من اللي هى بتعمله
-يا خوفي يا هنا اللي أبوكي بيعمله فيها يترد في يوم من الأيام فيكي وفي بنتي، ما الدنيا دي سلف ودين
نطق بها عاصم بصوت مهموم وهو يستند على دربزين الدرج بذراعه لتأتي الخادمة لهما هاتفة بإحترام :
-مدام عايدة عايز تقابل حضرتك يا دكتور عاصم
عقد الآخر حاجبيه بتعجب ثم حدق في ساعته وقد وجدها تعدت السادسة مساءً :
-تمام خليها تيجي
نظرت هنا إلى عايدة التي ظهرت من الباب الداخلي للفيلا ولم تتعجب كثيرًا من هذا التطور فهى كانت تعلم به من خلال حساب عايدة على مواقع التواصل الإجتماعي، ابتسمت لها بمجاملة وردت لها تحيتها برقي لتقول عايدة وهى تنظر نحو عاصم :
-انا عرفت باللي حصل لسليم واللي عمله، الفيدوهات في كل حتة على السوشيال ميديا
عقد عاصم ذراعيه أمام صدره مبتسمًا بسخرية فلم يعد أحد في البلاد لم يسمع بالأمر :
-جاية تواسينا ولا ايه!؟
ضغطت الأخرى على حقيبتها الصغيرة التي تحملها، وعينيها تدور في المكان بتوتر ملحوظ ثم قالت :
-ينفع نتكلم في مكان محدش يسمعنا فيه
نظر الآخر إلى شقيقته بإستغراب ثم أشار لعايدة بأن تأتي خلفه إلى الحديقة وقد لحقت بهما هنا فعلى الأرجح لدى عايدة مصيبة أخرى خاصة بسليم، وقف ثلاثتهم في الحديقة بعيدًا عن الآذان لتقول عايدة بنبرة مترددة :
-هو انتوا مصدقين أن سليم عمل كده في المُدرسة؟؟
وأجابها عاصم بصراحة يخشى أن يكون ما في عقله قد فعله سليم فوالله إن علم أنه قد لمسها عندما كانت زوجته سيقتله دون أن يرف له جفن :
-عايدة سليم عملك حاجة؟!
بللت الأخرى شفتيها وقد اختنق صوتها بشكل تلقائي :
-لأ سليم عمل اللي ألعن من كده وانا هقولك علشان عارفة إنك هتعمل الحق والصح ولو على رقبتك يا عاصم، سليم لازم يتحبس لو فضل برا يا عالم ممكن يعمل ايه ألعن من اللي عمله، ده حاول يعتدي على اختي الصغيرة يا عاصم وماسك عليها صور متفبركة علشان تسكت ومتقولش لحد عن حاجة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من سيارة ابن عمه وقد ولج ذاك إلى المشفى بخطوات سريعة بينما هو ظل ينظر إلى تلك الفتاة الطويلة التي تقف بمفردها بجانب أحد الأشجار، عجبًا هذه المرة الأولى التي يلاحظ بها أن شروق ذات طول فارع، أجل هى لا تفوقه طولًا ولكنها طويلة حتى أطول من شقيقتها براءة
أستند على السيارة يتابع ما تفعل بأعين متعجبة فهى تمسك الهاتف وتضعه على أذنها ولا تبدو أنها تحادث أحد بل وكأنها تستمع لشئ، اقترب منها بخطوات متوجسة ثم توقف خلفها تمامًا عندما وصله صوت نور وهى تصيح بعدة كلمات لا تصل له واضحة فقال متسائلًا :
-انتي بتعملي إيه
انتفضت الأخرى صارخة بفزع وكرد فعل منها في مثل هذه المواقف قامت بضربه بعنف في كتفه صائحة :
-يا حـيـــوان خضيتني
نظر يونس لمكان ضربتها متسع العينين ثم رفع نظره لها ببطء ليجدها عاقدة الحاجبين وتحدق به بأعين حادة مشتعلة فابتسم لها ثم نفض مكان ضربتها وكأنه ينفض تراب وهمي :
-مش هعلق ولا هعمل رد فعل علشان انتي دلوقتي في حالة لا تسمح ليكي بالنقاش مع حد
وضع يديه داخل جيوبه محدقًا في عينيها المرتبكة ثم قال بنبرة جادة :
-انتي عاملة مصيبة ولا ايه؟! مش مظبوطة كده ليه؟؟
وأجابته الأخرى بنبرة مترددة بعد أن بدأت تتمالك نفسها :
-هو... هو لو عرفنا نثبت إن سعيد غانم كان هيخلي راجل يعتدي على نور.... كده نقدر نحبسه؟؟
-إحنا لسه بنحاول نوصل للكاميرات اللي كانت في الشارع علشان نثبت إنه كان هناك لما هددكم، ولو عرفنا نثبت اللي عمله فيها مش أقل من ١٥ سنة، ده تهديد بإعتداء جنسي وده غير التهديد بالضرب اللي حصل في الحجز، دي بقى لو عرفنا نثبتها سعيد غانم هياخد عشرين سنة أو مؤبد
اتسعت عيني شروق بأمل وهى تنظر إلى الهاتف القابع بين يديها ثم رفعته أمام أعين يونس قائلة :
-انا معايا تسجيل على اللي عمله سعيد، وفيه كمان قال إن هو اللي حرض الستات في الحجز على إنهم يضربوا نور وهددها لو متنازلتش هيخدرها ويصورها مع راجل وهو بيعتدي عليها ويبعتها لعمامي
رمش يونس بأهدابه عدة مرات بعدم استيعاب فكيف حصلت على دليل كهذا :
-وانتي معاكي ازاي تسجيل؟ سجلتيه إزاي أصلًا؟!
أخفضت شروق يدها ثم قالت بنبرة مرهقة من كم الأحداث التي تمر بها :
-حطيت التليفون في الكُم وشغلت تسجيل وانا مخبية التليفون وراء نور وكنت لاصقة فيها علشان كده محدش خد باله
أتسعت البسمة على وجه يونس فحمزة سيقفز من فرط السعادة عندما يرى هذا الدليل، أخذ منها الهاتف ثم قال ببسمة مشاغبة لم تظهر عليه من قبل لها :
-انا مقولتش كده لبنت في حياتي بس انتي عسل
رمقته الأخرى بنظرة بلهاء وظنت أنها قد أخطأت السمع فكلمة كهذه لأ تخرج أبدًا من شخص يمتلك شخصية كشخصية يونس
تحرك بسرعة من أمامها قائلًا بجدية :
-لازم عمامك يسمعوا ده علشان لما يعرفوا إن معانا دليل يحبس سعيد غانم وابنه مش هيجبروا نور تتنازل عن القضية
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
فتح إسماعيل الغرفة القابعة بها نور ليلج حمزة ثم دلف هو خلفه وأغلق الباب، وعلى أثر هذا أدارت نور رأسها وأبعدت عينيها عن الممرضة التي كانت تفحص ضغط الدم لديها ليقول إسماعيل وهو ينظر إلى ضغط دمها :
-ضغطك واطي شوية أكيد من قلة الأكل
لم تبالي كثيرًا بما قال ولن تكذب إن قالت أنها فقدت الشغف للحياة من كثرة الظلم الذي تعرضت له، وفي هذه اللحظة لم ترد إلا الحضن الحنون الذي يحتويها لذا قالت بنبرة مرهقة خافتة بالكاد وصلت لهم :
-انا عايزة ماما هى فين؟!
نظر إسماعيل نحو الممرضة فقالت الأخرى بعملية :
-والدتها مكنتش سيباها لحظة وخرجت مع رجلين والممرضة براءة من شوية واكيد راجعة تاني، انا هاروح ابلغها إنها فاقت دي كانت هتتجنن عليها
-لأ مش دلوقتي عشر دقايق كده وقوليلها
نطق بها حمزة وهو يجذب أحد المقاعد الموجودة وجلس عليه بجانب الفراش فنظرت الممرضة لإسماعيل وهو بدوره أشار لها بالخروج وظل مع نور وحمزة في حين أتى خاله أو زوجة خاله فلا يكون حمزة ونور في موقف سئ حينها
نظر حمزة إلى كف نور الموضوع فوق الغطاء وفوق صدرها تمامًا، ربما يعلم الخطأ من الصواب، والذي يجوز والذي لا يجوز ولكنه ضعف أمام ضعفها وامسك بكفها الناعم بين كفه الضخم نوعًا ما ثم قال بجدية :
-انتي مش هتتنازلي عن القضية
حاولت نور جذب يدها منه بضعف ولكن لا طاقة لها فهى بالكاد تستطيع فتح جفنيها من أثر المنوم والآخر تمسك في كفها أكثر وعاطفته هى ما تحركه الآن :
-انا مش هسيبك تضيعي حقك
-هما ضيعوني خلاص انا مش كد الناس دي من الأول.... انا اتكسرت يا حمزة
نطقت بها بوهن شديد وقد أدمعت عينيها بشكل لا إرادي منها فقال الآخر بقوة :
-متقوليش كده انتي سليمة محدش عملك حاجة ولا لمسك وانا والله لاجيبك حقك منهم كلهم، مش عايز بس غير حضورك بكرة في المحكمة
هزت رأسها يمينًا ويسارًا بتعب رافضة تحدي ذلك الرجل :
-مش هيسيبني في حالي حتى لو حبست ولده
-وانا هحبسه هو وابنه هخليه يدفع تمن اللي عمله من عمره ومن فلوسه
ابتلعت لعابها بصعوبة وكأنه شفرات مسننة لتهبط دموعها بضعف شديد فتمسك الآخر في كفها بيديه الاثنين ثم قال بجدية وصوت مُحِب :
-مش عايز غير حضورك بكرة خليكي واثقة فيا انا، والله وانا حلفت ليكي هجيبلك حقك يا نور
-حمزة سيب ايدها مينفعش كده
نطق بها إسماعيل فور ملاحظته لهذا فقال الآخر بمازح يحاول بها رسم بسمة على وجه هذه المسكينة :
-قلبي مش مطاوعني بصراحة
جذب الآخر ذراع نور ووضعه فوق صدرها كما كان ثم جعل حمزة يقف معه هاتفًا بجدية :
-خلاص كفاية كده وسيبها ترتاح هى لسه تعبانة وأثر المخدر فيها، هى تقريبًا مش واعية انت قولت ايه وهى ردت بإيه
آماء حمزة بإيجاب ثم نظر إلى نور بنظرة اخيرة قائلًا :
-خلي بالك منها يا إسماعيل ومتخليش حد يدخل عندها
دفعه الآخر أمامه حتى يخرج ثم أغلق الباب على نور وفور أن أستدار وجد خاله وزوجته قادمين مع يونس وشروق، وما إن وقف علي أمام حمزة حتى قال بنبرة جادة :
-انت كنت بتعمل ايه جوا عندها؟؟
حاول إسماعيل التبرير حتى لا يقع حمزة وتهوره في مشاكل ولكن الآخر قد سبقه وقال بجدية :
-كنت بقولها متتنازلش عن القضية، هى بقيت معايا خلاص بشهود وأدلة
عارضته صفية بخوفها على ابنتها قائلة :
-وانت فكرك هو هيسيبها دول ناس واصلة وانا مش هرمي بتي في النار
-ده هو اللي هيترمي في السجن بعد التسجيل ده خلاص القضية دي مبقاش فيها خوف
نطق بها يونس وهو يرفع أمامهم الهاتف الذي كان مع شروق فقالت الأخرى حتى تطمئن خالتها :
-خالتي انا سجلت لما كنت معاها والتسجيل فيه صوت سعيد وهو بيهدد نور وفيه قال إن هو اللي خلى الستات يضربوها في الحجز علشان تتنازل، يعني كده هو رايح في داهية
ابتسم حمزة متعجبًا لحكمة ربه فبعد أن ضاقت على نور من كل إتجاه ها هو يفرجها عليها، بينما لم تكن صفية على علم بمثل هذه الأشياء فهى امرأة بسيطة لا تفهم الكثير لذا قالت بإستفهام :
-يعني كده هو كمان هيتحبس؟!
وابتسم لها حمزة بثقة عالية وقد التمع المكر والخبث في عينيه :
-ده عملها ترويع بإعتداء وفضيحة علشان تتنازل، وحرض على ضربها وعندنا تقرير يثبت إن دراعها اتكسر وعندها جرح نافذ وعميق في جنبها وجرح تاني في راسها غير الكدمات والحالة النفسية اللى بقيت صفر، ده انا هجيبله مؤبد بدول وهدخله هو وابنه السجن بتذكرة واحدة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!